المسالة
هلم معي نسائل الخليفة في ايواء لعين رسول اللّه وطريده
الحكم وبمسمع منه ومراى نزول القرآن فيه‏واللعن المتواصل
من مصدر النبوة عليه وعلى من تناسل منه عدا المؤمنين،
وقليل ما هم، ما هو المبرر لعمله‏هذا ورده الى مدينة الرسول؟
وقد طرده (ص) وابناءه منها تنزيها لها من تلكم الارجاس
والادناس‏الاموية، قد سال‏ابا بكر وبعده عمر ان‏يرداه،
فقال‏كل‏منهما: لا احل‏عقدة عقدهارسول‏اللّه(ص) ((1179))
وقال‏الحلبي في السيرة ((1180)) (2/85): كان يقال له: طريد
رسول اللّه(ص) ولعينه، وقد كان (ص) طرده الى الطائف‏ومكث
به مدة رسول اللّه ومدة ابي بكر بعد ان ساله عثمان في ادخاله
المدينة فابى، فقال له عثمان: عمي،فقال: عمك الى النار،
هيهات هيهات ان اغير شيئا فعله رسول اللّه (ص)، واللّه لا
رددته ابدا، فلما توفي ابوبكر وولي عمر كلمه عثمان في ذلك
فقال له: ويحك يا عثمان تتكلم في لعين رسول اللّه (ص)
وطريده وعدواللّهوعدو رسوله؟ فلما ولي عثمان رده الى
المدينة فاشتد ذلك على المهاجرين والانصار فانكر ذلك عليه
اعيان‏الصحابة، فكان ذلك من اكبر الاسباب على القيام عليه.
انتهى.
الم تكن للخليفة اسوة في رسول اللّه؟ واللّه يقول: (لقد كان لكم
في رسول اللّه اسوة حسنة لمن كان يرجو اللّهواليوم الاخر وذكر
اللّه كثيرا) ((1181)) او كان قومه وحامته احب اليه من اللّه
ورسوله؟ وبين يديه الذكر الحكيم:(قل ان كان آباؤكم وابناؤكم
واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة
تخشون كسادهاومساكن
ترضونها احب اليكم من اللّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا
حتى ياتي اللّه بامره واللّه لا يهدي‏القوم‏الفاسقين) ((1182)).
ثم ما هو المبرر لتخصيص الرجل بتلك المنحة الجزيلة من
حقوق المسلمين واعطياتهم؟ بعد تامينه على اخذالصدقات
المشترط فيه الثقة والامانة واللعين لا يكون ثقة ولا امينا.
ثم نسائل الحكم والخليفة على تقريره لما ارتكبه من حمل
صدقات قضاعة الى دار الخلافة وقد ثبت في‏السنة كما مر
(ص‏239) انها تقسط على فقراء المحل وعليها اتت الاقوال. قال
ابو عبيد في الاموال((1183))(ص‏596): والعلماء اليوم
مجمعون على هذه الاثار كلها ان اهل كل بلد من البلدان، او ماء
من المياه احق‏بصدقتهم ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد
فما فوق ذلك، وان اتى ذلك على جميع صدقتها حتى
يرجع‏الساعي ولا شي‏ء معه منها، بذلك جاءت الاحاديث مفسرة.
ثم ذكر احاديث فقال ((1184)) (ص‏597): قال ابوعبيد: فكل
هذه الاحاديث تثبت ان كل قوم اولى بصدقتهم حتى يستغنوا
عنها، ونرى استحقاقهم ذلك دون‏غيرهم انما جاءت به السنة
لحرمة الجوار وقرب دارهم من دار الاغنياء. انتهى.
الم يكن في قضاعة ذو حاجة فيعط‏ى؟ او لم يكن في المدينة
الطيبة من فقراء المسلمين احد فيقسم ذلك المال‏الطائل
بينهم بالسوية؟ (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين
عليها) ((1185)). الاية. فتخصيصها للحكم‏لماذا؟
وهلم معي الى المسكين صاحب المال تؤخذ منه الصدقات شاء
او ابى وهو يعلم مصب تلكم الاموال‏ومدرها من ايدي اولئك
الجبابرة او الجباة نظراء الحكم ومروان والوليد وسعيد وما
يرتكبونه من فجورومجون، وبعد لم ينقطع من اذنه صدى ما
ارتكبه خالد بن الوليد سيف.. مع مالك بن نويرة وحليلته
وذويه‏وما يملكه، وكان يسمع من وحي الكتاب قوله تعالى: (خذ
من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) ((1186))،فهل يرى
المسكين ان هذا الاخذ يطهره ويزكيه؟ لاحكم الا للّه.
نعم، يقول المغيرة بن شعبة زاني ثقيف : ان النبي (ص) امرنا
ان ندفعها اليهم وعليهم حسابهم ((1187)) ويقول‏ابن عمر:
ادفعوها اليهم وان شربوا بها الخمر. ويقول: ادفعها الى الامراء
وان تمزعوا بها لحوم الكلاب على‏موائدهم ((1188)).
نحن لا نقيم لامثال هذه الاراء وزنا، ولا احسب ان الباحث يقدر
لها قيمة. فانها ولائد ظنون مجردة، وقدجاء في اولئك الامراء
باسناد صححه الحاكم والذهبي من طريق جابر بن عبداللّه
قال: قال (ص) لكعب بن‏عجرة: «اعاذك اللّه يا كعب من امارة
السفهاء». قال: وما امارة السفهاء يا رسول اللّه؟ قال: «امراء
يكونون‏بعدي لا يهدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن
صدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فاولئك ليسوا
مني‏ولست منهم، ولا يردون علي ((1189)) حوضي، ومن لم
يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فاولئك مني
وانامنهم وسيردون على حوضي‏» ((1190)).
فاعطاء الصدقات لاولئك الامراء من اظهر مصاديق الاعانة على
الاثم والعدوان واللّه تعالى يقول:(وتعاونوا على البر والتقوى ولا
تعاونوا على الاثم والعدوان) ((1191)).
ثم ان الصدقات كضرائب مالية في اموال الاغنياء لاعاشة
الضعفاء من الامة. قال مولانا امير المؤمنين (ع):«ان اللّه عز
وجل فرض على الاغنياء في اموالهم ما يكفي الفقراء، فان جاعوا
او عروا او جهدوا فبمنع‏الاغنياء، وحق على اللّه تبارك وتعالى ان
يحاسبهم ويعذبهم‏». الاموال لابي عبيد ((1192)) (ص‏595)،
المحلى لابن‏حزم (6/158)، واخرجه الخطيب في تاريخه
(5/308) من طريق علي مرفوعا.
وفي لفظ: «ان اللّه سبحانه فرض في اموال الاغنياء اقوات
الفقراء، فما جاع فقير الا بما متع به غني، واللّهسائلهم عن ذلك‏»
نهج البلاغة ((1193)) (2/214).
هذا هو مجرى الصدقات في الشريعة المطهرة، وهو الذي يطهر
صاحب المال ويزكيه، ويكتسح عن المجتمع‏معرة الاراء
الفاسدة من الفقراء، المقلقة للسلام والمعكرة لصفو الحياة.
ثم الخليفة يدعي ((1194)) ان رسول اللّه (ص) وعده رد
الحكم بعد ان فاوضه في ذلك، ان كان هذا الوعدصحيحافلم
لم يعلم به احد غيره؟ ولا عرفه الشيخان وهلا رواه لهما حين
كلمهما في رده فجبهاه بما عرفت؟او انهما لم يثقا بتلك
الرواية؟ فهذه مشكلة اخرى. او انهما صدقاه؟ غير انهما رايا ان
النبي (ص) وعده ان‏يرده هو(ص) ولم يرده، ولعل المصلحة
الواقعية او الظروف لم تساعده على انجاز الوعد حتى قضى
نحبه، فمن‏اين عرف الترخيص له في رده؟ ولو كانت هناك
شبهة رخصة؟ لعمل بها الشيخان حين فاوضهما هو في‏ذلك،
لكنهما ما عرفا الشبهة ولا علما تلميحا للرخصة بل راياه عقدة
لرسول اللّه (ص) لا تنحل، وفي الملل‏والنحل للشهرستاني
((1195)) (1/25): فما اجابا الى ذلك ونفاه عمر من مقامه
باليمن اربعين فرسخا. انتهى. ومن‏هنا راى ابن عبدربه في
العقد، وابو الفدا في تاريخه (1/168) ان الحكم طريد رسول اللّه
وطريد ابي بكروعمر ايضا، وكذلك الصحابة كلهم ماعرفوا
مساغا لرد الرجل وابنائه، والا لما نقموا به عليه ولعذروه على‏ما
ارتكبه وفيهم من لا تخفى عليه مواعيد النبي (ص).
وللخليفة معذرة اخرى، قال ابن عبد ربه في العقد الفريد
(2/272): لما رد عثمان الحكم طريد النبي(ص) ((1196))
وطريد ابي بكر وعمر الى المدينة تكلم الناس في ذلك، فقال
عثمان: ما ينقم الناس مني؟ اني وصلت‏رحماوقريت عينا .
انتهى. ونحن لا نخدش العواطف بتحليل كلمة الخليفة هذه،
ولا نفصل القول في مغزاهاوانما نمر به كراما، وانت اذا عرفت
الحكم وما ولد، فعلمت ان ردهم الى المدينة المشرفة وتوليهم
على‏الامور، وتسليطهم على ناموس الاسلام، واتخاذ الحمى
لهم كما مر (ص‏235) جناية كبيرة على الامة لاتغتفر، ولا تقر
بها قط عين.

(32) ايادي الخليفة عند مروان
اعط‏ى مروان بن الحكم بن ابي العاص ابن عمه وصهره من
ابنته ام ابان خمس غنائم افريقية وهو خمسمائة‏الف دينار، وفي
ذلك يقول عبدالرحمن بن حنبل الجمحي الكندي مخاطبا
الخليفة:
ساحلف باللّه جهد اليمي
ن ((1197)) ما ترك اللّه امرا سدى
ولكن خلقت لنا فتنة
لكي نبتلي لك ((1198)) او تبتلى
فان الامينين قد بينا
منار الطريق عليه الهدى
فما اخذا درهما غيلة
وما جعلا درهما في الهوى
دعوت اللعين فادنيته
خلافا لسنة من قد مضى
واعطيت مروان خمس العبا
د ظلما لهم وحميت الحمى ((1199))
هكذا رواه ابن قتيبة في المعارف ((1200)) (ص‏84)، وابو الفداء
في تاريخه (1/168)، وذكر البلاذري الابيات في‏الانساب
(5/38) ونسبها الى اسلم بن اوس بن بجرة الساعدي الخزرجي
الذي منع ان يدفن عثمان بالبقيع،واليك لفظها:
اقسم باللّه رب العبا
د ما ترك اللّه خلقا سدى
دعوت اللعين فادنيته
خلافا لسنة من قد مضى
قال: يعني الحكم والد مروان.
واعطيت مروان خمس العبا
دظلما لهم وحميت الحمى
ومال اتاك به الاشعري
من الفي‏ء انهيته من ترى
فاما الامينان اذ بينا
منار الطريق عليه الصوى
فلم ياخذا درهما غيلة
ولم يصرفا درهما في هوى
وذكرها ابن عبد ربه في العقد الفريد ((1201)) (2/261) ونسبها
الى عبدالرحمن، وروى البلاذري من طريق‏عبداللّه بن الزبير
انه قال: اغزانا عثمان سنة سبع وعشرين افريقية فاصاب عبداللّه
بن سعد بن ابي سرح‏غنائم جليلة فاعط‏ى عثمان مروان بن
الحكم خمس الغنائم. وفي رواية ابي مخنف: فابتاع الخمس
بمائتي الف‏دينار فكلم عثمان فوهبها له فانكر الناس ذلك على
عثمان ((1202)).
وفي رواية الواقدي كما ذكره ابن كثير: صالحه بطريقها على
الفي الف دينار وعشرين الف دينار، فاطلقهاكلها عثمان في يوم
واحد لال الحكم ويقال: لال مروان ((1203)).
وفي رواية الطبري عن الواقدي، عن اسامة بن زيد، عن ابن
كعب قال: لما وجه عثمان عبداللّه بن سعد الى‏افريقية كان
الذي صالحهم عليه بطريق افريقية جرجير الفي الف دينار
وخمسمائة الف دينار وعشرين الف‏دينار، فبعث ملك الروم
رسولا وامره ان ياخذ منهم ثلاثمائة قنطار كما اخذ منهم
عبداللّه بن سعد. الى ان‏قال: كان الذي صالحهم عليه عبداللّه
بن سعد ثلاثمائة قنطار ذهب، فامر بها عثمان لال الحكم. قلت:
اولمروان؟ قال: لا ادري. تاريخ الطبري ((1204)) (5/50).
وقال ابن الاثير في الكامل ((1205)) (3/38): وحمل خمس
افريقية الى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة‏الف
دينار فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما اخذ عليه، وهذا احسن
ما قيل في خمس افريقية، فان بعض‏الناس يقول: اعط‏ى عثمان
خمس افريقية عبداللّه بن سعد. وبعضهم يقول: اعطاه مروان
بن الحكم، وظهربهذا انه اعط‏ى عبداللّه خمس الغزوة الاولى،
واعط‏ى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها
جميع‏افريقية. واللّه اعلم.
وروى البلاذري وابن سعد: ان عثمان كتب لمروان بخمس
مصر واعط‏ى اقرباءه المال، وتاول في ذلك الصلة‏التي امر اللّه
بها، واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال وقال: ان ابا بكر
وعمر تركا من ذلك ما هو لهما،واني اخذته فقسمته في
اقربائي. فانكر الناس عليه ذلك ((1206)).
واخرج البلاذري في الانساب (5/28) من طريق الواقدي عن ام
بكر بنت المسور قالت: لما بنى مروان داره‏بالمدينة دعا الناس
الى طعامه وكان المسور فيمن دعا، فقال مروان وهو يحدثهم:
واللّه ما انفقت في داري‏هذه من مال المسلمين درهما فما
فوقه. فقال المسور: لو اكلت طعامك وسكت لكان خيرا لك،
لقد غزوت‏معنا افريقية وانك لاقلنا مالا ورقيقا واعوانا واخفنا
ثقلا، فاعطاك ابن عفان خمس افريقية وعملت على‏الصدقات
فاخذت اموال المسلمين. فشكاه مروان الى عروة وقال: يغلظ
لي وانا له مكرم متق.
وقال ابن ابي الحديد في الشرح ((1207)) (1/67): امر عثمان
لمروان بمائة الف من بيت المال وقد زوجه ابنته‏ام‏ابان، فجاء
زيد بن ارقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي
عثمان وبكى، فقال عثمان: اتبكي ان‏وصلت رحمي؟ قال: لا.
ولكن ابكي لان ي اظنك انك اخذت هذا المال عوضا عما كنت
انفقته في سبيل اللّهفي حياة رسول اللّه (ص)، ولو ((1208))
اعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا. فقال: الق المفاتيح يابن
ارقم فاناسنجد غيرك، واتاه ابو موسى باموال من العراق جليلة،
فقسمها كلها في بني امية.
وقال الحلبي في السيرة ((1209)) (2/87): وكان من جملة ما
انتقم به على عثمان (رضي اللّه عنه) انه اعط‏ى ابن عمه‏مروان
بن الحكم مائة الف وخمسين اوقية.

مروان وما مروان؟
مر في صفحة (246) ما صح من لعن رسول اللّه (ص) على ابيه
وعلى من يخرج من صلبه. واسلفنا ماصح‏من قول عائشة
لمروان: لعن رسول اللّه (ص) اباك فانت فضض من لعنة اللّه.
واخرج الحاكم في المستدرك ((1210)) (4/479) من طريق
عبدالرحمن بن عوف وصححه انه قال: كان لا يولدلاحد
بالمدينة ولد الا اتي به الى النبي (ص) [فدعا له]
فادخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ،
الملعون ابن الملعون.
وذكره الدميري في حياة الحيوان ((1211)) (2/399)، وابن
حجر في الصواعق ((1212)) (ص‏108)، والحلبي في
السيرة
((1212)) (1/337). ولعل معاوية اشار اليه بقوله لمروان:
يابن الوزغ لست هناك. فيما ذكره ابن ابي
الحديد((1214))(2/56).
واخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال: كنا مع
رسول اللّه (ص) فمر الحكم بن ابي العاص فقال‏النبي (ص):
«ويل لامتي مما في صلب هذا» ((1215)).
وفي شرح ابن ابي الحديد ((1216)) (2/55) نقلا عن
الاستيعاب ((1217)): نظر علي (ع) يوما الى مروان فقال له:
«ويل‏لك وويل لامة محمد منك ومن بيتك اذا شاب صدغاك‏».
وفي لفظ ابن الاثير: «ويلك وويل امة محمد منك‏ومن بنيك‏».
اسد الغابة ((1218)) (4/348). ورواه ابن عساكر بلفظ آخر كما
في كنز العمال ((1219)) (6/91).
وقال مولانا امير المؤمنين يوم قال له الحسنان السبطان:
«يبايعك مروان يا امير المؤمنين‏»: «اولم يبايعني قبل‏قتل
((1220)) عثمان؟ لا حاجة لي في بيعته، انها كف يهودية لو
بايعني بيده لغدر بسبته، اما ان له امرة كلعقة‏الكلب انفه، وهو
ابو الاكبش الاربعة ((1221)) وستلقى الامة منه ومن ولده يوما
احمر». نهج البلاغة ((1222)).
قال ابن ابي الحديد في الشرح ((1223)) (2/53): قد روي هذا
الخبر من طرق كثيرة ورويت في زيادة لم يذكرهاصاحب نهج
البلاغة وهي قوله (ع) في مروان: «يحمل راية ضلالة بعد ما
يشيب صدغاه وان له امرة‏» الى‏آخره.
هذه الزيادة اخذها ابن ابي الحديد من ابن سعد ذكرها في
طبقاته ((1224)) (5/30) طبع ليدن قال: قال علي بن‏ابي
طالب يوما ونظر اليه: «ليحملن راية ضلالة بعد ما يشيب
صدغاه، وله امرة كلحسة الكلب انفه‏». انتهى.وهذا الحديث كما
ترى غير ما في نهج البلاغة وليس كما حسبه ابن ابي الحديد
زيادة فيه، ولا توجد تلك‏الزيادة في رواية السبط ايضا في
تذكرته ((1225)) (ص‏45). واللّه العالم.
قال البلاذري في الانساب (5/126): كان مروان يلقب خيط
باطل ((1226)) لدقته وطوله شبه الخيط الابيض‏الذي يرى
في الشمس، فقال الشاعر ويقال: انه عبدالرحمن بن الحكم
اخوه :
لعمرك ما ادري واني لسائل
حليلة مضروب القفا كيف يصنع ((1227))
لحى اللّه قوما امروا خيط باطل
على الناس يعط‏ي ما يشاء ويمنع ((1228))
وذكر البلاذري في الانساب (5/144) في مقتل عمرو بن سعيد
الاشدق الذي قتله عبدالملك بن مروان‏ليحيى بن سعيد اخي
الاشدق قوله:
غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل
ومثلكم يبني البيوت على الغدر
وذكر ابن ابي الحديد في شرحه ((1229)) (2/55) لعبد
الرحمن بن الحكم في اخيه قوله:
وهبت نصيبي منك يا مرو ((1230)) كله
لعمرو ومروان الطويل وخالد
ورب ابن ام زائد غير ناقص
وانت ابن ام ناقص غير زائد
ومن شعر مالك بن الريب المترجم في الشعر والشعراء لابن
قتيبة ((1231)) يهجو مروان قوله:
لعمرك ما مروان يقضي امورنا
ولكنما تقضي لنا بنت جعفر ((1232))
فياليتها كانت علينا اميرة
وليتك يا مروان امسيت ذا حر
وروى الهيثمي في مجمع الزوائد (10/72) من طريق ابي
يحيى قال: كنت بين الحسن والحسين ومروان‏يتسابان فجعل
الحسن يسكت الحسين، فقال مروان: اهل بيت ملعونون.
فغضب الحسن وقال: «قلت اهل‏بيت ملعونون، فواللّه لقد لعنك
اللّه وانت في صلب ابيك‏». اخرجه ((1233)) الطبراني وذكره
السيوط‏ي في جمع‏الجوامع كما في ترتيبه (6/90) نقلا عن ابن
سعد وابي يعلى وابن عساكر.
ان الذي يستشفه المنقب من سيرة مروان واعماله انه ما كان
يقيم لنواميس الدين الحنيف وزنا، وانما كان‏يلحظها كسياسات
زمنية فلا يبالي بابطال شي‏ء منها، او تبديله الى آخر حسب ما
تقتضيه ظروفه‏وتستدعيه احواله، واليك من شواهد ذلك
عظائم، وعليها فقس ما لم نذكره:
1 اخرج امام الحنابلة احمد في مسنده ((1234)) (4/94) من
طريق عباد بن عبداللّه ابن الزبير قال: لما قدم علينامعاوية
حاجا، قدمنا معه مكة قال: فصلى بنا الظهر ركعتين ثم انصرف
الى دار الندوة، قال: وكان عثمان حين‏اتم الصلاة فاذا قدم مكة
صلى بها الظهر والعصر والعشاء الاخرة اربعا اربعا، فاذا خرج الى
منى وعرفات‏قصر الصلاة، فاذا فرغ من الحج واقام بمنى اتم
الصلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلى بنا الظهر ركعتين
نهض‏اليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عاب
احد ابن عمك باقبح ما عبته به. فقال لهما: وما ذاك؟قال: فقالا
له: الم تعلم انه اتم الصلاة بمكة؟ قال: فقال لهما: ويحكما وهل
كان غير ما صنعت؟ قد صليتهما مع‏رسول اللّه(ص) ومع ابي
بكر وعمر غ. قالا: فان ابن عمك قد اتمها وان خلافك اياه له
عيب. قال: فخرج‏معاوية الى العصر فصلاها بنا اربعا.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (2/156) نقلا عن احمد
والطبراني فقال: رجال احمد موثقون.
فاذا كان لعب مروان وخليفة وقته معاوية بالصلاة التي هي
عماد الدين الى درجة يقدم فيها التحفظ على‏عثمان في عمله
الشاذ عن الكتاب والسنة على العمل بسنة رسول اللّه (ص)
حتى اخضع معاوية لما ارته من‏الراي الشائن في صلاة العصر،
فماذا يكون عبثهما بالدين فيما هو دون الصلاة من الاحكام؟
وان تعجب فعجب انه يعد مخالفة عثمان في رايه الخاص له
عيبا عليه يغير لاجله الحكم الديني الثابت، ولايعد مخالفة
رسول اللّه وما جاء به محظورة تترك لاجلها الاباطيل
والاحداث!
ومن العجيب ايضا ان ينهى معاوية عن مخالفة عثمان، ولا
ينهى من خالف رسول اللّه (ص) عن مخالفته.اهؤلاء من خير
امة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر
وتؤمنون باللّه؟ واعجب من‏كل‏ذلك حسبان اولئك العابثين
بدين اللّه عدولا وهذه سيرتهم ومبلغهم من الدين الحنيف.
2 اخرج البخاري ((1235)) من طريق ابي سعيد الخدري
قال: خرجت مع مروان وهو امير المدينة في اضحى‏او فطر،
فلما اتينا المصلى اذا منبر بناه كثير بن الصلت، فاذا مروان يريد
ان يرتقيه قبل ان يصلي، فجبذت‏بثوبه فجبذني، فارتفع
فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم واللّه. فقال: ابا سعيد قد
ذهب ما تعلم. فقلت: مااعلم واللّه خير مما لا اعلم. فقال: ان
الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة.
وفي لفظ‏الشافعي: يا ابا سعيد ترك الذي تعلم.
اترى مروان كيف يغير السنة؟ وكيف يفوه مل‏ء فمه بما لا يسوغ
لمسلم ان يتكلم به؟ كان ذلك مفوض اليه،وكان تركها
المنبعث عن التجري على اللّه ورسوله يكون مبيحا لادامة
الترك، لماذا ذهب ما كان يعلمه ابوسعيد من السنة؟ ولماذا
ترك؟
نعم، كان لمروان في المقام ملحوظتان: الاولى اقتصاصه اثر
ابن عمه عثمان، والاخر انه كان يقع في الخطبة في‏مولانا امير
المؤمنين (ع) ويسبه ويلعنه فتتفرق عنه الناس لذلك، فقدمها
على الصلاة لئلا يجفلوا فيسمعواالعظائم ويصيخوا الى ما يلفظ
به من كبائر وموبقات. راجع تفصيلا اسلفناه صفحة (164
167) من هذاالجزء.
ويستظهر مما سبق (ص‏166) من كلام عبداللّه بن الزبير: كل
سنن رسول اللّه(ص) قد غيرت حتى الصلاة.ان تسرب التغيير
ولعب الاهواء بالسنن لم يكن مقصورا على الخطبة قبل الصلاة
فحسب، وانما تطرق ذلك‏الى كثير من الاحكام كما يجده
الباحث السابر اغوار السير والحديث.
3 سبه لمولانا امير المؤمنين علي (ع) وكان الرجل كما قال
اسامة بن زيد فاحشا متفحشا ((1236)).
الحجر الاساسي في ذلك هو عثمان جرا الوزغ اللعين على امير
المؤمنين يوم قال له: اقد مروان من نفسك.قال (ع): «مم ذا؟»
قال: من شتمه وجذب راحلته. وقال له: لم لا يشتمك؟ كانك
خير منه! ((1237)) وعلاه معاوية‏بكل ما عنده من حول
وطول، لكن مروان تبعه شر متابعة، ولم يال جهدا في تثبيت
ذلك كلما اقلته صهوة‏المنبر، اووقف على منصة خطابة، ولم
يزل مجدا في ذلك وحاضا عليه حتى عاد مطردا بعد كل جمعة
وجماعة‏في اي حاضرة يتولى امرها، وبين عماله يوم تولى
خلافة هي كلعقة الكلب انفه تسعة اشهر كما وصفهامولانا امير
المؤمنين، ولم تكن هذه السيرة السيئة الا لسياسة وقتية، وقد
اعرب عما في سريرته بقوله، فيمااخرجه الدارقطني من طريقه
عنه، قال: ما كان احد ادفع عن عثمان من علي. فقيل له: ما
لكم تسبونه على‏المنابر؟ قال: انه لا يستقيم لنا الامر الا بذلك
. ((1238))
قال ابن حجر في تطهير الجنان ((1239)) هامش الصواعق
(ص‏142) وبسند رجاله ثقات: ان مروان لما ولي‏المدينة كان
يسب عليا على المنبر كل جمعة، ثم ولي بعده سعيد بن العاص
فكان لا يسب، ثم اعيد مروان‏فعاد للسب، وكان الحسن يعلم
ذلك فيسكت ولا يدخل المسجد الا عند الاقامة، فلم يرض
بذلك مروان‏حتى ارسل للحسن في بيته بالسب البليغ لابيه
وله، ومنه: ما وجدت مثلك الا مثل البغلة يقال لها: من
ابوك؟فتقول: ابي ((1240)) الفرس. فقال للرسول: «ارجع اليه
فقل له: واللّه لا امحو عنك شيئا مما قلت باني اسبك،
ولكن‏موعدي وموعدك اللّه، فان كنت كاذبا فاللّه اشد نقمة، قد
اكرم جدي ان يكون مثلي مثل البغلة‏». الى‏آخره.
ولم يختلف من المسلمين اثنان في ان سب الامام ولعنه من
الموبقات، واذا صحف ما قاله ابن معين ((1241)) كماحكاه عنه
ابن حجر في تهذيب التهذيب ((1242)) (1/509) من ان كل
من شتم عثمان او طلحة او احدا من‏اصحاب رسول اللّه (ص)
دجال لا يكتب عنه وعليه لعنة اللّه والملائكة والناس اجمعين.
انتهى.
فما قيمة مروان عندئذ؟ ونحن مهما تنازلنا فانا لا نتنازل عن
ان مولانا امير المؤمنين كاحد الصحابة الذين‏يشملهم حكم كل
من سبهم ولعنهم، فكيف ونحن نرى انه (ع) سيد الصحابة على
الاطلاق، وسيدالاوصياء، وسيد من مضى ومن غبر عدا ابن عمه
(ص) وهو نفس النبي الاقدس بنص الذكر الحكيم،فلعنه وسبه
لعنه وسبه وقد قال (ص): «من سب عليا فقد سبني ومن سبني
فقد سب اللّه» ((1243)).
وكان مروان يتربص الدوائر على آل بيت العصمة والقداسة،
ويغتنم الفرص في ايذائهم. قال ابن عساكر في‏تاريخه
(4/227): ابى مروان ان يدفن الحسن في حجرة ((1244))
رسول اللّه (ص) وقال: ما كنت لادع ابن ابي‏تراب يدفن مع
رسول اللّه وقد دفن عثمان بالبقيع. ومروان يومئذ معزول يريد
ان يرضي معاوية بذلك، فلم‏يزل عدوا لبني هاشم حتى مات.
انتهى.
اي خليفة هذا يجلب رضاه بايذاء عترة رسول اللّه؟ ومن اولى
بالدفن في الحجرة الشريفة من السبط‏الحسن الزكي؟ وباي
كتاب وباية سنة وباي حق ثابت كان لعثمان ان يدفن فيها؟
ومن جراء ذلك الضغن‏الدفين على بني هاشم، كان ابن الحكم
يحث ابن عمر على الخلافة والقتال دونها. اخرج ابو عمر من
طريق‏الماجشون وغيره: ان مروان دخل في نفر على عبداللّه
بن عمر بعدما قتل عثمان (رضي اللّه عنه) فعرضواعليه ان
يبايعوا له قال: وكيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم ونقاتلهم معك.
فقال: واللّه لو اجتمع علي اهل الارض الا فدك ما قاتلتهم، قال:
فخرجوا من عنده ومروان يقول:
والملك بعد ابي ليلى لمن غلبا ((1245))
لماذا ترك الوزغ سنة الانتخاب الدستوري في الخلافة بعد
انتهاء الدور الى سيد العترة؟ وما الذي سوغ له‏ذلك الخلاف؟
وحض ابن عمر على الامر، وتثبيطه على القتال دونه، بعد
اجماع الامة وبيعتهم مولانا اميرالمؤمنين؟ نعم: لم يكن من
اليوم الاول هناك انتخاب صحيح قط، وراي حر لاهل الحل
والعقد، انى كان ثمانى؟

والملك بعد ابي الزهرا لمن غلبا

هذا مروان
فهلم معي الى الخليفة نستحفيه الخبر عن هذا الوزغ اللعين
في صلب ابيه وبعد مولده بماذا استباح ايواءه‏وتامينه على
الصدقات والطمانينة اليه في المشورة في الصالح العام؟ ولم
استكتبه وضمه اليه فاستولى عليه؟((1246)) ونصب عينيه ما
لهج به النبي الاعظم(ص)، وما ناء به هو من المخاريق
والمخزيات، ومن واجب الخليفة‏تقديم الصلحاء من المؤمنين
واكبارهم شكرا لاعمالهم لا الاحتفال باهل المجانة والخلاعة
كمروان الذي يجب‏الانكار والتقطيب تجاه عمله الشائن، وقد
جاء عن رسول اللّه(ص): «من راى منكرا فاستطاع ان يغيره‏بيده
فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع بلسانه
فبقلبه، وذلك اضعف الايمان‏» ((1247))، وقال‏مولانا امير
المؤمنين (ع): «ادنى الانكار ان تلقى اهل المعاصي بوجوه
مكفهرة‏».
وهب ان الخليفة تاول واخطا لكنه ما هذا التبسط اليه بكله؟
وتقريبه وهو ممن يجب اقصاؤه، وايواؤه وهوممن يستحق
الطرد، وتامينه وهو اهل بان يتهم، ومنحه اجزل المنح من مال
المسلمين ومن الواجب منعه،وتسليطه على اعطيات
المسلمين ومن المحتم قطع يده عنها؟
انا لا اعرف شيئا من معاذير الخليفة في هذه المسائل لعل لها
عذرا وانت تلومها لكن المسلمين في يومه‏ما عذروه وهم
الواقفون على الامر من كثب، والمستشفون للحقائق الممعنون
فيها، وكيف يعذره المسلمون‏ونصب اعينهم قوله عز من قائل:
(واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان للّه خمسه وللرسول ولذي
القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم باللّه)
؟ ((1248))
اليس اعطاء الخمس لمروان اللعين خروجا عن حكم القرآن؟
اليس عثمان هو الذي فاوض بنفسه ومعه‏جبير بن مطعم
رسول اللّه (ص) ان يجعل لقومه نصيبا من الخمس فلم يجعل
ونص على ان بني عبد شمس‏وبني نوفل لا نصيب لهم منه؟
قال جبير بن مطعم: لما قسم رسول اللّه سهم ذي القربى بين
بني هاشم وبني المطلب ((1249)) اتيته انا وعثمان‏فقلت: يا
رسول اللّه هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك
اللّه به منهم، ارايت بني المطلب‏اعطيتهم ومنعتنا؟ وانما نحن
وهم منك بمنزلة واحدة. فقال: «انهم لم يفارقوني او: لم
يفارقونا في جاهلية‏ولا اسلام وانما هم بنو هاشم وبنو المطلب
شي‏ء واحد» وشبك بين اصابعه، ولم يقسم رسول اللّه لبني
عبدشمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئا كما قسم
لبني هاشم وبني المطلب ((1250)).
ومن العزيز على اللّه ورسوله ان يعط‏ى سهم ذوي قربى الرسول
(ص) لطريده ولعينه، وقد منعه النبي (ص)وقومه من الخمس،
فما عذر الخليفة في تزحزحه عن حكم الكتاب والسنة،
وتفضيل رحمه ابناء الشجرة‏الملعونة في القرآن على قربى
رسول اللّه (ص) الذين اوجب اللّه مودتهم في الذكر الحكيم؟ انا
لا ادري. واللّهمن ورائهم حسيب.

(33) اقطاع الخليفة وعطيته الحارث
اعط‏ى الحارث بن الحكم بن ابي العاص اخا مروان وصهر
الخليفة من ابنته عائشة ثلاثمائة الف درهم‏كما في انساب
البلاذري (5/52)، وقال في (ص‏28): قدمت ابل الصدقة على
عثمان فوهبها للحارث بن‏الحكم.
وقال ابن قتيبة في المعارف ((1251)) (ص‏84)، وابن عبد ربه
في العقد الفريد ((1252))
(2/261)، وابن ابي الحديد في شرحه ((1253)) (1/67)،
والراغب في المحاضرات ((1254)) (2/212): تصدق رسول
اللّه(ص) بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزون ((1255)) على
المسلمين فاقطعه عثمان الحارث بن الحكم.
وقال الحلبي في السيرة ((1256)) (2/87): اعط‏ى الحارث
عشر ما يباع في السوق، اي سوق المدينة.
قال الاميني: لقد اصطنع الخليفة لهذا الرجل ثلاثا لا اظنه
يخرج من عهدة النقد عليها:
1 اعطاءه ثلاثمائة الف ولم يكن من حر ماله.
2 هبته ابل الصدقة اياه وحده.
3 اقطاعه اياه ما تصدق به رسول اللّه (ص) على عامة
المسلمين.
انا لا ادري بماذا استحق الرجل هذه الاعطيات الجزيلة؟ وكيف
خص به ما تصدق به رسول اللّه (ص) على‏كافة اهل الاسلام،
وحرمه الباقون؟ ولو كان الخليفة موفرا عليه بهذه الكمية من
مال ابيه لاستكثر ذلك‏نظرا الى حاجة المسلمين وجيوشهم
ومرابطيهم، فكيف به وقد وهبه ما لا يملك من مال المسلمين
ومن‏الاوقاف والصدقات؟ وما كان الرجل يعرف بشي‏ء من
الاعمال البارة والمساعي المشكورة في سبيل الدعوة‏الالهية
وخدمة المجتمع الديني حتى يحتمل فيه استحقاق زيادة في
عطائه، وهب انا نجزنا ذلك الاستحقاق‏لكنه لا يعدو ان يكون
مخرج الزيادة مما يسوغ للخليفة التصرف فيه، لا مما لا يجوز
تبديله من اقطاع ماتصدق به النبي (ص) وجعله وقفا عاما على
المسلمين لا يخص به واحد دون آخر،(بدله بعد ما
سمعه‏فانمااثمه على الذين يبدلونه) ((1257)).
فلم يبق مبرر لتلكم الصنائع او الفجائع الا الصهر بينه وبين
الخليفة والنسب لانه ابن عمه. ولك حق النظرفي صنيع كل
من الخليفتين: 1 عثمان، وقد علمت ما ارتكبه ها هنا وفي
غيره. 2 مولانا علي (ع)، يوم‏جاءه عقيل يستميحه صاعا من
البر للتوسيع له ولعياله مما قدر له في العطاء، فادى (ع) ما هو
حق الاخوة‏والتربية، ولا سيما في مثل عقيل من الاشراف
والاعاظم الذين يجب فيهم التهذيب اكثر من غيرهم،
فادنى‏اليه الحديدة المحماة فتاوه فقال (ع): «تجزع من هذه
وتعرضني لنار جهنم؟» ((1258)).
وفي رواية ابن الاثير في اسد الغابة ((1259)) (3/423) من
طريق سعد: ان عقيل بن ابي طالب لزمه دين فقدم‏على علي
بن ابي طالب الكوفة فانزله وامر ابنه الحسن فكساه، فلما امسى
دعا بعشائه فاذا خبز وملح وبقل،فقال عقيل: ما هو الا ما ارى.
قال: «لا» قال: فتقضي ديني؟ قال: «وكم دينك؟» قال: اربعون
الفا. قال: «ماهي عندي ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فانه
اربعة آلاف فادفعه اليك‏». فقال له عقيل: بيوت المال
بيدك‏وانت تسوفني بعطائك؟ فقال: «اتامرني ان ادفع اليك
اموال‏المسلمين‏وقد ائتمنوني‏عليها؟» اقرا(فاحكم‏بين‏الناس
بالحق ولا تتبع الهوى).

(34) حظوة سعيد من عطية الخليفة
اعط‏ى سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية مائة الف
درهم، قال ابو مخنف والواقدي: انكر الناس‏على عثمان اعطاءه
سعيد بن العاص مائة الف درهم، فكلمه علي والزبير وطلحة
وسعد وعبدالرحمن بن‏عوف في ذلك، فقال: ان له قرابة
ورحما. قالوا: افما كان لابي بكر وعمر قرابة وذو رحم؟ فقال: ان
ابا بكروعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وانا احتسب في
اعطاء قرابتي، فقالوا: فهديهما واللّه احب الينا من هديك.فقال:
لا حول ولا قوة الا باللّه ((1260)).
قال الاميني: كان العاص ابو سعيد من جيران رسول اللّه (ص)
الذين كانوا يؤذونه، وقتله مولانا اميرالمؤمنين (ع) يوم بدر
مشركا ((1261)).
واما خلفه سعيد فهو ذلك الشاب المترف كما في رواية ابن
((1262)) ورد الكوفة من غير سابقة واليا من قبل‏عثمان سعد
بعد عزله الوليد ولم يحمل اي حنكة، فطفق يلهج من اول يومه
بما يثير العواطف ويجيش الافئدة،فنسبهم الى الشقاق
والخلاف وقال: ان هذا السواد بستان لاغيلمة من قريش.
ولقد ازرى هذا الغلام بهاشم بن عتبة المرقال الصحابي العظيم
صاحب راية مولانا امير المؤمنين (ع)بصفين، العبد الصالح
الذي فقئت احدى عينيه في سبيل اللّه يوم اليرموك ومات
شهيدا في الجيش‏العلوي.
قال ابن سعد ((1263)): قال سعيد مرة بالكوفة: من راى
الهلال منكم؟ وذلك في فطر رمضان، فقال القوم: مارايناه.
فقال هاشم بن عتبة بن ابي وقاص: انا رايته. فقال له سعيد:
بعينك هذه العوراء رايته من بين القوم؟فقال هاشم: تعيرني
بعيني وانما فقئت في سبيل اللّه؟ وكانت عينه اصيبت يوم
اليرموك، ثم اصبح هاشم في‏داره مفطرا وغدى الناس عنده،
فبلغ ذلك سعيدا فارسل اليه فضربه وحرق داره.
ما اجرا ابن العاص على هذا العظيم من عظماء الصحابة فيضربه
ويحرق داره لعمله بالسنة الثابتة في الاهلة‏بقوله (ص): «اذا
رايتم الهلال فصوموا، واذا رايتموه فافطروا» وفي لفظ: «صوموا
لرؤيته، وافطروا لرؤيته‏»((1264))!
لم يكن يعلم هاشم المرقال بان آراء الولاة واهواءهم لها صولة
وجولة في رؤية الهلال ايضا، وان الشهادة‏بها قد تكون من
الجرائم التي لا تغفر، وان السياسة الوقتية لها دخل في شهادات
الرجال، وان حملة النزعة‏العلوية لا تقبل شهاداتهم.
قد شكاه الى الخليفة الكوفيون مرة فلم يعبا بها، فقال: كلما
راى احدكم من اميره جفوة ارادنا ان نعزله،فانكفا سعيد الى
الكوفة، واضر باهلها اضرارا شديدا ((1265)) ونفى في سنة
(33) بامر من خليفته جمعا من‏صلحاء الكوفة وقرائها الى الشام
كما ياتي تفصيله. ولم يفتا على سيرته السيئة الى ان رحل من
الكوفة الى‏عثمان مرة ثانية سنة (34) والتقى هناك بالفئة
الشاكية الى عثمان وهم:
الاشتر بن الحارث، يزيد بن مكفف، ثابت بن قيس، كميل بن
زياد، زيد بن صوحان، صعصعة بن‏صوحان، الحارث الاعور،
جندب بن زهير، ابو زينب الازدي اصغر بن قيس الحارثي.
وهم يسالون الخليفة عزل سعيد، فابى وامره ان يرجع الى
عمله، وقفل القوم قبله الى الكوفة واحتلوهاودخلها من ورائهم،
وركب الاشتر مالك بن الحارث في جيش يمنعه من الدخول
فمنعوه حتى ردوه الى‏عثمان، فجرى هنالك ما جرى، وياتي
نباه بعد حين ان شاء اللّه تعالى.
لقد اراد الخليفة ان يصل رحمه من هذا الشاب المجرم باعطاء
تلك الكمية الزائدة على حده وحقه من بيت‏المال، ان كان له
ثمة نصيب، ولو كان هذا العطاء حقا لما نقده عليه اعاظم
الصحابة وفي طليعتهم مولانا اميرالمؤمنين سلام اللّه عليه.
واما ما تترس به من المعذرة من الاحتساب بصلة الرحم كما
احتسب من قبله بمنع رحمهم عن الزيادة في‏اعطياتهم من
بيت المال فتافه، لان الصلة انما تستحسن من الانسان ان كان
الانفاق من خالص ماله لا المال‏المشترك بين آحاد المسلمين،
ومن وهب مالا يملكه لا يعد امينا على ارباب المال، فهو الى
الوزر اقرب منه‏الى الاجر.

(35) هبة الخليفة للوليد من مال المسلمين
اعطى الوليد بن عقبة بن ابي معيط بن ابي عمرو بن امية اخا
الخليفة من امه ما استقرض عبداللّه بن مسعود من بيت مال

المسلمين ووهبه له. قال البلاذري في الانساب (5/30): لما
قدم الوليد الكوفة الفى ابن مسعودعلى بيت المال فاستقرضه
مالا وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثم ترد ما تاخذ، فاقرضه عبداللّه
ماساله، ثم انه‏اقتضاه اياه، فكتب الوليد في ذلك الى عثمان،
فكتب عثمان الى عبداللّه بن مسعود: انما انت خازن لنا
فلاتعرض للوليد فيما اخذ من المال. فطرح ابن مسعود
المفاتيح وقال: كنت اظن اني خازن للمسلمين، فاما اذاكنت
خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك، واقام بالكوفة بعد القائه
مفاتيح بيت المال.
وعن عبداللّه بن سنان قال: خرج علينا ابن مسعود ونحن في
المسجد وكان على بيت مال الكوفة، وفي‏الكوفة الوليد بن
عقبة بن ابي معيط فقال: يا اهل الكوفة فقدت من بيت مالكم
الليلة مائة الف لم ياتني بهاكتاب امير المؤمنين ولم يكتب لي
بها براءة. قال: فكتب الوليد بن عقبة الى عثمان في ذلك فنزعه
عن بيت‏المال. العقد الفريد ((1266)) (2/272).

الوليد ومن ولده
اما ابوه عقبة بن ابي معيط فكان اشد الناس على رسول اللّه
(ص) في ايذائه من جيرانه، اخرج ابن سعدبالاسناد من طريق
هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (ص):
«كنت بين شرجارين بين ابي لهب وعقبة بن ابي معيط، ان كانا

لياتيان بالفروث فيطرحانها على بابي، حتى ان هم لياتون
ببعض‏ما يطرحون من الاذى فيطرحونه على بابي‏» ((1267)).
وقال ابن سعد في الطبقات ((1268)) (1/185): كان اهل
العداوة والمناواة لرسول‏اللّه(ص) واصحابه الذين
يطلبون‏الخصومة والجدل ابو جهل، ابو لهب، الى ان عد عقبة
بن ابي معيط، والحكم بن ابي العاص فقال: وذلك انهم‏كانوا
جيرانه، والذي كان تنتهي عداوة رسول اللّه (ص) اليهم: ابو
جهل، وابو لهب، وعقبة بن ابي معيط.
وقال ابن هشام في سيرته ((1269)) (2/25): كان النفر الذين
يؤذون رسول اللّه (ص) في بيته ابو لهب، والحكم بن‏ابي العاص
بن امية، وعقبة بن ابي معيط.
وقال ((1270)) في (1/385): كان ابي بن خلف وعقبة بن ابي
معيط متصافيين حسنا ما بينهما، فكان عقبة قدجلس الى
رسول اللّه (ص) وسمع منه فبلغ ذلك ابيا فاتى عقبة فقال له:
الم يبلغني انك جالست محمداوسمعت‏منه؟ ثم قال: وجهي
من وجهك حرام ان اكلمك، واستغلظ له من اليمين ان انت
جلست اليه او سمعت منه اولم تاته فتتفل في وجهه. ففعل
ذلك عدو اللّه عقبة بن ابي معيط لعنه اللّه، فانزل اللّه تعالى
فيهما: (ويوم يعض‏الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع
الرسول سبيلا # ياويلتا ليتني لم اتخذ فلانا خليلا # لقد اضلني
عن‏الذكر بعد اذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا)
((1271)) واخرج ابن مردويه وابو نعيم في‏الدلائل
باسناد صححه السيوطي من طريق ((1272)) سعيد بن جبير
عن ابن عباس: ان عقبة ((1273)) بن ابي معيط كان يجلس
مع‏النبي بمكة لا يؤذيه، وكان له خليل ((1274)) غائب عنه
بالشام، فقالت قريش: صبا عقبة. وقدم خليله من الشام‏ليلا
فقال لامراته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: اشد مما
كان امرا. فقال: ما فعل خليلي عقبة؟ فقالت:صبا. فبات بليلة
سوء. فلما اصبح اتاه عقبة فحياه فلم يرد عليه التحية، فقال: ما
لك لا ترد علي تحيتي؟فقال: كيف ارد عليك تحيتك وقد
صبوت؟ قال: او قد فعلتها قريش؟ قال: نعم، قال: فما يبرئ
صدورهم ان‏انا فعلته؟ قال: تاتيه في مجلسه فتبزق في وجهه
وتشتمه باخبث ما تعلم من الشتم، ففعل، فلم يرد
رسول‏اللّه(ص) على ان مسح وجهه من البزاق ثم التفت اليه
فقال: «ان وجدتك خارجا من جبال مكة اضرب‏عنقك صبرا».
فلما كان يوم بدر وخرج اصحابه ابى ان يخرج، فقال له اصحابه:
اخرج معنا، قال: وعدني هذا الرجل ان‏وجدني خارجا من جبال
مكة ان يضرب عنقي صبرا، فقالوا: لك جمل احمر لا يدرك فلو
كانت الهزيمة‏طرت عليه. فخرج معهم، فلما هزم اللّه
المشركين وحمل ((1275)) به جمله في جدود من الارض
فاخذه رسول اللّه(ص) اسيرا في سبعين من قريش وقدم اليه
عقبة فقال: اتقتلني من بين هؤلاء؟ قال: «نعم، بما بزقت
في‏وجهي‏». وفي لفظ الطبري: «بكفرك وفجورك وعتوك على
اللّه ورسوله‏». فامر عليا فضرب عنقه فانزل اللّهفيه: (ويوم يعض
الظالم على يديه). الى قوله تعالى: (وكان الشيطان للانسان
خذولا).
وقال الضحاك: لما بزق عقبة رسول اللّه (ص) رجع بزاقه على
وجهه لعنه اللّه تعالى، ولم يصل حيث ارادفاحرق خديه وبقي اثر
ذلك فيهما حتى ذهب الى النار.
وفي لفظ: كان عقبة يكثر مجالسة رسول اللّه (ص)، واتخذ
ضيافة فدعا اليها رسول اللّه (ص) فابى ان ياكل‏من طعامه حتى
ينطق بالشهادتين ففعل، وكان ابي بن خلف صديقه فعاتبه
وقال: صبات يا عقبة، قال: لاولكن آلى ان لا ياكل من طعامي
وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له، والشهادة ليست في
نفسي،فقال:
وجهي من وجهك حرام ان لقيت محمدا فلم تطا قفاه وتبزق
وجهه وتلطم عينه.
فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال النبي (ص): «لا
القاك خارجا من مكة الا علوت راسك‏بالسيف‏» الحديث.
وقال الطبري في تفسيره: قال بعضهم عني بالظالم عقبة بن
ابي معيط لانه ارتد بعد اسلامه طلبا منه لرضاابي بن خلف
وقالوا: فلان هو ابي.
وروي عن ابن عباس انه قال: كان ابي بن خلف يحضر النبي
(ص) فزجره عقبة بن ابي معيط فنزل(ويوم‏ى عض الظالم
على يديه) الى آخره. قال: الظالم: عقبة وفلان: ابي. وروي مثله
عن الشعبي وقتادة‏وعثمان ومجاهد.
اخرج نزول الايات الكريمة (ويوم يعض الظالم) الى قوله:
(خذولا). في عقبة، وان الظالم هو: ابن مردويه،وابو نعيم في
الدلائل ((1276))، وابن المنذر، وعبدالرزاق في المصنف
((1277))، وابن ابي شيبة، وابن ابي حاتم،والفريابي، وعبد بن
حميد، وسعيد بن منصور، وابن جرير.
راجع ((1278)): تفسير الطبري (19/6»، تفسير البيضاوي
(2/161)، تفسير القرطبي (13/25)، تفسيرالزمخشري
(2/326)، تفسير ابن كثير (3/317)، تفسير النيسابوري هامش
الطبري (19/10)، تفسيرالرازي (6/369، تفسير ابن جزي
الكلبي (3/77)، امتاع المقريزي (ص‏61، 90)، الدر المنثور
للسيوط‏ي(5/68)، تفسير الخازن (3/365)، تفسير النسفي
هامش الخازن (3/365)، تفسير الشوكاني (4/72)،
تفسيرالالوسي (19/11).

هذا الوالد، وما ادراك ما ولد؟
اما الوليد الفاسق بلسان الوحي المبين، الزاني، الفاجر، السكير،
المدمن للخمر المتهتك في احكام الدين‏وتعاليمه، المهتوك
بالجلد على رؤوس الاشهاد، فسل عنه قوله تعالى: (ان جاءكم
فاسق بنباء فتبينوا)((1279))فان‏من المجمع عليه بين اهل
العلم بتاويل القرآن نزوله فيه. كما مر في (ص‏124).
وسل عنه قوله تعالى: (افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا
((1280)) وهذه الاية كسابقتها تومي بالفاسق‏اليه كما يستوون)
اسلفناه في الجزء الثاني (ص 42، 43، الطبعة الاولى و 46، 47
الطبعة الثانية).
وسل عن محراب جامع الكوفة يوم قاء فيه من السكر وصلى
الصبح اربعا وانشد فيها رافعا صوته:
علق القلب الربابا بعدما شابت وشابا وقال: هل ازيدكم؟ فضربه
ابن مسعود بفردة خفه، واخذه الحصباءمن المصلين، ففر عنهم
حتى دخل داره والحصباء من ورائه، كما فصلناه في هذا الجزء
(ص‏120 آ124).
وسل عنه سوط عبداللّه بن جعفر لما جلده حد الشارب بامر
مولانا امير المؤمنين، وهو يسبه بمشهد عثمان‏بعد ضوضاء من
المسلمين على تاخير الحد، كما مر (ص‏125).
وسل عنه ابن عمه سعيد بن العاص لما غسل منبر جامع الكوفة
ومحرابه تطهيرا من اقذار الفاسق حين‏ولاه عثمان على الكوفة
بعد الوليد.
وسل عنه الامام السبط الحسن المجتبى يوم تكلم عليه في
مجلس معاوية فقال(ع): «واما انت ياوليد فواللّه ماالومك على
بغض علي وقد جلدك ثمانين في الخمر وقتل اباك بين يدي
رسول اللّه صبرا، وانت الذي سماه اللّهالفاسق، وسمى عليا
المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له: اسكت يا علي فانا اشجع منك
جنانا، واطول منك‏لسانا، فقال لك علي: اسكت يا وليد فانا
مؤمن، وانت فاسق. فانزل اللّه تعالى في موافقته
قوله:(افمن‏كان‏مؤمنا ك من كان فاسقا لا يستوون). ثم انزل
فيك على موافقة قوله ايضا: (ان جاءكم فاسق بنباءفتبينوا)
ويحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر ((1281))
فيك وفيه:
انزل اللّه والكتاب عزيز
في علي وفي الوليد قرانا
فتبوا الوليد اذ ذاك فسقا
وعلي مبوا ايمانا
ليس من كان مؤمنا عمرك الل
ه كمن كان فاسقا خوانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل
وعلي الى الحساب عيانا
فعلي يجزى بذاك جنانا
ووليد يجزى بذاك هوانا
رب جد لعقبة بن ابان ((1282))
لابس في بلادنا تبانا
وما انت وقريش؟ انما انت علج من اهل صفورية، واقسم باللّه
لانت اكبر في الميلاد واسن ممن تدعى اليه ».شرح ابن ابي
الحديد: (2/103) ((1283)).
وان شئت فسل الخليفة عثمان عن تاهيله اياه للولاية على
صدقات بني تغلب ثم للامارة على الكوفة،وائتمانه على احكام
الدين واعراض المسلمين، وتهذيب الناس ودعوتهم الى الدين
الحنيف، واسقاط ما عليه‏من الدين لبيت مال المسلمين وابراء
ذمته عما عليه من مال الفقراء، هل في الشريعة الطاهرة تسليط
مثل‏الرجل على ذلك كله؟ انا لا اعرف لذلك جوابا، ولعلك تجد
عند الخليفة ما يبرر عمله، او تجد عند ابن‏حجر بعد اعترافه
بصحة ما قلناه، وانه جاء من طريق الثقات جوابا منحوتا لا نعرف
المحصل منه.
قال في تهذيب التهذيب ((1284)) (11/144): قد ثبتت
صحبته وله ذنوب امرها الى اللّه تعالى والصواب‏السكوت. انتهى.
اما نحن فلا نرى السكوت صوابا بعد ان لم يسكت عنه الذكر
الحكيم وسماه فاسقا في موضعين،(افمن‏كان‏مؤمنا ك من كان
فاسقا لا يستوون)، ومهما سكتنا عن امر بينه وبين اللّه سبحانه
فليس من السائغ‏ان نسكت عن ترتيب آثار العدالة عليه والرواية
عنه وهو فاسق في القرآن، متهتك بالجرائم على
رؤوس‏الاشهاد، متعد حدود اللّه (ومن يتعد حدود اللّه فاولئك
هم الظالمون) ((1285)).

(36) هبة الخليفة لعبداللّه من مال المسلمين
اعط‏ى لعبد اللّه بن خالد بن اسيد بن ابي العيص بن امية
ثلاثمائة الف درهم ولكل رجل من قومه الف‏درهم. وفي العقد
الفريد ((1286)) (2/261)، والمعارف لابن قتيبة ((1287))
(ص‏84)، وفي شرح ابن ابي الحديد((1288))(1/66): انه
اعط‏ى عبداللّه اربعمائة الف درهم.
قال ابو مخنف: كان على بيت مال عثمان عبداللّه بن الارقم،
فاستسلف عثمان من بيت المال مائة الف درهم‏وكتب عليه بها
عبداللّه بن الارقم ذكر حق للمسلمين واشهد عليه عليا
وطلحة والزبير وسعد بن ابي‏وقاص وعبداللّه بن عمر، فلما حل
الاجل رده عثمان، ثم قدم عليه عبداللّه بن خالد بن اسيد من
مكة وناس‏معه غزاة فامر لعبداللّه بثلاثمائة الف درهم ولكل
رجل من القوم بمائة الف درهم، وصك بذلك الى ابن
ارقم‏فاستكثره ورد الصك له. ويقال: انه سال عثمان ان يكتب
عليه به ذكر حق فابى ذلك، فامتنع ابن الارقم من‏ان يدفع
المال الى القوم، فقال له عثمان: انما انت خازن لنا فما حملك
على ما فعلت؟ فقال ابن الارقم: كنت‏اراني خازنا للمسلمين
وانما خازنك غلامك، واللّه لا الي لك بيت المال ابدا. وجاء
بالمفاتيح فعلقها على‏المنبر، ويقال: بل القاها الى عثمان
فدفعها عثمان الى ناتل مولاه، ثم ولى زيد بن ثابت الانصاري
بيت‏المال‏واعطاه‏المفاتيح. ويقال: انه ولى بيت‏المال معيقيب
بن ابي فاطمة، وبعث الى عبداللّه بن الارقم ثلاثمائة الف‏درهم
فلم يقبلها. انساب البلاذري (5/58).