وكتب معاوية الى عثمان: انك قد افسدت الشام على نفسك
بابي ذر. فكتب اليه ان احمله على قتب بغيروطاء، فقدم به الى
المدينة وقد ذهب لحم فخذيه، فلما دخل اليه وعنده جماعة
قال: بلغني انك تقول: سمعت‏رسول اللّه (ص) يقول: «اذا كملت
بنو امية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد اللّه دولا، وعباد اللّه خولا،
ودين اللّهدغلا»، فقال: نعم سمعت رسول اللّه يقول ذلك. فقال
لهم: اسمعتم رسول اللّه يقول ذلك؟ فبعث الى علي بن
ابي‏طالب فاتاه فقال: يا ابا الحسن اسمعت رسول اللّه يقول ما
حكاه ابو ذر ؟ وقص عليه الخبر فقال علي‏«نعم‏».فقال: فكيف
تشهد؟ قال: «لقول رسول اللّه (ص): ما اظل ت الخضراء ولا
اقلت الغبراء ذا لهجة اصدق من‏ابي ذر». فلم يقم بالمدينة الا
اياما حتى ارسل اليه عثمان: واللّه لتخرجن عنها، قال: اتخرجني
من حرم رسول‏اللّه؟ قال: نعم وانفك راغم، قال: فالى مكة؟ قال:
لا. قال: فالى البصرة؟ قال: لا. قال: فالى الكوفة؟ قال: لا.ولكن
الى الربذة التي خرجت منها حتى تموت فيها. يا مروان اخرجه
ولا تدع احدا يكلمه حتى يخرج.فاخرجه على جمل ومعه امراته
وابنته، فخرج علي والحسن والحسين وعبداللّه بن جعفر وعمار
بن ياسرينظرون، فلما راى ابو ذر عليا قام اليه فقبل يده ثم
بكى وقال: اني اذا رايتك ورايت ولدك ذكرت قول‏رسول اللّه
فلم اصبر حتى ابكي. فذهب علي يكلمه، فقال مروان: ان امير
المؤمنين قد نهى ان يكلمه احد.فرفع علي السوط فضرب وجه
ناقة مروان وقال: «تنح نحاك اللّه الى النار». ثم شيعه وكلمه
بكلام يطول‏شرحه، وتكلم كل رجل من القوم وانصرفوا وانصرف
مروان الى عثمان، فجرى بينه وبين علي‏في هذا بعض‏الوحشة
وتلاحيا كلاما.
واخرج ابن سعد من طريق الاحنف بن قيس قال: اتيت المدينة
ثم اتيت الشام فجمعت ((1394)) فاذا انا برجل‏لا ينتهي الى
سارية الا خر اهلها يصلي ويخف صلاته. قال: فجلست اليه فقلت
له: يا عبداللّه من انت؟ قال:انا ابو ذر. فقال لي:
فانت من انت؟ قال: قلت: انا الاحنف بن قيس. قال: قم عني لا
اعدك بشر. فقلت له: كيف تعدني بشر؟قال: ان هذا يعني
معاوية نادى مناديه الا يجالسني احد.
واخرج ابو يعلى من طريق ابن عباس قال: استاذن ابو ذر
عثمان فقال: انه يؤذينا، فلما دخل قال له عثمان:انت الذي
تزعم انك خير من ابي بكر وعمر؟ قال: لا، ولكن سمعت رسول
اللّه (ص) يقول: «ان احبكم الي‏واقربكم مني من بقي على العهد
الذي عاهدته عليه وانا باق على عهده‏» ((1395)) قال: فامره ان
يلحق بالشام،وكان يحدثهم ويقول: لا يبيتن عند احدكم دينار
ولا درهم الا ما ينفقه في سبيل اللّه او يعده لغريم. فكتب‏معاوية
الى عثمان: ان كان لك بالشام حاجة فابعث الى ابي ذر. فكتب
اليه عثمان: ان اقدم علي فقدم.
راجع ((1396)): الانساب (5/52 54)، صحيح البخاري في
كتابي الزكاة والتفسير، طبقات ابن سعد (4/168)،مروج الذهب
(1/438)، تاريخ اليعقوبي (2/148)، شرح ابن ابي الحديد
(1/240 242)، فتح الباري(3/213)، عمدة القاري (4/291).

كلمة امير المؤمنين لما اخرج ابو ذر الى الربذة
«يا ابا ذر انك غضبت للّه فارج من غضبت له، ان القوم خافوك
على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في‏ايديهم ما خافوك
عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما احوجهم الى ما
منعتهم، وما اغناك عما منعوك،وستعلم من الرابح غدا، والاكثر
حسدا، ولو ان السماوات والارضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى
اللّه لجعل اللّهله منهما مخرجا، لا يؤنسنك الا الحق، ولا
يوحشنك الا الباطل، فلو قبلت دنياهم لاحبوك، ولو قرضت
منهالامنوك‏» ((1397)).
ذكر ابن ابي الحديد في الشرح ((1398)) (2/375 387)
تفصيل قصة ابي ذر ورآه مشهورا متضافرا، واليك نصه‏قال:
واقعة ابي ذر واخراجه الى الربذة احد الاحداث التي نقمت على
عثمان، وقد روى هذا الكلام ابو بكر احمدبن عبدالعزيز
الجوهري في كتاب السقيفة ((1399)) عن عبدالرزاق، عن
ابيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:لما اخرج ابو ذر الى الربذة
امر عثمان فنودي في الناس: ان لا يكلم احد ابا ذر ولا يشيعه،
وامر مروان بن‏الحكم ان يخرج به فخرج به، وتحاماه الناس الا
علي بن ابي طالب (ع) وعقيلا اخاه وحسنا وحسينا (ع)وعمارا،
فانهم خرجوا معه يشيعونه، فجعل الحسن (ع) يكلم ابا ذر،
فقال له مروان: ايها يا حسن الا تعلم‏ان امير المؤمنين قد نهى
عن كلام هذا الرجل؟ فان كنت لا تعلم فاعلم ذلك. فحمل علي
(ع) على مروان‏فضرب بالسوط بين اذني راحلته وقال: «تنح
نحاك اللّه الى النار». فرجع مروان مغضبا الى عثمان
فاخبره‏الخبر فتلظ‏ى على علي (ع)، ووقف ابو ذر فودعه القوم
ومعه ذكوان مولى ام هاني بنت ابي طالب، قال‏ذكوان:
فحفظت كلام القوم وكان حافظا فقال علي(ع):
«يا ابا ذر انك غضبت للّه، ان القوم خافوك على دنياهم،
وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلى ونفوك الى‏الفلا، واللّه
لو كانت السموات والارض على عبد رتقا ثم اتقى اللّه لجعل له
منها مخرجا، يا ابا ذر لا يؤنسنك‏الا الحق، ولا يوحشنك الا
الباطل‏».
ثم قال لاصحابه: «ودعوا عمكم‏». وقال لعقيل: «ودع اخاك‏»،
فتكلم عقيل فقال: ما عسى ما نقول يا ابا ذر؟وانت تعلم انا
نحبك وانت تحبنا، فاتق اللّه فان التقوى نجاة، واصبر فان الصبر
كرم، واعلم ان استثقالك‏الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية
من الياس، فدع الياس والجزع.
ثم تكلم الحسن فقال: «يا عماه لولا انه لا ينبغي للمودع ان
يسكت وللمشيع ان ينصرف لقصر الكلام وان‏طال الاسف، وقد
اتى من القوم اليك ((1400)) ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر
فراغها، وشدة ما اشتد منهابرجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى
نبيك (ص) وهو عنك راض‏».
ثم تكلم الحسين (ع) فقال: «يا عماه ان اللّه تعالى قادر ان يغير
ما قد ترى، واللّه كل يوم هو في شان، وقدمنعك القوم دنياهم
ومنعتهم دينك، فما اغناك عما منعوك، واحوجهم الى ما
منعتهم! فاسال اللّه الصبروالنصر، واستعذ به من الجشع
والجزع، فان الصبر من الدين والكرم، وان الجشع لا يقدم رزقا،
والجزع لايؤخر اجلا».
ثم تكلم عمار مغضبا فقال: لا آنس اللّه من اوحشك، ولا آمن
من اخافك. اما واللّه لو اردت دنياهم لامنوك،ولو رضيت
اعمالهم لاحبوك، وما منع الناس ان يقولوا بقولك الا الرضا
بالدنيا والجزع من الموت، ومالواالى ما سلطان جماعتهم عليه،
والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم،
فخسروا الدنياوالاخرة، الا ذلك هو الخسران المبين.
فبكى ابو ذر رحمه اللّه وكان شيخا كبيرا وقال: رحمكم اللّه
يا اهل بيت الرحمة اذا رايتكم ذكرت بكم‏رسول اللّه (ص)، مالي
بالمدينة سكن ولا شجن غيركم، اني ثقلت على عثمان
بالحجاز كما ثقلت على معاوية‏بالشام، وكره ان اجاور اخاه وابن
خاله بالمصرين ((1401)) فافسد الناس عليهما، فسيرني الى
بلد ليس لي به‏ناصرولا دافع الا اللّه، واللّه ما اريد الا اللّه صاحبا،
وما اخشى مع اللّه وحشة.
ورجع القوم الى المدينة فجاء علي (ع) الى عثمان فقال له: ما
حملك على رد رسولي وتصغير امري؟ فقال‏علي (ع): «اما
رسولك فاراد ان يرد وجهي فرددته، واما امرك فلم اصغره‏»،
قال: اما بلغك نهيي عن كلام‏ابي ذر؟ قال: «او كلما امرت بامر
معصية اطعناك فيه؟» قال عثمان: اقد مروان من نفسك. قال:
«مم‏ذا؟» قال:من شتمه وجذب راحلته. قال: «ام ا راحلته
فراحلتي بها، واما شتمه اياي فواللّه لا يشتمني شتمة‏الاشتمتك
مثلها لا اكذب عليك‏». فغضب عثمان وقال: لم لا يشتمك؟
كانك خير منه؟ قال علي: «اي واللّهومنك‏». ثم قام فخرج،
فارسل عثمان الى وجوه المهاجرين والانصار والى بني امية
يشكو اليهم عليا (ع)،فقال القوم: انت الوالي عليه واصلاحه
اجمل. قال: وددت ذاك. فاتوا عليا (ع) فقالوا: لو اعتذرت
الى‏مروان واتيته. فقال: «كلا اما مروان فلا آتيه ولا اعتذر منه،
ولكن ان احب عثمان اتيته‏». فرجعوا الى عثمان‏فاخبروه،
فارسل عثمان اليه فاتاه ومعه بنو هاشم، فتكلم علي (ع) فحمد
اللّه واثنى عليه ثم قال: «اما ماوجدت علي فيه من كلام ابي ذر
ووداعه فواللّه ما اردت مساءتك ولا الخلاف عليك ولكن اردت
به قضاءحقه. واما مروان فانه اعترض يريد ردي عن قضاء حق
اللّه عز وجل فرددته، رد مثلي مثله، واما ما كان‏مني اليك فانك
اغضبتني فاخرج الغضب مني ما لم ارده‏».
فتكلم عثمان فحمد اللّه واثنى عليه ثم قال: اما ما كان منك
الي فقد وهبته لك، واما ما كان منك الى مروان‏فقد عفا اللّه
عنك، واما ما حلفت عليه فانت البر الصادق، فادن يدك. فاخذ
يده فضمها الى صدره، فلمانهض قالت قريش وبنو امية
لمروان: اانت رجل جبهك علي وضرب راحلتك؟ وقد تفانت
وائل في ضرع‏ناقة، وذبيان وعبس في لطمة فرس، والاوس
والخزرج في نسعة ((1402)) افتحمل لعلي (ع) ما اتاه اليك؟
فقال‏مروان: واللّه لو اردت ذلك لما قدرت عليه.
فقال ابن ابي الحديد ((1403)): واعلم ان الذي عليه اكثر
ارباب السيرة وعلماء الاخبار والنقل ان عثمان نفى ابا ذراولا
الى الشام ثم استقدمه الى المدينة لما شكا منه معاوية، ثم نفاه
من المدينة الى الربذة لما عمل بالمدينة‏نظير ما كان يعمل
بالشام.
اصل هذه الواقعة: ان عثمان لما اعط‏ى مروان بن الحكم وغيره
بيوت الاموال واختص زيد بن ثابت بشي‏ءمنها، جعل ابو ذر
يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكانزين
((1404)) بعذاب اليم، ويرفع بذلك‏صوته ويتلو قوله تعالى:
(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللّه
فبشرهم بعذاب اليم).فرفع ذلك الى عثمان مرارا وهو ساكت.
ثم انه ارسل اليه مولى من مواليه ان انته عما بلغني عنك، فقال
ابوذر: اينهاني عثمان عن قراءة كتاب اللّه تعالى، وعيب من ترك
امر اللّه تعالى؟ فواللّه لان ارضي اللّه بسخط‏عثمان احب الي
وخير لي من ان اسخط اللّه برضا عثمان، فاغضب عثمان ذلك
واحفظه فتصابر وتماسك، الى‏ان قال عثمان يوما والناس حوله:
ايجوز للامام ان ياخذ من المال شيئا قرضا فاذا ايسر قضى؟
فقال كعب‏الاحبار: لا باس بذلك. فقال ابو ذر: يابن اليهوديين
اتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: قد كثر اذاك لي وتولعك‏باصحابي،
الحق بالشام. فاخرجه اليها، فكان ابو ذر ينكر على معاوية اشياء
يفعلها فبعث اليه معاوية‏يوماثلاثمائة دينار، فقال ابو ذر لرسوله:
ان كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا اقبلها، وان
كانت‏صلة فلا حاجة لي فيها. وردها عليه. ثم بنى معاوية
الخضراء بدمشق فقال ابو ذر: يا معاوية ان كانت هذه‏من مال اللّه
فهي الخيانة، وان كانت من مالك فهي الاسراف، وكان ابو ذر
يقول بالشام: واللّه لقد حدثت‏اعمال ما اعرفها، واللّه ما هي في
كتاب اللّه ولا سنة نبيه (ص)، واللّه اني لارى حقا يطفا، وباطلا
يحيا،وصادقا مكذبا، واثرة بغير تقى، وصالحا مستاثرا عليه. فقال
حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية: ان ابا ذرلمفسد عليكم
الشام فتدارك اهله ان كان لك فيه حاجة.
وروى شيخنا ابو عثمان الجاحظ في كتاب السفيانية عن جلام
بن جندل الغفاري قال: كنت غلاما لمعاوية‏على قنسرين
والعواصم في خلافة عثمان، فجئت اليه يوما اساله عن حال
عملي اذ سمعت صارخا على باب‏داره يقول: اتتكم القطار
تحمل النار، اللهم العن الامرين بالمعروف والتاركين له، اللهم
العن الناهين عن‏المنكر المرتكبين له. فازبار ((1405)) معاوية
وتغير لونه وقال: يا جلام اتعرف الصارخ؟ فقلت: اللهم لا. قال:
من‏عذيري من جندب بن جنادة ياتينا كل يوم فيصرخ على
باب قصرنا بما سمعت، ثم قال: ادخلوه علي،فجي‏ء بابي ذر بين
قوم يقودونه حتى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدو اللّه
وعدو رسوله تاتينا في‏كل يوم فتصنع ما تصنع، اما اني لو كنت
قاتل رجل من اصحاب محمد من غير اذن امير المؤمنين
عثمان‏لقتلتك ولكني استاذن فيك. قال جلام: وكنت احب ان
ارى ابا ذر لانه رجل من قومي، فالتفت اليه فاذارجل اسمر
ضرب ((1406)) من الرجال خفيف العارضين في ظهره حناء
((1407))، فاقبل على معاوية وقال: ما انابعدوللّه ولا لرسوله، بل
انت وابوك عدوان للّه ولرسوله، اظهرتما الاسلام وابطنتما
الكفر، ولقد لعنك رسول‏اللّه(ص) ودعا عليك مرات ان لا
تشبع، سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «اذا ولي الامة الاعين
((1408)) الواسع‏البلعوم الذي ياكل ولا يشبع فلتاخذ الامة
حذرها منه‏» ((1409)). فقال معاوية: ما انا ذاك الرجل. قال ابو
ذر:بل انت ذلك الرجل اخبرني بذلك رسول اللّه (ص) وسمعته
يقول وقد مررت به: «اللهم العنه ولا تشبعه الابالتراب‏».
وسمعته (ص) يقول: «است معاوية في النار». فضحك معاوية
وامر بحبسه، وكتب الى عثمان فيه،فكتب عثمان الى معاوية:
ان احمل جندبا الي على اغلظ مركب واوعره، فوجه به مع من
سار به الليل‏والنهار وحمله على شارف ليس عليها الا قتب
حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد.
فلما قدم بعث اليه عثمان: الحق باي ارض شئت قال: بمكة؟
قال: لا. قال: بيت المقدس؟ قال: لا. قال: باحدالمصرين؟ قال:
لا، ولكني مسيرك الى الربذة، فسيره اليها، فلم يزل بها حتى
مات.
وفي رواية الواقدي: ان ابا ذر لما دخل على عثمان قال له:
لا انعم اللّه بقين عينا
نعم ولا لقاه يوما زينا
تحية السخط اذا التقينا
فقال ابو ذر: ما عرفت اسمي قينا قط. وفي رواية اخرى: لا انعم
اللّه بك عينا يا جنيدب. فقال ابو ذر: اناجندب وسماني رسول
اللّه (ص) عبداللّه، فاخترت اسم رسول اللّه (ص) الذي سماني به
على اسمي، فقال له‏عثمان: انت الذي تزعم انا نقول: يد اللّه
مغلولة وان اللّه فقير ونحن اغنياء؟ فقال ابو ذر: لو كنتم لا
تقولون‏هذا لانفقتم مال اللّه على عباده، ولكني اشهد اني
سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «اذا بلغ بنو ابي العاص‏ثلاثين
رجلا جعلوا مال اللّه دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا». فقال
عثمان لمن حضر: اسمعتموها من رسول‏اللّه؟ قالوا: لا. قال
عثمان: ويلك يا ابا ذر اتكذب على رسول اللّه؟ فقال ابو ذر لمن
حضر: اما تدرون اني‏صدقت؟ قالوا: لا واللّه ما ندري. فقال
عثمان: ادعوا لي عليا. فلما جاء قال عثمان لابي ذر: اقصص
عليه‏حديثك في بني ابي العاص. فاعاده، فقال عثمان لعلي
(ع): اسمعت هذا من رسول اللّه(ص)؟ قال: «لا وقدصدق ابو
ذر» فقال: كيف عرفت‏صدقه؟قال: لاني‏سمعت‏رسول‏اللّه(ص)
يقول: «ما اظلت الخضراء ولا اقلت‏الغبراء من ذي لهجة اصدق
من ابي ذر» فقال من حضر: اما هذا فسمعناه كلنا من رسول
اللّه. فقال ابو ذر:احدثكم اني سمعت هذا من رسول اللّه (ص)
فتتهمونني؟ ما كنت اظن اني اعيش حتى اسمع هذا
من‏اصحاب محمد (ص).
وروى الواقدي في خبر آخر باسناده عن صهبان مولى
الاسلميين، قال: رايت ابا ذر يوم دخل به على‏عثمان فقال له:
انت الذي فعلت وفعلت؟ فقال ابو ذر: نصحتك فاستغششتني
ونصحت صاحبك فاستغشني.قال عثمان: كذبت ولكنك تريد
الفتنة وتحبها وقد انغلت الشام علينا. قال له ابو ذر: اتبع سنة
صاحبيك لايكن لاحد عليك كلام. فقال عثمان: مالك وذلك
لا ام لك؟ قال ابو ذر: واللّه ما وجدت لي عذرا الا الامربالمعروف
والنهي عن المنكر. فغضب عثمان وقال: اشيروا علي في هذا
الشيخ الكذاب، اما ان اضربه اواحبسه او اقتله، فانه قد فرق
جماعة المسلمين، او انفيه من ارض الاسلام. فتكلم علي (ع)
وكان‏حاضرافقال: «اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: (وان
يك كاذبا فعليه كذبه وان يك صادقا يصبكم بعض‏الذي يعدكم
ان اللّه لا يهدي من هو مسرف كذاب). فاجابه عثمان بجواب
غليظ واجابه علي (ع) بمثله ولم نذكرالجوابين تذمما منهما.
قال الواقدي: ثم ان عثمان حظر على الناس ان يقاعدوا ابا ذر
ويكلموه فمكث كذلك اياما ثم اتي به فوقف‏بين يديه، فقال ابو
ذر: ويحك يا عثمان اما رايت رسول اللّه (ص) ورايت ابا بكر
وعمر؟ هل هديك كهديهم؟اما انك لتبطش بي بطش جبار.
فقال عثمان: اخرج عنا من بلادنا. فقال ابو ذر: ما ابغض
الي‏جوارك! فالى‏اين اخرج؟ قال: حيث شئت. قال: اخرج الى
الشام ارض الجهاد. قال: انما جلبتك من الشام لما قدافسدتها،
افاردك اليها؟ قال: افاخرج الى العراق؟ قال: لا انك ان تخرج
اليها تقدم على قوم اولي شقة((1410))وطعن على الائمة
والولاة. قال: افاخرج الى مصر؟ قال: لا، قال: فالى اين اخرج؟
قال: الى البادية. قال‏ابو ذر: اصير بعد الهجرة اعرابيا؟ قال: نعم.
قال ابو ذر: فاخرج الى بادية نجد. قال عثمان: بل الى
الشرق‏الابعد اقصى فاقصى، امض على وجهك هذا فلا تعدون
الربذة، فخرج اليها.
وروى الواقدي ايضا عن مالك بن ابي الرجال، عن موسى بن
ميسرة: ان ابا الاسود الدؤلي قال: كنت احب‏لقاء ابي ذر لاساله
عن سبب خروجه الى الربذة، فجئته فقلت له: الا تخبرني:
اخرجت من المدينة طائعا ام‏اخرجت كرها؟ فقال: كنت في ثغر
من ثغور المسلمين اغني عنهم فاخرجت الى المدينة، فقلت:
دار هجرتي‏واصحابي، فاخرجت من المدينة الى ما ترى، ثم
قال: بينا انا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول
اللّه(ص) اذ مر بي (ع) فضربني برجله وقال: «لا اراك نائما في
المسجد» فقلت: بابي انت وامي غلبتني عيني‏فنمت فيه. قال:
«فكيف تصنع اذا اخرجوك منه؟» قلت: اذا الحق بالشام فانها
ارض مقدسة وارض الجهاد.قال: «فكيف تصنع اذا اخرجت
منها؟» قلت: ارجع الى المسجد قال: «فكيف تصنع اذا اخرجوك
منه؟»قلت: آخذ سيفي فاضربهم به، فقال: «الا ادلك على خير
من ذلك؟ انسق ((1411)) معهم حيث ساقوك وتسمع‏وتطيع‏».
فسمعت واطعت وانا اسمع واطيع، واللّه ليلقين اللّه عثمان وهو
آثم في جنبي.
ثم ذكر ابن ابي الحديد الخلاف في امر ابي ذر، وحكى عن ابي
علي حديث البخاري الذي اسلفناه(ص‏295) فقال: ونحن
نقول: هذه الاخبار وان كانت قد رويت لكنها ليست في
الاشتهار والكثرة كتلك‏الاخبار، والوجه ان يقال في الاعتذار
عن عثمان وحسن الظن بفعله: انه خاف الفتنة واختلاف
كلمة‏المسلمين فغلب على ظنه ان اخراج ابي ذر الى الربذة
احسم للشغب واقطع لاطماع من يشرئب الى‏شق‏العصا،
فاخرجه مراعاة للمصلحة ومثل ذلك يجوز للامام، هكذا يقول
اصحابنا المعتزلة وهو الاليق‏بمكارم الاخلاق، فقد قال الشاعر:
اذا ما اتت من صاحب لك زل ة
فكن انت محتالا لزلته عذرا
وانما يتاول اصحابنا لمن يحتمل حاله التاويل كعثمان، فاما من
لم يحتمل حاله التاويل وان كانت له صحبة‏سالفة كمعاوية
واضرابه فانهم لا يتاولون لهم، اذا كانت افعالهم واحوالهم لا
وجه لتاويلها ولا تقبل العلاج‏والاصلاح. انتهى.
من المستصعب جدا التفكيك بين الخليفتين وبين اعمالهم،
فانهما من شجرة واحدة، وهما في العمل صنوان، لايشذ
احدهما عن الاخر، فتربص حتى حين، وسنوقفك على جلية
الحال.

«ايمان ابي ذر وسيرته‏»

هلم معي الى نظارة التنقيب
قال الاميني: هل تعرف موقف ابي ذر الغفاري من الايمان،
وثباته على المبدا، ومحله من الفضل، ومبلغه من‏العلم، ومقامه
من الصدق، ومبواه من الزهد، ومرتقاه من العظمة، وخشونته
في ذات اللّه، ومكانته عندصاحب الرسالة الخاتمة؟ فان كنت لا
تعرف فالى الملتقى.

تعبده قبل البعثة، سبقه في الاسلام، ثباته على المبدا
1 اخرج ابن سعد في الطبقات ((1412)) (4/161) من طريق
عبداللّه بن الصامت قال: قال ابو ذر: صليت قبل‏الاسلام قبل ان
القى رسول اللّه (ص) ثلاث سنين. فقلت: لمن؟ قال: للّه. فقلت:
اين توجه ((1413))؟ قال: اتوجه‏حيث يوجهني اللّه.
واخرج من طريق ابي معشر نجيح قال: كان ابو ذر يتاله في
الجاهلية ويقول: لا اله الا اللّه، ولا يعبدالاصنام، فمر عليه رجل
من اهل مكة بعدما اوحي الى النبي(ص) فقال: يا ابا ذر ان رجلا
بمكة يقول مثل‏ما تقول: لا اله الا اللّه. ويزعم انه نبي. وذكر
حديث اسلامه ((1414)) (ص‏164).
وفي صحيح مسلم في المناقب ((1415)) (7/153)، بلفظ ابن
سعد الاول، وفي (ص‏155) بلفظ: صليت سنتين قبل‏مبعث
النبي، قال: قلت: فاين كنت توجه؟ قال: حيث وجهني اللّه.
وفي لفظ ابي نعيم في الحلية (1/157): يابن اخي صليت قبل
الاسلام باربع سنين. وذكره ابن الجوزي في‏صفوة الصفوة
(1/238). ((1416))
وفي حديث اخرجه ابن عساكر في تاريخه ((1417)) (7/218):
اخذ ابو بكر بيد ابي ذر وقال: يا ابا ذر هل كنت‏تتاله في
جاهليتك؟ قال: نعم، لقد رايتني اقوم عند الشمس، فما ازال
مصليا حتى يؤذيني حرها فاخر كاني‏خفاء، فقال: فاين كنت
تتوجه؟ قال: لا ادري الا حيث وجهني اللّه.
2 اخرج ابن سعد في الطبقات ((1418)) (4/161) من طريق
ابي ذر قال: كنت في الاسلام خامسا. وفي لفظ ابي‏عمر وابن
الاثير: اسلم بعد اربعة. وفي لفظ آخر: يقال: اسلم بعد ثلاثة.
ويقال: بعد اربعة. وفي لفظ الحاكم:كنت ربع الاسلام، اسلم
قبلي ثلاثة نفر وانا الرابع. وفي لفظ ابي نعيم: كنت رابع
الاسلام، اسلم قبلي ثلاثة‏وانا الرابع. وفي لفظ المناوي: انا رابع
الاسلام. وفي لفظ ابن سعد من طريق ابن ابي وضاح البصري:
كان‏اسلام ابي ذر رابعا او خامسا.
راجع ((1419)): حلية الاولياء (1/157)، مستدرك الحاكم
(3/342) الاستيعاب (1/83 و2/664)، اسد الغابة(5/186)، شرح
الجامع الصغير للمناوي (5/423)، الاصابة (4/63).
3 اخرج ابن سعد في الطبقات ((1420)) (4/161) من طريق
ابي ذر قال: كنت اول من حياه (ص) بتحية‏الاسلام فقلت:
السلام عليك يا رسول اللّه، فقال: وعليك ورحمة اللّه. وفي لفظ
ابي نعيم: انتهيت الى‏النبي(ص) حين قضى صلاته، فقلت:
السلام عليك، فقال: «وعليك السلام‏».
واخرجه مسلم في المناقب من الصحيح ((1421)) (7/154،
155)، وابو نعيم في الحلية (1/159)، وابو عمر في‏الاستيعاب
(2/664). ((1422))
4 اخرج ابن سعد والشيخان في الصحيحين من طريق ابن
عباس واللفظ للاول قال: لما بلغه ان‏رجلاخرج بمكة يزعم انه
نبي ارسل اخاه فقال: اذهب فائتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع
منه. فانطلق‏الرجل حتى اتى مكة فسمع من رسول اللّه(ص)
فرجع الى ابي ذر، فاخبره انه يامر بالمعروف وينهى عن‏المنكر
ويامر بمكارم الاخلاق. فقال ابو ذر: ما شفيتني. فخرج ابو ذر
ومعه شنة ((1423)) فيها ماؤه وزاده حتى‏اتى مكة، ففرق ان
يسال احدا عن شي‏ء ولما يلق رسول اللّه(ص)، فادركه الليل
فبات في ناحية المسجد،فلما اعتم ((1424)) مر به علي فقال:
ممن الرجل؟ قال: رجل من بني غفار. قال: قم الى منزلك. قال:
فانطلق به الى‏منزله، ولم يسال واحد منهما صاحبه عن شي‏ء.
وغدا ابو ذر يطلب، فلم يلقه وكره ان يسال احدا عنه، فعادفنام
حتى امسى، فمر به علي فقال: اما آن للرجل ان يعرف منزله؟
فانطلق به فبات حتى اصبح لا يسال‏واحد منهما صاحبه عن
شي‏ء، فاصبح اليوم الثالث فاخذ على علي لئن افشى اليه الذي
يريد ليكتمن‏عليه‏وليسترنه، ففعل فاخبره ان ه بلغه خروج هذا
الرجل يزعم انه نبي، فارسلت اخي لياتيني بخبره وبما
سمع‏منه، فلم ياتني بما يشفيني من حديثه، فجئت بنفسي
لالقاه، فقال له علي: اني غاد فاتبع اثري، فاني ان رايت‏ما اخاف
عليك اعتللت بالقيام كاني اهريق الماء فتيك، وان لم ار احدا
فاتبع اثري حتى تدخل حيث‏ادخل. ففعل حتى دخل على اثر
علي على النبي(ص) فاخبره الخبر وسمع قول رسول اللّه (ص)
فاسلم من‏ساعته، ثم قال: يا نبي اللّه ما تامرني؟ قال: «ترجع الى
قومك حتى يبلغك امري‏» قال: فقال له: والذي نفسي‏بيده لا
ارجع حتى اصرخ بالاسلام في المسجد. قال: فدخل المسجد
فنادى باعلى صوته: اشهد ان لا اله الااللّه، وان محمدا عبده
ورسوله (ص). قال: فقال المشركون: صبا الرجل، صبا الرجل،
فضربوه حتى صرع،فاتاه العباس فاكب عليه وقال: قتلتم
الرجل، يا معشر قريش انتم تجار وطريقكم على غفار فتريدون
ان‏يقطع الطريق؟ فامسكوا عنه. ثم عاد اليوم الثاني فصنع مثل
ذلك ثم‏ضربوه حتى صرع، فاكب عليه‏العباس وقال لهم مثل ما
قال في اول مرة، فامسكوا عنه.
وذكر ابن سعد في حديث اسلامه: ضربه لاسلامه فتية من
قريش فجاء الى النبي (ص) فقال: يا رسول اللّهاما قريش فلا
ادعهم حتى اثار منهم، ضربوني. فخرج حتى اقام بعسفان،
وكلما اقبلت عير لقريش يحملون‏الطعام ينفر بهم على ثنية
غزال ((1425)) فتلقى احمالها فجمعوا الحنط ((1426)). فقال
لقومه: لا يمس احد حبة حتى‏تقولوا: لا اله الا اللّه. فيقولون لا
اله الا اللّه، وياخذون الغرائر.
راجع ((1427)) طبقات ابن سعد(4/165، 166)،
صحيح‏البخاري كتاب المناقب باب اسلام ابي ذر
(6/24)،صحيح مسلم كتاب المناقب (7/156)، دلائل النبوة
لابي نعيم (2/86)، حلية‏الاولياء له(1/159)، مستدرك‏الحاكم
(3/338)، الاستيعاب (2/664).
واخرج ابو نعيم في الحلية (1/158) من طريق ابن عباس عن
ابي ذر، قال: اقمت مع رسول اللّه (ص) بمكة‏فعلمني الاسلام
وقرات من القرآن شيئا، فقلت: يا رسول اللّه اني اريد ان اظهر
ديني. فقال رسول اللّه (ص):«اني اخاف عليك ان تقتل‏». قلت:
لا بد منه وان قتلت. قال: فسكت عني، فجئت وقريش حلق
يتحدثون‏في المسجد، فقلت: اشهد ان لا اله الا اللّه، وان محمدا
رسول اللّه. فانتقضت الحلق، فقاموا فضربوني حتى‏تركوني كاني
نصب احمر، وكانوا يرون انهم قد قتلوني. فافقت فجئت الى
رسول اللّه (ص) فراى ما بي من‏الحال فقال لي: «الم انهك؟»
فقلت: يا رسول اللّه كانت حاجة في نفسي فقضيتها، فاقمت مع
رسول اللّه(ص)فقال: «الحق بقومك فاذا بلغك ظهوري فاتني‏».
واخرج من طريق عبداللّه بن الصامت قال: قال لي ابو ذر (رضي
اللّه عنه): قدمت مكة فقلت: اين الصابئ؟فقالوا: الصابئ الصابئ.
فاقبلوا يرمونني بكل عظم وحجر حتى تركوني مثل النصب
الاحمر.
واخرجه احمد في المسند ((1428)) (5/174) بصورة مفصلة،
ومسلم في المناقب ((1429))، والطبراني ((1430)) كما في
مجمع‏الزوائد (9/328).

حديث علمه
((1431)) (5/170) 1 اخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى
طبع ليدن من طريق زاذان سئل علي عن ابي ذرفقال: «وعى
علما عجز فيه، وكان شحيحا حريصا، [شحيحا] على دينه،
حريصا على العلم، وكان يكثرالسؤال فيعط‏ى ويمنع، اما ان قد
ملى‏ء له في وعائه حتى امتلا».
وقال ابو عمر: روى عنه جماعة من الصحابة وكان من اوعية
العلم المبرزين في الزهد والورع والقول‏بالحق، سئل علي عن
ابي ذر فقال: «ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس، ثم اوكا
فيه فلم يخرج شيئا منه‏». الاستيعاب ((1432)) (1/83 و
2/664).
وحديث علي (ع) ذكره ابن الاثير في اسد الغابة ((1433))
(5/186)، والمناوي في شرح الجامع الصغير (5/423)ولفظه:
«وعاء ملئ علما ثم اوكا عليه‏»، وابن حجر في الاصابة (4/64)
وقال: اخرجه ابو داود بسند جيد.
2 اخرج ((1434)) المحاملي في اماليه والطبراني من طريق
ابي ذر قال: ما ترك رسول اللّه (ص) شيئا مما صبه‏جبرئيل
وميكائيل في صدره الا وقد صبه في صدري. الحديث. مجمع
الزوائد (9/330)، الاصابة(3/484).
قال ابو نعيم في الحلية (1/156): العابد الزهيد، القانت الوحيد،
رابع الاسلام ورافض الازلام قبل نزول‏الشرع والاحكام، تعبد
قبل الدعوة بالشهور والاعوام، واول من حيا الرسول بتحية
الاسلام، لم يكن‏تاخذه في الحق لائمة اللوام، ولا تفزعه
سطوة‏الولاة‏والحكام، اول من‏تكلم في علم‏البقاء والفناء
((1435))، وثبت‏على‏المشقة والعناء، وحفظ العهود والوصايا،
وصبر على المحن والرزايا، واعتزل مخالطة البرايا، الى
ان‏حل‏بساحة‏المنايا، ابو ذر الغفاري(رضي اللّه عنه).
خدم‏الرسول، وتعل م الاصول، ونبذ الفضول.
وفي (ص‏169): قال الشيخ رحمه اللّه تعالى: كان ابو ذر رضي
اللّه تعالى عنه للرسول (ص) ملازما وجليسا،وعلى مساءلته
والاقتباس منه حريصا، وللقيام على ما استفاد منه انيسا، ساله
عن الاصول والفروع،وساله عن الايمان والاحسان، وساله عن
رؤية ربه تعالى، وساله عن احب الكلام الى اللّه تعالى، وساله
عن‏ليلة القدر اترفع مع الانبياء ام تبقى؟ وساله عن كل شي‏ء
حتى [عن] ((1436)) مس الحصى في الصلاة. ثم‏اخرج‏من
طريق عبدالرحمن بن ابي ليلى عن ابي ذر قال: سالت رسول
اللّه (ص) عن كل شي‏ء حتى سالته عن‏مس الحصى. فقال:
«مسه مرة اودع‏».
واخرج احمد في المسند ((1437)) (5/163) عن ابي ذر قال:
سالت النبي (ص) عن كل شي‏ء حتى سالته عن مسح‏الحصى
فقال: «واحدة او دع‏».
وقال ابن حجر في الاصابة (4/64): كان يوازي ابن مسعود في
العلم.

حديث صدقه وزهده
1 اخرج ابن سعد والترمذي من طريق عبداللّه بن عمرو بن
العاص، وعبداللّه بن عمر، وابي الدرداءمرفوعا: «ما اظلت
الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق من ابي ذر».
واخرج الترمذي بلفظ: «ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء من
ذي لهجة اصدق ولا اوفى من ابي ذر، شبه‏عيسى بن مريم‏» .
فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول اللّه افنعرف ذلك له؟
قال: «نعم فاعرفوه له‏».
وفي لفظ الحاكم: «ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء من ذي
لهجة اصدق ولا اوفى من ابي ذر شبيه عيسى بن‏مريم‏». فقام
عمر بن الخطاب فقال: يا رسول اللّه فنعرف ذلك له؟ قال: «نعم
فاعرفوه له‏».
وفي لفظ ابن ماجة من طريق عبداللّه بن عمرو: «ما اظلت
الخضراء، ولا اقلت الغبراء بعد النبيين اصدق من‏ابي ذر».
وفي لفظ ابي نعيم من طريق ابي ذر: «ما تظل الخضراء ولا تقل
الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذرشبيه ابن مريم‏».
وفي لفظ ابن سعد من طريق ابي هريرة: «ما اظلت الخضراء ولا
اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي‏ذر، من سره ان ينظر
الى تواضع عيسى بن مريم فلينظر الى ابي ذر».
وفي لفظ لابي نعيم: «اشبه الناس بعيسى نسكا وزهدا وبرا».
وفي لفظ من طريق الهجنع بن قيس: «ما اظلت الخضراء ولا
اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذرثم رجل بعدي،
من سره ان ينظر الى عيسى بن مريم زهدا وسمتا فلينظر الى
ابي ذر».
وفي لفظ من طريق علي (ع): «ما اظلت الخضراء ولا اقلت
الغبراء من ذي لهجة اصدق من ابي ذر، يطلب‏شيئا من الزهد
عجز عنه الناس‏».
وفي لفظ من طريق ابي هريرة: «ما اظلت الخضراء ولا اقلت
الغبراء من ذي لهجة اصدق من ابي ذر، فاذااردتم ان تنظروا
الى اشبه الناس بعيسى بن مريم هديا وبرا ونسكا فعليكم به‏».
وفي لفظ من طريق ابي الدرداء: «ما اظلت الخضراء ولا اقلت
الغبراء من ذي لهجة اصدق من ابي ذر».
وفي لفظ ابن سعد من طريق مالك بن دينار: «ما اظلت
الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من‏ابي ذر، من
سره ان ينظر الى زهد عيسى بن مريم فلينظر الى ابي ذر».
اخرجه على اختلاف الفاظه: ابن سعد، الترمذي، ابن ماجة،
احمد، ابن ابي شيبة ((1438))، ابن جرير ((1439))، ابوعمر،
ابو نعيم، البغوي، الحاكم، ابن عساكر ((1440)) الطبراني
، ابن الجوزي. ((1441))
راجع طبقات ابن سعد ((1442)) (4/167، 168) طبع ليدن،
صحيح الترمذي (2/221)، سنن ابن ماجة (1/68)،مسند احمد
(2/163، 175، 223 و 5/197 و 6/442)، مستدرك الحاكم
(3/342) صححه واقره الذهبي، و(4/480) صححه ايضا واقره
الذهبي، مصابيح السنة (2/228)، صفة الصفوة (1/240)،
الاستيعاب (1/84)، تمييز الطيب لابن الديبع (ص‏137)،
مجمع الزوائد (9/329)، الاصابة لابن حجر (3/622 و 4/64)،
الجامع‏الصغير للسيوط‏ي من عدة طرق، شرح الجامع الصغير
للمناوي (5/423) فقال: قال الذهبي: سنده جيدوقال
الهيثمي: رجال احمد وثقوا وفي بعضهم خلاف، كنز العمال
(6/169 و 8/15 17).
2 اخرج الترمذي في صحيحه ((1443)) (2/221) مرفوعا: «ابو
ذر يمشي في الارض بزهد عيسى بن مريم(ع)».
وفي لفظ ابي عمر في الاستيعاب (2/664): «ابو ذر في امتي
على زهد عيسى ابن مريم‏» وفي (1/84): «ابو ذرفي امتي شبيه
عيسى بن مريم في زهده‏». وبلفظ: «من سره ان ينظر الى
تواضع عيسى بن مريم فلينظر الى ابي‏ذر» ((1444)).
وذكره ابن الاثير في اسد الغابة ((1445)) (5/186) بلفظ ابي
عمر الاول.
3 اخرج الطبراني مرفوعا: «من احب ان ينظر الى المسيح
عيسى بن مريم الى بره وصدقه وجده فلينظرالى ابي ذر».
كنز العمال ((1446)) (6/169)، مجمع الزوائد (9/330).
4 اخرج الطبراني ((1447)) من طريق ابن مسعود مرفوعا:
«من سره ان ينظر الى شبه عيسى خلقاوخلقافلينظر الى ابي
ذر».
مجمع الزوائد (9/330)، كنز العمال ((1448)) (6/169).
5 اخرج الطبراني ((1449)) من طريق ابن مسعود مرفوعا:
«ان ابا ذر ليباري عيسى بن مريم في عبادته‏». كنزالعمال
(6/169). ((1450))

حديث فضله
1 عن بريدة عن النبي (ص): «ان اللّه عز وجل امرني بحب
اربعة واخبرني انه يحبهم: علي وابو ذر والمقدادوسلمان‏».
اخرجه ((1451)) الترمذي في صحيحه (2/213)، وابن ماجة
في سننه (1/66)، والحاكم في المستدرك (3/130)وصححه،
وابو نعيم في الحلية (1/172)، وابو عمر في
الاستيعاب(2/557)، وذكره السيوط‏ي في الجامع‏الصغير
وصححه واقر تصحيحه المناوي في شرح الجامع (2/215).
وابن حجر في الاصابة (3/455)، وقال‏السندي في شرح سنن
ابن ماجة ((1452)): الظاهر انه امر ايجاب ويحتمل الندب،
وعلى الوجهين فما امر به‏النبي(ص) فقد امر به ام ته، فينبغي
للناس ان يحبوا هؤلاء الاربعة خصوصا.
2 اخرج ابن هشام في السيرة ((1453)) (4/179) مرفوعا:
«رحم اللّه ابا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث‏وحده‏».
واخرج ابن هشام في السيرة ((1454))، وابن سعد في الطبقات
الكبرى (4/170) في حديث دفنه قال:فاستهل‏عبداللّه بن
مسعود يبكي ويقول: صدق رسول اللّه: «تمشي وحدك وتموت
وحدك، وتبعث وحدك‏».
وذكره ابو عمر في الاستيعاب ((1455)) (1/83)، وابن الاثير
في اسد الغابة (5/188)، وابن حجر في الاصابة(4/64).
3 اخرج البزار من طريق انس بن مالك مرفوعا: «الجنة تشتاق
الى ثلاثة: علي وعمار وابي ذر».
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (9/330) فقال: اسناده
حسن.
4 اخرج ابو يعلى ((1456)) من طريق الحسين بن علي قال:
اتى جبريل النبي(ص) فقال: يا محمد ان اللّه يحب‏من اصحابك
ثلاثة فاحبهم: علي بن ابي طالب، وابو ذر، والمقداد بن الاسود.
مجمع الزوائد (9/330).
5 اخرج الطبري ((1457)) من طريق ابي الدرداء انه ذكر ابا
ذر فقال: ان رسول اللّه(ص) كان ياتمنه حين لاياتمن احدا،
ويسر اليه حين لا يسر الى احد. كنز العمال ((1458)) (8/15).
واخرج احمد في المسند ((1459)) (5/197) من طريق
عبدالرحمن بن غنم قال: انه زار ابا الدرداء بحمص فمكث‏عنده
ليالي وامر بحماره فاوكف، فقال ابو الدرداء: ما اراني الا متبعك،
فامر بحماره فاسرج فسارا جميعاعلى‏حماريهما، فلقيا رجلا
شهد الجمعة بالامس عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرجل ولم
يعرفاه فاخبرهما خبرالناس، ثم ان الرجل قال: وخبر آخر كرهت
ان اخبركما اراكما تكرهانه. فقال ابو الدرداء: فلعل ابا ذر
نفي؟قال: نعم واللّه، فاسترجع ابو الدرداء وصاحبه قريبا من
عشر مرات، ثم قال ابو الدرداء: ارتقبهم واصطبر،كما قيل
لاصحاب الناقة. اللهم ان كذبوا ابا ذر فاني لا اكذبه، اللهم وان
اتهموه فاني لا اتهمه، اللهم وان‏استغشوه فاني لا استغشه، فان
رسول اللّه (ص) كان ياتمنه حين لا ياتمن احدا، ويسر اليه حين
لا يسر الى‏احد، اما والذي نفس ابي الدرداء بيده لو ان ابا ذر
قطع يميني ما ابغضته بعد الذي سمعت من رسول اللّه(ص)
يقول: «ما اظلت الخضراء...» ((1460)) الحديث.
واخرجه الحاكم ملخصا في المستدرك ((1461)) (3/344)
وصححه وقال الذهبي: سند جيد.
6 من طريق ابن الحارث عن ابي الدرداء انه قال وذكرت له ابا
ذر: واللّه ان كان رسول اللّه (ص) ليدنيه‏دوننا اذا حضر، ويتفقده
اذا غاب، ولقد علمت انه قال: «ما تحمل الغبراء ولا تظل الخضراء
للبشر بقول‏اصدق لهجة من ابي ذر».
كنز العمال ((1462)) (8/15)، مجمع الزوائد (9/330)، الاصابة
(4/63)، نقلا عن الطبراني لفظه: كان رسول اللّه(ص) يبتدئ
ابا ذر اذا حضر ويتفقده اذا غاب.
7 اخرج احمد في مسنده ((1463)) (5/181) من طريق ابي
الاسود الدؤلي انه قال: رايت اصحاب النبي (ص)فما رايت لابي
ذر شبيها.
وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (9/331).
8 روى شهاب الدين الابشيهي في المستطرف ((1464))
(1/166) قال: مر ابو ذر على النبي (ص) ومعه جبريل(ع) في
صورة دحية الكلبي فلم يسلم فقال جبريل: هذا ابو ذر لو سلم
لرددنا عليه. فقال: «اتعرفه ياجبريل؟» قال: والذي بعثك بالحق
نبيا لهو في ملكوت السماوات السبع اشهر منه في الارض قال:
«بم نال‏هذه المنزلة؟» قال: بزهده في هذه الحطام الفانية.
وذكره الزمخشري في ربيع الابرار ((1465)) باب 23.

عهد النبي الاعظم الى ابي ذر
1 اخرج الحاكم في المستدرك ((1466)) (3/343) من
طريق صححه عن ابي ذر قال: قال رسول اللّه (ص): «ياابا ذر
كيف انت اذا كنت في حثالة؟» وشبك بين اصابعه، قلت: يا
رسول اللّه فما تامرني؟ قال: «اصبر اصبراصبر، خالقوا الناس
باخلاقهم، وخالفوهم في اعمالهم‏».
2 اخرج ابو نعيم في الحلية (1/162) من طريق سلمة بن
الاكوع عن ابي ذر(رضي اللّه عنه) قال: بينا اناواقف مع رسول
اللّه (ص) فقال لي: «يا ابا ذر انت رجل صالح وسيصيبك بلاء
بعدي‏». قلت: في اللّه؟ قال:«في اللّه». قلت: مرحبا بامر اللّه.
3 اخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى ((1467)) (4/166)
طبع ليدن من طريق ابي ذر قال: قال النبي (ص): «ياابا ذر
كيف انت اذا كانت عليك امراء يستاثرون بالفي‏ء؟» قال: قلت: اذا
والذي بعثك بالحق اضرب بسيفي‏حتى الحق به. فقال: «افلا
ادلك على ما هو خير من ذلك؟ اصبر حتى تلقاني‏».
وفي لفظ احمد وابي داود: «كيف انت وائمة من بعدي
يستاثرون بهذا الفي‏ء؟» قال: قلت: اذا والذي بعثك‏بالحق اضع
سيفي على عاتقي ثم اضرب به حتى القاك او الحق بك. قال:
«اولا ادلك على ما هو خير من‏ذلك؟ تصبر حتى تلقاني‏». وفي
لفظ: «كيف انت عند ولاة يستاثرون بهذا الفي‏ء؟».
مسند احمد ((1468)) (5/180)، سنن ابي داود ((1469))
(2/282)، ولاحمد طريقان كلاهما صحيحان رجالهما
كلهم‏ثقات، وهم:
1 يحيى بن آدم، مجمع على ثقته من رجال الصحاح الستة.
2 زهير بن معاوية الكوفي، متفق على ثقته من رجال الصحاح
الستة.
3 يحيى بن ابي بكير الكوفي، مجمع على ثقته من رجال
الصحاح الستة.
4 مطرف بن طريف، متفق على ثقته من رجال الصحاح
الستة.
5 ابو الجهم سليمان بن الجهم الحارثي، تابعي لا خلاف في
ثقته.
6 خالد بن وهبان، تابعي ثقة.
4 اخرج احمد في المسند ((1470)) (5/178) من طريق ابي
السليل في حديث عن ابي ذر عن رسول اللّه (ص)قال: «يا ابا ذر
كيف تصنع ان اخرجت من المدينة؟» قال: قلت: الى السعة
والدعة انطلق حتى اكون حمامة‏من حمام مكة. قال: «كيف
تصنع ان اخرجت من مكة؟» قال: قلت: الى السعة والدعة الى
الشام والارض‏المقدسة. قال: «وكيف تصنع ان اخرجت من
الشام؟» قال: اذا والذي بعثك بالحق اضع سيفي على
عاتقي.قال: «او خير من ذلك؟» قال: قلت: او خير من ذلك؟
قال: «تسمع وتطيع وان كان عبدا حبشيا».
رجال الاسناد كلهم ثقات وهم:
1 يزيد بن هارون بن وادي، مجمع على ثقته من رجال
الصحيحين.
2 كهمس بن الحسن البصري، ثقة من رجال الصحيحين.
3 ابو السليل ضريب بن نقير البصري، ثقة من رجال مسلم
والصحاح الاربعة غير البخاري.
وفي لفظ: «كيف تصنع اذا اخرجت منه؟» اي المسجد النبوي.
قال: آتي الشام. قال: «كيف تصنع اذا اخرجت‏منها؟» قال: اعود
اليه اي المسجد قال:
«كيف تصنع اذا اخرجت منه؟»، قال: اضرب بسيفي. قال: «ادلك
على ما هو خير لك من ذلك واقرب رشدا.قال: تسمع وتطيع
وتنساق لهم حيث ساقوك‏».
فتح الباري ((1471)) (3/213)، عمدة القاري ((1472))
(4/291).
5 اخرج الواقدي من طريق ابي الاسود الدؤلي قال: كنت احب
لقاء ابي ذر لاساله عن سبب خروجه،فنزلت الربذة فقلت له: الا
تخبرني: اخرجت من المدينة طائعا، ام خرجت مكرها؟ فقال:
كنت في ثغر من‏ثغور المسلمين اغني عنهم فاخرجت الى
مدينة الرسول (ص) فقلت: اصحابي ودار هجرتي،
فاخرجت‏منها الى ما ترى. ثم قال: بينا انا ذات ليلة نائم في
المسجد اذ مربي رسول اللّه (ص) فضربني برجله وقال:«لا اراك
نائما في المسجد»، فقلت: بابي انت وامي غلبتني عيني فنمت
فيه، فقال: «كيف تصنع اذا اخرجوك‏منه؟» فقلت: اذن الحق
بالشام فانها ارض مقدسة وارض بقية الاسلام وارض الجهاد،
فقال: «فكيف تصنع‏اذا اخرجت منها؟». فقلت: ارجع الى
المسجد، قال: «فكيف تصنع اذا اخرجوك منه‏». قلت: اذن آخذ
سيفي‏فاضرب به، فقال (ص): «الا ادلك على خير من ذلك؟
انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع‏». فسمعت‏واطعت وانا
اسمع واطيع، واللّه ليلقين اللّه عثمان وهو آثم في جنبي. شرح
ابن ابي الحديد ((1473)) (1/241).
وبهذا الطريق واللفظ اخرجه احمد في المسند ((1474))
(5/156) والاسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وهم:
1 علي بن عبداللّه المديني، وثقه جماعة، وقال النسائي: ثقة
مامون، احد الائمة في الحديث.
2 معمر بن سليمان ابو محمد البصري، متفق على ثقته من
رجال الصحاح الستة.
3 داود بن ابي هند ابو محمد البصري، مجمع على ثقته من
رجال الصحاح غير البخاري، وهو يروي عنه‏في التاريخ
من دون غمز فيه. ((1475))
4 ابو الحرب بن الاسود الدؤلي، ثقة من رجال مسلم.
5 ابو الاسود الدؤلي، تابعي متفق على ثقته من رجال الصحاح
الستة.
6 مر في (ص‏296) في حديث تسيير ابي ذر: قال عثمان :
فاني مسيرك الى الربذة. قال ابوذر : اللّهاكبر صدق رسول اللّه
(ص) قد اخبرني بكل ما انا لاق. قال عثمان: وما قال لك؟ قال:
اخبرني باني امنع عن‏مكة والمدينة واموت بالربذة. الحديث.

هذا ابوذر
وفضائله وفواضله وعلمه وتقواه واسلامه وايمانه ومكارمه
وكرائمه ونفسياته وملكاته الفاضلة وسابقته‏ولاحقته وبدء امره
ومنتهاه، فاي منها كان ينقمه الخليفة عليها ((1476))، فطفق
يعاقبه ويطارده من معتقل الى‏منفى، ويستجلبه على قتب بغير
وطاء، يطير مركبه خمسة من الصقالبة الاشداء حتى اتوا به
المدينة وقدتسلخت بواطن افخاذه وكاد ان يتلف، ولم يفتا
يسومه سوء العذاب حتى سالت نفسه في منفاه الاخير آالربذة
على غير ماء ولا كلا، يلفحه حر الهجير، وليس له من ولي
حميم يمرضه، ولا احد من قومه يواري‏جثمانه الطاهر، مات
رحمه اللّه وحده، وسيحشر وحده كما اخبره رسول اللّه (ص)
الذي خوله بتلكم‏الفضائل، واللّه سبحانه من فوقهما نعم
الخصيم للمظلوم، فانظر لمن الفلج ((1477)) يومئذ.
لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامته ومن ازدلف
اليه ممن يجري مجراهم، فملكوا من عطاياه‏وسماحه الملايين،
وليس فيهم من يبلغ شاو ابي ذر في السوابق والفضائل، ولا
يشق له غبارا في اكرومة، فماذاالذي اخر ابا ذر عنهم حتى
قطعوا عنه عطاءه الجاري؟ ومنعوه الحظوة بشي‏ء من الدعة،
واجفلوه عن‏عقرداره وجوار النبي الاعظم، وضاقت عليه
الارض بما رحبت، ولماذا نودي عليه في الشام ان لا
يجالسه‏احد ((1478))؟ ولماذا يفر الناس منه في المدينة؟
ولماذا حظر عثمان على الناس ان يقاعدوه ويكلموه؟ ولماذا
يمنع‏الخليفة عن تشييعه ويامر مروان ان لا يدع احدا يكلمه؟
فلم يحل ذلك الصحابي العظيم الا محلا وعرا، ولم‏يرتحل الا
الى متبوا الارهاب، كانما خلق ابو ذر للعقوبة فحسب، وهو من
عرفته الاحاديث التي ذكرناها،وقصته لعمر اللّه وصمة على
الاسلام وعلى خليفته لا تنسى مع الابد.
نعم، ان ابا ذر ينقم ما كان مطردا عند ذاك من السرف في
العطاء من دون اي كفاءة في المعط‏ى بالفتح آومخالفة رسول
اللّه (ص) في ذلك وفي كل ما يخالف السنة الشريفة، واضطهاد
اهل السوابق من الامة بيدامراء البيت الاموي رجال العيث
والعبث، وكانوا يحسبون عرش ذلك اليوم قد استقر على تلكم
الاعمال،فراوا ان في الاصاخة الى قيل ابي ذر وشاكلته من
صلحاء الصحابة تزحزحا لذلك العرش عن مستقره، اوان
مهملجة الجشع الذين حصلوا على تلكم الثروات الطائلة خافوه
ان يسلب ما في ايديهم ان وعى واع‏الى هتافه، فتالبوا عليه
واغروا خليفة الوقت به بتسويلات متنوعة حتى وقع ما وقع،
والخليفة اسيرهوى‏قومه، ومسير بشهواتهم، مدفوع بحب بني
ابيه وان كانوا من الشجرة الملعونة في القرآن.
وما كان ابو ذر يمنعهم عن جلب الثروة من حقها، ولا يبغي
سلب السلطة عمن ملك شيئا ملكا مشروعا،لكنه كان ينقم
على اهل الاثرة على اغتصابهم حقوق المسلمين، وخضمهم
مال اللّه خضمة الابل نبتة الربيع،وما كان يتحرى الا ما اراد اللّه
سبحانه بقوله عز من قائل: (والذين يكنزون الذهب والفضة
ولاينفقون ها في‏سبيل اللّه فبشرهم بعذاب اليم)، وما جاء به
رسول اللّه (ص) في الجهات المالية.
اخرج احمد في مسنده ((1479)) (5/164، 176) من طريق
الاحنف بن قيس قال: كنت بالمدينة فاذا انا برجل‏يفرالناس
منه حين يرونه، قال: قلت: من انت؟ قال: انا ابو ذر صاحب
رسول اللّه (ص). قال: قلت: مايفرالناس منك؟ قال: اني انهاهم
عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول اللّه.
وفي لفظ مسلم في صحيحه ((1480)) (3/77) قال الاحنف
بن قيس: كنت في نفر من قريش فمر ابو ذر (رضي اللّهعنه)
وهو يقول: بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم،
وبكي من اقفيتهم يخرج من جباههم‏قال: ثم تنحى فقعد الى
سارية، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابو ذر، فقمت اليه فقلت: ما
شي‏ء سمعتك تقول‏قبيل؟ قال: ما قلت الا شيئا سمعته من
نبيهم (ص). قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء؟ قال: خذه فان
فيه‏اليوم معونة، فاذا كان ثمنا لدينك فدعه. سنن البيهقي
(6/359).
واخرج ابو نعيم فى الحلية (1/162) من طريق سفيان بن عيينة
باسناده عن ابي ذر، قال: ان بني امية تهددني‏بالفقر والقتل،
ولبطن الارض احب الي من ظهرها، وللفقر احب الي من
الغنى، فقال له رجل: يا ابا ذرمالك اذا جلست الى قوم قاموا
وتركوك؟ قال: اني انهاهم عن الكنوز.
وفي فتح الباري ((1481)) (3/213) نقلا عن غيره: الصحيح ان
انكار ابي ذر كان على السلاطين‏الذين ياخذون‏المال لانفسهم
ولا ينفقونه في‏وجهه. وتعقبه النووي بالابطال لان السلاطين
حينئذ كانوا مثل ابي بكر وعمروعثمان وهؤلاء لم يخونوا. انتهى.