وقوله (ع) يوم قال ابو بكر لقنفذ وهو مولى له: اذهب فادع لي
عليا. فذهب الى علي، فقال: «ماحاجتك؟» فقال: يدعوك خليفة
رسول اللّه. فقال علي: «لسريع ما كذبتم على رسول اللّه». فرجع
فابلغ‏الرسالة، ثم قال ابو بكر: عد اليه فقل له: امير المؤمنين
((1476)) يدعوك لتبايع. فجاءه قنفذ فادى ما امر به، فرفع‏علي
صوته فقال: «سبحان اللّه لقد ادعى ما ليس له‏». الحديث.
الامامة والسياسة ((1477)) (1/13).
الى كلمات اخرى توقف الباحث على جلية الحال.
فاين العصمة المزعومة؟ ثم اين الاجماع المدعى عليه؟ وانى
كان الاجماع على الخلافة؟ ومتى تحقق؟ وان‏تم‏الاجماع
فيجب ان يحتج به في الخلافتين وصاحبيهما، وان ابطلناه
ففيهما معا.
ونحن لو اندفعنا الى تفنيد امثال هذه السفاسف المنبعثة عن
الغلو في الفضائل لضاق بنا المجال عن السير في‏مواضيع
الكتاب على انها غير مبتنية على اسس رصينة تستحق اخذا بها
او ردا عليها، وانما ذكرنا هذه‏الاسطورة فحسب لنعطيك شيئا
من نماذج تلكم الاقاويل المسطرة بلا اي تعقل وتدبر، فدونك
شيئا مماعزوه الى الروايات من فضائل الثلاثة:
1 اخرج الامام الفقيه المحدث الثقة ((1478)) ابو الحسين
محمد بن احمد الملط‏ي الشافعي المتوفى (377) في
كتابه‏التنبيه والرد على اهل الاهواء والبدع ((1479)) (ص‏23)،
قال: قال محمد بن عكاشة رحمه اللّه: اخبرني معاوية بن‏حماد
الكرماني، عن الزهري، قال: من اغتسل ليلة الجمعة وصلى
ركعتين يقرا فيهما (قل هو اللّه احد) الف مرة‏راى النبي (ص)
في منامه.
قال محمد بن عكاشة: فدمت عليه كل ليلة جمعة اصلي
الركعتين اقرا فيهما (قل هو اللّه احد) الف مرة طمعاان ارى
النبي (ص) في منامي فاعرض عليه هذه الاصول، فاتت علي
ليلة باردة فاغتسلت وصليت‏ركعتين ثم اخذت مضجعي
فاصابني حلم، فقمت ثانية فاغتسلت وصليت ركعتين، وفرغت
منهما قريبا من‏الفجر فاستندت الى الحائط ووجهي الى القبلة
اذ دخل علي النبي (ص) ووجهه كالقمر ليلة البدر
وعنقه‏كابريق فضة فيه قضبان الذهب على النعت والصفة،
وعليه بردتان من هذه [البرد] ((1480)) اليمانية قد اتزربواحدة
وارتدى باخرى، فجاء واستوفز على رجله اليمنى واقام اليسرى
فاردت ان اقول: حياك اللّه فبادرني‏وقال: حياك اللّه. وكنت
احب ان ارى رباعيته المكسورة فتبسم فنظرت الى رباعيته،
فقلت: يا رسول اللّه ان‏الفقهاء والعلماء قد اختلفوا علي وعندي
اصول من السنة اعرضها عليك. فقال: نعم. فقلت:
الرضا بقضاء اللّه، والتسليم لامر اللّه، والصبر على حكم اللّه،
والاخذ بما امر اللّه، والنهي عما نهى اللّه عنه،والاخلاص بالعمل
للّه، والايمان بالقدر خيره وشره من اللّه، وترك المراء والجدال
والخصومات في الدين،والمسح على الخفين، والجهاد مع‏اهل
القبلة، والصلاة على من مات من اهل القبلة سنة، والايمان
يزيدوينقص، قول وعمل، والقرآن كلام اللّه، والصبر تحت لواء
السلطان على ما كان فيه من جور وعدل، ولايخرج على الامراء
بالسيف وان جاروا، ولا ينزل احد من اهل التوحيد جنة ولا نار،
ولا يكفر احد من‏اهل التوحيد بذنب وان عملوا الكبائر، والكف
عن اصحاب محمد (ص) فلما اتيت: والكف عن
اصحاب‏محمد (ص) بكى حتى علا صوته وافضل الناس بعد
رسول اللّه (ص) ابوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.قال محمد بن
عكاشة: فقلت في نفسي في علي: ابن عمه وختنه. فتبسم (ع)
كانه قد علم ما في نفسي.
قال محمد: فدمت ثلاث ليال متواليات اعرض عليه هذه
الاصول، كل ذلك اقف عند عثمان وعلي فيقول لي(ع): ثم
عثمان ثم علي. ثم عثمان ثم علي: ثلاث مرات. قال: وكنت
اعرض عليه هذه الاصول وعيناه تهملان‏بالدموع قال: فوجدت
حلاوة في قلبي وفمي فمكثت ثمانية ايام لا آكل طعاما ولا
اشرب شرابا حتى ضعفت‏عن صلاة الفريضة، فلما اكلت ذهبت
تلك الحلاوة واللذة، واللّه شاهد علي وكفى باللّه شهيدا.
وقال امير المؤمنين المتوكل لاحمد بن حنبل (رضى‏ا...عنه): يا
احمد اني اريد ان اجعلك‏بيني وبين اللّه حجة،فاظهرني على
السنة والجماعة وما كتبته عن اصحابك عما كتبوه عن
التابعين مما كتبوه عن اصحاب رسول‏اللّه فحدثه بهذا الحديث.
قال الاميني : نحن نجد الباحث في غنى عن البحث عن هذه
الاسطورة وما فيها من مضحكات الثكلى،ونجل‏احمد عن ان
يتخذها حجة بينه وبين اللّه فيلقنها خليفة وقته، ونربي به عن
تصديق مثل محمد بن‏عكاشة الذي جاء فيه قول ابن عساكر
((1481)) بعد روايته هذه الرؤيا: قال سعيد بن عمرو البردعي:
قلت لابي‏زرعة: محمد بن‏عكاشة الكرماني، فحرك راسه فقال:
رايته وكتبت عنه وكان كذابا. قلت: كتبت عنه الرؤياالتي كان
يحكيها؟ قال: نعم كتبت عنه فزعم انه عرض على شبابة:
الايمان قول وعمل، يزيد وينقص فيه،اي به، وانه عرض على
ابي نعيم: على ثم عثمان، فقال به، وهو كذوب ولا يحسن انه
يكتب ((1482)) ايضا، يعني ان‏شبابة لا يقول بذلك وكذا ابو
نعيم، قلت: اين رايته؟ قال: قدم هنا مع محمد بن رافع وكان
رفيقه، كنت ارى‏له سمتا، ولقيني محمد بن رافع فكره ان
يقول فيه شيئا، وقال لي: لا يخفى عليك امره اذا فاتحته،
فقلت: ان‏رايت ان تفيدني شيئا، قال: نعم. ثم كاد يصعق
واضطرب بطنه، فهالني ذلك، ثم اقبل علي فقال: ان اول
مااملى علي ان كذب على اللّه وعلى رسوله(ص) وعلى علي
وعلى ابن عباس... الخ ((1483)).
وذكره الحاكم في الضعفاء فقال: منهم جماعة وضعوا كما
زعموا يدعون الناس الى فضائل الاعمال مثل ابي‏عصمة
ومحمد بن عكاشة الكرماني ثم نقل عن سهل بن السري
الحافظ انه كان يقول: وضع احمدالجويباري ومحمد بن تميم
ومحمد بن عكاشة على رسول اللّه (ص) اكثر من عشرة آلاف
حديث. راجع مااسلفناه في سلسلة الكذابين (5/261)، ولسان
الميزان ((1484)) (5/286 289).
فرجل هذا حاله وتلك صفته وذلك حديثه ليس بالمستطاع
تصديقه على دعاويه المجردة في المبادئ‏والمعتقدات،
والعجب كل العجب من الفقيه الثقة الذي يعتمد على مثلها
من خزاية، قاتل اللّه الحب المعمي‏والمصم هو الذي حدا القوم
الى تفتين بسطاء الامة بمثل هذه الخزعبلات، واللّه يعلم انهم
لكاذبون.
2 اخرج البلاذري في الانساب ((1485)) (5/5) عن خلف
البزار، عن ابي شهاب الحناط ((1486))، عن خالد
الحذاءالبصري، عن ابي قلابة البصري، عن انس قال: قال رسول
اللّه (ص): ارحمكم ابوبكر، واشدكم في الدين‏عمر، واقرؤكم
ابي، واصدقكم حياء عثمان، واعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن
جبل، وافرضكم زيد بن‏ثابت، وان لكل امة امينا وامين هذه
الامة ابو عبيدة الجراح.
واخرجه ابن عساكر في تاريخه ((1487)) (2/325) محذوف
الاسناد بلفظ: ارحم امتي ابوبكر، واشدهم في دين‏اللّه عمر،
واصدقهم حياء عثمان، وافرضهم زيد، واقرؤهم ابي بن كعب...
الخ.
ورواه ((1488)) في (6/199) من طريق ابي سعيد الخدري،
وعقبه: قال العقيلي: اسانيد هذه الاحاديث غير
محفوظة‏والمتون معروفة.
قال الاميني : الا تعجب من اسطورة جاء بها خلف البزار الثقة
الامين العابد الفاضل السكير؟ قال ابو جعفرالنفيلي: كان من
اصحاب السنة لولا بلية كانت فيه: شرب النبيذ.
وذكر خلف عند احمد امام الحنابلة فقيل: يا ابا عبداللّه انه
يشرب. فقال: قد انتهى الينا علم هذا عنه،ولكن هو واللّه عندنا
الثقة الامين شرب او لم يشرب ((1489)).
والرواية نفسها شاهد صدق على ما انتهى الى امام الحنابلة
علمه من خلف البزار، والذين اخذوها منه‏ورووها عنه انما
اقحمتهم فيها سكرة الهوى لا نشوة السلافة.
ولتقديس ذيل هذا الثقة الامين عن رجاسة النبيذ جاء الخطيب
البغدادي ((1490)) بما رواه عن محمد بن احمد بن‏رزق، عن
محمد بن الحسن بن زياد النقاش، قال: سمعت ادريس بن
عبدالكريم الحداد يقول: كان خلف بن‏هشام يشرب من الشراب
على التاويل، فكان ابن اخته يوما يقرا عليه سورة الانفال حتى
بلغ (ليميزاللّهالخ بيث من الطيب) ((1491)) فقال يا خال! اذا
ميز اللّه الخبيث من الطيب اين يكون الشراب؟ قال: فنكس
راسه‏طويلا ثم قال: مع الخبيث. قال: فترضى ان تكون مع
اصحاب‏الخبيث؟ قال: يا بني امض الى المنزل فاصبب‏كل شي‏ء
فيه، وتركه، فاعقبه اللّه الصوم، فكان يصوم الدهر الى ان مات.
حبذا هذا التنزيه لو صدقت الاحلام، وهو وان كان معقولا
احسن من راي الامام احمد من انه الثقة الامين‏شرب او لم
يشرب. فانه راي تافه لا تساعده البرهنة ولا يوافقه الشرع
والعقل والمنطق، واللّه يقول: (ياايها الذين آمنوا ان جاءكم
فاسق بنبا فتبينوا) ((1492)) غير ان من الماسوف عليه جدا
بطلان اسناده لمكان محمدبن الحسن النقاش، فانه كذبه
طلحة بن محمد، ووهاه الدارقطني، ودلسه ابوبكر، وقال
البرقاني: كل‏حديثه‏منكر، وذكر عنده تفسيره فقال: ليس فيه
حديث صحيح. وكل هذا ذكره الخطيب نفسه فبماذا ينزه
الرجل؟وانى يتاتى له امله.
واني اشكر من انتهى اليه وضع هذه الاكذوبة على انه لم يذكر
مع القوم مولانا امير المؤمنين عليا (ع) الذي‏هو اربى من كلهم
في جميع الصفات المذكورة، فانه يرفع عن ان يذكر في عداده
اي احد، كما ان فضائله اربى‏من ان تذكر معها فضيلة.
وهاهنا لا نناقش متن الرواية في الاوصاف التي حابت القوم بها،
فلعل فيها ماهو مدعوم بالبرهنة، فيشهدعلى كون ابي بكر
ارحم الامة احراقه الفجاءة، وغضه الطرف عن وقيعة خالدبن
الوليد في بني حنيفة‏وخزايته مع مالك بن نويرة وزوجته
((1493))، وعدم اكتراثه لامر الصديقة فاطمة في دعواها،
وكانت له‏مندوحة عن مجابهتها باسترضاء المسلمين واستنزال
كل منهم عن حصته من فدك ان غاضينا القوم على‏الفتوى
الباطلة والرواية المكذوبة في انقطاع ارث النبوة خلافا لايات
المواريث المطلقة وارث الانبياءخاصة، على ان فاطمة سلام اللّه
عليها وابن عمها ما كانا يجهلان بما تفرد بنقله ابوبكر وصافقته
على قوله‏سماسرته من الساسة لامر دبر بليل، وامير المؤمنين
(ع) اقضى الامة وباب مدينة علم النبي، والصديقة‏فاطمة
بضعته وما كان يشح (ص) عليها من افاضة العلم ولا سيما علم
الاحكام وعلى الاخص ما يتعلق‏بها، وهو (ص) يعلم انها سوف
تقيم الدعوى على صحابته المتغلبين على فدك وانها ستمنع
عنها ويحتدم‏بينها وبينهم الشجار، ويستتبع ذلك انشقاقا بين
الامة الى يوم القيامة، فمن مزدلفة الى بضعة النبوة،
ومن‏جانحة الى من منعها عن حقها، فكان من الواجب ان يسبق
(ص) الى ابنته بتفصيل حكم هذا شانه قبل‏ابي بكر.
الم تكن لابي بكر مندوحة تصحح اقطاع فاطمة فدكا وردها
اليها حتى لا يفتح باب السواة على الامة كماردها عمر الى ورثة
النبي الاقدس، واقطعها عثمان مروان، واقطعها معاوية مروان
وعمرو بن عثمان ويزيد بن‏معاوية على الاثلاث، الى ما راى فيها
الخلفاء بعدهم من التصرف كتصرف الملاك في املاكهم
؟ ((1494))
سل عن صفة ابي بكر هذه فاطمة وهي صديقة يوم خرجت عن
خدرها وهي تبكي وتنادي باعلى‏صوتها: «يا ابت يا رسول اللّه
ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن ابي قحافة!!» ((1495)).
وسلها عنها يوم لاثت خمارها على راسها، واشتملت بجلبابها،
واقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطاذيولها، ما تخرم
مشيتها مشية رسول اللّه حتى دخلت على ابي بكر وهو في
حشد من المهاجرين والانصاروغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثم
انت انة اجهش لها القوم بالبكاء، وارتج المجلس ((1496)).
وسلها عنها يوم قالت لابي بكر: «واللّه لادعون عليك بعد كل
صلاة اصليها».
وسلها عنها يوم ماتت وهي واجدة على ابي بكر، وهي التي
طهرها الجليل بية التطهير، وصح عن ابيهاقوله (ص): «فاطمة
بضعة مني فمن اغضبها اغضبني، يؤذيني ما آذاها، ويغضبني ما
اغضبها» ((1497)).
وقوله: «فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد
آذاني‏» ((1498)).
وقوله: «ان اللّه يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها»
. ((1499))
وسل عنها امير المؤمنين وهو الصديق الاكبر يوم قادوه كما
يقاد الجمل المخشوش الى بيعة عم شؤمهاالاسلام، وزرعت في
قلوب اهلها الاثام، وعنفت سلمانها، وطردت مقدادها، ونفت
جندبها، وفتقت بطن‏عمارها، وحرفت القرآن، وبدلت الاحكام،
وغيرت المقام، واباحت الخمس للطلقاء، وسلطت اولاد
اللعناءعلى الفروج والدماء، وخلطت الحلال بالحرام، واستخفت
بالايمان والاسلام، وهدمت الكعبة، واغارت‏على دار الهجرة يوم
الحرة، وابرزت بنات المهاجرين والانصار للنكال والسواة،
والبستهن ثوب العاروالفضيحة، ورخصت لاهل الشبهة في قتل
اهل بيت الصفوة وابادة نسله، واستئصال شافته، وسبي
حرمه،وقتل انصاره، وكسر منبره، واخفاء دينه، وقطع ذكره. انا
للّه وانا اليه راجعون.
وسل عنها امير المؤمنين يوم لاذ بقبر اخيه رسول اللّه (ص)
وهو يبكي ويقول: «يابن ام ان القوم‏استضعفوني وكادوا
يقتلونني‏» ((1500)).
الى غير هذه من دلائل كون ابي بكر ارحم الامة.
واما كون عمر اشدهم في الدين فمن جلية الواضحات ان الشدة
في الدين ليست هي الفظاظة والغلظة‏فحسب، وانما هي
التهالك في التمسك بعروتي الكتاب والسنة والعمل بهما
والاخذ والقيام بما جاء فيهما من‏الحدود، وما اكثر ما خالفهما
الرجل ونبذهما وراء ظهره واتخذ برايه الشاذ عنهما! ودع عنك
ما جهله منهما.وما قيمة شدة بلا علم؟ وما مقدار شدة مع
التنكب عن اساسيات الدين، مع الخروج عن طقوس
الاسلام،مع التمسك بالاهواء والشهوات؟ راجع نوادر الاثر في
علم عمر من الجزء السادس (ص‏83 333) فانك‏تجد هنالك
شواهد قوية على اثبات هذه الصفة فاقراها وتبصر.
واما كون عثمان اصدقهم حياء فيكفي دلالة عليه الجزء الثامن
والتاسع من هذا الكتاب، وكل صحيفة منهماآية من آيات صفته
تلك، مضافا الى ما سردناه في هذه الجزء (ص‏274 292) من
البحث الخاص في‏حيائه.
واما الثلاثة الباقون، فلا نطيل البحث عن اثبات ما ذكر لهم،
ففيه تضييع للوقت وشغل عما هو اهم من‏ذلك، ومن سبر
كتابنا هذا عرف اعلم الامة وافرضها وامينها وعلم انه غيرهم،
فلا يدنس ساحة الامة‏بامثال المذكورين، ولا يخاف عليه مما
كان يخاف النبي الاقدس (ص) على امته كما جاء عنه: «اخاف
على‏امتي من بعدي ضلالة الاهواء، واتباع الشهوات، والغفلة بعد
المعرفة‏».
اسد الغابة ((1501)) (1/108).
3 في كتاب المناقب من صحيح البخاري ((1502))
(5/249)، عن محمد بن الحنفية، قال: قلت لابي: اي
الناس‏خير بعد رسول اللّه (ص)؟ قال: ابوبكر. قلت: ثم من؟ قال:
ثم عمر، وخشيت ان يقول: ثم عثمان، قلت: ثم‏انت؟ قال: ما انا
الا رجل من المسلمين.
وفي لفظ الخطيب في تاريخه (13/432): قال قلت: يا ابت! من
خير الناس بعد رسول اللّه (ص)؟ قال: يابني او ما تعلم؟ قال:
قلت: لا. قال: ابو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: يابنى او ما تعلم؟
قال: قلت: لا. قال:ثم عمر. قال: ثم بدرته فقلت: يا ابت ثم انت
الثالث. قال: فقال لي: يا بني ابوك رجل من المسلمين له ما
لهم‏وعليه ما عليهم.
قال الاميني : ليست هذه اول سقطة من سقطات البخاري،
ومن عرف معتقد امير المؤمنين علي (ع) في‏الذين تقدموه وما
استمر عليه دابه من التصريح بذلك المعتقد تارة والتلويح اليه
اخرى لا يشك في ان ماعزي اليه بهتان عظيم.
وليس ابن الحنفية ذلك الذي لا يعرف اباه ولا نظريته في
القوم بعد اللتيا والتي، حتى يساله عن اولئك‏الرجال ثم يخاف
عن ان يقول في المرة الثالثة عثمان وهو يعرفه بعجره وبجره لا
محالة، ويعلم انه هو احدالثلاثين من بني ابي العاص الذين صح
فيهم قول رسول اللّه (ص): «اذا بلغ بنو ابي العاص
ثلاثين‏رجلاجعلوا مال اللّه دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا»
. ((1503))
لماذا كتم امير المؤمنين (ع) عن ابن الحنفية رايه هذا يوم
مقتل عثمان لما اراد الامام (ع) ان ياتي الرجل‏وينصره فاخذ
ابن الحنفية بضبعيه او بكفيه او بحقويه يمنعه من ذلك
؟ ((1504))
حاشا ابن الحنفية من الجهل بما جاء في ابيه الطاهر عن رسول
اللّه (ص) من قوله: انه خير البرية، وانه‏خير البشر، وانه خير من
اتركه بعدي، وانه خير الناس، وانه خير الرجال، وانه احد
الخيرتين ((1505)). ومحمد بن‏الحنفية هو الذي كان ينشد
شاعره كثير عزة بين يديه قوله:
انت ابن خير الناس من بعد النبي
يابن علي سر ومن مثل علي ((1506))
وانى تصح نسبة هذه المزعمة الى علي (ع) وقد جاء عنه من
عدة طرق انه‏قال: حدثني رسول اللّه (ص)وانا مسنده الى
صدري فقال: «اي علي؟ الم تسمع قوله تعالى اللّه (ان الذين
آمنوا وعملوا الصالحات‏اولئ ك‏هم‏خ ير البرية) ((1507))؟ انت
وشيعتك‏». وورد عن جابر: ان اصحاب النبي (ص) كانوا اذا اقبل
علي قالوا: قدجاء خير البرية. راجع ما اسلفناه في (2/52).
اخرجه مضافا الى ما ذكرناه هنالك من المصادر ابن ابي‏حاتم
في تفسيره، قال السيوط‏ي في لاليه (1/12): التزم ابن ابي حاتم
ان يخرج في تفسيره اصح ما ورد ولم‏يخرج حديثا موضوعا
البتة. انتهى.
ولو كان يرى‏امير المؤمنين ان ابابكر خير الناس فلماذا تقاعد
عن بيعته الى ان توفيت‏سيدة‏النساءفاطمة؟وكان له وجه عند
الناس‏ايام‏حياتها كما اخرجه‏البخاري ((1508))نفسه، وصافقه
على ذلك بنو هاشم ومن‏وافقهم من غيرهم من وجوه الامة
واعيان الصحابة، اولم يكن فيهم من يعرف منزلة الصديق هذه؟
وما بال‏علي امير المؤمنين(ع) كان يحمل الصديقة الطاهرة
على دابة ليلا في مجالس الانصار تسالهم النصرة على‏خير
((1509)) ولماذا لم يكن في مقال الدعاة الى ابي بكر البشر؟
ايضا يوم السقيفة وبعده ما يومي الى انه خيرالبشر؟ بل كان
رطب السنتهم: انه السباق المسن وثاني اثنين اذ هما في الغار
((1510)) مشفوعا كل ذلك‏بالارهاب والترعيد (افلم يدبروا
القول ام جاءهم ما لم يات آباءهم الاولين) ((1511)).
هب ان الصحابة يوم ذاك ما كانوا يعرفون منزلة الرجل،
فهلانبههم عليه امير المؤمنين وامرهم باتباع خيرالناس وفيهم
من كان اطوع له من الظل لذيه، فقم بذلك‏جذوم الفتنة،
واستاصل جذورها، وكسح الخلاف‏من بين المسلمين، فلم
يتركها فتنة عمياء تحتدم عليها الاحن، وتتعاقب المحن؟ حاشا
مولانا امير المؤمنين‏من كل هذه، لكنه لم يعرف ما عزي اليه
من حديث خير الناس ولا اعترف بمفاده طرفة عين، بل
كان‏صلوات اللّه عليه يرفع عقيرته بما يضاد هذه المزعمة في
صهوات المنابر بين الملا الديني، وقد مر شطر من‏تلكم الكلم
في هذا الجزء.
نحن هاهنا لسنا في مقام اثبات ان عليا خير البشر بعد صنوه
الطاهر صلى اللّه عليهما وآلهما. كلا ثم كلا.
ولسنا في صراط بيان المفاضلة بينه سلام اللّه عليه وبين خلفاء
الانتخاب الدستوري، حاشا ثم حاشا.
وانما يروقنا جدا ان نمركز لهذا الانسان الكامل في الملا الديني
مكانة فرد من آحاد المسلمين، ونجعلها كلمة‏سواء بيننا وبين
القوم، ونتصافق على هذا فحسب. اللهم غفرانك واليك المصير.
يا حبذا بعدما صدق القوم ما عزي اليه صلوات اللّه عليه من
قول: ما انا الا رجل من المسلمين، او قوله‏لابنه: يا بني ابوك
رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، كانوا يعدونه
رجلا منهم واجروا عليه‏احكام من آمن باللّه واسلم، وكان له ما
لهم وعليه ما عليهم. بل ليتهم كانوا اتبعوا راي عثمان فيه
ويرون‏مروان بن الحكم اللعين ابن اللعين بلسان النبي الاقدس
افضل منه. وليتهم ساووا بينه وبين سفلة الاعراب،والطبقة
الواطئة الساقطة من الصحابة، لكن: انى؟ ثم انى؟
قل لي بربك اي مسلم شريف او وضيع لعن غيره في ثمانية
عشر الف منبر، ولم ينبس ابن انثى ببنت شفة في‏الدفاع عنه؟
قل لي بربك اي مسلم سائد او سوقة غير سيد العترة سن سبه
في الجمعة والجماعة في الحواضر الاسلامية‏جمعاء، وتختم
بلعنه اندية الوعظ والخطابة، ومن نهى عن ذلك ينفى عن عقر
داره؟ قال الجنيد بن‏عبدالرحمن بن عمرو: اتيت من حوران
الى دمشق لاخذ عطائي، فصليت الجمعة ثم خرجت من
باب‏الدرج، فاذا عليه شيخ يقال له: ابو شيبة القاص، يقص على
الناس، فرغب فرغبنا، وخوف فبكينا، فلماانقضى حديثه قال:
اختموا مجلسنا بلعن ابي تراب، فلعنوا ابا تراب(ع)، فالتفت الى
من على يميني، فقلت‏له: فمن ابو تراب؟ فقال: علي بن ابي
طالب ابن عم رسول اللّه وزوج ابنته، واول الناس اسلاما، وابو
الحسن‏والحسين. الى آخر ما في تاريخ ابن عساكر ((1512))
(3/407) وفيه ان الجنيد استنكر الامر ولطم وجه
الرجل،فشكى الى هشام بن عبدالملك فنفى الجنيد الى السند،
فلم يزل بها الى ان مات.
قل لي بربك اي عزيز تحت ظل النبوة غير عزيزنا المفدى،
اضهده ((1513)) نير المذلة، واصبح ضهدة لكل احد،جرعته يد
الاحن كاسات المحن، حتى سئم من حياته، وصبر وفي العين
قذى، وفي الحلق شجى، يرى تراثه‏نهبا؟
قل لي بربك اي صحابي غير علي(ع)لا يستقيم‏الامر لامة
محمد الا بسبه؟يقال لمروان: ما لكم تسبونه‏على‏المنابر؟
فيقول بمل‏ء فمه: انه لا يستقيم‏لنا الامر الابذلك ((1514)).
قل لي بربك اي موحد اسلامي في‏الملا الديني يتبرا منه في
بيعة خليفة‏المسلمين بيع اللّه ورسوله سوى‏علي(ع)؟ وقد
اشترط معاوية البراءة منه (ع) في بيعته ((1515)).
قل لي بربك اي انسان ثقل اسمه على الناس غير علي صلوات
اللّه عليه؟ هذه عائشة لم تسمه ولا تقدر على‏ان تذكره بخير،
ولا تطيب له نفسا ((1516))، وكان معاوية او عبدالملك بن
مروان او هما معا يامران ابن عباس ان‏يغير اسم ولده علي
((1517))، وكان علي بن الجهم السلمي يلعن اباه لانه وكنيته
سماه عليا ((1518)).
قل لي بربك اي رجل اسلم وجهه للّهوهو محسن غير اول
المسلمين يرى‏لاعنوه وشاتموه ومعاندوه وقاتلوه‏وخاذلوه
متاولين مجتهدين لا يستحقون مقتا ولااخذا ولا هوانا ولا
عقابا؟
قل لي بربك اي ابن انثى من ابناء الاسلام عدا وليد الكعبة ابن
فاطمة استحق شيعته ومحبوه واهله وذووه‏في المجتمع السب
واللعن والقتل والسبي والازراء والضرب والنكال والسواة
والحبس في ظلم المطامير وقعرالسجون، وضاقت عليهم
الارض بما رحبت؟
الهضيمة كل الهضيمة دفاع ابن حجر عن مثل حكم بن ابي
العاص طريد النبي ولعينه، وعن‏الوقيعة فيه‏بماتحقق‏منه‏وعلم
من‏الفاحشة،وذبه عنه‏لمكان كونه صحابيا ((1519)).
الهضيمة كل الهضيمة ذب ابن حزم عن عبدالرحمن بن ملجم
قاتل امير المؤمنين وعدم تجويزه لعنه وتبريره‏عمله بانه
مجتهد مخطئ ((1520)).
الهضيمة كل الهضيمة نصرة القاضي حسين الشافعي عمران
بن حطان مادح ابن ملجم قاتل الامام الطاهربقوله:
يا ضربة من تقي ما اراد بها
الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
اني لاذكره حينا فاحسبه
اوفى البرية عند اللّه ميزانا
يحكم بعدم جواز لعنه زعما بكونه صحابيا ((1521)) ذاهلا عن
ان ابن حطان لم يكن‏صحابيا، وانما هو من رؤوس‏الخوارج
الملعونين بلسان النبي الاقدس، ولد الرجل بعده (ص) بمدة.
الهضيمة كل الهضيمة تبرير ساحة معاوية الربا والخمور من
دنس طاماته وموبقاته وجناياته الكبيرة على‏الاسلام
والمسلمين وقتله آلافا من صلحاء امة‏محمد(ص) بكلمة واحدة
موجزة، بانه كان مجتهدامتاولامخطئا ((1522)).
الهضيمة كل الهضيمة الاعتذار عما اقترفه يزيد الخمور
والفجور، وتنزيه‏ساحته من ارجاسه المكفرة، والنهي‏عن لعنه
وذكره بالسوء بانه مسلم لم يثبت كفره وانه امام مجتهد
. ((1523))
الى مناصرات ومدافعات عن امثال هؤلاء بشروى تلكم الكلم
الفارغة، واما سيدنا المفدى حبيب اللّهوحبيب رسوله فلسنا
مغالين ان قلنا: ان الامة كانت مصرة على مقته، مجتمعة على
قطيعة رحمه واقصاءولده الا القليل ممن وفى لرعاية الحق
فيه، فليت القوم اخذوا من بخاريهم وخطيبهم هذه الكلمة
المعزوة الى‏امير المؤمنين: ما انا الا رجل من المسلمين وان
كانت مختلقة واجروا عليه حكمها. لكن. لكن....
ثم كيف تعزى اليه سلام اللّه عليه هذه المفاضلة وقد جاء عن
النبي الاقدس قوله لفاطمة الصديقة:«زوجتك خير امتي،
اعلمهم علما، وافضلهم حلما، واولهم سلما؟» مر في (3/95).
وقوله (ص): «علي خير من اتركه بعدي‏».
وقوله (ص): «خير رجالكم علي بن ابي طالب، وخير نسائكم
فاطمة بنت محمد».
وقوله (ص): «علي خير البشر فمن ابى فقد كفر».
وقوله (ص): «من لم يقل علي خير الناس فقد كفر».
وقوله (ص) لفاطمة سلام اللّه عليها: «ان اللّه اطلع على اهل
الارض فاختارمنهم اباك فبعثه نبيا، ثم اطلع‏الثانية فاختار
بعلك‏».
وقوله‏لها:«ان‏اللّهاختار من‏اهل‏الارض‏رجلين‏احدهما ابوك‏والاخر
زوجك‏» ((1524)).
وليت‏شعري كيف تصح عنه هذه المفاضلة‏وقد اتخذه رسول‏اللّه
له نفسا كما جاء في‏الذكر الحكيم، وطهره‏الجليل بية التطهير،
وقرن بين ولايته وولاية رسوله وبين ولاية علي في نص الكتاب
الكريم، وانزله(ص) من نفسه منزلة هارون من موسى، ولم
يستثن لنفسه الا النبوة، واتخذه (ص) اخا لنفسه يوم‏المؤاخاة
المبتنية على اساس المشاكلة في الملكات والنفسيات؟ فكيف
تتم هذه كلها وفي الامة من هو اولى‏منه؟
ولست‏ادري كيف كان علي اميرالمؤمنين احب‏الخلق الى اللّه
والى رسوله(ص) وفي الامة من هو خير منه؟وقد صح عنه
(ص) قوله في حديث الطير المشوي الاتي ذكره ان شاء اللّه:
«اللهم ائتني باحب خلقك اليك‏لياكل معي‏». فاتاه علي (ع).
وقوله (ص) لعائشة: «ان عليا احب الرجال الي واكرمهم علي
فاعرفي له حقه واكرمي مثواه‏».
وقوله: «احب الناس الي من الرجال علي‏».
وقوله: «علي احبهم الي واحبهم الى اللّه».
ولا تنس هاهنا قول عائشة: واللّه ما رايت احدا احب الى رسول
اللّه من علي. ولا قول بريدة وابي:احب‏الناس الى رسول اللّه
(ص) من النساء فاطمة ومن الرجال علي ((1525)).
ثم ما بال الصديقة فاطمة تموت وهي واجدة على ابي بكر
وعمر وهما خير البشر؟ ما بالها ونداؤها بعد في‏آذان الامة
المرحومة وهي باكية لاذت بقبر ابيها وتقول: «يا ابت يا رسول
اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن‏الخطاب وابن ابي قحافة؟»؟
ما بالها وقولها للخيرين: «اني اشهد اللّه وملائكته انكما
اسخطتماني وما ارضيتماني، ولئن لقيت النبي‏لاشكون‏كما
اليه‏»؟ وحديث انينها بعد دائر سائر بين حملة التاريخ.
ما بالها وهي توصي بان تدفن ليلا ولا يصلي عليها ابوبكر، ولا
يحضر الخيران تجهيزها وتشييعها؟ وهذاالنبا العظيم بعد يدور
في اندية الرجال ((1526)).
نعم، السر في ذلك كله ان الصديقة كابن عمها امير المؤمنين
لا تعرف شيئا من قول الزور، ولعل الواقف على‏الجزء السادس
والسابع من هذا الكتاب يطل على كون الرجلين خير البشر
باقرب من هذا.
ونحن على يقين من ان الباحث النابه الحر بعد الوقوف على ما
في غضون‏الاجزاء الخمسة الاخيرة من‏العشرة الاولى من اجزاء
كتابنا هذا لا يبقى له قط ريب في ان رواة هذه الاساطير
المختلقة والقائلين بمغزاهاوالمخبتين اليها صما وعميانا هم
الغلاة في الفضائل حقا: (فقد جاؤوا ظلما وزورا) ((1527))
(وان فريقا منهم‏ليكتمون الحق وهم يعلمون) ((1528))
(فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم) ((1529)) (فمن
اظلم ممن كذب على اللّهوكذب الصدق اذ جاءه) ((1530))
(فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون) ((1531)).
وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين
انتهى الجزء التاسع
من كتاب الغدير ويتلوه العاشر ان شاء اللّه
يبدا فيه ببقية مناقب الخلفاء الثلاثة