كتاب الاجارة (ج1)
الجزء الاول
تاليف: آية اللّه السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
وبعد فان هذا الكتاب يعبر في بحوثه عن ممارسة علمية قمت
بها قبل اكثر من عشرة اعوام وهي بحوث القيت في مدرسة
الفيضية بقم المقدسة على مجموعة من طلابنا الاعزاء ، تناولت
مسائل الاجارة من كتاب العروة الوثقى بالشرح والاستدلال
باساليب البحث العلمي وبنفس الصياغة التي تعارف عليها
علماؤناالابرار انسجاما مع الظروف التدريسية العامة.
ومن الواضح لدي وانا الاحظ بحوث هذا الكتاب ان المنهج
المتبع في حوزاتناالعلمية في البحوث الفقهية بحاجة الى
تطوير اساسي في المنهج والمضمون يعط ي للبحث الفقهي
الاجتهادي ابعاده الكاملة ويجعله قادرا على استيعاب مختلف
الفروع والتطبيقات المعاصرة والمستجدة، ويعرض الفقه ضمن
القوالب والاطر المواكبة مع ما حصل من التطور والسعة في
البحوث القانونية والفقهية الحديثة.
وتتاكد الحاجة الى هذا التطور والتجديد في ابواب المعاملات
والاحكام والسياسات من فقهنا الاستدلالي لحصول المزيد من
الحاجة اليها اليوم وتجددقضايا وتفريعات واسعة فيها هي محل
ابتلاء الفرد والمجتمع والدولة.
هذا مضافا الى ان فقهائنا الاعلام قد اهتموا بالمحتوى العلمي
والتعمق في البحث الفقهي اكثر من الاهتمام بالشكل والترتيب
ومنهج العرض لتلك البحوث المعمقة.فلم يعتنوا بنظم ما
ابدعته انظارهم العلمية من التحقيقات والابداعات الرائعة
حسب ترتيبها المنطقي المتناسب بالانتقال من الكليات الى
الجزئيات والفروع، ومن المباني والاسس الى البنى الفوقية،
وهذه نقطة ضعف هامة نشاهدها في مناهج بحوثنا وكتبنا
الفقهية الموسعة.
فنلاحظ على سبيل المثال ان كتاب البيع لشيخ فقهائنا
الانصاري 1والذي يعتبرنقطة تطور وتحول كبير في فقهنا
الاستدلالي ويعبر عن اعمق واحدث النظريات والاراء في فقه
العقود، قد عرض تلك البحوث الجليلة تحت عنوان كتاب البيع
مع ان اكثرها بحوث ومسائل مرتبطة بالعقود او عقود المعاوضة
بشكل عام فالبحث عن شروط العقد وشروط المتعاقدين
وشروط العوضين وهي الفصول والاقسام الرئيسية لهذا
الكتاب لا اختصاص لها بعقد البيع اصلا، فكان المناسب ان
يبحث اولا عن العقد وتعريفه واركانه وشروط كل ركن ثم
يبحث عن البيع وتعريفه وشروطه وآثاره الخاصة.
وكذلك نلاحظ في كتاب الحدود يبحث الفقهاء عن قواعد
واحكام ليست راجعة الى نوع حد خاص بل هي مربوطة باصل
الجريمة او العقوبة بشكل عام ولكنهم يبحثونها في حد الزنا مثلا
كالبحث عن درا الحد بالشبهة او موجبات العفو اوسقوط
العقوبة ونحو ذلك.
بينما نلاحظ الترتيب المنهجي متبعا في المدارس الفقهية
الحديثة فنرى مثلا في بحوث المعاملات يبدا اولا بتعريف الحق
والالتزام ثم يتناول البحث عن مصادره واسبابه المتنوعة
واحدها هو العقد. ثم يبحث عن تعريفه واركانه واقسامه
واحكامه العامة ثم يبحث في كل قسم من اقسام العقود عما
يخصه من شروط واحكام.
ورعاية الترتيب والمنهج العلمي في عرض البحوث الفقهية لها
اثرها البالغ في مجال التعليم والتثقيف الفقهي، وكذلك في
مجال التعميق للفكر الفقهي كما له اثره في مجال استخلاص
النظريات العامة والسياسات الكلية وتدوين النظم والمواد
القانونية التي نحن اليوم بامس الحاجة اليها في بحوثنا الفقهية
والقانونية.
ولا اقصد بهذا الكلام لزوم التبعية للمنهج المتبع في الفقه
الوضعي وتطبيقه بحذافيره في بحوثنا الفقهية، فان هذا امر غير
ميسور وغير صحيح علميا، وانما اقصد ضرورة التطوير
والتجديد المناسب في مناهج بحوثنا الفقهية على ضوء حاجاتنا
المستجدة والقضايا والتطورات الحديثة مع الالتزام بالروح
والطابع الاصيل للمنهج الفقهي الاسلامي المتميز وعدم
الخروج عن مبانيه الاصلية وادلته الرصينة التي
اشادتهاالشريعة نفسها ونقحها وهذبها فقهائنا الاعلام (قدس
اللّه اسرارهم).
ولا شك ان هذا الاتجاه هو الذي يبعث بالفقه ومؤسساته الى
التطلع نحو المجالات والنوافذ التي يمكن ان يطل من خلالها
على الساحة الاسلامية والبشرية بشكل عام وهو الذي يمكن ان
يجلي دقائق هذا الفقه واسراره ويسفر عن مكنون
جواهره ولئاليه.
وملئ هذه الفراغات التي اشرنا الى جانب منها يتطلب جهودا
علمية فائقة وموسعة من قبل ذوي الكفاءة والابداع من فقهائنا
العظام واشرافا وافيا على قضايا العصروحاجاته ومدارسه
الفقهية الحديثة. وانها لمسؤولية عظمى على عاتق كل من
يريدالحياة والعزة للفقه الاسلامي ومعارفه ويتحمل مسؤولية
صونه وحفظه كما صانه الفقهاء العظام من قبل وتحملوا
مسؤولياتهم تجاهه وبلغوا رسالتهم بافضل صورة وعلى اتم وجه.
وهذا ما نامل تحققه وانجازه في حوزاتنا العلمية اليوم وما فيها
من كفاءات وتخصصات فقهية وعلمية عالية وفقهاء ومحققين
كبار اكفاء ان شاء اللّهتعالى.
ورغم ان بحوث الاجارة في هذا الكتاب جاءت كما اشرنا على
اساس المنهج المالوف في كتبنا الفقهية الا انني حاولت الاشارة
في بعض البحوث الرئيسية الى انظار الفقه الوضعي فيها
ومقارنتها مع انظار فقهائنا العظام، عسى ان ينفع ذلك
في المستقبل في تطوير مناهج البحث الفقهي لفقه العقود
بشكل عام او فقه الايجاربشكل خاص.
كما ان صاحب العروة(قدس سره) قد وزع بحوث كتابه في
الاجارة ضمن مقدمة في تعريف الاجارة وفصول سبعة: اولها
بعنوان (فصل في اركان الاجارة) وآخرهابعنوان (فصل في
التنازع) والباقي لم يذكر لها عنوانا وانما جمع في كل واحد
منهامجموعة من مسائل الاجارة وختمها بخاتمة فيها مسائل
جملة منها متداخلة مع ماذكرها في بعض الفصول المتقدمة.
وواضح ان هذا النحو من توزيع مسائل الاجارة ليس فنيا ولا
متكاملا اذ لم يبين له اساس منهجي للتوزيع ولم يبرز فيه
المعيار لتجميع مسائلها بهذا الترتيب وتمييزمسائل كل فصل
عن الفصل الاخر.
ونحن نقترح في المقام ترتيبا آخر لتوزيع مسائل الاجارة
المبحوثة في فقهناالاستدلالي يمكن ان يتبع من قبل
الباحثين رغم اننا لم يمكننا تطبيقه في هذاالشرح لكونه مقيدا
بالمتن الذي الفه سيد العروة(قدس سره).
وهذا الترتيب المقترح يشتمل على ستة فصول كالتالي:
الفصل الاول: في تعريف الاجارة وحكمها (صحتها ولزومها)،
ويبحث في هذاالفصل ايضا عن تطبيقات يشتبه في كونها
اجارة او بيعا كالاستصناع، وايجارالبستان والاشجار لثمرها او
الشاة والمرضعة للبنها او البئر لمائه ونحوذلك.
الفصل الثاني: في اركان الاجارة، وهي:
2- المتعاقدان. ويذكر شروطهما العامة في كل عقد كالبلوغ
والعقل والاختياروالحرية وعدم السفه والافلاس، والشروط
الخاصة ان كانت.
3- المحل. وهو المنفعة او العمل والاجرة. ويبحث عن اقسامها
من حيث كونهامعينا في الخارج او بنحو الكلي في الذمة او
بنحو الكلي في المعين او بنحوالاشاعة. وشروط المحل من
حيث المعلومية والقدرة على التسليم والمملوكية والاباحة
وعدم تعلق حق الغير بها ونحو ذلك.
الفصل الثالث: في الاحكام المترتبة على الاجارة، وهي على
نوعين:
2- الاحكام التبعية: وهي عديدة:
منها وجوب التسليم بل والتعجيل فيه مع عدم اشتراط
التاجيل وما يتحقق به التسليم في باب الاجارة على الاعيان
والاجارة على الاعمال.
ومنها ان العين المستاجرة امانة فلا يضمن المستاجر تلفها
بدون تفريط وحكم اشتراط الضمان فيها.
ومنها وجوب رد العين الى مالكها عند انتهاء مدة الاجارة.
ومنها حكم التلف او الاتلاف قبل التسليم من قبل المالك
والمستاجر اوالغاصب.
ومنها حكم افساد الاجير او اتلافه لمحل العمل او تلفه.
الفصل الرابع: في تقسيم الاجارة الى (اجارة الانسان) و (اجارة
الحيوان) و(اجارة الاعيان) وبيان الفروق فيما بينها من بعض
الجهات. فيبحث في اجارة الانسان عن حكم الاجير الخاص
والاجير المشترك، وحكم ترك الاجير للعمل المستاجر عليه
وانه يوجب الخيار او الانفساخ. وحكم بذل الاجير نفسه
وعدم استيفاء المستاجر وحكم ايكال الاجير العمل الى اجير آخر
باجرة اقل. وحكم من عليه نفقات العمل او الاجير وحكم تبرع
الغير بالعمل. وحكم الاجارة على الواجبات. وضمان الامر
للاجرة بالامر. وآداب اجارة الانسان وحقوقه، ونحوذلك.
ويبحث في اجارة الحيوان لزوم تعيين نوع المنفعة ومشاهدة
الحيوان وضمان مكتري الحيوان لتلفه اذا تعدى في استعماله
ومن عليه نفقة الحيوان وحكم ما افسده الحيوان. وحكم اجارة
الفحل للضراب والشاة للانتفاع بلبنها ونحوها، او صوفهاونحو
ذلك.
ويبحث في اجارة الاعيان عن حكم اجارة الارض بما يخرج
منها واجارة الدراهم والدنانير للتزيين او للاعتبار. واجارة
الاعيان باكثر مما استاجرها به، واجارة العين المستعارة. واجارة
الارض لتعمل مسجدا، واجارة الدور والمباني وما فيها
من المسائل المستحدثة كالسرقفلية وحق الكسب ونحو ذلك.
الفصل الخامس: في انتهاء الاجارة، وهي على انحاء:
2- انتهائها بالفسخ او الاقالة ويبحث عن اثر الفسخ وكونه من
حينه او من اصله.
3- انتهائها بالانفساخ القهري واسبابه من تعذر العمل او
الانتفاع او بالموت او بتلف المحل او ترك العمل ونحو ذلك.
4- انتهائها بكشف بطلان الاجارة وما يترتب على الانفساخ او
البطلان من الضمان وسائر الاثار.
الفصل السادس: في الاختلاف والتنازع.
وهو قد يكون في اصل العقد او كيفيته او في محله من العين او
العمل او نوع المنفعة او الاجرة ولكل منها فروض وتفريعات.
ونسال المولى القدير ان يتقبل منا هذا الجهد المتواضع باحسن
قبوله وان يجعله ذخرا لنا يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من
اتى اللّه بقلب سليم. انه خير ناصرومعين. والحمد للّه رب
العالمين. قم المقدسة 1423 ه. ق السيد محمود الهاشمي الشاهرودي كتاب الاجارة وهي تمليك عمل اءو منفعة بعوض[1]، ويمكن ان يقال: ان
حقيقتهاالتسليط على عين للانتفاع بها بعوض.
تعريف الاجارة:
وقد يناقش في هذا التعريف من جهات عديدة، نشير الى
اءهمها:
الاولى: ما افاده بعض اساتذتنا الاعلام(قدس سره) من ان
المعنى المذكور انماهو فعل المؤجر حينما ينشئ الايجاب
بقوله
«آجرتك »، وهذا احد المعنيين للاجارة، والمعنى الاخر
هو العقد المركب من الايجاب والقبول، والتمليك
والتملك،وهذا التقسيم جار في البيع، بل في جميع المعاملات
والعقود، وما هو موضوع للاثارمن الصحة واللزوم ونحو ذلك
انما هو المعنى الثاني، وهو المراد بهذه الاسامي،حينما ترد في
كلمات الفقهاء، بل وفي لسان الادلة لا المعنى الاول((1)).
والجواب: ان الاجارة في الاستعمالين الاخباري والانشائي
بمعنى واحد، فان التمليك ايضا لا يتحقق الا بفعل الاثنين، لان
المراد منه التمليك العقدي، وبشكل عام اسماء المعاملات
وعناوينها موضوعة للمسبب الحاصل بالتعاقد والاتفاق
بين طرفين سواء اريد المسبب الشخصي اءو العقلائي اءو
الشرعي فانها واحد مفهوماعلى ماحققناه في مبحث البيع،
والاختلاف في منشاء الاعتبار ومصدره والموجب حينما
يستعمل مادة بعت اءو آجرت اءيضا يستعمله في نفس المعنى،
باعتباره يحققه ويتسبب الى ايجاده بنفس الايجاب ولو في
طول القبول، نظير قوله «آمرك اءواءنبئك » الذي يحقق فيه
مادة الامر والانباء بنفس الفعل والانشاء غاية الامر يكون ذلك
بفعل الواحد في المثال وبفعل الاثنين في المقام ولا فرق
بينهما من هذه الناحية.
والحاصل: ليس المقصود من التمليك بعوض التمليك الذي
هو فعل الواحد، بل التمليك العقدي الذي يكون في طول
الايجاب والقبول، ومتقوما بالتعاهد والتوافق بين الطرفين، سواء
وقع عنوان البيع اءو الايجار في مقام الانشاء اءو الاخبار،
على ماحققناه في بحوث البيع من المكاسب.
الثانية: ما ذكره بعض المحققين من ان الاجارة ان كان بمعنى
تمليك المنفعة لاقتضى ذلك اضافته اليها، فيقال: «آجرتك منفعة الدار» مع انه لايضاف
الا الى الاعيان، فيقال «آجرتك
الدار»، وهذا يعني انه سنخ معنى متعلق بالعين((2))، وحيث انه
لا يمكن ان يكون تمليكا لها، من هنا ذهب صاحب هذا الاشكال
في تعريفه الى انه «التسليط على العين من اجل الانتفاع
بعوض »، ولعله لهذا الاشكال ذكر السيدالماتن(قدس سره) بعد
نقل تعريف المشهور «ويمكن ان يقال: ان
حقيقتهاالتسليطعلى عين للانتفاع بها بعوض ».
وفيه: ان هذا خلط بين مجالين، مجال المنشاء المعاملي في
باب الاجارة ثبوتاوانه التمليك للمنفعة اءو التسليط على العين
- وهما اعتباران مختلفان - وهذا هو البحث عن حقيقة الاجارة
كعقد من العقود وتعريفه فقهيا وقانونيا، ومجال آخر هو
البحث عن مدلول مادة الاجارة لغة، وانه هل يكون بمعنى
التمليك اءم لا؟
والتعريف المذكور تعريف في المجال الاول لا الثاني، لوضوح
ان مادة الاجارة اللغوية لاتعني التمليك اءصلا، لا مطلق
التمليك ولا الحصة الخاصة منه وهو تمليك المنفعة كما
قيل في حل الاشكال المذكور، لوضوح ان الاجر لغة هو
المكافاءة والثواب على عمل وفي قبال خدمة، ومنه «آجرك
اللّه». فلابد وان يضاف وتتعلق مادة الاجارة بالاعيان اءو
الاشخاص، لان الاجر والثواب يكون على عمل اءي في قبال
خدمة شخص اءو عين، وبهذا التفسير لمفهوم الاجارة اللغوي
يظهر امكان ارجاع معنى هذه المادة في باب آجرتك اءو
استاءجرتك اءو استاءجرت الدار الى معنى واحد جامع في
البابين، وهو جعله ماءجورا ومكافئا اءي جعل اءجر بازائه سواء
كان في قبال خدمة شخص اءو عين خارجية، وان كان اللازم
في الاعيان وجود طرف يملك ذلك الاجر ويستحقه، وهو مالك
العين، الا ان الاضافة والتعلق بلحاظ مايكون الاجر في قبال
خدمته لا من يملكه.
والمقصود انه لا ربط بين المساءلتين، ولا ينبغي ان يستند في
تشخيص ما هو المنشاءالاعتباري في موارد عقد الاجارة الى
كيفية استعمال مادة الاجارة لغة من حيث اضافته الى الاعيان
دون المنافع، فان هذه النكتة لغوية اءدبية، بينما البحث
الاول بحث ثبوتي غير مربوط بلغة دون لغة، بل يرد حتى في
الاجارة المعاطاتية التي لالفظ فيها ولا استعمال اءصلا. وعلى
هذا الاساس لابد من بحث ان حقيقة الاجارة هل هي تمليك
المنفعة اءو التسليط على العين للانتفاع مستقلا عن
استعمالات مادة الاجارة.
الثالثة: ما ذكره بعض اساتذتنا الاعلام(قدس سره) وجعله
عمدة الاشكالات، ان الاجارة قد تتحقق وليس في موردها
تمليك للمنفعة، لانه لا مالك لها، كما في استيجار ولي الوقف
العام اءو الزكاة دارا لان يكون محرزا للغلة، او مخزنا لادخارنماء
الوقف مثلا حيث لا مالك عندئذ لمنفعة الدار المستاءجر لها فلا
تمليك في البين بل حال تلك المنفعة حال نفس الزكاة والوقف
تصرف في سبيل اللّه.
واجاب عليه:
اءولا: بالنقض ببيع الوقف العام اءو الزكاة مع انه لااشكال في
تعريفه بانه تمليك عين بعوض.وثانيا: بالحل وحاصله: ان الولي
في هذا القسم من الاوقاف والاموال العامة يشتري اءو يستاءجر
اءو يستقرض لنفسه لكن لا لشخصه بحيث لو مات ينتقل
الى ورثته بل بعنوان انه ولي وبهذا الوصف العنواني فينطبق
عليه التعريف((3)).
ويلاحظ على ماذكره في مقام حل الاشكال باءن ولاية الولي
على التصرف لا تعني تملكه للمال الموقوف عليه حتى بوصفه
العنواني وبما هو ولي ومن هنا يكون بيع الولي للصبي اءو
للمجنون لا لنفسه فهو ينشئ التمليك للمولى عليه من دون
فرق في ذلك بين الولي العام اءو الخاص اءو الوقف العام اءو
الخاص.
فالحاصل: ليس الولي للوقف العام اءو الزكاة مالكا لا لهما ولا
لبدلهما لا بما هوشخص ولا بما هو ولي وليست ولايته الا
بمعنى ملكه للتصرف القانوني في ذلك المال للمولى عليه لا
اكثر بحيث لو حصلت اضافة الملكية بين البدل وبينه ولو بماهو
ولي اوجب ذلك خروج الزكاة اءو الوقف عن حكم الوقف والزكاة
فيجوزاعطاؤها للهاشمي مثلا وصرفه في غير مصرفه وهذا مما
لا يمكن الالتزام به بل لادليل على صحة تصرف الولي بتغيير
جهة الاضافة في بدل الوقف اءو الزكاة جزمافلو قصد ذلك كان
باطلا ايضا.
والصحيح في حل الاشكال ان يقال:
اءولا: ان تعريف عقود المعاوضة بخصوص التمليك لعله
مسامحة فان المبادلة فيهاسواء كانت في العين اءو المنفعة
ليست بمعنى التمليك بالخصوص بل الاعم منه ومن مطلق
نقل جهة الاضافة من احد الطرفين الى الطرف الاخر سواء
كانت الاضافة ملكية او حقية، ومن هنا صح تفسير البيع
بالمبادلة بين المالين في جهة الاضافة الاعتبارية الموجودة
للمال سواء كانت اضافة ملك اءو حق اختصاص معين ولا
شك ان الوقف العام والزكاة ولو فرض عدم كونهما مملوكين
لجهة الا انه لا اشكال في اختصاصهما بجهة معينة ومن هنا
لايجوز صرفهما في غير تلك الجهة المقدرة لهمافيكون بدلهما
قائما مقامهما في ذلك الاختصاص الاعتباري وهذا يكفي في
تحقق المبادلة.
وثانيا: ان الصحيح في باب الوقف العام والزكاة ايضا وجود جهة
مالكة كشخصية قانونية عنوانية لا حقيقية خارجية من قبيل
عنوان الفقراء اءو مصلحة الاسلام اءوالموقوف عليهم اءو غير
ذلك فيكون التمليك معقولا ايضا بلحاظ تلك الجهة
وليس الولي الا مجرد متصرف ومنشى ء لتمليك البدل لتلك
الجهة فهو يملك التصرف لاالزكاة اءو الوقف اءو بدلهما.
الرابعة: ما افاده جملة من المحققين وهي مناقشة ثبوتية
من ان المنفعة غيرقابلة للمملوكية، اما لما توهم من انها
معدومة حال الاجارة والمعدوم لايملك، وامالان منفعة الدار
سكناها، وهي عرض من اعراض الساكن لا الدار، فلا يمكن
ان يكون ملكا لصاحب الدار((4)).
وفيه: ان المراد بالمنفعة مايكون شاءنا وفائدة في العين،
كصلاحية الدار للمسكونية،وهي قائمة بها لا بالساكن. كما ان
هذه الفائدة لها وجود خارجي بوجود منشاءانتزاعه، اذ فرق بين
الدار الصالحة للانتفاع والدار غير الصالحة خارجا، ولو فرض انه
لاوجود حقيقي لها خارجا كفى الوجود الاعتباري، لصحة تعلق
التمليك به،كالوجود الاعتباري للمال الذمي، وليس التمليك
من الاعراض الحقيقية كي يحتاج الى معروض حقيقي في
الخارج.
الخامسة: وهي مناقشة اثباتية لا ثبوتية، وحاصلها: ان المنفعة
وان كان يعقل مملوكيتها ثبوتا الا ان الارتكاز العقلائي ياءبى عن
ذلك اثباتا، بشهادة انهم لايجعلون بازاء المنافع ملكية مستقلة
عن الاعيان، فلا يكون للمالك مالان احدهماالعين الخارجية
والاخر منفعتها، كما انهم حين ينقلون العين من مالك الى آخر
لايرون ان ذلك يتضمن تمليكين، احدهما تمليك رقبة العين
والاخر تمليك
منفعتها، كيف والا لزم ان يكون البيع بيعا واجارة معا، اءو بيعا
للرقبة فقط مع بقاءالمنفعة على ملك مالكه، وهو كما ترى.
فليس البيع الا تمليكا واحدا للعين، واماتملك منافعها فهي من
احكام وآثار ملكية العين بالتبع، ومن هنا ذكر الفقهاء
تبعية المنافع للعين في الملكية، بحيث من ملك العين باءي
سبب عقدي اءو غيره ملك منفعته قهرا، وهذا شاهد على ان
المنفعة لا تلحظ عند العقلاء والشرع كمملوك مستقل عن
العين، وانما مملوكية العين تعني حق الانتفاع بها والسلطنة
عليها، فليس هناك الا مملوك واحد وهو العين عقلائيا،
والمنفعة اءو الانتفاع تحت سلطان المالك من جهة ان السلطنة
من آثار الملك.
وبهذا يعرف الوجه في انتقال الماتن(قدس سره) الى التعريف
الاخر، وهو ان الاجارة تسليط على العين من اجل الانتفاع بها،
فانه بعد ان لم تكن المنفعة مملوكة مستقلا في النظر العرفي
والعقلائي، وانما حق الانتفاع والسلطنة عليه من احكام ملكية
العين، فتارة: المالك ينقل ملكيته للعين الى الغير وهذا هو
البيع واخرى: ينقل سلطنته على الانتفاع بالعين الى الغير،
وهذا هو الاجارة.
وفيه: ان غاية مايثبته هذا التحليل ان المنفعة لم تجعل لها
الملكية عقلائيا في عرض ملكية الرقبة، لا ان المنفعة لاتجعل
لها الملكية حينما يراد التفكيك بينها وبين الرقبة في المالك،
والسر في ذلك ان الملكية المجعولة للرقبة حيث انها
بمعنى السلطنة المطلقة عليها فهي تتضمن ملكية المنفعة،
فتكون ملكية المنافع مندكة في ملكية الرقبة التي هي سلطنة
مطلقة ومن جميع الجهات، فلا حاجة مع جعل ملكية الرقبة بلا
قيد فيها الى جعل ملكية اخرى للمنفعة في عرضها، وهذا
بخلاف ما اذااءريد التفكيك بينهما في الطرف المالك، فانه
يقتضي عندئذ جعل الملكية للمنفعة ولحاظها مستقلا.
نعم عقد الاجارة قد اخذ فيه لحاظ المنفعة وتمليكها مستقلا
وبشرط لا عن العين،ومن هنا لايصدق على البيع بيع وايجار لا
لغة ولا اصطلاحا كما لا يخفى.
وان شئتم قلتم باءن ملك المنفعة شاءن من شؤون الملك
المطلق والسلطنة المطلقة على العين ومن هنا لاتلحظ ملكية
المنفعة مع الملكية المطلقة للعين لانها مندكة فيها ومالك
العين تارة ينقل تمام تلك السلطنة الى الغير وهذا هو البيع
ونحوه واخرى ينقل بعضها وشيئا منها وهو سلطنته على
المنفعة اءو حقه في الانتفاع بالعين فقط وهذا هو الاجارة وثالثة
ينقل ملكه وحقه في الرقبة دون المنفعة للغير وهذا هو
بيع العين مسلوبة المنفعة.
واما تعريف الاجارة بالتسليط على العين فلا اشكال في عدم
ارادة التسليط والاستيلاء التكويني الخارجي بل يراد به انشاء
السلطنة الاعتبارية للمستاءجروحينئذ ان اريد به اعطاء
السلطنة المطلقة على العين فهي عبارة اخرى عن
تمليك العين لان الملكية هي السلطنة المطلقة الاعتبارية
وهذا خلف الاجارة، وان اريداعطاء السلطنة على المنفعة
والانتفاع فقط لا السلطنة المطلقة ومن جميع الجهات فهذا
عبارة اخرى عن تمليك المنفعة بناء على تعريف الملكية
بالسلطنة فيرجع الى التعريف الاول وان اريد اعطاء السلطنة
بمعنى الجواز التكليفي اءو الجوازالوضعي بمعنى نفوذ
التصرفات قانونا والذي قد يعبر عنه بعدم الحجر
فالسلطنة باءحد هذين المعنيين حكم قانوني عقلائي اءو شرعي
وليس مما يعتبره المتعاقدان وينشنه، نعم قد ينشن موضوعه
وهو الاذن والرضا بالتصرف للغير فيكون جائزاتكليفا اءو نافذا
وضعا الا ان هذا غير المنشاء في باب الاجارة مطلقا لانه لا
اشكال في كونها من العقود العهدية التي فيها نقل ملك اءو حق
الى الغير فلابد وان يكون التسليط في الاجارة بمعنى تمليك
المنفعة فيرجع الى التعريف الاول.
فالحاصل التسليط اعم من التمليك للمنفعة ويتحقق في
عقود اخرى ايضا كالعارية المشروطة بعوض الا ان يراد
بالتسليط التمليك فيرجع الى تمليك المنفعة بعوض.
وهذا هو الجواب الفني، لا ماذكره بعض اساتذتنا الاعلام(قدس
سره) من ان التسليط يختص باجارة الاعيان ولا يتم في اجارة
الاعمال ((5))، اذ يرد عليه:
اءولا: امكان التفكيك بين الاجارتين في التعريف خصوصا اذا
انكرنا رجوع الاجارة على الاعمال الى تمليك العمل على ما
سياتي الحديث عنه فيما ياتي.
وثانيا: لا يراد بالتسليط الاستيلاء الخارجي ليقال بعدم توقف
استيفاء عمل الاجيرعلى التسلط عليه، وانما المراد الاستيلاء
والتسليط الاعتباري، وهو يعقل بل ثابت في حق الاجير ايضا،
حيث يكون المستاءجر مسلطا اعتبارا على الاجير بحمله
على العمل فهو مسلط على الانتفاع بالاجير.
السادسة: قد يقال: ان هذا التعريف يشمل ما اذا باع شيئا بعوض هو منفعة شيء،كما اذا باع فرسه بمنفعة داره سنة مثلا او في
قبال ان يخيط له ثوبه فلا يقال انه ايجار بل بيع مع انه بلحاظ
الثمن يصدق عليه انه تمليك المنفعة بعوض.
والجواب: انه يشترط في الايجار ان تكون المنفعة او العمل
ملحوظين كمعوض لاالعوض اي الطرف المقصود بالاصالة في
التعاقد بين الطرفين لا بما هو مال وعوض عن ماليته المعبر
عنه بالثمن كما هو كذلك في عنوان البيع ايضا فلا يصدق على
ثمن الاجارة اذا كان عينا انه بيع لانه ليس مقصودا بالاصالة
وبخصوصيته، وهذا يستفادمن تعريفهم بانه تمليك المنفعة او
العمل بعوض حيث يفهم منه ان المنفعة او العمل ملحوظان
كمعوض لا كعوض.
كما ان المراد من التمليك التمليك العقدي اي الايجار عقد
ينشا فيه التمليك للمنفعة او العمل بعوض.
ومنه يعرف خروج ما اذا تملك المنفعة بغير عقد كالارث او
بايقاع كالوصية على القول بكونها ايقاعا عن تعريف عقد
الاجارة، كما انه ظهر انه من عقود المعاوضة فخرج مثل عقد
النكاح اذا كان المهر منفعة او عملا. وهكذا يتضح ان
التعريف المشهور للاجارة صحيح لا غبار عليه.
ثم ان هنا امورا مهمة متعلقة بحقيقة الاجارة، تعرض لها الفقه
الوضعي، ينبغي الاشارة اليها ولو اجمالا وتمحيصها.
الامر الاول:
الا ان الصحيح: ان المدة والزمان ليس مقوما ولا ركنا للاجارة،
حتى في
اجارة الاعيان فضلا عن اجارة الاعمال، وانما قد يجب تعيين
المدة لدفع الغرروالمجهولية، كما اذا كانت المنفعة زمانية من
قبيل سكنى الدار، بخلاف ما اذا كانت المنفعة عملا معينا كنقل
البضاعة مثلا اءو الخياطة، اءو كان لها تحديد كمي لا زماني كما
في اجرة الحمام مثلا، فان الانتفاع به مقدر بالمرات لا الزمان،
وكما في اجارة الشجرة لثمرتها، اءو اجارة المركب كالسيارة
مثلا حسب مقدار مسافة السير به وهكذا.
وهذا يعني ان الزمان والمدة قد يكون دخيلا في بعض الموارد
في تحديد مقدارالمنفعة المستحقة بالاجارة، فيكون تعيينه
شرطا في الصحة لا ركنا مقوما للانعقاد،بل حاله حال اشتراط
معلومية مقدار المبيع والثمن الذي هو شرط في صحة
البيع ايضا ودفع غرريته وليس مقوما لحقيقته.
وبهذا يعرف ان اعتبار الاجارة مطلقا من العقود الزمانية
الموقتة كما صنعه الفقه الوضعي في غير محله وانما قد يكون
الزمان دخيلا في تحديد مقدار المنفعة.
نعم، الايجار حيث انه تمليك للعمل او المنفعة وهما تدريجيان
من هنا يصح ان يقال: ان عقد الايجار يختلف عن البيع ونحوه
في انه تدريجي لا فوري الا ان هذاغير اخذ الزمان المعين قيدا
في تعريف الاجارة.
الامر الثاني:
ولهذا عرف القانون الوضعي الايجار بانه ((عقد يلتزم المؤجر
بمقتضاه ان يمكن المستاءجر من الانتفاع بشيء مدة معينة باجر
معلوم »
((7))، فيكون نظيرعقد الكفالة والضمان بمعنى العهدة
عندنا لا الذمة.
وقد وقع البحث بينهم بعد ذلك في ان الحق والالتزام الشخصي الناشيء بالاجارة سلبي اءو ايجابي ؟ اءي ان ماتعهد به
المؤجر هل هو اداء عمل وهو جعل المستاءجرينتفع بالعين
فيكون ايجابيا، اءو الامتناع عن عمل، اي ترك العين للمستاءجر
لينتفع بهافيكون سلبيا ؟ وهذا الخلاف اشبه ان يكون لفظيا، اذ
لايراد بترك العين الا التمكين ورفع الموانع، وهو المراد بجعل
المستاءجر ينتفع لا الاجبار الخارجي له على ذلك.
والمهم ملاحظة اءصل المطلب، وهو ان مفاد عقد الايجار وما
ينشاء منه هل هو الحق والالتزام العيني اءو الشخصي ؟ فانه قد يترتب على ذلك آثار
مهمة كما سوف يظهر،فلابد من تحليل الارتكازات العقلائية والتاءمل فيها لنرى هل
تساعد على التفسيرالمقدم من قبل الفقه الوضعي لحقيقة الاجارة اءم لا؟ والصحيح: ان
هناك عدة منبهات على ان الالتزام الناشيء من
عقد الايجار عيني لاشخصي وقد شرحنا مصطلح الحق
العيني والشخصي والفرق بينهما في بحث نظرية العقد العامة :
منها: انه بناء على كون الحق عينيا يملك المستاءجر منفعة
العين، فيمكنه ان ينقلهاالى شخص ثالث بايجار آخر بلا اشكال
لو لم يكن قد اشترط عليه المباشرة في الانتفاع بخلاف ما اذا
قلنا بان الحق شخصي وليس عينيا، فانه عندئذ نواجه
صعوبة في كيفية تخريج نقل هذا الحق الشخصي الى الشخص
الثالث، فان الحق الشخصي متقوم بالشخص الطرف للحق
بحيث بتغير الطرف يتغير الحق ويكون حقا آخرمباينا مع الاول.
وقد حاول الفقه الوضعي تصوير ذلك على اساس انه ايجار
لنفس الحق الشخصي،فالمستاءجر الاول يلتزم للمستاءجر
الثاني ان يمكنه من الانتفاع بحقه الشخصي على المؤجر الاول.
وهذا يجعل متعلق الايجار الثاني هو الحق بحسب الحقيقة لا
العين،اءو قل الانتفاع بالحق الشخصي لا بالعين، وهو على
خلاف الارتكاز العقلائي الذي لايرى فرقا بين الايجارين من
حيث تعلقهما بمنفعة العين على حد سواء، بل فكرة ايجار
الحقوق الشخصية اءو العقد عليها فكرة غير عرفية بنفسها. نعم
يمكن فرض ان الايجار الثاني تعهد والتزام شخصي من قبل
المستاءجر الاول بتمكين المستاءجرالثاني من الانتفاع بالعين،
الا ان هذا يجعل الايجار الثاني مستقلا عن الاول وغيرمتوقف
على تحققه وصحته، وهذا ايضا على خلاف الارتكاز.
ومنها: انه بناء على كون الحق الناشيء شخصيا لا عينيا، لو
فرض ان المؤجر اءوغيره منع العين عن المستاءجر مدة من
الزمن لم يضمن له قيمة منفعة العين في تلك المدة، لان
المنفعة لم تكن للمستاءجر، وانما كان له حق على المؤجر ان
يمكنه من الانتفاع ولم يمكنه، فلابد من القول ببطلان الاجارة
مثلا اءو حق فسخها من دون وجه عقلائي لضمان قيمة المنافع
الممنوعة للمستاءجر، لعدم كونها راجعة اليه، وعدم كون الحق
الشخصي الذي فات بما هو حق مالا له قيمة سوقية، اءو كون
ذلك على الاقل تحليلا عقلائيا متاءخرا لم يكن ثابتا وواضحا
سابقا، مع ان الاجارة من العقودالواضحة الراسخة في التاريخ
البشري منذ البداية وقبل تطور التقنينات العقلائية القانونية.
وهذا بخلافه على القول بان الحق الناشيء بعقد الايجار عيني
وهو ملك المنفعة،فانه عندئذ يكون الضمان للمستاءجر على
القاعدة، حيث اءتلف على المالك ماله فيضمن قيمته السوقية،
وقد تكون اكثر من الاجرة المسماة. فاذا استظهرنا ان الارتكاز
العرفي حاكم بالضمان كان ذلك منبها آخر على عدم صحة
التفسيرالوضعي لعقد الايجار.
ومنها: اذا فرض للمنفعة المستقبلية وجود عيني، كما في اجارة الشجر لثمرتها اءوالشاة
للبنها، فبناء على كون الحق الناشيء بالاجارة شخصيا لا عينيا لو منعه المالك ولم يمكنه من
الانتفاع بقيت المنافع الحاصلة من الثمر اءو اللبن على ملك
المالك،وكان للمستاءجر فسخ الاجارة اءو الضمان لقيمة الحق
الشخصي المذكور لا تملك اعيان الثمر واللبن، وهذا بخلافه
على القول الاخر فانه مالك لها ويكون الموجرضامنا لها
ولقيمتها على تقدير التلف للمستاءجر، وهذا هو المطابق مع
الارتكازالعقلائي ايضا.
ومنها: ان الحق الشخصي يختلف عن الحق العيني في اءن
متعلقه من نوع الاعمال والافعال بخلاف الحق العيني، وعلى
هذا الاساس لايشترط في صحة التعهدات والالتزامات
الشخصية اكثر من القدرة على اداء ذلك الفعل خارجا، واما
التعهدات العينية فيشترط في صحتها زائدا على ذلك ان يكون
متعلق الحق العيني موجوداومملوكا له وتحت سلطانه بالفعل،
ولا يكفي فيه مجرد القدرة على ايجاده اءوتملكه، واذا اتضحت
هذه النكتة فنقول: اذا فرض ان الاجارة كانت من عقودالادارة،
والتي لاينشاء منها الا الحق الشخصي والتعهد بتمكين
المستاءجر من الانتفاع امكن للمؤجر ان يؤجر العين ثانية لغير
المستاءجر الاول، فيما اذا كان قادرا على فسخ الاجارة الاولى،
اءو كان قادرا على ارضاء المستاءجر الاول بتمكينه من
العين لكي يعطيها للمستاءجر الثاني مدة معينة، مع ان الارتكاز
العرفي والعقلائي يرى بطلان الاجارة الثانية اذا صحت الاجارة
الاولى، وانه لا موضوع للثانية مع الاولى،وليس هذا الا من اجل
ان متعلق الايجار نقل ملكية المنفعة، وهو فرع تملكها،
فاذاملكها بعقد الايجار للغير فلا موضوع لايجار العين ثانية
لمستاءجر ثان، كما هوواضح.
ومنها: ارتكازية ان التعهدات الشخصية انما تقع وتكون في
الموارد التي يطلب فيهانفس الفعل من المتعهد، كالكفالة التي
يكون المطلوب فيها نفس احضار المدين لااكثر.
ومن الواضح انه في باب الاعيان والاموال سواء كان الغرض
متعلقا برقباتها اءومنافعها يكون الغرض حصول الحق فيها، وان
فعل التمكين من المؤجر لا يطلب بنفسه وبما هو فعل، وانما
يطلب بما هو استطراق لتحصيل ذلك الحق، ومن هنا لوكانت
العين تحت يد المستاءجر من اءول الامر فلا يحتاج الى تمكين
اءصلا، لوجودالتمكن، فتمام المقصود حصول حق في الانتفاع
لا في فعل التمكين، بل مجردالتعهد بفعل التمكين لايوجب ان
يكون الانتفاع جائزا لو لم يفترض وجود حق عيني له في
مورده، وهذا هو معنى لزوم وجود حق عيني في البين في هذه
المواردبقطع النظر عن التعهد والحق الشخصي.
وبهذا يعرف الجواب على ماقد يقال: بانه حتى اذا فرضنا ان
الارتكاز العرفي في باب الاجارة يقضي بكونها منشاء للحق
العيني اي نقل ملكية المنفعة، الا انه ما المانع من صحة العقد
على التعهد الشخصي ايضا في مورده، وليكن عقدا جديدا لا
يسمى بالاجارة، اءي من العقود غير المسماة ويكون مشمولا
لعمومات الصحة والنفوذ.
وحاصل الجواب: ان المطلوب في المقام حصول حق في
الانتفاع بالعين وهولايحصل بالالتزام المذكور، نعم لو فرض ان
انسانا كان مالكا لعين اءو لمنفعتها،وكانت العين تحت يد
غاصب. بحيث لايتمكن المالك من الانتفاع بها، وكان
يمكن لشخص اءن يمكنه من ذلك ويدفع عدوان الغاصب عنه،
امكن التعاقد على ان يتعهدذلك الشخص بدفع الغصب
والعدوان وتمكين المالك من ملكه عينا كان اءو منفعة ،
فيكون نظير عقد الكفالة اءو الضمان بمعنى العهدة. ولا باءس
بالقول بصحته ولزومه، ويمكن تخريجه على اساس انه اجارة
على عمل دفع الغصب والعدوان المطلوب بنفسه هنا فانه عمل
محترم عقلائيا وشرعا.
ومن مجموع ما ذكرناه يظهر ان الالتزام بكون الايجار ينشاء منه
الحق الشخصي لاالعيني، وانه من عقود الادارة لا التصرف في
باب الايجار على الاعيان غير تام جزما.
واما في باب الايجار على الاعمال، فما يذكره الفقه الوضعي من
ان الايجار ينشاءمنه حق شخصي معقول في نفسه، الا ان الفقه
الاسلامي درج على تحويل الحقوق والالتزامات الشخصية
الحاصلة في باب العقود الى حقوق عينية، فجعلوا الايجارعلى
عمل كالخياطة مثلا راجعا الى تمليك العمل الذي هو حق
عيني، فيملك المستاءجر اءولا عمل الاجير، بمقتضى العقد ثم
يجب عليه في طول ذلك الوفاء به،فنفس العمل مملوك للغير
ومتعلق للحق العيني، ودفعه والوفاء به حق شخصي متفرع
عليه وهذا تماما عكس ماصنعه الفقه الوضعي من جعل المهم
في العقودوالالتزامات الحقوق الشخصية، حتى انه فسر الايجار
في الاعيان بذلك ايضا،وجعل الحقوق العينية في طول الحقوق
الشخصية.
وقد يترتب على تحديد محتوى الاجارة على الاعمال، وانه هل
يحصل منها حق عيني، كما هو ظاهر كلمات الفقه الاسلامي،
حيث عبروا عنه بتمليك العمل بعوض،اءو لايحصل الا حق
شخصي، كما هو صريح الفقه الوضعي، بعض الثمرات العملية.
ولعل من اهم تلك الثمرات انه على القول بحصول الحق
العيني والملك للعمل يحق للمستاءجر ان يطالب الاجير بقيمة
العمل اذا لم يقم به بالنحو المقرر، لانه فوت عليه مالا مملوكا
له، فتشمله ادلة الضمان، بخلاف ما اذا لم يكن الا الحق
الشخصي، فانه يوجب انفساخ الاجارة ورجوع اجرة المسمى الى
مالكه وهذا هو فتوى المشهورعلى ماسياءتي في محله
فيكون نظير ما اذا اشترط عليه ضمن عقد لازم فعلا
من الافعال، فانه لو لم يف بشرطه لا يكون ضامنا لقيمة ذلك
العمل رغم وجود الحق الشخصي، نعم لو قلنا ان التعهد بفعل
يستلزم الضمان لقيمته على تقدير التخلف لم تتم هذه الثمرة
بين التفسيرين، الا ان الاستلزام المذكور لا يخلو من اشكال،
كما انه اذا قلنا ان تفويت نفس الحق الشخصي الذي له مالية
موجب للضمان فيكون مضمونا عليه بقيمته لا محالة لم يبق
فرق مهم بين المسلكين ايضا.
هذا كله اذا كان التعهد بالقيام بالعمل بنحو شخصي لا مااذا
كان التعهد بمطلق العمل الاعم من ان يصدر منه اءو غيره، فانه
عندئذ يكون متمكنا من ادائه عن طريق الغيروتحمل اجرته،
وليس هذا من الضمان بل من الوفاء كما لا يخفى.
فالحاصل الفتوى المشهورة من القول بالانفساخ يكون تفسيره
على اساس المسلك المختار في الفقه الوضعي اءيسر واءوضح
بخلافه على المسلك المختار في الفقه الاسلامي حيث يصعب
تفسيره.
وقد يؤيد مايقول به الفقه الوضعي من عدم حصول اكثر من
الحق والالتزام الشخصي في الايجار على الاعمال، اءن الملكية
والحق العيني انما يتعقلها ويعتبرها العقلاءوالعرف في باب
الاموال التي هي الاعيان ومنافعها الخارجية لا اءعمال
الانسان ومنافعه، فانها تناسب العهدة والمسؤولية والالتزام لا
الملكية وبهذا لا يقال ان القادرعلى العمل مالك لاموال كثيرة
بخلاف المالك للاعيان ومنافعها، كما ان علقة
الملكية والاختصاص او السلطنة في باب الاعيان تكون هي
الغاية والغرض المطلوب مقدمة للانتفاع بها خارجا، وهذا
بخلاف باب الاعمال فان الغرض المتعلق بها نفس ايجاد العمل
وصدوره خارجا، وسياتي مزيد توضيح لهذه النكتة في بعض
الابحاث القادمة، فان جزمنا بذلك فلا يصح عطف العمل على
المنفعة في تعريف الاجارة، بل يكون الايجار على العمل بمعنى
انشاء التعهد بالعمل اي حقا شخصيا لا عينياوالمساءلة بحاجة
الى مزيد بحث وتاءمل.
الامر الثالث:
ثم قسم العقد على العمل الى العقد الوارد على العمل في ذاته
والعقد الوارد على العمل باعتبار نتيجته، فسمى الاول بعقد
المقاولة والثاني بعقد العمل. وقد ذكروا في وجه هذا التمييز،
بانه في عقد المقاولة لا يكون العامل تحت اشراف رب
العمل وادارته، بل يعمل مستقلا طبقا لشروط العقد المبرم،
ومن ثم لا يعتبر المقاول تابعالرب العمل، ولا يكون هذا الاخير
مسؤولا عن المقاول مسؤولية المتبوع عن التابع،بخلاف عقد
العمل، فالعامل يخضع فيه لادارة رب العمل واشرافه، سواء كان
يؤجربمقياس مقدار الوقت اءو كمية الانتاج، ولا يعمل مستقلا
عن رب العمل، بل يتلقى تعليماته منه وعليه ان ينفذها في
حدود العقد المبرم بينهما، ومن ثم يعتبر العامل تابعا لرب
العمل، ويكون هذا الاخير مسؤولا عنه مسؤولية المتبوع عن
التابع ومن هنا نرى ان المقاول يدفع ثمن استقلاله عن رب
العمل، اذ لا يتمتع بالمزايا الكثيرة التي يمنحها القانون للعامل،
والتي هي نتيجة تبعية العامل لرب العمل((8)).
وهذا التقسيم اذا اريد به مجرد تفصيل احكام كل صنف من
هذه الاصناف الثلاثة للايجار، اعني اجارة الاشياء والعمل
والمقاولة، حيث قد يختص بعض الاحكام والاثار ببعض هذه
الثلاثة دون بعض فلا باءس به. وقد وقع نظيره في فقهنا
ايضا،حيث فصل كتاب الصرف والسلم عن البيع مع انهما من
اقسام البيع، لما لهما من الاحكام الخاصة.
واما اذا اريد انها عقود ثلاثة متباينة فيما بينها كالتباين بين
عقد الايجار والبيع فهوغير صحيح بالنحو المذكور، لان
الميزان في التباين بين العقود هو اختلاف سنخ المضمون الذي
يلتزم به اءو يعتبره المتعاقدان ولا يكفي مجرد الاختلاف في
بعض الاحكام والاثار القانونية المترتبة عليه في تعدد العقد، اذ
قد يكون ذلك الاثرالمختلف والمتفاوت فيه من خصوصيات
مورد العقد ولوازمه، كما في الاجارة للعمل الكلي والاجارة على
العمل الخارجي اءو الاجارة على عمل يقوم بشخص الاجير اي
مباشري اءو الاعم منه ومن عمل غيره، مع كون المضمون
الاعتباري الملتزم به معامليا فيها جميعا مضمونا واحدا، فالمقاولة وعقد العمل لا
فرق بينهمامن حيث ما هو المضمون المعاملي والالتزام الناشيء من العقد، وانما الاختلاف في ان
متعلقه قد يكون العمل بما هو وقد يكون نتيجته. كما انه لا فرق
من هذه الناحية بين اجارة الاعيان اءو المنافع بعد فرض انهما
معا ينشاء فيهما الحق العيني اءوالشخصي، واهتمام القانون
بعمل العامل وحمايته في قبال المستاءجر بخلاف الاجارة
للاعيان لا يوجب فرقا في حقيقة العقد، وانما هي من الفروق
القانونية والحكمية التابعة لسنخ عقد واحد على اساس مصالح
خاصة.
نعم لو قبلنا ما اشرنا اليه فيما سبق من ان المضمون ومحتوى
الالتزام في اجارة الاعيان تمليك المنفعة اي الحق العيني وفي
اجارة الاعمال التعهد بالعمل اي الحق الشخصي امكن
اعتبارهما عقدين متباينين، لان المنشاء المعاملي في احدهما
غيرالمنشاء في الاخر في نفسه ومع قطع النظر عن مورد العقد.
الامر الرابع:
ايجار الاشجار لثمارها:
وسوف ياءتي تعرض السيد الماتن(قدس سره) لهذه المساءلة،
وخلاصة ما ينبغي ان يقال: ان المنفعة المذكورة اذا لوحظت
مستقلا كان تمليكها بيعا، سواء كانت فعلية اءومستقبلية، واذا
لوحظت كاستعداد وفرصة للشجرة اءو للشاة اءو البقرة كان
العقدايجارا، فيملك الاخر هذه الحيثية وبتبع ذلك يملك قهرا
الثمرة اءو اللبن المتجدد، فانه يعتبر كاءنها نفس تلك المنفعة
المملوكة بالايجار سابقا اءو نماء لها.
ومن هنا لابد من التفصيل على ماسوف ياءتي، ففيما هو موجود
بالفعل وقبل العقدمن المنافع العينية خصوصا اذا كانت
منفصلة عن اصلها لا معنى لايجارها بل يكون نقلها بيعا، وما
سيوجد منها ولا فعلية وتمامية لها الان يمكن ان يكون
تمليكهاايجارا فيما اذا قصد تمليك حيثية الاستعداد في العين
وصلاحيتها لانتاج ذلك الناتج، ويمكن ان يكون تمليكها بيعا
فيما اذا لوحظت نفس المنتوجات التي سوف تتحقق، وهذا
يكون حسب نظر المتعاقدين وقصدهما.
|
|---|