وثانيا: ان هذا غايته لزوم الغرر في المدة المشكوكة لا
المتيقنة، فلو كان شهر واحدمتيقنا وانما الجهل والشك في
الزائد عليه كان الايجار صحيحا في الشهر وباطلا في الباقي، فلا
وجه للحكم بالبطلان المطلق، فان الاجارة كالبيع بلحاظ اجزاء
المنفعة المتساوية انحلالي، فاذا كان العقد باطلا بلحاظ بعضها
امكن ان يبقى صحيحابلحاظ الباقي المتيقن والمعلوم،
خصوصا اذا كان ذلك بانشاء مستقل كما في قوله آجرتك شهرا
بدرهم فان زدت فبحسابه. هذا مضافا الى وجود رواية معتبرة
قديستفاد منها الصحة على ما سياءتي في ختام البحث.
الثاني: ما ذكره بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) من دعوى
قدح الجهالة بمقدارالعوضين مطلقا في باب الاجارة ولو لم
يلزم منها الغرر والخطر، تمسكا بما تقدم في معتبرة ابي الربيع
الشامي من لزوم معلومية الاجرة والمنفعة معا((85))
«بشي ءمعلوم الى سنين مسماة ».
ويمكن المناقشة فيه:
اولا: ما تقدم من قوة احتمال نظر الرواية الى باب المزارعة لا
الاجارة.
وثانيا: لو سلم فهي لا تدل على اكثر من شرطية تحديد سنين
الاجارة بمقداريرتفع به الغرر لا اكثر.
وان شئت قلت: ان دلالتها على البطلان في فرض عدم تسمية
السنين انما يكون بمفهوم القيد والوصف، وهو لا يقتضي اكثر
من هذا المقدار، اعني البطلان اذا لزم من عدم التسمية
والتعيين الجهالة والغرر، بل باعتبار ارتكازية شرطية ذلك عند
العقلاءيتعين ارادة الاحترازية عن فرضية الغرر والجهالة.
والاستاذ(قدس سره) قد اعترف بنفسه هناك بعدم اقتضاء
الرواية شرطية المعلومية الا بمقدار رفع الغرر لا اكثر.
وثالثا: ما ذكر في الوجه السابق من ان هذا لو تم فغايته بطلان
الاجارة لغير الشهرالاول المتيقن وقوع الاجارة فيه.
الثالث: ما افاده بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) ايضا من ان
الايجار ان كان بلحاظ الزمان، كما اذا اراد ان يستاءجر الدار كل
شهر بدرهم سواء سكن فيه ام لا،فاما ان يكون مطلقا بان يلحظ
تمام الشهور والزمان ما دام حيا، او يقيده بسنة مثلااو غير ذلك،
او يجعله مهملا غفلة، فالاول فيه الجهالة بالمقدار، فلو قيل
بانها وحدهامن دون غرر لا يكون مبطلا صح والا بطل، والثاني
صحيح بلا اشكال، والثالث باطل لاستحالة الاهمال الثبوتي
وانتفاء التعين الواقعي.
وان كان الايجار معلقا على تقدير السكنى خارجا في الدار لزم
التعليق زائدا على الجهالة غير الغررية فتبطل الاجارة((86)).
وفيه:
اولا: ان هذه المنهجة في نفسها غير تامة، فان استحالة الاهمال
يوجب امتناع تحقق الانشاء والعقد لا تحققه خارجا وبطلانه
شرعا، بل لو امكن تحققه لم يكن مانع عن صحته، ولعله مقصود
الاستاذ من البطلان.
والصحيح انه لا اهمال وانما هو من العنوان الاجمالي، اي تقييد
زمان المنفعة المستملكة بالاجارة بقيد اجمالي مشير الى واقع
تلك المدة، من قبيل ان يستاءجرالدار الى المدة التي سوف
يسكنها او الى ان يرفع يده عنها او اي عنوان آخر من
هذاالقبيل، وهذه المدة في لوح الواقع متعين فيما بعد، كما انه
في عالم الانشاء الذي هوعالم المفاهيم العنوان الكلي الاجمالي
متعين لا اهمال فيه.
واما دعوى لزوم التعليق، فجوابها: ان القيد الاجمالي المذكور
قيد في متعلق التمليك لا في نفسه، فالمنفعة الى حين رفع
اليد او السكنى مملوك بالاجارة، لا ان التمليك والايجار معلق
على السكنى.
وثانيا: ما تقدم من ان هذا لايوجب بطلان الاجارة بلحاظ
المدة المتيقن وقوع السكنى والانتفاع فيها على كل حال
كالشهر الواحد، فانه اجارة تنجيزية ومعلومة على كل حال،
والمفروض انحلالية العقد بلحاظ اجزاء الزمان فيكون
صحيحابلحاظه وان كان ضمن انشاء واحد له وللمجهول كما
هو مقرر في محله.
الرابع: ان التعبير بان كل شهر بكذا لا يدل على اكثر من
تحديد النسبة بين العوض والمعوض، وانه لو تحققت الاجارة
والمعاوضة ففي قبال كل شهر كذا من الاجرة،واما انشاء اصل
المعاوضة والمبادلة بين العوضين فلا يدل عليه هذا الانشاء الا
بنحوالدلالة العرفية لو فرض احراز قصد المعاوضة والذي
قدره المتيقن شهر واحدمثلا فما زاد عليه لا دلالة في هذا
الانشاء على قصد المعاوضة فيه فلا عقد بلحاظه لكي يصح.
ولو فرض التصريح او الدلالة العرفية على انه يقصد المعاوضة
وتمليك ماسيختاره من مدة السكنى، فهذا المقدار لا تعين له
حين العقد فهذا نظير ان يقول: ابيعك مقدارامن صياع هذه
الصبرة سيتعين فيما بعد، فان هذا النحو من عدم التعيين قادح
في صحة العقود جزما لا من جهة الجهالة بالمقدار او الغرر بل
للترديد الثبوتي وعدم تشخص متعلق الالتزام العقدي واقعا
حين العقد، وهذا مما يتقوم به الالتزام العقدي،اذ من دونه لا
تشخص للالتزام ومتعلقه ولا انعقاد لالتزام مشخص، واما
انشاءالالتزام الذي سيتشخص متعلقه ويتعين فيما بعد فهذا في
قوة التعليق والترديد وعدم التنجيز في الالتزام وهو مبطل
جزما.
نعم لا يقدح الجهل بمقدار العوض او المعوض اذا كان متعينا
واقعا حين العقد اذا لم يلزم من الجهالة به الغرر كما اذا باعه
الصبرة كل صاع منه بكذا فان صياعها متعينة واقعا حين العقد
وان كان لا يعلم بمقداره الطرفان.
فالحاصل فرق بين المقام وبين مثال بيع الصبرة كل صاع منه
بكذا من حيث انه لاتعين لمقدار المنفعة ولا الاجرة المتعلقة
للتمليك والمعاوضة من الطرفين حتى ثبوتاحين العقد وانما
يتعين فيما بعد، بخلاف بيع صياع الصبرة فانه متعين ولكن لا
علم به اثباتا وهو لا يقدح مع عدم الغرر وحصول العلم
بالمحاسبة.
وعدم التعين بهذا المعنى مناف للتنجيز والتعيين المعتبر في
العقود
و
الالتزامات.
وبهذا يظهر ان وجه البطلان ليس هو الجهالة بالمقدار ولا
الغرر بل عدم التعين الثبوتي للعوضين وهو في حكم الترديد او
التعليق المبطل للعقود كافة وليس مختصابالاجارة وشرطية
عدم الجهالة فيها.
وهذا الوجه ايضا قابل للمناقشة، وذلك:
اولا انه لا يقتضي بطلان الاجارة مطلقا بل في الزيادة، واما
في المقدار المتيقن من المدة كشهر واحد في المثال تصح
الاجارة لانها مقصودة ومنشاة من قبل الطرفين وكونها ضمن
انشاء واحد لا يضر بعد ان كانت العقود انحلالية بلحاظ
متعلقاتها كماتقدم شرحه.
وثانيا اي مانع من الحكم بصحة الاجارة في الزائد ايضا فانه
كما يمكن الاتفاق على ان تكون المنفعة مدة معينة للمستاجر
باجرة معينة كذلك يمكن التوافق والتعاقد على ان يكون
للمستاجر الانتفاع بالعين ما شاء من الزمان في قبال ان يكون
للمالك بازاء كل شهر او كل يوم اجرة معينة فان هذا تعاقد
والتزام مشمول لعمومات الصحة ولادلة الاجارة ايضا.
ولا ترديد ولا تعليق في هذا الالتزام اصلا، وانما متعلقه انتفاع
المستاجر ما شاء او
المنفعة التي يريدها، وليس هذا من الترديد
ولا التعليق حتى عند العرف والعقلاءكما انه ليس فيه جهالة
ولا غرر بل معناه انه يحق له الانتفاع بالعين ما شاء ولا
يحق للمالك اخذها منه، وانما يستحق عليه بمقتضى لزوم هذا
التعاقد الاجرة المسماة.
فالحاصل لا وجه فني للقول ببطلان الاجارة في المقام كما لا
موجب لتاويل مثل هذه المعاهدات العرفية وصرفها الى الاباحة
بعوض او الجعالة او غير ذلك من التمحلات.
ومما يشهد على صحة هذا النحو من الايجار معتبرة ابي حمزة
عن ابي جعفر(ع)قال: «سالته عن الرجل يكتري الدابة فيقول:
اكتريتها منك الى مكان كذا وكذا فان جاوزته فلك كذا وكذا
زيادة ويسمي ذلك؟ قال: لا باس به كله»((87)).
واما اذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه لانه يغتفر فيها مثل
هذه الجهالة[1].
وقد حملها بعض الاعلام على ارادة الشرط ضمن عقد الايجار
الى المكان المعين،والشروط لا يقدح فيها الجهالة ولا التعليق.
الا ان هذا خلاف اطلاقها، بل صراحتها في ان ما يقع يكون
اكتراء واجارة خصوصامع ما في ذيل السؤال «ويسمي ذلك »
فان المركوز في ذهن السائل ان التسمية وعدم الجهالة شرط
في الاجارة فكانه يريد ان يقول انه لا توجد جهالة في الزيادة
ايضا،ولو كان المقصود الاشتراط ضمن العقد لم تكن الجهالة
قادحة فيه.
[1]الجعالة انما تكون ببذل المال من قبل شخص بازاء عمل
يقوم به الغير له، من قبيل ان يقول: من وجد ضالتي فله درهم.
وقد ذكروا انه لا يضر فيها الجهالة، كما ان الابهام والترديد غير
جار فيها، اذ لا يتعين الجعل الا بعد تحقق العمل المساوق
مع تعينه لا محالة.
والبحث في المقام تارة: في كيفية تطبيق الجعالة على المقام،
واخرى: في كبراها. اماتطبيقها في المقام فيمكن ان يكون تارة:
من طرف المستاءجر، بان يقول من اسكنني الدار شهرا مثلا فله
في قبال كل شهر درهم، واخرى: من طرف المالك فيقول
من اعطاني لكل شهر درهما فله سكنى الدار.
ويمكن ان يناقش في ذلك: بان الجعالة انما تكون عند العقلاء
في الاعمال فهوكالاجارة على الاعمال، فلابد وان يكون ما
يجعل الجعل بازائه عملا مرغوبا فيه عقلائيا بحيث يبذل المال
بازائه ويصح اجارته، وفي المقام تمليك الدرهم او
تمليك المنفعة الذي هو المراد من الاسكان في المقام ليس الا
عملا قانونيا لا مالية له،وانما المالية للمال المملك نفسه
بحيث يكون الجعل بازاء ذلك المال فيكون معاوضة، فاذا كان
عينا فهو بيع عرفا وان كان منفعة كانت اجارة للمنافع،
فاذااشترط في الايجار عدم الجهالة لزم ذلك في المقام ايضا.
وان شئت قلت: ان هذا معناه ان التمليك للدرهم او المنفعة
مجاني وان الجعل في قبال عمل التمليك، وهذا خلاف المرتكز
في باب الجعالة من انها مبادلة بين مالين،الجعل والعمل الذي
له مالية.
نعم تصح الجعالة على الاعمال، كما اذا قال من خاط هذه
الثياب كل قطعة منه بدرهم صح، ولم يقدح فيها جهالة عددها،
فتطبيق الجعالة في المقام مشكل، ولهذاعلق الميرزا
النائيني(قدس سره) في المقام بقوله: «لا خفاء في تقوم
الجعالة بان يكون تعيين الجعل والالتزام به ممن يبذله دون
الطرف الاخر، وان يكون بازاء عمل محترم دون منافع الاموال،
فكون المعاملة اجنبية عنها ظاهر».
ومثله عن السيد البروجردي(قدس سره) حيث قال: «لا معنى
للجعالة هنا، فان الجعالة هي جعل شي ء على نفسه لمن يعمل
عملا له، وها هنا جعل شي ء لنفسه على من يستوفي منفعة
ملكه ».
وقد حاول بعض اساتذتنا في مقام دفع الاشكال في المقام
تصوير الجعالة تارة من طرف المستاجر بان من يسكنه داره فله
درهم مثلا، واخرى من طرف المؤجر بان من يبذل لي درهما
فله سكنى الدار ومنفعته والاسكان والبذل عملان
محترمان يمكن بذل الجعل بازائهما كما في سائر موارد الجعالة.
والجواب: ما عرفت من ان هذا ليس عملا له مالية، وانما هو
بذل للمال، فليست المالية المطلوبة بهذا العقد الا للمبذول
صرفا وهو عين او منفعة وليس عملا فلايكون جعالة.
وكذا اذا كان بعنوان الاباحة بالعوض [1].
نعم البذل بمعنى التمليك او الاذن والاباحة عمل قانوني
انشائي وليس الجعل في الجعالة في قباله هنا جزما، نعم قد
يكون فعل التمليك او اي تصرف قانوني مطلوبالنفسه كمن
يريد من يتصدى بيع امواله او اجارتها فيستاجر وكيلا للقيام
بذلك فيمكن ان يكون بنحو الجعالة، الا ان هذا خارج عن محل
البحث. فاشكال الاعلام متجه في المقام.
[1]وقع الاشكال من قبل المحقق النائيني(قدس سره) في
تصوير الاباحة بالعوض «بان عوضية المسمى تتوقف على عقد
معاوضة صحيحة والا كان ما اباحه المالك بعوضه مضمونا
بالمثل او القيمة دون المسمى »
((88)).
والصحيح: انه يمكن تصوير الاباحة بالعوض على احد وجوه
ثلاثة:
الاول: ان يكون العوض كالدرهم في قبال كل شهر مثلا
عوضا عن عمل الاباحة لا المباح، فيكون جعالة بناء على صحتها
في مثل هذه الاعمال التي لا مالية لنفسها وانما تلحظ طريقا
الى مال خارجي وهو المال المباح فكما يمكنه ان يجعل الدرهم
لمن يملكه او يسكنه الدار كذلك يمكن ان يجعله لمن يبيح له
التصرف فيه،وبهذا يرجع الى التخريج السابق.
الثاني: ان يكون الدرهم شرطا في الاباحة، بان يبيح المالك
وياءذن في الانتفاع بالدار لمن يعطيه درهما مجانا، فمن لا
يعطيه ليس مصداقا للمباح له، وهذا يجعل الدرهم مملكا مجانا،
لا انه عوض عن الاباحة او المباح، فتسميته بالعوض
يكون مسامحة لا محالة، كما انه خلاف الارتكاز العرفي بحيث لا
يمكن حمل اجرة الحمامي ونحوه على ذلك، لوضوح عدم قصد
المجانية فيها، ومن هنا عبر بالاباحة بالعوض. ويترتب على ذلك
بعض الاثار كالضمان فانه اذا كان تمليك الدرهم مجانيافلا
ضمان اذا كان فاسدا وتلف بيد المالك للدار قبل ان يستفيد
مالك الدرهم كما انه يجوز للمملك الرجوع فيه قبل التلف اذا
كان لغير ذي رحم لانه هبة مجانية غيرمعوضة فيجوز الرجوع
فيها، بخلاف ما اذا كان عوضا عن الاباحة.
الثالث: ان يكون الدرهم اي العوض قيدا في المباح لا
الاباحة، اي ياءذن ويبيح الانتفاع ولكن لا مجانا بل في قبال
عوض مع تعيينه في المسمى، والاباحة بعوض بهذا المعنى
تتضمن لا محالة نحوا من التوافق والتعاقد بينهما وليست اباحة
محضة فنحتاج الى ما يدل على تصحيحه كما ذكر
الميرزا(قدس سره) وهذا ما يمكن تخريجه وتحليله باحد
وجوه:
فالحاصل: لا معاوضة ولا التزام بلحاظ الاباحة من قبل المالك،
كما لا التزام من الطرف الاخر على دفع العوض في قبال الاباحة
وانما التوافق على مقدار الضمان على تقدير الاستيفاء فيكون
المستوفي ملزما به اذا استوفى بدلا عن ضمان المثل اوالقيمة.
2-
ان تكون الاباحة بعوض بنحو يكون العوض مقابلا للاباحة او
المباح. فالمالك يبيح سكنى الدار مثلا في كل شهر في قبال
درهم ومالك الدرهم يملك الدرهم في قبال اباحة السكنى كل
شهر. وهذا ايضا نحو تعاقد بل تجارة مشمول لعمومات(اوفوا
بالعقود) و (تجارة عن تراض) فيكون صحيحا ونافذا. غاية الامر
تارة:يكون التوافق على ان كل شهر يريده المستاجر يبيحه
المالك له بدرهم، فيكون الاختيار بيد المستاجر.
واخرى: يكون بالعكس، اي كل شهر يريد المالك اباحته للغير
يكون بدرهم، فيكون الاختيار بيد المالك، فكلما اباح له شهرا
كان الاخر ملزما بدفع الدرهم، فلا التزام من قبل المالك
باباحته كل شهر. وحيث ان هذه المعاملة ليست باجارة بل هو
عقدمستقل فلا مانع من الجهل بالمدة التي سوف يبقى فيها
في الدار، او التي سوف يبيحها المالك ولا بمقدار مجموع
الدراهم التي سوف تكون له.
وقد اختار اكثر المحققين ومنهم السيد الماتن(قدس سره)
في بحث المعاطاة صحة الاباحة بالعوض وانها عقد مستقل بل
وتجارة مشمول لعمومات الصحة واللزوم ودفعوا الاشكال الذي
طرحه الشيخ الاعظم(قدس سره) من انها غيرمتعارفة وغير
معهودة او انها لا يصدق عليها عنوان البيع او التجارة بصدق
التجارة عليها لانها بمعنى مطلق الاكتساب، ولا يلزم في
المعاوضة المالية ان تكون المبادلة بين مالين من حيث
الملكية، بل قد يكون من ناحية الاباحة من احد الطرفين
اوكليهما مع ان غاية ذلك منع التمسك بية (تجارة عن تراض)
وآية (احل اللّهالبيع)، واما آية (اوفوا بالعقود) وروايات «المؤمنون عند شروطهم » بناء على شمولها للعقود فلا مانع
من التمسك بها لاثبات الصحة واللزوم((89)). وخالف في ذلك
الميرزا النائيني(قدس سره) مصرا على بطلانها كمعاملة
مستقلة هناك كمااشار في تعليقته الى ذلك هنا((90)).
وحاصل اشكاله: ان المعاوضة والتكسب انما يصدق فيما اذا كان
هناك حق مكتسب من الطرفين، ومجرد الاباحة والاذن ليس
فيه اي انتقال مال او حق الى المباح له، لان المبيح لا يلتزم
بشي ء له وانما يبرز رضاه وطيب نفسه بالتصرف في ماله
المترتب عليه جوازه وحليته شرعا ويدور مداره فمتى لم يرض
لم يجز للاخرالتصرف، وهذا ليس عقدا، فضلا من ان يكون بيعا
او تجارة.
وحل هذا الاشكال يتوقف على تحليل مضمون الاباحة بالعوض
بهذا المعنى، فانه اذا كان بمعنى مجرد الاذن في التصرف ولو
في قبال العوض فهذا لا يصيره عقدا،واما ان كان بمعنى التزام
المبيح بالاباحة زائدا على اذنه ورضاه بالتصرف، وكان
هذاالالتزام في قبال الالتزام بتمليك العوض من الاخر كان
عقدا لا محالة لانه من الالتزام في مقابل الالتزام وهو يوجب
الحق للاخر كما في سائر العقود والالتزامات المتقابلة، والظاهر
انه كذلك في موارد المقابلة.
نعم وقع البحث في لزوم هذه الاباحة عندئذ وضعا، بمعنى انه
اذا رجع المبيح عن اذنه هل ترتفع الاباحة للطرف الاخر وان
كان ذلك على خلاف التزامه فيكون محرما عليه تكليفا وموجبا
لحق فسخ الاخر واسترجاع العوض، ام لا ترتفع الاباحة فاللزوم
تكليفي ووضعي؟
ذهب بعضهم كالمحقق الايرواني((91)) وبعض الاعلام
المعاصرين((92)) الى الاول. وظاهر اكثر القائلين بالصحة
بعنوان عقد ومعاملة مستقلة الثاني((93)). وكان التزامه
بالاباحة عندهم بمعنى التزامه بكونه مباحا له وكون الطرف
ماذونا في التصرف بنحو شرط النتيجة نظير الالتزام بكونه
وكيلا عنه ضمن عقد لازم.
الا ان هذا ان كان معقولا وصحيحا في باب الوكالة فهو غير
صحيح في باب الاباحة، لان كونه مباحا له في مقابل المالك
بحيث لا يحق للمالك الرجوع ولاالتصرف في ماله مرجعه الى
سلب سلطنته على التصرف في المال، وهذا عبارة اخرى عن
تمليك المنفعة او اعطاء حق الانتفاع اليه في قبال المالك وهو
الاجارة،وهذا بخلاف الالتزام بكونه وكيلا عنه بنحو شرط
النتيجة، فان الوكيل يتصرف عن المالك فيبيع له لا لنفسه فلا
ينافي سلطنة المالك على البيع لنفسه ايضا.
وان شئت قلت: ان الماذونية في التصرف ماخوذ في ذاتها بقاء
سلطنة المالك على التصرف وعدم زوالها والا لم تكن ماذونية
بل انتقال حق يرتفع به موضوع سلطنة المالك فيكون بيعا او
ايجارا، وتمام الكلام في ذلك متروك الى محله من كتاب البيع.
3-
ان تكون الاباحة من المالك مع اشتراط تمليك الدرهم في
قبال كل شهر بنحوشرط النتيجة او شرط الفعل من قبل الاخر
على غرار الشروط ضمن العقود لا بنحوالتعليق والا لرجع الى
النحو الثاني المتقدم وهذا وان كان يرجع لبا وثبوتا الى
ان الاباحة مشروطة ومقيدة بالالتزام بالشرط، كما ان الالتزام
الشرط ي مقيد بالاباحة ومشروط به، فاذا رجع المالك عن
الاباحة لم يكن موضوع للشرط فيجوز له الرجوع بالدرهم او
بمقدار منه بالنسبة. الا انه لا يوجب الزام المالك بالاباحة
في كل شهر. كما انه على تقدير الاباحة يكون الشرط نافذا
وواجب الوفاء على المباح له، لانه ليس شرطا ابتدائيا فتشمله
عمومات «المؤمنون عند شروطهم ». وليس هذامعاوضة
ليتوهم اشتراط معلومية المقدار ونحوها فيه.
لا يقال: لابد وان يكون الشرط ضمن العقد ليكون نافذا
وواجب الوفاء والاباحة ليست عقدا.
فانه يقال: مقتضى اطلاق «المؤمنون» نفوذ كل التزام شرط ي
خرج منه الشرط الابتدائي اما بالاجماع وقدره المتيقن الشرط
الابتدائي المحض. او من باب عدم صدق عنوان الشرط الا على
الالتزام الذي يكون قيدا وشرطا لالتزام وانشاء آخر،وهذا صادق
في المقام لان الالتزام بتمليك العوض شرط للاباحة والاذن
من المبيح. فالاباحة مقيدة ومنوطة بالالتزام الشرط ي فيجب
الوفاء به على تقديرالاباحة.
وهكذا يتضح ان تخريج المسالة على اساس الاباحة بعوض لا
ينحصر بما ذكره بعض اساتذتنا (قدس سره) في رد كلام
الميرزا(قدس سره) من الاباحة المعلقة على تمليك العوض
مجانا، بل له وجوه عديدة وتكون الاثار والنتائج
المترتبة مختلفة ايضا، واللّه الهادي للصواب.
[ مساءلة 11]: اذا قال ان خطت هذا الثوب فارسيا اي بدرز فلك
درهم وان خطته روميا اي بدرزين فلك درهمان، فان كان
بعنوان الاجارة بطل لما مر من الجهالة، وان كان بعنوان الجعالة
كما هو ظاهر العبارة صح[1].وكذا الحال اذا قال: ان عملت
العمل الفلاني في هذا اليوم فلك درهمان،وان عملته في الغد
فلك درهم، والقول بصحة الاجارة في الفرضين ضعيف،
واضعف منه القول بالفرق بينهما بالصحة في الثاني دون الاول.
[1]يمكن الاستدلال على بطلان الاجارة في المقام باحد وجوه:
الاول: الجهالة في العمل المملوك والاجرة المملوكة، وهي
توجب البطلان حتى اذالم تكن موجبة للغرر.
وقد تقدم الاشكال في ذلك وانه لا دليل على مبطلية مطلق
الجهالة ما لم يلزم منهاالغرر. بل لا جهالة في المقام ايضا لان
متعلق كل من الاجارتين معلوم مشخص،كما ان اجرته كذلك
وما يقصده المؤجر احد الامرين المشخصين وهو ايضامشخص
ومعلوم.
ولعله لهذا اختار المحقق(قدس سره) في الشرايع((94))
الصحة في هذه المساءلة دون المساءلة السابقة.
الثاني: عدم تعين العمل الواقع عليه العقد وابهامه وتردد ما
يستحقه كل منهما على الاخر حتى واقعا قبل العمل لانه عبارة
عن احدى الخياطتين لاكلتاهما، اذ لا يمكن اجتماعهما معا،
ولا هو مقصودهما واحدهما المردد لاوجود له في الخارج ولا
هومقصود ايضا وانما المقصود كل واحد منهما بدلا وعلى سبيل
التخيير وهذا معناه الترديد في الاجارة وهو مبطل، وانما صحت
الجعالة لان التمليك يحصل فيها عنداداء العمل ومعه يكون
متعينا فيتعين العوض ايضا، فلا ترديد ولا ابهام في البين.
وقد نوقش المثال من قبل بعض اساتذتنا العظام(قدس سره)
بان الدرز والدرزين من قبيل الاقل والاكثر، فيكون الاقل متعلقا
للايجار على كل حال والاكثر مشكوكافيصح في الاقل((95))،
ومن هنا فصل بين ما يكون عملين متباينين وما يكون
من الاقل والاكثر.
ويمكن المناقشة فيه بان الخياطة بالدرزين تختلف عن
الخياطة بالدرز الواحد،بمعنى ان الدرز فيها مقيد بكونه ضمن
الدرزين اي الدرز في الخياطة الرومية تختلف عنه في الخياطة
الفارسية بالخصوصية، كما تختلف في القيمة والمالية،فليسا
من الاقل والاكثر بل من المتباينين. نعم يصح ان يؤجره على
الخياطة بدرزواحد بدرهم مع اشتراط انه لو زاد درزا آخر فله
درهم آخر، فان هذا من الاقل والاكثر.
والصحيح: المناقشة في هذا الوجه كبرويا، اذ الاجارة بحسب
الحقيقة تقع على احدالعملين والجامع بينهما مع كون
الاختيار بيد العامل فيستحق عليه احد العملين ويكون التعيين
باختيار العامل وايهما فعل استحق ما عين له من الاجرة، فلا
اهمال ولا ترديد ولا تعليق.
وان شئت قلت: انه لا دليل على لزوم التعيين اكثر من هذا
المقدار في العقود ولا في الايجار.
ومنه يظهر الاشكال فيما ذكره الاستاذ(قدس سره) وحاصله:
ان تعلق الاجارة في المقام بكلا العملين معا موجب للبطلان
لعدم قدرة الاجير على الجمع بينهما وتعلقهاباحدهما مرددا
باطل ايضا لان احدهما المردد لا تعين له حتى في صقع
الواقع وتعلقها بواقع احدهما الذي سيحققه الاجير بنحو الاشارة
الاجمالية باطل ايضالانها مضافا الى ما فيه من الجهالة القادحة
في الاجارة ان هذا العنوان لا تعين له الان بل قد لا يتعين الى
الابد كما اذا لم يقم الاجير بالعمل، وهذا الترديد وعدم التعيين
يوجب بطلان الاجارة وعدم وجود متعلق لها يستحقه كل
من الطرفين((96)).
فان هذا كله بلا موجب، بل الاجارة متعلقة بالجامع مع كون
التطبيق والتعيين بيدالعامل ويكون المستحق عليه هو الجامع
بالنحو الذي ذكرناه وهذا المقدار يتعين عرفا ولا دليل على
عدم كفايته كما لا جهالة ولا غررية فيه.
ولا فرق في ذلك بين كون العملين من الاقل والاكثر من
جنس عمل واحد او من المتباينين بين جنسين، كما لا فرق
بين كونهما متضادين اي لا يمكن الجمع بينهمااو غير
متضادين، فما في كلمات بعض اساتذتنا العظام(قدس سره)
من قياس المقام بباب التزاحم بين الواجبات المتضادة اجنبي
عن البحث بالمرة موضوعاوحكما.
الثالث: ان المستفاد من الروايات الواردة في بطلان البيع
بثمنين نقدا بكذا ونسيئة بكذا لزوم تعيين العوض والمعوض في
العقد.
ففي معتبرة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) «قال: قال امير
المؤمنين(ع): من باع سلعة فقال ان ثمنها كذا وكذا يدا بيد
وثمنها كذا وكذا نظرة فخذها باءي ثمن شئت،وجعل صفقتها
واحدة فليس له الا اقلهما وان كانت نظرة. قال: وقال(ع) من
ساوم بثمنين احدهما عاجلا والاخر نظرة فليسم احدهما قبل
الصفقة »((97)). وفي معتبرة عمار وغيرها
«نهى النبي عن
شرطين (او بيعين) في بيع »((98)).
وظاهر النهي الارشاد الى الفساد في امثال المقام، وهي وان
كانت واردة في البيع الا انه يمكن اقتناص كبرى كلية هي انه
لابد من تعيين العوض والمعوض في المعاوضات، فالترديد
يوجب البطلان.
وفيه: ان مفاد هذه الروايات النهي عن الترديد في الثمن
بلحاظ الزمان اعني التفرقة بين النقد والنسيئة، فلعل نكتة
البطلان ان بيع الشي ء الواحد بالنحو المذكورصفقة واحدة
يجعل الزيادة بازاء التاءجيل حقيقة، وهذا هو روح الربا او
شبيه به.
واين هذا من المقام الذي يكون التغيير في الاجرة على اساس
الاختلاف في نوع العمل وماليته، بل لا يمكن التعدي حتى الى
المثال الثاني، وهو ان يخيط له اليوم بدرهمين وغدا بدرهم،
لان زيادة الدرهم بازاء التعجيل لا التاءجيل.
هذا مضافا الى ورود الروايات المذكورة في البيع بحيث لا
يمكن التعدي منه الى الاجارة مع فرض وجود احكام خاصة
بباب البيع في النقد والنسيئة وفي المفاضلة والربا.
وهكذا يتضح: ان مقتضى القاعدة صحة الاجارة في المقام في
المثالين معا، كماذهب اليه جملة من الفقهاء كالشيخ في
المبسوط والمحقق في الشرايع والعلا مة في التحرير، واختاره
من المعاصرين السيد البروجردي(قدس سره) في تعليقته
على العروة. ثم لو فرض بطلان الاجارة باحد الوجوه المذكورة،
فهو يختص بفرض الترديد لا ما اذا كان هناك انشاءان وايجابان
عرضيان بالنسبة للعملين معا والاجيريقبل احدهما فيتعين
ويلغو الثاني، فانه لا اشكال في الصحة عندئذ اجارة
لتعين العوض والمعوض، والقبول كما يمكن ان يكون باللفظ
يمكن ان يكون بالفعل وتقديم العمل.
ثم ان الوجه فيما ذكره في المتن من القول بالصحة في المثال
الثاني دون الاول يمكن ان يكون باحتمال رجوع الايجار فيه الى
الايجار على اصل العمل وجامعه آكالخياطة مثلا مع اشتراط
انه اذا وقع اليوم زاد في الثمن درهما، فيكون متعلق الاجارة
اعني العوض والمعوض متعينا ومعلوما، كما انه لا جهالة في
الشرط، وانماهو من التعليق فيه وهو لا يقدح في الصحة قطعا.
وهذا لا يعقل في المثال الاول،لتباين العملين.
ومنه يعلم انه كلما كان العملان غير متباينين ولهما اقل واكثر
ولو بنحو الجامع والخصوصية امكن تصحيح المعاملة بالنحو
المذكور، الا انه خلاف ظاهر الترديدفيما اذا تعلقت الاجارة
بنفس العملين. ولعله لهذا جعله اضعف من القول بالصحة
في كليهما، الا ان ظاهر المتن وجود القائل بهذا التفصيل، مع
انه لا قائل بذلك وانماظاهر جملة من عبارات الاصحاب القول
بالصحة في الاول والتردد في الثاني،فراجع كلماتهم.
وعلى ما ذكرناه من البطلان فعلى تقدير العمل يستحق اجرة
المثل، وكذافي المساءلة السابقة اذا سكن الدار شهرا او اقل او
اكثر [1].
[1]هذا هو مقتضى قاعدة مايضمن بصحيحه يضمن بفاسده،
فان المقام من تطبيقاته.
وان شئت قلت: ان العمل او المنفعة لم يقدمه المالك للاخر
مجانا وبلا عوض، بل باءمر المستاءجر على وجه الضمان، فيكون
مضمونا ضمان الغرامة، وهذا لا اشكال فيه، وقد ارسله
الماتن(قدس سره) والمشهور هنا وفي مبحث البيع
ارسال المسلمات.
الا ان بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) قد استشكل في المقام
على ما في تقريرات بحثه بان المالك للمنفعة او الاجير قد
اقدم على العمل باجرة المسمى،فاذا كانت اقل من اجرة المثل
كان معنى ذلك اقدامه على المجانية بلحاظ تلك الزيادة
وتنازله عنها بلا عوض، فيوجب ارتفاع الضمان بمقداره، اذ لا
فرق في الاقدام على المجانية بين الاقدام على ذلك بلحاظ
اصل المالية او مقدار منها، نعم لوكانت اجرة المسمى اكثر من
اجرة المثل فلا وجه لاستحقاق الاجير للزيادة الا صحة العقد،
والمفروض بطلانه. ومن هنا حكم بضمان اقل الاجرتين من
اجرة المسمى او اجرة المثل، وقد ادعي ان هذا هو الموافق مع
المرتكز العقلائي ايضا((99)).
ونلاحظ على ذلك:
اولا: ان هذا لو تم في باب الاجارة لتم في غيرها ايضا من العقود
التي تضمن بصحيحها كالبيع ايضا، فلابد من القول في القاعدة
المذكورة بان الضمان انما يكون باءقل القيمتين من المسمى
والقيمة السوقية، وهذا ما لم يلتزم به نفسه.
وثانيا: حل هذا الاشكال، بان الاقدام على المجانية غير حاصل
في المقام، اذالمراد منه الاقدام على المجانية ورفع اليد عن
المال واحترامه للغير بالفعل، وهذاكما قيل لا يفرق فيه بين
رفع اليد عن تمام المالية للمال او جزئها، الا ان ذلك انمايكون
فيما اذا اراد ان يهب او يرفع يده عن جزء من ماله للاخر بالفعل،
فانه لو تلف ذلك الجزء عنده لا يكون فيه ضمان، واما في موارد
التعاقد بنحو المعاوضة فلايوجد اقدام على المجانية اصلا، وانما
الاقدام على التخفيف والتنازل عن جزء عن القيمة في قبال
العوض، وهو اقدام على المبادلة واعطاء المعوض للغير بعنوان
انه يملكه لا المجانية، وهذا يعني انه لو كان هناك تنازل عن
جزء من مالية وقيمة المعوض، فهو بنحو مشروط بتحقق
المبادلة والمعاوضة اي صحة العقد وحصول الملكية من حين
العقد للطرفين، وهذا غير ضمان الغرامة على تقدير التلف
والذي يحصل فيه تملك المبدل من حين التلف، فالعاقد على
تقدير بطلان عقده لا يكون راضيا بتلف مالية ماله بيد الغير لا
اصلها ولا جزئها، وانما يخفف له اذا كانت المعاوضة تامة، نعم لو
احرزنا رضا المالك بذلك على كل تقدير حتى اذا كان
العقدفاسدا، كما اذا كان يعلم ببطلان العقد ومع ذلك اقدم
على وضع ماله تحت يد الغيرولو ادى الى التلف لم يكن هناك
ضمان بالمقدار الذي اقدم على المجانية، الا ان هذاخارج عن
البحث ولا يستظهر ذلك من مجرد تعيين المسمى كما هو
واضح.
هذا مضافا: الى ان ما ذكر من التنازل واقدام المالك على
المجانية بلحاظ [مساءلة 12]: اذا استاءجره او دابته ليحلمه او
يحمل متاعه الى مكان معين في وقت معين باجرة معينة كاءن
استاجر منه دابته لايصاله الى كربلاء قبل ليلة النصف من
شعبان ولم يوصله فان كان ذلك لعدم سعة الوقت وعدم امكان
الايصال فالاجارة باطلة. وان كان الزمان واسعا ومع هذا قصر
ولم يوصله، فان كان ذلك على وجه العنوانية والتقييد لم
يستحق شيئا من الاجرة لعدم العمل بمقتضى الاجارة اصلا
نظير ما اذا استاءجره ليصوم يوم الجمعة فاشتبه وصام يوم
السبت، وان كان ذلك على وجه الشرطية بان يكون متعلق
الاجارة الايصال الى كربلاء ولكن اشترط عليه الايصال في ذلك
الوقت فالاجارة صحيحة والاجرة المعينة لازمة لكن له
خيارالفسخ من جهة تخلف الشرط ومعه يرجع الى اجرة المثل
[1].
مقدار من المالية انما يتم صغراه فيما اذا كان التفاوت بين
القيمة السوقية والمسمى من حين العقد، لا ما اذا حصل ارتفاع
في القيمة السوقية بعد العقد وقبل التلف كمالا يخفى.
فالصحيح: ما عليه المشهور من ان مقتضى القاعدة ضمان
الغرامة، اي القيمة السوقية في موارد المقبوض بالعقد الفاسد
من غير فرق بين باب الاجارة وغيرها من العقود.
[1]يتعرض السيد الماتن(قدس سره) في صدر هذه المساءلة
الى حكم ما اذا لم ياءت الاجير بالعمل المستاءجر عليه في
الوقت المحدد له في عقد الاجارة. وقدحكم ببطلان الاجارة اذا
كان الوقت لا يسع لذلك العمل، لعدم القدرة على التسليم او
عدم مملوكية العمل او عدم وجود المحل على المباني
المتقدمة في وجه بطلان الاجارة على غير المقدور واما اذا
كان الوقت يسع للعمل وانما قصر في الاداءففصل بين كون
الوقت المحدد قيدا في متعلق الاجارة او شرطا ضمن العقد،
فحكم بالبطلان على التقدير الاول وعدم استحقاق الاجير
لشي ء على المستاءجر، لان ماوقع منه لم يكن متعلقا للاجارة
اصلا، وحكم بالصحة على التقدير الثاني مع خيارتخلف الشرط
للمستاءجر واذا فسخ رجع الاجير عليه باجرة مثل عمله، لانه
وقع بامره، فيكون ضامنا لاجرة مثله.
ولنا في المقام عدة ملاحظات:
الثانية: قد يقال بان مقتضى القاعدة في صورة التقييد وعدم
اداء الاجير للعمل ليس هو البطلان، بل صحة الاجارة
واستحقاق المستاءجر لقيمة العمل في ذمة الاجير آوالتي قد
تكون اكثر من اجرة المسمى لان صحة الاجارة ليست منوطة
بالاداءوالوفاء، وانما منوطة بتمامية العقد والقدرة على العمل
المفروض تحققها، فيكون للمستاءجر المطالبة بذلك اي
تضمين الاجير، كما يكون له ايضا حق الفسخ من باب عدم
تسليمه العمل، فاذا وجد ان اجرة المسمى اكثر من اجرة المثل
امكنه ان يفسخ ويسترجع اجرة المسمى.
وهذا هو مقتضى القاعدة في سائر الموارد، ففي البيع مثلا اذا
اتلف البايع المبيع ولوقبل قبضه كان ضامنا لقيمته للمشتري،
كما كان للمشتري حق الفسخ من جهة عدم تسليم المبيع،
وكذلك في الاجارة على الاعيان اذا منع المالك المنفعة عن
المستاءجرفانه يضمن اجرة المثل كما يكون له حق الفسخ اذا
كان المنع قبل التسليم.
ومن هنا علق بعض الاعلام على المتن بان الاجارة صحيحة
في الصورتين.
والتحقيق: اننا اذا مشينا حسب المسلك الفقهي في باب
الاجارة على الاعمال من كونها كالاجارة على الاعيان من باب
تمليك العمل للمستاجر فالصحيح التفصيل بين العمل الكلي
في الذمة والعمل الخارجي، فاذا كان العمل المستاءجر عليه
كليا في ذمة الاجير فالمملوك بالعقد فعلي وهو العمل الذي
سواء اداه الاجير خارجا ام لا،فحاله حال المبيع الكلي في
السلف اذا ما لم يؤده البايع حتى تعذر عليه الاداء، فانه يضمن
قيمته كما يكون للمشتري حق الفسخ واسترداد الثمن.
واما اذا كان العمل المستاءجر عليه شخصيا خارجيا، نظير
المنفعة الخارجية بان يملك المستاءجر بالعقد شخص العمل
والمنفعة التي سوف تتحقق من الاجير في الخارج بلا اشغال
لذمته بمال ذمي بحيث يكون المملوك استقباليا والملكية
حالية آبخلاف العمل في الذمة فان المملوك فيه فعلي ايضا في
ذمة الاجير ففي مثل ذلك يتم ما ذكره المشهور من انفساخ
الاجارة اذا ما لم يؤد الاجير العمل خارجا.
ويمكن ان يوجه ذلك باحد بيانين:
الاول: بان هذا عند العرف يعد من باب انتفاء المعوض في
الخارج، بخلاف مواردالمنفعة الاستقبالية، فان لها وجودا
بوجود موضوعها وهو العين، فاذا اتلفها المالك اوغيره ولو
باتلاف العين ضمن قيمتها بالاتلاف، واما العمل في الخارج
فليس قيامه بالفاعل كقيام المنفعة بالموضوع بل مع عدم الاداء
لا وجود لذلك العمل من اول الامر.
فالحاصل: المنفعة الاستقبالية الخارجية لها نحو ثبوت بقطع
النظر عن الاداءوالوفاء، فيصدق فيه التفويت والاتلاف على
مالكها، بخلاف العمل الشخصي الخارجي فانه لا يتصور العرف
ثبوتا له في الخارج مع قطع النظر عن الاداء، فاذا لم يؤد الاجير
العمل كان ذلك مساوقا مع انتفاء المعوض، وهو يوجب
البطلان وانفساخ الاجارة قهرا.
الثاني: ان يدعى وجود شرط ضمني في مورد الايجار على
العمل الخارجي بان الاجير اذا لم يود العمل لم يستحق الاجرة،
بمعنى انفساخ العقد على تقدير عدم الاداء، لان الاجرة في قبال
الاداء والعمل الخارجي لا في قبال العمل في الذمة،فكاءن هذا
يستبطن مثل هذه الشرطية.
واما اذا انكرنا رجوع اجارة الاعمال الى باب التمليك للعمل بل
مجرد الالتزام باداءالعمل للمستاجر فما ذكره المشهور من
القول بالانفساخ بترك العمل سواء كان كليافي الذمة او خارجيا
هو الصحيح، وهذا احد الفروق بين المسلكين وسياتي
مزيدتفصيل لذلك في بعض المسائل القادمة.
الثالثة: افاد المحقق الاصفهاني(قدس سره) بانه لا وجه للقول
بالخيار للمستاءجرعلى القول بصحة العقد بناء على التقييد،
لان الخيار في موارد تعذر التسليم انما هولجبر ضرر الصبر الى
ان يتيسر، وهذا لا موضوع له بعد فرض امتناع حصول العمل بعد
فوات وقته، وقد افاد في هذا الصدد البيان التالي: «وبالجملة الضرر المتوهم هنا اما ضرر فوات الغرض المعاملي
بالعمل الخاص، واماضرر ذهاب الاجرة المبذولة بازاء العمل
الخاص الذي لم يصل اليه، واما ضررالصبر الى ان يرتفع التعذر.
اما الاول فهو لا ينجبر بالخيار، لان الفسخ لا يوجب وصوله الى
غرضه المعاملي، واما الثاني فالاجرة كانت بازاء العمل الخاص
ولم يتخلف حتى تذهب الاجرة هدرا، لانه ملكه بالعقد والان
باق على ملكه وله استيفاؤه بماليته، واما الثالث فقد عرفت انه
ممتنع الحصول، فلا مجال للصبر حتى يتضرر، فالاقوى عدم
الخيار»((100)).
وفيه:
اولا: ان مدرك الخيار في موارد تعذر التسليم لا ينحصر في
قاعدة لا ضرر، بل يمكن تخريجه على اساس تخلف الشرط
الضمني بالتسليم والتسلم.
وثانيا: بناء على استفادة الخيار من قاعدة لا ضرر يمكن ان
تطبق القاعدة على لزوم العقد على تقدير عدم التسليم لاحد
العوضين، فانه بنفسه حكم ضرري عقلائيابعد ان كان تسليم
احدهما في قبال الاخر، وتفصيل ذلك متروك الى محله من
بحث الخيارات.
الرابعة: صريح المتن عدم استحقاق الاجير لاجرة المثل اذا ادى
العمل فاقداللخصوصية بناء على التقييد اي ارادة المستاجر
للمقيد بما هو مقيد لا لذات العمل والقيد بنحو تعدد المطلوب،
لانه لم يعمل بمقتضى الاجارة اصلا، وما جاء به لم يكن متعلقا
لها، فيكون عليه هدرا.
وهذا المطلب لا اشكال فيه اذا فرض ان الاجير كان يعلم حين
الاداء ان مايعمله ليس متعلقا للاجارة، لانه لا يقع مع
الخصوصية المطلوبة للمستاءجر، فيكون بذلك قد اقدم عالما
عامدا على هتك حرمة عمله وان كان قد استفاد منه
المستاءجر، نظيرمن يخيط ثوب الاخر بدون الاجارة ولا امر
منه.
واما اذا كان ذلك قد صدر منه بعنوان الوفاء بالاجارة بتصور انه
يمكن تحقيق العمل الخاص المستاءجر عليه ولكن بعد اداء تمام
العمل او مقدار منه ظهر تعذرالخصوصية ولو من جهة
تاءخيره في مبدا العمل تقصيرا فهل يحكم في ذلك ايضابعدم
استحقاق اجرة المثل لما اداه من العمل ام لا؟ ظاهر الفتاوى
الاول، واختارالمحقق الاصفهاني(قدس سره) الثاني مستدلا
عليه: بان العمل الماءتي به في غيروقته، حيث انه اتى به الاجير
في مقام الوفاء بالاجارة وان تعذر صيرورته وفاء، ولم يقصد
المجانية حتى يكون هاتكا لحرمة عمله، فلا محالة يستحق
اجرة مثل عمله المحترم، فمجرد عدم كونه وفاء يقتضي عدم
استحقاق المسمى لا سقوط عمله عن الاحترام((101)).
وهذا الاستدلال بهذا المقدار يمكن المناقشة فيه: بان مجرد
عدم اقدام العامل على المجانية في عمله وعدم هتكه لحرمته
لا يكفي لثبوت ضمانه واجرته على الاخر،اذ يشترط في الضمان
زائدا على عدم اقدام المالك على المجانية وهتك حرمة
ماله تلفه تحت يد الغير بقبضه كما في باب الاعيان والمنافع
او بامره كما في باب الاعمال.
اما حيث لا يكون شي ء من هذين الامرين كما في المقام فلا
وجه لتضمين المستاءجر، فحال هذا العمل حال ما اذا تخيل ان
الاخر طلب منه او آجره على عمل معين ففعله له ثم انكشف انه
اشتبه في الامر، ولم يكن هناك طلب ولا ايجار، فانه لاضمان
في البين رغم انه جاء بالعمل بعنوان الوفاء من دون اقدام على
المجانية ولاهتك حرمة عمله.
ويمكن ان يستدل على ما ذهب اليه المحقق الاصفهاني(قدس
سره) باحد بيانين آخرين.
الاول: التمسك بقاعدة الاثراء بلا سبب التي تبناها الفقه
الوضعي بدعوى: انها قاعدة عقلائية تقتضي ان كل ثراء يحصل
في مال الغير بلا سبب واستحقاق عقدي اوقانوني بفعل الغير
يكون منشاء للضمان، ومن هنا جعلوا ذلك احد مصادر
الالتزام والحق الشخصي المديونية ((102)).
وفيه: ان هذا المبدا لا اساس واضح له في فقهنا، لا في
النصوص الشرعية ولا في مرتكزات الفقهاء والمتشرعة بهذا
العنوان، وتفصيل بحثه متروك الى محله في بحث كليات
العقود والمعاملات.
الثاني: ان يقال بان الارتكاز والسيرة العقلائية تقتضي في
المورد الذي تكون فيه نتيجة العمل زيادة في المالية لدى
الطرف الاخر انه يضمن للعامل الذي لم يقدم على العمل مجانا
وانما صدر منه ذلك خطاء او وفاء لعقد الايجار الجامع بين
المالية الزائدة فائض القيمة الحاصلة من العمل، كالقماش
الذي خيط ثوبا، وبين اجرة العمل، لان العمل في هذه الموارد لا
يكون امرا تالفا عند العقلاء، بل له قيمة ومالية محفوظة ولو
ضمن نتيجة العمل خارجا، فيكون مستحقا لفاعله خصوصا اذا
كانت مالية الهيئة الحاصلة اكثر من قيمة المادة، كما اذا صنع
من ورق الغير كتابا او لوحة فنية ثمينة.
نعم لا يبعد ان يقال: ان المالك للمادة كالثوب غير ملزم باخذه،
فله ان يجبر العامل باخذه ويضمنه قيمة القماش، فيكون مكلفا
بالجامع بين دفع اجرة العمل او اعطاءالزيادة او دفع الثوب الى
العامل وتضمينه قيمة القماش الذي صيره ثوبا فارسيا بلاامره.
وهذا الارتكاز لا يبعد ثبوته عند العقلاء، ولكنه يختص بما اذا لم
يكن صدوره مع العلم والعمد بانه لا يحقق متعلق الاجارة.
بل يمكن ان يدعى ان المورد الذي يكون فيه العقد مستلزما
لاداء العمل من قبل الاجير خارجا وشروعه ولكنه صادف ان لم
يتحقق الوفاء يكون بحكم الامر به من قبل المستاءجر بنفس
الاقدام على الاجارة، فيكون مضمونا عليه، بخلاف ما اذا
اقدم الاجير بنفسه عالما عامدا، بل حتى اذا كان اقدامه مع
الشك في تحققه الا انه جاء به احتياطا وبرجاء ان يتحقق وفاء،
فانه مع هذا الاحتمال اذا كان احتمالا معتدا به عقلائيا يكون
العامل قد اقدم بنفسه على تضييع عمله، فلا يستحق شيئا، بل
وكذلك ما اذا اشتبه فطبق العمل على حصة اخرى من قبيل ما
اذا آجره على صوم يوم الجمعة فاشتبه وصام يوم السبت. وبذلك
تكون هناك نكتتان للضمان مستقلتان احداهما عن الاخرى.
الاولى: ان يكون الفعل الخارجي الصادر منه على كل تقدير من
مقتضيات العمل والوفاء بالاجارة عرفا، بحيث يعد الامر بالاجارة
امرا به ولكن صادف عدم تحقق الوفاء، فان هذا العمل يكون
مضمونا عندئذ على المستاءجر، بملاك انه صادر باءمره الذي
يتضمنه عقد الايجار.
ويمكن ان يستشهد على صحة هذه النكتة ببعض الروايات، من
قبيل صحيح محمدبن مسلم عن ابي جعفر(ع) التي نقلها
المشايخ الثلاثة. وهو بطريق الكليني(قدس سره) ورد مختصرا
حيث قال: «سمعته يقول: كنت جالسا عند قاض من
قضاة المدينة فاءتاه رجلان، فقال احدهما: اني تكاريت هذا
يوافي بي السوق يوم كذا وكذاوانه لم يفعل، قال: فقال: ليس له
كراء. قال: فدعوته وقلت يا عبد اللّه ليس لك ان تذهب بحقه،
وقلت للاخر ليس لك ان تاءخذ كل الذي عليه، اصطلحا
فترادابينكما»((103)).
وبطريق الصدوق(قدس سره) جاء اكثر تفصيلا حيث قال:
«سمعت ابا جعفر(ع)يقول: اني كنت عند قاض من قضاة
المدينة واتاه رجلان، فقال احدهما: اني اكتريت من هذا دابة
ليبلغني عليها من كذا وكذا الى كذا وكذا بكذا وكذا فلم
يبلغني الموضع،فقال القاضي لصاحب الدابة بلغته الى الموضع،
فقال: قد اعيت دابتي فلم تبلغ، فقال له القاضي ليس لك كراء
اذا لم تبلغه الى الموضع الذي اكترى دابتك اليه.
قال:فدعوتهما الي، فقلت: للذي اكترى ليس لك يا عبد اللّه ان
تذهب بكراية دابة الرجل كله، وقلت: للاخر يا عبد اللّه ليس لك
ان تاءخذ كراء دابتك كله ولكن انظر قدرمابقي من الموضع
وقدر ما اركبته فاصطلحا عليه ففعلا»((104)).
|