اخرج ابن سعد والطبري من طريق عبدالرحمن بن محمد قال:
ان محمد بن ابي بكر تسور على عثمان من دارعمرو بن حزم
ومعه كنانة بن بشر بن عتاب، وسودان ابن حمران، وعمرو بن
الحمق، فوجدوا عثمان عندامراته نائلة وهو يقرا في المصحف
سورة البقرة، فتقدمهم محمد بن ابي بكر فاخذ بلحية عثمان
فقال: قداخزاك اللّه يا نعثل، فقال عثمان: لست بنعثل، ولكن
عبداللّه وامير المؤمنين. فقال محمد: ما اغنى عنك
معاوية‏وفلان وفلان. فقال عثمان: يابن اخي دع عنك لحيتي،
فما كان ابوك ليقبض على ما قبضت عليه، فقال محمد:ما اريد
بك اشد من قبضي على لحيتك. فقال عثمان: استنصر اللّه
عليك واستعين به، ثم طعن جبينه بمشقص((730)) في يده.
وفي لفظ البلاذري: تناول عثمان المصحف ووضعه في حجره
وقال: عباد اللّه لكم ما فيه، والعتبى مماتكرهون، اللهم اشهد،
فقال محمد بن ابي بكر: الان وقد عصيت قبل وكنت من
المفسدين! ثم رفع جماعة‏قداح كانت في يده فوجا بها
في‏خششائه ((731)) حتى وقعت في اوداجه فحزت ولم
تقطع، فقال: عباداللّه لاتقتلوني فتندموا وتختلفوا.
وفي لفظ ابن كثير: جاء محمد بن ابي بكر في ثلاثة عشر رجلا
فاخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع‏اضراسه، فقال: ما اغنى
عنك معاوية، وما اغنى عنك ابن‏عامر، وما اغنت عنك كتبك.
وفي لفظ ابن عساكر: قال محمد بن ابي بكر: على اي دين انت
يا نعثل؟ قال: على دين الاسلام، ولست‏بنعثل ولكني امير
المؤمنين. قال: غيرت كتاب اللّه. فقال: كتاب اللّه بيني وبينكم.
فتقدم اليه واخذ بلحيته‏وقال: انا لايقبل منا يوم القيامة ان
نقول: ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيل، وشحطه
بيده من‏البيت الى باب الدار وهو يقول: يابن اخي ما كان ابوك
لياخذ بلحيتي.
قال ابن سعد والطبري: ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في
يده فوجا بها في‏اصل اذن عثمان فمضت حتى‏دخلت في حلقه
ثم علاه بالسيف حتى قتله.
وفي رواية ابن ابي عون ضرب كنانة بن بشر التجيبي جبينه
ومقدم راسه‏بعمود حديد فخر لجنبه، قال‏الوليد بن عقبة او
غيره:
علاه بالعمود اخو تجيب
فاوهى الراس منه والجبينا ((732))
وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله، واما
عمرو بن‏الحمق فوثب على عثمان فجلس‏على صدره وبه رمق
فطعنه تسع طعنات، وقال: اما ثلاث منهن فاني طعنتهن للّه،
واما ست فاني طعنت‏اياهن لما كان في صدري عليه.
واقبل عمير بن ضابئ عليه فكسر ضلعا من اضلاعه، وفي
الاصابة: لما قتل عثمان وثب عمير بن ضابئ‏عليه فكسر
ضلعين من اضلاعه. وقال المسعودي: وكان فيمن مال عليه
عمير بن ضابئ البرجمي‏وخضخض بسيفه بطنه. وسيوافيك
حديث آخر عنه لدة هذا.
وفي لفظ الطبري وابن عبد ربة وابن كثير: ضربوه على راسه
ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث‏طعنات، ضربوه على
مقدم العين فوق الانف ضربة اسرعت في العظم وقد اثخنوه
وبه حياة وهم يريدون‏قطع راسه، فالقت نائلة وابنة شيبة بن
ربيعة زوجتاه بنفسهما عليه. فقال ابن عديس: اتركوه.
فتركوه‏ووطئتا وطئا شديدا. وفي لفظ ابن كثير: في رواية: ان
الغافقي بن حرب تقدم اليه بعد محمد بن ابي بكرفضربه
بحديدة في فيه.
وذكر البلاذري من طريق الحسن عن وثاب، وكان مع عثمان
يوم الدار واصابته طعنتان كانهما كيتان، قال:بعثني عثمان
فدعوت الاشتر له، فقال: يا اشتر ما يريد الناس مني؟ قال:
يخيرونك ان تخلع لهم امرهم، اوتقص من نفسك والا فهم
قاتلوك. قال: اما الخلع فما كنت لاخلع سربالا سربلنيه اللّه، واما
القصاص فواللّهلقد علمت ان صاحبي كانا يعاقبان، وما يقوم
بدني للقصاص، واما قتلي فواللّه لئن قتلتموني لا
تتحابون‏بعدي ابدا ولا تقاتلون عدوا جميعا ابدا.
وقال وثاب: اصابتني جراحة فانا انزف مرة واقوم مرة، فقال لي
عثمان: هل‏عندك وضوء؟ قلت: نعم. فتوضاثم اخذ المصحف
فتحرم به من الفسقة، فبينا هو كذلك اذجاء رويجل كانه ذئب
فاطلع ثم رجع، فقلنا لقدردهم امر ونهاهم، فدخل محمد بن
ابي بكر حتى جثا على ركبتيه، وكان عثمان حسن اللحية،
فجعل يهزهاحتى سمع نقيض اضراسه ثم قال: ما اغنى عنك
معاوية، ما اغنى عنك ابن عامر؟ فقال: يابن اخي مهلافواللّه ما
كان ابوك ليجلس مني هذا المجلس، قال: فاشعره ((733))
وتعاونوا عليه فقتلوه.
واخرج من طريق ابن سيرين، قال: جاء ابن بديل الى عثمان:
وكان بينهما شحناء ومعه السيف وهويقول: لاقتلنه، فقالت له
جارية عثمان: لانت اهون على اللّه من ذلك، فدخل على
عثمان فضربه ضربة لاادري ما اخذت منه.
راجع ((734)): طبقات ابن سعد طبع ليدن (3/51)، انساب
البلاذري (5/72، 82، 83، 92، 97، 98)، الامامة‏والسياسة
(1/39)، تاريخ الطبري (5/125، 131، 132)، العقد الفريد
(2/270)، مروج الذهب (1/442)،الاستيعاب (2/477، 478)،
تاريخ ابن عساكر (4/372)، الكامل لابن الاثير (3/72، 75)،
شرح ابن ابي‏الحديد (1/166، 168)، تاريخ ابن خلدون (2/401)،
تاريخ ابي الفداء (1/170)، تاريخ ابن كثير (7/184،185، 187،
188)، حياة الحيوان للدميري (1/54)، مجمع الزوائد (7/232)،
تاريخ الخميس (2/263)،السيرة الحلبية (2/85)، الاصابة
(2/215)، ازالة الخفاء (2/239 343).

تجهيز الخليفة ودفنه
اخرج الطبري، من طريق ابي بشير العابدي، قال: نبذ عثمان
(رضى‏ا...عنه) ثلاثة ايام لا يدفن، ثم ان‏حكيم‏بن حزام القرشي
ثم احد بني اسد بن عبد العزى، وجبيرابن مطعم كلما عليا في
دفنه وطلبا اليه ان ياذن‏لاهله في ذلك، ففعل واذن لهم علي،
فلما سمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس
يسير من‏اهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يقال له: حش
كوكب ((735)) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما خرج
به‏على الناس رجموا سريره وهموا بطرحه، فبلغ ذلك عليا،
فارسل اليهم‏يعزم عليهم ليكفن‏عنه، ففعلوا،فانطلق به حتى
دفن (رضى‏ا...عنه) في حش كوكب، فلما ظهر معاوية بن ابي
سفيان على الناس امر بهدم‏ذلك الحائط حتى افضى به الى
البقيع، فامر الناس ان يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل
ذلك بمقابرالمسلمين.
ومن طريق ابي كرب وكان عاملا على بيت مال عثمان قال:
دفن عثمان(رضى‏ا...عنه) بين المغرب‏والعتمة، ولم يشهد
جنازته الا مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة
فناحت ابنته ورفعت‏صوتها تندبه، واخذ الناس الحجارة وقالوا:
نعثل نعثل، وكادت ترجم، فقالوا: الحائط الحائط، فدفن
في‏حائط خارجا.
ومن طريق عبداللّه بن ساعدة، قال: لبث عثمان بعد ما قتل
ليلتين لا يستطيعون دفنه ثم حمله اربعة: حكيم‏بن حزام،
وجبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وابو جهم بن حذيفة، فلما
وضع ليصلى عليه، جاء نفر من‏الصحابة يمنعونهم الصلاة عليه،
فيهم: اسلم بن اوس بن بجرة الساعدي، وابوحية المازني في
عدة ومنعوهم‏ان يدفن بالبقيع، فقال ابو جهم: ادفنوه فقد
صلى اللّه عليه وملائكته، فقالوا: لا واللّه لا يدفن في
مقابرالمسلمين ابدا، فدفنوه في حش كوكب، فلما ملكت بنو
امية ادخلوا ذلك الحش في البقيع، فهو اليوم مقبرة‏بني امية.
ومن طريق عبداللّه بن موسى المخزومي، قال: لما قتل عثمان
(رضى‏ا...عنه) ارادوا حز راسه، فوقعت عليه‏نائلة وام البنين
فمنعنهم وصحن وضربن الوجوه وخرقن ثيابهن، فقال ابن
عديس: اتركوه، فاخرج عثمان‏ولم يغسل الى البقيع، وارادوا ان
يصلوا عليه‏في موضع الجنائز فابت الانصار، واقبل عمير بن
ضابئ وعثمان‏موضوع على باب، فنزا عليه فكسر ضلعا من
اضلاعه وقال: سجنت ضابئا حتى مات في السجن.
واخرج ابن سعد والطبري من طريق مالك بن ابي عامر، قال:
كنت احد حملة عثمان (رضى‏ا...عنه) حين‏قتل، حملناه على
باب، وان راسه لتقرع الباب لاسراعنا به، وان بنا من الخوف
لامرا عظيما حتى واريناه في‏قبره في حش كوكب.
واخرج البلاذري من رواية ابي مخنف: ان عثمان (رضى‏ا...عنه)
قتل يوم الجمعة، فترك في داره قتيلا، فجاءجبير بن مطعم،
وعبدالرحمن بن ابي بكر، ومسور بن مخرمة الزهري، وابو
الجهم بن حذيفة العدوي ليصلواعليه ويجنوه ((736))، فجاء
رجال من الانصار فقالوا: لا ندعكم تصلون عليه، فقال ابو
الجهم: الا تدعونا نصلي‏عليه فقد صلت عليه الملائكة، فقال
الحجاج بن غزية: ان كنت كاذبا فادخلك اللّه مدخله، قال: نعم
حشرني‏اللّه معه، قال ابن غزية: ان اللّه حاشرك معه ومع
الشيطان، واللّه ان ترك الحاقك به لخطا وعجز.
فسكت‏ابوالجهم، ثم ان القوم اغفلوا امر عثمان وشغلوا عنه،
فعاد هؤلاء النفر فصلوا عليه ودفنوه، وامهم جبير بن‏مطعم
وحملت ام البنين‏بنت عيينة بن حصن امراة عثمان لهم
السراج، وحمل على باب صغير من جريد قدخرجت عنه رجلاه،
واخرج حديث منع الصلاة عليه ابو عمر في الاستيعاب من
طريق هشام بن عروة‏عن ابيه.
وقال: انه لقيهم قوم من الانصار فقاتلوهم حتى طرحوه، ثم
توطا عمير بن ضابئ بن الحارث بن ارطاة‏التميمي ثم البرحمي
بطنه، وجعل يقول: ما رايت كافرا الين بطنا منه، وكان اشد
الناس على عثمان، فكان‏يقول يومئذ: ارني ضابئا، احي لي
ضابئا ليرى ما عليه عثمان من الحال. وقال ابن قتيبة في
الشعروالشعراء ((737)) (ص‏128): جاء عمير بن ضابئ فرفسه
برجله.
قال البلاذري: ودفن عثمان في حش كوكب وهو نخل لرجل
قديم يقال له: كوكب، ثم اقبل الناس حين دفن‏الى علي
فبايعوه. وارادوا دفن عثمان بالبقيع فمنعهم من ذلك قوم
فيهم اسلم بن بجرة الساعدي، ويقال:جبلة‏بن عمرو الساعدي،
وقال ابن داب: صلى عليه مسور بن مخرمة.
وقال المدائني عن الوقاصي عن الزهري: امتنعوا من دفن
عثمان، فوقفت ام حبيبة بباب المسجد، ثم قالت:لتخلن بيننا
وبين دفن هذا الرجل او لاكشفن ستر رسول اللّه. فخلوا بينهم
وبين دفنه.
واخرج من طريق ابي الزناد، قال: خرجت نائلة امراة عثمان ليلة
دفن ومعها سراج وقد شقت جيبها وهي‏تصيح: واعثماناه، واامير
المؤمنيناه، فقال لها جبير بن مطعم: اطفئي السراج فقد ترين
من بالباب، فاطفات‏السراج وانتهوا الى البقيع، فصلى عليه
جبير وخلفه حكيم بن حزام، وابوجهم، ونيار بن مكرم، ونائلة
وام‏البنين امراتاه ونزل في حفرته نيار وابو جهم وجبير، وكان
حكيم والامراتان يدلونه‏على الرجال حتى قبروبني عليه وغموا
((738)) قبره وتفرقوا. وفي لفظ ابي عمر: فلما دفنوه غيبوا
قبره، وذكره السمهودي في وفاءالوفا (2/99) من طريق ابن
شبة ((739)) عن الزهري.
واخرج ابن الجوزي، والمحب الطبري، والهيثمي ((740))، من
طريق عبداللّه بن فروخ، قال: شهدت عثمان بن عفان‏دفن في
ثيابه بدمائه ولم يغسل. وقال المحب: خرجه البخاري والبغوي
في معجمه. وذكر ابن الاثير في‏الكامل وابن ابي الحديد
في‏الشرح، انه لم يغسل وكفن في ثيابه.
واخرج ابو عمر في الاستيعاب من طريق مالك، قال: لما قتل
عثمان (رضى‏ا...عنه) القي على المزبلة ثلاثة‏ايام، فلما كان من
الليل اتاه اثنا عشر رجلا ((741))، فيهم حويطب بن عبد
العزى، وحكيم بن حزام، وعبداللّهبن الزبير [وجدي] ((742))
فاحتملوه، فلما صاروا به الى المقبره ليدفنوه ناداهم قوم من
بني مازن: واللّه لئن‏دفنتموه هاهنا لنخبرن الناس غدا،
فاحتملوه وكان على باب، وان راسه على الباب ليقول: طق
طق، حتى‏صاروا به الى حش كوكب، فاحتفروا له، وكانت
عائشة بنت عثمان غ معها مصباح في جرة، فلما
اخرجوه‏ليدفنوه صاحت، فقال لها ابن الزبير: واللّه لئن لم
تسكتي لاضربن الذي فيه عيناك، قال: فسكتت، فدفن.
وذكره المحب الطبري في الرياض نقلا عن القلعي، وذكر عن
الخجندي انه اقام في حش كوكب‏ثلاثامطروحا لا يصلى عليه.
وذكر الصفدي في تمام المتون ((743)) (ص‏79) عن مالك ان
عثمان القي على المزبلة ثلاثة ايام.
وقال اليعقوبي: اقام ثلاثا لم يدفن، وحضر دفنه حكيم، وجبير،
وحويطب، وعمرو بن عثمان ابنه، ودفن ليلافي موضع يعرف
بحش كوكب، وصلى عليه هؤلاء الاربعة وقيل: لم يصل عليه،
وقيل: احد الاربعة قد صلى‏عليه، فدفن بغير صلاة.
وقال ابن قتيبة: ذكروا ان عبدالرحمن بن ازهر قال: لم اكن
دخلت في شي‏ء من امر عثمان لا عليه ولا له،فاني لجالس بفناء
داري ليلا بعد ما قتل عثمان بليلة اذجاءني المنذر بن الزبير،
فقال: ان اخي يدعوك فقمت‏اليه، فقال لي: انا اردنا ان ندفن
عثمان فهل لك؟ قلت: واللّه ما دخلت في شي‏ء من شانه وما
اريد ذلك،فانصرفت عنه ثم اتبعته، فاذا هو في نفر فيهم جبير
بن مطعم، وابو الجهم، والمسور، وعبدالرحمن بن ابي‏بكر،
وعبداللّه بن الزبير، فاحتملوه على باب وان راسه ليقول: طق
طق، فوضعوه في موضع الجنائز، فقام‏اليهم رجال من الانصار
فقالوا لهم: لا واللّه لا تصلون عليه، فقال ابو الجهم: الا تدعونا
نصلي عليه؟ فقدصلى اللّه تعالى عليه وملائكته. فقال له رجل
منهم: ان كنت كاذبا فادخلك اللّه مدخله، فقال له: حشرني
اللّهمعه، فقال له: ان اللّه حاشرك مع الشياطين، واللّه ان
تركناكم به لعجز منا. فقال القوم لابي الجهم: اسكت‏عنهم
وكف، فسكت، فاحتملوه ثم انطلقوا مسرعين كاني اسمع وقع
راسه على اللوح، حتى وضعوه في ادنى‏البقيع فاتاهم جبلة ابن
عمرو الساعدي من الانصار فقال: لا واللّه لا تدفنوه في بقيع
رسول اللّه ولا نترككم‏تصلون عليه، فقال ابو الجهم: انطلقوا بنا
ان لم نصل عليه فقد صلى اللّه عليه، فخرجوا ومعهم عائشة
بنت‏عثمان معها مصباح في حق، حتى اذا اتوا به جسر ((744))
كوكب حفروا له حفرة، ثم قاموا يصلون عليه وامهم‏جبير بن
مطعم، ثم دلوه في حفرته، فلما راته ابنته صاحت، فقال ابن
الزبير: واللّه لئن لم تسكتي لاضربن‏الذي فيه عيناك فدفنوه،
ولم يلحدوه بلبن، وحثوا عليه التراب حثوا.
وقال ياقوت الحموي: لما قتل عثمان القي في حش كوكب ثم
دفن في جنبه.
وذكر ابن كثير بعض ما اسلفناه نقلا عن البلاذري فقال: ثم
اخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار وهما:صبيح ونجيح
غ فدفنا الى جانبه بحش كوكب،وقيل: ان الخوارج لم يمكنوا
من دفنهما، بل جروهمابارجلهما حتى القوهما بالبلاط
((745)) فاكلتهما الكلاب، وقد اعتنى معاوية في ايام امارته
بقبر عثمان، ورفع الجداربينه وبين البقيع وامر الناس ان
يدفنوا موتاهم حوله.
وذكر الحلبي في السيرة، عن ابن الماجشون، عن مالك: ان
عثمان بعد قتله القي على المزبلة ثلاثة ايام، وقيل،اغلق عليه
بابه بعد قتله ثلاثة ايام، لا يستطيع احد ان يدفنه.. الى آخر ما مر
من حديث مالك. ولما دفنوه‏عفوا قبره خوفا عليه ان ينبش،
واما غلاماه اللذان قتلا معه فجروهما برجليهما والقوهما على
التلال،فاكلتهما الكلاب.
وذكر ابن ابي الحديد وابن الاثير والدميري انه اقام ثلاثة ايام لم
يدفن ولم يصل عليه، وقيل لم يغسل ولم‏يكفن، وقيل: صلى
عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا.
وذكر السمهودي في وفاء الوفا عن عثمان بن محمد الاخنسي
عن ام حكيمة قالت: كنت مع الاربعة الذين‏دفنوا عثمان بن
عفان: جبير، حكيم، ابوجهم، نيار الاسلمي وحملوه على باب
اسمع قرع راسه على الباب‏كانه دباة ويقول: دب دب. حتى
جاؤوا به حش كوكب فدفن به ثم هدم عليه الجدار وصلي عليه
هناك.
راجع ((746)) : طبقات ابن سعد طبع ليدن (3/55)، انساب
البلاذري (83 86،99)، الامامة والسياسة (1/40)،تاريخ
الطبري (5/143، 144)، تاريخ اليعقوبي (2/153)، الاستيعاب
(2/478، 479) صفة الصفوة (1/117)،الكامل لابن الاثير
(3/76)، الرياض النضرة (2/131، 132)، معجم البلدان
(3/281)، شرح ابن ابي‏الحديد (1/168)، تاريخ ابن كثير
(7/190، 191)، حياة الحيوان للدميري (1/54)، وفاء الوفا
للسمهودي(2/99)، السيرة الحلبية (2/85)، تاريخ الخميس
(2/265).
وقال الشاعر المفلق احمد شوقي بك في دول العرب (ص‏49).
من لقتيل بالسفا ((747))مكفن
مرت به ثلاثة لم يدفن
تعرضه نوادبا ارامله
ويشفق النعش ويابى حامله
قد حيل بين الارض وابن آدما
ونوزعت دار البقاء قادما
قال الاميني : ان هاهنا صحيفة غامضة اقف تجاهها موقف
السادر لا تطاوعني‏النفس على الركون الى اي‏من‏شقي
الاحتمال اللذ ين يختلجان في الصدر، وذلك ان ما ارتكب من
الخليفة في التضييق عليه وقتله بتلكم‏الصور المشددة، ثم ما
نيل منه بعد القتل من المنع عن تجهيزه وتغسيله ودفنه
والصلاة عليه والوقيعة فيه‏بالسباب المقذع وتحقيره برمي
جنازته بالحجارة وكسر بعض اضلاعه، يستدعي اما فسق
الصحابة‏اجمع‏فانهم كانوا بين مباشر لهاتيك الاحوال، وبين
خاذل للمودى به، وبين مؤلب عليه، الى مثبط عنه، الى
راض‏بما فعلوا، الى محبذ لتلكم الاهوال، وكان يرن في
مسامعهم قوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه
الابالحق) ((748)). وقوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس او
فساد في الارض فكانما قتل الناس جميعا) ((749)).
وقوله‏تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها
وغضب اللّه عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما) ((750)).
وما جاء في ذلك من السنة اكثر، وما يؤثر عن نبي العظمة (ص)
من وجوب دفن موتى المؤمنين وتغسيلهم‏وتكفينهم والصلاة
عليهم، وان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا، فالقوم ان كانوا
متعمدين في مخالفة هذه‏النصوص فهم فساق ان لم نقل انهم
مراق عن الدين بخروجهم على الامام المفترض طاعته.
او ان هذه الاحوال تستدعي انحراف الخليفة عن الطريقة
المثلى، وان القوم اعتقدوا بخروجه عن مصاديق‏تلكم الاوامر
والمناهي المؤكدة التي تطابق عليها الكتاب والسنة. وليس من
السهل الهين البخوع الى اي‏من‏طرفي الترديد. ام ا الصحابة
فكلهم عدول عند القوم يركن اليهم ويحتج باقوالهم وافعالهم
ويوثق بايمانهم،وقد كهربتهم صحبة الرسول (ص) فاخرج درن
نفوسهم، وكان في المعمعة منهم بقايا العشرة المبشرة‏كطلحة
والزبير، ولطلحة خاصة فظاظات حول ذلك الجلاد، الى اناس
آخرين من ذوي المثر نظراء عماربن ياسر، ومالك الاشتر،
وعبداللّه بن بديل، وكان بين ظهرانيهم امام المسلمين امير
المؤمنين علي (ع) وهوالمرموق يومئذ للخلافة، وقد انثنت اليه
الخناصر، والامة اطوع له من الظل لذيه. افتراه والحالة هذه
سكت‏عن تلكم الفظائع وهو مطل عليها من كثب وهو اعلم
الناس بنواميس الشريعة، واهداهم الى طريقهاالمهيع، وهو
يعلم ان من المحظور ارتكابها؟ لاها اللّه.
او انه (ع) اخذ الحياد في ذلك المازق الحرج وهو مستبيح
للحياد او لما يعملون به؟ انا لا ادري.
وليس من المستطاع القول بان معظم الصحابة ما كانوا عالمين
بتلكم الوقائع، او انهم ما كانوا يحسبون‏ان‏الامر يبلغ ذلك
المبلغ، او ان هم كانوا غير راضين بهاتيك الاحدوثة، فان
الواقعة ما كانت مباغتة ولاغيلة حتى يعزب عن احد علمها،
فان‏الحوار استدام اكثر من شهرين، وطيلة هذه المدة لم يكن
للمتجمهرين‏طلبة من الخليفة الا الاقلاع عن احداثه، او
التنازل عن عرش الخلافة، وكانوا يهددونه بالقتل ان لم
يخضع‏لاحدى الطلبتين، وكانت نعرات القوم في ذلك تتموج
بها الفضاء، وعقيرة عثمان في التوبة تارة وعدم التنازل‏اخرى
وتخويفهم بمغبات القتل ثالثة تتسرب في فجوات الجو، فلو
كان معظم الصحابة منحازين عن ذلك‏الراي لكان في وسعهم
تفريق الجمع بالقهر او الموعظة، لكن بالرغم مما يزعم عليهم
لم يؤثر عن احد منهم‏ما يثبت ذلك او يقربه، وما اسلفناه من
الاحاديث الجمة النامة عن معتقدات الصحابة في‏الخليفة
وفي‏التوثب‏عليه‏تفند هذه المزعمة‏الفارغة، ان‏لم نقل انها
تثبت‏ما يعلمه الكل من‏الاجماع على مقت‏الخليفة‏والتصافق
على‏ما نقموا عليه‏والرضا بما نيل‏منه، حتى ان احدا لم يرو عنه
انه ساءه نداء قاتله حين طاف بالمدينة ثلاثاقائلا: انا قاتل نعثل
. ((751))
واما ثاني الاحتمالين فمن المستصعب ان يبلغ سوء الظن
بالخليفة هذا المدى، وان كانت الصحابة جزموابذلك، والشاهد
يرى ما لا يراه الغائب، وقد اوقفناك على قول السيدة عائشة:
اقتلوا نعثلا قتله اللّه فقدكفر.
وقولها لمروان: وددت واللّه انه في غرارة من غرائري هذه واني
طوقت حمله حتى القيه في البحر. وقولها لابن‏عباس: اياك ان
ترد الناس عن هذا الطاغية.
وقول عبدالرحمن بن عوف للامام امير المؤمنين (ع): اذا شئت
فخذ سيفك وآخذ سيفي، انه قد خالف مااعطاني. وقوله:
عاجلوه قبل ان يتمادى في ملكه. وقوله له: للّه علي ان لا
اكلمك ابدا.
وقول طلحة لمجمع بن جارية لما قال له: اظنكم واللّه قاتليه
: فان قتل فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل.وقد مر ان طلحة
كان اشد الناس على عثمان في قتله يوم الدار، وقتل دون دمه.
وقول الزبير : اقتلوه فقد بدل دينكم. وقوله: ان عثمان لجيفة
على الصراطغدا.
وقول عمار يوم صفين: امضوا معي عباد اللّه الى قوم يطلبون
فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عباداللّه بغير ما
في كتاب اللّه. وقوله: ما تركت في نفسي حزة اهم الي من ان لا
نكون نبشنا عثمان من قبره‏ثم‏احرقناه بالنار. وقوله: اراد ان
يغى ر ديننا فقتلناه. وقوله: واللّه ان كان الا ظالما لنفسه
الحاكم بغير ما انزل‏اللّه. وقوله: انما قتله الصالحون المنكرون
للعدوان الامرون بالاحسان.
وقول حجر بن عدي واصحابه: وهو اول من جار في الحكم
وعمل بغير الحق.
وقول عبدالرحمن العنزي: هو اول من فتح ابواب الظلم، وارتج
ابواب الحق.
وقول هاشم المرقال: انما قتله اصحاب محمد وقراء الناس حين
احدث احداثا وخالف حكم الكتاب،واصحاب محمد هم اصحاب
الدين، واولى بالنظر في امور المسلمين.
وقول عمرو بن العاص: انا ابو عبداللّه اذا حككت قرحة نكاتها، ان
كنت لاحرض عليه حتى اني لاحرض‏عليه الراعي في غنمه في
راس الجبل. وقوله له: ركبت بهذه الامة نهابير من الامور
فركبوها معك، وملت‏بهم فمالوا بك، اعدل او اعتزل. وقوله: انا
ابو عبداللّه قتلته وانا بوادي السباع.
وقول سعد بن ابي وقاص: انه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله
طلحة، وسمه‏ابن ابي طالب، وسكت الزبيرواشار بيده، وامسكنا
نحن ولو شئنا دفعناه عنه. الخ.
وقول جهجاه الغفاري: قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر،
ندرعك عباءة، ولنطرحك في الجامعة، ولنحملك‏على شارف
من الابل ثم نطرحك في جبل الدخان.
وقول مالك الاشتر: الى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن
سنة نبيه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره.
وقول عمرو بن زرارة: ان عثمان قد ترك الحق وهو يعرفه. الخ.
وقول الحجاج بن غزية الانصاري: واللّه لولم يبق من عمره الا
بين الظهر والعصر لتقربنا الى اللّه بدمه.
وقول قيس بن سعد الانصاري: اول الناس كان فيه قتل
عثمان قياما عشيرتي ولهم اسوة.
وقول جبلة بن عمرو الانصاري: يا نعثل واللّه لاقتلنك
ولاحملنك على قلوص جرباء ولاخرجنك الى حرة‏النار. وقوله
وقد سئل الكف عن عثمان: واللّه لا القى اللّه غدا فاقول: انا اطعنا
سادتنا وكبراءنا فاضلوناالسبيل.
وقول محمد بن ابي بكر له: على اي دين انت يا نعثل؟ غيرت
كتاب اللّه. وقوله له: الان وقد عصيت‏قبل‏وكنت من المفسدين.
وقول الصحابة مجيبين لقوله: لا تقتلوني فانه لا يحل الا قتل
ثلاثة: انا نجد في كتاب اللّه قتل غير الثلاثة‏الذين سميت، قتل
من سعى في الارض فسادا، وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه،
وقتل من حال دون شي‏ءمن الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر
عليه، وقد بغيت، ومنعت الحق، وحلت دونه وكابرت عليه. الخ.
وقول عبداللّه بن ابي سفيان بن الحارث من ابيات مرت
(8/288):
وشبهته كسرى وقد كان مثله
شبيها بكسرى هديه وضرائبه
الى كلمات آخرين محكمات وا خر متشابهات، يشبه بعضها
بعضا.
ان في هذا المازق الحرج لا بد لنا من ركوب احدى الصعبتين،
والحكم هو الفطرة السليمة مهما دار الامر بين‏تخطئة انسان
واحد محتف بالاحداث، وبين تضليل آلاف مؤلفة فيهم الائمة
والعلماء والحكماء والصالحون‏وقد ورد في فضلهم ما ورد كما
نرتئيه نحن، او ان كلهم عدول يحتج باقوالهم وافعالهم كما
يحسبه اهل السنة،وان كان في البين اجتهاد كما يحسبونه في
امثال المقام فهو في الطرفين، والتحكم باصابة انسان واحد
وخطاتلك الامة الكبيرة في اجتهادها، تهور بحت، وتمحل لا
يصار اليه (وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان اللّهيحب
المقسطين) ((752)).

سلسلة الموضوعات في قصة الدار
وتبرير الخليفة والنظر فيها
1 قال الطبري في تاريخه ((753)) (5/98): فيما كتب به الي
السري، عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيدالفقعسي
قال: كان عبداللّه بن سبا يهوديا من اهل صنعاء، امه سوداء،
فاسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان‏المسلمين يحاول
ضلالتهم، فبدا بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر
على ما يريد عند احد من‏اهل الشام، فاخرجوه حتى اتى مصر،
فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم ان‏عيسى
يرجع،ويكذب بان محمدا يرجع، وقد قال اللّه عز وجل: (ان

الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد) ((754)).
فمحمدا حق بالرجوع من عيسى. قال: فقبل ذلك عنه، ووضع
لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: انه‏كان الف
نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد. ثم قال: محمد
خاتم الانبياء وعلي‏خاتم الاوصياء. ثم‏قال بعد ذلك: من اظلم
ممن لم يجز وصية رسول اللّه (ص) ووثب على وصي
رسول اللّه (ص) وتناول امر الام ة، ثم قال لهم بعد ذلك: ان
عثمان اخذها بغير حق وهذا وصي‏رسول اللّه (ص)، فانهضوا في
هذا الامرفحركوه، وابداوا بالطعن على امرائكم واظهروا الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس،وادعوهم الى‏هذا
الامر. فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد في الامصار وكاتبوه،
ودعوا في السر الى ماعليه رايهم، واظهروا الامر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون الى الامصار بكتب يضعونها
في‏عيوب ولاتهم، ويكاتبهم اخوانهم بمثل ذلك، ويكتب اهل
كل مصر منهم الى مصر آخر بما يصنعون فيقراه‏اولئك في
امصارهم وهؤلاء في امصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة
واوسعوا الارض اذاعة، وهم يريدون‏غير ما يظهرون، ويسرون
غير ما يبدون، فيقول اهل كل مصر: انا لفي عافية مما ابتلي به
هؤلاء، الا اهل‏المدينة فانهم جاءهم ذلك عن جميع الامصار،
فقالوا: انا لفي عافية مما فيه الناس، وجامعه محمد وطلحة
من‏هذا المكان، قالوا: فاتوا عثمان فقالوا: يا امير المؤمنين
اياتيك عن الناس الذي ياتينا؟ قال: لا واللّه ما جاءني‏الا السلامة.
قالوا: فانا قد اتانا... واخبروه بالذي اسقطوا اليهم، قال: فانتم
شركائي وشهودالمؤمنين فاشيروا علي، قالوا: نشير عليك ان
تبعث رجالا ممن تثق بهم الى الامصار حتى يرجعوا
اليك‏باخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فارسله الى الكوفة،
وارسل اسامة ابن زيد الى البصرة، وارسل عمار بن‏ياسر الى
مصر، وارسل عبداللّه بن عمر الى الشام، وفرق رجالا سواهم،
فرجعوا جميعا قبل عمار، فقالوا:ايها الناس ما انكرنا شيئا ولا
انكره اعلام المسلمين ولا عوامهم، وقالوا جميعا: الامر امر
المسلمين الا ان‏امراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم،
واستبطا الناس عمارا حتى ظنوا انه قد اغتيل، فلم يفجاهم
الاكتاب من عبداللّه بن سعد بن ابي سرح يخبرهم ان عمارا قد
استماله قوم بمصر وقد انقطعوا اليه، منهم: عبداللّهبن السوداء،
وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر.
قال الاميني : لو كان ابن سبا بلغ هذا المبلغ من القاح الفتن،
وشق عصا المسلمين وقد علم به وبعيثه امراءالامة وساستها في
البلاد، وانتهى امره الى خليفة الوقت، فلماذا لم يقع عليه
الطلب؟ ولم يبلغه القبض عليه،والاخذ بتلكم الجنايات
الخطرة، والتاديب بالضرب والاهانة، والزج الى اعماق السجون؟
ولا آل امره‏الى الاعدام المريح للامة من شره وفساده، كما وقع
ذلك كله على الصلحاء الابرار الامرين بالمعروف‏والناهين عن
المنكر، وهتاف القرآن الكريم يرن في مسامع الملا الديني: (انما
جزاء الذين يحاربون اللّهورسوله ويسعون في الارض فسادا ان
يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلا ف او ينفوا
من‏الارض‏ذل ك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب
عظيم) ((755)).
فهلا اجتاح الخليفة جرثومة تلكم القلاقل بقتله، وهل كان
تجهمه وغلظته قصرا على الابرار من امة محمد(ص)؟ ففعل
بهم ما فعل مما اسلفنا بعضه في‏هذا الجزء والجزء الثامن.
هب ان ابن سبا هو الذي امال الامصار على مناواة الخليفة فهل
كان هو مختلقا تلكم الانباء من دون‏انطباقها على شي‏ء من
اعمال عثمان و ولاته؟ فنهضت الامة وفيهم وجوه المهاجرين
والانصار على لا شي‏ء؟او ان ما كان يقوله قد انطبق على ما كانوا
ياتون به من الجرائم والمثم، فكانت نهضة الامة
لاكتساحهانهضة دينية‏يخضع لها كل مسلم، وان كان ابن
اليهودية خلط نفسه بالناهضين لاي غاية راقته، وما
اكثرالاخلاط في الحركات الصحيحة من غير ان يمس كونهم
مع الهائجين بشي‏ء من كرامتهم!
ولو كان ما انهاه اليهم ابن سبا عزوا مختلقا فهلا لما قدمت
وفود الامصار المدينة قال لهم المدنيون: ان‏الرجل بري‏ء من
هذه القذائف والهنات وهو بين ظهرانيهم يرون ما يفعل،
ويسمعون ما يقول؟ لكنهم‏بدلامن ذلك اصفقوا مع القادمين،
بل صاروا هم القدوة والاسوة في تلك النهضة، وكانوا قبل
مقدمهم ناقمين‏عليه.
ونحن نصافق الدكتور طه حسين عند رايه هاهنا، حيث قال في
كتابه الفتنة‏الكبرى ((756)) (ص‏134): واكبرالظن ان عبداللّه
بن سبا هذا ان كان كل ما يروى عنه صحيحا انما قال ما قال
ودعا الى ما دعا اليه بعدان كانت الفتنة وعظم الخلاف، فهو قد
استغل الفتنة ولم يثرها، واكبر الظن كذلك ان خصوم الشيعة
ايام‏الامويين والعباسيين قد بالغوا في امر عبداللّه بن سبا هذا،
ليشككوا في بعض ما نسب من الاحداث الى‏عثمان وولاته من
ناحية، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية اخرى، فيردوا
بعض امور الشيعة الى يهودي‏اسلم كيدا للمسلمين، وما اكثر ما
شنع خصوم الشيعة على الشيعة! وما اكثر ما شنع الشيعة على
خصومهم‏في امر عثمان وفي غير امر عثمان!
فلنقف من هذا كله موقف التحفظ والتحرج والاحتياط، ولنكبر
المسلمين في صدر الاسلام عن ان يعبث‏بدينهم وسياستهم
وعقولهم ودولتهم رجل اقبل من صنعاء وكان ابوه يهوديا
وكانت امه سوداء، وكان هويهوديا ثم اسلم لا رغبا ولا رهبا ولكن
مكرا وكيدا وخداعا، ثم اتيح له من النجح ما كان يبتغي،
فحرض‏المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه، وفرقهم بعد
ذلك او قبل ذلك شيعا واحزابا.
هذه كلها امور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي ان
تقام عليها امور التاريخ، وانما الشي‏ء الواضح‏الذي ليس فيه شك
هو ان ظروف الحياة الاسلامية في ذلك الوقت كانت بطبعها
تدفع الى اختلاف الراي‏وافتراق الاهواء ونشاة المذاهب
السياسية المتباينة، فالمستمسكون بنصوص القرآن وسنة
النبي‏وسيرة‏صاحبيه كانوا يرون امورا تطرا ينكرونها ولا
يعرفونها، ويريدون ان تواجه كما كان عمر يواجهها في
حزم‏وشدة وضبط للنفس وضبط للرعية، والشباب الناشئون
في قريش وغير قريش من احياء العرب كانوايستقبلون هذه
الامور الجديدة بنفوس جديدة، فيها الطمع، وفيها الطموح،
وفيها الاثرة، وفيها الامل البعيد،وفيها الهم الذي لا يعرف حدا
يقف عنده، وفيها من اجل هذا كله التنافس والتزاحم لا على
المناصب‏وحدها بل عليها وعلى كل شي‏ء من حولها. وهذه
الامور الجديدة نفسها كانت خليقة ان تدفع الشيوخ‏والشباب
الى ما دفعوا اليه، فهذه اقطار واسعة من الارض تفتح عليهم،
وهذه اموال لا تحصى تجبى لهم من‏هذه الاقطار، فاي غرابة
في ان يتنافسوا في ادارة هذه الاقطار المفتوحة والانتفاع بهذه
الاموال المجموعة؟وهذه بلاد اخرى لم تفتح وكل شي‏ء
يدعوهم الى ان يفتحوها كما فتحوا غيرها، فما لهم لا يستبقون
الى‏الفتح؟ وما لهم لا يتنافسون فيما يكسبه الفاتحون من
المجد والغنيمة ان كانوا من طلاب الدنيا، ومن الاجروالمثوبة
ان كانوا من طلاب الاخرة؟ ثم ما لهم جميعا لا يختلفون في
سياسة هذا الملك الضخم وهذا الثراءالعريض؟ واي غرابة في ان
يندفع الطامعون الطامحون من شباب قريش الى هذه الابواب
التي فتحت لهم‏ليلجوا منها الى المجد والسلطان والثراء؟ واي
غرابة في ان يهم بمنافستهم في ذلك شباب الانصار
وشباب‏الاحياء الاخرى من العرب؟ وفي ان تمتلئ قلوبهم
موجدة وحفيظة وغيظا اذا راوا الخليفة يحول بينهم وبين‏هذه
المنافسة، ويؤثر قريشا بعظائم الامور، ويؤثر بني امية باعظم
هذه العظائم من الامور خطرا واجلها شانا.
والشي‏ء الذي ليس فيه شك هو ان عثمان قد ولى الوليد
وسعيدا على الكوفة بعد ان عزل سعدا، وولى‏عبداللّه بن عامر
على البصرة بعد ان عزل ابا موسى. وجمع الشام كلها لمعاوية
وبسط سلطانه عليها الى ابعدحد ممكن بعد ان كانت الشام
ولايات تشارك في ادارتها قريش وغيرها من احياء العرب، وولى
عبداللّه بن‏ابي سرح مصر بعد ان عزل عنها عمرو بن العاص،
وكل هؤلاء الولاة من ذوي قرابة عثمان، منهم اخوه‏لامه،
ومنهم اخوه في الرضاعة، ومنهم خاله، ومنهم من يجتمع معه
في نسبه الادنى الى امية بن عبد شمس.
كل هذه حقائق لا سبيل الى انكارها، وما نعلم ان ابن سبا قد
اغرى عثمان بتولية من ولى وعزل من عزل،وقد انكر الناس في
جميع العصور على الملوك‏والقياصرة والولاة والامراء ايثار ذوي
قرابتهم بشؤون الحكم،وليس المسلمون الذين كانوا رعية
لعثمان بدعا من الناس، فهم قد انكروا وعرفوا ما ينكر الناس
ويعرفون‏في جميع العصور. انتهى حرفيا.
على ان ما تضمنته هذه الرواية من بعث عمار الى مصر وغيره
الى بقية البلاد مما لا يكاد ان يذعن به، او ان‏يكون له مقيل من
الصحة، ولم يذكر في غير هذه الرواية الموضوعة المكذوبة على
السنة رواتها المتراوحين‏بين زندقة وكذب وجهالة، فان ما
يعطيه النظر في مجموع ما روي حول مشكلة عثمان ان عمارا
ومحمد بن‏مسلمة لم يفارقا المدينة طيلة ايامها ومنذ مبدئها
الى غايتها المفضية الى مقتل عثمان، وعمار هو الذي كان
في‏مقدم الثائرين عليه من اول يومه الناقمين على اعماله، وقد
اراد نفيه الى الربذة منفى ابي ذر بعد وفاته فيهارضوان اللّه
عليهما فمنعته المهاجرون والانصار كما مر حديثه، وكم وقع
عليه في تضاعيف تلكم الاحوال‏تعذيب وضرب وتعنيف، وكان
عثمان يعلم بكراهة عمار اياه منذ يومه الاول، فمتى كان
يستنصح عمارا حتى‏يبعثه الى البلاد فيحكي له اخبارها، او
يستميله ابن سبا واصحابه؟ وهذا مما لا يعزب علمه عن
اي‏باحث‏كما تنب ه له الدكتور طه حسين في الفتنة الكبرى
((757)) (ص‏128) حيث قال: اكاد اقطع بان عمارا لم يرسل
الى‏مصر ولم يشارك هذين الفتيين ((758)) فيما كانا بسبيله
من التحريض، وانما هي قصة اخترعها العاذرون لعثمان
فيماكان بينه وبين عمار قبل ذلك او بعده، مما سنراه بعد
حين. انتهى.
2 قال الطبري ((759)) (ص‏99): كتب الي السري، عن
شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعطية، قالوا:
كتب‏عثمان الى اهل الامصار:
اما بعد، فاني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلطت
الامة منذ وليت على الامر بالمعروف والنهي‏عن المنكر، فلا
يرفع علي شي‏ء ولا على احد من عمالي الا اعطيته، وليس لي
ولعيالي حق قبل الرعية‏الامتروك لهم، وقد رفع الي اهل
المدينة ان اقواما يشتمون، وآخرون يضربون، فيامن ضرب سرا
وشتم‏سرا، من ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم فلياخذ
بحقه حيث كان مني او من عمالي اوتصدقوا فان اللّهيجزي
المتصدقين.
فلما قرئ في الامصار ابكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا: ان الامة
لتمخض بشر، وبعث الى عمال الامصارفقدموا عليه: عبداللّه بن
عامر، ومعاوية، وعبداللّه بن سعد، وادخل معهم في المشورة
سعيدا وعمرا، فقال:ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الاذاعة؟
اني واللّه لخائف ان تكونوا مصدوقا عليكم وما يعصب هذا الابي،
فقالوا له: الم تبعث؟ الم نرجع اليك الخبر عن القوم؟ الم
يرجعوا ولم يشافههم احد بشي‏ء؟ لا واللّه ماصدقوا ولا بروا ولا
نعلم لهذا الامر اصلا، وما كنت لتاخذ به احدا فيقيمك على
شي‏ء، وما هي الا اذاعة لايحل الاخذ بها ولا الانتهاء اليها.
قال: فاشيروا علي، فقال سعيد بن العاص: هذا امر مصنوع يصنع
في السر فيلقى به غير ذي المعرفة، فيخبربه فيتحدث به في
مجالسهم، قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل
هؤلاء الذين يخرج هذا من‏عندهم.
وقال عبداللّه بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم اذا اعطيتهم
الذي لهم، فانه خير من ان تدعهم.
قال معاوية: قد وليتني فوليت قوما لا ياتيك عنهم الا الخير
والرجلان اعلم بناحيتيهما.
قال: فما الراي؟ قال: حسن الادب. قال: فما ترى يا عمرو؟ قال:
ارى انك قد لنت لهم، وتراخيت عنهم،وزدتهم على ما كان
يصنع عمر، فارى ان تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع
الشدة وتلين في موضع‏اللين، ان الشدة تنبغي لمن لا يالو
الناس شرا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما
جميعااللين.
وقام عثمان فحمد اللّه واثنى عليه وقال: كل ما اشرتم به علي
قد سمعت، ولكل امر باب يؤتى منه، ان هذاالامر الذي يخاف
على هذه الامة كائن، وان بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به
اللين والمؤاناة والمتابعة الا في‏حدود اللّه تعالى ذكره التي لا
يستطيع احد ان يبادي بعيب احدها، فان سده شي‏ء فرفق،
فذاك واللّه ليفتحن،وليست لاحد علي حجة حق، وقد علم اللّه
اني لم آل الناس خيرا ولا نفسي، وواللّه ان رحى الفتنة
لدائرة،فطوبى لعثمان ان مات ولم يحركها، كفكفوا الناس
وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم، واذا تعوطيت حقوق اللّهفلا
تدهنوا فيها.
فلما نفر عثمان اشخص معاوية وعبداللّه بن سعد الى المدينة،
ورجع ابن عامر وسعيد معه، ولما استقل عثمان‏رجز الحادي:
قد علمت ضوامر المط‏ي
وضمرات عوج القسي
ان الامير بعده علي
وفي الزبير خلف رضي
وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب وهو يسير خلف عثمان:
الامير بعده صاحب البغلة، واشار الى‏معاوية.
3 واخرج ((760)) (ص‏101) بالاسناد الشعيبي المذكور:
كان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج: يا امير المؤمنين
انطلق معي الى الشام قبل ان يهجم
عليك من لا قبل لك به، فان اهل الشام على الامر لم يزالوا.
فقال: انا لا ابيع جوار رسول اللّه (ص) بشي‏ءوان كان فيه قطع
خيط عنقي. قال: فابعث اليك جندا منهم يقيم بين ظهراني
اهل المدينة لنائبة ان نابت‏المدينة او اياك. قال: انا اقتر على
جيران رسول اللّه (ص) الارزاق بجند تساكنهم، واضيق على
اهل دارالهجرة والنصرة؟ قال: واللّه يا امير المؤمنين لتغتالن
ولتغزين. قال: حسبي اللّه ونعم الوكيل. وقال معاوية: ياايسار
الجزور، واين ايسار الجزور. الحديث بطوله.
4 واخرج ((761)) (ص‏103) بالاسناد الشعيبي:
لما كان في شوال سنة (35) خرج اهل مصر في اربع رفاق على
اربعة امراء المقلل يقول: ستمائة. والمكثريقول: الف. على
الرفاق: عبدالرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر الليثي،
وسودان بن حمران‏السكوني، وقتيرة بن فلان السكوني
((762))، وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي. ولم
يجترئوا ان يعلمواالناس بخروجهم الى الحرب، وانما خرجوا
كالحجاج ومعهم ابن السوداء. وخرج اهل الكوفة في اربع‏رفاق،
وعلى الرفاق: زيد بن صوحان العبدي، والاشتر النخعي، وزياد
بن النضر الحارثي، وعبداللّه بن‏الاصم، احد بني عامر بن
صعصعة، وعددهم كعدد اهل مصر وعليهم جميعا عمرو بن
الاصم. وخرج اهل‏البصرة في اربع رفاق، وعلى الرفاق: حكيم
بن جبلة العبدي، وذريح بن عباد العبدي، وبشر بن
شريح‏الحطم بن ضبيعة القيسي، وابن المحرش بن عبد عمرو
الحنفي، وعددهم كعدد اهل مصر، واميرهم‏جميعاحرقوص بن
زهير السعدي، سوى من تلاحق بهم من الناس، فاما اهل مصر
فانهم كانوا يشتهون‏عليا ، واما اهل البصرة فانهم كانوايشتهون
طلحة، واما اهل الكوفة [ فانهم ] ((763))كانوا يشتهون
الزبير،فخرجوا وهم على الخروج جميع وفي الناس شتى لا
يشك كل فرقة الا ان الفلج معها، وامرها سيتم دون‏الاخريين،
فخرجوا حتى اذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم ناس من
اهل البصرة فنزلوا ذا خشب ((764))،وناس من اهل الكوفة
فنزلوا الاعوص ((765))، وجاءهم ناس من اهل مصر وتركوا
عامتهم بذي المروة ((766))،ومشى فيما بين اهل مصر واهل
البصرة زياد بن النضر وعبداللّه بن الاصم وقالا: لا تعجلوا ولا
تعجلوناحتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فانه بلغنا انهم قد
عسكروا لنا، فواللّه ان كان اهل المدينة قد خافوناواستحلوا قتالنا
ولم يعلموا علمنا فهم اذا علموا علمنا اشد، وان امرنا هذا
لباطل، وان لم يستحلوا قتالناووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن
اليكم بالخبر. قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقيا ازواج النبي
(ص)وعليا وطلحة والزبير ((767)) وقالا: انما ناتم هذا البيت
ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا، ما جئنا الا لذلك‏واستاذنا
للناس بالدخول، فكلهم ابى ونهى وقال: بيض ما يفرخن. فرجعا
اليهم، فاجتمع من اهل مصرنفر فاتوا عليا، ومن اهل البصرة نفر
فاتوا طلحة، ومن اهل الكوفة نفر فاتوا الزبير، وقال كل فريق
منهم:ان بايعوا صاحبنا والا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا
حتى نبغتهم. فاتى المصريون عليا وهو في عسكرعند احجار
((768)) عليه حلة افواف معتم بشقيقة حمراء يمانية الزيت
متقلد السيف ليس عليه قميص، وقدسرح الحسن الى عثمان
فيمن اجتمع اليه، فالحسن جالس عند عثمان وعلي عند
احجار الزيت، فسلم عليه‏المصريون وعرضوا له فصاح بهم
واطردهم وقال: لقد علم الصالحون ان جيش ذي المروة وذي
خشب‏ملعونون على لسان محمد (ص) فارجعوا لا صحبكم اللّه
. قالوا: نعم. فانصرفوا من عنده على ذلك. ((769))
واتى البصريون طلحة وهو في جماعة اخرى الى جنب علي
وقد ارسل ابنيه الى عثمان، فسلم البصريون‏عليه وعرضوا له،
فصاح بهم واطردهم وقال: لقد علم المؤمنون ان جيش ذي
المروة وذي خشب‏والاعوص ملعونون على لسان محمد(ص)
. ((770))
واتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة اخرى، وقد سرح ابنه
عبداللّه الى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له،فصاح بهم
واطردهم وقال: لقد علم المسلمون ان جيش ذي المروة وذي
خشب والاعوص ملعونون على‏لسان محمد (ص) ((771)).
فخرج القوم واروهم انهم يرجعون، فانفشوا ((772)) عن ذي
خشب والاعوض، حتى انتهوا الى عساكرهم وهي‏ثلاث مراحل،
كي يفترق اهل المدينة ثم يكروا راجعين. فافترق اهل المدينة
لخروجهم. فلما بلغ القوم‏عساكرهم كروا بهم فبغتوهم، فلم
يفجا اهل المدينة الا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في
مواضع‏عساكرهم واحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن.
وصلى عثمان بالناس اياما، ولزم الناس بيوتهم ولم‏يمنعوا احدا
من كلام، فاتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي، فقال: ما ردكم
بعد ذهابكم ورجوعكم عن‏رايكم؟ قالوا: اخذنا مع بريد كتابا
بقتلنا، واتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، واتاهم الزبير
فقال‏الكوفيون [مثل ذلك، وقال الكوفيون] ((773))
والبصريون: فنحن ننصر اخواننا ونمنعهم جميعا، كانما
كانواعلى‏ميعاد، فقال لهم علي: كيف علمتم يا اهل الكوفة ويا
اهل البصرة بما لقي اهل مصر وقد سرتم مراحل‏ثم طويتم
نحونا؟ هذا واللّه امر ابرم بالمدينة، قالوا: فضعوه على ما شئتم لا
حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلناوهو في ذلك يصلي بهم وهم
يصلون خلفه، ويغشي من شاء عثمان وهم في عينه ادق من
التراب، وكانوا لايمنعون احدا من الكلام، وكانوا زمرا بالمدينة
يمنعون الناس من الاجتماع... الخ.
قال الاميني : تعط‏ي هذه الرواية ان الذي رد الكتائب المقبلة
من مصر والبصرة والكوفة هم زعماء جيش‏احجار الزيت: امير
المؤمنين علي وطلحة والزبير يوم صاحوا بهم وطردوهم ورووا
رواية اللعن‏عن‏النبي(ص)وفيهم البدريون وغيرهم من اصحاب
محمد العدول، فما تمكنت الكتائب من دخول المدينة‏وقد
اسلفنا اصفاق المؤرخين على انهم دخلوها وحاصروا الدار مع
المدنيين اربعين يوما او اكثر او اقل‏حتى‏توس ل عثمان بعلي
امير المؤمنين (ع)، فكان هو الوسيط بينه وبين القوم، وجرى
هنالك مامر تفصيله من‏توبة عثمان على صهوة المنبر، ومن
كتاب عهده الى البلاد على ذلك، فانكفات عنه الجماهير
الثائرة بعد ضمان‏علي(ع) ومحمد بن مسلمة بما عهد عثمان
على نفسه، لكنهم ارتجعوا اليه بعد ما وقفوا على نكوصه
وكتابه‏المتضمن لقتل من شخص اليه من مصر فوقع الحصار
الثاني المفضي الى الاجهاز عليه، وانت اذا عطفت‏النظرة الى ما
سبق من اخبار الحصارين واعمال طلحة والزبير فيهما وقبلهما
وبعدهما نظرة ممعنة لا تكاد ان‏تستصح دفاعهما عنه في هذا
الموقف، وكان طلحة اشد الناس عليه، حتى منع من ايصال
الماء اليه، ومن دفنه‏في مقابر المسلمين، لكن رواة السوء
المتسلسلة في هذه‏الاحاديث راقهم اخفاء مناواة القوم‏لعثمان
فاختلقوا له‏هذه وامثالها.
5 واخرج ((774)) (ص‏126) بالاسناد الشعيبي: