الصفحة السابقة

الصفحة التالية

قال في المستمسك: «بل محض الاستثناء ايضا بمنزلة التوصيف لا يقتضي ثبوت المنفعة للبايع، وانما الذي يقتضي ذلك انشاء كونها للبايع لكنه لا يتيسر ذلك مع اعتقاد انها للمستاجر»((116)).

وهذا الاستدلال واضح الضعف فان البايع هو المالك الاصلي للمنفعة فبقائها له لايحتاج الى انشاء جديد ليقال بعدم تيسره مع اعتقاد انها للمستاجر وانما الامربالعكس اي انتقال المنفعة الى المشتري بحاجة الى ناقل وهو البيع فاذا لم يشمله لسبب الاشتراط والانشاء بقي على ملك مالكه الاصلي.

الثاني: ما ذهب اليه بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) من الرجوع الى البايع في الموردين، لان انتقال المنفعة الى المشتري بحاجة الى سبب ناقل وليس امرا قهرياتعبديا، وحيث لم يقصد البايع الا نقل العين مسلوبة المنفعة ولو من جهة اعتقاده بانها للغير خطا فلا ينتقل الى المشتري الا بمقدار ماقصده وانشاءه البايع، وهو العين مسلوبة المنفعة في تلك المدة، واما المنفعة فهي باقية على ملك مالكها الاول، لعدم المقتضي لانتقالها اليه((117))، فالتوصيف كالاشتراط من حيث عدم المقتضي لانتقال المنفعة الى المشتري.

وقد يناقش في ذلك بان البايع في البيع لايقصد الا نقل العين دون المنافع، فانهاتنتقل قهرا وتبعا، والا لزم العلم بها وقصد تمليكها مع ان الوجدان قاض بعدم لزوم ذلك مما يدل على التبعية القهرية بين ملكية العين وملكية المنافع وعدم لزوم قصدنقل المنافع مع نقل العين الى المشتري وانما تنتقل بالتبعية قهرا كلما لم يكن مانع في البين، نعم لو صرح باستثناء تمليك المنفعة كما في المورد الاول لم ينتقل الى المشتري فما ذكره الماتن(قدس سره) ينبغي ان يكون هو الاوجه.

الا ان الصحيح: ان التبعية ليست بين الملكيتين بل بين المالين، بمعنى ان المنافع والنماءات تعتبر كالاجزاء والاوصاف من حيثيات العين وامتداداته، فيكون تملك العين مطلقا وبلا استثناء شيء من اجزائها او منافعها تمليكا لها بتمام الاجزاءوالشؤون والتوابع بلا حاجة الى لحاظها لحاظا مستقلا، ومن هنا لا يحتاج في مقام الانشاء الى لحاظ مستقل لها وانما استثناؤها بحاجة الى لحاظ مستقل، فكلما لم يستثن شيئا منها سواء بصيغة الاشتراط او التوصيف كان اطلاق التمليك للعين سببالانتقالها ايضا، وكلما استثنى شيئا منها سواء لنفسه او لغيره كما في المقام لم ينتقل ذلك المقدار الى المشتري لعدم السبب الناقل.

والحاصل: التبعية هنا بمعنى التبعية في لحاظ المنافع والنماءات المتصلة للعين تكوينيا وفي مقام الانشاء لا ترتب الملكية كحكم شرعي للمنافع على ملكية العين.نعم يعقل هذا في باب النماءات المنفصلة للعين، كما اذا اثمرت الشجرة او ولدالحيوان فان النماء الذي يتولد من الاصل تابع في الملكية للاصل بحكم الشرع والعقلاء، وليس النماء جزءا وتابعا للعين في الوجود، بل هو فرد آخر من المال.

هذا ولكنه مع ذلك يمكن ان يقال: بان هذه الخصوصية قد تكون ملحوظة على نحو التطبيق والتوصيف لا على نحو الاستثناء والتقييد، بمعنى انه ينشيء تمليك العين بتمام شؤونها وتوابعها الواقعية ولا يريد استثناء شيء منها، ولكنه يعتقد خطابان توابعها ومنفعتها بعد تلك المدة.

الا ان هذا الخطا لا يوجب تقييدا في متعلق البيع في مقام الانشاء حتى بنحوالتوصيف لانه متعلق بالعين الخارجية بما لها من منافع واجزاء واقعا.

ثم بناء على ما هو الاقوى من رجوع المنفعة في الصورة السابقة الى المشتري فهل للبايع الخيار او لا؟ وجهان، لا يخلو اولهما من قوة خصوصا اذا اوجب ذلك الغبن [1].

والحاصل: عقد البيع نقل العين بتمام توابعها في الخارج للمشتري، ولكن البايع في المقام يتصور جهلا ان توابعها بهذا المقدار وان المنفعة في تلك المدة غير موجودة في المال، نظير ما اذا تصور ان الحيوان ليس له حمل فبان بعد البيع انه كان له حمل،فيكون المقتضي والسبب للنقل التبعي لتمام التوابع الواقعية متحققا على تقديرالخطاء، غاية الامر يكون قد تخلف اعتقاده فيه.

وهذا في المورد الاول واضح، واما في المورد الثاني اعني فرض الاشتراط، فايضاقد يكون كذلك اذ لم يكن هناك قرينة على قصد الاستثناء لتلك المدة، بل لبيان ان المنفعة في تلك المدة تكون للغير فيكون بحكم التوصيف، ومن هنا لعل ماذكره المحقق النائيني(قدس سره) وجملة من المحشين من القول بالانتقال الى المشتري هو الاقرب في الموارد المتعارفة.

[1]لا اشكال في ثبوت الخيار على تقدير الغبن. واما على تقدير عدمه فالقول به مبني على ان يكون العقد قد وقع مبنيا على كون العين مسلوبة المنفعة بنحوالاشتراط الضمني، وهذا لا موجب له، اذ مجرد الاعتقاد لا يوجب الاشتراط الضمني، كما انه لو كان ذلك مشروطا بعنوانه من قبل البايع كان ذلك معناه اشتراط عدم انتقال المنفعة في تلك المدة الى المشتري، فيلحق بالصورة الثانية التي تكون من الاستثناء وترجع المنفعة على اساسه الى البايع لا المشتري عند السيدالماتن(قدس سره)، اذ لافرق بين الاشتراط الصريح والضمني كما هو واضح.

اما لو بيعت عليه ففي انفساخ الاجارة وجهان، اقواهما العدم، ويتفرع على ذلك امور: منها: اجتماع الثمن والاجرة عليه حينئذ.

ومنها: بقاء ملكه للمنفعة في مدة تلك الاجارة لو فسخ البيع باحد اسبابه بخلاف ما لو قيل بانفساخ الاجارة.

ومنها: ارث الزوجة من المنفعة في تلك المدة لو مات الزوج المستاءجربعد شرائه لتلك العين وان كانت مما لا ترث منه، بخلاف ما لو قيل بالانفساخ بمجرد البيع.

والصحيح ان يقال: بان المدة المذكورة اذا لم تكن لها مالية ملحوظة عقلائيا فلاخيار بلحاظه للبايع جزما، اذ لا موجب له لا بلحاظ الاشتراط ولا بلحاظ الغبن لانتفائهما معا، ومجرد ذكر وصف او الاعتقاد به وبناء العقد عليه لا يعني اشتراطه ضمنا اذا لم تكن متعلقا لغرض المتعاقدين كما في المقام. اذ لا غرض للبايع في تلك المدة بحسب الفرض.

واما اذا كانت تلك المدة معتدا بها ولها مالية عرفا فهنا يثبت الخيار للبايع، اما بملاك الغبن النوعي فيما اذا كانت قيمة العين مع تلك المنفعة في السوق اكثر من ثمن المسمى، واما بملاك شرط ضمني ارتكازي يقضي بان البايع لا يقبل ان ينتقل منه مالية زائدة الى المشتري بلا مابازاء نتيجة جهله بها كما في المقام ولو لم يكن غبنابلحاظ ثمن المسمى والقيمة السوقية، ويمكن ان نعبر عن ذلك بالغبن الشخصي اي في شخص هذه المعاملة لا بلحاظ السوق، فان هذا البايع لو كان يعلم بتلك المنفعة الزائدة لكان اضاف ماليتها على الثمن، فيكون مغبونا نتيجة جهله بوجود تلك المالية في ماله ولو لم يكن مغبونا بالقيمة السوقية.

ومنها: رجوع المشتري بالاجارة لو تلفت العين بعد قبضها وقبل انقضاءمدة الاجارة فان تعذر استيفاء المنفعة يكشف عن بطلان الاجارة ويوجب الرجوع بالعوض وان كان تلف العين عليه [1].

[1]لا اشكال في صحة بيع العين المستاءجرة من المستاءجر نفسه. وقد وقع البحث عندهم في ان ذلك هل يوجب انفساخ الاجارة في المدة الباقية، فتكون المنافع بعدالبيع مملوكة له بعقد البيع تبعا، او تبقى الاجارة على صحتها ايضا، فيكون مالكاللمنافع في المدة الباقية بمقتضى عقد الاجارة.

ظاهر جملة من الفقهاء الانفساخ، وقد شبهه في جامع المقاصد بالنكاح مع الملك،فكما لا يمكن نكاح المملوكة ولا بقاء النكاح بعد الملك، فالملكية مانعة عن حدوث الزوجية وعن بقائها، كذلك ملك العين يمنع عن عروض ملك المنافع وعن بقاء ملك المنافع، فتبطل الاجارة وتنفسخ كما في النكاح بعد الملك للرقبة((118)).

وقد استدل المحقق الاردبيلي(قدس سره) على الانفساخ ايضا بان بقاء الاجارة على حالها مع كون البيع مستلزما لتملك المنافع قهرا وتبعا كون المنفعة مملوكة بالاجارة والبيع معا، وهو تحصيل الحاصل وجمع العلتين على معلول واحد((119)).

وكلا الوجهين مما لا يمكن المساعدة عليه: اما الاول: فلان قياس المقام بباب عقد النكاح والملك قياس مع الفارق، لان الزوجية اعتبار مغاير مع الملك، والتعبير عن النكاح بملك البضع مسامحة، ولهذا لاتترتب عليه آثار الملك واحكامه، والزوجية قد اخذ في دليل جعلها ووضعهاالتكافؤ بين الزوجين بنحو بحيث لا يجتمع مع الملك ورقية احد الزوجين للاخر،ومن هنا بمجرد تحقق الملك تنفسخ الزوجية ويبطل النكاح. وهذا بخلاف الاجارة والبيع فانهما معا تترتب عليهما الملكية للعين والمنفعة، فلا تنافي بينهما.

واما الثاني، فيرد عليه: اولا: انه لا مانع من اجتماع علتين على معلول واحد، فانه عندئذ يكون مجموعهماعلة في ايجاد ذلك المعلول الواحد.

هذا اذا افترضنا ان باب الاحكام الشرعية واسبابها باب العلة والمعلول، واما اذا لم يكن كذلك كما هو الصحيح فالامر اوضح، حيث لا مانع من ترتب ملكية المنفعة في المدة المتبقية بموجبين وعنوانين.

وثانيا: لو فرض امتناع ذلك فينبغي الحكم بعدم تاءثير كل من الاجارة والبيع في تمليك المنفعة في تلك المدة لاترجيح البيع على الاجارة، اذ اي مرجح لاحدالدليلين على الاخر؟ فيحكم حينئذ بتساقط الدليلين ورجوع المنفعة الى المالك وهو البايع.

وثالثا: ان مقتضى القاعدة ما تقدم في بيع العين المستاءجرة على غير المستاءجر،من ان دليل صحة البيع وسببيته لا ينافي دليل صحة الاجارة وسببيته، لان البيع ينقل الى المشتري من البايع ما كان له من الملكية لا اكثر، فاذا كان يملك الرقبة مسلوبة المنفعة مدة ما فلا محالة ينتقل بالبيع الى المشتري ذلك ايضا لا اكثر. وقانون التبعية لا موضوع له في المقام بعد ان كانت العين عند البايع مسلوبة المنفعة، لما عرفت من ان التبعية هنا بين الملكين لا الملكيتين. فالبيع من المستاءجر كالبيع من غيره لامساس له بالاجارة بلا فرق بينهما اصلا.

ثم ان هنا بيانا ثالثا لانفساخ الاجارة حاصله: ان عقد الاجارة متقوم بكون التمليك للمنفعة دون العين، او تسليط على العين للانتفاع بها دون ملكية الرقبة، ولهذا لايصدق المستاءجر على المالك مع انه مالك للمنافع ايضا تبعا ومسلط على العين للانتفاع، وليس ذلك الا من جهة اخذ الاستقلالية لملك المنفعة عن العين اي بشرط لا عن ملك العين في اضافة الاجارة ومفهومها، وهذا يعقل اذا كان البيع من غيرالمستاءجر، واما اذا كان البيع منه فلا يعقل ذلك.

ومن هنا علق بعض الاعلام على المتن في المقام بان اعتبار الاضافة المعتبرة بين العين والمستاجر بينها وبين المالك في غاية الاشكال، وكذا اعتبار ملك المنفعة استقلالا لمالك العين كما نبه عليه غير واحد من اساطين الفن، فالاحوط التصالح في منفعة تلك المدة((120)).

وفيه: ان هذا لو سلم ولم نكتف في صدق الاجارة بالاستقلالية حدوثا وحين انشاء العقد، فغايته المنع عن صدق عنوان الاجارة ومفهومها في المقام بقاء لاانفساخ المعاوضة العقدية والتي حقيقتها المبادلة بين المنفعة والاجرة، خصوصا اذاكان الانشاء بصيغة ملكتك المنفعة. نعم لو قلنا بان حقيقة عقد الاجارة هو التسليط على العين للانتفاع بها في قبال العوض فهذا المعنى يرتفع ولا يعقل بقاؤه لمن تملك العين لان التسليط فرع ان لا يكون بنفسه مالكا ومسلطا عليها نظير العارية التي تنفسخ بالبيع على المستعير وترتفع موضوعا. ولعله لهذا ذهب الفقه الوضعي ايضاالى بطلان الاجارة وانفساخها بالبيع على المستاجر، فراجع وتامل.

ثم ان الثمرة الثالثة من الثمرات التي ذكرها الماتن(قدس سره) قابلة للمنع، فان ظاهر دليل عدم ارث الزوجة من العقار صادق في المقام ولو كان سبب تملك منفعتها غير سبب تملك رقبتها، فان تعدد السبب لا يجعل منفعتها في تلك المدة مالاآخر وان كان في مقام الانتقال المعاوضي لوحظ كمال مستقل عن الرقبة، وهذابخلاف ما اذا كان الميت مالكا لمنفعة الارض فقط دون رقبتها، فانه يصدق عليهاالتركة وليست ارضا، فالمعيار بالصدق بلحاظ دليل التركة والارث لا بلحاظ دليل الايجار والعقد، فتاءمل جيدا.

والثمرة الرابعة المراد منها انه على تقدير عدم انفساخ الاجارة بالبيع يثبت للمستاجر اذا تلفت العين قبل انتهاء مدة الاجارة حق الرجوع على الموجر باجرة المدة المتبقية بحسب التقسيط كما له خيار فسخ اصل الاجارة بناء على جريان خيار التبعض فيها فيسترد الاجرة المسماة ويضمن للموجر اجرة مثل المدة المنقضية.

واما على القول بالانفساخ فيرجع المشتري على الموجر بالاجرة من حين البيع،وقد اشير الى ذلك في الثمرة الاولى.

ثم ان الموجود في القانون الوضعي انفساخ الاجارة ببيع العين على المستاءجرورجوع الاخير بالاجرة على البايع، فراجع وتاءمل.

[ مساءلة 2]: لو وقع البيع والاجارة في زمان واحد كما لو باع العين مالكها على شخص وآجرها وكيله على شخص آخر واتفق وقوعهما في زمان واحد فهل يصحان معا ويملكها المشتري مسلوبة المنفعة كما لوسبقت الاجارة او يبطلان معا للتزاحم في ملكية المنفعة او يبطلان معابالنسبة الى تمليك المنفعة فيصح البيع على انها مسلوبة المنفعة تلك المدة فتبقى المنفعة على ملك البايع. وجوه، اقواها الاول لعدم التزاحم،فان البايع لا يملك المنفعة وانما يملك العين وملكية العين توجب ملكية المنفعة للتبعية وهي متاءخرة عن الاجارة [1].

[1]يلاحظ على الاستدلال المذكور: اولا: ان ملكية المنفعة بناء على التبعية تكون متاءخرة عن البيع وملكية العين رتبة لاعن الاجارة وتمليك المنفعة الا بناء على ان ما مع المتقدم متقدم وما مع المتاءخرمتاءخر، وقد ثبت بطلانه في محله.

وثانيا: ان الميزان في نفوذ كل من العقدين بعدم تقدم الاخر عليه زمانا، اي الميزان بالتقدم الزماني لا الرتبي، ولا تقدم زماني في المقام بين السببين المؤثرين في نقل المنفعة حتى اذا فرضنا التقدم الرتبي بينهما.

وثالثا: ان التبعية القهرية في نقل المنافع ممنوعة على ضوء ما تقدم، وانما البيع للمنافع الموجودة بالفعل تبعا وضمنا باطلاق المبيع وعدم استثناء شيء منه، فكل من البيع والايجار سببان انشائيان لنقل المنافع، غاية الامر احدهما بالصراحة ولحاظ المنفعة مستقلا والاخر بالتبع ولحاظها تبعا وبما هي من شؤون العين.

وان شئت قلت: ان سبب ملكية المشتري للمنفعة انما هو اطلاق البيع، فلا طولية بين نقل العين ونقل المنفعة، بل هما في عرض واحد كنقل اجزاء العين وابعاضها، فاذاصادف وقوعهما في مال واحد في زمان واحد بانشاء الوكيل والاصيل وقع التزاحم بينهما في التاءثير لا محالة، ولا موجب لترجيح اطلاق دليل الصحة في احد السببين على اطلاقه في الاخر. ولا يمكن قياس المقام بموارد ايجار المالك نفسه قبل البيع او حينه، فانه بحكم الاستثناء والتخصيص لكونهما من متكلم واحد وشخص واحدلاشخصين كما هو واضح.

نعم لو قيل بالتبعية القهرية الحكمية وان نقل المنافع ليس بمقتضى اطلاق البيع بل بحكم العقلاء او الشرع وان دليل التبعية مقيد بعدم انتقال المنفعة بسبب انشائي صح القول الاول، ولعله مقصود السيد الماتن(قدس سره) من تاءخر التبعية عن الايجار،الا انك قد عرفت بطلان هذا المبنى، على انه لا دليل على التاءخر بالمعنى المذكورعلى القول بالتبعية الحكمية.

فالصحيح: هو القول الاخير بعد فرض وضوح بطلان القول الوسط وهو بطلانهمامعا، فانه مبني على ان تكون تبعية ملك المنفعة للعين تبعية لزومية، بحيث لا يمكن صحة البيع في الرقبة دون المنفعة. وهو واضح البطلان حتى على القول بالتبعية القهرية، فيتعين القول الثالث، لوقوع التعارض بين اطلاق دليل الصحة والنفوذ لكل من الايجار والبيع بلحاظ المنفعة في تلك المدة، وبعد التساقط يرجع الى استصحاب بقاء المنفعة على ملك البايع، وهذا من الاستصحاب في الشبهة الحكمية فمن لا يقول بجريانه فيها في امثال المقام كالسيد الاستاذ(قدس سره) لا يمكنه المصير اليه فتدبر.

ثم انه قد يفرض وجود قرينة حالية على ان المالك لا يريد نقض مافعله الوكيل فهوينقل العين بما لها من المنافع اذا لم يكن قد اجر الوكيل الى الان [ مساءلة 3]: لاتبطل الاجارة بموت الموجر ولا موت المستاءجر على الاقوى [1].

العين للغير، وهذا يعني عدم انعقاد الاطلاق في البيع للمنفعة في تلك المدة، فتكون الاجارة صحيحة والبيع للعين مسلوبة المنفعة، وهذا وجه اثباتي لتخريج القول الاول.

[1]هذا هو المشهور، ونسب الى جملة القول بالبطلان بموت احدهما بل قيل انه المشهور بين المتقدمين، والى جماعة القول بالتفصيل بين موت المستاءجر فتبطل الاجارة وموت المؤجر فلا تبطل.

وينبغي البحث في مقامين:

المقام الاول: ما تقتضيه القاعدة. ولا شك في ان مقتضى القاعدة في العقود العهدية بقاء العقد وعدم انفساخه بالموت، لعدم تقومه بوجود المتعاقدين، بخلاف العقودالاذنية.

الا انه قد يقال: بالانفساخ في خصوص الاجارة بموت المؤجر لا المستاءجر بملاك آخر حاصله: ان حقيقة الاجارة تمليك المنفعة على ما تقدم، والمنفعة في كل زمان غيرها في الزمان الاخر بخلاف العين، فتتكثر المنافع مالا ومالية حسب وجودهافي عمود الزمان، فلابد ان تكون المنفعة في كل زمان من تلك الازمنة موجودة واقعا ومملوكة للمؤجر لكي يمكنه تمليكها للمستاءجر، ولهذا لو فرض تلف العين انفسخت الاجارة في المدة الباقية، لانكشاف عدم وجود المنفعة فيها فلايملكها.

ومن الواضح ان المالك لايملك امواله مابعد زمان حياته الا بمقدار الثلث بحكم ادلة الوصية والارث، فلا تصح اجارته وتصرفاته الناقلة فيها الا بهذا المقدار لا اكثر،وهذا يعني ان دليل الارث وعدم نفوذ تصرفات المالك لما بعد حياته يكون حاكماعلى دليل صحة الاجارة ورافعا لموضوعه بالنسبة لزمان مابعد موت المالك، فتبطل الاجارة بموت الموجر بمعنى انها تكون اجارة فضولية بحاجة الى اجازة الاولياء.وبهذا يعرف ان البطلان هنا ليس بمعنى الانفساخ بل بمعنى كونه فضوليا.

وهذا البيان يمكن دفعه باحد نحوين:

الاول: ان ادلة الارث تقطع صلة المالك بامواله لما بعد الموت بقاء لاحدوثا، فكل تمليك وتملك فعلي قبل الموت في امواله يكون نافذا من قبله لانه مالك لها وقتئذ،وانما لا تنفذ تصرفاته المعلقة على ما بعد الموت، فالمنفعة في زمان مابعد الموت تكون مملوكة له قبل الموت بملكية فعلية فيمكنه ان ينقلها الى المستاءجر فيملكهابالفعل ويكون المملوك استقباليا لا الملكية، وهذا لا يتصور في باب الاعيان بان يملكه من الان العين ما بعد الموت، لما تقدم من عدم تكثر العين بتعدد الزمان، فلامحالة يرجع الى تعليق الملكية على الموت، لان التقطيع للعين بلحاظ قطعات الزمان لا يكثر ولا يعدد العين، فلابد وان يرجع قيدا للملكية والتمليك، فيكون باطلاعلى القاعدة الا بمقدار ما اثبته دليل صحة الوصية على خلاف القاعدة، وهو في الوصية بمقدار الثلث لا اكثر. ونتيجة ذلك نفوذ الاجارة وورود دليل صحتها على دليل الميراث والوصية، اذ لا يبقى مال للميت حين الموت ليكون تركة، ودليل الارث وكذلك المنع من الوصية باكثر من الثلث موضوعه ما يبقى بعد الموت، اي لايكون منتقلا قبل الموت والمنفعة المذكورة منتقلة انتقالا فعليا قبل الموت.

وهذا الجواب لازمه جواز تمليك المنفعة من قبل المالك بايجار العين بلحاظ زمان مابعد الموت ابتداء، اما بهذا العنوان اذا فرض عدم مانعية الجهل والغرر او بانشاءتمليك المنفعة بعنوان المصالحة فلا يقدح الجهالة فيها او في فرض العلم بزمان وفاته او اجراء حد عليه كما اذا كان يعلم بانه ميت بعد سنة مثلا فيمكنه ان يؤجر داره فيما بعد سنة من الان وان كان اكثر من الثلث، بخلاف ما اذا اوصى بها.ومن البعيد الالتزام به فقهيا، ولعله لفحوى ادلة عدم نفوذ الوصية اكثر من الثلث اوصدق التفويت على الوارث.

الثاني: ان ادلة عدم نفوذ الوصية اكثر من الثلث منصرفة عن المقام، لان ايجار العين في زمن الحياة مدة طويلة كبيعها تصرف في ماله في زمن حياته، وانما الممنوع عنه ان يكون التصرف باكثر من الثلث بلحاظ مابعد الموت بنحو التعليق او التقييد،نعم قد يشمل صورة التقييد بما بعد الموت اي ما اذا ملكه من الان منفعة ما بعدالموت كما اشرنا.

وهكذا يتضح: ان مقتضى القاعدة صحة الاجارة وعدم انفساخها بموت المؤجر ولاالمستاءجر.

المقام الثاني: في ملاحظة الرواية الخاصة الواردة في المقام، وهي رواية ابراهيم بن محمد الهمداني «قال: كتبت الى ابي الحسن(ع) وساءلته عن امراة آجرت ضيعتهاعشر سنين على ان تعط ي الاجارة الاجرة في كل سنة عند انقضائها، لايقدم لهاشيء من الاجارة الاجرة ما لم يمض الوقت، فماتت قبل ثلاث سنين او بعدها،هل يجب على ورثتها انفاذ الاجارة الى الوقت ام تكون الاجارة منقضية بموت المراة ؟ فكتب: ان كان لها وقت مسمى لم يبلغ فماتت فلورثتها تلك الاجارة، فان لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه او نصفه او شيئا منه فتعط ي ورثتها بقدر مابلغت من ذلك الوقت ان شاء اللّه»((121)).

وقد نقلها الشيخ(قدس سره) عن احمد ابن اسحاق الابهري ايضا، الا انه من الموثوق به انه الاشعري القمي وان الابهري تصحيف، اذ لا وجود للابهري في كتب الرجال ولم يرد هذا العنوان في الاحاديث الا في هذا المورد ومورد آخر فقط،خصوصا مع ملاحظة ان الطبقة والامام المروي عنه يناسب الاشعري، فراجع وتاءمل.

كما ان ابراهيم بن محمد هو من الوكلاء من ناحية اكثر من امام، حيث كان من اصحاب الامام الرضا والجواد والهادي:، ووردت توثيقات عديدة في حقه وان كان في طرقها بعض مشايخ الاجازة الذين لم يصرح بوثاقتهم ممن يطمئن بالقرائن المذكورة وغيرها بوثاقته بل بجلالة قدره، فالرواية معتبرة سندا.

واما الدلالة، فالاستدلال بها على الانفساخ مبني على ان يكون المراد من قوله(ع)«وقت مسمى » مدة الاجارة وزمانها لا زمان دفع الاجرة كما هو ظاهر الوقت في ذيل السؤال، وان يكون المقصود من قوله(ع) «لم يبلغ فماتت » عدم بلوغ شيء من ذلك الوقت اصلا، كما اذا كانت الاجارة عشر سنين تبدا من شهر قادم وقد ماتت قبل ذلك الموعد، وان يكون المراد من اللام في قوله(ع) «فلورثتها تلك الاجارة »لام السلطنة والاختيار ومن الاجارة عقد الاجارة لا الاجرة فيكون المعنى للورثة اقرار تلك الاجارة او ابطالها، وهذا يعني عدم صحة اجارة المراة وكونها فضولية،وعلى هذا يكون المراد من الشق الثاني في جواب الامام(ع) بقوله «فان لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه او نصفه...» عدم بلوغه بتمامه اي بلغ اول الوقت ومضى ثلثه اونصفه ولم ينته تمامه وهذا بنفسه عناية فائقة بان يكون المراد بعدم البلوغ في الجهة الاولى عدم بلوغ اول الوقت وفي الثانية آخره فيكون للورثة بمقدار مامضى، وهذا معناه ايضا الانفساخ بمقدار ما بقي، فيكون جواب الامام(ع) في الرواية بكلا شقيه دالا على انفساخ الاجارة بموت الموجر.

الا ان هذا الاحتمال يقابله احتمال ان يكون المراد باللام في قوله(ع) «فلورثتها تلك الاجارة » لام الاختصاص، او يكون المراد من الاجارة الاجرة فتدل على صحة الاجارة. كما ان الشق الثاني المفرع على الاول بقوله(ع) «فان لم تبلغ ذلك الوقت وبلغت ثلثه او نصفه او شيئا منه فتعط ى ورثتها بقدر مابلغت من ذلك الوقت ان شاءاللّه» يراد به عندئذ انهم يستحقون الدفع وتسليم الاجرة بمقدار مابلغ من ذلك الوقت لا اكثر، لانه قد اشترط في عقد الاجارة عدم استحقاق دفع الاجرة الا بعد مضي الوقت لا ان الاجارة فضولية في المدة الباقية.

فتكون الرواية دالة على صحة الاجارة وتملك الورثة للاجرة، غاية الامر استحقاق تسليم الاجرة يكون بمقدار مامضى من السنين.

وحيث لا معين للاحتمال الاول في قبال الاحتمال الثاني، بل لعل الثاني اظهر كمااستظهره جملة من الاعلام فلا يمكن الاستدلال بالرواية على البطلان، فنبقى وماتقتضيه القاعدة من الصحة.

نعم في اجارة العين الموقوفة اذا آجر البطن السابق تبطل بموته بعدالانتقال الى البطن اللاحق لان الملكية محدودة ومثله ما لو كانت المنفعة موصى بها للموجر ما دام حيا [1].

[1]لان مفاد الوصية او الوقف على البطون ان المقدار الثابت لكل بطن من حق الانتفاع او ملك المنفعة بمقدار زمان حياته لا اكثر، فيكون تصرفه فيما زاد على ذلك فضوليا لا محالة بحاجة الى اجازة البطن اللاحق او الورثة.

ودعوى: ان ملكية كل بطن للرقبة في زمان حياته تستلزم ملكية منافعها مرسلة والى الابد، وحينئذ تصح منه الاجارة ولو زائدا على مدة حياته، فتنتقل العين مسلوبة المنفعة الى البطن اللاحق.

مدفوعة: بان هذا مناف لغرض الواقف وجعله للوقف على البطون، وهذا يعني انه اما لابد من حمل مثل هذا الوقف على عدم تمليك العين للموقوف عليهم وان المملك لهم المنافع مدة حياة كل بطن حيث ان المنافع متكثرة ومتعددة بتكثر الزمان كما قلنا، او اذا قلنا بتمليك العين لكل بطن فيحمل ذلك على انه تمليك للعين لكل بطن مسلوبة المنفعة بلحاظ زمان البطن الثاني.

وبعبارة اخرى: كما انه لا يجوز للبطن ان يبيع العين ويحرم البطن اللاحق منها رغم كونه مالكا لكونه خلاف الوقف، كذلك الحال بلحاظ منافع مابعد حياة هذا البطن،وهذا واضح.

بخلاف ما اذا كان الموجر هو المتولي للوقف وآجر لمصلحة البطون الى مدة فانها لا تبطل بموته ولا بموت البطن الموجود حال الاجارة [1].

[1]اما عدم البطلان بموت البطن الموجود، فلان ولاية المتولي على الوقف بحسب الفرض ليست مقيدة بالبطن الاول، بل ولاية على الوقف بلحاظ تمام البطون.

وان شئت قلت: ان ولاية المتولي من قبل الواقف لا من قبل الموقوف عليهم وهم البطون.

واما عدم البطلان بموت المتولي، فلان تصرفات الولي كتصرفات المالك نافذة اذاكانت حسب المصلحة والولاية، فلا تبطل بالموت، وكون ولايته محدودة بزمن حياته كاختصاص ملك المالك بزمان حياته لايمنع عن نفوذ تصرفاته الناقلة في زمان حياته في المال مطلقا، لان متعلق الولاية لم يكن مقيدا بالحصة الخاصة بزمان حياته، كما هو الحال في تصرفات سائر الاولياء فانها لا تبطل بموتهم.

وكذا تبطل اذا آجر نفسه للعمل بنفسه من خدمة او غيرها فانه اذا مات لايبقى محل للاجارة. وكذا اذا مات المستاءجر الذي هو محل العمل من خدمة او عمل آخر متعلق به بنفسه. ولو جعل العمل في ذمته لا تبطل الاجارة بموته بل يستوفي من تركته وكذا بالنسبة الى المستاءجر اذا لم يكن محلا للعمل بل كان مالكا له على المؤجر كما اذا آجره للخدمة من غير تقييد بكونها له فانه اذا مات تنتقل الى وارثه فهم يملكون عليه ذلك العمل [1].

[1]فصل السيد الماتن(قدس سره) بين كون مورد الاجارة عمله الخارجي بنفسه او العمل للمستاءجر خاصة وبين الاجارة على العمل في ذمته، ففي الاول حكم بالبطلان، لانه بالموت لا يبقى محل له بخلاف الثاني.

والظاهر ان هنا مسامحة، فان العمل في الذمة ايضا يتصور فيه شقان، اذ قد يجعل في ذمته عمله بنفسه او العمل له خاصة وقد يجعل كلي العمل، فليست الذمة مساوقة مع كلية العمل من ناحية كونه بنفسه او الجامع بينه وبين غيره، كما ان خارجية العمل لاتساوق كونه بنفسه، اذ قد يجعل الجامع بين فعله وفعل غيره الخارجي بالتسبيب متعلقا للاجارة، وهذا يعني ان هناك تقسيمين في باب العمل، تقسيمه الى الحصة المقيدة بالمباشرة والى الجامع الاعم منه ومن غيره وهذا هو المراد بالجزئية والكلية هنا وتقسيمه الى الخارجية والذمية، حيث ان العمل قد يلحظ بوجوده الخارجي موردا للاجارة، وقد يجعل في الذمة كالمال الذمي الذي هو مال اعتباري.

والسيد الماتن(قدس سره) جعل التقييد بالعمل المباشر في قبال كونه في الذمة،وهو مسامحة واضحة.

ثم ان البطلان في صورة كون مورد الاجارة عمله المباشر مبني على ان عدم الوفاءيوجب بطلان الاجارة لا ضمان العمل، والا اختص البطلان بما اذا كان متعذرا عليه واقعا كما اذا مات بعد الاجارة وقبل تمكنه من العمل، حيث ينكشف عدم قدرته عليه من اول الامر.

واما في صورة التمكن وعدم الوفاء اصبح ضامنا للعمل مطلقا او اذا كان في الذمة على الاقل، فيمكن للمستاءجر ان ياءخذ من التركة قيمة العمل اجرة المثل اوالفسخ واسترجاع اجرة المسمى.

كما انه اذا كانت المباشرة شرطا لا قيدا في العمل المستاءجر عليه لم يلزم من الموت الا تخلف الشرط والخيار لا البطلان كما افاده المحقق النائيني(قدس سره)، فكان ينبغي للسيد الماتن(قدس سره) ان يذكر هذا التشقيق في الايجار على العمل كماسيذكره في ايجار العين.

وما ذكره بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) من ان الشرط في باب العمل الكلي يرجع الى التقييد عرفا وارتكازا((122)) مدفوع بان العرف ايضا قد يجعل المباشرة بنحو الاشتراط ضمن العقد في الايجار على العمل الكلي، والذي يكون التزامامستقلا فهو يميز بين الفرضين.

ثم ان البطلان هنا ليس بمعنى الفضولية، بل بمعنى انفساخ الاجارة بخلافه فيماسبق، فلا تغفل.

واذا آجر الدار واشترط على المستاءجر سكناه نفسه لا تبطل بموته ويكون للمؤجر خيار الفسخ. نعم اذا اعتبر سكناه على وجه القيدية تبطل بموته [1].

[1]قد يقال بانه لا تعقل القيدية في المقام، لان العين المستاءجرة عين خارجية جزئية فكما لا يصح تقييد الجزئي بلحاظ بيع رقبته كذلك لا يعقل تقييد منفعتهاالخارجية لكونها جزئية ايضا، فيرجع ذلك الى الاشتراط دائما.

وفيه: ان القابلية والمنفعة كما تتحصص بلحاظ انحاء التصرف كالسكنى والاتجاروغير ذلك تتحصص بلحاظ طرفها من حيث كونها سكنى زيد او عمرو او غير ذلك،اي المسكونية او القابلية لها من زيد وعمرو وهكذا، فيمكن جعل مورد الاجارة الحصة الخاصة من السكنى بحيث لو تحقق غيرها كان عليه اجرة المثل.

نعم الارتكاز العرفي في الموارد المذكورة على الاشتراط، لان العرف يرى القابلية للسكنى كاءنه شيء واحد كالبيع الخارجي الموصوف بوصف كما اذا قال بعتك هذاالعبد الكاتب، فان القيد في ذلك راجع الى الاشتراط لا التقييد، لان الجزئي لايعقل فيه التحصيص والتقييد، فكذلك الامر في المقام، الا انه هنا عرفي لا عقلي لامكانه وتصوره عقلائيا ولكنه على خلاف الارتكاز العرفي، ولعله لهذه النكتة ذكر السيدالماتن(قدس سره) الاشتراط اولا.

ثم ان وجه البطلان بالموت على تقدير القيدية ليس ماذكره بعض اساتذتناالعظام(قدس سره) من عدم المملوكية((123))، بل عدم وجود تلك الحصة من المنفعة المعقود عليها وان شئت قلت ان المملوك منتف لا الملكية.

هذا ولكن الانصاف عدم تمامية هذا الاستدلال رغم موافقة مشهور المحشين عليه وذلك لان المنتفي في امثال المقام هو استيفاء المستاءجر لا المنفعة الخاصة وهي قابلية العين لسكناه فانها حيثية قائمة بالعين بلحاظ المستاءجر سواء كان متمكنا من الاستيفاء ام لا، فتعذر الاستيفاء لا يوجب انتفاء القابلية في العين بوجه اصلا، ولهذالا ينبغي الشك في صحة الاجارة للدار على ان يسكنها بنفسه وعدم انفساخها بقاءاذا حبس المستاءجر ظالم او سلطان بل وعدم انفساخها اذا عجز نفسه عن امكان الاستيفاء بنفسه بالسفر الى بلد آخر مثلا او غصب العين منه غاصب فان لازم البيان المذكور الحكم بالبطلان في جميع ذلك لانكشاف انتفاء تلك الحصة من المنفعة وهي سكناه بالخصوص واي فرق بين الانتفاء بسبب سماوي كالموت او بفعل الغيراو نفسه مع انه لا يلتزم بذلك فقهيا ولهذا لم يلتزم به حتى القائلين بالبطلان في المقام.

وقد يخرج القول بالبطلان على اساس انتفاء المالية لا المنفعة بدعوى انه في فرض عدم التمكن لسبب سماوي ينكشف انه لا مالية لتلك المنفعة من اول الامر،بخلاف فرض التمكن مع التفويت وايجاد تعذر الاستيفاء من قبل نفسه او غيره كالغاصب والظالم فانه مال اتلفه على نفسه او اتلفه عليه الغاصب فيكون ضامناله.

الا ان هذا الوجه ايضا لا يمكن المساعدة عليه لان العرف لا يرى فرقا بينهما، فان المالية للاموال والمنافع لاترتبط بامكان الاستيفاء والانتفاع بها وعدمه ولذا لاينبغي الشك في صحة استيجار شخص دارا يعلم انه لا يتمكن من السكنى فيها بقيدالمباشرة لمجرد انه يريد ان يكون مالكا لهذه المنفعة في تلك الدار فيقال انه مالك لسكنى تلك الدار وان لم يكن قادرا عليه من اول الامر فضلا اذا حصل سببه بعدالايجار كذلك.

فالصحيح هو الحكم بالصحة في الصورتين، غاية الامر تنتقل ملكية هذه المنفعة الخاصة للورثة فلا يجوز لهم تكليفا استيفائها بدون اذن المالك ولكن مع استيفائهالا يضمنون شيئا اذا لم تكن انتفاعهم اكثر قيمة من المسمى لكونه من المنافع المضادة.

والغريب ما علقه بعض الاعلام على المتن في المقام من القول ببطلان الاجارة في الصورتين اي حتى على الشرطية فقال: «الاقرب البطلان اذ ملك الورثة لسكنى الدار مع عدم استحقاقهم لاستيفائها بانفسهم وبغيرهم غير معقول، فالشرط بالنسبة الى ما بعد الموت مناف لمقتضى العقد، ثم على تقدير الصحة لا وجه لخيار الموجراذ لا يتوجه عليه شيء في بقائها حتى يجبر بالخيار»((124)). اما ما ذكره اخيرا من وجه الخيار فسياتي التعرض له في كلام بعض اساتذتنا(قدس سره).

واما ما ذكره من بطلان العقد فان كان من جهة فساد الشرط فالصحيح والمشهور ان فساده لا يوجب فساد العقد وانما يوجب الخيار، وان كان من جهة التناقض مع العقد فيمنع عن القصد الجدي لانشاء العقد، فمن الواضح انه في المقام ليس كذلك لتاتي القصد الجدي عند الاجارة لكون المستاجر حيا قادرا على سكنى الدار حينه.وان كان من جهة ان الشرط المخالف مع مقتضى العقد يوجب بطلان العقدبالخصوص وان لم يكن مانعا عن القصد الجدي للعقد فهذا ايضا غير صحيح على ماحقق في محله من بطلان الشرط في ذلك وصحة العقد.

ثم انه ورد في تقريرات بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) في فرض الشرطية باءنه تارة: يفرض تعلق الغرض بالجانب الايجابي اي بسكونة شخص المستاءجر بحيث لايرضى المؤجر ببقاء الدار خالية، واخرى: يفرض تعلق الغرض بالجانب السلبي اي بعدم سكونة غيره في الدار كما هو المتعارف فعلى الاول يكون الشرط المذكور متعذرا بموته، فلا يكون مشمولا لادلة نفوذ الشرط، فيصح العقد ويفسدالشرط بناء على ان الشرط الفاسد ليس مفسدا لا انه يثبت له الخيار. وعلى الثاني انما يثبت للمؤجر الخيار اذا سكن غير المستاءجر في الدار لا اذا مات المستاءجر، فاطلاق العبارة لا يستقيم((125)).

ويلاحظ عليه: اولا: ما ذكره في الصورة الاولى غير المتعارفة ليس تاما، وعلى خلاف مسلكه في بحث الشروط من ان تعذر الشرط بل فساده شرعا ايضا يوجب الخيار، لان هذاالخيار حقي لا حكمي ملاكه كون الالتزام العقدي من قبل الموجر منوطا بالاتيان بالشرط، فاذا لم ياءت به ولو للتعذر كان مالكا لالتزامه فيكون له حق الفسخ. ولعله سهو من المقرر او خطاء مطبعي باءن تكون الجملة «الا انه يثبت له الخيار».

وثانيا: ما ذكره في الصورة الثانية المتعارفة قابل للمنع ايضا، وذلك بدعوى ان نفوذالشرط بعد الموت غير معقول لاستلزامه عدم امكان انتفاع المالك للمنفعة بعقدالايجار بقاء وهو الوارث بتلك المنفعة، فيكون اطلاق الشرط لما بعد الموت منافيالمقتضى العقد او الغرض النوعي منه فيفسد، نظير ما اذا اشترط على المستاءجر ان لاينتفع بالعين المستاءجرة اصلا فان مثل هذا الشرط باطل ايضا لكونه خلاف مقتضى عقد الاجارة وهو التسليط على الانتفاع بالعين المستاءجرة فيكون للمؤجر خيارالفسخ بمجرد موت المستاءجر من جهة فساد شرطه بناء على ان الشرط الفاسد لايفسد العقد.

نعم بناء على ما تقدم من ان هذا بحكم مال ناقص وتركة ناقصة يرثها الوارث عن الميت لا يكون الشرط المذكور فاسدا بل يكون صحيحا واجب العمل، ولكنه لوتخلف بسكنى غير المستاجر كان للموجر الخيار.

[مساءلة 4]: اذا آجر الولي او الوصي الصبي المولى عليه مدة تزيد على زمان بلوغه ورشده بطلت في المتيقن بلوغه فيه بمعنى موقوفة على اجازته وصحت واقعا وظاهرا بالنسبة الى المتيقن صغره وظاهرا بالنسبة الى المحتمل فاذا بلغ له ان يفسخ على الاقوى، اي لايجيز خلافالبعضهم فحكم بلزومها عليه لوقوعها من اهلها في محلها في وقت لم يعلم لها مناف وهو كما ترى. نعم لو اقتضت المصلحة اللازمة المراعاة اجارته مدة زائدة على زمان البلوغ بحيث تكون اجارته اقل من تلك المدة خلاف مصلحته تكون لازمة ليس له فسخها بعد بلوغه، وكذاالكلام في اجارة املاكه [1].

[1]حكم السيد الماتن(قدس سره) بعدم نفوذ اجارة الولي او الوصي للصبي اولاملاكه بالنسبة لما بعد زمان بلوغه الا اذا كانت المصلحة الواجبة المراعاة كحفظ حياته او ماله تقتضي ذلك، فيثبت جوازه بل لزومه من باب الحسبة لامحالة.

وفي قبال ذلك قول بالنفوذ مطلقا، وقول بالتفصيل بين اجارة الاملاك واجارة الصبي نفسه فيصح في الاولى دون الثانية.

والوجه الذي يستند اليه عادة للقول بعدم النفوذ في الاعيان والاموال مطلقا هودعوى: ان المنافع المصادفة لزمان بلوغه مما يملكه الكبير، ولا ولاية للولي الا على ما يملكه الصغير، فلا ينفذ بالنسبة لما بعد البلوغ، بل يكون من الفضولي الذي يحتاج الى اجازته بعد بلوغه.

وهذا الوجه يمكن الاجابة عليه: بان المنافع المستقبلية للدار مثلا مملوكة لمالك العين فعلا، وانما المتاءخر ذات المملوك لا ملكيته فانها فعلية، فتكون ولاية الولي نافذة بالنسبة اليه ايضا.

وان شئت قلت: ان البلوغ قيد في الولاية في المال المولى عليه، فكل مايملكه الصبي قبل البلوغ فعلا يكون تصرف الولي نافذا فيه، فكما يجوز بيعه ونقله للعين مع المنفعة للغير كذلك يصح تصرفه في منافع العين فقط، بل على هذا يجوز ايجارالمنافع الواقعة بعد البلوغ ايضا.

وبهذا عرف الوجه للقول الثاني اي الصحة مطلقا.

واما القول بالتفصيل، فيمكن ان يخرج على اساس الفرق بين باب ايجار الاملاك وايجار العمل من ناحية ان الملكية لمنافع الاملاك والاعيان تابعة لملك الرقبة،فيكون مالك الرقبة مالكا لمنفعتها مطلقا اي حتى لمنفعتها المستقبلية، ولهذا يجوزللمالك ايجار العين بلحاظ منفعتها المستقبلية فقط كايجار الدار للسكنى في السنة القادمة، فيصدق عليها انها مما يملكه الصبي فعلا فتكون ولاية الولي او الوصي على اموال الصبي شاملا لها ايضا، فتنفذ تصرفاته فيها، فتنتقل الى المستاءجر فلا يبقى عند بلوغ الصبي ملك له لكي يصدق عليه انه ملك الكبير كما هو واضح.

واما في باب العمل فحيث ان عمل الحر لايكون مملوكا له بالملكية الاعتبارية،وانما هو شاءن من شؤون الحر نفسه وتحت سلطانه التكويني فتكون ولاية الولي عليه من شؤون ولايته على الصبي الحر نفسه، وحيث ان ولايته على الصبي مقيدة بزمان عدم البلوغ والرشد فنفوذها على اعماله بعد البلوغ يكون متوقفا على ولايته على نفسه بعد البلوغ، وهو خلف تقييد الولاية بما قبل زمان البلوغ.

وهذا البيان ايضا غير تام، لان عمل الحر ومنافعه وان لم تكن مملوكة له وتحت سلطانه بالسلطنة الاعتبارية الا انها تحت سلطانه واختياره الذاتي، ولهذا صح ايجارالولي للصبي بلحاظ منافعه وعمله قبل البلوغ، وعندئذ يقال: ان عمل الحر ومنافعه الاستقبالية كالحالية تحت سلطان الحر واختياره الذاتي، ولهذا يمكنه ان يوجر الحرنفسه بلحاظ عمل يصدر منه في المستقبل بلا اشكال، وهذا يعني ان الاضافة الذاتية المذكورة ثابتة بين الحر وبين منافعه واعماله المستقبلية بالفعل ايضا بحيث لولاالحجر على الصبي بملاك الصبى المانع عن نفوذ التصرف كان يمكنه ان يملكه للغيرفكذلك الولي له ذلك بمقتضى ولايته على ما يكون للصبي من الولاية على نفسه لولا صباه.

فالحاصل: بالدقة لا فرق بين ايجار الصبي للعمل او ايجار املاكه مدة تزيد عن زمان بلوغه ورشده من ناحية فعلية اضافة المنافع الاستقبالية وجودا الى الصبي وكونها اموالا له بالفعل، فبناء على ثبوت الولاية للولي على ما يكون مضافا الى الصبي من الاموال عينا كانت او منفعة ينفذ ايجاره مطلقا.

نعم لا تبعد دعوى عرفية هي ان نفوذ ولاية الولي على عمل الصبي بعد البلوغ مساوق لولايته على نفس الصبي بعد البلوغ، الذي هو من الولاية على الكبير لاالصغير، فالعرف لايفكك بين العمل والحر نفسه في السلطنة والملكية كما يفكك بين العين ومنفعتها، وعليه يكون دليل تقييد الولاية بالبلوغ بنفسه مانعا عن ثبوت الاطلاق في دليل الولاية للايجار على الاعمال بلحاظ مابعد البلوغ بل يكفي عدم الدليل على الولاية بالنسبة لما بعد البلوغ لعدمها كما هو واضح.

وبهذا يصح التفصيل بين اجارة الولي مال الصبي مدة تزيد على زمان بلوغه وبين اجارته نفس الصبي كذلك فيصح في الاول بلا حاجة الى اجازة دون الثاني.

ولا ينقض بتزويج الصبي او الصبية من قبل الولي دواما، والذي يكون نافذا بلاحاجة الى اجازته بعد البلوغ وان كان له حق الفسخ للدليل الخاص ولكون النكاح غير التمليك ومتعلقه رقبة الزوج والزوجة لا منافعهما فهو يشبه البيع.

واما ما ذكره السيد الماتن(قدس سره) من التفصيل بين فرض المصلحة اللازمة المراعاة وغيره فقد استشكل فيه بعضهم بانه لا وجه له اذ مجرد وجود المصلحة اللازمة لا يكفي لثبوت الولاية على الكبير ونفوذ التصرفات وضعا.

قال بعض اساتذتنا العظام(قدس سره) في المقام: «ولكنه غير واضح لقصور الدليل وعدم شموله لما بعد انقضاء عهد الصبا والا لجاز ايجار الصغير منضما الى بالغ آخرلو اقتضته المصلحة الملزمة لوحدة المناط. نعم لو بلغت المصلحة الملزمة حدالوجوب مثل ما لو توقف حفظ حياة الصبي على ذلك اندرج في الامور الحسبية ورجعت الولاية حينئذ الى الحاكم الشرعي لا الى الولي او الوصي »((126)).

الا انه يمكن دعوى الفرق وان ادلة الولاية على الصبي واتخاذ ما هو الاحسن بشانه يدل عرفا على ثبوتها فيما يرجع الى ما هو الاحسن والاصلح للصبي ولو كان مستلزما للتصرف في زمان ما بعد بلوغه اذا كان متعينا فان هذا مشمول لاطلاق ادلة التصرف في مال اليتيم بالتي هي احسن، ونحوه من ادلة الولاية بخلاف ما يرتبط بالاخرين فانه خارج موضوعا عن مدلول تلك الادلة.

[ مساءلة 5]: اذا آجرت امراة نفسها للخدمة مدة معينة فتزوجت قبل انقضائها لم تبطل الاجارة وان كانت الخدمة منافية لاستمتاع الزوج[1].

[1]ذكر في وجهه انه مقتضى سبق عقد الاجارة على النكاح، فيكون تاءثير الثاني في حدود ماللزوجة من المنافع لا اكثر، فيكون حكم عقد النكاح حكم بيع العين مسلوبة المنفعة.

الا ان هذا البيان واضح الضعف، اذ الزوجية مفهوم آخر غير الملكية، والتعبير عنهابملك البضع مجرد تعبير مسامحي فلا يقاس بسبق الايجار على البيع، فانه هناك ينتقل بالبيع الى المشتري مايملكه البايع وهو العين مسلوبة المنفعة فلا موضوع للتنافي بخلاف المقام، حيث يكون اثر الايجار وملك المنفعة من قبل المستاءجروهو وجوب الوفاء على المراة الاجير منافيا مع وجوب الوفاء عليها بلحاظ حكم الزوجية كالاستمتاع المضاد مع الخدمة المستاءجر عليها خارجا بحسب الفرض.

وهنا بحثان بحسب الحقيقة: الاول: في انه هل يصح الايجار في امر ينافي ويضاد الاستمتاع خارجا حتى بعدالزوجية ام لا ؟ وهذا ماسياءتي التعرض له في المسائل القادمة.

الثاني: انه على تقدير البطلان والتنافي بين دليل صحة الايجار والنكاح فهل يتقدم السابق منهما حتى اذا كان هو الايجار فيسقط حق الزوج في الاستمتاع بالمقدارالمنافي مع الوفاء بالايجار ام تبطل الاجارة ؟ والمشهور هو الاول، وقد استدل عليه في المستمسك: «بان حق الاستمتاع يختص بغير صورة المزاحمة للواجب المجعول بالاجارة السابقة، ولا مجال لدعوى العكس فيقال الاجارة باطلة لعدم القدرة على التسليم، لان التحقيق في العلل الشرعية التي يكون بعضها مزاحما للاخر الترجيح بالسبق واللحوق فيكون الاثر للسابق دون اللاحق. ومن ذلك يظهر انه لو نذر ان يزور الحسين(ع) يوم عرفة فاستطاع كان النذر مقدما على الاستطاعة ولو استطاع ثم نذر كانت الاستطاعة مقدمة على النذر»((217)).

ويلاحظ عليه: