اولا: ان روايات الجواز مع الضميمة واردة في بيع العبد الابق
والجارية الابقة واللبن في الضرع المجهول وجوده والسمك في
الشبك وكثير من الموارد الاخرى، وكلهاتشترك في نكتة كلية
هي عدم الاطمئنان بحصول المبيع في يد المشتري في
قبال الثمن بالفعل، اما لعدم وجوده او لتعذر تسلمه وتحصيله،
وقد ذكرنا في محله ان هذامربوط بانتفاء المحل والغرض
النوعي لا بمجهولية اوصاف المبيع الموجود فيستفادمنها
ضابطة كلية هي انه مع عدم احد العوضين تحت الاستيلاء
واليد اصلا تبطل المعاوضة، ومع وجوده في الجملة ولو
بلحاظ الضميمة تصح.
وثانيا: ظهورها في التعليل واعطاء الضابطة الكلية واضحة غير
قابلة للانكار، بل حتى موثقة سماعة ظاهرة في ذلك، فانكار
مثل هذا الظهور خلاف الانصاف جدا،خصوصا بعد تحكيم
مناسبات الحكم والموضوع العقلائية المحكمة في مثل
هذه المسائل.
وثالثا: ما عرفت من ورود الدليل في خصوص الايجار ايضا
على الجواز.
ورابعا: لو لم يكن في البين دليل خاص ايضا كنا نقول بالجواز
على اساس العمومات، لان المخصص اذا كان هو السيرة العقلائية فهي دليل لبي قدره
المتيقن مااذا لم يكن بازاء العوض شيء اصلا، وان كان الروايات فالمفروض انها واردة
في البيع وبلا ضميمة فلا يمكن التعدي الى الايجار مع
الضميمة، فيكون المرجع عمومات الصحة. فالاقوى عدم
الاشكال في الاجارة اذا كانت هناك ضميمة من عين اخرى او
منفعة معلومة.
وينبغي ان يعلم ان صحة بيع المجهول وجوده او غير المقدور
على تسليمه مع الضميمة والجامع عدم الوجود تحت اليد
الذي هو الغرض النوعي موضوعهامااذا كان العقد واقعا من
اول الامر على المجهول كذلك، فان هذا هو مورد
الروايات المفصلة، وهو الذي يرى العرف وجوده معوض بازاء
العوض اذا كان مع الضميمة،فلا يكون اكلا للمال بالباطل.
واما اذا كان العقد واقعا على الشيء بناء على وجوده وكونه
مقدورا فانكشف خلافه انفسخ العقد في المقدار المنعدم
بمقتضى انحلالية العقد على ابعاض العوضين وكان له حق
الفسخ بملاك تبعض الصفقة كما هو محقق في بحث بيع الابق.
وعلى هذا الاساس لو تلفت العين المستاءجرة بعد تحقق عقد
الايجار واستلام المستاءجر للعين والانتفاع بها انفسخت الاجارة
بلحاظ المدة الباقية، وكذلك اذافرض تعذر استيفاء منافعها في
تلك المدة لسبب عام لا يرجع الى المستاءجر،لانتفاء الغرض
النوعي، بل في الاول وهو فرض التلف للعين او لحيثية
الانتفاع بها ينكشف ان المنافع في المدة الباقية لم تكن
مملوكة للمؤجر لعدم وجودها في لوح الواقع، فلا تمليك
لمعوض خارجي اصلا، وسياءتي تعرض المصنف(قدس
سره)لحكم التلف ضمن المسائل القادمة.
الثالث: ان يكونا مملوكين فلا تصح اجارة مال الغير ولا الاجارة
بمال الغير الا مع الاجازة من المالك [1].
[1]المقصود من اشتراط مملوكية العوضين «وهما المنفعة
والاجرة » في الاجارة ماهو اعم من الملكية او الماذونية والولاية
على التصرف فيهما كما في الماذون والوكيل والولي اي يكون
له حق التصرف الوضعي في ذلك المال وهذا شرط في كافة
العقود والالتزامات المالية وحيث ان عقد الاجارة منها فيشترط
فيه ايضاذلك.
وقد استدل بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) على هذه
الشرطية بقوله: «هذاواضح لعدم المقتضي للصحة اولا،
ضرورة ان كل احد مخاطب بوجوب الوفاءبالعقد الواقع على
مال نفسه او بمال نفسه لا مال الغير فلا نفوذ بالاضافة اليه لا
من ناحية العقلاء ولا الشارع. ولوجود المانع ثانيا، وهو ما دل
على المنع من التصرف في مال الغير وعدم حليته الا باذنه. واما
صحة هذه الاجارة الفضولية باجازة المالك او اذنه السابق
ووقوعها له فهو امر آخر وسيجي منه التعرض له فيما بعد ان
شاءاللّه»((45)).
وهذا الاستدلال قابل للمناقشة، وذلك:
اولا لا وجه لتقييد عمومات الصحة والامر بالوفاء بالمالكين
بالخصوص فانه لاذكر لمثل هذا القيد لا في دليل متصل ولا
منفصل، نعم من لا يكون له حق التصرف الوضعي في مال لا
يمكن ان يكون مكلفا بالوفاء بالعقد ونحوه عقلا او عقلائيا الا ان
هذا اعم من المالكين.
ودعوى ان صحة عقد الفضولي بالاجازة والاذن يجعله عقدا
للمالك. لو صح في الماذون والمجاز فهو غير صحيح في الولي
جزما فان بيع الاب او الولي على الوقف او القيم على الصغار لا
يكون منسوبا الى المولى عليهم، كيف وقد يبيع الولي شيئاعلى
خلاف نظر المالك وبدون رضاه كما في بيع القاضي لمال
المفلس والمحجورعليه، فكيف يمكن ان يكون صحة ذلك من
باب الانتساب الى المالك.
فالحاصل لا وجه لدعوى اختصاص ادلة الصحة والنفوذ في
المعاملات بالمالكين اذلا مقيد لفظ ي في البين وانما هناك
نكتة لبية عقلية او عقلائية وهي لغوية خطاب من هو اجنبي
عن المال وليس له حق التصرف فيه بوجه اصلا. وهذه النكتة لا
تقتضي التقييد اكثر مما اشرنا اليه.
وثانيا انه لا وجه لاعتبار المملوكية الاعتبارية لوضوح صحة
الاجارة على الاعمال او على الذمة مع انه لم تجعل الملكية
الاعتبارية للانسان بالنسبة الى عمله او ما في ذمته وانما تجعل
للغير بالنسبة لعمل انسان آخر او ذمته، وهذا يعني ان الشرط
مطلق كون العوض راجعا اليه سواء بملكية اعتبارية او بكونه من
شؤونه ومما يرجع اليه وتحت سلطانه وحقه.
وكذلك الحال في موارد الحق دون الملك كما اذا قلنا في
الارض الموات بان الاحياء لها يستوجب حق الاختصاص دون
الملك فانه لا اشكال ايضا في صحة ايجار المحيي لما احياه من
الاراضي للغير مع انه ليس مالكا لها وانما له حق الاختصاص بها.
فالحاصل اشتراط المملوكية بالخصوص ليس دقيقا.
وثالثا لا وجه لاعتبار اصل الحقية الاعم من الملكية في
صحة الاجارة او غيرهامن عقود المعاوضة بدليل صحة اجارة او
بيع الوقف في موارد خاصة حتى على القول بكونه تحريرا وفكا
للملكية وكذلك صحة اجارة المباحات والمنافع العامة من قبل
الحاكم الاسلامي اذا اقتضت المصلحة ذلك رغم عدم وجود
اضافة الاختصاص فضلا عن الملك فيها وليس ذلك الا من
جهة انه يكفي في صحة المعاوضة على شيء سواء بالنسبة
للرقبة او المنافع الولاية على تمليكه للغير لااكثر سواء
كان ذلك من جهة كونه مالكا او ماذونا من قبله او وليا على
المالك او على المال.
واشتراط الولاية بهذا المعنى وان كان ثابتا الا انه ليس من
شرائط العوضين بل من شرائط المتعاقدين. فلا يناسب ذكره في
المقام من قبل السيد الماتن(قدس سره)وغيره.
نعم يمكن ان يذكر هنا اشتراط مالية العوضين وقابليتهما
للاختصاص او المملوكية بناء على اشتراط ذلك في عقود
المعاوضة فانها طرا تتضمن المبادلة في الملكية اوالاختصاص
في الاموال سواء كان رقبة او منفعة او عملا.
الا ان الظاهر من عبارة الماتن(قدس سره) بقرينة ما فرعه على
هذه الشرطية من عدم صحة اجارة مال الغير الا مع اجازة
المالك، ان المنظور له شرطية الولاية على التصرف ورضا
المالك وهو من شروط المتعاقدين ومن هنا كان البحث عن
صحة بيع الفضولي بالاجازة في مكاسب الشيخ الانصاري(قدس
سره) ضمن البحث عن شرائط المتعاقدين لا العوضين وهو
الاصح.
الرابع: ان تكون العين المستاءجرة مما يمكن الانتفاع بها مع
بقائها، فلاتصح اجارة الخبز للاكل مثلا ولا الحطب للاشعال،
وهكذا[1].
الخامس: ان تكون المنفعة مباحة، فلا تصح اجارة المساكن
لاحرازالمحرمات او الدكاكين لبيعها او الدواب لحملها او
الجارية للغناء اوالعبد لكتابة الكفر ونحو ذلك. وتحرم الاجرة
عليها [2].
[1]لان الايجار هو تمليك المنفعة مع بقاء العين، اي للانتفاع
بها من دون حق في رقبتها، فاذا كان ذلك مستلزما لاتلاف
الرقبة كان جوازه متوقفا على ملك الرقبة،فيكون معاوضة على
العين بحسب الحقيقة، فلا يكون ايجارا.
وهذا ليس من شروط العوضين بالدقة، وانما هو من موارد انتفاء
نفس المعوض في الايجار الذي هو المنفعة المستقلة عن العين
في مقام الاستيفاء، والذي به قوام الايجار وحقيقته، فان العوض
والمعوض هما موضوع عقد الايجار، بل مطلق العقود. فما يكون
محققا لهما ليس من شروط العوضين الا بنحو من المسامحة.
[2]المشهور بل المتسالم عليه اشتراط اباحة المنفعة المراد
تمليكها بالايجار.ويمكن ان يستدل عليه بوجوه.
الاول: ما يذكر في محله من بحوث العقد من ان الغرض النوعي
في المعاوضات هوالاستيلاء على كل منهما من قبل الطرفين
خارجا لامجرد اعتبار الملكية، بحيث لوفرض تعذر ذلك لم
يصح العقد وان كانت الملكية الاعتبارية القانونية معقولة،
وهذاكما يوجب بطلان المعاملة مع عدم القدرة التكوينية على
التسليم والتسلم كذلك يستوجب البطلان فيما اذا كان ذلك
ممنوعا قانونا، بمعنى انه من زاوية نظر ذلك القانون لا يكون
الغرض النوعي من المعاوضة وهو الاستيلاء على المال
محفوظافي ذلك المورد، فتبطل المعاملة عليه. فليس دليل
شرطية القدرة على التسليم والتسلم منحصرا في نفي الغرر
ليقال بانه لا يجري في الممنوع الشرعي.
هذا مضافا الى امكان دعوى صدق الغرر ايضا بلحاظ العرف
والمجتمع الذي يطبق فيه ذلك القانون حيث يمنع او يمتنع
المكلف نفسه عن ارتكاب العمل المحرم، وهذاايضا غرر في
ذلك العرف.
وفيه: ان هذا البيان لو قبلنا عرفيته وعقلائيته فهو في غير
المورد الذي يطمئن المستاجر بان الاجير يقدم على العمل
المحرم المتعلق للاجارة، فانه في مثل ذلك لاغرر قطعا كما ان
الغرض النوعي متحقق فلماذا يحكم ببطلان الاجارة في مثله.
الثاني: ما ذكره المحقق النائيني(قدس سره) من ان المنفعة
اذا حرمت شرعاوقانونا خرجت عن المملوكية شرعا، ويشترط
في صحة الاجارة ان تكون المنفعة مملوكة((46)).
وفيه:
اولا: ما تقدم من عدم اشتراط المملوكية في العوضين اصلا،
وانما يكفي ان يكون تحت سلطانه الاعم من الوضعي او
التكويني بالمعنى المحفوظ في المقام.
وثانيا: لا تنافي بين الحرمة والمملوكية، لان احدهما حكم
تكليفي والاخروضعي، ولا تقابل بينهما.
وثالثا: لو فرض التنافي بين الحرمة وبين المملوكية فهذا قد
يصح في باب تمليك العمل لا تمليك منفعة الاعيان، لما تقدم
من ان المملوك فيها ليس نفس الانتفاع فانه فعل المستاءجر
وهو استيفاء للمملوك لا نفسه، وانما المملوك حيثية القابلية
للانتفاع القائمة بالعين، وهي ليست محرمة، نعم لا منفعة
محللة لها، لان المقصود الحيثية والقابلية المخصوصة بذلك
الانتفاع المحرم لا القابلية المطلقة، فاذا اشترط في مالية شيء
وجود منفعة محللة له واشترطنا المالية في صحة المعاوضة،
خرجت تلك الحيثية والقابلية من العين عن كونها مالا يمكن
تمليكها بعقد الاجارة.
ولا ينقض عليه كما عن بعض اساتذتنا(قدس سره) بضمان
اجرة المثل لمن غصب دار الغير ليحرز فيه الخمر، فان
المغصوب انما هو القابلية المطلقة للدار لاالقابلية الخاصة
المراد تمليكها في موارد الايجار لخصوص عمل محرم.
ولعل مقصود الميرزا(قدس سره) من عدم المملوكية عدم
المالية.
وهذا الوجه بهذا التعديل اذا قبلنا مبناه من اشتراط المالية في
عقود المعاوضة يوجب بطلان الاجارة على المنفعة المحرمة
والعمل المحرم لعدم المالية في الفعل الحرام ولا في حيثية
القابلية للمنفعة المحرمة في الاعيان.
هذا ولكن يمكن بذل المال بازاء رفع اليد عن حق اختصاصه بما
لا مالية له، كمايقال بذلك في بذل المال بازاء رفع اليد عن
حقه في الميتة مثلا التي لا مالية لهاشرعا، وهذا يعني انه يمكن
اكل المال في قباله ولو لم يكن بعنوان الايجار اوالمعاوضة، بل
بازاء رفع اليد عن الحق في منفعة العين ما لم يقم دليل خاص
على حرمة ذلك ايضا على ما سياتي في ختام البحث.
الثالث: ما ذكره بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) تبعا للمحقق
الاصفهاني(قدس سره) من ان الامر بالوفاء الذي هو دليل
الصحة لايمكن ان يشمل المنفعة المحرمة،لانه يحرم تسليمها
بحسب الفرض، ومعه لادليل على الصحة، فانها انما
كانت مستفادة من جهة الملازمة بينها وبين وجوب الوفاء، فاذا
سقط المدلول المطابقي سقط الالتزامي ايضا((47)).
وفيه:
اولا: عدم اختصاص ادلة الصحة بية اوفوا بالعقود، فلو فرض
سقوطها يكفي للصحة التمسك بية التجارة عن تراض او احل
اللّه البيع في خصوص البيع.
وثانيا: ان الامر بالوفاء ليس تكليفيا بل ارشاد الى الصحة ولزوم
العقد ابتداء، فلامفاد تكليفي له لكي لا يمكن شموله للمنفعة
المحرمة.
وثالثا: لو سلمنا ذلك فهذا لا يصح في ايجار الاعيان، لان ما هو
المملوك الحيثية والقابلية الخاصة، وهي قابلة للوفاء من خلال
دفع العين للمستاءجر لكي ينتفع بها،وهذا ليس محرما، وانما
المحرم الانتفاع بالفعل الذي هو عمل المستاءجر لاالاجير.
وبهذا يظهر: ان الاشكال المتقدم على الوجه الثاني انما يتجه
على هذا الوجه الذي اختاره المستشكل بهذا الاشكال لا على
ذاك الوجه بعد تعديله بما تقدم، فتدبرجيدا.
الرابع: ما اشتهر على الالسن من ان الممنوع شرعا كالممتنع
عقلا، وحيث انه يشترط في صحة المعاوضة القدرة على
التسليم والتسلم فاذا كانت المنفعة محرمة امتنع ذلك، فيختل
الشرط الثاني من شروط العوضين.
وفيه:
اولا: ما عرفت من امكان التسليم في باب ايجار الاعيان، وانما
قد يصح ذلك في الاجارة على الاعمال.
وثانيا: انه لا يتم في باب الاجارة على الاعمال ايضا اذا فرض
جهل المتعاملين بالحرمة، لامكان التسليم بارتفاع الحرمة ولو
ظاهرا.
وثالثا: ان هذه القاعدة مجرد اصطلاح عند الاصوليين، ولم
يرد فيها آية او رواية،فلابد وان يرجع الى الوجه الاول بان يقال:
ان الغرض المعاملي في المعاوضات الذي هو ركن فيها انما هو
الاستيلاء القانوني على المال خارجا، فلابد وان يكون ممكنا
عقلا ومسموحا به قانونا، والا لم تصح المعاملة، او يرجع الى
الوجه الثاني من اشتراط المالية في العوضين وانتفائها مع عدم
كون المنفعة محللة، واما اذا لم نقبل الوجهين فلا دليل على
الحاق المحرم الشرعي بالممتنع العقلي.
الخامس: التمسك بية اكل المال بالباطل، بدعوى ان اكله في
قبال الحرام اكل بالباطل، اذ الحرام من مصاديق الباطل شرعا.
وفيه:
ان الظاهر من الاية ارادة السببية من الباء لا المقابلة، اي لا
تاءكلوها بالاسباب الباطلة، لا في قبال العمل بالباطل.
السادس: التمسك برواية جابر او (صابر)((48)) «قال: ساءلت
ابا عبد اللّه(ع) عن الرجل يواجر بيته يباع فيه الخمر، قال: حرام
اجره»
((49)). وهي رواية في اجارة الاعيان لمنفعة محرمة،
وفي الاعمال يتمسك برواية تحف العقول «كل امر نهي
عنه من جهة من الجهات فمحرم على الانسان اجارة نفسه
فيه»((50)).
والرواية الثانية من حيث السند واضحة الضعف، واما الاولى فقد
نقلها صاحب الوسائل عن التهذيب بالسند التالي، احمد بن
محمد بن عيسى عن محمد ابن اسماعيل وهو ابن بزيع عن
علي بن نعمان عن عبد اللّه بن مسكان عن عبدالمؤمن وهو
ابن قيس بن فهد الانصاري وهؤلاء كلهم ثقات، عن صابر
وعنونه النجاشي((51)) بعنوان صابر بن عبد اللّه الصيرفي مولى
بسام من اصحاب الصادق والباقر(ع) عن ابي عبد اللّه(ع) وصابر
لم يوثق ولا طريق الى توثيقه.
والمذكور في نسخ التهذيب الجديدة ج 6، ص 371، ح 1077
(جابر) بدل(صابر)، وكذلك في الاستبصار ج 3، ص 55، ح
179 وكذلك في الكافي ج 5ص 227 ولكن الموجود في
التهذيب ج 7، ص 134، ح 539 (صابر). وصاحب الوسائل ينقل
الرواية عن الشيخ عن صابر ويعطف عليه نقل الكليني ايضا.
وعندئذ قد يقال: بالتهافت في النسخ الموجودة بايدينا
للتهذيب والاستبصار، فيشك فيما هو نقل الشيخ، لان القطعي
اصل الكتب لا الخصوصيات في مورد الافتراق،فيبقى نقل
الكليني حجة بلا معارض.
وقد يقال: بتعين نقل الكليني، لانه اضبط ولان ثبوت الرواية
في الكافي والاستبصاروموضع من التهذيب عن (جابر) يوجب
الاطمئنان بوقوع التصحيف في الموضع الاخر من التهذيب،
خصوصا مع وجود نسخة بدل في بعض النسخ.
وكلا هذين الكلامين غير تام، اما الاول فلان لصاحب الوسائل
سندا متصلا الى اصحاب الكتب وهو سلسلة اجازاته التي يوصل
بها اسانيده ومشايخه الى الشيخ الطوسي(قدس سره) وغيره
وينقل من خلالها كتبهم، فيكون هذا حجة تعبدية على ان
الرواية ينقلها الشيخ بعنوان (صابر)، ولا يعارضه حجة تعبدية
اخرى، لان النسخ الموجودة للكتب بايدينا ليست حجة تعبدية
بل وجدانية ومن باب الاطمئنان والقطع، وهو غير حاصل في
مورد التهافت.
واما الثاني، فلان صاحب الوسائل ينقل الرواية عن الكليني ايضا
بعنوان (صابر)،مما يعني وجود تهافت في نسخ الكافي ايضا،
كما انه ينقلها عن الشيخ بعنوان(صابر) بلا طرح احتمال وجود
نسخة اخرى، مما يعني ان ما كان بيده من التهذيب والاستبصار
والكافي كان السند فيها جميعا عنوان (صابر) لا (جابر)، والا
لكان يشير الى ذلك. وافتراض انه اخذ السند من موضع من
التهذيب فقط ثم عطف عليهاالمواضع الثلاثة الاخرى بعيد
جدا.
هذا مضافا الى نقل كتاب جامع الرواة((52)) في ترجمة (صابر)
سند هذه الرواية عن الكافي بعنوان (عبد المؤمن عن صابر)
ويعطف عليه موردا آخر من الكافي ينقل فيه داود بن فرقد عن
صابر في ج 3، ص 3017 وهو منقول في التهذيب ايضا في
ج 2، ص 96 كما ينقل هذه الرواية عن الموضعين من
التهذيب والاستبصار بعنوان (صابر) بلا اشارة الى اختلاف
النسخ.
ويذكر ايضا موردا آخر في كتاب الكافي بعنوان (نقل ابي الصباح
مولى بسام عن صابر) في ج 5، ص 307 والموجود في النسخ
الحديثة للكافي عن (جابر)، وهذايوجب عدم الجزم بما في نسخ
الكافي التي بايدينا، وان (جابر) قد يذكر خطاء مكان(صابر) او
بالعكس، فلا يطمئن بصحة ما في نسخ الكافي التي بايدينا.
هذا مضافا الى استبعاد ان تكون الرواية في نفسها عن (جابر)، اذ
الانصاري لا ينقل عن الصادق(ع) والجعفي لا ينقل عنه امثال
هؤلاء الاجلاء كداود ابن فرقد وابي الصباح وعبد المؤمن، وانما
الذي ينقل عنه امثال عمرو بن شمر والمفضل بن
صالح ونحوهم. فالمظنون قويا ان الرواية لصابر لا لجابر، هذا من
حيث السند.
واما الدلالة، فهي معارضة بصحيح بن اذينة «قال: كتبت الى
ابي عبداللّه(ع) اساءله عن الرجل يؤجر سفينته ودابته ممن
يحمل فيها او عليها الخمر والخنازير، قال: لاباءس »((53)).
وقد جمع الفقهاء بينهما تارة: بحمل الاول على من يعلم بانه
يبيع فيه الخمر بخلاف الثاني، واخرى: على التفصيل بين ايجار
البيت لبيع الخمر وبين ايجار الدابة لحمل الخمر، بان الثاني
حلال اذ قد يراد صنعه خلا مثلا، وثالثة: على ان ظاهر
الرواية الاولى ان الايجار على المنفعة الخاصة وهو بيع الخمر،
بخلاف الثانية فانها وردت فيمن يواجر السفينة او الدابة للنقل
ولكن المستاءجر يحمل عليها الخمر.
وهذه الوجوه للجمع كلها غير عرفية وجموع تبرعية من باب
الاخذ بالقدر المتيقن من البطلان وعدمه في كل طرف
لتحصيل وجه جمع بينهما، والا فظاهر الروايتين معا وقوع
الاجارة على البيت والسفينة ممن ينتفع به منفعة محرمة،
وظاهرهما معافرض العلم بذلك لا اكثر. فتخصيص الاول
بالعلم دون الثاني بلاموجب، كما ان حمل الثاني على حمل
الخمر ليجعل خلا فيه عناية واضحة، كيف وان ما هو
منشاءالشبهة والسؤال ارتكاب الحرام وهو شرب الخمر، والا لم
يكن يساءل. مضافا الى انه اي فرق بين حمل الخمر ليصنع خلا
او بيعه لذلك؟ وكذلك الحمل الثالث خلاف ظاهر الرواية، بل
فرض ايجار البيت لخصوص بيع الخمر بحيث لا يجوز
للمستاءجران يبيع فيه شيئا آخر في نفسه غير عرفي.
نعم لو كان يقول (ليباع فيه الخمر) كان الحمل الاخير موجها،
الا ان مجرد ذكر (يباع فيه) حتى من دون التفريع بالفاء كما
ورد في نسخة التهذيب لا يكون ظاهرا في وقوع الايجار على
المنفعة المحرمة بالخصوص. فالروايتان متعارضتان.
والاولى: الاستدلال بروايات اخرى على البطلان وحرمة اكل
المال المبذول بازاءالمنفعة المحرمة، وهي عبارة عن طوائف
ثلاث من الروايات:
ومثلها دعوى ارادة كسبها الحاصل من دخول الرجال عليها
بمعنى الفجور معها فيكون النظر الى اجرة بغيها، فان هذا ايضا
خلاف اطلاق الرواية بل ظهورها في النظر الى كسب المغنية
بما هي مغنية لا بما هي بغية.
ومعتبرة ابي بصير عن ابي عبد اللّه(ع) «قال: المغنية التي
تزف العرائس لاباءس بكسبها»((55)). وهي تدل بسياق التحديد
الظاهر في المفهوم والاحترازية ان كسب المغنية التي لاتزف
الى العرائس فيه باءس، وليس ذلك بحسب المتفاهم العرفي الا
من جهة حرمة عملها.
واوضح منهما دلالة معتبرته الاخرى «قال: قال ابو عبد اللّه(ع)
اجر المغنية التي تزف العرائس ليس به باءس وليست بالتي
يدخل عليها الرجال »((56)).
ومثلها رواية بن قابوس «قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول:
المغنية ملعونة، ملعون من اكل كسبها»((57)).
الطائفة الثانية:
وهذه الطائفة ايضا يمكن ان يقتنص منها كبرى كلية هي حرمة
الاجر المبذول بازاءالاعمال المحرمة، سواء كان بعنوان الاجرة
او بعنوان المهر والبذل. وهي ايضا واردة في باب الاعمال،
فالتعدي منها الى باب الاعيان بحاجة الى اقتناص الكبرى
الكلية ولو بمناسبات الحكم والموضوع.
ومما يشهد عليه عطف ذلك على ثمن الخمر والكلب غير
الصيود وهي من الاعيان،مما يعني ان الميزان حرمة المقابل،
سواء كان عملا او منفعة او عينا محرمة المنافع.
الطائفة الثالثة:
فان المستظهر من التعبير المذكور بحسب مناسبات الحكم
والموضوع العرفية انماهو التعليل لا مجرد الاخبار عن قضية
اتفاقية، وان من حرم شرب الخمر حرم ثمنها، كما ان تحريم
الشرب من باب انه منفعة المشروبات.
واما دعوى: اختصاصها بباب البيع فيدفعها:
اولا: ان عنوان الثمن اعم لغة مما يبذل بازاء الرقبة في البيع،
لانه يعني مطلق المال والقيمة المدفوعة لشيء سواء كان ذلك الشيء رقبة او منفعة، فينعقد اطلاق لفظ ي في الرواية للاجرة
المبذولة بازاء المنفعة المحرمة والتي تكون ثمنها بعد حملها
على التعليل.
وثانيا: لو فرض عدم اطلاق الثمن للاجرة مع ذلك حكمنا
بالتعميم على اساس ماورد في ذيلها من ذكر مهر البغي ضمن
الامثلة مع ثمن الخمر والكلب، وظاهره انهاتطبيقات للكبرى
المبينة اولا، فعندما يحشر ضمنها ما يكون بذلا بازاء عمل
ومنفعة محرمة يفهم منه ان المراد مطلق ما يبذل بازاء الحرام،
عينا كان او منفعة اوعملا.
وثالثا: ان تحكيم الارتكازات العقلائية ومناسبات الحكم
والموضوع العرفية على مثل هذه الاحاديث يجعلها ظاهرة بحسب المتفاهم العرفي
والعقلائي في ما هومركوز في الاذهان العرفية والعقلائية ايضا، من ان تحريم شيء او عمل
وممنوعيته قانونا يستوجب حرمة بذل المال بازائه وبطلان
المعاملة عليه، وهذه النكتة ليست من خصوصيات الانشاء
والسبب الناقل ليحتمل اختصاصها بانشاء دون انشاء، اوبكون
الحرام عينا او منفعة او عملا، وانما النكتة قائمة باءصل المقابلة
بين الحرام والمال. ويشهد على ذلك عطف عناوين مثل الرشوة
ومهر البغي على ثمن الكلب والخمر مع انهما ليسا من العقود
والاسباب الناقلة.
ومنه يعرف ان مفاد هذه الرواية حرمة اخذ المال بازاء المحرم
بكل عنوان من العناوين، حتى اذا كان بعنوان رفع اليد عن حق
اختصاصه اذا كان القصد الانتفاع المحرم.
وهكذا يتضح: امكان استفادة هذه الشرطية من الروايات
الخاصة، مضافا الى كونهامقتضى القاعدة ايضا بناء على اشتراط
المالية في العوضين.
ثم انه بعد فرض بطلان الاجارة على المنفعة او العمل المحرم،
لا اشكال في عدم استحقاق المؤجر لاجرة المسمى، ولكن هل
يستحق اجرة المثل؟
الصحيح: انه لا يستحق ذلك ايضا لانه مضافا الى ما تقدم من
انه مع حرمة المنفعة لامالية لها ليضمنها المستوفي لها، ان
هذا هو مفاد الروايات المتقدمة، فان ما ورد في بعضها من الامر
بالاراقة دليل على هدر المالية والغائها شرعا فلا موضوع
للضمان،وهو وان كان في الخمر التي هي من الاعيان لا
المنافع، الا ان وحدة السياق لهاوللمنافع المحرمة قد يوجب
ظهورا في اشتراكهما في هذا الحكم ايضا اعني هدرالمالية
شرعا. كما انه لو فسرنا الثمن بالقيمة والمالية كان مفاد
قوله(ع) «حرم ثمنها»تحريم قيمتها، سواء المسماة او المثل،
فتدبر جيدا.
السادس: ان تكون العين مما يمكن استيفاء المنفعة المقصودة
بها، فلاتصلح اجارة ارض للزراعة اذا لم يمكن ايصال الماء اليها
مع عدم امكان الزراعة بماء السماء او عدم كفايته [1].
السابع: ان يتمكن المستاءجر من الانتفاع بالعين المستاءجرة،
فلا تصح اجارة الحائض لكنس المسجد مثلا [2].
[1]هذا الشرط مرجعه الى ما ذكرناه في بداية الركن الثالث
العوضين من ان اول شرط لابد منه انما هو وجود المعوض
خارجا، فانه وان كان متعلق العقد في مرحلة الانشاء والتراضي
الوجود الذهني لا الخارجي الا انه ملحوظ بما هو طريق
الى الوجود الخارجي، فاذا انكشف عدم وجوده في الخارج
انكشف بطلان العقد.
وبذلك يعرف ان ما هو ظاهر تقريرات بحث بعض اساتذتنا
العظام(قدس سره) من ان هذا مرجعه الى انتفاء المملوكية او
التمليك((62)) فيه مسامحة واضحة.
[2]المشهور هو الحكم ببطلان الايجار على عمل ليس بنفسه
محرما ولكنه يتوقف او يلازم فعل الحرام، ككنس الجنب او
الحائض للمسجد المتوقف على مكثهما فيه وهو الحرام.
وقد استدل على ذلك بوجوه:
وفيه:
اولا: القدرة على الانتفاع والاستيفاء ليس شرطا في صحة
العقود زائدا على ما تقدم من امكان التسليم او التسلم والذي قد
يحصل مع عدم القدرة على الانتفاع، كما اذاسلمه الدار ولكن
قبل ان ينتفع به جاء الغاصب فاءخذه منه، او ظهر انه لا يتمكن
من السكنى فيه فانه لا تبطل الاجارة جزما، وكذلك اذا آجره
على خياطة ثوبه فظهر انه لا يمكنه ان يلبسه، وعليه فامكان
الانتفاع ليس شرطا في صحة الاجارة زائدا على القدرة على
التسليم.
والظاهر ان مقصود السيد الماتن(قدس سره) القدرة الشرعية
على العمل المستاجرعليه فلابد زائدا على شرطية اباحة العمل
او المنفعة ان لا يستلزم ذلك فعلا آخرمحرما شرعا وان لم يكن
ذلك الفعل متعلقا للاجارة، فهناك مسامحة في التعبير
عن هذه الشرطية.
وثانيا: لو سلمت شرطية ذلك فهذا لا يوجب التعدي الى
امكان الانتفاع شرعابمعنى عدم توقفه او استلزامه لفعل محرم.
فان الامكان التكويني محفوظ في المقام،ولا دليل على اشتراط
اكثر من ذلك في صحة المعاوضات.
ومنها: ما افاده بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) من ان الامر
بالوفاء لا يمكنه ان يشمل مثل هذا العقد، اذ لو شمله مطلقا وبلا
قيد كان منافيا مع تحريم المكث في المسجد، لاستحالة الامر
بالضدين معا مطلقا، ولو شمله معلقا على فرض ارادة العصيان
لخطاب التحريم فيجب عليه الوفاء على تقدير الدخول
للمسجد، فهذا وان كان ممكنا بناء على ماهو الصحيح من امكان
الترتب والامر بالضدين معا بنحوالترتب، الا انه خلاف ظاهر
الدليل اثباتا، فان عمومات الوفاء ولزوم العقد ظاهرهاتنفيذ
ماتعلق به العقد واتفق عليه الطرفان، وهو الكنس في الساعة
الفلانية ولم يكن العقد معلقا على فرض العصيان، والا كان
باطلا من باب التعليق المبطل للعقداجماعا. فاذا فرض عدم
امكان تنفيذ ما تعلق به العقد وامضائه على النهج الذي
وقع عليه والمفروض انه انشاء بصيغة الاطلاق فلا تختص
الصحة والامضاء بتقديردون تقدير آخر، فالدليل قاصر في
مرحلة الاثبات.
وان شئت قلت: الحكم بالوفاء مطلقا غير ممكن، ومقيدا لا دليل
عليه، ومعلقا من باب تعليق الانشاء مبطل. وهذا نظير ما تقدم
منه في وجه شرطية الشرط الخامس وهو اباحة المنفعة((63)).
ويلاحظ على هذا الوجه:
اولا: ما تقدم من عدم انحصار الدليل على الصحة والنفوذ في
الامر بالوفاء، بل هناك مثل تجارة عن تراض الظاهر ابتداء في
الصحة، وهي لا تنافي الحرمة التكليفية للملازم، بل تقدم امكان
حمل الامر بالوفاء ايضا على الارشاد الى الصحة ولزوم العقد لا
الحكم التكليفي.
وثانيا: لو سلمنا ان الامر بالوفاء حكم تكليفي لا وضعي، فحاله
حال اي حكم تكليفي آخر متعلق بالمزاحم مع الحرام من حيث
كونه مقيدا لبا بالقدرة على متعلقه، وبالتالي لا يكون هناك
تعارض بينه وبين دليل الحرمة، لان التزاحم على طبق
القاعدة، اي لا يشمل عقد الايجار الا على تقدير العصيان
للحرام. والمفروض ان الصحة ملزوم لوجوب الوفاء، فاذا كان
وجوب الوفاء مقيدا لبا بترك الاهم اوالمساوي كانت الصحة
على هذا التقدير ايضا، فيكون اثبات الصحة المقيدة لاالمطلقة
هو مقتضى القاعدة بناء على هذا المسلك بلا حاجة الى دليل
خاص.فالجمع بين هذا المسلك وبين ماذكر من عدم الدليل
اثباتا على الصحة المقيدة تهافت.
وكانه وقع خلط بين كون الصحة مستفادة بالملازمة من الامر
التكليفي بوجوب الوفاء بالعقد وبين كونه مدلولا مطابقيا له
ولو من باب ارشادية الامر بالوفاء الى الصحة واللزوم فانه بناء
على الاول يكون المدلول المطابقي للامر شاملا لفرض الترتب
على القاعدة بلا حاجة الى دليل خاص فيستفاد منه الصحة اما
مقيدة بحالة عصيان الضد الاهم او مطلقا لو قيل بالملازمة
بينهما بلا حاجة الى دليل خاص،وعلى الثاني يصح ما ذكر من
ان مفاد الدليل عندئذ هو الصحة المطلقة لا المقيدة الا انه
حينئذ لا وجه لارادة الصحة المقيدة بعد ان لم يكن الامر
تكليفيا بل ارشاد الى الصحة واللزوم وهما يجتمعان مع الامر
بالضد الاهم.
وما ذكر من لزوم التعليق اذا قيل بالصحة على تقدير عصيان
الحرام.
مدفوع: بان هذا التقدير قيد في الصحة ونفوذ العقد لا في
المنشا المعاملي، وما اكثرالعقود التي تكون صحتها مشروطة
شرعا ومعلقة على شروط من دون ان يلزم تعليق في تلك
العقود.
فالحاصل: التقييد بعصيان الخطاب الاخر في المقام في دليل
الامر بالوفاء على القاعدة كما في سائر موارد الترتب فلا يصح
قياسه بباب الصرف والسلم واشتراط القبض منهما، فان اطلاق
وجوب الوفاء هنا يقتضي صحة الصرف قبل القبض ومن اول
الامر، ومن هنا كان بحاجة الى دليل على التقييد، وهذا بخلاف
المقام، على ان ما ذكره من ان اثبات الصحة هناك من حين
القبض والاقباض بحاجة الى دليل خاص لازمه عدم امكان
اثبات الصحة باطلاق عمومات الصحة اذا فرض ان المقيداخرج
حالة ما قبل القبض فقط من دون الدلالة على الصحة بعد
القبض، كما في عقد المكره بعد الرضا الحاصل بعد العقد، وهذا
على خلاف مبناه في امثال هذه المسائل وهو الصحيح حيث
يتمسك بالاطلاق الاحوالي لدليل وجوب الوفاءلاثبات الصحة
ولو لم يكن دليل خاص على الصحة.
ومنها: ما ذكره المحقق النائيني(قدس سره) من ان هذا
المثال قد خرج بالشرط الخامس، اعني شرطية الاباحة الراجع
عنده الى الشرط الثالث وهو المملوكية،حيث ان مايكون
ممنوعا شرعا ليس مملوكا((64)).
وقد يناقش في ذلك بان الحرمة التكليفية حتى اذا كانت
مقابلة مع المملوكية بنحوالتضاد فانما يكون ذلك في متعلقه
لا غير، وفي المقام الكنس الذي تعلقت به الاجارة ليس محرما،
وانما الحرام لازمه((65)).
الا ان الظاهر ان مقصود المحقق النائيني(قدس سره) ليس
ذلك، فانه من الواضح عند مثله عدم التقابل بين المملوكية
والحرمة، وانما نظره الى ان ما يكون ممنوعاشرعا لا يكون
مملوكا قانونا من زاوية نظر ذلك المشرع، لان الملكية من
اجل الانتفاع فلابد وان لا يكون الانتفاع او العمل في نفسه
محرما.
وهذه النكتة لا يختلف فيها بين ان يكون الفعل بنفسه ممنوعا
شرعا او متوقفا على السبب الممنوع شرعا، كالكنس المتوقف
على المكث المحرم. ومن هنا يرجع عنده الشرط السابع
والخامس الى الشرط الثالث.
ويلاحظ عليه:
اولا: ما تقدم من عدم شرطية المملوكية وعدم منافاة الحرمة
معها، نعم قد تنافي المالية.
وثانيا: لو سلمنا لغوية جعل المملوكية التي هي حكم وضعي
في مورد العمل المحرم تكليفا فان ذلك انما يكون في العمل
المحرم لا في لازمه وما يتوقف عليه،اذ يعقل الانتفاع به ولو
على تقدير العصيان للحرام، وهذا المقدار يكفي لمعقولية جعل
المالية والملكية له.
ومنها: ان ممنوعية السبب تستوجب عدم امكان تسليم العمل
المتوقف على السبب المحرم شرعا للمستاءجر، وقد تقدم في
الشرط الخامس ان الغرض النوعي من المعاوضات عند العقلاء
امكان التسليم والاستيفاء للمال او المنفعة، فمع تعذره قانونا لا
يكون الغرض النوعي من العقد محفوظا فيبطل.
وان شئت قلت: بعد ان كان الغرض النوعي من العقد الاستيفاء
والتسلم للمال عيناكان او منفعة او عملا، وبعد ان كان هذا
متوقفا على عدم الممنوعية شرعا ومن هنااستند الى هذا
الوجه في بطلان الاجارة على العمل الحرام فاذا كان العمل
المباح متوقفا على مقدمة محرمة شرعا ايضا، يبطل العقد، اذ لو
اريد استيفاؤه مطلقا فهذاخلف الحرمة، ولو اريد استيفاؤه على
تقدير العصيان للحرمة فهذا مجهول، اذ لايعلم ان الاجير هل
سوف يرتكب العصيان ام لا.
ويشترط الوثوق والجزم بالغرض النوعي عند العقد، والا كان
غرريا وباطلا على ماتقدم في محله.
وفيه: ما تقدم هناك من ان هذا لو تم فهو في غير فرض الوثوق
بالاستيفاء كما اذاعلم بان الاجير ممن يقدم على المعصية
جزما، او كان يعتقد عند الاجارة على الكنس ان المراة لا تكون
حائضا في هذا الوقت ثم صادفت الحيض فانه في مثل ذلك لا
انتفاء للغرض النوعي كما لا غرر في البين فلا موجب لبطلان
العقد. كما انه اذا لم يعص الاجير فلم يسلمه العمل كان له خيار
الفسخ على القاعدة.
ومنها: التمسك بروايات شرط اللّه قبل شرطكم الوارد في
بعض الروايات كمعتبرة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال:
«قضى علي(ع) في رجل تزوج امراة وشرط لها ان هو تزوج
عليها امراة او هجرها او اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى
في ذلك ان شرط اللّه قبل شرطكم، فان شاء وفى لها بما
اشترط، وان شاء امسكهاواتخذ عليها ونكح عليها».
وقد استند سيدنا الاستاذ الشهيد(قدس سره) الى هذا الحديث
في اثبات بطلان النذر بعمل مستلزم لفعل محرم او ترك
واجب((66)).
والبحث عن صحة هذا الوجه يتطلب الحديث عن الرواية
بلحاظ سندهما تارة،ودلالتها اخرى. اما من حيث السند، فقد
ورد الحديث المذكور بثلاث اسانيد:
احدها: ما ينقله العياشي في تفسيره عن ابن مسلم عن ابي
جعفر(ع) بعنوان «قضى امير المؤمنين(ع) في امراة تزوجها
رجل وشرط عليها وعلى اهلها ان تزوج عليهاامراة او هجرها او
اتى عليها سرية فانها طالق، فقال: شرط اللّه قبل شرطكم، ان
شاءوفى بشرطه وان شاء امسك امراته ونكح عليها وتسرى
عليها وهجرها قال اللّهتعالى في كتابه: (فانكحوا ما طاب لكم...)
وقال: (... او ما ملكت ايمانكم...) وقال:(واللاتي تخافون
نشوزهن...)((67)).
وهي ضعيفة السند، لانها مرسلة حيث ان كتاب التفسير
للعياشي قد حذف مستنسخه طرق العياشي الى الرواة اختصارا،
وبذلك جنى على مافي هذا الكتاب القيم من الروايات
والاحاديث من ناحية السند.
الثاني: ما ينقله الشيخ(قدس سره) باسناده عن علي بن الحسن
بن فضال عن عبدالرحمن بن ابي نجران وسندي بن محمد
جميعا عن عاصم بن حميد عن محمد ابن قيس عن ابي
جعفر(ع) «قال: قضى علي(ع) في رجل تزوج امراة...
الخ »((68)).
واسناد الشيخ(قدس سره) الى علي بن الحسن بن فضال فيه
ابن الزبير فاذا قيل بعدم ثبوت وثاقته رغم انه من شيوخ
الاجازة كان السند مخدوشا ايضا.
الثالث: ما ينقله الشيخ(قدس سره) باسناده عن محمد بن علي
بن محبوب الاشعري عن محمد بن الحسين وهو ابن ابي
الخطاب عن الحسن بن علي بن يوسف الازدي عن عاصم بن
حميد عن محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) «في رجل تزوج...
الخ »((69)).
وهذا الطريق معتبر، لان للشيخ(قدس سره) الى محمد بن
علي بن محبوب طرق ثلاثة بعضها صحيحة، فتكون الرواية من
حيث السند معتبرة.
واما من حيث الدلالة، فتقريبها: ان عنوان الشرط فيها يراد به
مطلق الالزام والالتزام،لا خصوص الشرط الاصطلاحي ضمن
العقد، كما يشهد بذلك اطلاقه على احكام اللّه، كما ان مثل هذا
التعبير ظاهر في اعطاء كبرى كلية وتشكيل استدلال
وقياس،كبراه ان الالتزامات والتعهدات التي تكون على خلاف
شرط اللّه والزامه لا تكون نافذة ولا واجبة الوفاء، وصغراه مستترة
هي ان الاشتراط المذكور على خلاف شرط اللّه، والنتيجة انه لا
يجب عليه ان يفي بالشرط المذكور. وهذا باطلاقه
يشمل مايكون على خلاف شرط اللّه حتى بنحو الاستلزام.
الا ان الانصاف: ان هذه الدلالة محل منع، فانا ان لم ندع ظهور
هذه الروايات في بطلان الالتزامات المنافية مع شرط اللّه
بمعنى حكمه، بحيث تكون ناظرة الى ابطال ما يكون على
خلاف الكتاب من تحريم حلال او تحليل حرام، كما وردت في
سائرالروايات المشابهة، وكما يناسبه مورد الرواية، فلا اقل من
الاجمال وعدم امكان الجزم بظهورها في ذلك، فتكون مطلقات
الصحة محكمة في المقام.
وهكذا يظهر ان مقتضى مر الصناعة هو الحكم بالصحة، وان
كان الاحوط ماذهب اليه المشهور.
ثم انه بناء على الراي المشهور ايضا لابد من الحكم باستحقاق
اجرة المثل في المقام اذا ادى الاجير العمل، ووجهه ظاهر حيث
ان العمل المذكور له مالية وقيمة سوقية، فاذا بطل عقد الايجار
عليه شملته قاعدة مايضمن بصحيحه يضمن [مساءلة 1]: لا
تصح الاجارة اذا كان المؤجر او المستاءجر مكرها عليها الا مع
الاجازة اللاحقة، بل الاحوط عدم الاكتفاء بها، بل تجديد العقد
اذاتراضيا. نعم تصح مع الاضطرار، كما اذا طلب منه ظالم مالا
فاضطر الى اجارة دار سكناه لذلك، فانها تصح حينئذ كما انه اذا
اضطر الى بيعها صح[1].
بفاسده، ولم يكن في الوجوه السابقة مايمنع عن ذلك، وهذا
بخلاف ما اذا تخلف الشرط الخامس بان كان العمل محرما، كما
اذا آجره للغناء المحرم، فانه لا يستحق الاجير شيئا لا بعنوان
اجرة المسمى ولا بعنوان اجرة المثل، اما لعدم المالية
للعمل المحرم شرعا او لدلالة الاخبار على حرمة اخذ مال بازائه
بكل عنوان على ماتقدم.
[1]اما بطلان الايجار مع الاكراه فلما دل على شرطية التراضي
وطيب النفس في العقود والتجارات، كية التجارة الدالة على ان
التجارة بلا تراض من اكل المال بالباطل بناء على استظهار
طيب النفس منها والروايات الدالة على اشتراط طيب نفس
المالك في حلية ماله. واما رفع ما استكرهوا عليه فقد ذكرنا في
محله انه لايمكن ان يستفاد منه نفي الاحكام الوضعية
كالصحة او الملكية بل مفاده نفي المسؤولية من العقوبة
والكفارة ونحوهما من الاثار الثقيلة والتبعات على المكلف.
انما الكلام في حكم عقد المكره بعد لحوق الرضا من قبل
المكره بعد العقد، فهل يحكم بصحته بمجرد ذلك بلا حاجة الى
اجازة او بشرط الاجازة كما في الفضولي،او لا يحكم بصحته
حتى مع الاجازة بل لابد من تجديد العقد؟ وجوه، بل
اقوال ثلاثة.
وظاهر المصنف الثاني مع الاحتياط الاستحبابي بتجديد العقد
اي القول الثالث،واختار بعض الفقهاء الاول.
ومدرك القول الثالث الذي حكم به الماتن(قدس سره) بنحو
الاحتياط يمكن ان يكون احد وجوه.
1-
ان الاكراه لايقع الا على مجرد التلفظ بالفاظ العقد، واما
القصد الجدي والتراضي فهو من افعال النفس التي لا يعقل فيها
الاكراه لانه خلف، والعقد ليس مجرد التلفظ، بل لابد فيه من
قصد الانشاء والتراضي فمع عدمه لا يتحقق عقدخارجا، ومعه لا
يجدي الاجازة بعد ذلك شيئا، فانها انما تصحح العقد التام انشاء.
ومنه يظهر الفرق بين المقام وبين عقد الفضولي، فان العقد
الانشائي تام فيه، وانماكان غير منسوب الى المالك لكي يكون
واجب الوفاء، حيث ان وجوب الوفاءخطاب للمالكين، وبالاجازة
تتحقق النسبة المذكورة. اما في المقام فالاشكال في اصل
تحقق العقد الانشائي، ومن هنا يكون اسوء من عقد الفضولي.
وفيه: ان كان المقصود عدم امكان تحقق العقد لانه عبارة عن
التراضي وهو ممتنع مع الاكراه، فيرد عليه: ان العقد ليس
متقوما بالتراضي بمعنى طيب النفس، بل بالتراضي بمعنى
التوافق والاتفاق، وهذا كاءي فعل آخر يمكن ان يتحقق مع
الاكراه،غاية الامر ليس فيه طيب النفس. وان كان المقصود ان
المكره يمكنه ان لايقصدالمعنى اصلا، فلا يكون هناك انشاء
واتفاق جدي بل مجرد التلفظ، فهذا وان كان معقولا الا انه لا
يلتفت اليه الا الخبير من الناس والا فالغالب تحقق الانشاء من
قبل المكره، ولو نتيجة الاضطراب والخوف وظاهر المخاطبة
والاستعمال ذلك ايضا،
فيكون كعقد الفضولي من هذه الناحية.
2-
ان ظاهر الاية اشتراط حصول التجارة والعقد ونشوئها عن
تراضي وطيب نفس المالك، والاجازة المتاءخرة من قبل المكره
لاتجعل عقده الصادر في حال الاكراه ناشئا عن تراض، لان
الواقع لاينقلب عما وقع عليه.
وفيه:
اولا: النقض بعقد الفضولي مع فرض عدم طيب نفس المالك
بالمعاملة حين الانشاء.
وثانيا: منع الاستظهار المذكور، بمعنى انه لو اريد ظهور الاية
في لزوم كون الانشاءللعقد عن تراض، فهو ممنوع. وان اريد
لزوم كون المنشاء هو التمليك والتملك صادراعن رضا وطيب
نفس المالك، فهذا يحصل ويتحقق بالاجازة المتاءخرة، فانه
يجعل التجارة والتملك عن تراض وطيب نفس المالك.
3-
ان خروج بيع المكره من ادلة الصحة حال الاكراه انما يكون
بالتخصيص وبعدذلك اذا حصل الرضا فلا اطلاق احوالي في
ادلة النفوذ والصحة لكي يشمله، وهذابخلاف عقد الفضولي،
فانه غير مشمول لادلة الوفاء والصحة لانها خطابات للمالكين،
وعقد الفضولي لا يكون منسوبا الى المالك الا بعد الاجازة،
فيكون اطلاق الدليل له اطلاقا افراديا لا احواليا.
ويلاحظ عليه:
اولا: انه مبني على عدم الاطلاق الازماني في مثل اوفوا بالعقود
واحل اللّه البيع،وهو محل تاءمل بل منع. ولهذا نجد الفقهاء
يرجعون اليه فيما اذا ثبت شرطية التقابض او فك الرهن او رفع
الحجر او اي شرط آخر في عقد من العقود بلحاظ مابعد تحقق
الشرط.
وثانيا: ان آية التجارة عن تراض قد اخذت الرضا وطيب نفس
المالك قيدا متصلا،فلا اطلاق افرادي لها الا للعقد والتجارة
عن رضا المالك والذي لا يصدق الا بعدتحقق الرضا المتاءخر
واجازة المكره للعقد، فيكون اطلاقه افراديا. بل لا يبعد
دعوى عدم اطلاق اوفوا بالعقود في نفسه لعقد المكره وانصرافه
عنه الا بعد الرضاوالاجازة، لان الالزام بالوفاء لا يناسب عقلائيا
وارتكازا مع الاكراه، بمعنى انه لاقبح عقلي ولا عقلائي في
نقض التعاهد الواقع عن جبر واكراه.
وهكذا يتضح ان القول الثالث ليس تاما.
|