باسمه تعالى
اول المنهاج
من حديث عاشوراء
كلما حل شهر محرم الحرام التقينا بذكرى يومين من ايام
الاسلام... يوم الهجرة ويوم كربلاء.
يوم الهجرة: يوم تنفس فيه صبح الاسلام، وانتشر ضووه، وظهر
امره في ((المدينة))، بعد ان كاد يختنق ويموت في مهده
((مكة)).
ويوم كربلاء: يوم توهجت فيه شعلة الاسلام بدم الحسين في
عاشوراء بعد ان كاد يطفئها ابناء الطلقاء.
يومان تلاحما في الزمان كما تلاحمت حادثتاهما واتصلت
احداهما بالاخرى باوثق الاسباب، وكما تلاحم صاحباهما:
محمد(ص) والحسين(ع) في النسب، وتشابها في الصورة
والمعنى والاثر.
ولعل خير ما يصف هذا التلاحم ويبينه، في ابلغ بيان واوضحه،
الرواية الاتية المتفق على روايتها وصحتها:
عن يعلى بن مرة وابي رمثة وجابر بن عبداللّه الانصاري، قالوا
-مع تفاوت يسير بينهم في اللفظ-:
((كنا مع رسول اللّه(ص)، فدعينا الى طعام، فاذا الحسين(ع)
يلعب في الطريق مع الصبيان، فاسرع النبي(ص) امام القوم، ثم
بسط يده فجعل حسين يفر هاهنا وهاهنا فيضاحكه
رسول اللّه(ص) حتى اخذه فجعل احدى يديه في ذقنه
والاخرى بين اذنيه ثم اعتنقه وقبله، ثم قال: حسين مني وانا
منه، احب اللّه من احبه. الحسن والحسين سبطان من
الاسباط)).
ان اول ما يلفتنا، في هذه الرواية، هو المحبة الشديدة التي
اظهرها النبي(ص) تجاه ابن بنته، والتي لم يتحفظ في
اظهارها امام اصحابه الذين لم يالفوا في آباء زمانهم- لا سيما اذا
كانوا من ذوي السن والمنزلة بين قومهم- اظهار عاطفتهم
الفياضة تجاه ابنائهم على هذا النحو القوي وفي قارعة الطريق.
نرى ذلك في فعل النبي(ص) كما نراه في قوله على حد سواء..
بداية نراه في حركة الاسراع امام القوم، الدالة على شدة اللهفة
الى لقاء الحسين، ثم في مضاحكته له ومحاولته الامساك به
واحتضانه، مائلا معه مرة ذات اليمين واخرى ذات الشمال،
ثم في حركة الاحتضان والاعتناق وما تفيض به من حنان
وعطف، ثم حركته الساعية لتقبيل الحسين في الموضع الذي
اعتاد خواص المحبين تقبيل احبتهم فيه، ثم تقبيله في ذلك
الموضع.
وبعد كل هذه الافعال التي كرست الحب النبوي للحسين في
اجلى معانيه واطهرها، توج النبي(ص) ما فعل بقوله: ((حسين
مني وانا منه))، ثم زاد فجعل من هذا الحب مطلبا وقضية،
فقال:((احب اللّه من احب حسينا)).
والسوال الذي لابد من طرحه هنا هو: هل ان هذا الحب يدخل
في اطار الحب الابوي المالوف، او ان فيه بعدا نبويا ومطلبا
رساليا قصد النبي(ص) افهامه لاصحابه الذين كانوا معه في
تلك اللحظة ومن ورائهم امته كلها في جميع العصور؟
ثم ما معنى قوله(ص): ((حسين مني وانا من حسين))؟
فهذه القولة، وان كانت صيغتها الجدلية هذه: ((هو مني وانا
منه)) مالوفة في الكلام العربي، الا ان لها -مع مضمونها النبوي
الذي احتوته- دلالة خاصة متميزة عن مضمونها القبلي في
كلام ابناءالقبائل، فهولاء اذا ارادوا اعلان الموالاة في ما بينهم
قالوا: هو منا ونحن منه، اي نحن نتولاه ونتحمل جرائره، وهو
يتولانا ويتحمل جرائرنا، وكذلك اذا ارادوا اعلان البراءة من
احدهم والقطيعة معه قالوا: ليس فلان منا ولسنا منه، على حد
قول الشاعر:
ايها السائل عنهم وعني
لست من قيس ولا قيس مني
ولكن هذه الصيغة في حالة رسول اللّه(ص) والحسين لا يمكن
ان تحتمل هذا المضمون القبلي:
فمحمد(ص) هو جد الحسين، والحسين ابن بنته وطفله
الصغير، فتولي هذا الطفل من قبل جده بذلك المعنى القبلي
ليست بحاجة الى اعلان، كما ان مبادلة الحسين الولاء مع جده
بهذاالمعنى، وهو في هذه السن الصغيرة، غير متصورة ولا
معقولة.
فما هو اذن المعنى المقصود للنبي من هذه القولة؟
ان الاجابة على هذين السوالين تستدعي استحضار حقيقتين
يشكل كل منهما اصلا ثابتا وقاعدة مسلمة عند المسلمين
جميعا:
احداهما: ان النبي لا ينطق ولا يفعل عن الهوى.
اي انه لا يصدر في ما يبلغه لاهل بيته ولامته، وفي ما يتخذه
من مواقف من خاصته ومن عامة الناس، عن اهوائه الذاتية
وم آربه الشخصية، وانما يصدر عن موقعه الديني بوصفه نبيا
ارسله اللّهالى الناس ليبلغهم اوامره، وجعله قدوة لهم في ما
يفعل. وليس معنى ذلك ان النبي مجرد من عاطفة البشر، ولا
يشعر بما يشعر به الناس العاديون تجاه آبائهم وابنائهم
واخوانهم وازواجهم،بل هو -على العكس من ذلك- يعد قدوة
واسوة في عطفه ورحمته وبره باهله وذوي ارحامه وقرابته.
وانما معناه انه منزه ومعصوم عن التعصب او الانحياز لاهله
وقرابته، فلا يخصهم بالولاءوالمحبة الشديدة، ولا يزجي في
حقهم الثناء والاطراء دونما سبب يتعلق برسالته، ولا يوثرهم
بمنزلة او يخصهم بمنفعة او صلة، في الوقت الذي يوجد فيه
من عامة الناس من يستحقهادونهم.
ولقد اكد النبي(ص) ذلك في سيرته قولا وعملا، فلقد روي
عنه قوله: ((يا بني عبد المطلب، لا اغني عنكم من اللّه شيئا.. يا
فاطمة بنت محمد، لا اغني عنك من اللّه شيئا)).
وروي قوله: ((لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت
يدها)).
وكانت تاتيه هدايا الملوك وزعماء القبائل، وتحمل اليه الغنائم
والجزى والصدقات، وتنهال عليه الاموال من كل مكان، فما آثر
بها احدا من اهل بيته، بل فرقها بين المسلمين، وسد بها
حاجة الفقراء والمساكين، وفك بها رقاب العبيد، او كف بها اذى
المشركين.
ولقد جاءته بضعته وحبيبته فاطمة(ع) وقد مجلت يداها من
طحن الشعير تطلب خادما يعينها على قضاء حوائجها، فلم
يجبها الى ما سالت، وامرها بالتسبيح قبل ان تنام في كل
ليلة.
ولقد اصبح ذات يوم فراى عليا آخذا بيد الحسن والحسين، وقد
اقبلوا اليه، وكانوا قد تصدقوا بطعامهم على مسكين ويتيم
واسير، وباتوا صياما طاوين ثلاث ليال لم يذوقوا فيها غير الماء،
فلماابصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما اشد
ما يسوءني ما ارى بكم، فانطلق معهم فراى فاطمة في محرابها
قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك، ولكنه
لم يحمله على ان ياخذ لهم من مال المسلمين شيئا، او يسال
اصحابه ان يعطوهم، وكان فيهم اغنياء كثر.
وفي ضوء هذه الحقيقة التي نعرفها عن النبي(ص)، نرى على
وجه اليقين ان حب الحسين(ع) كان يشكل في حد ذاته قضية
دينية عنده ومطلبا رساليا له علاقة بصالح الاسلام
والمسلمين،وليس مجرد عاطفة ابوية فاضت في لحظة من
لحظات طغيانها وسيطرتها على قلب جد حان عطوف. ومن
هنا وجدنا رسول اللّه(ص) ينتهز تلك اللحظة المناسبة
فيستوقف اصحابه، وهم في قارعة الطريق، ليعلمهم حب
الحسينر القضية على ذلك النحو العاطفي الموثر.
ثم يوكد ما فعل بقوله: ((حسين مني وانا من حسين))، ثم يزيد
كل ذلك تاكيدا وبيانا بجعل فاعل هذا الحب مستحقا لحب اللّه
عز وجل: ((احب اللّه من احب حسينا)).
ولا شك في ان اللّه لا يحب انسانا لاجل حبه لانسان آخر الا اذا
كان ذلك الانسان الاخر المحبوب منسوبا اليه وذا مقام وشان
في دينه ورسالته، فيكون حبه من قبل الناس حبا للّه ولدينه في
الواقع، وطريقا موصلا الى طاعته واتباع شريعته، فيستحقون
بذلك حب اللّه عز وجل، قال تعالى: (قل ان كنتم تحبون اللّه
فاتبعوني يحببكم اللّه) «آل عمران/31».
والنبي(ص)، حينما يجعل من حب الحسين قضية دينية
ومطلبا الهيا، انما يقتفي في ذلك اثر القرآن الكريم، ويطيع فيه
امر اللّه عز وجل الذي جعل من مودة اهل البيت(ع) فرضا دينيا،
فامررسوله ان يقول لامته: (قل لا اسالكم عليه اجرا الا المودة
في القربى) «الشورى: 23».
روى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس، قال: ((لما
نزلت هذه الاية قالوا: يا رسول اللّه، ومن قرابتك هولاء الذين
وجبت علينا مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وابناهما)).
الحقيقة الثانية: هي ما يشير اليها قوله(ص) الماثور عنه في
وصف كلامه: ((اوتيت جوامع الكلم))، وكذلك قوله
المروي عنه: ((اختصر لي الحديث اختصارا)).
ومعنى ذلك انه اوتي القدرة على التعبير الوجيز البليغ الذي
تقل فيه الالفاظ وتكثر فيه المعاني والمقاصد الشريفة وتتسع
اعماقها واغوارها لتختزن من الدلالات المحكمة والمرامي
البعيدة،ما لا يفيض به الا لسان ينطق بالوحي ويغرف من
ينابيع الحكمة.
في ضوء هذه الحقيقة وتحت شعاعها الهادي نضع قوله(ص):
((حسين مني وانا من حسين))، فماذا نرى في ظاهره القريب؟
وماذا نلمح في عمقه المستور وغوره البعيد؟
نرى، اولا، في ((حسين مني)) ان الحسين من النبي دما
وتكوينا ونسبا وصورة جسد، وفي ((وانا من حسين)) ان النبي
من الحسين بقاء دم واستمرار تكوين واتصال نسب، فمن خلال
الحسين واخيه الحسن(ع) اعقب النبي ذريته واستمرت هذه
الذرية تتكاثر وتنتشر، ولا تزال، ولن تزال، حتى يرث اللّه الارض
ومن عليها مصداقا لوعده تعالى لنبيه:
(انا اعطيناك الكوثر× فصل لربك وانحر× ان شانئك هو الابتر)
«الكوثر».
ووفاقا لما اخبر به (ص) امته: ((كل سبب ونسب ينقطع يوم
القيامة، الا سببي ونسبي)).
وقد يبدو في نظر متوهم ان هذه الجدلية التوالدية بين النبي
والحسين قضية طبيعية عادية لا تستحق التنويه، فما من احد
من اصحاب رسول اللّه لا يعلم ان الحسين ابن بنته، وان من
شان الابن ان يتزوج ويلد ويحفظ في اولاده النسب الذي ورثه
من آبائه، كما ان شبه الحسين بجده في صورة الجسد مسالة لا
تخرج -ايضا- عما الفه الناس من وراثة الابناء خصال
آبائهم الجسدية!
ولكن النبي كان يرى الى كل ذلك مخترقا برويته حجب الغيب
ومتجاوزا مسافة الزمن الاتي البعيد، الذي ستكون فيه قضية
النسب والقرابة القريبة من رسول اللّه حجة يحتج بها
ادعياءوراثته وخلافته في حكم المسلمين من بني العباس،
قائلين على لسان شاعرهم:
انى يكون وليس ذاك بكائن
لبني البنات وراثة الاعمام
فكان النبي اراد ان يقطع الطريق على هذه الحجة بالتاكيد
على انه هو والحسين لحمة واحدة لا يحجب الحسين وابناءه
عن رسول اللّه ولا يتقدم عليهم ذو رحم آخر خرج من غير
صلبه.
وليست هذه هي المرة الوحيدة التي فعل فيها ذلك، بل طالما
كان يقول ويردد ان الحسين واخاه الحسن ابناه، وانهما
عضوان من اعضائه، وان الناس من شجر شتى وهو
وابوهماعلي من شجرة واحدة.
ولقد اكد النبي ذلك بفعله ايضا في حادثة المباهلة لما نزل
قوله تعالى: (قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم
وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين)
فدعاهماواباهما عليا وامهما فاطمة، وقال: ((اللهم هولاء
اهلي)). فدل ذلك على انهما عند اللّه ابناه على الحقيقة.
كما ان النبي كان يعلم، بلا ريب، ان وراثة الصورة الجسدية لها
مغزى ثان في نظر الناس، وهو ان من يرث خصال الجسد جدير
-في نظرهم- بان يرث معها خصال النفس وصفات
الخلق،فكانه اراد ان يرمز بقوله: ((حسين مني)) الى هذا
المغزى ايضا، ويوكد للمسلمين ان من يذكرهم بصورته جدير
بان يذكرهم بسيرته.
((عن انس بن مالك، قال: اتي عبيداللّه بن زياد براس الحسين
بن علي(ع)، فجعل في طست، فجعل ينكت عليه، وقال في
حسنه شيئا. قال انس: كان اشبههم برسول اللّه(ص)، وكان
مخضوبابالوسمة)). قال ابن الاثير: هذا حديث صحيح متفق
عليه.
ونرى، ثانيا، في ((حسين مني)) ان الحسين من النبي(ص)
امامة للمسلمين وقوامة على الاسلام وحملا لامانة بيانه
وتبليغه وقيادة مسيرته.
وفي ((وانا من حسين)) ان النبي من الحسين بقاء للامامة
والقوامة واستمرارا لحمل امانة الدعوة والقيادة وامتدادا لها في
ذريته وعقبه، فمن خلال الحسين وحده امتدت سلسلة
الائمة وتكاملت بقية حلقاتها التسع فتمت عدتهم اثنا عشر اماما
كما قال(ص):
((لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، او يكون، عليكم اثنا
عشر خليفة كلهم من قريش)).
ويتوافق هذا المعنى من معاني ((حسين مني وانا من حسين))
مع نصوص نبوية اخرى كثيرة دلت كلها على انحصار الامامة
في اهل البيت(ع) وامرت المسلمين بولايتهم واتباعهم.
ليس هنامجال ذكرها.
ونرى، ثالثا، في ((حسين مني)) ان الحسين من النبي(ص)
اسلاما ومنه خلقا ونهجا رساليا.
وفي ((وانا من حسين)) ان النبي من الحسين بقاء للاسلام
واستمرارا للخلق المحمدي والنهج الرسالي.
فمن حيث الخلق والنهج الرسالي كان من ابرز صفات
النبي(ص) الروحية، واوضح معالم نهجه الرسالي الثبات في امر
الدين، والصبر على البلاء فيه، والاصرار على المضي في
تبليغه والدعوة اليه الى النهاية.
ولقد جسد النبي(ص) هذه الخصلة على اروع واتم ما جسدها
الانبياء اولو العزم من قبله.
فقد نقرا، في القرآن الكريم، ان بعض انبياء الامم السابقة ضاق
باذى قومه وعنتهم وتكذيبهم، وبرم بهم، ويئس من هدايتهم،
وفارقهم، ودعا اللّه عليهم، لكن خاتم الانبياء كان كلما ازداد
قومه ايذاء له وصدودا عنه وسخرية به ازداد ثباتا في امر دينه
وصبرا على الاذى في سبيل دعوته. ولقد قالوا عنه: انه كذاب،
وانه شاعر او مجنون، وانه كاهن او ساحر. ولقد اذوه في
جسمه،فوط ى عقبة بن ابي معيط عنقه الشريف، وهو ساجد
عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان، ووضع سفهاء قريش على
ظهره، وهو يصلي، فرث الابل وسلاها، وضحكوا حتى مال
بعضهم على بعض من الضحك، فثبت النبي ساجدا حتى جاءت
فاطمة فالقته عنه.
ولما لم يثنه الايذاء والسخرية عن عزمه ارسلت قريش اليه عمه
ابا طالب ليراجعه في امره ويخوفه باسها، فقال له: ((يا عم، واللّه
لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان
اترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره اللّه او اهلك دونه)).
ثم عمدت قريش الى اسلوب آخر في الايذاء والضغط، فتكاتب
زعماوها في ما بينهم على مقاطعته وحصروه هو وقومه
وجميع من آمن به في شعب ابي طالب ثلاث سنين، ومنعوا
عنهم القوت والماء، فلم ينل ذلك ايضا من ثباته وتصميمه على
تبليغ رسالته.
وحينما ذهب الى الطائف ليعرض على اهلها الاسلام اغروا به
سفهاءهم وصبيانهم فطاردوه بالحجارة حتى اوى الى ظل
شجرة في بستان ورجلاه تسيلان من الدماء، فلما اطمان ناجى
ربه قائلا:
((اللهم اليك اشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على
الناس، يا ارحم الراحمين، انت رب المستضعفين، وانت ربي،
الى من تكلني، الى بعيد يتجهمني؟ ام الى عدو ملكته امري؟
ان لم يكن بك علي غضب فلا ابالي، ولكن عافيتك هي اوسع
لي.
اعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات، وصلح عليه امر
الدنيا والاخرة من ان ينزل بي غضبك، او يحل علي سخطك.
لك العتبى حتى ترضى)).
ولما يئس كفار قريش منه وعقدوا العزم على قتله انطلق
مهاجرا بدعوته الى حيث وجد لها حملة وانصارا، وراح، من
هناك، يستانف مرحلة جديدة من الجهاد ويواجه سلسلة طويلة
من المحن والشدائد في سبيل تبليغ رسالة ربه قاذفا بنفسه في
لهوات الموت خائضا بها غمار الحرب حتى كاد المشركون في
يومي احد وحنين يفتكون به بعد ان انهزم معظم
اصحابه وانكشفوا عنه، فشج في وجهه في احد وكسرت
رباعيته، وصلى قاعدا من الجراح التي اصابته، فلما قيل له:
لو دعوت عليهم! قال: ((اني لم ابعث لعانا ولكني بعثت داعيا
ورحمة، اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون)).
ذلك كان نهج رسول اللّه(ص) في الثبات على امر اللّه، والصبر
على المضي فيه الى غايته، وتلك كانت ابرز خصاله واخلاقه
الرسالية.
فهل كان نهج الامام الحسين(ع) الا صورة من هذا النهج؟ وهل
يمكن ان نضع عنوانا لخصاله وصفاته الا عنوان خصال جده
هذا؟
لقد راى الحسين(ع) الفتن تزحف في طريق امامة ابيه
وخلافته لرسول اللّه(ص) كقطع الليل المظلم، فثبت هو واخوه
مع ابيهما امامها، وقاتل معهما افواج الناكثين والمارقين
والقاسطين على التاويل، كما قاتل جده وابوه المشركين من
قبل على التنزيل.
ولما آل الامر الى اخيه الحسن(ع)، ثبت معه على خط مواجهة
الانحراف لكن فتنة الامويين استشرت فجرفت في تيارها
العارم ارادة المقاومة عند الامة فخذلتهما واسلمتهما الى
حالين لاثالث لهما: اما الهدنة الى حين او استئصالهما
واستئصال البقية الباقية معهما من المومنين، وبذلك يضمحل
الاسلام ولا تقوم له قائمة من بعد.
ف آثر الحسن(ع) الهدنة واشترط على معاوية ان يرجع الامر من
بعده الى اهله، لكن معاوية بعد ان دس السم للحسن فقضى
منه شهيدا، نكث بعهده واراد ان يجعل حكم المسلمين
ملكامتوارثا عضوضا في صلبه، فعهد الى ابنه يزيد المعلن
بفسقه وفجوره، ثم ما لبث ان هلك، فاراد يزيد ان ياخذ البيعة
لنفسه من الحسين(ع). لكن الحسين(ع) ابى ذلك اباء شديدا،
لا لان فيه نكثا للعهد وظلما شخصيا له واستيلاء على حق
خاص من حقوقه فحسب، بل لانه، ايضا، وفي المقام الاول،
خروج سافر على نظام الاسلام في الحكم وتعريض للدين كله
الى خطر الزوال او الانحراف بوضع مقدراته كلها في ايدي ابناء
الطلقاء الفسقة الذين وقف آباوهم بالامس القريب في وجه
الاسلام وقاوموه بكل وجودهم.
لذلك راى الحسين(ع) ان قيامه بالبيعة ليزيد، وهو ابن بنت
رسول اللّه، والامام الحق الجدير بخلافة جده، سيكون في نظر
الامة بمثابة اعتراف وقبول بالانحراف وشرعنة له،
فتختلط عندها الاوراق وتنطمس معالم الروية، وهو ما لا يمكن
ان يقبل به.
ثم لم يكتف الحسين(ع) بمجرد اعلان المعارضة لحكم يزيد
ورفض بيعته، بل صمم على الثورة المسلحة موضحا غايته منها
بقوله لاخيه محمد قبل خروجه من المدينة الى مكة: ((اني
لم اخرج اشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت
لطلب الاصلاح في امة جدي(ص)، اريد ان آمر بالمعروف
وانهى عن المنكر واسير بسيرة جدي وابي علي بن ابي طالب،
فمن قبلني بقبول الحق فاللّه اولى بالحق ومن رد علي هذا اجر
حتى يقضي اللّه بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين)).
ولم يكن غائبا عن راي الحسين(ع) قلة حظوظ ثورته من
تحقيق النصر، ولا ناسيا ما اخبر به جبريل جده رسول اللّه ذات
صباح يوم كان صبيا يلعب بين يديه من ان الشهادة هي
قدرة الموعود في كربلاء، ولكنه كان يعلم ان ثورته اذا فاتها
تحقيق النصر واعادة الحق الى نصابه، فانه لن يفوتها توضيحه
وفضح مغتصبيه وادانتهم بالانحراف والخروج عن خط الاسلام
وهتك حرمة النبي(ص) وقتل ذريته وعترته الذين جعلهم اللّه
عدلا للقرآن لا يتفرقان حتى يردا معا على رسول اللّه
الحوض، والذين قال لهم رسول اللّه(ص): ((انا حرب لمن
حاربتم وسلم لمن سالمتم)).
وكان الحسين(ع) يعلم ايضا ان الامة الاسلامية قد شلت ارادتها
وفقدت وعيها واختلت لديها المعايير بفعل ثالوث السياسية
الشيطانية الذي ساسها به معاوية وولادته: الترهيب،
والترغيب،والتجهيل، فكان لابد لها من صدقه وجدانية عنيفة
توقظها وتجلو الغشاوة عن بصرها، وتحرك فيها سورة الغضب
لما حل بها وبدينها.
ولم يكن ذلك متاحا بغير التضحية بدمه الطاهر، فالدم هو حبر
الحقيقة ووقود الغضب.
وهكذا لم يجد الحسين(ع) بدا من الثورة، ولم تثنه عن عزمه
في المضي في طريقها توسلات الشفيقين على حياته من اهل
بيته ومن غيرهم، ولم تغير من رايه نصائحهم له بالتريث
حتى يستوثق من صدق الذين وعدوه بالنصرة ويرى مقدار
عدتهم وعديدهم فقام خطيبا في اهل بيته واصحابه ليلة
خروجه من مكة الى العراق فقال: ((خط الموت على ولد آدم
مخط القلادة على جيد الفتاة وما اولهني الى اسلافي اشتياق
يعقوب الى يوسف وخير لي مصرع انا لاقيه، كاني باوصالي
تقطعها عسلان الفلاة بين النواويس وكربلا فيملان مني اكراشا
جوفا واجربة سغبا، لامحيص عن يوم خط بالقلم، رضا اللّه رضانا
اهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور الصابرين، لن تشذ عن
رسول اللّه لحمته بل هي مجموعة له في حضيرة القدس تقر
بهم عينه وينجزبهم وعده. الا من كان فينا باذلا مهجته موطنا
على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا ان شاء اللّه
تعالى)).
وهكذا كانت ثورة الحسين(ع) صرخة اباء عن الذل والوقوع في
مهاوي الفتنة صرخها في ضمير الامة الاسلامية..
وكانت فاجعته في كربلاء مثلا اعلى ضربه للمسلمين ولجميع
الاحرار في التضحية والفداء من اجل الاسلام والعدل..
وكان يومه في عاشوراء فرقانا كشف وجه الحق ودحض زيف
الباطل فرآهما الناس على حقيقتيهما ولم يختلط احدهما
بالاخر..
وبقيت كلماته التي اطلقها خلال ثورته شعارات خالدة تلهم
الاحرار والمجاهدين وتلخص لهم نهجه في الثبات والصبر
وحسن البلاء في الدفاع عن الحق ومقاومة الظالمين:
((هيهات منا الذلة...)).
((لا محيص عن يوم خط بالقلم...)).
((رضا اللّه رضانا اهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا اجور
الصابرين...)).
((من راى سلطانا جائرا مستحلا لحرام اللّه ناكثا عهده مخالفا
سنة رسوله يعمل في عباد اللّه بالاثم والعدوان فلم يغير عليه
بفعل ولا قول كان حقا على اللّه ان يدخله مدخله..)).
وتتابعت، من بعده، الثورات في اصقاع العالم الاسلامي جميعها
في العراق، وفي الحجاز، وفي اليمن، وفي شمال افريقية، وفي
خراسان وطبرستان وبلاد الديلم وفي غيرها واقتدى
به الثوار في مواجهة انحراف الحكام عن الاسلام وطغيانهم
وجبروتهم في التسلط على المسلمين، ولا تزال شعلة الثورة
التي اججها بدمه الطاهر ودم اهل بيته واصحابه تضي ء للاحرار
سبيل مقاومة الظلم والدفاع عن شرعة الاسلام.
وهكذا نصل الى المعنى الثالث من معاني ((وانا من حسين))،
وهو ان النبي(ص) ممثلا في شريعته ونهجه الرسالي قد حي
وبقي نقيا بثورة الحسين(ع)، فلولا نهضة الحسين وتضحيته
لتعمق الشرخ الذي شرخه الامويون في الاسلام، وافضت
فعلتهم الى محقه وطمس معالمه.
وهكذا يتبادل النبي(ص) والحسين(ع) مواقع الاخذ والعطاء
على كل صعيد، ويتلاحمان بكل المعاني نسبا ودورا ونهجا
واثرا، فكانا حقا كما قال(ص): ((حسين مني وانا من حسين)).
خالد العطية
الهدنة مشروعيتها واحكامها في الفقه الاسلامي
الامام السيد علي الخامنئي قائد الجمهورية الاسلامية في ايران
يسر مجلة المنهاج ان تقدم هذه الدراسة الفقهية القيمة، وهي
تبحث في احكام عقد الهدنة التي ينتهي بها القتال بين
المسلمين وغيرهم. وهي، في الاساس، جزء من سلسلة بحوث
فقهية عالية القاها سماحة الامام السيد علي الخامنئي، قائد
الجمهورية الاسلامية، في ايران، على طلبته في درس الخارج،
في موضوع الجهاد واحكامه في الفقه الاسلامي.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
والحمد للّه رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وآله
الطاهرين.
معنى الهدنة وتعريفها
مما ينتهى به الجهاد والقتال، المهادنة
وهي في الاصل: السكون، ويستعمل في الصلح والموادعة بين
المتحاربين، الا انه في اصطلاح الفقه الاسلامي يستعمل في
الصلح الموقت بين المسلمين وطائفة من الكفار الحربيين.
ولذايطلق عليها -اي الهدنة- الموادعة والمعاهدة الظاهرتان
في عدم الدوام.
قال الشيخ رحمه اللّه في المبسوط: ((الهدنة والمعاهدة واحدة،
وهو وضع القتال وترك الحرب الى مدة)) وقال
العلامة رحمه اللّه في التذكرة: ((المهادنة والموادعة والمعاهدة
الفاظ مترادفة معناها وضع القتال وترك الحرب مدة))
ومثله في المنتهى، وقريب منه في التحرير والقواعد.
فانقطاع المدة وعدم الدوام قد اخذ في معنى الهدنة وتعريفها.
وقد جعلوا ذلك احد وجوه الفرق بينها وبين عقد الجزية كما
ذكروا له وجوها اخر -راجع التفصيل في
القواعدللعلامة رحمه اللّه وبعض آخر من كتبه وكتب غيره- وان
كان التحقيق ان ما ذكروه من الفارق ليس هو الفارق الاصلي
بين ماهيتيهما، بل انما هي من قبيل العوارض والعلامات.
والفرق بينهما،جوهريا، هو ان الطرف المقابل في عقد الجزية
هو العدو المغلوب الذي قد ظهر المسلمون عليه وفتحت ارضه
واسقطت دولته، والحال يجعل عليه شي ء عوض الضرائب
الموضوعة على المسلمين، فهو من جملة مواطني المسلمين،
ولكن على غير دينهم. اما الطرف المقابل في المهادنة فهو
العدو المستقر على ارضه والباقي على دولته ونظامه المدني،
وربما يكون قويا وغالباعلى امره بل اقوى احيانا من المسلمين.
ففي صدر الاسلام كانت الجزية على اهل الكتاب القاطنين في
الشام بعد ما فتحت وصارت من اراضي الاسلام، لكن الهدنة
انعقدت مع قريش مكة ولم يفتحها المسلمون بعد.
والحاصل ان عقد الهدنة ينعقد مع الدولة المحاربة بما يتبعها
من شعبها، وعقد الجزية ينعقد مع ناس من اتباع دولة الاسلام.
هذا هو الفارق الجذري، اما غيره من الفوارق فهي فروق
في المظاهر والاحكام.
ثم اننا نواصل البحث في هذا الباب ضمن امور:
حكمها
الامر الاول، في حكمها، وهي جائزة في الجملة باجماع
المسلمين. ومرادنا من الجواز: الجواز بالمعنى الاعم اي الذي
يشمل الواجب والمكروه، في مقابل عدم الجواز بمعنى
الحرمة.ونريد بقولنا في الجملة: ان الجواز مشروط بشروط، وما
لم تتوفر الشروط، تكون المهادنة محرمة، وسوف نذكرها
بتفاصيلها.
والدليل على ذلك -مضافا الى كونه متسالما عليه بين
المسلمين- آيات من الذكر الحكيم، منها قوله تعالى: (الا الذين
عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا...) الاية، وقوله
تعالى: (الاالذين عاهدتم عند المسجد الحرام) الاية... ومنها
قوله تعالى: (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم)الاية...
فهذه الايات، بدلالتها اللفظية، تدل على جواز عقد المعاهدة
مع الكفار وتقرر ما صدر عن المسلمين من المعاهدة معهم.
والمعاهدة، وان كانت غير مختصة بما تقع منها راجعة الى
شان الهدنة وترك القتال، الا ان هذا هو القدر المتيقن منها.
ومنها قوله تعالى: (وان جنحوا للسلم فاجنح لها..) فهو يدل
على جواز الجنوح للسلم حينما يجنح العدو له، وهذه الاية، وان
كان مفادها اضيق دائرة من المدعى في الباب، حيث ان
الجوازفيها مشروط بمبادرة العدو الى الصلح، مع ان المدعى
فيما نحن فيه هو الاعم، الا ان دلالتها على الجواز في الجملة
مما لا يقبل الانكار. والمناقشة، في دلالتها، بان المراد من
السلم هو ترك القتال فعلا، دون قرار ومواضعة بين الطرفين،
موهونة جدا، اذ الظاهر من الامر بالجنوح الى السلم خصوصا مع
الاقتران بما سبقه من الشرط -اي جنوح العدو له- وما لحقه
من الامربالتوكل على اللّه، انه امر بعمل ايجابي يحتاج الى عزم
وحزم وتوكل، دون امر سلبي يتفق كثيرا في الحروب بغير
تمهيد وعزم مسبق، بل ما من حرب دامية مستمرة في برهة
من الزمن الاويتخلل في ضمنها وقف الحرب مرات بغير قرار
وعقد واتفاق، وورود الامر بالجنوح الى مثل ذلك مقترنا بمثل
هذا التمهيد وذاك التعقيب، شي ء لا ينبغي نسبته الى الذكر
الحكيم.
ويدل عليه ايضا ما في نهج البلاغة في عهده(ع) الى مالك
الاشتر من قوله(ع): ولا تدفعن صلحا دعاك اليه عدوك، للّه
فيه رضى، فان في الصلح دعة لجنودك... الحديث، وقد رواه
في المستدرك عن تحف العقول، كما روى قريبا منه في
الالفاظ والمعاني عن دعائم الاسلام عن علي(ع) عن
النبي(ص) .كما يدل عليه ما نقل من السيرة النبوية
القطعية من معاهداته(ص)مع الكفار من مشركيهم ويهودهم
ونصاراهم. وكلها راجعة -اما بالمطابقة واما بالملازمة- الى ترك
القتال واستقرار الهدوء والصلح الموقت.
فالامر، بحسب الدليل، واضح كمال الوضوح، بحيث يبدو ان ما
فعله اصحابنا من ارساله ارسال المسلمات وعدم التصدي كثيرا
للاستدلال عليه، امر صحيح حقا.
ثم ان العلامة رحمه اللّه -ويتبعه بعضهم من متاخري
المتاخرين- استدل لذلك بحرمة القاء النفس في التهلكة في
جنب ادلة وجوب الجهاد، زاعما ان نتيجة تقابل الدليلين هو
التخييروالجواز، وفيه من وضوح الاشكال ما يغنينا عن الايراد
عليه.
اشتراطها بوجود المصلحة
الامر الثاني: يشترط، في جواز الهدنة، ان يكون فيها مصلحة في
الجملة. والظاهر وضوح حكم العقل بان هذا مقتضى الحكمة،
كما انه المستشعر من المناسبة بين الحكم والموضوع،فبعدما
وردت عمومات كثيرة في الامر بالجهاد والحث على مقاتلة
الكفار مع ما في لسان بعضها من التهديد والتوعيد على
تركه
ثم ورد في آية او آيات الامر بالصلح، ففي مثل هذا الظرف لا
معنى للقول بان الصلح والسلم امر جائز في كل زمان ولو مع
عدم الحاجة اليه وفقد مصلحة فيه، فضلا عن صورة
وجودمصلحة في تركه، اذ لازم ذلك لغوية ذاك الحث والتوكيد
والتهديد والتوعيد، وتكون النتيجة هي ان تلك الاوامر الاكيدة
بالجهاد في آيات الذكر الحكيم لا تحمل حكما الزاميا، بل انما
هي مسوقة لبيان جواز قتال العدو وكونه امرا راجحا غير ممنوع
عنه! وهذا خلاف مقتضى الحكمة في كلام الباري الحكيم عز
اسمه. فتلك الايات وهكذا المناسبات العرفية بين
الحكم والموضوع بنفسيهما كافيتان لاثبات ان الاقدام على
السلم مع العدو المحارب ليس امرا جائزا ومباحا في اي وقت
وعلى اي حال، بل جوازه متوقف على وجود ما يكفي في تسويغ
الاقدام عليه من الشرائط والاحوال التي يعبر عنها بالمصلحة.
هذا مضافا الى ما يدل بظاهره على المنع من السلم والمداراة
والتودد مع الاعداء المحاربين، كقوله تعالى: (ولا تهنوا وتدعوا
الى السلم)،وقوله تعالى: (انما ينهاكم اللّه عن الذين قاتلوكم في
الدين واخرجوكم من ديارهم ان تولوهم)، وقوله تعالى: (لا
تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء تلقون اليهم بالمودة)، وغيرها
من الايات الكثيرة في هذا الباب.
فحاصل الادلة، بمجموعها، ان وجود المصلحة في قبول الصلح
او اقتراحه على العدو شرط شرعا في جواز ذلك.
ثم ان المصلحة، في هذا الباب، لا تنحصر في ما ذكره
الفقهاءرحمهم اللّه من ضعف المسلمين وقلتهم عن المقاومة،
او رجاء دخول الكفار في الاسلام، او الحصول على المال الذي
يبذلونه للمسلمين. فهناك مصالح اخرى تناسب ظروف العالم
في كل عصر، منها تحسين سمعة النظام الاسلامي بوصفه
نظاما يقترح الصلح على مناوئيه، ومنها تخويف عدو آخر طامع
في بلادالمسلمين من جهة كونهم مشغولين بالحرب، فاذا راى
ذاك العدو ان الامام بصدد الصلح مع مقاتليه يخاف ويقطع
طمعه، ومنها غير ذلك مما يعرفه الذي بيده امر تشخيص
المصلحة في كل زمان ومكان.
ثم لا يخفى ان المصالح تختلف اهمية، كما ان مصاديق الجهاد
تختلف كذلك، ومن المعلوم عدم امكان التحديد بالنسبة الى
مراتب الاهمية، سواء في المصالح ام في عمليات الجهاد
في سبيل اللّه، وانما الامر في ذلك اي في تشخيص اهمية
المصلحة الداعية الى الهدنة في كل مورد او اهمية عملية
الجهاد المفروض في ذلك المورد، وكذا مراتب الاهمية، كلها
بيد من اليه امر الجهاد.
وبناء على ذلك اي على فرض وجود مراتب للمصلحة وان
المناط في الانتماء الى المهادنة في كل مرحلة هو كون
المصلحة فيها، اهم من العملية الجهادية التي هي موضوع تلك
المرحلة فلا مناص من الالتزام بوجوب الهدنة، كما صرح بذلك
العلامة في القواعد وارتضاه في الجواهر، لان مراتب الرجحان
تابعة لمراتب الاهمية، فربما وصلت اهمية الصلح والهدوء
مرتبة يحكم معها بوجوبه وعدم جواز التخلف عنه.
الا ان ظاهر بعض وصريح آخر عدم وجوب الهدنة بحال. قال
العلامة في المنتهى والتذكرة: ((والهدنة ليست واجبة على كل
تقدير سواء كان بالمسلمين قوة او ضعف لكنها جايزة))
وقال المحقق في الشرائع: ((وهي جائزة اذا تضمنت مصلحة
للمسلمين)) -الى آخر كلامه- وظاهره عدم وجوبها في حال
من الاحوال، اللهم الا ان يكون مراده الجواز بالمعنى الاعم
الشامل للوجوب.
وكيف كان فالمستفاد من كلام العلامة رحمه اللّه في وجه عدم
وجوبها بحال، هو ان دليل الهدنة، وهو قوله تعالى: (وان جنحوا
للسلم فاجنح لها) وكذا قوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم
الى التهلكة) يحمل على الجواز دون الوجوب، بقرينة ما دل
على الامر بالقتال حتى يلقى اللّه شهيدا، كقوله تعالى: (يقاتلون
في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون)، وكفعل مولانا الحسين(ع)
والنفرالذين وجهم رسول اللّه(ص) الى هذيل، فقاتلوا حتى
قتلوا، ولم يفلت منهم احد الا حبيب فانه اسر.. فالمكلف
بمقتضى الدليلين القرآنيين مخير بين القتال والصلح، وقد
وقع كلا الخيارين من النبي(ص) والائمة(ع). فمن الاول: ما
وقع من النبي(ص) والحسن(ع)، ومن الثاني: ما وقع من
الحسين(ع)... الى آخر ما ذكره العلامة رحمه اللّه وارتضاه
صاحب الجواهر عند تقريركلامه، فراجع.
واورد على هذا الاستدلال المحقق الكركي، في جامع
المقاصد، بان الامر بالقتال، مقيد بمقضى: (ولا تلقوا
بايديكم الى التهلكة) -انتهى محل الحاجة من كلامه- ولازمه
وجوب الكف عن القتال اذا فرض كونه القاء في التهلكة، وهذا
يعني وجوب الصلح والهدنة. ولا يخفى ان الاخذ بهذا التقييد،
لازمه حرمة القتال في كل مورد يوجب التهلكة، فيشمل ما لو
استلزم تهلكة فرد او افراد، فيحرم القتال حينئذ عليهم او عليه،
وان كان واجبا على غيرهم من المسلمين المقاتلين، وبناء عليه
فلا يختص حكم وجوب التقصي عن التهلكة بما اذا انطبق
ذلك على الصلح،بل يشمل ايضا الفرار وكل ذريعة اخرى الى
النجاة من التهلكة، فلابد من ان يكون الفرار ايضا واجبا في هذه
الصورة كالصلح! وفي هذا الكلام ما لا يخفى من الغرابة!
والظاهر انه لدفع هذاالاستلزام علق صاحب الجواهررحمه اللّه
على كلام المحقق المذكور بان: الخروج عن ادلة حرمة القاء
النفس في التهلكة يقتصر فيه على القدر المتيقن كالفرار
ونحوه.
اقول: نتساءل: ما الوجه في الخروج عن ادلة حرمة القاء النفس
في التهلكة بادلة حرمة الفرار؟ واي قرينة على تقدم ادلة حرمة
الفرار عليها؟ فلو التزمنا بحكومة ادلة التهلكة على ادلة
الجهادلم لا نلتزم بحكومتها ايضا على ادلة حرمة الفرار؟ وهل
ادلة حرمة الفرار اقوى دلالة واكثر تعدادا واوضح مفادا من ادلة
الجهاد؟ كلا.. فان التزم احد بتقدم ادلة التهلكة على ادلة
الجهاد -مع مالها من الكثرة، وقوة الدلالة والتاكيد، والتوعيد
على تركه، وقال انها تقيد بتلك الادلة -كما صنعه
الكركي-رحمه اللّه- فليلتزم بمثله بالنسبة الى ادلة الفرار ايضا
كما يستفاد ذلك من ظاهركلامه رحمه اللّه فلا وجه لما
استدركه صاحب الجواهررحمه اللّه.
والحق ان الامر بالعكس، بمعنى ان ادلة وجوب حفظ النفس
وحرمة القاء النفس في التهلكة هي التي تقيد بادلة الجهاد،
وذلك لوضوح ان خروج ما يوجب القاء النفس في التهلكة
من مصاديق الجهاد الواجب، يوجب تخصيص الاكثر، بل خروج
تلك الفريضة الالهية عن وضعها ومكانها بالكلية..
والحق في الاجابة عن كلام العلامة رحمه اللّه اما بالنسبة الى
دليل حرمة القاء النفس في التهلكة فيما قلناه آنفا، اما بالنسبة
الى دليل الصلح فبان سياق ادلة الحكمين -اعني الجهاد
والصلح-وهكذا مناسبة الحكم والموضوع في الموردين، تحكم
بكون الصلح استثناء لدليل الجهاد، مقيدا بما اذا كان فيه
المصلحة، فان بلغت المصلحة الى حد الالزام قدم على الجهاد
والا يعمل بمقتضى ما تقتضيه المصلحة واللّه العالم.
اما ما ذكره من فعل الامام الحسين(ع) فمضافا الى انه من
الجهاد الدفاعي -على وجه فتامل- فانه قضية في واقعة، وهو
من السنة الفعلية التي ليس لها لسان الاطلاق والتقييد، ولذا لا
يمكن الاخذ باطلاق الحكم المستفاد منها، وهكذا القول في
تقرير النبي(ص) لجهاد النفر الذين وجههم الى هذيل، كما هو
واضح.
في اشتراط المدة
الامر الثالث: لا خلاف ظاهرا في اشتراط المدة في عقد الهدنة،
ويعلم ذلك من اخذهم قيد الزمان في تعريف الهدنة، كما في
المبسوط والشرائع والمنتهى والتذكرة والقواعد وغيرها،
ومن دعوى الاجماع على اعتبار مدة خاصة، كما في المنتهى
وغيره بالنسبة الى عدم الجواز لاكثر من سنة، ويستفاد ذلك
ايضا من عدم ذكرهم في مقام الاستدلال على اعتبار المدة،
سوى ان عدم ذكرها يقتضي التابيد، والتابيد باطل، فيشبه
ارسال المسلم، والايكال على وضوح الامر.
وهو كذلك، اذ الاطلاق في عقد الهدنة وعدم ذكر المدة
يقتضي وجوب الوفاء به ما لم يظهر نقض من العدو، سواء في
مدة حياة من تصدى للعقد ام بعده، وهذا خلاف المصلحة
قطعا، اذلازمه تعطيل الجهاد، ومن المعلوم ضرورة من الدين
عدم رضا الشارع به، مضافا الى الاستبعاد القريب من الاستحالة،
ان يبقي الظروف دائما على غرار واحد، فالعقد المقتضي
للتابيدخلاف المصلحة قطعا، ومنه يعلم بطلان العقد المصرح
فيه بدوام الهدنة بطريق اولى. ثم ان اشتراط صحة الهدنة
بالتوقيت، لا يعني استلزام ذلك لحكم تكليفي في البين، اي
حرمة عقدالهدنة من دون التوقيت او حتى مع التصريح
بالتابيد، وعلى هذا فلو فرض قيام مصلحة عظيمة في الغاء ذكر
المدة في الهدنة كما اذا فرض ان العدو لا يقبل تقييد الهدنة
بمدة ولا يقبلها الامطلقة او موبدة، وفرض ان في استمرار
الحرب ضررا عظيما على الاسلام والمسلمين، فلا مضايقة على
الامام حينئذ ان يعقد الهدنة بغير ذكر المدة، ولا يكون ذلك
حراما عليه، وان كانت الهدنة في الواقع فاسدة غير منعقدة،
فيستفيد المسلمون من متاركة الحرب ما يحتاجون اليه،
ويكون الامام بالخيار في امر الحرب متى شاء.. والحاصل ان
اشتراط الهدنة بالمدة مما لا كلام فيه.
انما الكلام في مقدار المدة وانه هل يوجد له حد للاقل
وللاكثر؟ فقد ذكروا في ذلك تحديدا في طرفي القلة والكثرة،
ولابد من التعرض لذلك والفحص عن دليله حتى يتضح الحال.
1- ذكروا لطرف القلة -اعني القدر المتيقن من جواز الهدنة
في زمان، فيما كان في المسلمين قوة- مدة اربعة اشهر. فتجوز
الهدنة لاربعة اشهر فما دون. وادعى عليه الاجماع في غيرواحد
من كتب الاصحاب، واستدل له الشيخ رحمه اللّه بقوله تعالى:
(فسيحوا في الارض اربعة اشهر). وعليه فلو هادنهم المسلمون
لهذه المدة يجوز ذلك، وان كان بالمسلمين قوة. والظاهرلزوم
رعاية المصلحة في هذه الصورة ايضا، بمعنى ان عدم الحاجة
الى وجود المصلحة من ناحية ضعف المسلمين ليس يعني
الاستغناء عن وجود سائر المصالح، ولعل هذا هو المراد من كلام
الشيخ في المبسوط حيث قال: ((فاذا هادنهم في الموضع
الذي يجوز، فيجوز ان يهادنهم اربعة اشهر)) ولم يصرح
بذلك غيره في ما اطلعنا عليه من كلماتهم.
وكيف كان، فالاستدلال بالاية يتم بضميمة ما هو المعلوم من
انها نزلت عند منصرف رسول اللّه(ص) من تبوك، وقد كان في
اقوى ما كان.
وقد ناقش فيه في الجواهر بانه خارج عن محل الكلام، اذ لم
يكن ذلك مهادنة لهم بمدة اربعة اشهر، بل كان امهالا
لخصوص من عاهدوا من المشركين على وجه التهديد والتوعد.
وهو في محله مضافا الى ان فرض القوة ايضا غير معلوم تماما،
وان كان هو كذلك على ما في التاريخ، اذ ربما كان في اصحاب
رسول اللّه(ص) تعب وملال مما وقع عليهم في تبوك مع بعد
المسيرة وحر الصيف، وقد كانت غزوة تبوك نفسها وقعت بعد
غزوة اخرى قريبة منها (على ما ببالي فليراجع) فاراد رسول
اللّه(ص) استعادة قوة اصحابه ورفع تعبهم بسياسة الهية، وهي
امهال المشركين اربعة اشهر.. فالحق مع صاحب
الجواهررحمه اللّه حيث قال: ((العمدة حينئذ في اثبات ذلك
على جهة العموم، الاجماع ان تم...)).
اقول: ولن يتم، لعدم ذكره في كلمات الشيخ ومعاصريه، وانما
فيها الاستدلال للحكم بالاية فيقوى انه من الاجماعات
المدركية التي يبدو ان الغرض من ذكرها ليس الا بيان شيوع
القول وعدم مخالفة احد له الا الاجماع المصطلح الذي هو احد
الادلة الاربعة.
والذي لا ينبغي الريب فيه هو ان المهادنة لاربعة اشهر، فما
دون، جائزة مع المصلحة ولو مع قوة المسلمين، لانها القدر
المتيقن من اطلاقات ادلة المهادنة مع عدم وجود رادع عنها
في الكتاب والسنة. ومعها فلا حاجة الى ما ذكر من الاستدلال
بالاية الشريفة في كلام الشيخ رحمه اللّه، ومنه تعرف ما في كلام
صاحب الجواهررحمه اللّه من انه على فرض عدم
تمامية الاجماع، فالحث على قتلهم والقعود لهم في كل مرصد
يقتضى عدمه.
2- ذكروا لطرف الكثرة -اعني القدر المتيقن من المدة التي لا
تجوز الهدنة في الاكثر منها مع فرض قوة المسلمين -ايضا
حدا، وهو سنة كاملة، فلا تجوز في الاكثر منها.
قال المحقق في الشرائع: ((ولا تجوز اكثر من سنة على قول
مشهور)). وقال العلامة في التذكرة: ((اذا كان في المسلمين
قوة، لم يجز للامام ان يهادنهم اكثر من سنة اجماعا)) وقال
في المنتهى: ((اذا اقتضت المصلحة المهادنة، وكان في
المسلمين قوة، لم يجز للامام ان يهادنهم اكثر من سنة
اجماعا)).
هذا، ولكن الامر في كلام الشيخ رحمه اللّه يختلف عن ذلك،
فانه قال: ((ولا يجوز الى سنة وزيادة عليها بلا خلاف)).
فمقتضى هذا التعبير هو عدم الجواز لسنة ايضا مع ان ظاهر
كلام من نقلنا عنهم آنفا عدم الجواز لازيد من سنة، وكلام
الشيخ اوفق بما استدلوا به من الاية الشريفة، اعني قوله تعالى:
(فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين..) الاية، حيث
فهموا منها وجوب الجهاد في كل سنة قمرية عند انسلاخ
الاشهر الحرم، ومعلوم ان الهدنة في تمام السنة تنافي وقوع
الحرب في بعض منها ولو بيوم. ويحتمل ان يكون مراد المحقق
والعلامة(رحمهما اللّه)ايضا ما يوافق كلام الشيخ رحمه اللّه وانما
ذكروا التحديد بالسنة تسامحا.
وكيف كان فالدليل على الحكم على ما في كلماتهم امور:
الاول: الاجماع كما ادعاه العلامة رحمه اللّه وغيره، وادعى
الشيخ رحمه اللّه في المبسوط عدم الخلاف، الا ان
المحقق رحمه اللّه عدل عن ادعاء الاجماع الى نسبة القول الى
المشهور، وهذاما يضعف دعوى الاجماع، اذ الظاهر ان وجه
العدول، عدم تحقق الاجماع عنده كما استظهره الشهيد الثاني
في المسالك.
الثاني: قوله تعالى: (فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا
المشركين) الاية والاستدلال بالاية الشريفة يتم بتقريبين:
احدهما: ما في كلام الشيخ رحمه اللّه في المبسوط من انها
اقتضت قتلهم بكل حال، خرج عنه قدر الاربعة اشهر بدليل
الاية الاولى، اعني قوله تعالى: (فسيحوا في الارض اربعة
اشهر..)وبقى ما عداه على عمومه.
وثانيهما: ما هو المستفاد من كلام الشهيد الثاني رحمه اللّه في
المسالك من ان الاية تدل على وجوب الجهاد عند انسلاخ هذه
الاشهر، وهو متحقق في كل سنة مرة، ثم اوردرحمه اللّه
على الاستدلال بان الامر لا يقتضي التكرار.
هذا، وقد استشكل في دلالة الاية الشريفة على المدعى،
المحقق ضياء الدين رحمه اللّه في شرحه على التبصرة، بان غاية
مفاد الاية هو وجوب القتال في السنة بحسب المصلحة
الاولية،وذلك لا ينافي جواز تركه لعقد الهدنة معهم لمصلحة
اقوى.. الى ان قال: ((وحينئذ لا مجال لتوهم المعارضة بين
دليل القتال بعد انقضاء الاشهر الحرم كما هو مفاد آية: (اذا
انسلخ..) التي هي الدليل على وجوبه في كل سنة، وبين آية
الصلح والهدنة)).
اقول: اما عدم دلالة الامر -لا بمادته ولا بهيئته- على المرة
والتكرار، فنوافق عليه كلام صاحب المسالك رحمه اللّه، وهو مما
لا يختلف فيه المحققون من متاخري الاصوليين، الا ان
دعوى دلالة الاية الشريفة على وجوب القتال بعد انتهاء الاشهر
الحرم في كل عام ليست -في راي القائلين بها- من ناحية
دلالة الامر على التكرار، بل من ناحية دلالة القضية الحقيقية
على فعلية الحكم عند تحقق الموضوع في اي زمان واي مكان،
فبناء على ان الدلالة على الحكم في قوله تعالى: (فاذا انسلخ
الاشهر الحرم..) الاية، على نحو القضية الحقيقية كما هو مدعى
القائلين بوجوب الجهاد في كل سنة، وكما هو المعهود من ادلة
الاحكام الشرعية، بل من القوانين والاحكام المدنية والشخصية
سواء الديني منها والعرفى فموضوع وجوب الجهاد عبارة عن
انسلاخ الاشهر الحرم، اينما وقع ومتى ما وقع، فكلما تحقق هذا
الموضوع خارجا فلا مناص من الحكم بوجوب ما امر به في الاية
الشريفة معلقا على هذا الموضوع، وهو استئصال المشركين..
الى آخر الاية. فيكون الحكم هنا كالحكم بوجوب الصوم المتعلق
بحلول شهر رمضان، فوجوب الجهاد في كل سنة على راي
القائلين به، اجنبي عن حديث المرة والتكرار في الاوامر.
|