الشهيد الاول (محمد بن مكى) السيدحسن الامين ترتبط حياه الشهيد محمد بن مكى، كما استشهاده بفريقين من الناس، وباربعه رجال من بين هذين الفريقين:
اما الفريقان فهما: السربداريون الذين استدعوه، والمماليك
الذين قتلوه.
اما الرجال الاربعه فهم: الظاهر برقوق سلطان المماليك فى
مصر، ونائبه فى الشام بيدمر، وعلى بن المويد آخر امراء
السربداريين فى خراسان، وتيمورلنك، وهذا لا يرتبط به اسم
الشهيد مباشره، بل بوساطه على بن المويد تاره وبوساطه
برقوق تاره اخرى. ولذلك كان لا بد لنا من دراسات موجزه كل
الايجاز لكل من الفريقين الاثنين: السربداريين والمماليك،
ولكل من الرجال الاربعه لتتضح لنا معالم العصر الذى عاش فيه
الشهيد والعوامل التى كان لها الاثر الفعال فى تلك الاحداث وما
رافقها من شوون وشجون قبيل عصر الاستشهاد.
عصر الشهيد الاول
بدات الانشقاقات والفتن على اثر ذلك، فقام امراء بتنصيب
ايلخان آخر هو (موسى خان) حفيد (بايدو)، فسار بجيش لقتال
(ارباكون)، فقامت معركه بين الاثنين عند ساحل نهر (جفاتو)
تغلب فيها (موسى خان) على (ارباكاون) فقبض عليه وعلى
وزيره غياث الدين محمد وقتلهما، وقد كان بين تولى
(ارباكاون) الملك، فى 13 ربيع الاول سنه 736ه.، وبين قتله،
فى 17 رمضان من السنه نفسها، خمسه اشهر.
واذا كان (موسى خان) قد تغلب على (ارباكاون) فانه لم
يستطع التغلب على الفتن التى قامت فى وجهه، ما اضطره
للفرار الى بغداد بعد حكم لم يدم اكثر من ثلاثه اشهر.
وظلت الفتن والمعارك تتوالى بين المتنازعين على السلطان،
ولم يستقم الامر لحاكم قوى يوحد المملكه كسابق عهدها.
حركه السربداريين
وقد عرفت حركتهم هذه باسم حركه (السربداريين)، وهو اسم
على غايه ما يكون من الغرابه، ولكن الواقع الذى كانوا فيه
جعلهم يتبنونه ويطلقونه على حركتهم ثم على حكمهم.
ان كلمه السربداريين كلمه فارسيه معناها الرووس المرفوعه
على المشانق، او المشنوقون. اما لماذ ارتضوا هذا الاسم واصبح
علما عليهم فهو ما سيرد ذكره خلال الحديث عن حركتهم.
انقسام الدوله الايلخانيه
1-دوله الرعاه (جويانيان) فى اراك وآذربيجان وارمينيا.
2-دوله (الجلائديين) فى العراق، وقد سيطرت هذه الدوله، فى
ما بعد، على دوله الرعاه.
3-دوله (طوغاى تيمور) فى خراسان الغربيه وجرجان التى
كانت تدار فى الحقيقه من امراء طائفه (جانى قربانى).
4-دوله (ملوك كرت) فى هرات وخراسان الشرقيه وافغانستان.
5-دوله (ملك سيستان) فى منطقه نهر هامون.
6-دوله (آل مظفر) فى كرمان ويزد.((3))
7-دوله (الانجويين) فى فارس واصفهان. ثم فى الحقبه
الممتده من سنه 754ه الى سنه 759ه. استولت دوله آل
مظفر على اراضيهم.
8-اراضى الاتابكيين.
9-ما لا يقل عن عشر دويلات صغيره مستقله فى كيلان
ومازندران.
10-دوله البحر فى هرمز.
وعدا هذه الاجهزه الحكوميه كان هناك العديد من الامراء
الصغار والكبار قد اعلنوا استقلالهم، وحاولوا الاستيلاء على
المزيد من القلاع والمدن والولايات والحاقها بحكوماتهم.
وقد تغلب الشيخ حسن((4))، ابن عمه ابى سعيد على العراق،
وابراهيم شاه ابن الامير سنتينه على الموصل وديار بكر، وارتنا
على بلاد الروم، وحسن الصغير بن تمرتاش بن جوبان على
تبريز، وطغتيمور على خراسان، وحسين بن غياث الدين على
هرات وجزء من خراسان، ومحمد شاه بن مظفر على
يزدوكرمان، والسلطان ابو اسحاق على شيراز واصفهان وفارس،
وغيرهم على باقى اجزاء الامبراطوريه.
واذا كانت تلك الحكومات قد ورثت الحكومه الكبرى، فان
الشعوب ظلت تراها وهى منقسمه كما كانت تراها، وهى
موحده، حكما طاغيا تود التخلص منه.
التشيع قبل ابى سعيد
كانت ام اولجايتو من قبيله (كرائيب) النصرانيه، وقد عمدته
حسب الطقس النصرانى باسم (نيكولا). وظل اولجايتو على
النصرانيه الى وفاه امه واتخاذه زوجه مسلمه. وقد حسنت له
زوجته هذه الدخول فى الاسلام فقبل منها، واختار المذهب
الحنفى من بين المذاهب السنيه الاربعه لما كان لعلماء
خراسان الاحناف من نفوذ، واعلن اسلامه رسميا، ونقش اسم
الخليفه الاول على النقود بتحسين من اولئك العلماء.
وقد جعل ارتباط اولجايتو بالمذهب الحنفى علماء هذا المذهب
يشتدون شيئا فشيئا فى اظهار التعصب لمذهبهم والطعن فى
المذاهب الاسلاميه الاخرى وايذاء اهلها، مع ان اولجايتو نفسه
لم يكن متعصبا، ولذلك قبل ان يعين نظام الدين عبد الملك
المراغى الشافعى قاضى القضاه لايران كلها، اذ حسن له ذلك
وزيره رشيد الدين فضل اللّه الهمذانى.
واستغل المراغى منصبه للاشتغال بنقض عقائد المذاهب
الاخرى ورد آراء اهلها فى الدين، وراجت سوق المناظرات، بل
المخاصمات والمهاترات المذهبيه، لا سيما يوم جاء ابن
(صدرجهان البخارى) الحنفى الى معسكر اولجايتو سنه 707ه
قبيل الزحف على جيلان((5))واخذ يجادل قاضى القضاه
الشافعى باشد ما يكون من التعصب، فقد ازدادت الخصومه
المذهبيه يومئذ شده حتى آل الامر الى اهانه الدين الاسلامى
وابتذال هيبته، اذ كانت كل من الفرقتين: الشافعيه والحنفيه
ترمى الاخرى باتباع القبائح واعتقاد السخافات. وفى رد كل
منهما على الاخرى لم يتورع المتناظرون عن ذكر فضائح
مذهبيه ينسبها بعضهم الى بعض. وقد ادى ترامى الطرفين
بهذه المنكرات التى يستنتج انها هى الاسلام الذى يدينون به
الى تضايق روساء المغول، وخروج اولجايتو غاضبا من مجلس
مناظره قاضى القضاه وابن صدرجهان.
وظل امراء المغول، وكانوا حديثى العهد بالاسلام، حيارى حتى
خاطبهم (قتلغ شاه)((6))بقوله: اى خبط هذا الخبط الذى
خبطناه اذ تركنا دين الاجداد والقانون الجنگيزى وقبلنا دين
العرب، فوضعنا فى اعناقنا ربقه دين يقوم بين علمائه اختلاف
ويصل الى هذا الحد، فلا يتورعون عن المبادره الى كل قباحه
وافتضاح، فالخير ان نعود الى سنه اسلافنا واحياء القانون
الجنگيزى.
وقد انتشر خبر هذه الواقعه فى المعسكر شيئا فشيئا، واخذ نفور
المغول من الاسلام وقادته يزداد، حتى انهم اصبحوا كلما راوا
معمما سخروا منه وعابوه. وامتنعوا عن اجراء عقود الزواج
حسب الشريعه الاسلاميه.
واتفق، فى تلك الايام، ان كان اولجايتو عائدا من (اران) الى
آذربيجان. وعند وصوله الى قريه (كلستان) نزل فى عماره
صيفيه من ابنيه اخيه وسلفه فى الحكم (محمود غازان)((7)).
وهناك هب اعصار شديد وهلك بضعه رجال من مرافقيه
بصاعقه، وخاف اولجايتو فترك القريه وانطلق الى (السلطانيه).
وقال له جماعه من المغول: يجب ان يخطو السلطان فوق النار
ليسلم من عاقبه وخيمه حسب سنن المغول. فقبل اولجايتو
واحضر جماعه من كهان المغول لاجراء هذا الرسم. وقال له
الكهان: ان نزول هذه البلاء انما كان من شوم المسلمين
والاسلام، فان عاد السلطان عن هذا الدين تبدل الشوم باليمن.
وظل اولجايتو بعد ذلك ثلاثه اشهر مترددا لا يستقر على راى.
فقد قضى مده عمره مخلصا فى اداء الاداب والاحكام
الاسلاميه، فهو غير قادر على ان يخالف هوى قلبه ويهمل
وصيه اخيه دفعه واحده.
فقال له يوما احد الامراء من رجاله، واسمه (طرمطاز): ان غازان
خان وقد كان يعد اعقل اهل زمانه واكملهم قد اختار مذهب
التشيع فالاحسن ان يقتدى خليفته به، وبذلك يتخلص من شر
ما سمع من تهم قبيحه متبادله بين غير الشيعه.((8))
ولكن اولجايتو، وقد كان ينفر من مذهب الشيعه او مذهب
(الرفض)، حسب اصطلاح المخالفين، متاثرا بتلقينات
خصومهم، صاح بطرطماز: يا مشووم تريد ان تجعلنى رافضيا!
وكان طرطماز رجلا ذكيا فصيحا، فشرح لاولجايتو مذهب
التشيع احسن الشرح مستعملا انواعا من الكلام العذب الفصيح،
وبين له ما يعترض به على غيرهم من انتقادات.
وقد قربت هذه البيانات قلب اولجايتو الى الشيعه.
وفى سنه 709 سافر نظام الدين المراغى الى آذربيجان لتنظيم
شوون الاوقاف، فاغتنم انصار الشيعه فرصه غيابه عن المعسكر،
واخذوا يرغبون اولجايتو اكثر من السابق فى هذا المذهب.
وسافر اولجايتو فى تلك الايام الى العراق وزار مشهد النجف
الاشرف، وهناك اقنعه من كان معه من الامراء الشيعه بقبول
التشيع، فتشيع وتبعه اكثر الامراء والاعيان.
العلامه الحلى
وقد استدعى اولجايتو العلامه((11))جمال الدين الحسن بن
المطهر الحلى (648 - 726ه) وابنه فخر الدين محمد (682 -
771) الى عاصمته (السلطانيه)، وصنف الحسن بن المطهر
كتابين فى اصول عقائد الشيعه واهداهما الى اولجايتو، وهما:
كتاب (نهج الحق وكشف الصدق) وكتاب (منهاج الكرامه). كما
الف رساله (نفى الجبر) ورساله (حكم وقوع النسخ) التى ساله
عنها اولجايتو. واكمل هناك كتاب الالف الاول من كتاب
الالفين. وقال فى آخر الموجود من كتاب (الالفين): فهذا ما
اردنا ايراده فى هذا الكتاب. وذلك فى غره رمضان المبارك
سنه 712، وكتب حسن بن مطهر ببلده جرجان فى صحبه
السلطان الاعظم غياث الدين محمد اولجايتو خلد اللّه ملكه.
وصنف فى سفره ذاك الرساله السعديه.
والعلامه الحلى، عندما يذكر اولجايتو، يذكره دائما بالاحترام
والاجلال، فهو يقول مثلا فى الرساله التى الفها فى جواب
سوالين، سئل عنهما الوزير رشيد الدين فضل اللّه الهمذانى:
(يقول العبد الفقير الى اللّه تعالى حسن بن يوسف بن المطهر:
اننى لما امرت بالحضور بين يدى الدركاه المعظمه الممجده
الايلخانيه، ايد اللّه سلطانها وشيد اركانها واعلى الفرقدين شانها
وامدها بالدوام والخلود). الى آخر ما قال.
ويقول، عندما يذكر رشيد الدين فضل اللّه الهمذانى، فى
المقدمه المذكوره نفسها، متابعا كلامه السابق: (وجدت الدوله
القاهريه مزينه بالمولى الاعظم والصاحب الكبير المخدوم
المعظم، مربى العلماء ومقتدى الفضلاء افضل المحققين رئيس
المدققين، صاحب النظر الثاقب والحدس الصائب...) الى آخر ما
قال.
وانزل اولجايتو العلامه الحلى وابنه منزلا محترما، فاقاما فى
المعسكر معززين مكرمين. وجرت بين العلامه الحلى وقاضى
القضاه (نظام الدين المراغى) مناظرات كثيره، واذ كانا كلاهما
من كبار علماء العقول فان مناظراتهما لم تنجر الى المهاتره
والتعصب ولا خرجت عن الجدل العلمى.
عوامل تحرك السربداريين
وكان هدف الجميع على تباعد قواعدهم واصولهم التخلص من
السيطره المغوليه والتركيه. واذا كانت هذه السيطره هى
الاساس فان الحقد الشعبى كان ينصب ايضا على القاده والكبار
من الايرانيين والجباه ورجال الدين من غير الشيعه الذين
التحموا بالسلطه وتالفوا معها.
وكان انتصار انتفاضه السربداريين، وتاليفهم حكومتهم فى
خراسان الغربيه، عاملا دفع حكومه سادات مازندران وكيلان
وحكومات السربداريين فى سمرقند لحقبه قصيره، وفى كرمان
الى ان تحذو حذوهم. يقول المستشرق الروسى (فاسيلى
فلاديمير وفتش بارتولد)، فى الفصل الذى كتبه عن عقائد هذه
الحركات: (ان مذهب الشيعه كان عاما بين القرويين فى
القرون الوسطى فى ايران، وكان فى الكثير من الحالات يشكل
اساس عقائد الحركات الشعبيه).
ثم يقول: (ان الحركات القرويه فى ايران فى القرون الوسطى
توسعت وتنامت مرارا وتكرارا تحت رايه الشيعه الخضراء، حيث
ان بعض عقائد الشيعه وافكارهم كانت متناسقه مع نفسيه
القرويين المعارضه. اولا، لان المذهب غير الشيعى كان هو
الحاكم تقريبا فى جميع الحكومات الاقطاعيه فى ايران فى
القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين وان الشيعه كانوا
هم المطاردين وهم الذين يعانون العذاب.
ان احترام الشهداء (على والحسين وبقيه الائمه الشهداء) كان
يحتل مكانه بارزه ومهمه فى عقائد الشيعه، وهذا الامر كان
يريح القرويين المضطهدين. ولكن الامر الذى كان يلائم عامه
طبقات الشعب اكثر من اى شىء آخر هو عقيدتهم بظهور
المهدى الذى سيعيد الدين الاسلامى الى ما كان عليه فى
صدر الاسلام، وسيقضى بالسيف على الشريعه المغوليه
والانظمه الظالمه التى تداولها المغول المنتصرون وغير
الشيعه من المسلمين، ولهذا السبب فان انتظار المهدى يحتل
مركزا مرموقا وهاما فى عقائد الشعوب التى قامت بالانتفاضات
فى ايران فى القرن الثالث عشر. كما ازدادت رسوخا فى القرنين
الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين).
بدء حركه السربداريين
طلب العلم فى شبابه وحفظ القرآن ودرس المنطق، ثم عكف
على دراسه التعاليم الصوفيه وصار مريدا من مريدى بعض
شيوخ الدراويش الصوفيين. ولكنه اراد الاستزاده فقصد مدينه
(سمنان) وحضر درس الشيخ ركن الدين السمنانى، ثم تركه
بعد مناقشه حدثت بينهما وتوجه الى سبزوار، وقام هناك يعظ
ويرشد، فاثرت مواعظه التى كان يلقيها على القرويين ومختلف
الطبقات الاجتماعيه الذين كانوا فى كثرتهم من اتباع اهل
البيت(عليهمالسلام)فالتف حوله اتباع ومريدون..
ولكن الفقهاء من غير الشيعه ضاقوا به ذرعا، وقلقوا من اتساع
نشاطاته فتواطووا على قتله، ونفذوا ذلك فى المسجد الذى
كان يرتاده، وذلك سنه 736ه.
فلما جاء الناس الى المسجد وجدوه مشنوقا، فاشاع قاتلوه انه
انتحر.
كانت مدينه مازندران التى خرج منها الشيخ خليفه ارضا لنمو
تجمعات اتباع اهل البيت (عليهمالسلام).
ان ثوره يحيى بن عبداللّه بن الحسن الحسنى فى النصف الثانى
من القرن الثانى الهجرى، وانتفاضه الحسن بن زيد المعروف
بالداعى الكبير، وكذلك التنسيق المباشر بين كبار اهل الديلم
وطبرستان، كل ذلك يدل على انعدام نفوذ المذهب الرسمى
للحكومه بين الناس. هذا من جهه ومن جهه اخرى نجد ان
اشخاصا من امثال ابى جعفر الاملى وامين الاسلام الطبرسى
وابى نصر الطبرسى كانوا من رجال الشيعه وقادتهم فى منطقه
مازندران.
فى مثل هذه الاجواء نشا الشيخ خليفه، وراح يدعو الى ما يدعو
اليه بلا هواده.
لقد ذهب الى سمنان لحضور درس الشيخ علاء الدوله، واستفاد
من وجوده هناك وتعرف الى الطلاب الوافدين من كل مكان
للدراسه على الشيخ، وافاده هذا التعرف فى الاطلاع على
الوسط الاجتماعى وطبيعه الذين يعيشون فيه ممن لا حظ لهم
فى حقل التطورات الاجتماعيه ((13))ولعل مناظره الشيخ
علاء الدوله له حول موضوع كونه من اتباع اى مذهب، كانت
حافزا له لان يترك سمنان ويتوجه الى قريه (بحر آبادجويين)
بعد ان اجاب بقوله: (ان ما ابحث عنه هو فوق جميع هذه
المذاهب).
وفى جوين حضر مده مجلس غياث الدين حموى، ولكن لم
يجد هناك بغيته فاتجه الى سبزوار، حيث كان اكثر اهل هذه
المدينه وقراها المحيطه بها من اتباع اهل البيت عليهمالسلام.
ولكن عم كان يبحث الشيخ خليفه؟. هل كانت ضالته تتعلق
بالعداله الاجتماعيه ومكافحه الظلم والجور، وهو ما مارسه بعد
ذلك؟
هذا ما لم يوضحه المورخون. ولكن الذى لا ريب فيه هو انه لم
يكن راضيا او مقتنعا بتعليمات اكثر شيوخ الصوفيه
وارشاداتهم، وكان مختلفا معهم فى وجهات النظر.
والذى يبدو ان خليفه لم يكن صوفيا بما تقتضيه هذه الكلمه
من معنى، وربما كان يستغل مصطلحات الصوفيين وتعابيرهم
للدعوه الى ما يريد ان يدعو اليه والتمهيد للثوره على
الظالمين. وكانت مدينه سبزوار وناحيه بيهق الواقعه غرب
مدينه نيسابور هما المكان الذى اختاره للترويج الى ما يدعو
اليه، وكانا مناسبين لدعوته كل المناسبه، ففيهما القرويون
الشيعه المستضعفون، وفى سبزوار، المدينه بخاصه، الطبقات
الدنيا الشعبيه المتمسكه بعقائدها والمعارضه للسلطه.
اتخذ الشيخ خليفه من مسجد الجامع فى سبزوار مقرا له، وكان
يشغل وقته بترتيل القرآن بصوت عال ويعظ الناس، فعكف عليه
عدد وافر من التلاميذ والمريدين، ولم يمض وقت طويل حتى
صارت كثره القرويين من مريديه.((14))
يقول حافظ البرو: (ارادت جماعه من الفقهاء غير الشيعه منعه
من الاقامه فى المسجد، ولكن لم يصغ اليهم، فكتبوا استفتاء
بهذا النص: شخص اقام فى المسجد ينشر فيه البدع، ولما منع
من ذلك اصر على فعله، فهل يجب قتله؟).
وقد جاء، فى روضه الصفا وحبيب السير، ان الشيخ خليفه كان
يدعو الى الامور الدنيويه، من دون ان يكون واضحا ما هو
المقصود من عباره: (الامور الدنيويه).
اما تلاميذه وانصاره فيقولون: ان الامور الدنيويه التى يعنيها
الشيخ هى: العداله العامه والصمود امام الظلم والجور.
ويقول حافظ البرو عن جواب الاستفتاء المتقدم: (ان الفقهاء
غير الشيعه كتبوا: ان هذا الامر غير مشروع، ولما كان يصر على
القيام بهذا الامر غير المشروع ولا يستجيب للنصح فيجب
قتله). وارسلوا هذا الجواب الى السلطان ابى سعيد. ولما كان
هذا السلطان رجلا خرافيا بعيدا عن المنطق جاء فى جوابه:
على حكام خراسان ان يعملوا حسب الشريعه النبويه الطاهره..
فلما وصل هذا الجواب من السلطان، اخذ الفقهاء يسعون فى
سفك دم الشيخ خليفه ويقولون انه مبتدع ويجب قتله.
وحاول فقهاء سبزوار، بعد وصول جواب السلطان اليهم، ان
يعتقلوا الشيخ خليفه ولكن انصاره حموه منهم فلم يقدروا
عليه، لذلك قرروا اغتياله سرا، فشنقوه، كما ذكرنا من قبل
واشاعوا انه انتحر. ويمكن ايضاح الموقف بما يلى:
استقبل الشيخ خليفه فى سبزوار استقبالا شعبيا رائعا والتف
حوله الناس. ولمجيئه الى سبزوار سببان هامان هما:
1- وجود قاعده شعبيه فيها تستجيب لمن يتكلم بالمسائل
المعاصره، ويستطيع ان يربط بين الناحيه النفسيه والدينيه
وبين ما يجرى على الناس وما جرى على اهل
البيتعليهمالسلام فى التاريخ.
2- عدم وجود عالم بارز وشخصيه لامعه ممن يجمع بين
قابلتى التحدث والتاثير، ولذا عجل اليها الشيخ واتخذ منها
قاعده لنشر افكاره والتوسع فيها.
لقد ادى تجمع الناس حوله وتعلقهم به الى اثاره الفقهاء غير
الشيعه فى سبزوار، اذ وجدوا انفسهم فى خطر، وهم ابدا فى
كل الاحوال الى جانب السلطه الحاكمه، فاقلقهم وضع الشيخ
فارادوا منعه من الجلوس فى المسجد ووعظ الناس، فلم يابه
لهم ولم يمتثل لمنعهم ولا اهتم بتهديدهم وواصل القاء
دروسه ومواعظه، فلم يطيقوا امره ووضعوا الاستفتاء بوجوب
قتله، فجاء الجواب: يجب قتله.
وكان للشيخ انصار كثيرون فى سبزوار، وله مقام احترام عند
السبزواريين، لذلك لم يجرو الحاكم على تنفيذ القتل. فارسل
الفقهاء صوره من الفتوى مرفقه برساله الى السلطان ابى سعيد
ليصدر امره بقتل الشيخ. ولكن ايلخان المغول ابا سعيد كان
يعرف حق المعرفه ما يتمتع به دراويش الصوفيه من نفوذ
معنوى، والشيخ خليفه معدود منهم لذا اجاب: (لا شغل لى بدم
الدراويش ولا اتعرض لهم فعلى حكام خراسان العمل بموجب
الشريعه المحمديه المطهره)((15)). وبذلك اجاز لهم قتله
على ان ينفذوا هم القتل ليكونوا هم المسوولين عنه. ولم
يجرووا على تنفيذ القتل علنا فكان ما كان من شنقه سرا.
الشيخ حسن الجورى
فى الحقبه التى احتدم فيها الصراع بين الشيخ خليفه والفقهاء،
التحق الشيخ حسن الجورى باتباع الشيخ خليفه، وكان للشيخ
حسن هذا منزله اجتماعيه رفيعه ونفوذ وتاثير فى اوساط
الناس، فكان التحاقه بالشيخ خليفه مدعاه الى ازدياد اتباع هذا
الشيخ وانصاره.
والشيخ حسن هذا كان من الذين درسوا على اساتذه عديدين
حتى بلغ من العلم بغيته، وعند ذلك انطلق فى الميدان
الشعبى لانقاذ قومه مما تركهم فيه الحكم المغولى من انعزال
سياسى واجتماعى فاوصله مساره الى الشيخ خليفه فى
سبزوار.
ولما قتل الشيخ خليفه آثر الجورى الهجره من سبزوار لتعذر
العمل فيها بعد مقتل الشيخ خليفه، وانطلق فى المدن والقرى
واعظا محركا باحثا عن الاعوان، وركز جهوده فى نيسابور
ومشهد وابيور وهرات وبلخ وغيرها طوال ثلاث سنوات وصل
فيها حتى الى العراق، فلم تخف حركته على السلطه المتمثله
بالامير (ارغون شاه جانى قربانى) حاكم خراسان، فعزم على
القبض عليه وحاول ذلك فاخفق. وفى المره الثالثه تمكن
اعوان ارغون من الاعتداء على انصار الشيخ بالضرب الذى ادى
الى تكسير ايديهم وشج رووسهم، وانتهى بالقبض عليه وايداعه
السجن فى قلعه (طاق يازر) فى شمال خراسان.
ولكن دعوته كانت قد انتشرت بين جماهير كثيره، فلما علمت
هذه الجماهير بما جرى على الشيخ ورجاله تجمعت، وهاجمت
القلعه واطلقته وعادت به الى سبزوار.
الثوره قبل موعدها
وذلك ان خمسه من الجند التابعين للوزير المغولى (علاء الدين
محمد هندو) وصلوا الى قريه (باشتين) القريبه من سبزوار.
وصلوا بتعسفهم وغطرستهم، ودخلوا احد المنازل وطلبوا من
اهله طلبا فاضحا مثيرا، وهو ان يعدوا لهم الشراب والوجه
الغلامى الحسن، فاثار هذا الطلب اهل المنزل ورفضوه، فصمم
الجند على انفاذ طلبهم وراحوا يتحرشون ويعتدون، فثارت
ثائره الناس، وصاح حسن وحسين ابنا حمزه الباشتينى: يكفى
ما تحملناه من العار فلترفع رووسنا فوق المشنقه، وسلا
سيفيهما، وقتلا الجنود.
ويروى حافظ البرو ان عبد الرزاق الباشتينى خطب فى جماعه
القرويين قائلا: (لقد تسلط على الناس مفسدون يجورون،
ويفسدون ويظلمون، فلو وقفنا لهم فاننا نصدهم والا فالصعود
الى المشنقه خير لنا من هذه الحياه).
وهذا القول: (فلترفع رووسنا فوق المشنقه) هو الاصل فى
تسميه حركه السربداريين باسمها، ما يشير الى انها ثوره شعبيه
ضد الظلم، فقد خرج الناس بعد ان صاروا غير قادرين على
التحمل، ومضوا ثائرين، وان كلفهم ذلك رفع الرووس فوق
المشانق.
فارسل علاء الدين قوه عسكريه للقبض على ابنى حمزه: حسن
وحسين، الا ان القرويين ثاروا وسحقوا هذه القوه وارغموها على
الهزيمه، وقرروا القضاء على علاء الدين نفسه.
وبذلك قامت الثوره، ولم يكن عدد الثائرين يزيد على سبعمائه
ثائر مسلح. ويقول ظهير الوليد المرعشى فى كتابه: ان جميع
الاحرار انضموا الى جماعه من السربداريين، وكانت نشاطاتهم
تقتصر فى بدايه الامر على حروب غير نظاميه مع الاقطاعيين
المغول الكبار او انصارهم.
ومع ان عواطف السائح الشهير (ابن بطوطه) لم تكن معهم
لسبب لا يخفى، فانه يقول عنهم ما مضمونه: (ان نظام العداله
كان ساريا عندهم الى درجه ان النقود الذهبيه والفضيه تكون
ملقاه على الارض، فى مخيماتهم، فلا يمد احد يده لالتقاطها
حتى ياتى صاحبها فيلتقطها...).
ثم سيطروا على المدن المجاوره لهم، ويقول خواندمير: (انه لم
يكن فى جميع ولايه بيهق من يجرو على الوقوف بوجه جماعه
السربداريين، فبعد سيطرتهم على مدينه سبزوار التى
استسلمت حاميتها لهم من دون مقاومه، سيطروا على: حوين،
واسفراين، وجاجرم، وبيارجند. وتربع عبد الرزاق الباشتينى
على كرسى الحكم وقرئت الخطبه باسمه وضربت له النقود
وساد مذهب الشيعه).
وقد اتخذوا من حصن منيع فى مدينه سبزوار مركزا لقيادتهم
وقاعده لدولتهم الجديده.
واصل عبد الرزاق الباشتينى الذى مر ذكره من بيهق، وكان
اخوه (امين الدوله) من كبار موظفى حكومه ابى سعيد، وبنفوذ
اخيه توصل للعمل مع ابى سعيد فكان مرافقا له واحد افراد
حرسه. ثم عين مسوولا عن جبايه ضرائب كرمان، وقد اثيرت
حوله اشاعات تبذير وابتزاز ما حمله على ترك كرمان، وكان
ذلك عند وفاه ابى سعيد. وقد صادف وصوله الى سبزوار وقت
حدوث ما حدث لحسن وحسين ابنى حمزه الباشتينى.
وبعد الهزيمه التى احاقت بجنود علاء الدين فر الى جرجان،
فطارده عبد الرزاق، حيث التقى الفريقان فى باستر اباد فقتل
علاء الدين وانهزم جيشه، وبذلك توطد امر عبد الرزاق واصبح
حاكما مطلقا لخراسان الشرقيه بلا منازع، فعمد الى ضرب
النقود باسمه وجعل الشعائر والشعارات الشيعيه عنوانا للحكم.
على ان حكومته لم تطل، فقتل نتيجه سوء تفاهم بينه وبين
اخيه مسعود الذى تولى قياده الحركه متحالفا مع الشيخ حسن
الجورى.
وتبدل القياده من عبد الرزاق الى مسعود لم يمنع الجيش
السربدارى من مواصله الزحف، فتغلب على قوات الاتراك
والمغول والاقطاعيين المحليين الذين التحقوا بهم، بقياده
الامير (ارغون شاه جانى قربانى)، كما هزم قوات (طوغامى
تيمور خان) خليفه ابى سعيد قرب نهر اترك.
وظل مسعود والشيخ حسن يعملان متعاضدين متوافقين الى
ان بدرت بوادر خلاف بينهما.
ثم سار الجيش السربدارى متجها الى هرات فاصطدم بجيش
الملك (معز الدين حسين كرت) قريبا من زاده((16))فقتل
الشيخ حسن فى المعركه، ويرى عدد من المورخين ان قاتله
سربدارى نفذ فيه اراده مسعود.
وقد ادى مقتل الشيخ حسن الى اندحار السربداريين وعوده
مسعود الى سبزوار، ثم توجهه الى مازندران واحتلاله قسما من
منطقتها، ثم تابع سيره الى رمل. ولما حاول التقدم كمن له
الاقطاعيون المحليون فى الاوديه المليئه بالغابات فقضوا عليه
وعلى معظم جيشه (سنه 745ه).
وقد كانت قياده الشيخ حسن موحده للسربداريين، وكان
بكفاءته جامعا لامرهم، وبعد مقتله انشطروا شطرين: جناح
الدراويش المتشدد، والجناح المعتدل. وبعد مقتل مسعود لم
يثبت كبار السربداريين على راى، فهم طورا مع الجناح
المعتدل وطورا مع الجناح المتشدد.
ويعلق احد المورخين على حدوث الخلافات قائلا: (ان من
المسلم به ان صراع القوى التى وصلت توا الى الحكم بحاجه
الى تصفيات وتضحيات من اجل ديمومه الانتفاضه بشكل
معقول. والضحيه هنا ليس الا عبد الرزاق نفسه الذى قتل على
يد اخيه بموامره مدبره، فطوى بساط وانتهت مدته، علما ان
القوى المعتدله ابتهجت بالبديل لان مسعودا نفسه عندما
اختلف مع الشيخ حسن الجورى، فى ما بعد، كان اختلافه
بسبب اعتداله مقابل التوجه الثورى للشيخ حسن).
ونحن هنا لسنا فى موقع المورخين للحركه السربداريه
والدخول فى تفاصيل احوالها وانشقاقاتها الى ان استقرت
ونجحت فى توطيد حكمها فى نهايه الامر. فذلك ليس من
همنا فى هذه الدراسه، وانما همنا الوصول الى معرفه العوامل
التى ادت باخر ملوك السربداريين، على بن المويد، الى دعوه
محمد بن مكى الى مملكته، لذلك لا ندخل فى تفاصيل
الحركه السربداريه.
على بن المويد
واول ما فعله على بن المويد ان استدعى اليه من اصفهان
الدرويش عزيز الجورى ليتعاونا معا على البهلوان حسن، فلبى
هذا الدعوه متعاونا مع على بن المويد ودخلا سبزوار معا. ولكن
امرهما مجتمعين لم يدم طويلا، اذ قتل الدرديش عزيز بتدبير
من على بن المويد.
وقد تشدد على بن المويد مع اتباع الشيخ حسن الجورى
والدرويش عزيز. وحين نسال انفسنا عن اسباب هذا التشدد،
ونراجع بعمق مظاهر الصراع بين الاطراف السربداريه نقول:
يبدو لنا ان الحركه السربداريه هى حركه شيعيه فى شعاراتها
وحقائقها ترمى الى النهوض بالشيعه، ولكن مفهوم التشيع كان
يختلف عند جمهره من رجالها عن مفهومه عند جمهره اخرى.
وهذا ما عنيناه حين اطلقنا كلمه الاعتدال والتشدد فى ما
تقدم من البحث.
ويبدو جليا ان فريق المتشددين كان فريقا صوفيا ياخذ بمظاهر
التشيع اكثر مما ياخذ بحقائقه، فالتشيع عنده مجرد موالاه لا
حدود واضحه لها ولا معالم مرتكزه على اصول وقواعد معينه،
ومن هنا كان يطلق على كل واحد من رجاله لقب (الدرويش)
الذى هو لقب صوفى بحت.
وفى مقابل ذلك كان هناك فريق اكثر وعيا لا يقر هذا ولا
يرضاه ويرى الرجوع الى الجذور الصحيحه والاخذ بالطرق
القديمه التى تتنافى مع غموض هذا التشيع الذى ياخذ به
المتشددون الدراويش. ولم يكن هناك من كبار الفقهاء من
يمكن ان يخطط ويوضح ويرشد ويضع الاسس لنهضه شامله
تصحح الامور وتضعها فى نصابها.
دعوه محمد بن مكى
وهذه المحاوله شبيهه بما جرى بعد ذلك عند قيام الدوله
الصفويه التى كانت، عند قيامها، مزيجا من التصوف والتشيع
الغامض. فاستعان الشاه اسماعيل وولده الشاه طهماسب بمن
استعانا بهم من علماء جبل عامل فنجحوا فى مهمتهم، فاحالوا
الدوله الى التشيع الصافى الواضح، وان مازج ذلك بعض
الهامشيات.
وقد انشغل على بن المويد، اول الامر، بتوطيد سلطانه واحكام
حكمه، فان مجاهرته بارائه وشدته على المتشددين افقدته
قواعد شعبيه كانت ماخوذه بتلك البهارج الصوفيه المتمكنه
فى النفوس، فاندحر عسكريا امام ملك هرات، وفقد كل المواقع
التى كانت له حتى نيسابور.
كما كان معرضا لخطر من الغرب ياتيه من (امير ولى)، حاكم
استرآباد، كما بدرت بوادر تمرد داخلى يقوده الدرويش ركن
الدين.
فبادر الى قمع تمرد الدراويش، وبان له عجزه عند مقارعه
القوى الخارجيه المتربصه به، والمتمثله بغياث الدين كرت
حاكم هرات، وامير ولى، فصمم على الاعتماد على قوه اقوى
منهما هى قوه تيمورلنك.
وجرت الاحداث على هذا الشكل:
ادرك على بن المويد خطر الدراويش على التشيع الصحيح،
فقرر التعامل معهم باقصى الشده، كما ادركوا هم خطره عليهم
فقرروا التعامل معه بالشده نفسها. فبعد مقتل الدرويش عزيز
فر اتباعه ومريدوه كل الى منطقه من المناطق، فالتجا
الدرويش محمد هندو والدرويش كمال الدين الى الملك غياث
الدين پير على كرت، ولاذ داود السبزوارى ويحيى الخراسانى
مع ثله من الدراويش بتيمورلنك فى بلاد ما وراء النهر. ولجا
الدرويش ركن الدين الى الشاه شجاع، عدو على بن المويد.
ولم يستكن هولاء الدراويش بل تحالفوا مع حماتهم على على
بن المويد وحرضوهم عليه، فوقع الصدام اولا بين پير على
كرت وبين على بن المويد فانتصر هذا واتسعت بهذا الانتصار
رقعه السربداريين حتى بلغت سرخس، وقتل الدرويشان كمال
الدين ومحمد هندو بايدى عملاء على بن المويد.
وفى انشغال على بن المويد فى حربه مع حاكم هرات بادر
(امير ولى)، حاكم استرآباد، الى مهاجمه دامغان وسمنان
واستولى عليهما. وبهذا الاستيلاء احكم حصاره لسبزوار سنه
776ه. ولما بلغ ذلك على بن المويد اسرع بعد انتصاره فى
الشرق الى التفرغ لامير ولى وانتصر عليه واستعاد سمنان
ودامغان.
وما ان فرغ من ذلك حتى قام عليه سنه 777ه تمرد دراويشى
بقياده الدرويش ركن الدين خليفه الدرويش عزيز، متحالفا مع
(اسكندر شيخى) نجل (افراسياب چلاوى) فتغلب على
عليهما، وفر الدرويش ركن الدين الى اصفهان حيث احتمى
بالشاه شجاع، وفر اسكندر شيخى الى هرات محتميا بپير على،
وكان احتماوهما موقتا اذ عاودا الكره على على بن المويد،
فتقدم الدرويش ركن الدين سنه 778ه.، مستعينا بقوات امده
بها الشاه شجاع واتجه الى نيسابور.
كما تقدم اسكندر شيخى بتعضيد پير على وسيطر على
نيسابور، ولما بلغه تحرك الدرويش ركن الدين التحق به
وتقدما معا لحرب على بن المويد فانتصرا عليه انتصارا ساحقا
واستوليا على سبزوار، ما ادى الى فرار ابن المويد الى عدوه
القديم امير ولى فى استرآباد.
على ان الاستيلاء على سبزوار تم بموزاره الدراويش الذين كانوا
قد تواروا من قبل خوفا من بطش على، فلما لاحت لهم الفرصه
انضموا الى ركن الدين.
وتتابع الاحتلال، فبعد احتلال سبزوار تم احتلال قلاع جاجرم
وبحر آباد. وتمتع الدراويش باستقلالهم فى سبزوار مده عامين.
وفى العام 780ه. هاجم على بن المويد سبزوار بموازره(امير
ولى)، وتمكن من احتلالها وقضى فيها على الدراويش.
بعد ان استعرضنا بايجاز هذه المراحل التى مر بها على بن
المويد يبقى ان نتساءل عن امر هام هو: فى اى مرحله من هذه
المراحل قرر على بن المويد استدعاء محمد بن مكى الى بلاده؟
الذى يلوح لى ان ذلك كان بعد استيلائه الاخير على سبزوار
وانتصاره النهائى على الدراويش واستقرار حكمه استقرارا لا
يشغله فيه شاغل عن التفكير فى اصلاح الامور.
مع تيمورلنك
ولكن على بن المويد رفض الدخول فى هذا التحالف.
ونستطيع نحن على ما بيننا وبين تلك الاحداث من الزمن
نستطيع ان نعلل هذا الرفض العجيب بان ابن المويد كان يرى
ان اشتباك تيمورلنك بحرب مع الحليفين سيكون فيه القضاء
عليهما، وفى القضاء عليهما قضاء على عدوين له راسخى
العداوه، فيتخلص بذلك منهما على يد غيره، ثم تكون له يد
عند تيمور بانه لم يحالف عدويه عليه، وبذلك يكسب صداقه
تيمور ويحفظ ملكه.
ولما عرف الحليفان برفض ابن المويد الانضمام اليهما قررا
مهاجمته وتقدما لحصار سبزوار. وعرف تيمور جليه الامر،
ووصله استنجاد من ابن المويد فتحرك نحو خراسان سنه
784ه.
وهنا وضحت نوايا تيمور فهو لم يشا ان يبقى على ابن المويد
حاكما لسبزوار وما اليها من مناطق، وفى الوقت نفسه لم يشا
ان يقضى عليه مراعيا رفضه للتحالف على حربه، فاستصحبه
معه معززا مكرما.
وكنا قد ذكرنا من قبل لجوء اثنين من زعماء الدراويش الى
تيمورلنك فرارا من على بن المويد، هما الشيخ داود والشيخ
يحيى، وقد اصر هذان الشيخان على تيمور باقصاء ابن المويد
عن حكم سبزوار، ولم يكتف تيمور بالاستجابه لهذا الطلب، بل
زاد عليه بان عهد اليهما بحكم سبزوار.
وظل على بن المويد فى صحبه تيمور سبع سنين الى ان قتل
سنه 788ه، فى الحويزه فى الحرب التى اشتعلت مع (اللر).
ونقل جثمانه الى سبزوار ودفن سرا خوفا من الدراويش الذين
كانوا يومذاك يتولون حكم سبزوار.
وبعد مقتل على بن المويد، لم يصف الامر بين تيمور وبين
الدراويش حكام سبزوار، ففى سنه 785ه، كان الاصطدام
العسكرى بينه وبينهم، وكان الدراويش بقياده الشيخ داود
يدافعون عن سبزوار امام هجمات تيمور، ثم كان تيمور يتغلب
عليهم ويدخل سبزوار ويقوم بمذبحه رهيبه.
ولكن لماذا لجا الدراويش الى تيمور عندما فروا من على بن
المويد؟ ولماذا استجاب لهم فى طلبهم صرف على بن المويد
عن حكم سبزوار، ثم عهد اليهم بحكمها؟.
كان التصوف يسود العالم الاسلامى فى اواخر القرن الثامن
(الرابع عشر). وقد بدا تيمور علاقاته الشخصيه بالصوفيه الذين
كانوا اولياء العصر على الحقيقه، فروى فى اخباره انه اتصل فى
مطلع شبابه فى (ركش) بالشيخ شمس الدين ((17))وفى
خراسان بالشيخ ابى بكر زين الدين الخوافى.((18))
ولما علا امر تيمور غلب عليه السيد محمد بركه((19))لذلك
روى انه كان يقول: (جميع ما قلته بدعوه الشيخ شمس الدين
الفاخورى وهمه الشيخ زين الدين الخوافى والسيد محمد بن
بركه)((20)). وكان تيمور يزور الصوفيه ويكرمهم اينما
حل((21)). ويزور قبور شيوخهم حتى انه لما فتح العراق قصد
الى واسط ليزور قبر السيد احمد الرفاعى((22)). وفى مقابل
هذا كان الصوفيون يدعون لتيمور ويويدونه((23))وبخاصه انه
لبس الخرقه مثلهم((24)) فصار بذلك واحدا منهم واعتبرت
اعماله كرامات صوفيه وصار (مظهر تجليات الحق
الجماليه)((25))ووصفت اعماله كلها بانها تصدر عن (الالهام
الالهى والهاتف السماوى وانباء الغيب).((26))
ومن هنا نستطيع تفسير التجاء الدراويش الى تيمور وتحقيقه
مطلبهم فى اقصاء عدوهم على بن المويد عن حكم سبزوار
وتسليم هذا الحكم لهم.
ويبدو ان الدراويش، حكام سبزوار، تمادوا فى استقلالهم
وتجاهلهم لتيمور فاغضبوه وكان ما كان من قضائه عليهم فى
سبزوار.
المماليك وتكاثرهم فى مصر
وكان اولئك الحكام المتنازعون يشترون المماليك صغارا فى
السن، فينشئونهم تنشئه عسكريه وسياسيه خاصه ليكونوا
عدتهم فى الصراع المرتقب. وبدا عنصر المماليك يتزايد فى
جيوش اولئك الحكام، ما ادى الى ازدياد دورهم فى الحياه
السياسيه فى مصر والشام، منذ اخريات القرن السادس الهجرى
(الثانى عشر الميلادى).((27))
تتالف اكثريه المماليك من ابناء القوقاز وشبه جزيره القرم
والقفجاق وآسيا الصغرى((28)) وتركستان وبلاد ما وراء النهر،
فهم بذلك لا ينتمون الى اصل واحد، بل يرجعون الى الشراكسه
والروس والاتراك والروم، مضافا الى ذلك قليل من بعض
المناطق الاوروبيه.
وقد تعدت تجاره الرقيق تجار الشرق، اذ اغرت ارباحها غيرهم،
فراينا نخاسى اوروبا يدخلون السوق متاجرين بالرقيق حتى قبل
قيام دوله المماليك، لا سيما البنادقه والجنوبيين الذين وصلوا
الى شواطىء البحر الاسود شارين للرقيق، حاملين فتيانه الى
مصر.
وكان قد سبقهم الى ذلك، قبل قرون، الجرمانيون الذى باعوا
اسراهم من الصقالبه الى المسلمين فى اسبانيا.
وكان اسهام التجار الاوروبيين فى شراء الرقيق وارسال ما
يرسلونه من ذلك الى مصر، بما فى ذلك من انتقال هولاء الى
الدين الاسلامى، حافزا لبعض ملوك اوروبا (وباباواتها) الى
التدخل للحد من نشاط التجار الاوروبيين المسيحيين فى هذا
الميدان، ومنعهم من بيع ما يبيعونه الى المسلمين والبنادقه،
لان ما يصل الى ايدى البنادقه سينتقل الى ايدى المسلمين
حتما.
وكان المماليك، بعد شرائهم، من مختلف المناطق يباعون فى
مصر، ويشترط فيهم ان يكونوا فى اوائل اليفاعه من اعمارهم،
والا يتجاوزوا هذه السن((29))، وكان يطلق عليهم اسم (عبيد
الشراء) تمييزا لهم عمن استرقهم الاسر ولم يملكوا بالشراء.
وهكذا تكاثر المماليك فى مصر حتى حكموها وامتدوا منها الى
غيرها، وقد ظلوا طوال عهودهم يعيشون محتفظين
بشخصيتهم لا يمتزجون باى عنصر مهما كان امره، ولا
يتزوجون الا ممن كان منهم الا فى النادر.
ابتداء حكم المماليك ودولتهم الاولى
هذه المراه الارمنيه هى، فى واقع الامر، موسسه دوله
المماليك التى كان من امرها ما كان. ذلك انها، بعد وفاه زوجها
الايوبى، انهت حكم الايوبيين، وقد مهدت لذلك بان قبضت
على زمام الامور واستدعت ابن زوجها توران شاه الذى كان
غائبا عن مصر عند وفاه والده، واعلنته خليفه لابيه، ويبدو انها
كانت تومل بان تسيطر عليه وتكون هى الحاكمه الحقيقيه،
ولكنه بدا يتمرد عليها، ثم اخذ يهددها ويتوعدها ويسىء
معاملتها ويضطهد انصارها، ثم زاد فطالبها باموال ابيه، فقررت
عند ذلك ازاحته من طريقها وتولى الحكم مباشره، واستعانت
على ذلك بزعماء المماليك البحريه((30)) فاستجابوا لها
وقتلوه. واعلنت نفسها ملكه مصر، وتلقبت بعده القاب منها:
(الملكه عصمه الدين شجره الدر)، ودعى لها على منابر
المساجد بلقب: (ملكه المسلمين)، و(عصمه الدنيا والدين).
ولكن الامر لم يصف لها، فلم يكن من السهل على الشعب
المصرى ان يرضى بتمليك امراه، كما ان خليفه بغداد لم يوافق
على تمليكها، اذ انه بالرغم من الاستقلال الكامل للاقطار
البعيده عن بغداد كان لا بد من موافقه رمزيه للخليفه على
توليه من يتولى الحكم، فقد ارسل هذا يقول للمصريين: (ان
كانت الرجال قد عدمت عندكم فاعلمونا حتى نسير اليكم
رجلا).
فتداركت (شجره الدر) الامر بان تزوجت من الامير عز الدين
ايبك المملوكى فعادت تحكم من وراء زوجها بعد ان حكمت
مباشره ثمانين يوما.
هكذا قامت دوله المماليك فى مصر، اقامتها هذه الارمنيه،
وكان عز الدين ايبك اول سلاطين دوله المماليك الاولى التى
استمرت مئه واثنتين وثلاثين سنه (648 784هر1250
1382م).
دوله المماليك الثانيه
عرفت هذه الدوله بالبرجيه، وبالشركسيه، تمييزا لها من الدوله
الاولى التى عرفت بالبحريه، وذلك ان السلطان المملوكى
قلاوون اخذ، ابتداء من سنه 680هر1291م فى جمع جماعات
من المماليك الشراكسه واسكانهم فى ابراج القلعه، ومن هنا
اخذت الدوله اسميها. وعندما مات قلاوون كان عدد المماليك
الشراكسه لا يقل عن ثلاثه آلاف وسبعمئه مملوك، وعندما
تولى بعده ابنه الاشرف خليل سنه 689هر1290م. استمر فى
تجميع المماليك الشراكسه، فبلغ ما جمعه، خلال الاونه
القصيره من حكمه، حوالى الالفين.
وقد غاظ اعتماد قلاوون وابنه خليل على الشراكسه احد كبار
الاتراك (كتبغا) فاغتال الاشرف خليل واقام مقامه فى السلطنه
شقيقه الناصر محمد الذى كان لم يتجاوز التاسعه من عمره،
واعلن نفسه نائبا للسلطنه، وراح يضطهد الشراكسه بعد ان
عزل الناصر محمد واعلن نفسه سلطانا باسم العادل زين الدين
كتبغا (694 696هر1294 1296م).
على ان الامر لم يدم له، فما لبث حسام الدين لاجين ان خلفه
وقام فى السلطنه مقامه باسم السلطان المنصور لاجين (696
698هر1296 1298م)، ولكن الشراكسه لم يسكتوا فلم يلبث
احد قوادهم (كرجى) ان قتل السلطان لاجين واعاد الناصر
محمد بن قلاوون الى السلطنه فتولاها ثانيه (698
708هر1298 1308م). وادى تتابع الاحداث الى تقويه الشراكسه
وتنحيه السلطان الناصر محمد وتنصيب زعيم الشراكسه ركن
الدين بيبرس الجاشنكير مكانه باسم السلطان المظفر (708
709هر1308 1309م). ولكن القوه عاودت السلطان الناصر
محمد ما ادى الى عودته الى الملك مره ثالثه وتنحى المظفر
بيبرس، واستمر الناصر هذه المره فى الحكم حوالى ثلاث
وثلاثين سنه (790 742هر1309 1341م) عمل خلالها على
اضعاف الشراكسه فقتل بيبرس وسجن خمسه عشر اميرا من
امرائهم معلنا ان السلطنه صارت ارثا فى البيت القلاوونى يرثها
الاولاد فالاحفاد.
وعلى الرغم مما حل بالشراكسه فقد ظلوا قوه عسكريه يحسب
حسابها لا سيما بعدما بدا الحكم القلاوونى يتدهور اقتصاديا
واداريا فى عهود احفاد الناصر محمد (763 784هر361
1382م): المنصور محمد والاشرف شعبان والمنصور على
والصالح حاجى ما ادى الى بروز (برقوق) الذى كان يعمل
للوصول الى السلطنه بحنكه وترو، فتخلص اولا من منافسيه
واحسن التملق الى الناس، وراح يعمل على اضعاف نفوذ
المماليك البحريه الاتراك الذين كانوا قد وصلوا فى الشام الى
المناصب الكبرى سنه 782هر1380م.
ولم يلبث ان اصبح الخليفه العباسى وكبار رجال الدوله طوع
يديه الى ان انتهى به الامر الى خلع السلطان حاجى بن شعبان
والحلول محله فى السلطنه، فبدات به دوله المماليك
الثانيه(البرجيه) سنه 784هر1382م.
على ان الامر لم يصف له اول الامر، فقد استطاع الصالح حاجى
بن شعبان ان يعود الى السلطنه سنه 790هر1388م، ولكن
برقوق عاد اليها بقوه الشراكسه (791 801ر1389 1398).
موقع العامليين من هذه الاحداث
على ان تاريخ جبل عامل فى تلك الحقبه تاريخ غامض، ومن
الراجح انه لم يكن لجبل عام يومذاك ما يميزه من غيره من
البلاد الشاميه التى كانت تخضع للمماليك، ولا كان له كيان
مستقل يجعل لرجاله ذكرا فى الاحداث المتعاقبه، كذلك يبدو
ان الفتن وحروبها لم تصل اليه، فليس فى ما اوردناه فى ما
تقدم من القول ايه اشاره الى ان نطاق الفتن والتنازع اتسع
حتى بلغ جبل عامل، او حتى ما يتصل بجبل عامل من بلاد فى
ما عدا اشاره عابره ورد فيها اسم (صفد) خلال الحديث عن
تحركات (منطاش) احد المشاركين فى تلك التنازعات من
المتمردين على برقوق سنه 792هر1390م، وقد وردت هكذا:
(وملك منطاش مدينه بعلبك، والتف عليه جماعه من عسكر
دمشق وصفد وطرابلس ومن عربان جبل نابلس)((31)).
ان صفد هى من بين البلدات التى تجاور جبل عامل وتتصل
حدودها بحدوده، وقد وصل حديث المورخين اليها ولم
يتجاوزها الى جبل عامل، ما يدل على انه لم يكن للجبل
مشاركه فى حركه الانضمام الى تمرد منطاش الذى انضم اليه
جماعه من عسكر تلك المناطق المتسعه الرقعه والممتده من
بعلبك حتى جبل نابلس.
ان النص الذى بين ايدينا يخرج جبل عامل من المتمردين على
برقوق، وليس لنا ان نتوسع فى الاستنتاج متجاوزين النص.
ومن هنا نستطيع الجزم بانه لم يكن للسياسه واحداثها والفتن
وتحركاتها اى اثر فى ما جرى على الشهيد، بل ان الامر كان امر
تعصب مذهبى بحت...
على اننا، ونحن نشير الى المناطق التى انضم جماعه من
عساكرها الى منطاش، ثم الى تلاحق التمردات، لا بد لنا من ان
نشير ايضا الى ما ورد خلال الحديث عن عزم الظاهر برقوق
على الخروج من مصر الى منطاش فى دمشق، ثم توجهه الى
حلب، ومنه هذا النص: (ولما توجه (السلطان) الى حلب جاء
نعير بن جبار، امير آل فضل، ونهب ضياع دمشق. وكان نعير
عاصيا على السلطان وهو من انصار منطاش واخرب غالب اقليم
دمشق ونهب ضياعها)((32))الى آخر ما جاء فى هذا النص...
ثم يتكرر ذكر نعير هذا مع تعاقب الاحداث. ثم ينتهى امره
بالتراضى مع الظاهر برقوق. وآخر ما يذكر به هو ان السلطان
(برقوق) ارسل اليه خلعه واقره على عادته امير آل فضل.
ونقصد بذكرنا ما تقدم التساول عن نعير بن جبار هذا وعما
تكرر ذكره من انه امير آل فضل، ثم ما ذكر فى موضع آخر من
انه (امير العربان)؟
هل يكون العربان، المذكورون هنا والمسمون قبل ذلك (آل
فضل)، اسلاف (العربان) الذين عرفوا فى عصرنا بعرب الفضل،
والذين عرف شيخهم بلقب (الامير)، وادركنا، من امرائهم،
الامير محمود الفاعور، ثم ابنه فاعور الفاعور؟
هل (عربان الفضل) النازلون فى الجولان، هم سلاله (عربان آل
فضل) المار الحديث عنهم؟ ان معظم ما تقدم من القول يويد
ذلك. فالقول (انهم نهبوا ضياع دمشق واخربوا غالب اقليم
دمشق) كاف فى هذا، فالجولان منازل عرب الفضل منطقه من
المناطق غير البعيده عن دمشق، وعندما يثور ابناوها تكون
ضياعها واقليمها اول ما ينهبون ويخربون.((33))
فاذا صح ذلك وليس ما يدل على عدم صحته تكون منطقه
اخرى مجاوره لجبل عامل هى منطقه الجولان قد ثارت، فى
اول الامر، على برقوق، مثلما ثارت صفد الملاصقه لجبل عامل،
من دون ان تصل هذه الثوره اليه، ومن دون ان يسهم اهله فى
التمرد.
وليس جبل عامل واهله هم الذين لم يرد ذكرهم فى تلك
التمردات، اذ لم يرد ذكر لما هو وراء المنطقه الداخليه من بلاد
الشام، اى منطقه الجبال الساحليه ومدنها، ومن تلك الجبال
جبل عامل، ومن تلك المدن مدينتاه: صور وصيدا.
وهذا كله يويد ان جبل عامل كان ضمن المناطق التى لم
يتمرد اهلها على برقوق.
قصه اليالوشى وعلاقتها بقضيه الاستشهاد
ونحن ناخذ هنا النص الذى وردت به فى موسوعه (اعيان
الشيعه):
(ومما عرف عن الشهيد، رحمه اللّه، ان رجلا مشعوذا ظهر فى
جبل عامل وادعى النبوه واسمه محمد اليالوشى من قريه
تسمى برج يالوش، فحاربه الشهيد وقضى عليه فى سلطنه
برقوق، ويقال انه كان من تلامذه الشهيد فوقع بيد الشهيد
كتاب شعوذه فسلمه اليه لينقله، فاخذه وغاب ثم رجع واخبره
باتلافه كاذبا واخفاه عنده وتعلم منه الشعوذه وعمل به حتى
ادعى النبوه).
ورد ذلك فى (اعيان الشيعه) من دون تعليق وتفصيل، وكل ما
اراده (اعيان الشيعه) هو ان يكون امينا فى الحديث عن حياه
الشهيد فينقل كل ما ورد عنها.
وهذه القصه، كما ترى، غامضه كل الغموض لا يمكن ان
نستنتج منها - كما وردت- ايه حقيقه، فربما كان لها اصل ثم
زاد فيه المزيدون.
هل الرجل مشعوذ ام مدعى نبوه، وما هو كتاب الشعوذه الذى
اقتبس منه شعوذته؟ وما هو الخطر الذى كان يخشاه الشهيد
على الناس من هذه الشعوذه؟
ثم القول: ان الشهيد حاربه، ولم يكن القول: انه قاومه او قاوم
دعوته... فكلمه حاربه تعنى ان جمعين التقيا بالسلاح فى قتال،
وهل هانت عقائد العامليين الى حد يستطيع مدع للنبوه ان
يجمع منهم جموعا تحمل السلاح وتقاتل بين يديه مومنه
بنبوته المدعاه؟
وهل الشعوذه تستطيع ان تقنع اناسا مومنين بدينهم بان
يتركوا هذا الدين، وينضموا الى صاحبها، وان يحملوا السلاح
ويستهينوا بالموت حميه لها؟
ثم ما هو موقع الشهيد التنفيذى فى تلك الاونه، وما هى قدرته
على حشد الحشد المسلح وقيادته للقتال؟ واين هى السلطه
القائمه من ذلك كله؟
جميع هذه الاسئله، وكثير مثلها، تحتاج الى اجوبه، ولكن لا
مجيب لان لا مصادر ولا تفاصيل يرجع اليها من يحاول الاجابه.
لذلك ستظل قصه اليالوشى قصه يمتزج فيها الخيال بالحقيقه،
وحين يتسع الخيال فيها تضيع معه الحقيقه! على انه لا بد لنا
من التساول: هل لقصه اليالوشى ارتباط بقضايا التمرد على
برقوق؟ ثم غلب على هذا الارتباط موقعها المحلى، فعادت
محليه بحته؟
نستطيع ان نجزم بان لا علاقه لها بالاحداث التمرديه التى
اشرنا اليها من قبل، وانها امر عاملى بحت، غابت عنا حقائقه،
وضاعت فى طيات الزمن تفاصيله.
اقدم نص وصلنا عن جبل عامل، والشيعه فيه، هو ما ذكره ابن
جبير فى رحلته الشهيره، حين مر مجتازا جبل عامل قادما من
دمشق قاصدا عكا سنه 580ه 1184م، اذ دخله من اول قريه فيه
(هونين) واصلا الى (تبنين)، داخلا الى (عكا) فى فلسطين،
ومن عكا انتقل الى (اسكندرونه). وبذلك يكون قد عاد من
فلسطين الى جبل عامل، ومن اسكندرونه انتقل الى صور
موغلا فى جبل عامل، ثم عاد من صور الى عكا بحرا، بعد ان
كان فى رحيله من دمشق الى عكا يسير برا مع قافله كبيره.
وهذا الوصول الى عكا، ثم الرحيل الى اسكندرونه فصور ثم
الوصول الى عكا، انما كان على ما يبدو لانه كان يحسب انه
سيجد فى عكا مركبا ينقله فى البحر الى (بجايه) فى الاندلس،
ولما لم يجد ذلك انتقل الى اسكندرونه فصور. يقول ابن جبير:
(ثم توجهنا(من عكا) الى صور على البر واجتزنا فى طريقنا
على حصن كبير يعرف بالزاب،((34)) وهى مطله على قرى
وعمائر متصله وعلى قريه مسوره تعرف باسكندرونه، وذلك
لمطالعه مركب بها علمنا انه يتوجه الى (بجايه) طمعا فى
الركوب فيه، فحللناها عشى يوم الخميس لان المسافه بين
المدينتين نحو ثلاثين ميلا). ثم يصف صور... ويقول انه عاد الى
عكا بحرا (لان المركب الذى كنا املنا الركوب فيه استصغرناه
فلم نر الركوب فيه).
وليس هذا هو المهم فى ما نريد الاعتماد عليه فى رحله ابن
جبير، وانما ذكرناه ليعرف القارىء سبب قصد ابن جبير عكا من
تبنين، ثم ذهابه من عكا الى صور، ثم عودته الى عكا... يقول ابن جبير، بعد ان خطا خطوته الاولى فى جبل عامل، اعتبارا من وصوله الى هونين التى لم يتحدث عنها سوى بقوله انها حصن للافرنج... ثم يواصل الحديث قائلا: (فرحلنا عنها (هونين) عشى يوم السبت الى قريه تعرف بالميسه بمقربه من حصن الافرنج المذكور فكان مبيتنا بها. ثم رحلنا منها يوم الاحد سحرا واجتزنا فى طريقنا بين هونين وتبنين بواد ملتف الشجر، واكثر شجره الرند بعيد العمق كانه الخندق السحيق المهوى، تلتقى حافتاه ويتعلق بالسماء اعلاه، يعرف بالاسطبل، لو ولجته العساكر لغابت فيه، لا منجى ولا مجال لسالكه عن يد الطالب فيه، المهبط اليه والمطلع منه عقبتان كوودان، فعجبنا من امر ذلك المكان). |
|---|