الصفحة السابقة

الصفحة التالية

قال الاميني: يعلمنا الحديث ان الخليفة ابتاع الضيعة وماءها
وفيه حق لوقف رسول اللّه لا يجوز ابتياعه، فان‏كان يعلم بذلك،
وهو المستفاد من سياق الحديث حيث انه لم يعتذر بعدم العلم،
وهو الذي يلمح اليه قول‏الامام (ع): وقد علمت انه لايشتريها
غيرك. فباي مبرر استساغ ذلك الشراء؟ وان كان لا يعلم فقد
اعلمه‏الامام (ع) فما هذه المماراة والتلاحي ورفع الدرة الذي
اضطر الامام الى رفع العصا؟ حتى فصل بينهماالعباس، او في
الحق مغضبة؟ وهل يكون تنبيه الغافل او ارشاد الجاهل مجلبة
لغضب الانسان الديني؟فضلاعمن يقله اكبر منصة في الاسلام.
واحسب ان ذيل الرواية ملصق بها لاصلاح ما فيها، وعلى فرض
صحته فانه لا يجديهم نفعا ، فان الامام(ع) لم يال جهدا في
النهي عن المنكر سواء ارتدع فاعله او انه (ع) يئس من خضوعه
للحق، وعلى كل فانه(ع) كان يماشيهم على ولاء الاسلام ولا
يثيره الا الحق اذا لم يعمل به، فيجري في كل ساعة على
حكمها من‏مكاشفة او ملاينة، وهكذا فليكن المصلح المنزه عن
الاغراض الشخصية الذي يغضب للّه وحده ويدعو الى الحق
للحق.

(27) الخليفة في ليلة وفاة ام كلثوم
اخرج البخاري في صحيحه ((1044)) في الجنائز باب يعذب
الميت ببكاء اهله، وباب من يدخل قبر المراة(2/225، 244)،
بالاسناد من طريق فليح بن سليمان، عن انس ابن مالك، قال:
شهدنا بنت ((1045)) رسول اللّه(ص) ورسول اللّه (ص) جالس
على القبر، فرايت عينيه تدمعان فقال: «هل فيكم من احد لم
يقارف‏الليلة؟» فقال ابو طلحة زيد بن سهل الانصاري : انا،
قال: «فانزل في قبرها». قال: فنزل في قبرهافقبرها. قال ابن
مبارك: قال فليح: اراه يعني الذنب. قال ابو عبداللّه يعني
البخاري نفسه ليقترفوا:ليكتسبوا ((1046)) وفي مسند
احمد، قال سريج: يعني ذنبا.
واخرجه ((1047)) ابن سعد في الطبقات (8/31) طبع ليدن،
واحمد في مسنده (3/126، 228، 229، 270)،والحاكم في
المستدرك (4/47)، والبيهقي في السنن الكبرى (4/53) من
طريقين، وذكره السهيلي في الروض‏الانف (2/107) نقلا عن
تاريخ البخاري وصحيحه وعن الطبري فقال: قال ابن بطال:
اراد النبي (ص) ان‏يحرم عثمان النزول في قبرها، وقد كان
احق الناس بذلك لانه كان بعلها وفقد منها علقا لا عوض منه
لانه‏حين قال (ع): «ايكم لم يقارف الليلة اهله‏». سكت عثمان
ولم يقل انا، لانه كان قد قارف ليلة ماتت بعض‏نسائه ولم يشغله
الهم بالمصيبة وانقطاع صهره من النبي (ص) عن المقارفة،
فحرم بذلك ما كان حقا له وكان‏اولى من ابي طلحة وغيره،
وهذا بين في معنى الحديث، ولعل النبي (ص) قد كان علم
ذلك بالوحي فلم يقل‏له شيئا لانه فعل فعلا حلالا، غير ان
المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله حتى حرم ما حرم من ذلك
بتعريض‏غير تصريح واللّه اعلم.
ويوجد الحديث في نهاية ابن الاثير ((1048)) (3/276)، لسان
العرب ((1049)) (11/189)، الاصابة (4/489)، تاج‏العروس
(6/220).
قال الاميني: اضطربت كلمات العلماء حول هذا الحديث غير ان
فليحا المتوفى سنة (163)، الذي فسرالمقارفة بالذنب، وايد
البخاري كلامه بقوله: ليقترفوا: ليكتسبوا، وسريجا المتوفى
سنة (217) هم اقدم من‏تكلم فيه، وقال الخطابي ((1050)):
معناه لم يذنب ((1051)). وجاء ابن بطال ((1052)) وخصه
بمقارفة النساء، وجمع بينهماالعيني ((1053))، وايا ما كان فلا
شك في انه امر استحق من جرائه عثمان الحرمان من النزول
في قبر زوجته ابنة‏رسول اللّه (ص) وكان اولى الناس بها،
والمسلمون كلهم كانوا يعلمون ذلك، لكن رسول اللّه (ص)
الداعي‏الى الستر على المؤمنين والاغضاء عن العيوب، الناهي
عن اشاعة الفحشاء في كتابه الكريم، والمانع عن‏التجسس عما
يقع في الخلوات ، المبعوث لاعزاز اهل الدين، شاء وما ينطق
عن الهوى ان هو الا وحي‏يوحى ان يستثني موردا واحدا تلوح
بامر عظيم حرم لاجله عثمان من الحظوة بالنزول في قبر
حليلته اومعقد شرفه بصهر رسول اللّه (ص) وواسطة مفخره
بهاتيك الصلة، فعرف المسلمون ذلك المقتضي بالطبع‏الاول
وهذا المانع من المقارفة المختلف في تفسيرها، فان كان ذنبا
اثر في رسول اللّه (ص) ان حط من رتبته‏بما قلناه. ولو كانت
صغيرة وهي غير ظاهرة تستر عليها، لكنها بلغت من الكبر حدا
لم ير (ص) سترها،ولا رعى حرمة ولا كرامة لمقترفها، فان
كانت سيئة هذا شانها، فلا خير فيمن يجترح السيئات.
وان اريدت مقارفة النساء على الوجه المحلل فهي من منافيات
المروءة ومن لوازم الفظاظة والغلظة،فاي‏انسان تحب ذ له
نفسه التمتع بالجواري في اعظم ليلة عليه هي ليلة تصرم
مجده، وانقطاع فخره، وانفصام‏عرى شرفه، فكيف هان ذلك
على الخليفة؟ فلم يراع حرمة رسول اللّه (ص) واستهانت تلك
المصيبة‏العظيمة فتلذذ بالرفث الى جارية ((1054))،
والمطلوب من الخلفاء معرفة فوق هذه من اول يومهم،
ورافة‏اربى مماوقع، ورقة تنيف على ما صدر منه، وحياء يفضل
على ماناء به.
ومن العسير جدا الخضوع للاعتقاد بان رسول اللّه (ص) ارتكب
ذلك الهتك والاهانة على امر مباح مع‏رافته الموصوفة على
افراد الامة واغراقه نزعا في الستر عليهم، وكيف في حق رجل
يعلم (ص) انه سيشغل‏منصة الخلافة؟
هذا ما عندنا واما انت فظن خيرا ولا تسال عن الخبر.
ايحكم ضميرك الحر عندئذ في رجل هذا شانه وهذه سيرته مع
كريمة رسول اللّه (ص) بصحة ما اخرجه ابن‏سعد في طبقاته
((1055)) (3/38) من القول المعزو الى رسول اللّه (ص) يوم
قارف الرجل، يوم سمع من‏النبي‏الاعظم تلك القارصة: لو كان
عندي ثالثة زوجتها عثمان، قاله لم ا ماتت ام كلثوم؟ كذا قال
ابن سعد.
او قوله: لو كن يعني بناته عشرا لزوجتهن عثمان ((1056))؟
او قوله فيما اخرجه ابن عساكر ((1057)): لو ان لي اربعين بنتا
لزوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا تبقى‏منهن‏واحدة
؟ ((1058))
او قوله فيما جاء به ابن عساكر ((1059)) من طريق ابي هريرة
قال: ان رسول اللّه(ص) لقي عثمان بن عفان على‏باب المسجد
فقال: يا عثمان هذا جبريل يخبرني ان اللّه قد زوجك ام كلثوم
بمثل صداق رقية على مثل‏مصاحبتها ((1060))؟
اكانت مصاحبة عثمان هذه ام كلثوم ولدة مصاحبتها رقية
وكانت مرضية للمولى سبحانه؟ او ترى عثمان‏متخلفا عن
شرط اللّه في ام كلثوم؟ انا لا ادري.
على ان اسناد هذا الحديث معلول من جهات، وكفاه علة
عبدالرحمن بن ابي الزناد القرشي وقد ضعفه ابن‏معين
((1061)) وابن المديني وابن ابي شيبة وعمرو بن علي
والساجي وابن سعد ((1062))، وقال ابن معين
والنسائي((1063)): ولا يحتج بحديثه ((1064)).

(28) اتخاذ الخليفة الحمى له ولذويه
لقد جعل الاسلام منابت العيش من مساقط الغيث والمروج
كلها شرعا سواء بين المسلمين اذا لم يكن لهامالك مخصوص
كما هو الاصل في المباحات الاصلية من اجواز الفلوات واطراف
البراري، فترتع فيها مواشيهم وترعى ابلهم وخيلهم من دون

اي مزاحمة بينهم، وليس لاي احد ان يحمي لنفسه حمى
فيمنع‏الناس عنه، فقال(ص): «المسلمون شركاء في ثلاث: في
الكلا والماء والنار».
وقال: «ثلاث لا يمنعن: الماء والكلا والنار».
وقال: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلا» وفي لفظ: «لا تمنعوا
فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلا». وفي لفظ: «من‏منع فضل الماء
ليمنع به فضل الكلا منعه اللّه فضله يوم القيامة‏» ((1065)) نعم
كان في الجاهلية يحمي الشريف منهم‏ما يروقه من قطع
الارض لمواشيه وابله خاصة فلا يشاركه فيه احد وان شاركهم
هو في مراتعهم، وكان هذامن مظاهر التجبر السائد عندئذ،
فاكتسح رسول اللّه (ص) ذلك فيما اكتسحه من عادات
الطواغيت وتقاليدالجبابرة فقال (ص): «لا حمى الا للّه
ولرسوله‏» ((1066)).
وقال الشافعي في تفسير الحديث: كان الشريف من العرب في
الجاهلية اذا نزل بلدا في عشيرته استعوى‏كلبا، فحمى لخاصته
مدى عواء الكلب لايشركه فيه غيره فلم يرعه معه احد، وكان
شريك القوم في سائرالمراتع حوله. قال: فنهى النبي (ص) ان
يحمى على الناس حمى كما كانوا في الجاهلية يفعلون. قال:
وقوله: الا للّه ولرسوله. يقول: الا ما يحمى لخيل المسلمين
وركابهم التي ترصد للجهاد ويحمل عليها في‏سبيل اللّه وابل
الزكاة كما حمى عمر النقيع ((1067)) لنعم الصدقة والخيل
المعدة في سبيل اللّه ((1068)).
واستعمل عمر على الحمى مولى له يقال له هنى فقال له: يا
هنى ضم جناحك للناس، واتق دعوة المظلوم‏فان دعوة
المظلوم مجابة، وادخل رب الصريمة ورب الغنيمة، واياي ونعم
ابن عفان ((1069)) ونعم ابن عوف‏فانهما ان تهلك ماشيتهما
يرجعان الى نخل وزرع، وان رب الغنيمة والصريمة ياتي بعياله
فيقول: يا اميرالمؤمنين افتاركهم انا؟ لا ابا لك. الى آخره
. ((1070))
كان هذا الناموس متسالما عليه بين المسلمين حتى تقلد
عثمان الخلافة فحمى لنفسه دون ابل الصدقة كما في‏انساب
البلاذري (5/37)، والسيرة الحلبية ((1071)) (2/87)، او له
ولحكم بن ابي العاص كما في رواية الواقدي،او لهما ولبني امية
كلهم كما في شرح ابن ابي الحديد ((1072)) (1/67) قال:
حمى عثمان المراعي حول المدينة كلهامن مواشي المسلمين
كلهم الا عن بني امية. وحكى في (ص‏235) ((1073)) عن
الواقدي انه قال: كان عثمان يحمي‏الربذة والشرف والنقيع،
فكان لا يدخل الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني امية حتى كان
آخر الزمان،فكان يحمي الشرف ((1074)) لابله، وكانت الف
بعير ولابل الحكم بن ابي العاص، ويحمي الربذة ((1075))
لابل‏الصدقة، ويحمي النقيع لخيل المسلمين وخيله وخيل
بني امية. انتهى.
نقم ذلك المسلمون على الخليفة فيما نقموه عليه وعدته
عائشة مما انكروه عليه، فقالت: وانا عتبنا عليه كذاوموضع
الغمامة المحماة ((1076))، وضربه بالسوط والعصا، فعمدوا اليه
حتى اذا ماصوه كما يماص الثوب ((1077))، قال‏ابن منظور في
ذيل الحديث: الناس شركاء فيما سقته السماء من الكلا اذا لم
يكن مملوكا فلذلك عتبوا عليه.
كانت في اتخاذ الخليفة الحمى جدة واعادة لعادات الجاهلية
الاولى التي ازاحها نبي الاسلام (ص) وجعل‏المسلمين في الكلا
مشتركين، وقال: «ثلاثة يبغضهم اللّه»، وعد فيهم من استن في
الاسلام سنة الجاهلية ((1078)).وكان حقا على الرجل ان
يحمي حمى الاسلام قبل حمى الكلا، ويتخذ ما جاء به الرسول
(ص) سنة متبعة‏ولا يحيي سنة الجاهلية، (فلن تجد لسنة اللّه
تبديلا ولن تجد لسنة اللّه تحويلا) ((1079)). ولكنه...

(29) اقطاع الخليفة فدك لمروان
عد ابن قتيبة في المعارف ((1080)) (ص‏84)، وابو الفداء في
تاريخه (1/168) مما نقم الناس على عثمان اقطاعه
فدك‏لمروان وهي صدقة رسول اللّه، فقال ابو الفداء: واقطع
مروان بن الحكم فدك وهي صدقة رسول اللّه (ص)التي
طلبتها فاطمة ميراثا، فروى ابو بكر عن رسول اللّه (ص): نحن
معاشرالانبياء لانورث ماتركناه صدقة،ولم تزل فدك في
يدمروان وبنيه الى ان تولى عمر بن عبدالعزيز فانتزعها من
اهله وردها صدقة.
واخرج البيهقي في السنن الكبرى (6/301) من طريق المغيرة
حديثا في فدك وفيه: انها اقطعها مروان لمامضى عمر لسبيله.
فقال: قال الشيخ: انما اقطع مروان فدكا في ايام عثمان بن
عفان (رضي اللّه عنه) وكانه‏تاول في ذلك ما روي عن رسول
اللّه، (ص) اذا اطعم اللّه نبيا طعمة فهي للذي يقوم من بعده،
وكان‏مستغنياعنها بماله فجعلها لاقربائه ووصل بها رحمهم،
وذهب آخرون الى ان المراد بذلك التولية وقطع‏جريان الارث
فيه، ثم تصرف في مصالح المسلمين كما كان ابو بكر وعمر غ
يفعلان.
وفي العقد الفريد ((1081)) (2/261) في عد ما نقم الناس على
عثمان: انه اقطع فدك مروان وهي صدقة لرسول اللّه(ص)
وافتتح افريقية واخذ خمسها فوهبه لمروان.
وقال ابن ابي الحديد في شرحه ((1082)) (1/67): واقطع
عثمان مروان فدك، وقد كانت فاطمة (عليها السلام)طلبتها
بعد وفاة ابيها صلوات اللّه عليه تارة بالميراث وتارة بالنحلة
فدفعت عنها.
قال الاميني: انا لا اعرف كنه هذا الاقطاع‏وحقيقة هذا
العمل‏فان فدك ان كانت فيئا للمسلمين كما ادعاه‏ابو بكر
فما وجه تخصيصها بمروان؟ وان كانت ميراثا لال رسول اللّه
(ص) كما احتجت له الصديقة‏الطاهرة في خطبتها، واحتج له
ائمة الهدى من العترة الطاهرة وفي مقدمهم سيدهم امير
المؤمنين عليه وعليهم‏السلام، فليس مروان منهم، ولا كان
للخليفة فيها رفع ووضع. وان كانت نحلة من رسول اللّه (ص)
لبضعته‏الطاهرة فاطمة المعصومة صلوات اللّه عليها كما
ادعته وشهد لها امير المؤمنين وابناها الامامان السبطان‏وام
ايمن المشهود لها بالجنة فردت شهادتهم بما لا يرضي اللّه ولا
رسوله، واذا ردت شهادة اهل آية التطهيرفباي شي‏ء يعتمد
؟ وعلى اي حجة يعول؟ ((1083))
ان دام هذا ولم يحدث به غير
لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
فان كانت فدك نحلة فاي مساس بها لمروان؟ واي سلطة
عليها لعثمان؟ حتى يقطعها لاحد. ولقد تضاربت‏اعمال الخلفاء
الثلاثة في امر فدك فانتزعها ابو بكر من اهل البيت، وردها عمر
اليهم، واقطعها عثمان لمروان،ثم كان فيها ما كان في ادوار
المستحوذين على الامر منذ عهد معاوية وهلم جرا فكانت
تؤخذ وتعط‏ى،ويفعلون بها ما يفعلون بقضاء من الشهوات، كما
فصلناه في الجزء السابع (ص‏195 197) ولم يعمل برواية‏ابي
بكر في عصر من العصور، فان صانعه الملا الحضور على سماع
ما رواه عن رسول اللّه (ص) وحابوه‏وجاملوه، فقد ابطله من جاء
بعده باعمالهم وتقلباتهم فيها بانحاء مختلفة.
بل ان ابا بكر نفسه اراد ان يبطل روايته باعطاء الصك للزهراء
فاطمة، غير ان ابن الخطاب منعه وخرق‏الكتاب كما مر في
الجزء السابع عن السيرة الحلبية، وبذلك كله تعرف قيمة تلك
الرواية ومقدار العمل عليهاوقيمة هذا الاقطاع، وسيوافيك قول
مولانا امير المؤمنين في قطائع عثمان.

(30) راي الخليفة في الاموال والصدقات
لم تكن فدك ببدع من سائر الاموال من الفي‏ء والغنائم
والصدقات عند الخليفة بل كان له راي حر فيها
وفي‏مستحقيها، كان يرى المال مال اللّه، ويحسب نفسه ولي
المسلمين، فيضعه حيث يشاء ويفعل فيه ما يريد،فقام كما قال
مولانا امير المؤمنين:«نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام
معه بنو ابيه يخضمون مال اللّهخضمة الابل نبتة الربيع‏»
. ((1084))
كان يصل رحمه بمال يستوي فيه المسلمون كلهم، ولكل فرد
من الملا الديني منه حق معلوم للسائل‏والمحروم، لا يسوغ في
شرعة الحق وناموس الاسلام المقدس حرمان احد من نصيبه
واعطاء حقه لغيره من‏دون مرضاته.
جاء عن رسول اللّه (ص) في الغنائم: «للّه خمسه واربعة اخماس
للجيش، وما احد اولى به من احد، ولاالسهم تستخرجه من
جنبك، ليس انت احق به من اخيك المسلم‏» ((1085)).
وكان (ص) اذا جاءه في‏ء قسمه من يومه فاعط‏ى ذا الاهل
حظين، واعط‏ى العزب حظا ((1086)).
والسنة الثابتة في الصدقات ان اهل كل بيئة احق بصدقتهم ما
دام فيهم ذو حاجة، وليس الولاية على‏الصدقات للجباية
وحملها الى عاصمة الخلافة وانما هي للاخذ من الاغنياء
والصرف في فقراء محالها، وقدورد في وصية رسول اللّه (ص)
معاذا حين بعثه الى اليمن يدعوهم الى الاسلام والصلاة انه
قال: «فاذا اقروالك بذلك فقل لهم: ان اللّه قد فرض عليكم
صدقة اموالكم تؤخذ من اغنيائكم فترد في فقرائكم‏» ((1087)).
قال عمرو بن شعيب: ان معاذ بن جبل لم يزل بالجند اذ بعثه
رسول اللّه الى اليمن حتى مات النبي (ص) وابوبكر، ثم قدم
على عمر فرده على ما كان عليه فبعث اليه معاذ بثلث صدقة
الناس، فانكر ذلك عمر وقال: لم‏ابعثك جابيا ولا آخذ جزية،
ولكن بعثتك لتاخذ من اغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال
معاذ: مابعثت اليك بشي‏ء وانا اجد احدا ياخذه مني. الحديث
. ((1088))
ومن كتاب لمولانا امير المؤمنين الى قثم بن العباس يوم كان
عامله على مكة: «وانظر الى ما اجتمع عندك‏من مال اللّه
فاصرفه الى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة مصيبا به
مواضع الفاقة والخلات، وما فضل عن‏ذلك فاحمله الينا
لنقسمه فيمن قبلنا» نهج البلاغة ((1089)) (2/128).
وقال (ع) لعبد اللّه بن زمعة لما قدم عليه في خلافته يطلب
منه مالا: «ان هذا المال ليس لي ولا لك، وانما هوفي‏ء
للمسلمين وجلب اسيافهم، فان شركتهم في حربهم كان لك
مثل حظهم، والا فجناة ((1090)) ايديهم لاتكون لغير
افواههم‏». نهج البلاغة ((1091)) (4611).
ومن كلام له (ع): «ان القرآن انزل على النبي (ص) والاموال
اربعة: اموال المسلمين فقسمها بين الورثة في‏الفرائض، والفي‏ء
فقسمه على مستحقيه، والخمس فوضعه اللّه حيث وضعه،
والصدقات فجعلها اللّه حيث‏جعلها». راجع ما اسلفناه في
(6/77).
واتى‏عليااميرالمؤمنين مال من‏اصبهان‏فقسمه بسبعة‏اسباع
ففضل‏رغيف‏فكسره بسبع [كسر] ((1092)) فوضع‏على كل جزء
كسرة ثم اقرع بين الناس ايهم ياخذ اول ((1093)).
واتته (ع) امراتان تسالانه عربية ومولاة لها، فامر لكل واحدة
منهما بكر من طعام واربعين درهما، فاخذت‏المولاة الذي
اعطيت وذهبت، وقالت العربية: يا امير المؤمنين تعطيني مثل
الذي اعطيت هذه وانا عربية‏وهي مولاة؟ قال لها علي(رضي
اللّه عنه): اني نظرت في كتاب اللّه عز وجل فلم ار فيه فضلا
لولد اسماعيل‏على ولد اسحاق ((1094)).
ولذلك كله كانت الصحابة لا ترتضي من الخليفة الثاني تقديمه
بعضا من الناس على بعض في الاموال بمزية‏معتبرة كان
يعتبرها فيمن فضله على غيره، كتقديم زوجات النبي (ص)
امهات المؤمنين على غيرهن،والبدري على من سواه،
والمهاجرين على الانصار، والمجاهدين على القاعدين، من
دون حرمان اي احدمنهم ((1095))، وكان يقول على صهوات
المنابر: من اراد المال فلياتني فان اللّه جعلني له خازنا وقاسما
. ((1096))
ويقول بعد قراءة آيات الاموال: واللّه ما من احد من المسلمين
الا وله حق في هذا المال اعط‏ي منه او منع‏حتى راع بعدن
. ((1097))
ويقول: ابدا برسول اللّه (ص) ثم الاقرب فالاقرب اليه. فوضع
الديوان على ذلك.
وفي لفظ ابي عبيد: ان رسول اللّه امامنا فبرهطه نبدا، ثم
بالاقرب فالاقرب ((1098)).
وقبل هذه كلها سنة اللّه في الذكر الحكيم حول الاموال مثل
قوله تعالى:
1 (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان للّه خمسه وللرسول
ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن‏السب‏يل) ((1099)).
2 (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة
قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي‏سبيل‏اللّه وابن السبيل
فريضة من اللّه واللّه عليم حكيم) ((1100)).
3 (وما افاء اللّه على رسوله منهم فما اوجفتم عليه من خيل
ولا ركاب ولكن اللّه يسلط رسله على من يشاءواللّهعلى كل شي
قدير - ما افاء اللّه على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي
القربى واليتامى والمساكين‏وابن السبيل) ((1101)).
هذه سنة اللّه وسنة نبيه غير ان الخليفة عثمان نسي ما في
الكتاب العزيز، وشذ عما جاء به النبي الاقدس في‏الاموال،
وخالف سيرة من سبقه، وتزحزح عن العدل والنصفة، وقدم ابناء
بيته الساقط، اثمار الشجرة‏الملعونة في كتاب اللّه، رجال العيث
والعبث، والخمور والفجور، من فاسق الى لعين، الى حلاف
مهين همازمشاء بنميم، وفضلهم على اعضاء الصحابة وعظماء
الامة الصالحين، وكان يهب من مال المسلمين لاحد من‏قرابته
قناطير مقنطرة من الذهب والفضة من دون اي كيل ووزن،
ويؤثرهم على‏من سواهم‏كائنا من‏كان من‏ذي قربى
رسول‏اللّه(ص)وغيرهم. ولم‏يكن يجرؤ احد عليه بالامر
بالمعروف والنهي عن المنكر لما كان يرى‏سيرته الخشنة مع
اولئك القائمين بذلك الواجب، ويشاهد فيهم من الهتك
والتغريب والضرب بدرة كانت‏اشد من الدرة العمرية ((1102))
مشفوعة بالسوط والعصا ((1103))، واليك نبذة من سيرة
الخليفة في الاموال:

(31) ايادي الخليفة عند الحكم بن ابي العاص
اعط‏ى صدقات قضاعة الحكم بن ابي العاص عمه، طريد النبي
بعدما قربه وادناه، والبسه يوم قدم المدينة‏وعليه فزر ((1104))
خلق وهو يسوق تيسا والناس ينظرون الى سوء حاله وحال من
معه، حتى دخل دارالخليفة ثم خرج وعليه جبة خز وطيلسان.
تاريخ اليعقوبي ((1105)) (2/41).
وقال البلاذري في الانساب (5/28) رواية عن ابن عباس انه
قال: كان مما انكروا على عثمان انه ولى الحكم‏بن ابي العاص
صدقات قضاعة ((1106))، فبلغت ثلاث مائة الف درهم فوهبها
له حين اتاه بها.
وقال ابن قتيبة وابن عبد ربه والذهبي: ومما نقم الناس على
عثمان انه آوى طريد النبي (ص) الحكم ولم يؤوه‏ابو بكر وعمر
واعطاه مائة الف ((1107)).
وعن عبدالرحمن بن يسار قال: رايت عامل صدقات المسلمين
على سوق المدينة اذا امسى آتاها عثمان،فقال له: ادفعها الى
الحكم بن ابي العاص، وكان عثمان اذا اجاز احدا من اهل بيته
بجائزة جعلها فرضا من‏بيت المال، فجعل يدافعه ويقول له:
يكون فنعطيك ان‏شاءاللّه. فالح عليه فقال: انما انت خازن لنا،
فاذااعطيناك فخذ، واذا سكتنا عنك فاسكت. فقال: كذبت واللّه
ما انا لك بخازن ولا لاهل بيتك انما انا خازن‏المسلمين، وجاء
بالمفاتيح يوم الجمعة وعثمان يخطب فقال: ايها الناس زعم
عثمان اني خازن له ولاهل بيته‏وانما كنت خازنا للمسلمين
وهذه مفاتيح بيت مالكم، ورمى بها فاخذها ودفعها الى زيد بن
ثابت. تاريخ‏اليعقوبي ((1108)) (2/145).
قال الاميني: يروى نظير هذه القضية كما ياتي لزيد بن ارقم
وعبداللّه بن مسعود، ولعل هذه وقعت لغيرهم‏من الولاة على
الصدقات ايضا، واللّه العالم.

الحكم وما ادراك ما الحكم؟
كان خصاء يخصي الغنم ((1109)) احد جيران رسول اللّه (ص)
بمكة من اولئك الاشداء عليه (ص) المبالغين في‏ايذائه شاكلة
ابي لهب كما قاله ابن هشام في سيرته ((1110))(2/25)، واخرج
الطبراني ((1111)) من حديث عبدالرحمن‏بن ابي بكر قال: كان
الحكم يجلس عند النبي (ص) فاذا تكلم اختلج، فبصر به النبي
(ص) فقال: «كن ((1112)) كذلك‏» فما زال يختلج حتى مات.

وفي لفظ مالك بن دينار: مر النبي (ص) بالحكم فجعل الحكم
يغمز النبي(ص) باصبعه فالتفت فرآه فقال: «اللهم اجعل به
وزغا» ((1113)) فرجف مكانه وارتعش. وزاد الحلبي: بعد ان
مكث شهرا مغشيا عليه ((1114)).
اسلفناه من طرق الحفاظ ((1115)) الطبراني والحاكم
والبيهقي. ومرت صحته في الجزء الاول صفحة (260).
روى البلاذري في الانساب (5/27): ان الحكم بن ابي العاص
كان جارا لرسول اللّه (ص) في الجاهلية وكان‏اشد جيرانه اذى
له في الاسلام، وكان قدومه المدينة بعد فتح مكة وكان
مغموصا عليه في دينه، فكان‏يمرخلف رسول اللّه (ص) فيغمز
به ويحكيه ويخلج بانفه وفمه، واذا صلى قام خلفه فاشار
باصابعه، فبقي على‏تخليجه واصابته خبلة، واطلع على رسول
اللّه (ص) ذات يوم وهو في بعض حجر نسائه فعرفه وخرج
اليه‏بعنزة ((1116)) وقال: «من عذيري من هذا الوزغة اللعين؟»
ثم قال: لا يساكنني ولاولده فغربهم جميعا الى‏الطائف، فلما
قبض رسول اللّه (ص) كلم عثمان ابا بكر فيهم وساله ردهم
فابى ذلك وقال: ما كنت لاوي‏طرداء رسول اللّه(ص). ثم لما
استخلف عمر كلمه فيهم فقال مثل قول ابي بكر، فلما
استخلف عثمان ادخلهم‏المدينة وقال: قد كنت كلمت رسول
اللّه فيهم وسالته ردهم فوعدني ان ياذن لهم فقبض قبل ذلك.
فانكرالمسلمون عليه ادخاله اياهم المدينة.
قال الواقدي: ومات الحكم بن ابي العاص بالمدينة في خلافة
عثمان فصلى عليه وضرب على قبره‏فسطاطا.
وعن سعيد بن المسيب قال: خطب عثمان فامر بذبح الحمام
وقال: ان الحمام قد كثر في بيوتكم حتى كثرالرمي ونالنا
بعضه، فقال الناس: يامر بذبح الحمام وقد آوى طرداء رسول اللّه
(ص).
وذكره بلفظ اخصر من هذا في صفحة (125) وذكر بيتين
لحسان بن ثابت في عبدالرحمن بن الحكم الاتيين‏في لفظ ابي
عمر فقال: كان يفشي احاديث رسول اللّه، فلعنه وسيره الى
الطائف ومعه عثمان الازرق‏والحارث وغيرهما من بنيه، وقال:
«لا يساكنني‏» فلم يزالوا طرداء حتى ردهم عثمان، فكان ذلك
مما نقم‏عليه.
وفي السيرة الحلبية ((1117)) (1/337): اطلع الحكم على
رسول اللّه من باب بيته وهو عند بعض نسائه بالمدينة،فخرج
اليه رسول اللّه (ص) بالعنزة، وقيل بمدرى ((1118)) في يده
وقال: «من عذيري من هذه الوزغة لو ادركته‏لفقات عينه‏»،
ولعنه وما ولد، وذكره ابن الاثير مختصرا في اسد الغابة
(2/34). ((1119))
وقال‏ابو عمر في الاستيعاب: اخرج رسول اللّه (ص) الحكم من
المدينة وطرده عنها فنزل‏الطائف‏وخرج‏معه‏ابنه‏مروان،
واختلف‏في‏السبب‏الموجب‏لنفي‏رسول‏اللّه(ص) اياه فقيل: كان
يتحيل ويستخفي ويتسمع مايسره رسول اللّه (ص) الى كبار
اصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين، فكان
يفشي ذلك عنه‏حتى ظهر ذلك عليه، وكان يحكيه في مشيته
وبعض حركاته، الى امور غيرها كرهت ذكرها، ذكروا: ان
النبي(ص) كان اذا مشى يتكفا وكان الحكم يحكيه فالتفت
النبي(ص) يوما فرآه يفعل ذلك فقال (ص): «فكذلك‏فلتكن‏».
فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ، فعيره عبدالرحمن بن
حسان بن ثابت فقال في عبدالرحمن‏بن الحكم يهجوه:
ان اللعين ابوك فارم عظامه
ان ترم ترم مخلجا مجنونا
يمسي خميص البطن من عمل التقى
ويظل من عمل الخبيث بطينا ((1120))
واخرج ابو عمر من طريق عبداللّه بن عمرو بن العاصي قال: قال
رسول اللّه(ص): «يدخل عليكم رجل‏لعين‏» وكنت قد تركت
عمرا يلبس ثيابه ليقبل الى رسول اللّه (ص) فلم ازل مشفقا ان
يكون اول من‏يدخل، فدخل الحكم ابن ابي العاص ((1121)).
وقال ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ((1122))
(ص‏144): وبسند رجاله رجال الصحيح عن عبداللّهبن عمر
(رضي اللّه عنه) انه قال: «ليدخلن الساعة عليكم رجل لعين‏».
فواللّه ما زلت اتشوف‏داخلاوخارجا حتى دخل فلان يعني
الحكم كما صرحت به رواية احمد ((1123)).
وروى البلاذري في الانساب (5/126)، والحاكم في المستدرك
((1124)) (4/481) وصححه والواقدي كما في‏السيرة الحلبية
(1/337) بالاسناد عن عمرو بن مرة قال: استاذن ((1125))
الحكم على رسول اللّه (ص) فعرف‏صوته فقال: «ائذنوا له لعنة
اللّه عليه وعلى من يخرج من صلبه الا المؤمنين وقليل ما هم،
ذوو مكر وخديعة‏يعطون الدنيا وما لهم في الاخرة من خلاق‏»
. ((1126))
وفي لفظ ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق
((1127))((1126)) (ص‏147): «ائذنوا له فعليه لعنة اللّه والملائكة‏والناس
اجمعين وما يخرج من صلبه يشرفون في الدنيا، ويترذلون في
الاخرة، ذوو مكر وخديعة‏الاالصالحين منهم وقليل ماهم‏».
واخرج الحاكم في المستدرك ((1128)) (4/481) وصححه من
طريق عبداللّه بن الزبير قال: ان رسول اللّه (ص)لعن الحكم
وولده.
واخرج الطبراني ((1129)) وابن عساكر والدارقطني في الافراد
من طريق عبداللّه بن عمر قال: هجرت الرواح‏الى رسول
اللّه(ص) فجاء ابو الحسن فقال له رسول اللّه(ص): «ادن‏»، فلم
يزل يدنيه حتى التقم اذنيه، فبينماالنبي (ص) يساره اذ رفع
راسه كالفزع قال: فدع ((1130)) بسيفه الباب فقال لعلي:
«اذهب فقده كما تقاد الشاة‏الى حالبها» فاذا علي يدخل الحكم
بن ابي العاص آخذا باذنه ولها زنمة ((1131)) حتى اوقفه بين
يدي النبي (ص)فلعنه نبي اللّه (ص) ثلاثا ثم قال: «احله ناحية‏»
حتى راح اليه قوم من المهاجرين والانصار ثم دعا به فلعنه‏ثم
قال: «ان هذا سيخالف كتاب اللّه وسنة نبيه، وسيخرج من صلبه
فتن يبلغ دخانها السماء». فقال ناس من‏القوم: هو اقل واذل من
ان يكون هذا منه قال «بلى وبعضكم يومئذ شيعته‏». كنز العمال
(6/39، 90). ((1132))
واخرج ابن عساكر ((1133)) من طريق عبداللّه بن الزبير، قال
وهو على المنبر: ورب هذا البيت الحرام والبلدالحرام ان الحكم
بن ابي العاص وولده ملعونون على لسان محمد (ص) وفي
لفظ: انه قال وهو يطوف‏بالكعبة: ورب هذه البنية للعن رسول
اللّه(ص) الحكم وما ولد. كنز العمال ((1134)) (6/90).
واخرج ابن عساكر ((1135)) من طريق محمد بن كعب
القرظ‏ي انه قال: لعن رسول اللّه(ص) الحكم وما
ولد،الاالصالحين وهم قليل.
واخرج ابن ابي حاتم وابن مردويه وعبد بن حميد والنسائي
((1136)) وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبداللّهقال: اني
لفي المسجد حين خطب مروان فقال: ان اللّه تعالى قد ارى
لامير المؤمنين يعني معاوية في يزيدرايا حسنا ان يستخلفه
فقد استخلف ابو بكر وعمر. فقال عبدالرحمن بن ابي بكر:
اهرقلية؟ ان ابا بكررضي‏اللّه تعالى عنه واللّه ما جعلها في احد
من ولده ولا احد من اهل بيته، ولا جعلها معاوية الا
رحمة‏وكرامة لولده. فقال مروان: الست الذي قال لوالديه: اف
لكما؟ فقال عبدالرحمن: الست ابن اللعين الذي‏لعن رسول اللّه
اباك؟ فسمعت عائشة فقالت: مروان انت القائل لعبد الرحمن
كذا وكذا، كذبت واللّه ما فيه‏نزلت، نزلت في فلان بن فلان.
وفي لفظ آخر عن محمد بن زياد: لما بايع معاوية لابنه قال
مروان: سنة ابي بكر وعمر. فقال عبدالرحمن:سنة هرقل
وقيصر. فقال مروان: هذا الذي قال اللّه فيه: (والذي قال لوالديه
اف لكما) ((1137)) الاية. فبلغ ذلك‏عائشة فقالت: كذب
مروان، كذب مروان واللّه ما هو به ولو شئت ان اسمي الذي
نزلت فيه لسميته،ولكن‏رسول اللّه (ص) لعن ابا مروان ومروان
في صلبه فمروان فضض من لعنة اللّه. وفي لفظ: ولكن
رسول‏اللّه لعن اباك وانت في صلبه فانت فضض من لعنة اللّه.
وفي لفظ الفائق: فانت فظاظة ((1138)) لعنة اللّه ولعنة‏رسوله.
راجع ((1139)) مستدرك الحاكم (4/481)، تفسير القرطبي
(16/197)، تفسير الزمخشري (3/99)، الفائق له(2/325)،
تفسير ابن كثير (4/159)، تفسير الرازي (7/491)، اسد الغابة
لابن الاثير (2/34)، نهاية ابن‏الاثير (3/23) شرح ابن ابي الحديد
(2/55) تفسير النيسابوري هامش الطبري (26/13)،
الاجابة‏للزركشي (ص‏141)، تفسير النسفي هامش الخازن
(4/132)، الصواعق لابن حجر (ص‏108)، ارشادالساري
للقسطلاني (7/325)، لسان العرب (9/73)، الدر المنثور
(6/41)، حياة الحيوان للدميري (2/399)،السيرة الحلبية
(1/337)، تاج العروس (5/69)، تفسير الشوكاني (5/20)، تفسير
الالوسي (26/20)، سيرة‏زيني دحلان هامش الحلبية (1/245).

لفت نظر
يوجد هذا الحديث في المصادر جلها لولا كلها باللفظ المذكور،
غير ان البخاري اخرجه في تفسيرصحيحه ((1140)) في سورة
الاحقاف وحذف منه لعن مروان وابيه وماراقه ذكر ما قاله
عبدالرحمن، وهذا دابه‏في جل ما يرويه، واليك لفظه:
كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر
يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد ابيه، فقال له‏عبدالرحمن بن
ابي بكر شيئا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه
((1141))، فقال مروان: ان هذاالذي انزل اللّه فيه: (والذي قال
لوالديه اف لكما اتعدانني). فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما
انزل اللّه فيناشيئا من القرآن الا ان اللّه انزل عذري.
وهذا الحديث يكذب ما عزاه القوم الى امير المؤمنين وابن
عباس من قولهما بنزول آية: (واصلح لي في‏ذريتي) ((1142))
في ابي بكر كما مر في الجزء السابع (ص‏326).
وكان الحكم مع ذلك كله يدعو الناس الى الضلال ويمنعهم
عن الاسلام. اجتمع حويطب بمروان يوما فساله‏مروان عن
عمره، فاخبره، فقال له: تاخر اسلامك ايها الشيخ حتى سبقك
الاحداث. فقال حويطب: اللّهالمستعان واللّه لقد هممت
بالاسلام غير مرة كل ذلك يعوقني ابوك يقول: تضع شرفك،
وتدع دين آبائك‏لدين محدث، وتصير تابعا؟ فسكت مروان وندم
على ما كان قال له. تاريخ ابن كثير ((1143)) (8/70).

الحكم في القرآن
اخرج ابن مردويه عن ابي عثمان النهدي، قال: قال مروان لما
بايع الناس ليزيد: سنة ابي بكر وعمر... الى‏آخر الحديث
المذكور. فسمعت ذلك عائشة فقالت: انها لم تنزل في
عبدالرحمن، ولكن نزل في ابيك:(ولاتطع كل حلاف مهين‏-
هماز مشاء بنميم) الاية. سورة القلم: 10، 11.
راجع ((1144))، الدر المنثور (6/41، 251)، السيرة الحلبية
(1/337)، تفسير الشوكاني (5/263)، تفسير الالوسي(29/28)،
سيرة زيني دحلان هامش الحلبية (1/245). واخرج ابن مردويه
عن عائشة انها قالت لمروان:سمعت رسول اللّه (ص) يقول
لابيك وجدك ابي العاص بن امية : «انكم الشجرة الملعونة
في القرآن‏».
ذكره ((1145)) السيوط‏ي في الدر المنثور (4/191)، والحلبي
في السيرة (1/337) والشوكاني في تفسيره (3/231)،والالوسي
في تفسيره (15/107). وفي لفظ القرطبي في تفسيره
(10/286): ((1146))
قالت عائشة لمروان: لعن اللّه اباك وانت في صلبه، فانت بعض
من لعنة اللّه. ثم قالت: والشجرة الملعونة في‏القرآن.
واخرج ابن ابي حاتم عن يعلى بن مرة قال: قال رسول اللّه
(ص): «رايت بني امية على منابر الارض‏وسيملكونكم
فتجدونهم ارباب سوء»، واهتم رسول اللّه لذلك، فانزل اللّه: (وما
جعلنا الرؤيا التي‏اريناك‏الافتن ة للناس والشجرة الملعونة في
القرآن ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا) ((1147)).
واخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي: «ان رسول اللّه (ص)
اصبح وهو مهموم فقيل: مالك يا رسول اللّه؟فقال: اني اريت في
المنام كان بني امية يتعاورون منبري هذا، فقيل: يا رسول اللّه
لا تهتم فانها دنيا تنالهم،فانزل اللّه (وما جعلنا الرؤيا التي) الاية.
واخرج ابن ابي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي ((1148)) وابن
عساكر ((1149))، عن سعيد ابن المسيب قال: راى رسول‏اللّه
(ص) بني امية على المنابر فساءه ذلك، فاوحى اللّه تعالى اليه:
انما هي دنيا اعطوها. فقرت عينه وذلك‏قوله تعالى (وما جعلنا
الرؤيا التي اريناك). الاية.
واخرج الطبري والقرطبي وغيرهما من طريق سهل بن سعد
قال: راى رسول اللّه (ص) بني امية ينزون‏على منبره نزو القردة
فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكا حتى مات، وانزل اللّه تعالى
(وما جعلنا الرؤيا التي‏اريناك) الاية.
وروى القرطبي والنيسابوري عن ابن عباس: ان الشجرة
الملعونة بنو امية.
واخرج ابن ابي حاتم عن ابن عمرو ((1150)) ان النبي (ص)
قال: «رايت ولد الحكم بن ابي العاص على المنابركانهم القردة‏»
فانزل اللّه: (وما جعلنا الرؤيا التي اريناك الا فتنة للناس
والشجرة الملعونة) يعني الحكم‏وولده.
وفي لفظ: ان النبي (ص) راى في المنام ان ولد الحكم بن امية
يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكرة‏فساءه ذلك
. ((1151))
وفي لفظ للحاكم والبيهقي في الدلائل ((1152)) وابن عساكر
((1153)) وابي يعلى من طريق ابي هريرة: «اني اريت في‏منامي
كان بني الحكم بن العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة‏»
فما رؤي النبي مستجمعا ضاحكا حتى توفي.

مصادر ما رويناه ((1154))
تفسير الطبري (15/77)، تاريخ الطبري (11/356)، مستدرك
الحاكم (4/48)، تاريخ الخطيب (8/28 و9/44)، تفسير
النيسابوري هامش الطبري(15/55)، تفسير القرطبي
(10/283، 286)، النزاع والتخاصم‏للمقريزي (ص‏52)، اسد
الغابة (3/14) من طريق الترمذي، تطهير الجنان لابن حجر
هامش الصواعق(ص‏148) فقال: رجاله رجال الصحيح الا واحدا
فثقة، والخصائص الكبرى (2/118)، الدر المنثور(4/191)، كنز
العمال (6/90)، تفسير الخازن (3/177)، تفسير الشوكاني
(3/230، 231)، تفسير الالوسي(15/107) فقال الالوسي:
ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم‏ومختبرا،
وبذلك‏فسره ابن المسيب، وكان هذا بالنسبة الى‏خلفائهم
الذين فعلوا ما فعلوا، وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا وما بعده
بالنسبة الى ما عدا خلفاءهم‏منهم ممن كان عندهم عاملا
وللخبائث عاملا، او ممن كان اعوانهم كيف ما كان، ويحتمل ان
يكون المراد: ماجعلنا خلافتهم وما جعلنا انفسهم الا فتنة، وفيه
من المبالغة في ذمهم ما فيه، وجعل ضمير نخوفهم على
هذالما كان له اولا او للشجرة باعتبار ان المراد بها بنو امية،
ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة،والفروج
المحصنة، واخذ الاموال من غير حلها، ومنع الحقوق عن اهلها،
وتبديل الاحكام، والحكم بغير ماانزل اللّه تبارك وتعالى على
نبيه عليه الصلاة والسلام، الى غير ذلك من القبائح العظام
والمخازي الجسام التي‏لا تكاد تنسى ما دامت الليالي والايام،
وجاء لعنهم في القرآن اما على الخصوص كما
زعمته الشيعة، او على العموم كما نقول، فقد قال سبحانه
وتعالى: (ان الذين يؤذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه في‏الدنيا
والاخرة) ((1155)). وقال عز وجل: (فهل عسيتم ان توليتم ان
تفسدوا في الارض وتقطعوا ارحامكم - اولئك‏الذين لعنهم اللّه
فاصمهم واعمى ابصارهم) ((1156)). الى آيات اخر، ودخولهم
في عموم ذلك يكاد يكون‏دخولااوليا ... الى آخر كلامه. راجع.

نظرة في كلمتين
1 قال القرطبي بعد روايته حديث الرؤيا: لا يدخل في هذه
الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبدالعزيز ولامعاوية.
لا يهمنا بسط القول حول هذا التخصيص، ولا ننبس ببنت شفة
في تعميم العموم الوارد في الاحاديث‏المذكورة وامثالها الواردة
في بني امية عامة وفي بني ابي العاص جد عثمان خاصة، من
قوله (ص) في الصحيح‏من طريق ابي سعيد الخدري: «ان اهل
بيتي سيلقون من بعدي من امتي قتلا وتشريدا، وان اشد قومنا
لنابغضا بنو امية وبنو المغيرة وبنو مخزوم‏» ((1157)).
وقوله (ص) من طريق ابي ذر: «اذا بلغت بنو امية اربعين اتخذوا
عباد اللّه خولا، ومال اللّه نحلا ((1158))، وكتاب‏اللّه دغلا»
. ((1159))
وقوله (ص) من طريق حمران بن جابر اليمامي: «ويل لبني
امية ثلاث [مرات] ((1160)) اخرجه ابن مندة كمافي الاصابة
(1/353)، وحكاه عن ابن مندة وابي نعيم السيوط‏ي في الجامع
الكبير كما في ترتيبه ((1161)) (6/39،91).
وقوله (ص) من طريق ابي ذر: «اذا بلغ بنو ابي العاص ثلاثين
رجلا اتخذوا مال اللّه دولا، وعباد اللّه خولا،ودين اللّه دغلا» قال
حلام بن جفال ((1162)): فانكر على ابي ذر فشهد علي بن ابي
طالب (رضي اللّه عنه): «اني‏سمعت رسول اللّه يقول: ما اظلت
الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر،
واشهد ان‏رسول اللّه(ص) قاله‏».
اخرجه‏الحاكم‏من عدة طرق وصححه هو والذهبي كما
في‏المستدرك ((1163))(4/480) واخرجه ((1164)) احمد،
وابن‏عساكر، وابو يعلى، والطبراني، والدارقطني من طريق ابي
سعيد وابي ذر وابن عباس ومعاوية وابي هريرة‏كما في كنز
العمال (6/39، 90).
وذكر ابن حجر في تطهير الجنان ((1165)) هامش الصواعق
(ص‏147) بسند حسنه: ان مروان دخل على معاوية‏في حاجة
وقال: ان مؤنتي عظيمة اصبحت ابا عشرة، واخا عشرة، وعم
عشرة ثم ذهب، فقال معاوية لابن‏عباس وكان جالسا معه على
سريره: انشدك باللّه يابن عباس اما تعلم ان رسول اللّه (ص)
قال: «اذا بلغ بنوابي‏الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا آيات اللّه بينهم
دولا، وعباد اللّه خولا، وكتابه دخلا، فاذا بلغوا سبعة‏واربعمائة
كان هلاكهم اسرع من كذا»؟ قال: اللهم نعم.
وقوله (ص) باسناد حسنه ابن حجر في تطهير الجنان هامش
الصواعق ((1166)) (ص‏143): «شر العرب بنوامية، وبنو حنيفة،
وثقيف‏»، وقال: صح. قال الحاكم: على شرط الشيخين عن ابي
برزة (رضي اللّه عنه) قال:كان ابغض الاحياء او الناس الى رسول
اللّه بنو امية.
وقول مولانا امير المؤمنين (ع): «لكل امة آفة وآفة هذه الامة
بنو امية‏». كنز العمال ((1167)) (6/91).
فالحكم في هذه العمومات ولا سيما بعد ملاحظة ما اثبتته
السير ومدونات التاريخ وغيرها، وبعد الاحاطة‏باحوال الرجال
وما ارتكبوه وما ارتبكوا فيه، انت ووجدانك ايها القارئ الكريم.
2 قال ابن حجر في الصواعق ((1168)) (ص‏108): قال ابن
ظفر: وكان الحكم هذا يرمى بالداء العضال وكذلك‏ابو جهل، كذا
ذكره الدميري في حياة الحيوان ((1169)).
ولعنته (ص) للحكم وابنه لا تضرهما لانه (ص) تدارك ذلك
بقوله مما بينه في الحديث الاخر: انه بشريغضب كما يغضب
البشر، وانه سال ربه ان من سبه او لعنه او دعا عليه ان يكون
[ذلك] ((1170)) رحمة‏وزكاة‏وكفارة وطهارة. وما نقله
الدميري عن ابن ظفر في ابي جهل لا تاويل عليه فيه بخلافه
في الحكم فانه‏صحابي، وقبيح اي قبيح ان يرمى صحابي
بذلك، فليحمل على انه ان صح ذلك كان يرمى به قبل
الاسلام.انتهى.
انا لا ادري ايعلم ابن حجر ماذا يلوك بين اشداقه؟ اهو مجد
فيما يقول ام هازئ؟ اما ما اعتذر به من ان‏لعنته(ص) لا تضر
الحكم وابنه. الى آخره. فقد اخذه مم ا اخرجه الشيخان في
الصحيحين ((1171)) من طريق ابي‏هريرة، غير ان ه حرف منه
كلما وزاد فيه اخرى واليك لفظه:
قال: اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، واني قد
اتخذت عندك عهدا لم تخلفنيه فايما مؤمن آذيته‏او سببته او
لعنته او جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها اليك.
هذا حط من مقام الرسالة لاجل اموي ساقط، وحسبان ان
صاحبها كانسان عادي يثيره ما يثير غيره‏فيغضب لما لا ينبغي
ان يغضب له، ومخالف للكتاب العزيز من قوله سبحانه: (وما
ينطق عن الهوى -ان‏هوالا و حي يوحى) ((1172)).
نعم، هو (ص) بشر غير انه كما قال في الذكر الحكيم: (قل انما
انا بشر مثلكم يوحى الي) فان كان في الوحي‏ان يلعن الطريد
وما ولد فماذا ينجيه من اللعن؟ الا ان يحسب ابن حجر ان
الوحي ايضا يتبع الشهوات!كبرت كلمة تخرج من افواههم.
وكيف يكون اللعن رحمة وزكاة وطهارة وكفارة وقد اصاب
موضعه بامر من اللّه سبحانه؟
وما يصنع ابن حجر بالصحيح المتضافر من ان سباب المسلم
فسوق ((1173))؟
وكيف يسوغ له ايمانه ان يكون رسول اللّه سبابا او لعانا او مؤذيا
لاحد او جالدا لمسلم على غير حق؟ وكل‏ذلك من منافيات
العصمة واللّه سبحانه يقول (والذين يؤذون المؤمنين
والمؤمنات بغير ما اكتسبوافقداحتملوا بهتانا واثما مب ينا)
((1174)). وجاء في الصحيح: انه (ص) لم يكن سبابا ولا فحاشا
ولا لعانا، وقدابى رسول اللّه(ص) عن الدعاء على المشركين،
وقال (ص): «اني لم ابعث لعانا وانما بعثت رحمة‏» ((1175))
فهو(ص) كان يامل في اولئك المشركين الهداية فلم يلعنهم
ولا دعا عليهم، ولما كان لم يرج في الحكم وولده اي‏خير
لعنهم لعنا يبقي عليهم خزي الابد.
نعم، رواية الصحيحين المنافية لعصمة الرسول (ص) اختلقتها
يد الهوى على عهد معاوية تزلفا اليه،وطمعافي رضيخته،
وتحببا الى آل ابي العاص المقربين عنده.
ومن اراد الوقوف على ابسط مما ذكرناه في المقام فليراجع
كتاب (ابو هريرة) لسيدنا الاية السيد عبدالحسين شرف الدين
العاملي ((1176)) (ص‏118 129).
هبنا العياذ باللّه ما شينا ابن حجر في اساطيره في نبي
العصمة والقداسة، فما حيلة المغفل فيما نزل من‏الذكر الحكيم
في الحكم وبنيه؟ هل فيه ضير؟ ام يراه ايضا رحمة وزكاة
وكفارة وطهارة.
وشتان بين راي ابن حجر في الحكم وبين ما ياتي من قول ابي
بكر لعثمان فيه: عمك الى النار، وقول عمرلعثمان: ويحك يا
عثمان تتكلم في لعين رسول اللّه وطريده وعدو اللّه وعدو
رسوله؟
واما ما عالج به داء الحكم فهو يعلم انه موصوم بما هو افظع من
ذلك، من لعن رسول اللّه وطرده اياه، وكان‏الخبيث يهزا برسول
اللّه (ص) في مشيته حتى اخذته دعوته (ص)، وهل تجديه
الصحبة وحاله هذه؟ وهل‏تشمل الصحبة التي هي من اربى
الفضائل اللص الذي ساكن الصحابة لا ستراق اموالهم والقاح
الفتن فيهم؟وهل تشمل المنافقين الذي كانوا في المدينة
يومئذ؟ (ومن اهل المدينة مردوا على النفاق) ((1177)) فان
طهرت‏الصحبة امثال الحكم فهي مطهرة اولئك بطريق اولى
لانه لم يكشف عنهم الغطاء كما كشف عن الحكم على‏العهد
النبوي وفي دور الشيخين، حتى اراد ابن اخيه ان ينقذه من
الفضيحة فزيد ضغث على ابالة ((1178))،ونبشت الدفائن،
وذكر ما كاد ان ينسى.
ثم هب‏ان‏الصحبة مزيحة لعلل‏النفس والامراض القلبية فهل
هي مزيلة للادواء الجسمانية؟ لم نجد في كتب‏الطب من
وصفها بذلك، ولا تعدادها في‏صف الادوية المفيدة لداء
من‏الادواء، ولا لذلك الداء العضال‏الذي‏زعم ابن‏حجر انه منفي
عن الحكم لمحض الاسلام والصحبة، وجوز ان يكون قبل
اتصاله بالمسلمين، حيا اللّههذا الطب الجديد!
ان من الممكن جدا ان يكون هذا الداء العضال من علل طرد
الرجل من المدينة، فلم يرد (ص) ان يكون‏بين صحابته في
عاصمة نبوته مخزي مثله.
اذا انهاك البحث الى هاهنا وعرفت الحكم ومقداره في ادوار
حياته جاهلية واسلاما، فاقرا ما جاء به سالم‏بن وابصة تزلفا الى
معاوية بن مروان بن الحكم من قوله:
اذا افتخرت يوما امية اطرقت
قريش وقالوا معدن الفضل والكرم
فان قيل هاتوا خيركم اطبقوا معا
على ان خير الناس كلهم الحكم
الستم بني مروان غيث بلادنا
اذا السنة الشهباء سدت على الكظم
سبحانك اللهم ما قيمة بشر خيره الحكم؟ وما شان جدوب
غيثها بنو مروان؟ ان هي الا اساطير الاولين‏نسجتها يد الغلو في
الفضائل.