الصفحة السابقة

الصفحة التالية

والحاصل: متعلق التمليك ليس شيئا واحدا في الحالتين، بل المتعلق في حالة الايجار الاستعداد والصلاحية في العين لان تنتج او الثمرة بما هي منفعة للعين،وهذه منفعة حقيقة وتمليكها يكون ايجارا وتكون ملكية عين الثمرة تبعية بعدحصولها، والمتعلق للتمليك في الحالة الثانية نفس المنتوج الحالي اءو الاستقبالي فيكون بيعا لا محالة.

ويلحق كل منهما احكامه الخاصة، والنظر العرفي في المنافع والمنتوجات الاستقبالية غير المحددة من اءول الامر يساعد على النظرة التبعية لها بطريقة الايجارلا النظرة الاستقلالية بطريقة البيع، ولعل منها ايضا اجرة الهاتف والكهرباء والماء،فانها تلحظ بما هي انتفاع بمولد الكهرباء اءو بالمنبع للمياه ويكون تحديد مقدارالمنفعة بالعدد ومقدار الاجرة بنسبة معينة لكل وحدة عددية معينة، وهو كاف في رفع الجهالة والغرر فليس هذا من بيع الماء اءو الكهرباء.

جعل المنفعة عوضا في البيع:

ومن جملة الموارد ما اذا باعه كتابه في مقابل سكنى الدار سنة مثلا، فهل هذا بيع اءوايجار اءو عقد مستقل عنهما كالمقايضة؟ قد يقال: بانه بيع، لانه تمليك عين بعوض ومال ولو كان منفعة. وقد يقال: بانه ايجار،لانه تمليك للمنفعة بعوض.

وقد يقال: انه ليس بيعا ولا ايجارا، اذ يشترط في البيع ان يكون العوض متمحضا في المالية كالنقود، ولهذا قيل بان المقايضة ليست بيعا، ويشترط في الاجارة ان يكون العوض كذلك.

ويمكن ان يقال: انه لا تقابل بين البيع والايجار، اذ لا يشترط ان يكون العوض فيهما متمحضا في المالية عند الطرفين بالمعنى المذكور، وانما الشرط ان يكون المبيع ملحوظا للطرفين بخصوصيته وفي الاجارة المنفعة ملحوظة لهما كذلك، سواءكان الاخر ملحوظا كذلك ام لا، وعلى هذا يصدق العنوانان معا على المقام، كمايصدق البيع بلحاظ كلا العوضين في المقايضة، على ما فصلنا ذلك في مباحث البيع فتشمله ادلة كلا العنوانين وتلحقه احكام البيع والاجارة معا كل بحسب الطرف المحقق له في المعاملة.

« عقد الاستصناع »

ومن التطبيقات التي وقع البحث فيها ما يسمى بعقد الاستصناع: والاستصناع هو اتفاق مع ارباب الصنائع على عمل شيء معين للمستصنع كالثوب والسرير والباب ونحوها، ويكون العين والعمل كلاهما على الصانع، فاذا كانت العين من المستصنع كان اجارة، وان كان مايريده المستصنع جاهزا بالفعل ياخذه منه كان بيعا وشراء.

وهذا يعني ان الاستصناع يشبه بلحاظ المادة البيع والشراء، وبلحاظ العمل المطلوب من الصانع الاجارة. ومن هنا يقع البحث عن صحته وكيفية تخريجه.

وقد اختلفت كلمات فقهاء العامة فيه، بعد اتفاق اكثر المذاهب الاربعة على صحته،وقد جعله اكثرهم من باب بيع السلم.

والاصح عند الحنفية كونه بيعا للمعدوم صح على خلاف القاعدة ، من باب تعارف الناس عليه او من باب الاستحسان.

ومن خرجه منهم على اساس عقد السلم اشترط فيه ما يشترط في السلم من تسليم تمام الثمن في مجلس العقد ومن لزوم العقد وغير ذلك . ومن جعله بيعا للمعدوم لم يشترط فيه تلك الشروط، وكانت صفة العقد عنده عدم اللزوم، فاذا صنع الصانع الشيء كان للمستصنع الخيار ان شاء اخذه وان شاء تركه وفسخ العقد، لانه اشترى شيئا لم يره فكان له خيار الرؤية((9)).

كلمات الاصحاب: وظاهر كلمات الشيخ(قدس سره) في الخلاف كتاب السلم الحكم بالبطلان عند فقهائنا حيث قال: «استصناع الخفاف والنعال والاواني من الخشب والصفروالرصاص والحديد لايجوز، وبه قال الشافعي. وقال ابو حنيفة: يجوز× لان الناس قد اتفقوا على ذلك. دليلنا على بطلانه: انا اجمعنا على انه لا يجب تسليمها وانه بالخيار بين التسليم ورد الثمن، والمشتري لايلزمه قبضه، فلو كان العقد صحيحا لماجاز ذلك، ولان ذلك مجهول غير معلوم بالمعاينة ولا موصوف بالصفة في الذمة،فيجب المنع منه »((10)).

وقال في المبسوط كتاب السلم : «استصناع الخف والنعل والاواني من خشب اوصفر او حديد او رصاص لا يجوز، فان فعل لم يصح العقد، وكان بالخيار ان شاءسلمه وان شاء منعه ، فان سلمه كان المستصنع بالخيار ان شاء رده وان شاقبله »((11)).

واما سائر فقهائنا بعد الشيخ(قدس سره) فلم اجد من تعرض للمسالة بعنوان الاستصناع، وان كان قد يستفاد البطلان من بعض كلماتهم في ابحاث عقد السلف وشروطه، وما يصح فيه وما لا يصح.

ولا شك في ان ما يقع بين المستصنع والصانع لو كان مجرد وعد بالشراء على تقديرالصنع كما يتفق فليس هذا عقدا ولا امرا واجب الوفاء، الا ان هذا المطلب ليس هو المطابق مع المرتكز العرفي والعقلائي، لا اقل فى بعض موارد الاستصناع التي يرى فيها الالتزام والتعاقد والمسؤولية بينهما بان يصنع الصانع له وياخذه المستصنع ويضمنه ، وهذا واضح في اكثر موارده، خصوصا مع ما اتسع اليوم من نطاق مثل هذه المعاملة، وما فيها من الخسارة والخطورة على الصانع لو لم يلتزم المستصنع باخذ المصنوع لكثرته اءو لكونه على ذوق وسليقة خاصة قد لا يقبلها الاخرون،فيتضرر الصانع لو لم يكن المستصنع ملزما باخذه. فيقع البحث فى انه هل يمكن تخريج الاستصناع على اساس عقد من العقود الملزمة ولو في الجملة ام لا يمكن ذلك، كما هو ظاهر كلمات الشيخ(قدس سره)؟ تخريجات الاستصناع: وبهذا الصدد يمكن ان نصور تخريجات عديدة لصحة الاستصناع:

1
- ان يكون الاستصناع عقدا مستقلا براسه ملزما للطرفين على حد سائر العقوداللازمة.

2- ان يكون الاستصناع من اقسام عقد البيع.

3- ان يكون الاستصناع من اقسام عقد الاجارة وشبهه كالجعالة.

4- ان يكون الاستصناع مركبا من اكثر من عقد.

5- ان لا يكون الاستصناع عقدا، بل امر بالصنع على وجه الضمان .

التخريج الاول: اما التخريج الاول الذي مال اليه بعض الكتاب المحدثين، وهو ان يكون الاستصناع عقدا مستقلا فيمكن تقريره باحد نحوين: النحو الاول: ان يقال بان الاستصناع عقد مستقل ينشا فيه مفهومه المميز عن البيع والايجار، وبموجبه يكون الصانع مسؤولا عن ايجاد الصنعة وتسليمها للمستصنع.كما ان المستصنع مسؤول عن تسليم الثمن الذي اتفق عليه بينهما في قبال مايصنعه له الصانع.

ويمكن الملاحظة على هذا البيان: بان الاستصناع ليس الا بمعنى طلب الصنع، وهو مفهوم تكويني لا انشائي اعتباري كالبيع اءو الايجار اءو غيرهما من عناوين المعاملات ، فلا معنى لان يكون الاستصناع بمفهومه ومعناه اللغوي هو المنشا المعاملي في هذا العقد المستقل، بل لابد وان يرجع الى انشاء مفهوم آخر اعتباري، وهو اما تمليك العين المصنوعة فيكون بيعا، اءو العمل فيكون اجارة اءو شبهها، فيرجع الى احد الاحتمالات الاخرى.

النحو الثاني: ان يكون المنشا المعاملي بينهما هو الاتفاق على ان يهيئ الصانع مايريده المستصنع ويعرضه عليه ليشتريه منه في الموعد المقرر وبالقيمة المتفق عليهامسبقا اءو فيما بعد، فيكون عقد البيع فيما بعد، اي بعد اعداد المصنوع.

واما عقد الاستصناع الواقع فعلا فهو اتفاق بين الصانع والمستصنع على التزام كل منهما بعمل في قبال الاخر يكون فيه غرض ونفع له ، فالصانع يلتزم باعداد الصنعة وعرضها على المستصنع في الوقت المتفق عليه ليشتريه منه، والمستصنع يلتزم بشرائها منه بعد اعدادها وعرضها بالقيمة المتفق عليها بينهما مسبقا اءو عندالشراء.

وهذا يكفي في صدق العقد، ولا يشترط ان يكون بيعا اءو تمليكا× اذ ليس العقد الا الالتزام والتعهد المربوط بالتزام آخر، اءو المتفق عليه بين اثنين. فيقال بلزوم الوفاءبه تمسكا بعموم (اوفوا بالعقود)((12)) ونحوه من ادلة الصحة والنفوذ، واثره وجوب الصنع على الصانع ووجوب الشراء على المستصنع عند اتمام الصنع وجوباتكليفيا.

ويمكن ان يلاحظ على هذا الوجه: بان العقد ليس مطلق الالتزام الجازم بفعل للاخر مطلقا اءو مع التزام في مقابله، والا كان كل تعهد جازم بفعل للاخر عقدا واجب الوفاء به ،كما اذا التزم ان يخرج في اليوم الفلاني في قبال ان يخرج الاخر ايضا في نفس اليوم اءو يوم آخر ، اءو التزم بان يسافر الى زيارة صديقه اءو غير ذلك مما لا اشكال فقهيا في كونه من الوعد غيرالواجب.

ودعوى: خروج ذلك بالاجماع والسيرة والا كان مشمولا لعموم (اوفوا بالعقود)كما ترى.ولو فرض فلماذا لا يقال به في المقام ايضا؟! والذي يخطر بالبال فعلا وقد ياتي مزيد بحث عنه ايضا ان العقد ليس مجردالالتزام الجازم بفعل ، والا كان كل وعد جازم بفعل عقدا. وليس الفرق بين العقدوالوعد اءو الشرط الابتدائي بكون الاول جزميا والثاني مرددا ومشكوكا. كما انه ليس الفرق بان الاول مشتمل على التزامين والثاني التزام من طرف واحد، كيف!وفي العقود ما يكون الالتزام فيه بمعنى من عليه الشيء من طرف واحدكالهبة.

وانما العقد هو الالتزام والتوافق بين طرفين على ايجاد حق لاحدهما او لكليهماكالملكية والزوجية والولاية وغيرها من الحقوق الاعتبارية القانونية. فليس مجردالالتزام باداء فعل ولو كان بين اثنين وبنحو التوافق عليه من دون ان تحصل علقة وضعية اعتبارية في البين عقدا. وعلى هذا الاساس نقول في المقام بان مجرد التزام الصانع بان يصنع المتاع في قبال التزام المستصنع بان يشتريه منه بعد صنعه لا يكون عقدا ما لم يرجع الى انشاء حق في البين من تمليك العين او العمل او المنفعة او حق وضعي آخر.

فالاستصناع ان كان انشاء لحق متعلق بالعين المصنوعة فهذا لابد وان يرجع بحسب الروح الى بيع السلم، وان كان انشاء لحق متعلق بعمل الصانع ومنفعته فهذا مضافاالى انه لا يفي بغرض المستصنع حيث انه يريد العين المصنوعة ايضا لا مجرد عمل صنع الصانع مرجعه الى الاجارة او نحوها في فقهنا، وان لم يكن في البين انشاءحق اصلا بل مجرد وجوب الصنع على الصانع تكليفا ووجوب الشراء على المستصنع كذلك فهذا ليس عقدا.

نعم يمكن ان يقال: بان الحق المنشا بالاستصناع ليس من سنخ حق الملكية للعين او العمل ليرجع روحا ولبا الى البيع او الاجارة بحسب فقهنا، بل هو من سنخ العهدة،فالصانع يتعهد للمستصنع بان يصنع او يهيئ له العين بالنحو المتفق عليه بينهما وفي الوقت المقرر، في قبال ان يتعهد المستصنع بشرائه منه في ذلك الوقت بقيمته السوقية مثلا، فيكون نظير عقد الضمان بناء على انه من ضم العهدة الى العهدة لاالذمة الى الذمة، ونظير عقد الكفالة بناء على انه تعهد باحضار المكفول في الوقت المقرر.

فالحاصل ليست العلقة الوضعية والحق المنشا بالعقود منحصرا في الملكية، بل يمكن ان يكون بنحو العهدة. وان شئت عبرت عنه بالحق الشخصي كما في الفقه الوضعي واثره انه يمكن الزامه به قانونيا، بل قد يكون من آثاره تحمل الطرف المتعهد وضمانه للخسارة او الضرر الحاصل للطرف الاخر اذا تخلف عن تعهده ولم يف به، فكذلك يقال في المقام.

وهذا البيان قد يكون صحيحا عرفا وعقلائيا في مورد لا يكون فيه غرض للمتعاملين بالعين المصنوعة فعلا، بل الغرض في توفر شيء في المستقبل قد يتعلق غرض به في حينه كما اذا فرض ان اعداد الشيء المطلوب في وقته صعب اذا لم يوفر من الان فعند الاحتياج اليه لا يكون في متناول اليد، ففي مثل هذه الموارد من وجود غرض آخر مستقل عن تملك الشيء المطلوب بالفعل قد يصح انشاء حق بالمعنى المذكور.

واما اذا كان الغرض في تملك نفس المصنوع من الان غاية الامر لعدم وجوده وتوقف ايجاده على صنعه يامر بصنعه، ولهذا يعينان ثمنه من الان ويتفقان عليه ايضا، فمثل هذا لا يمكن تخريجه على هذا الاساس.

وبعبارة اخرى: لا يوجد في باب الاستصناع غرض في تعهد آخر وراء تملك المستصنع للمصنوع الذي يريده بالثمن الذي يتفقان عليه من اول الامر، فهذاالتخريج حتى اذا كان عقدا صحيحا ثبوتا في بعض الموارد لا ربط له بما هوالمقصود في عقد الاستصناع× فان الاستصناع ليس الغرض منه توفير ما قد لا يتوفرفي وقته ولا هذا من لوازمه، بل الغرض منه ان يتملك المستصنع ما ليس موجودابالفعل خارجا ولكنه يمكن للصانع ان يصنعه له.

كما ان تلك الخصوصية والعناية المفترضة في هذا الوجه لا تختص بالمصنوعات بل قد تكون في الاعيان او الاموال التجارية فيتفق التاجر مع آخر على ان يهيئ له في الشتاء مثلا ما يحتاج اليه على ان يشتريه منه بقيمته في وقته، فصحة هذا التوافق وكونه عقدا على تقدير قبوله لا ربط له بعقد الاستصناع.

دعوى ومناقشة: ثم انه قد يقال: بان المستفاد من بعض الروايات الواردة في النهي عن بيع ما ليس عندك ان اية معاقدة ومقاولة على شراء متاع يحصله البائع في المستقبل اي غيرمهيا عنده فعلا لا تصح شرعا، الا اذا كان كل من الطرفين بعد حصول ذلك المتاع بالخيار ان شاء باعه واشتراه الاخر وان لم يشا لم يتعاقدا عليه، فوجوب الشراءعلى المستصنع للمتاع بعد صنعه بنفس المقاولة الاولى خلاف مفاد تلك الاخبار،ومحكوم بالفساد والبطلان.

ففي صحيح معاوية بن عمار قال: «قلت لابي عبد اللّه(ع): يجيئني الرجل يطلب(مني) بيع الحرير وليس عندي منه شيء، فيقاولني عليه واقاوله في الربح والاجل حتى نجتمع على شيء ثم اذهب فاشتري له الحرير فادعوه اليه؟ فقال: ارايت ان وجد بيعا هو احب اليه مما عندك ايستطيع ان ينصرف اليه ويدعك او وجدت انت ذلك اتستطيع ان تنصرف اليه وتدعه؟ قلت: نعم . قال: فلا باس »((13)).

وهناك غيرها من الروايات بنفس المضمون او ما يشبهه.

وظاهرها ان المعيار والميزان في الصحة هو ذلك، بحيث لو كان ملزما كان باطلاوفيه باس. ولا فرق في ذلك بين ان يكون الاتفاق على بيع وشراء شيء غير موجودعنده بان يحصله مصنوعا من السوق او يحصل مادته من السوق ويصنعه ثم يكون الاخر ملزما باخذه.

مناقشة هذه الدعوى: الا ان الانصاف بطلان هذا الكلام× وذلك: اولا: بالنقض، بما اذا كان قد اشترط في ضمن عقد لازم ان يشتري منه ما سيصنعه فلان او يشتريه من السوق فيما بعد، فانه لا اشكال في وجوب الشراء عليه اذاصنعه، وصحة شرائه× حيث لا يتوهم فقهيا بطلانه او بطلان الشرط او النذر بذلك لمجرد انه الزام بشراء في المستقبل.

وثانيا: بالحل، بان الروايات المذكورة ناظرة الى حالات الاسترباح لمن له المال والنقود ممن يريد المتاع ولكنه لا يوجد لديه الثمن ليشتريه فيستعين بالاول ليشتريه له على ان يوفيه الثمن فيما بعد ويجعل له الربح في ذلك.

ومن هنا كانت هذه الرواية من روايات بيع العينة. وهذه الخصوصية غير موجودة في المقام ولا في مورد النقض المتقدم بيانه، فليس مفاد هذه الرواية ولا غيرها من روايات بيع العينة ان الالزام بالمعاملة المستقبلية وكونها واجبة ولازمة بسبب من الاسباب موجب لبطلانها بوجه اصلا. وهذا واضح يطلب تفصيله من محله.

هذا تمام الكلام في التخريج الاول.

التخريج الثاني: اما التخريج الثاني: فهو ان يكون الاستصناع بيعا، وهذا له حالتان: الحالة الاولى: ان يكون بيعا لشيء حالي، وذلك فيما اذا كان هناك شيء موجود بالفعل، اما قسم من المصنوع كمقدار من السجاد قبل اكماله او مادة له كالحديد والخشب فيشتريه المستصنع ويشترط على الصانع ان يجعله سريرا مثلا او ان يكمل صنع السجاد.وهذا من البيع الشخصي، والذي لا يشترط فيه شرائط السلم كاقباض الثمن في مجلس العقد.

ولكن هذا خلاف الارتكاز العرفي في موارد الاستصناع× فانه مضافا الى انه يوجب اختصاصه بمورد وجود جزء من المصنوع وتحققه خارجا مع ان الاستصناع اعم من ذلك، لازمه انه لو لم يصنع الباقي ويكمله كان المستصنع مالكا للناقص، غايته ان له خيار الفسخ. مع انه ليس كذلك، بل الباقي كالمصنوع قيد للمبيع، وليس غرض المستصنع الا في المصنوع النهائي بلا حاجة الى فسخ.

كما ان لازمه ان تلفه بلا تعد او تفريط يكون من مال المستصنع قبل اتمام الصنع لاالصانع× لانه كالاجير تكون العين في يده امانة. وهذا ايضا خلاف المرتكز من ان الصانع ما لم يصنع ما يريده المستصنع له لا يكون له حق عليه.

الحالة الثانية: ان يكون بيعا كليا في الذمة، فيشتري المستصنع من الصانع متاعا كليا بمواصفات معينة ولتكن احداها انه من صنعه لا صنع غيره.وهذا هو الغالب في مواردالاستصناع× اذ قد لايكون هناك عين بالفعل لدى الصانع.

وهذا هو التخريج الذي ذكره بعض العامة، وعلى اساسه يكون من السلم، واشترطوافيه ما يشترط في ا لسلم كقبض الثمن في مجلس العقد.

وهذا بنفسه يوجب محدودية عقد الاستصناع خارجا، حيث لا يسلم فيه شيء من الثمن او اكثره عادة ، فلو كان من السلم كان اللازم فساده.

محاولة للتصحيح: وقد يحاول دفع ذلك بانه لا دليل على اشتراط تسليم الثمن في مجلس بيع السلم×وذلك: ا لو كان مدركه عدم صدق عنوان السلم عليه من دون اقباض الثمن فان السلم والسلف مقابل للنسيئة لغة وعرفا فلا تشمله روايات السلم فهذا لا يوجب بطلان بيع الكلي فى الذمة نسيئة او بلا اقباض الثمن× اذ غايته عدم صدق بيع السلم عليه وعدم شمول تلك الروايات له لا عدم صحته، فحينئذ تكفي لاثبات الصحة عمومات (احل اللّه البيع)((14)) و (وتجارة عن تراض)((15)) ونحو ذلك.

هذا مضافا الى منع تقوم التسليف بذلك لغة او عرفا، وانما صدقه بلحاظ التسليف فى المبيع، كما ان روايات السلف لا تدل على ذلك. نعم قد يظهر من بعضها ان ثمن السلف لم يكن دينا في ذمة المشتري، بل كان مدفوعا للبائع الا انه اعم من الاقباض في المجلس.

ب- وان كان مدركه ما ذكره في التذكرة((16)) من شمول النهي عن بيع الدين بالدين((17)) اذا اجل الثمن ولم يقبض في المجلس، ففيه: اولا: الدين غير عدم الاقباض وبينهما عموم من وجه، اذ قد يكون الثمن مالاخارجيا من دون اقباض في المجلس بل يقبضه بعد ذلك، وقد يكون الثمن ديناويقبضه في المجلس، فكيف يصح الاستدلال على شرطية اقباض الثمن في صحة السلف بالنهي عن بيع الدين بالدين.

وثانيا: قد يكون ظاهر بيع الدين بالدين ما اذا كان المبيع والثمن او المبيع على الاقل دينا بقطع النظر عن ذلك البيع، فلا يشمل ما يصبح دينا بنفس البيع كما في المقام، ولا اقل من الاجمال كما يظهر من كلمات الفقهاء وفتاواهم في مسالة بيع الدين بالدين، على ان في روايات السلم ما قد يستظهر منه صحة السلف بالدين،فراجع((18)) وتامل.

ج- وان كان مدركه نهي النبي(ص) عن بيع الكالي بالكالي((19))، فهذا لم يثبت بطرقنا، بل في طرق العامة، على ان المراد بالكالي لعله الدين لا مطلق المبيع المتاخر بالثمن المتاخر عن مجلس العقد. والكالي من الكلاءة بمعنى الحفظ والمراقبة، والكالي كما ذكره في المسالك «اسم فاعل، فكان كل واحد من المتبايعين يكلا صاحبه اي يراقبه لاجل ماله الذي في ذمته، وفيه حينئذ اضمار اي بيع مال الكالي بمال الكالي، او اسم مفعول كالدافق فلا اضمار»((20)) فيرجع هذاالحديث الى ما هو منقول عندنا من النهي عن بيع الدين بالدين.

د وان كان مدركه الاجماع الذي ذكره اكثر الفقهاء، فيحتمل فيه المدركية واستنادالمجمعين الى بعض الوجوه المتقدمة، فلا يمكن ان يكشف عن قول المعصوم(ع).

وعليه، فلا يشترط في صحة بيع المبيع الكلي في الذمة اي السلم ان يكون ثمنه مقبوضا في مجلس العقد، وعليه فيصح شراء المصنوع في مورد الاستصناع بنحوالسلف ولو لم يسلم فيه ثمنه الا بعد تسليمه بعنوان كونه بيعا ولو لم يسم سلفا.

مناقشة هذه المحاولة: والانصاف: ان هذه المحاولة غير تامة× لان الاجماع المذكور بدرجة من الوضوح عند فقهاء الامامية والعامة بحيث لا يحتمل استناد كل المجمعين فيه الى مثل تلك الوجوه التي لم ترد الا في بعض اشارات العلا مة وتعبيراته.

بل يمكن دعوى قيام سيرة المتشرعة بل سيرة المسلمين عملا على ذلك، وان ارتكازهم العملي كان على ان من يشتري شيئا سلفا في ذمة الغير لا يصح منه ذلك مالم يقبضه ثمنه في المجلس.

بل لعل سيرة العقلاء ايضا لا تساعد على تحقق البيع والمعاوضة اذا كان كلاالعوضين فى الذمة او مؤجلين، فكانه مواعد على البيع فيما بعد عند تحقق احدالعوضين وقبضه، واما البيع عند العرف فعلا فلابد فيه من فعلية وجود احد العوضين من الثمن او المثمن.

نعم، قد يصح ان يقال: ان القدر المتيقن من مثل هذا الدليل اللبي شرطية فعلية احدالعوضين في تحقق المعاوضة وعدم كونهما معا مؤجلين، وهو اعم من شرطية الاقباض في المجلس. وتمام الكلام في ذلك موكول الى محله.

وهكذا يظهر: ان تخريج الاستصناع على اساس السلم يوجب تحديد عقدالاستصناع بخصوص ما اذا كان الثمن مقبوضا في المجلس او نحوه.

نعم، يمكن تخريجه لا على اساس السلم وبيع الكلي، بل بيع الشخصي حتى في الحالة الثانية على اساس بيع المعدوم كما نقل عن اكثر الاحناف من العامة بان لايكون المبيع كليا في ذمة الصانع، بل المبيع شخصي، اي يشتري المصنوع الذي سيصنعه الصانع خارجا والذي هو متعين خارجا اذا كان واحدا، او بنحو الكلي في المعين الذي هو خارجي ايضا اذا كان ما يصنعه اكثر مما يريده المستصنع، وباعتبارتعارفه والاطمئنان بتحققه من جهة التزام الصانع بالصنع لا يكون باطلا، فان وجه البطلان ليس عقليا، بل هو لزوم الغرر ونحو ذلك مما يرتفع بالتعارف المذكوروالاطمئنان بالصنع.

وبهذا يخرج عن السلف× اذا قيل باختصاصه بما اذا كان المبيع كليا في الذمة. كما انه لاتشمله روايات بطلان بيع المعدوم كالعبد الابق ونحوه× لانصرافها الى موارد عدم التعارف الخارجي وعدم الاطمئنان بتحققه في ظرفه بنحو يرتفع الغرر والخطر.

الا ان هذا التخريج لو تم لم يكن وجه لالزام الصانع بالصنع، اذ ليس على ذمته شيءلكي يجب عليه الوفاء به، وانما ملكه ما سيتحقق من العين المصنوعة في الخارج فيكون وجوده شرطا وموضوعا لوجوب الوفاء فلا يترشح عليه الوجوب ولا يمكن الزام الصانع به حتى من خلال الشرط ضمن هذا العقد لانه بانتفاء الموضوع لا عقدلكي يكون الشرط فيه فعليا. نعم يمكن ان يتركب هذا العقد مع عقد اخر يلزمه بالصنع وهذا رجوع الى تخريج اخر لعقد الاستصناع سياتي.

كما ان لازم اصل تخريج الاستصناع على اساس البيع انه لو ظهر بطلان البيع بعد ان صنع الصانع ما عليه لا يكون المستصنع مسؤولا عن خسارته اذا كسدت السلعة المصنوعة في يده نتيجة كونها قد صنعت حسب رغبة المستصنع وذوقه، مع انه في العرف الخارجي يعتبر المستصنع مسؤولا عن ذلك.

وهذا يناسب مع وجود اجارة وشبهها في البين وان عمل الصانع كانه مضمون على المستصنع حيث كان بامره،وهذ ماسنبحثه في التخريج القادم.

التخريج الثالث: اما التخريج الثالث فهو ان يكون الاستصناع ايجارا للصانع من قبل المستصنع، اوشبه الايجار كالجعالة في قبال ما يتفق عليه بينهما، ويكون المصنوع عندئذللمستصنع تبعا لتملكه عمل الصانع وصنعه بالاجارة.

وامتياز هذا التخريج انه يخرج لنا وجه ضمان المستصنع لعمل الصانع اذا ظهربطلان العقد، وان المصنوع يكون للمستصنع، ويضمن للصانع اجرة مثل عمله التي قد تساوي قيمة ذلك المصنوع بخصوصياته. ولعله لهذا جعله بعضهم من عقودالاجارات((21)).

وقد يقال: ان لازم ذلك ان يكون تلف المصنوع قبل تسليمه من مال المستصنع لاالصانع، وهو خلاف الارتكاز في باب الاستصناع.

والجواب: انه يمكن اعتبار تسليم مثل هذا العمل بتسليم المصنوع لا مجرد الصنع،فمع عدم تسليمه تنفسخ الاجارة.

الا ان الاشكال عندئذ في وجه تملك المصنوع الذي هو عين خارجية، مع ان الاجارة تمليك للمنافع لا الاعيان، فانها بحاجة الى البيع بشروطه.

ويمكن ان يذكر لتقريب تملك المستصنع الذي هو المستاجر للعين المصنوعة بالاجارة عدة وجوه: الوجه الاول: ان يقال بان العين المصنوعة تعتبر بمثابة نتيجة العمل وثمرته ونمائه، فتكون ملكالمالك العمل بقانون التبعية وان من ملك الاصل ملك النماء، نظير ما يقال في الاجيرعلى الحيازة من ان ما يحوزه يكون ملكا للمستاجر، او في ثمار الشجرة المستاجرة والتي تكون للمستاجر تبعا لملك منفعتها.

ويلاحظ على هذا الوجه: بان التبعية لا دليل لفظ ي فيه ليتمسك باطلاقه، وانما يثبت بالسيرة العقلائية والارتكاز العرفي الممضى شرعا في مثل الثمر والشجر ونحو ذلك مما يكون احدالمالين متولدا من الاخر ذاتا وامتدادا له. وفي المقام ليست المادة المصنوعة متولدة من العمل جزما، واما الهيئة المصنوعة فهي حيثية تعليلية في العين والمادة عرفاوشرعا، ولهذا لا تكون مالا مستقلا في قبال المادة.

وعدم التبعية في المقام لعله اولى منه في مورد الحيازة، وان كان الصحيح فيها ايضاعدم التبعية على ما حققناه في محله، ووجه الاولوية ان المادة المصنوعة هنا كانت مالا مملوكا للصانع في المرتبة السابقة، فيحتاج انتقالها في الملكية من الصانع الى المستصنع الى سبب ناقل من بيع ونحوه، وهذا بخلاف المال المحاز الذي لا يكون مملوكا الا بعمل الحيازة نفسه.

واما تملك الثمرة لمن يستاجر الشجرة فهو على اساس عناية اخرى عرفية غيرالتبعية، وهي ان الثمرة تعتبر بالنسبة للشجرة منفعة لها ايضا، فيكون ايجارها بمعنى تمليك منفعتها والتي منها ثمرتها. ومن هنا اشترط بعضهم ان يكون ذلك قبل حصول الثمرة.

واما في المقام فليست العين المصنوعة منفعة لا لعين اخرى ولا لعمل الصانع. نعم الهيئة المصنوعة قد تلحظ منفعة لعمل العامل الا انها ليست مالا مستقلا في العين،بل هي حيثية تعليلية لازدياد مالية العين المصنوعة كما ذكرنا، فيحتاج انتقال ملكية المصنوع من الصانع الى المستصنع الى سبب ناقل غير اجارة العمل.

الوجه الثاني: ان يكون تملك المادة المصنوعة بالتبع، من جهة الشرط الضمني او كونها من مقدمات عمل الاجير والصانع، نظير ما يقال من تملك المستاجر ضمنا الخيوط التي يستخدمها الخياط في عمله او الصبغ الذي يستخدمه الصباغ مقدمة لعمل الصباغة ونحو ذلك، حيث انها تكون على الاجير ما لم يشترط خلافه.

وفيه: ان هذا قد يصح في مثل الخيوط والصبغ ونحوه مما يستهلك ويتلف مقدمة للعمل الواقع على مال الغير بحيث لا يكون له بقاء معتد به مستقلا عما هو مال المستاجر عنده، والا كان بحاجة الى سبب اخر غير الاجارة كالتوكيل في الشراء له مثلا. فيكون هناك عقدان، بيع واجارة، ومثاله ما يحتاجه الخياط من قماش اخر(البطانة) فيشتريه الخياط للمالك وكالة.

هذا، مضافا الى ان هذا انما يصح فيما اذا فرض وجود عين اخرى زائدا على العمل الذي يصبه الاجير على مال المستاجر كالخيوط في الثوب واما في المقام فالعين المصنوعة بتمامها للصانع، وليس شيء منها للمستصنع، فلا تتم فيه تلك العناية بل اما تتم فيه التبعية بالوجه الاول او لا تبعية اصلا كما هو الصحيح.

الوجه الثالث: تخريج الاستصناع على اساس الاجارة او الجعالة في قبال تمليك المصنوع للمستصنع فيستحق بصنعه للسرير مثلا وتمليكه للمستصنع الاجرة المسماة المتفق عليه بينهما ويكون الصانع اجيرا على مجموع ذلك وملتزما بالوفاء به ومستحقاللاجرة في قباله.

وفيه: مضافا الى ان هذا يستلزم وجود عقد وتمليك اخر زائدا على الايجار الاول فيكون الاستصناع مركبا من عقدين لا ايجارا محضا. لا تصح الاجارة على التمليك ونحوه، فان عمل التمليك لا مالية له مستقلا عن العين المملكة والا امكن ارجاع كل بيع الى اجارة على التمليك وهو واضح البطلان.

التخريج الرابع: واما التخريج الرابع فهو ان يكون الاستصناع مركبا من اكثر من عقد واحد. وتصويره المتعارف بان يكون مشتملا على توكيل الصانع بشراء مادة الصنع له، فيشتمل على وكالة اولا ثم شراء للمادة بالوكالة للمستصنع ثانيا، ثم هو اجير على صنعها بالنحوالذي يريده المستصنع بالاجرة المتفق عليها بينهما.

الا ان هذا التخريج وان كان معقولا في بعض الموارد، كمورد الخياطة ونحوها ممايحتاج العمل في مال المستاجر الى بعض التوابع الاخرى، ولكنه ليس تخريجاللاستصناع كعقد مستقل ولا ما يريده القائل بالصحة في موارد الاستصناع× حيث لايريد مجموعة عقدين او اكثر لكل منها حكمه× فان هذا لابحث فيه، كما ان من لوازم ذلك ان تكون المادة المشتراة قبل الصنع ملكا للمستصنع لا الصانع وعليه تلفها وخسارتها، وان المستصنع لو رجع عن قصده قبل بدء الصانع بالصنع لزمه ان ياخذ المادة ويدفع ثمنها لانها اشتريت له، وان لا يحق للصانع التصرف فيها بدون اذنه واعطاؤها للغير وصنع فرد اخر للمستصنع، وغير ذلك من الامور التي لا تناسب عقد الاستصناع المتعارف خارجا.

كما ان تصوير التركيب بارجاع الاستصناع الى الايجار على صنع الشيء وتمليكه للمستصنع مجانا او بعوض مضافا الى ما تقدم من عدم صحة الايجار على التمليك عقلائيا خلاف المرتكز العرفي خصوصا اذا احتيج الى بيع وايجاب وقبول اخربينهما بعد الصنع.

التخريج الخامس: اما التخريج الخامس فهو ان يكون الاستصناع امرا بالصنع على وجه الضمان للمصنوع، نظير الامر بالعمل على وجه الضمان، او الامر باتلاف المال كذلك،فيكون الصانع مامورا بان يصنع له على وجه الضمان بما يتفقان عليه، فاذا صنعه للمستصنع كان ضامنا لتلك القيمة في قبال تملك المصنوع.

الا ان هذا التخريج يتوقف صحته على ان يدعى توسعة في باب الضمان بالامر.وتوضيح ذلك: انه لا اشكال في ضمان الامر للعمل، كما اذا امره بان يخيط ثوبه،وكذلك لا اشكال في الضمان بالامر بالاتلاف، كما اذا قال له: الق مالك في البحروعلي ضمانه، او اعطه الحيوان لياكله وعلي ضمانه.

كما لا اشكال عقلائيا في تعين ضمان المسمى اذا اتفقا عليه، ولعل من هذا الباب الجعالة ايضا.

الا ان هذه الموارد كلها من باب الاتلاف للعمل بصبه على مال الغير او المال باعطائه لمن ياكله او القائه في البحر، فيكون الامر بالاتلاف على وجه الضمان موجبا للضمان، اما ضمان الغرامة المثل او القيمة السوقية او المسمى الذي يتفقان عليه.

وفي المقام لا يوجد اتلاف للمال المصنوع، وانما نقل للمال وتمليك للعين المصنوعة، وعندئذ قد يقال: بان ضمان الامر توسعة لقاعدة ضمان الاتلاف، فلاتشمل الا موارد الاتلاف لمال الغير بالامر، واما التمليك والتملك فبحاجة الى سبب ناقل من بيع او ايجار، فلا يتم هذا التخريج في المقام.

ويمكن ان يقال: بان القاعدة المذكورة اوسع من ذلك عند العقلاء، فتشمل مواردالاتلاف على المالك ولو لم يكن اتلافا للمال. وهذه التوسعة لها تطبيقان: احدهما: ما اذا كان اتلافا للملكية وسيطرة المالك على المال، اما حقيقة وشرعا كمااذا قال له اوقف مالك للفقراء او تصدق به او اعتق عبدك وعلي ضمانه، او عرفا كمااذا امره بان يري ماله للسلطان فاخذه منه غصبا، فانه يضمن الامر قيمة ماله جزما×لانه اتلفه عليه عرفا اي اتلف ملكيته له.

الثاني: ما اذا لم يكن اتلافا حتى للملكية وسيطرة المالك على ماله، ولكنه كان اتلافا للهيئة التي كان عليها المال وكانت متعلقة لغرض المالك فكان يريده بها، كمااذا قال لبائع اللحم: اشو هذا اللحم لي فشواه له، فانه خرج بذلك عن كونه لحما،فيكون ضامنا لقيمة اللحم او ما اتفقا عليه من المسمى، ويكون المشوي له ولو بعددفع بدله، وليس للامر ان يتركه ويذهب.

وهذا قد نقوله في مورد الغصب ايضا، فمن اخذ مال الغير غصبا وغيره ولم تنزل قيمته السوقية بذلك ولكنه كان بنحو لا يريده مالكه كان من حق المالك المطالبة بقيمة اصل ماله او بمثله في قبال ما غيره عليه. بل قال الفقهاء في مثل حمل متاع الغير ونقله الى مكان اخر : ان الغاصب ضامن لنقله الى مكانه الاول لو اراده المالك فيه ولو لم تتغير قيمة المتاع في المكانين، فضمان ما يتغير من خصوصيات المال المطلوبة عقلائيا ولو لم تكن مؤثرة في المالية بالتصرف او بالامر مطابق مع الارتكاز العقلائي.

نعم، يبقى هنا لمالك اللحم الحق في ابقاء المشوي لنفسه× لان تملك الامر له انماكان من باب الضمان للوصف المطلوب، لا المبادلة والتمليك الفعلي. وهذا هو الذي يفسر لنا وجه بقاء الاختيار بيد الصانع ما لم يعط العين المصنوعة للمستصنع ان يعطيه لغيره او ياخذه لنفسه ما لم يلزم منه اضرار على المستصنع وانتظاره، والا امكن ان يقال بضمانه له من باب التغرير في نفس الوقت الذي لو كان من اجله واعطاه له كان المستصنع ضامنا لقيمته، فلا يمكنه التخلف بعد الصنع واعداده له،لانه يكون من اتلاف العمل والمادة عما كان غرض المالك عليه بامره على وجه ضمان المادة والعمل معا.

لا يقال: لو سلمنا هذه التوسعة مع ذلك لا يمكن تفسير كل المرتكزات العرفية في باب الاستصناع، فان لازم ما ذكر انه لو صنعه الصانع على وجه الضمان اصبح المصنوع ملكا للمستصنع واصبحت ذمته مشغولة بقيمته للصانع، فلو تلف قبل ايصاله الى المستصنع بلا تعد وتفريط كان من مال المستصنع، مع ان المرتكز العرفي انه من مال الصانع، بخلاف ما اذا كان من باب المعاملة كالبيع او الاجارة حيث يكون عدم التسليم موجبا للانفساخ.

فانه يقال: يمكن تفسير عدم ضمان المستصنع في المقام على اساس ان الامر كان مقيدا من اول الامر بصنعه وتسليمه له، فاذا لم يسلمه له ولو لتلفه عنده لم يكن وجه للضمان.

والانصاف: ان التخريج المذكور مما لا يمكن المساعدة عليه× لان ضمان الامر لايكون اكثر من ضمان ما اتلف واهدر بالامر من المال او العمل المصبوب خارجاذاتا او ملكية، ولا يتضمن بوجه من الوجوه ضمان الاعيان الموجودة غير التالفة لاذاتا ولا ملكية وان حصل تغيير في اوصافها المطلوبة ما لم يكن بحيث يعد عرفااتلافا للمال الاول، وفي مثال الامر بطبخ اللحم لا نقبل اكثر من ضمان عمل الشوي بعد فرض تملك المادة وهو اللحم من قبل المشتري اولا ولو بالمعاطاة والمراضاة،فيكون من ضمان العمل بالامر بعد تملك العين والمادة مسبقا بناقل اخر.

وهذا يعني ان المادة المصنوعة تبقى في المقام ملكا للصانع ما لم يتسبب الى تمليكها للمستصنع بعقد ناقل كالبيع ونحوه، ولا يكفي مجرد الامر بصنعها له لتمليكها كما انها ليست تالفة لا ذاتا ولا ملكية على مالكها وهو الصانع لكي يضمن المستصنع قيمتها له.

نعم، يمكن قبول ان الامر بالصنع قد يوجب ضمان قيمة عمل الصانع× لان عمله ولوصب في ماله الا انه كان بامر المستصنع على وجه الضمان لقيمته كما اذا امره ان يخيط ثوب شخص ثالث على وجه الضمان، الا ان هذا وحده لا ينفع المستصنع شيئا ولا يوجب تملكه للمصنوع. وهذا يعني ان الاستصناع لا يمكن تخريجه على اساس ضمان الامر بلا عقد في البين. كما انه لا يرجع الى عقد مستقل جديد، بل اماان يرجع الى بيع السلم بشروطه واحكامه او الى التجميع بين عقدين او اكثر شراءالمادة للمستصنع من قبل الصانع وكالة واستيجاره لصنعه من قبل المستصنع والذي لا بحث في جواز ذلك بلا تداخل او تردد بين البيع والايجار.

ولعل هذا مقصود الشيخ الطوسي(قدس سره) من بطلان الاستصناع، واللّه العالم بحقائق الامور.

« فصل » في اركانها، وهي ثلاثة «1]:

الاول: الايجاب والقبول، ويكفي فيهما كل لفظ دال على المعنى المذكور، والصريح منه آجرتك او اكريتك الدار مثلا فيقول: قبلت، اواستاجرت او استكريت، ويجري فيها المعاطاة كسائرالعقود.

[1]المشهور جعلوا اركان العقد ثلاثة، الانشاء وهو الايجاب والقبول اللذان يحققان نفس العقد والمتعاقدين والعوضين، ثم تكلموا في كل ركن عن شروطه،وهذا هو المنهج الذي سار عليه السيد الماتن (قدس سره) ايضا. وقد ذكرنا في بحث كليات العقود ان المتعاقدين ليسا من اركان العقد وان كان وجودهما شرطاعقلا في تحقق العقد.

والاصح ان تجعل الاركان كالتالي: 1 الانشاء او الارادة الظاهرة.

2 المعقود المعاملي الجدي او الارادة الباطنة.

3 محل العقد.

ويبحث في كل واحد من هذه الاركان عن شروطه العقلية التي تكون دخيلة في تحقق ذلك الركن وبالتالي العقد، والشرعية التي تكون دخيلة في ترتب الاثر عليه شرعا وقانونا فتكون من شروط الصحة لا الانعقاد وتفصيله في محله.

ويجوز ان يكون الايجاب بالقول والقبول بالفعل [1].

[1]البحث عن صحة المعاطاة وجريانها في العقود يبحث مفصلا في كتاب البيع فليراجع هناك.

ولا شك في ركنية اصل الايجاب والقبول، اذ من دونه لا عقد حقيقة فهو من شروط الانعقاد، والمراد بهما انشاء المضمون العقدي الاعتباري، وحقيقة الانشاء وفرقه عن الاخبار يبحث في علم الاصول، فليراجع هناك.

كما انه يصح ان يقع الايجاب من المستاجر فيقول: استاجرت منك الدار بكذا فيقول المؤجر: قبلت، اذ لايراد بالايجاب الا ماينشا من الامر الاعتباري اولا، نعم يكون المنشا هو الاستيجار لا الايجار، اي تملك المنفعة بعوض لاتمليكها فانه فعل المؤجر لا المستاجر، ولعل المصنف(قدس سره) قصد بالايجاب ايجاب التمليك،فلا يكون الا من مالك العين.

ثم انه كما يصح ان يكون الايجاب بالقول والقبول بالفعل يصح العكس ايضا،فلاوجه لتخصيص المصنف(قدس سره) المعاطاة في احد الطرفين بالقبول، الا اذاكان النظر الى ان اعطاء العين اعم من قصد تمليكها او تمليك منفعتها، فلابد في تعيين خصوص المنفعة دون العين من لفظ او قرينة تدل على ذلك، فيكون الغالب وقوع الايجاب بالقول، ولكن لو قال له استاجرت منك الدار بكذا فاعطاه مفتاح الدار كان تمليكها فعليا او قبولا للتملك والاستيجار بالفعل، والامر في كل ذلك واضح.

وايضا كما يصح الايجار بالفعل يصح بالكتابة او الاشارة او السكوت، كما اذا جاءه المؤجر في الشهر الثاني وحدد مقدارا من الاجر فسكت وبقي في الدار، فان ذلك كاشف عن الرضا والموافقة على الايجار.

ولا يصح ان يقول في الايجاب بعتك الدار مثلا وان قصد الاجارة، نعم لوقال بعتك منفعة الدار او سكنى الدار مثلا بكذا لا يبعد صحته اذا قصدالاجارة [1].

[1] فصل الماتن(قدس سره) بين ان يقول بعتك الدار مريدا بذلك اجارته وبين ان يقول بعتك منفعة الدار، فيبطل في الاول ويصح في الثاني. والوجه في هذا التفصيل واضح، حيث انه في الاول لايكون المنشا تمليك منفعة الدار بل تمليك عينها،فالاجارة لم تنشا وما انشا لم يقصد. واما في الثاني فان المنشا به تمليك المنفعة وهوالاجارة، غاية الامر استعمل في مقام انشائه لفظ البيع بعناية، ولا ضير في ذلك بعدوجود قرينة واضحة عليه، وهو اضافة البيع الى المنفعة.

وقد نوقش في الحكم ببطلان الاول من قبل بعض اساتذتنا الاعلام(قدس سره)،بان الانشاء ليس الا ابراز الاعتبار النفساني لا ايجاد المعنى باللفظ كما ذكرالمشهور ، ومن الواضح انه يمكن ان يريد العاقد بقوله بعتك هذه الدار ابراز تمليك منفعتها، بان يكون قد استعمل البيع في التمليك واخذ المنفعة مقدرة، فيكون بذلك مبرزا لاعتباره تمليك منفعة الدار، غاية الامر يكون ابرازه استعمالا ركيكا مثلا اومع عناية فائقة، ومن هنا انكر ماتسالم عليه المشهور من ان انشاء العقد باسم عقدآخر لايقع صحيحا حتى اذا كان قاصدا له((22)).

والتحقيق: انه لا ربط لهذه المساءلة بحقيقة الانشاء، وانه ايجاد للمعنى باللفظ او ابرازالاعتبار النفساني، فانه على كلا المسلكين لابد في باب الانشائيات من الابرازبحيث يكون للابراز موضوعية في ترتب الاثر، وليس الابراز مطلق الكاشف، فلوكان هناك كاشف عقلي او برهاني عن وجود الاعتبار في نفس انسان لم يكن ذلك ابرازا ولا انشاء، وانما الابراز هو الاظهار بالطريقة النوعية العرفية بحيث تكون دلالة المبرز بالكسر دلالة عرفية نوعية سواء كان لفظا اءو فعلا.

ومن هنا لم يشك احد في بطلان الانشاء باستعمال الالفاظ المهملة او التركيبات المغلوطة او بفعل الصفق او القاء الحصى وان فرض حصول العلم بما يريده من الاعتبار النفساني.

وعلى هذا الاساس يقال: ان استعمال اسامي العقود بعضها مقام البعض الاخرلايصح الا اذا كان بنحو بحيث يكون معها قرينة عرفية واضحة يجعل الدلالة والكاشفية نوعية، كما في بعتك سكنى الدار وليس من ذلك بعتك الدار، فان اخذالمنفعة في التقدير مع ان مادة البيع بنفسها كالصريح في ارادة تمليك الرقبة لايكون استعمالا عرفيا، بل اشبه بالغلط، فلا يكون الابراز المطلوب حاصلا بذلك، واماحصول اصل الكاشفية فقد ظهر انه لايكفي في باب الانشاء على كلا المسلكين،والا لصح الانشاء بالاغلاط ايضا اذا كان المقصود معلوما، ولم يلتزم به احد حتى العلم المذكور. نعم لا يبعد وجود قرينة نوعية على ارادة ذلك في باب الاراضي الخراجية او الموقوفة التي يراد ايجارها، فقد استعمل كلمة البيع في الروايات الواردة بشاءن ذلك في ايجارها، وذكر بعضهم انه يجوز انشاء الايجار بقوله اعرتك الدار بكذا فيكون ايجارا((23)).

وهو مشكل، لانه انما يتم اذا كانت العارية تمليكا للمنفعة، واما اذا قلنا ان العارية مجرد تسليط للعين بمعنى ملك الانتفاع من دون تملك المنفعة كالانتفاع بالمدارس والاوقاف، فيكون جعل العوض شرطا في اذنه بالانتفاع لا في قبال المنفعة، بل حتى لو قيل بان العارية تمليك للمنفعة فقد يقال بان مادتها ظاهرة في التمليك المجاني للمنفعة كالهبة في الاعيان، ولذا قد يكون قوله (بكذا) على نحو الاشتراط ضمن التمليك المجاني للمنفعة لابعنوان المقابلة والمعاوضة مع المنفعة، فلا يكون اجارة كالهبة المعوضة التي لاتكون بيعا.

ثم ان السيد الماتن(قدس سره) اقتصر في الركن الاول لعقد الايجار على ذكرشرط واحد فقط، وهو ان يكون الانشاء بدلالة واضحة نوعية سواء باللفظ او الفعل،مع ان هناك شروطا اخرى لانشاء العقد من قبيل لزوم التطابق بين الايجاب والقبول او المولاة او التنجيز، وكاءنه(قدس سره) لم يتعرض لها لوقوع البحث عنها في كتاب البيع من المكاسب فليراجع.

نعم لا باءس بالتعرض هنا الى مساءلتين: الاولى: ان الاجارة تنقسم الى الاجارة المنجزة والاجارة المضافة، والمراد بالاولى الاجارة التي تترتب عليها ملكية المنفعة من حين انشاء عقد الاجارة، والمرادبالثانية الاجارة المعتبرة من وقت معين مستقبلا، كما اذا آجره الدار من بداية الشهرالقادم او السنة القادمة، وليس هذا من التعليق في الاجارة، بل الايجار فعلي ومنجزالا ان المنفعة المملوكة بالعقد مستقبلية، فالزمان قيد للمملوك لا للعقد. فان المنفعة في كل زمان غيرها في الزمان الاخر فتتكثر وتتحصص بتكثر الزمان والحصص الزمانية، فيكون التمليك والتملك فعليا ومن الان الا ان المملوك استقبالي، فلا تعليق في العقد.

وهذا بخلاف العين فانها لاتتكثر بالزمان ومن هنا لايصح بيع الدار في الشهر القادم،لان الدار في الشهر القادم نفسها الان وليست عينا اخرى، فلا يكون الزمان معددالها، فاذا كانت ذاتها مملوكة بالفعل لزم الانتقال من الان وهو خلف، فلابد ان يكون الزمان قيدا للمملوك بما هو مملوك، اي قيدا للملكية والتملك، فيرجع الى التعليق في التمليك، فيكون باطلا بناء على شرطية التنجيز في العقود.

الثانية: انه قد تعارف في ازمنتنا ان يتفق الطرفان على البيع او الايجار ولكن بنحوالتواعد والقرار الابتدائي لا النهائي ليبتان في ذلك فيما بعد. وقد يدفع المستاءجر اوالمشتري ضمن هذا القرار الابتدائي مقدارا من المال يسمى بالعربون، فما هو حكم هذا القرار المعاملي ؟ وهل هو مجرد وعد ابتدائي غير ملزم او انشاء للايجاروالعربون جزء من الاجرة او هو عقد آخر مستقل؟ ولتوضيح حكم هذه المساءلة المبتلى بها كثيرا ينبغي البحث في جهتين.

الاولى: في حكم التوافق على البيع او الايجار، وانه هل يكون ملزما ام لا؟ الثانية: في حكم العربون المعط ى وكيفية تخريجه.

اما الجهة الاولى: