وتاتي اهمية هاتين الظاهرتين الشرعيتين من انهما الطريقان
الميسران لمعرفة التكاليف الشرعية التي الزم الانسان المكلف
بامتثالها. فعن طريق الاجتهاد
يصل الفقيه المجتهد الى معرفة الحكم بشكل مباشر. وعن
طريق التقليد يصل العامي المقلد الى معرفة الحكم ايضا، ولكن
ليس بشكل مباشر، وانما عن طريق رجوعه الى المجتهد. وهذا
لان امتثال التكليف من قبل الانسان المكلف يمر بمرحلتين:
الاولى: مرحلة العلم بالحكم المطلوب امتثاله. وحصول العلم
بالحكم يتم عن احدالطريقين المذكورين: الاجتهاد، وهو
الطريق المباشر، والتقليد وهو الطريق غير المباشر.
الثانية: مرحلة العمل، وهو امتثال الحكم المطلوب امتثاله،
وهذا لا تمايز فيه بين المجتهدوالعامي.
فسلوك احد هذين الطريقين: الاجتهاد او التقليد انما هو
للخروج من عهدة المسؤولية الشرعية النابعة من ايمان الانسان
المسلم بوجوب طاعة اللّه تعالى بامتثال التكاليف الشرعية.
ويرجع هذا الى ثبوت حجية الاجتهاد شرعا، وكذلك التقليد.
يضاف اليه ما ذكره الفقها وفق المنهج الكلامي من ان اللّه
تعالى قد توعد من لم يمتثل التكليف الشرعي بالعقوبة
الاخروية، فان حاول المكلف الامتثال لا عن طريق مشروع،
فانه يحتمل الوقوع في مخالفة التكليف، ومن ثم العقوبة.
والعقل هنا يلزمه بدفع هذا الضررالمحتمل، ولا طريق لديه
الى ذلك الا سلوك احدى الوسيلتين: الاجتهاد او التقليد،
لانهما اعني الاجتهاد والتقليد مشروعان من قبل المشرع
الاسلامي فهما حجتان، اي للمكلف ان يحتج بهما عند وقوع
الخطا فيسلم من العقوبة.
وهذا هو ما يعنيه الفقها بقولهم: ((عمل المكلف بلا اجتهاد او
تقليد باطل))، اي بلا مؤمن يضمن له عدم العقوبة ان لم يصب
الواقع المطلوب.
والفرق بين سلوك هذا المنهج الكلامي والاخر الذي قبله، وهو
المنهج الفقهي، هو: ان الباحث ينطلق وفق المنهج الكلامي من
ربط المبدا بالمعاد.. بينما هو في المنهج الفقهي ينطلق من ان
امتثال التكاليف الشرعية هو المظهر الذي يحقق للعبد المكلف
طاعته لمولاه من دون ملاحظة لذلك الربط الذي ينطلق منه
المنهج الكلامي، مع ايمانه به.
وعلى اية حال هو فرق في طريقة البحث ومنطلقاته فقط. ومن
هذه الاهمية للتقليد الشرعي تاتي اهمية البحث فيه.
وساحاول، قدر طاقتي، التيسير والتوضيح لاكون مع ما هدفت
اليه من وضع الثقافة الفقهية الميسرة بين يدي القارىء المسلم
ليسهل عليه معرفة ذلك، لارتباطه المباشر باهم شيء
في حياته، وهو امتثال التكاليف الشرعية.
اما عناصر البحث فهي: مفهوم التقليد. تاريخ التقليد الشرعي.
حكم التقليد الشرعي. مواردالتقليد الشرعي المقلد وشروطه.
مرجع التقليد. التخيير في التقليد التبعيض في
التقليدآالعدول في التقليد.
مفهوم التقليد
التعريف
كلمة ((تقليد)) مصدر الفعل المضعف: ((قلد، يقلد))، بتشديد
اللام.
وهي من الكلمات المحظوظة، فبالاضافة الى معناها العام، وهو
المعنى اللغوي والاجتماعي (العرفي)، تملك غير معنى خاص،
بوصفها مصطلحا علميا، وهذا ما يتبين في ما ياتي:
ان خلاصة ما ذكره المعجميون العرب لكلمة ((تقليد)) مما
يرتبط بمعنى المصطلح الشرعي او يلابسه، هي:
1 لبس القلادة: يقال: تقلدت المراة القلادة، اي لبست القلادة.
(حح چددح حت چ رث زچحج ).
2 حمل السيف: تقول: تقلد الرجل سيفه، اي احتمل الرجل
سيفه (حزرسث آ ح دحژحذت خژخج حزخب رث ).
3 تولية المنصب او السلطة: (حزس ژژحسذپ ) يقال: تقلد الامر (
ح دحژحذت ذررج حدچث رث ) اذا تولاه.
4 الاتباع والاقتدا: (خ ذخش ررا ) جا في ((الصحاح))، في مادة
((قلد)): ((القلادة التي في العنق،وقلدت المراة فتقلدت
هي)).
ومنه: التقليد في الدين، وتقليد الولاة الاعمال.
وتقليد البدنة: ان يعلق في عنقها شيء ليعلم انها هدي.
ويقال: تقلدت السيف، وقال الشاعر:
يا ليت زوجك قد غدا
متقلدا سيفا ورمحا
اي: ((وحاملا سيفا ورمحا)).
وفي معجم ((لاروس)): ((والتقليد: الاتباع من غير نظر وتامل
في الدليل)).
والتقليد: اقتدا شخص ب آخر في اعماله واطواره.
وفي ((التعريفات)): ((التقليد: عبارة عن اتباع الانسان غيره
في ما يقول او يفعل، معتقدا للحقية فيه، من غير نظر وتامل في
الدليل، كان هذا المتبع جعل قول الغير او فعله قلادة في
عنقه)).
التقليد: ((عبارة عن قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل)).
في العرف
وهذه المعاني التي ذكرها المعجم العربي هي المعاني العرفية
لكلمة ((تقليد)) عند ابناالمجتمع العربي.
ومن التقليد، بمعنى تطويق العنق بالقلادة، اخذوا معنى
تحميل المسؤولية.
ومن ذلك قول السيدة فاطمة الزهرا(ع)، في خطبتها لنسا
المهاجرين والانصار عندماعدنها وهي مريضة: ((لا جرم، لقد
قلدتهم ربقتها وحملتهم اوقتها)). والربقة: الحبل،
والاوقة:الثقل. اي لقد طوقت عنقهم بمسؤوليتها، وحملتهم
تبعتها.
ومن تقليد السيف اخذوا معنى حمل الشيء وتحمل مسؤوليته.
ومن ذلك قول الامام، اميرالمؤمنين(ع)، في عهده لمالك
الاشتر، واليه على مصر، في شان العمال والموظفين:
((فان احد منهم بسط يده الى خيانة اجتمعت بها عليه عندك
اخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدافبسطت عليه العقوبة في
بدنه، واخذته بما اصاب من عمله، ثم نصبته بمقام
المذلة،ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة)). اي وحملته عار
التهمة وما يترتب عليها من تبعات.
في الفلسفة
اومات الى ان كلمة ((تقليد)) اخذت مصطلحا في غير حقل
معرفي، ومن هذه الحقول المعرفية حقل الفلسفة، فقد جا في
((المعجم الفلسفي)) لمجمع اللغة العربية بالقاهرة مانصه:
((تقليد ذرخژحچزث : عرف ينتقل من جيل الى جيل، واوضح ما
يكون في السلوك الاجتماعي اوفي الحياة الروحية)).
ويطلق اللفظ الاجنبي (يعني ذرخژحچزث ) ايضا على ما يسمى
((الماثور))، وهو تعليم شفوي اوكتابي يوضح الماضي ويعتد به
في الحاضر.
ويشير المعجم، بقوله: ((ويطلق اللفظ..))، الى التقليد عند
النصارى واليهود الذي يراد به ((ماتسلموه وتداولوه خلفا عن
سلف، جيلا بعد جيل، من العقائد وشعائر الديانة، مشافهة ممالم
يدون في كتبهم المنزلة)).
في علم الاجتماع
يعرف ((معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية)) التقليد
حخ چژج بانه ((سلوك، او نمط سلوكي يقبله المجتمع دون
دوافع اخرى عدا التمسك بسنن الاسلاف)).
ومن هذا ما نعاه القرآن الكريم على الجاهليين بقوله تعالى:
(واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل اللّه قالوا بل نتبع ما الفينا عليه آبانا
اولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) «البقرة/170».
وقوله: (واذا قيل لهم تعالوا الى ما انزل اللّه والى الرسول، قالوا:
حسبنا ما وجدنا عليه آبانااولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا
يهتدون) «المائدة/104».
في الادب:
والتقليد ذرخژچژخذپ ، ادبيا، هو ((اتخاذ اثر فني نموذجا والنسج
على منواله، اما من حيث المضمون، واما من حيث الاسلوب،
واما من حيث الاثنان معا)).
اما التقاليد ژذرخژخحچزث ، ادبيا، فهي ((مناهج واساليب متبعة
في تحقيق الاثر وفي مضمونه)).
وماخوذة عادة من السلف جيلا بعد جيل، بحيث تصبح مع
مرور الزمن ميزة عضوية في ادب من الاداب او فن من الفنون.
ويعد التحرر منها، او الابتعاد عنها، خروجا عن السنة المسلم
بها، او ثورة على التراث المتوارث.
ومن احترام التقاليد والتقيد بها يتشابه الادبا والفنانون
ويؤلفون جماعات متوافقة في فهمها للصنيع وفي ابرازه،
وينشئون ما يطلق عليه تارة اسم المذاهب، وتارة اخرى
اسم المدارس.
في الشرع:
ونعني، بهذا العنوان، استخدام كلمة ((تقليد))، او احدى
مشتقاتها، في النصوص الشرعية من آيات قرآنية او احاديث
مروية عن المعصومين.
وذلك لان التقليد موضوع فلا بد من التماس معناه في البدء
من الشرع، فان لم نعثر على شيء من هذا التمسناه من العرف.
ولانه قد يقر الشرع المفهوم العرفي وينطبق عليه حكمه، وقد
يقره مع التهذيب، وقد لايقره، لا بد من معرفة المفهوم العرفي
للمقارنة بينه وبين المفهوم الشرعي لنكون على جلية من واقع
الموضوع، وقد تقدم منا معرفة مفهوم التقليد عند العرف،
فلنحاول معرفته في النصوص الشرعية:
في القرآن:
ورد في القرآن الكريم من مشتقات كلمة ((تقليد)):
كلمة ((القلائد)) في موضعين، هما:
1 (يا ايها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر اللّه ولا الشهر الحرام ولا
الهدي ولا القلائد...)«المائدة/2».
2 (جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام
والهدي والقلائد...)«المائدة/97».
والقلائد: هي البدن التي يعلق في اعناقها شيء من الجلد، او
لحا الشجر، او نحوه، ليعلم انها هدي يسوقه الحاج معه لينحره
يوم النحر، بوصفه مسكا من مناسك الحج.
وعطف القلائد على الهدي من باب عطف الخاص على العام
((تشريفا لذوات القلائدوتنويها بشانها)).
وكلمة ((مقاليد)) في موضعين ايضا، وذلك في قوله تعالى: (له
مقاليد السموات والارض)«الزمر/63 والشورى/12».
ومقاليد السموات والارض هي مفاتيح خزائنها.
وكما ترى: ليس في الكلمتين ((القلائد)) و((مقاليد)) علاقة
بما نبحث عنه هنا.
وعليه: فالقرآن الكريم لم يستخدم كلمة ((تقليد))، او احد
مشتقاتها، بالمعنى المبحوث عنه هنا.
نعم، جا فيه نعيه على اهل الجاهلية اتباعهم الاعمى
لاسلافهم، ذلك الاتباع الذي لم يقم على حجة ولم يدعمه
برهان، كما في امثال الايتين المتقدمتين اللتين ذكرناهما
بوصف كل منهما شاهدا لمعنى التقليد في المصطلح
الاجتماعي.
وكل ما نستطيع ان نفيده، من هذه الايات، ان التقليد على
نوعين، هما:
1 التقليد الباطل: وهو الذي لم يقم على حجة شرعية.
2 التقليد الحق: وهو الذي يقوم على حجة شرعية.
اما استخدام كلمة ((تقليد))، بوصفها مصطلحا شرعيا، فلا
نقوى على ان نقول انها تستفاد مماذكر الا على طريق
الاستنتاج لا الاستقرا، والمصطلحات لا تستفاد الا عن
طريق الاستقرا.
في السنة الشريفة:
اما الحديث الشريف فقد وردت فيه الكلمة، ومن مشتقاتها ما
يمكننا الاستشهاد به واستفادة المصطلح الشرعي منه.
ومنه ما جا في الروايات التالية:
1 كتاب ((الوسائل))، الباب 20 من الاطعمة والاشربة
المحرمة،2 عن محمد بن الحسن(الطوسي)، عن بعض
اصحابنا، عن ابراهيم بن خالد عن عبداللّه بن وضاح، عن ابي
بصير:قال: ((دخلت ام خالد العبدية على ابي عبداللّه(ع) وانا
عنده، فقالت: جعلت فداك انه يعتريني قراقر في بطني، وقد
وصف لي اطبا العراق النبيذ بالسويق!
فقال: ما يمنعك من شربه؟!
فقالت: قد قلدتك ديني.
فقال: فلا تذوقي منه قطرة.
2 كتاب ((الاحتجاج)) (ص 456 458) قال مؤلفه ابو منصور
الطبرسي: وبالاسناد الذي مضى ذكره عن ابي محمد
العسكري(ع) ، في قوله تعالى: (ومنهم اميون لا
يعلمون الكتاب الا اماني وان هم الا يظنون) «البقرة/78». ان
الامي منسوب الى امه، اي هو كما خرج من بطن امه، لا يقرا ولا
يكتب (لا يعلمون الكتاب) المنزل من السما ولا المتكذب به،
ولايميزون بينهما. (الا اماني)، اي الا ان يقرا عليهم ويقال لهم:
ان هذا كتاب اللّه وكلامه، لايعرفون ان قرى من الكتاب خلاف
ما فيه. (وان هم الا يظنون) اي ما يقرا عليهم رؤساؤهم من
تكذيب محمد(ص) في نبوته وامامة علي(ع) سيد عترته، وهم
يقلدونهم مع انه (محرم عليهم) تقليدهم. (فويل للذين يكتبون
الكتاب بايديهم، ثم يقولون: هذا من عند اللّهتعالى...)
«المائدة/79»: هذا لقوم من اليهود، كتبوا صفة زعموا انها صفة
محمد(ص) وهي خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين منهم: هذه
صفة النبي المبعوث في آخر الزمان: انه طويل، عظيم البدن
والبطن، هدف اصهب الشعر، ومحمد(ص) بخلافه، وهو
يجيءبعد هذا الزمان بخمسمئة سنة، وانما ارادوا بذلك ان
تبقى لهم على ضعفائهم رياستهم،وتدوم لهم اصابتهم، ويكفوا
انفسهم مؤونة خدمة رسول اللّه(ص) وخدمة علي(ع) واهل بيته
وخاصته، فقال اللّه عز وجل: (فويل لهم ما كتبت ايديهم، وويل
لهم مما يكسبون) من هذه الصفات المحرفات والمخالفات
لصفة محمد(ص) وعلي(ع): الشدة لهم من العذاب في اسوا
بقاع جهنم، وويل لهم: الشدة في العذاب ثانية، مضافة الى
الاولى، بما يكسبونه من الاموال التي ياخذونها اذا ثبتوا عوامهم
على الكفر بمحمد رسول اللّه(ص) والحجة لوصيه واخيه علي
بن ابي طالب(ع)، ولي اللّه.
ثم قال: قال رجل للصادق(ع): فاذا كان هؤلا القوم من اليهود
لا يعرفون الكتاب الا بمايسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم الى
غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم، والقبول من علمائهم،وهل عوام
اليهود الا كعوامنا يقلدون علماهم؟
فقال(ع): بين عوامنا وعلمائنا وعوام اليهود وعلمائهم فرق من
جهة، وتسوية من جهة.
اما من حيث استووا فان اللّه قد ذم عوامنا بتقليدهم علماهم
كما ذم عوامهم.
واما من حيث افترقوا فلا.
قال: بين لي يا ابن رسول اللّه!
قال(ع): ان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماهم بالكذب
الصراح، وباكل الحرام والرشا،وبتغيير الاحكام عن واجبها
بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصب الشديد
الذي يفارقون به اديانهم، وانهم اذا تعصبوا ازالوا حقوق من
تعصبوا عليه، واعطوا مالا يستحقه من تعصبوا له من اموال
غيرهم، وظلموهم من اجلهم، وعرفوهم يقارفون المحرمات،
واضطروا بمعارف قلوبهم الى ان من فعل ما يفعلونه فهو فاسق،
لا يجوز ان يصدق على اللّه، ولا على الوسائط بين الخلق وبين
اللّه، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قدعرفوه ومن قد علموا انه لا
يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما
يؤديه اليهم عمن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بانفسهم
في امر رسول اللّه(ص) اذ كانت دلائله اوضح من ان تخفى،
واشهر من ان لا تظهر لهم.
وكذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر،
والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها،
واهلاك من يتعصبون عليه وان كان لاصلاح امره مستحقا،
وبالرفق بالبر والاحسان على من تعصبوا له وان كان للاذلال
والاهانة مستحقا.
فمن قلد من عوامنا مثل هؤلا الفقها، فهو مثل اليهود الذين
ذمهم اللّه بالتقليد لفسقة فقهائهم.
فاما من كان من الفقها صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا
لهواه، مطيعا لامر مولاه، فللعوام ان يقلدوه، وذلك لا يكون الا
بعض فقها الشيعة لا جميعهم، فانه من ركب من
القبايح والفواحش مراكب فسقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئا
ولا كرامة.
وانما كثر التخليط في ما يتحمل عنا اهل البيت لذلك، لان
الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه باسره بجهلهم، ويضعون الاشيا
على غير وجهها لقلة معرفتهم.
وآخرون يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو
زادهم الى نار جهنم.
ومنهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلمون بعض
علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند
نصابنا، ثم يضيفون اليه اضعافه واضعاف اضعافه من الاكاذيب
علينا التي نحن برا منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا
على انه من علومنا،فضلوا واضلوا، وهم اضر على ضعفا شيعتنا
من جيش يزيد على الحسين بن علي(ع)واصحابه، فانهم
يسلبونهم الارواح والاموال، وهؤلا علما السوء الناصبون
المتشبهون بانهم لنا موالون، ولاعدائنا معادون، ويدخلون
الشك والشبهة على ضعفا شيعتنافيضلونهم ويمنعونهم عن
قصد الحق المصيب، لا جرم ان من علم اللّه من قلبه من
هؤلاالقوم انه لا يريد الا صيانة دينه وتعظيم وليه لم يتركه في
يد هذا المتلبس الكافر، ولكنه يقيض له مؤمنا يقف به على
الصواب، ثم يوفقه اللّه للقبول منه، فيجمع اللّه له بذلك
خيرالدنيا والاخرة، ويجمع على من اضله لعنا في الدنيا وعذاب
الاخرة.
ثم قال: قال رسول اللّه: ((اشرار علما امتنا، المضلون عنا،
القاطعون للطرق الينا، المسمون اضدادنا باسمائنا، الملقبون
اندادنا بالقابنا، يصلون عليهم وهم للعن مستحقون،
ويلعنونناونحن بكرامات اللّه مغمورون، وبصلوات اللّه وصلوات
ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم مستغنون)).
ثم قال: قيل لامير المؤمنين(ع): من خير خلق اللّه بعد ائمة
الهدى ومصابيح الدجى؟
قال: العلما اذا صلحوا.
قيل: فمن شرار خلق اللّه بعد ابليس وفرعون ونمرود، وبعد
المتسمين باسمائكم،والمتلقبين بالقابكم، والاخذين لامكنتكم
والمتامرين في ممالككم؟
قال: العلما اذا فسدوا، هم المظهرون للاباطيل، والكاتمون
للحقائق، وفيهم قال اللّه عزوجل: (انالذين يكتمون ما انزلنا من
البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك
يلعنهم اللّه ويلعنهم اللاعنون الا الذين تابوا) «البقرة/159».
3 الوسائل: باب 10 من كتاب القضا (صفات القاضي)، حديث
2: وعن علي بن محمد،عن سهل بن زياد، عن ابراهيم بن
محمد الهمداني، عن محمد بن عبيدة، قال: قال لي
ابوالحسن(ع): يا محمد انتم اشد تقليدا ام المرجئة؟
قال: قلت: قلدنا وقلدوا.
فقال: لم اسالك عن هذا.
فلم يكن عندي جواب اكثر من الجواب الاول.
فقال ابو الحسن(ع): ((ان المرجئة نصبت رجلا لم تفرض
طاعته وقلدوه، وانكم نصبتم رجلاوفرضتم طاعته، ثم لم
تقلدوه، فهم اشد منكم تقليدا)).
استعملت، في هذه الروايات، عدة الفاظ ذات علاقة بما نحن
في صدده من البحث عن المصطلح الشرعي، وهي كالتالي:
في الرواية الاولى: قلدتك.
وفي الرواية الثانية: تقليدهم، تقليدهم، يقلدون، تقليدهم،
قلدوا، قلد، التقليد، يقلدوه.
وفي الرواية الثالثة: تقليدا، قلدنا، قلدوا، قلدوه، تقلدوه، تقليدا.
فمجموع ما استعمل من كلمة ((تقليد)) ستة، ومن مشتقاتها
تسعة، وفي سياق يمكننا ان نستخلص منه النتائج التالية:
1 ان كلمة ((تقليد)) ومشتقاتها كانت شائعة الاستعمال في
عصور التشريع الاسلامي منذعهد رسول اللّه(ص) وحتى عهد
الامام الحسن العسكري(ع)، ونهاية الغيبة الصغرى كماسياتي.
وهكذا مدة تجاوزت القرنين من الزمن كافية لاستقرار
المصطلح.
2 انها استعملت في مالها من معنى لغوي عرفي (اجتماعي)،
وهو الاقتدا مصحوبابتحميل مسؤولية الخطا للشخص
المقتدى به.
وكما قدمنا: لا يضير ما قيل حول اسانيد هذه الروايات من
ضعف بسبب الارسال او غيره،لان عليها من ظلال الصدق ما
يشفع لقبولها.
3 ان هذه الروايات وامثالها لم تحدد معنى التقليد، ولذا
حملناها على المعنى اللغوي العرفي.
ومن هنا ايضا حاول الفقها تحديد معنى التقليد، بعضهم
للسبب الذي ذكرته، وبعضهم لعدم اعتماده الروايات لما فيها
من وهن في السند حسب رايه.
4 ان الروايات لم تفرق بين التقليد الذي يعني الرجوع الى
المعصوم، والتقليد الذي يعني الرجوع الى الفقيه، لان ذلك
الفرق لم يستبن من ناحية علمية الا بعد رسوخ التعريف
الفقهي لمصطلح التقليد واستقراره.
فالتقليد، فقهيا، وكما سياتي، مجاله الاحكام الظنية، اذ لا تقليد
ولا اجتهاد في اليقينيات البديهية.
وبتعبير آخر: التقليد الفقهي لا يكون الا في النتائج الاجتهادية،
وهي الفتاوي التي يتوصل اليها الفقيه من طريق الاجتهاد.
وهي، بطبيعتها، نتائج ظنية.
والمعصوم عندنا نحن الامامية ليس بمجتهد، وما يعطيه
من احكام هي احكام يقينية لاتخط ىء الواقع المطلوب.
وسنتبين هذا اكثر مما ياتي.
هذه اهم النتائج التي يمكن استخلاصها من الروايات المذكورة
وامثالها.
وعلينا الان ان نكون مع فقهائنا في تعريفاتهم العلمية
لمصطلح التقليد.
في الفقه:
سياتينا، تحت عنوان ((تاريخ التقليد))، ان موضوع التقليد، بدا
بحثا اصوليا، وفي عهد متاخر،يسبق عصرنا هذا مباشرة او
بقليل، تحول بحثا فقهيا.
واخال ان هذا التحول كان من السيد اليزدي في رسالته
العلمية الموسومة ب ((العروة الوثقى)).
وبسبب هذا سوف تاتي المصادر التي ننقل عنها تعريفات
المصطلح اصولية وفقهية،وآصرة القرابة بينهما من الوثوق
بمكان وثيق.
ومع هذا لا يزال بعض المؤلفين الاصوليين يدرجون بحث
الاجتهاد والتقليد في كتبهم الاصولية.
فمن تعريفات الاصوليين:
1 العلامة الحلي في ((النهاية)): ((التقليد هو العمل بقول
الغير من غير حجة معلومة)).
2 الشيخ حسن العاملي في ((المعالم)): ((التقليد هو العمل
بقول الغير من غير حجة)).
3 الشيخ محمد كاظم الخراساني في ((الكفاية)): ((التقليد:
وهو اخذ قول الغير ورايه للعمل به في الفرعيات، او للالتزام به
في الاعتقاديات، تعبدا بلا مطالبة دليل على رايه)).
4 الشيخ ابو الحسن المشكيني في ((حاشية الكفاية)): ((هو
اخذ قول الغير من غير برهان)).
5 الميرزا حسن البجنوردي في ((المنتهى)): ((فحقيقة
التقليد الذي قامت الادلة على وجوبه على العامي ليس الا
تطبيق عمله على فتوى من يجب تقليده او يجوز)).
6 السيد محمد تقي الحكيم في ((الاصول العامة)): ((الرجوع
الى الغير اذا كان عالماوالاعتماد على قوله)).
7 الميرزا علي المشكيني في ((تحرير المعالم)): ((التقليد: هو
العمل بقول الغير من غير سؤال عن دليله وحجته كاخذ العامي
قول المفتي والمريض قول الطبيب)).
ومن تعريفات الفقها:
1 السيد محمد كاظم اليزدي في ((العروة الوثقى)):
((التقليد: هو الالتزام بالعمل بقول مجتهدمعين وان لم يعمل
بعد، بل ولو لم ياخذ فتواه، فاذا اخذ رسالته والتزم بالعمل بما
فيها كفى في تحقيق التقليد)).
2 الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي في ((تعليقة العروة)):
((متابعة المجتهد في العمل بان يكون معتمدا على رايه في
العمل)).
3 الشيخ علي آل صاحب الجواهر في ((حاشية العروة)): ((لا
يكفي الالتزام بل لا بد من العمل)).
4 الميرزا محمد حسين النائيني في ((تعليقة العروة)): ((لا
اشكال في تحققه بالعمل بفتواه(يعني المجتهد). وفي تحققه
بتعلم الفتوى للعمل بها اشكال. اما الالتزام وعقد القلب
واخذالرسالة ونحو ذلك فالاقوى عدم تحققه بشيء من ذلك)).
5 السيد صدر الدين الصدر في ((تعليقة العروة)): ((تطبيق
العمل على راي الغير)).
6 الشيخ محمد تقي البروجردي في ((نهج الهدى في التعليق
على العروة الوثقى)): ((مجردالعمل على تطبيق فتوى الغير)).
7 السيد محسن الحكيم في ((تعليقات العروة)): ((بل هو
العمل اعتمادا على فتوى المجتهد)).
وفي ((منهاج الصالحين)): ((التقليد: هو العمل اعتمادا على
فتوى المجتهد، سوا التزم المقلدبذلك في نفسه ام لم يلتزم)).
8 السيد محمد كاظم الشريعتمداري في ((تعليقات العروة)):
((بل هو الاستناد الى راي المجتهد في مقام العمل)).
9 السيد محمد هادي الميلاني في ((تعليقات العروة)): ((بل
هو التعلم لاجل العمل)).
10 السيد احمد الخونساري في ((تعليقات العروة)): ((الاقوى
عدم تحقق التقليد الا بالالتزام مع العمل)).
11 السيد ابو الحسن الرفيعي في ((تعليقات العروة)): ((لا
يخفى ان تفسيره بالالتزام او باخذقول الغير بعيد، لان التقليد
في اللغة هو حمل القلادة في العنق كما في الاشعار والتقليد
في الحج ومعناه العرفي هو نفس العمل على طبق راي
الغير)).
12 السيد محمود الشاهرودي في ((تعليقات العروة)): ((لا
اشكال في تحققه بالعمل بفتواه(يعني فتوى المجتهد)، وفي
تحققه بتعلم الفتوى للعمل اشكال)).
13 السيد روح اللّه الخميني في ((تعليقات العروة)): ((بل هو
العمل مستندا الى فتوى المجتهد)).
وفي ((تحرير الوسيلة)): ((التقليد: هو العمل مستندا الى فتوى
فقيه معين)).
وفي ((زبدة الاحكام)): ((التقليد: هو العمل مستندا الى فتوى
الفقيه)).
14 السيد شهاب الدين المرعشي النجفي في ((تعليقات
العروة)): ((ليس الا الالتزام والبناعلى تبعية راي المجتهد في
مقام العمل، كما هو مقدم على العمل)).
15 السيد ابو القاسم الخوئي في ((تعليقات العروة)): ((بل هو
الاستناد الى فتوى الغير في العمل)).
وفي ((منهاج الصالحين)): ((التقليد: هو العمل اعتمادا على
فتوى المجتهد)).
ولا يتحقق بمجرد تعلم فتوى المجتهد ولا بالالتزام بها من
دون عمل.وفي ((المسائل المنتخبة)): ((التقليد: هو الاستناد
في مقام العمل الى فتوى المجتهد)).
16 السيد عبد الاعلى السبزواري في ((منهاج الصالحين)):
((التقليد: هو مطابقة العمل لراي من يصح الاعتماد على رايه
من المجتهدين)).
17 الشيخ محمد علي الاراكي في ((تعليقات العروة)): ((بل
الظاهر كونه متابعة المجتهد في العمل بان يكون مستندا في
عمله الى راي المجتهد)).
وفي ((المسائل الواضحة)): ((التقليد في الاحكام: هو العمل
براي المجتهد.. اي ان ياتي بعمله استنادا الى فتواه)).
وفي ((زبدة الاحكام)): ((الظاهر ان التقليد متابعة المجتهد
في العمل بان يكون المكلف مستندا في عمله الى راي
المجتهد)).
18 الشيخ محمد الفاضل اللنكراني في ((حواشي العروة)):
((التقليد: هو العمل عن استناد.ولا دليل على وجوب الالتزام
على العامي، ولا على مدخليته في ترتب شيء من الاحكام)).
وفي ((الاحكام الواضحة)): ((التقليد: هو العمل المستند الى
قول مجتهد معين)).
19 السيد رضا الصدر في ((الاجتهاد والتقليد)): ((تطبيق
العمل مع راي الغير)).
20 الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في ((تعليقات العروة)): وهو
الاستناد العملي الى قول المجتهد. فلا يكفي فيه مجرد الالتزام
قلبا، او مع اخذ الفتوى او اخذ الرسالة بانيا على العمل. ولكن
الاحكام الشرعية لا تدور مدار هذا العنوان (يعني عنوان
التقليد) لعدم وروده في الكتاب ولا السنة الا في رواية ضعيفة
(يعني بها رواية التفسير المنسوب للامام العسكري).
بل الادلة تدل مطابقة والتزاما على ((حجية قول المجتهد
للعامي)).
21 السيد حسن القمي في ((تعليقات العروة)): ((الظاهر ان
التقليد في الاحكام هو قبول فتوى المجتهد من دون مطالبة
الدليل بالعمل بفتواه او تعلم فتواه مع الالتزام به)).
22 السيد ابو الحسن الاصفهاني في ((وسيلة النجاة)):
((التقليد المصحح للعمل هو الالتزام بالعمل بفتوى مجتهد
معين)).
ويتحقق باخذ المسائل منه للعمل بها، وان لم يعمل بعد بها.
23 السيد آغا حسين البروجردي في ((المسائل الفقهية)):
((هو العمل براي المجتهد في احكام الدين)).
24 الشيخ محمد حسن المظفر في ((وجيزة المسائل)):
((التقليد: هو متابعة المجتهد في رايه والاخذ بفتواه)).
25 الشيخ مرتضى آل ياسين في ((بلغة الراغبين)): ((التقليد:
هو بنا العامي على ان فتوى المجتهد الذي يريد الرجوع اليه
هي حكم اللّه في حقه، سوا اعمل بها ام لم يعمل)).
26 السيد محمد الحسني البغدادي في ((هداية الانام)):
((التقليد المصحح للعمل هو الالتزام بالعمل بفتوى مجتهد
معين)).
وفي ((خير الزاد ليوم المعاد)): ((التقليد: هو العمل بفتوى
مجتهد معين عقيب الالتزام)).
27 السيد محمد باقر الصدر في ((الفتاوى الواضحة)):
((التقليد: قدوة واسوة ويتحقق بمجردالعمل، او بمجرد الجزم
والعزم على العمل عند الحاجة الى العمل بقول مجتهد
معين)).
فاحد هذين كاف في صحة التقليد وواف في جواز البقا عليه
بعد موت المقلد.
28 الشيخ محمد طاهر الخاقاني في ((رسالة الهدى)):
((وليس التقليد هو الالتزام النفسي ولامجرد العمل على طبق
الفتوى، بل هو العمل على طبق فتوى الفقيه على وجه
الاستناد الى فتواه)).
29 السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي في ((وسيلة النجاة)):
((التقليد: هو العمل مع الاستنادبفتوى مجتهد معين)).
30 السيد ميرزا مهدي الشيرازي في ((الوجيزة)): ((التقليد:
هو العمل بقول المجتهد الجامع للشرائط)).
31 الشيخ محمد ابراهيم الكرباسي في ((منهاج المتقين)):
((التقليد: هو عبارة عن مطابقة العمل لفتوى من يرجع اليه)).
32 السيد محمد رضا الكلبايكاني في ((مختصر الاحكام)):
((يتحقق التقليد بتعلم فتوى المجتهد للعمل بها)).
33 السيد محمد الحسيني الروحاني في ((المسائل
المنتخبة)): ((التقليد: هو الالتزام بالعمل بفتوى المجتهد)).
34 الشيخ محمد تقي الفقيه العاملي في ((عمدة المتفقه)):
((الاقوى ان التقليد هو العمل على وفق فتوى المجتهد عن
قصد والتفات)).
35 الشيخ ميرزا جواد التبريزي في ((المسائل المنتخبة)):
((التقليد: هو الاستناد في مقام العمل الى فتوى المجتهد)).
36 السيد علي السيستاني في ((المسائل المنتخبة)):
((التقليد: ويكفي فيه تطابق العمل مع فتوى المجتهد الذي
يكون قوله حجة في حقه فعلا، مع احراز مطابقته له)).
37 السيد محمد حسين فضل اللّه في ((المسائل الفقهية)):
((الظاهر ان التقليد بالمعنى المصطلح هو الالتزام بفتوى
المجتهد)).
38 السيد عز الدين بحر العلوم في ((التقليد في الشريعة
الاسلامية)): ((هو التبعية في الشؤون الدينية، حيث يقلد
المكلف من هو جامع لشروط الاجتهاد، فيتبعه في احكامه
ويوشحه بهاكما يوشح العنق بالقلادة)).
ان هذه العينة، المؤلفة من خمسة واربعين تعريفا، تؤلف
النموذج الممثل الذي يضم جميع المعاني التي ذكرها الفقها
لمصطلح التقليد بالمستوى الذي ينفعنا من خلال
استخلاص النتائج في الوصول الى معنى التقليد ووظيفته.
وسوف يتم هذا بعد ذكر النتائج المشار اليها، وهي:
1 التقليد: هو العمل وفق فتوى المجتهد.
وربما كان هو اقدم تعريف للتقليد، وقد بلغت مفرداته في
قائمتنا احد عشر تعريفا.
2 التقليد: هو الالتزام النفسي بمعنى عقد القلب بالعزم على
العمل وفق راي المجتهد.
وبلغت عدة القائلين به في قائمتنا خمسة فقها.
3 التقليد: هو الالتزام مع العمل.
ذهب الى هذا السيد الخونساري.
4 ان التقليد يتحقق بالالتزام وحده بالعمل وحده. وبهما معا.
قال به السيد محمد باقر الصدر.
5 التقليد: هو الاستناد او الاعتماد في مقام العمل على فتوى
المجتهد.
وصل عدد مفرداته في قائمتنا الى اثني عشر تعريفا.
6 التقليد: هو مطابقة عمل العامي لفتوى المجتهد.
وعدد القائلين به في قائمتنا ستة فقها.
7 التقليد: هو قبول قول الغير.
قال به ثلاثة فقها في قائمتنا، وهم: الاخوند الخراساني وابو
الحسن المشكيني والسيدحسن القمي.
8 التقليد: هو تعلم فتاوى المجتهد للعمل بها.
ذهب اليه اثنان من قائمتنا، هما: السيدان الميلاني
والكلبايكاني.
9 التقليد: هو متابعة المجتهد في رايه.
قال به الشيخ المظفر والسيد بحر العلوم من القائمة المذكورة.
10 التقليد: هو بنا العامي على حجية فتوى المجتهد في حقه.
وهو تعريف الشيخ آل ياسين.
ونتائج النتائج التي نخلص اليها من هذا التصنيف هي:
1 ان المعاني التي ذكرتها التعاريف المذكورة تلتقي عند
مفهوم واحد، هو: رجوع العامي الى الفقيه، لايمانه بان فتواه هي
حكم اللّه في حقه، وهي حجة عليه في مجال امتثال التكاليف
الشرعية، كما انها حجة له في مجال الاعذار من قبل اللّه تعالى
عند عدم اصابته الواقع المطلوب.
ذلك ان ((الذي يستفاد من الادلة هو لزوم التماس المنجز او
المعذر في كل ما يصدر عنه المكلف من فعل او ترك، فان
حصل المنجز او المعذر بجهده اجزاه، والا لزم عليه الرجوع الى
الغير اذا كان عالما والاعتماد على قوله.
2 ان المستفاد، من هذه التعاريف، على اختلاف تعابيرها، هو
ان التقليد علاقة دينية بين العامي المقلد والمجتهد المقلد،
تقوم على اساس من رجوع العامي الى المجتهد لمعرفة فتواه
ثم العمل على وفقها لانها الحجة في حقه التي يعتمد عليها في
مقام الامتثال، والتي يعتذر بها عند عدم اصابته الواقع
المطلوب.
3 ان هذه العلاقة متى نظرنا اليها من زاوية تشريعية تخضع
لاعتبار المشرع لالفيناهاتتحقق بالالتزام وحده، وتتحقق
بالعمل لكن مع الالتزام، كما تتحقق بالاستناد الى الفتوى في
مقام العمل، ولكن مع الالتفات لذلك.
وهذا لان العلاقة المذكورة هي في معناها الدقيق: ايمان
العامي بحجية فتوى المجتهد في حقه، وهذا المعنى يتحقق
باي واحد مما ذكر.
4 ان التقليد بمعناه الشرعي يلتقي مع التقليد بمعناه العرفي،
وهو رجوع الجاهل الى العالم،وغير ذي التخصص الى ذي
التخصص، مع افتراق التقليد الشرعي عن العرفي في
اعتبارحجية قول المرجع في حق العامي.
التسمية
وسبب تسمية العلاقة الدينية المذكورة بالتقليد هو تحميل
العامي مسؤولية ما يترتب على امتثالاته الشرعية طبقا لفتوى
المجتهد، اذا لم يصب الحكم المطلوب، تحميلها
للمجتهدوتطويق عنقه بها.
وهو معنى التقليد الذي هو جعل القلادة في العنق.
ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ((كان ابو عبداللّه(ع)
قاعدا في حلقة ربيعة الرايفجا اعرابي فسال ربيعة عن
مسالة فاجابه، فلما سكت قال له الاعرابي: اهو في
عنقك؟فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئا، فاعاد عليه
المسالة، فاجابه بمثل ذلك، فقال له الاعرابي: اهو في عنقك؟،
فسكت ربيعة. فقال له ابو عبداللّه(ع): هو في عنقه، قال او
لم يقل، وكل مفت ضامن)).
تاريخ التقليد الشرعي
تبينا، من تعريفنا للتقليد، ان التقليد الشرعي هو التقليد
العرفي المتمثل برجوع غير العالم الى العالم، مع فارق ان
التقليد الشرعي يلتمس فيه الحجة لما يترتب عليها من
تنجيزوتعذير.
واعني بهذا ان العامي عندما يثبت لديه ان هذا الفقيه العالم
بالاحكام الشرعية قد توفرت فيه الشروط التي تصحح الرجوع
اليه واخذ الاحكام الشرعية منه، وان فتواه حجة تنجزالتكليف
في حقه، اي تجعله جاهزا للامتثال، وتعطيه المجال للاعتذار
امام اللّه تعالى عندعدم اصابة الفتوى للواقع المطلوب، فانه
يرجع اليه وبتاثير من هذه المشروعية التي آمن بها.
وجا هذا لان التقليد العرفي ظاهرة بشرية عامة قامت عليها
سيرة الناس (سيرة العقلا) في جميع شؤونهم الحياتية، حيث
يرجع غير العالم في كل مجال من مجالات الحياة الى العالم.
وجا المشرع الاسلامي، واقر هذه الظاهرة في مجال الامتثالات
الشرعية فانبثق منها مظهرمن مظاهر سيرة المتشرعة
(المسلمين) حيث يرجع العامي الى المجتهد.
وتاريخ المسلمين المتشرعين (وهم المسلمون الملتزمون
بالتشريع الاسلامي) اقوى شاهدعلى ذلك.
فقد بدا التقليد الشرعي، بوصفه ظاهرة شرعية اجتماعية، في
عهد رسول اللّه(ص)،وبتخطيط منه(ص) ثم بتطبيقه من قبل
المسلمين بمراى ومسمع منه(ص) وتحت اشرافه وبارشاده.
وتمثل هذا في الاشخاص الذين كان ينتدبهم(ص) للقيام
بمهمة تعليم الاحكام الشرعية في البلدان والاماكن التي اسلم
اهلها في عصره.
ومن هذا بعثه(ص) مصعب بن عمير الى المدينة المنورة،
ومعاذ بن جبل الى اليمن.
فقد كان المسلمون، في هذه الاماكن النائية عن مقر
النبي(ص)، يتعلمون الاحكام من هؤلاالصحابة المنتدبين لهم
والمبعوثين اليهم، ويعملون وفق ما يتعلمون منهم.
وكانوا (اعني المسلمين) عندما يحتاجون الى معرفة حكم
شرعي للعمل به يسالون هؤلاويجيبونهم ويعملون وفق ما
يفتونهم به.
وهذا هو عين التقليد المقصود هنا.
في اجابة السؤال التالي: ((متى وجب التقليد على
المسلمين؟))
وهل كان المسلمون، ايام الائمة، مقلدين خصوصا اولئك الذين
كانوا في مناطق بعيدة عن الائمة(ع)؟.
قال استاذنا السيد الخوئي: ((التقليد كان موجودا في زمان
الرسول(ص) وزمان الائمة(ع) لان معنى التقليد هو اخذ
الجاهل بفهم العالم، ومن الواضح ان كل احد في ذلك الزمان
لم يتمكن من الوصول الى الرسول الاكرم(ص) او احد
الائمة(ع) واخذ معالم دينه منه مباشرة،واللّه العالم)).
كانت هذه هي البداية الاولى لنشوء ظاهرة التقليد الشرعي،
والمظهر الاول لانبثاق سيرة المتشرعة في هذا المجال من
احضان سيرة العقلا.
ثم استمر التقليد يتبلور مفهومه بتبلور مفهوم الاجتهاد
ممثلين لهذه السيرة المتشرعية التي اشرت اليها.
يقول شيخ الطائفة ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في
كتابه ((عدة الاصول)): ((اني وجدت عامة الطائفة (يعني
الامامية) من عهد امير المؤمنين(ع) الى زماننا هذا
(القرن الخامس الهجري) يرجعون الى علمائها ويستفتونهم في
الاحكام والعبادات، ويفتيهم العلما فيها، ويسوغون لهم العمل
بما يفتون به)).
وما سمعنا احدا منهم قال لمستفت: لا يجوز لك الاستفتا، ولا
العمل به، بل ينبغي ان تنظركما نظرت، وتعلم كما علمت، ولا
انكر عليه العمل بما يفتونهم.
وقد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الائمة(ع)، ولم يحك عن
واحد من الائمة(ع) النكيرعلى هؤلا، ولا ايجاب القول بخلافه،
بل كانوا يصوبونهم في ذلك، فمن خالف في ذلك كان مخالفا
لما هو المعلوم خلافه.
وهو يشير بهذا الى ما قام به ائمتنا(ع) من ترسيخ ظاهرة
التقليد الشرعي، فقد روي شيءغير قليل مما يعرب عن هذا..
منه:
قول ابي الحسن الهادي(ع) في جواب سؤال احمد بن اسحاق:
من اعامل او عمن آخذ؟ وقول من اقبل؟
فقال(ع): ((العمري ثقتي فما ادى اليك عني، فعني يؤدي، وما
قال لك عني، فعني يقول،فاسمع له واطع)).
قول ابي محمد العسكري(ع) لاحمد بن اسحاق عندما ساله
السؤال نفسه:
((العمري وابنه ثقتان، فما اديا اليك عني، فعني يؤديان، وما
قالا لك عني، فعني يقولان،فاسمع لهما واطعهما فانهما
الثقتان المامونان)).
وعن شعيب العقرقوفي: قلت لابي عبداللّه(ع): ربما احتجنا ان
نسال عن الشيء، فمن نسال؟
قال(ع): ((عليك بالاسدي)) يعني ابا بصير.
وعن ابن ابي يعفور: قلت لابي عبداللّه(ع): اني ليس كل ساعة
القاك ويمكن القدوم،ويجيء الرجل من اصحابنا فيسالني
وليس عندي كل ما يسالني عنه؟
قال(ع): ((فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فانه قد
سمع من ابي، وكان عنده مرضياوجيها)).
وعن يونس بن يعقوب: كنا عند ابي عبداللّه(ع)، فقال(ع): ((اما
لكم من مفزع؟، اما لكم من مستراح تستريحون اليه؟ ما يمنعكم
من الحارث بن المغيرة البصري)).
وعن علي بن المسيب: قلت للرضا(ع): شقتي بعيدة ولست
اصل اليك في كل وقت، فعمن آخذ معالم ديني؟.
فقال(ع): ((من زكريا بن آدم المامون على الدين والدنيا)).
قال ابن المسيب: فلما انصرفت قدمت على زكريا بن آدم
فسالته عما احتجت اليه.
وعن عبد العزيز بن المهتدي وكان وكيل الرضا(ع) وخاصته
سالت الرضا(ع) فقلت: اني لا القاك في كل وقت، فممن آخذ
معالم ديني؟.