|
اول المنهاج
المراة و شعار تحريرها!
رئيس التحرير
تطرح المنهاج في منتدى هذا العدد الذي يتزامن مع الذكرى
الخمسين لصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان قضية حقوق
المراة وهي قضية اثيرت في الغرب اولا واتخذمثيروها من
مطلب تحرير المراة ومساواتها مع الرجل شعارا لها، وقد سارع
العلمانيون والمغتربون عندنا في مطلع القرن الحالي الى نقل
هذا الشعار الذي لا يزال يردده خلفهم المنسلخون من دينهم
وحضارتهم حتى اليوم الى عالمنا الاسلامي، غير ان هذا
الشعار لم يعد قادرا على ان يغوي المراة المسلمة عن دينها
وعفافها وعن دورها الانساني الحيوي في الاسرة والمجتمع بعد
ان تكشفت دوافعه الماكرة وظهرت آثاره ونتائجه المدمرة على
حياة المراة وعلاقات الاسرة في الغرب، بل وعلى الحياة
الاجتماعية برمتها فيه.
ففي ظل شعار التحرير سحقت انسانية المراة في الغرب،
وعطل او عرقل دورها الانساني الطبيعي ورسالتها المقدسة في
تشييد دعائم الاسرة متكاملة ومتضامنة مع الرجل، وحرمت من
التمتع بحقها في كفالة الرجل لها وانفاقه عليها حينما اجبرت،
باسم التحرر والمساواة مع الرجل، على الخروج من المنزل
ودفع بها الى المصانع والمكاتب لتكدح يومها كله من
اجل الحصول على لقمة العيش، واستدرجت، باسم الفن
والمدنية الحديثة، الى مواطن الرذيلة والفساد الخلقي،
واتخذت اسواق الراسمالية الجديدة التي لا تعرف معنى للعفة
والشرف من جسدها فتنة جنسية تروج بها سلعها وبضائعها
التجارية.
فهل يريد دعاة التحرير للمراة المسلمة ان تتحرر على هذا
النحو، ويؤول امرها الى هذا المصير؟
لا ريب في ان المراة الغربية كان لها عذرها وكانت لها اسبابها
التي دفعتها الى رفع شعارالتحرير والمطالبة بمساواتها مع
الرجل في الكرامة الانسانية وفي الحقوق، فلقد عانت هذه المراة
عبر قرون طويلة من تاريخ اوروبا من امتهان كرامتها وهضم
حقوقها.
فمن حيث وضعها الانساني كانت تعد مخلوقا ناقصا لا روح له او
له روح حيوان، ما جعلهافي اطار هذه الرؤية لهويتها غير جديرة
بالحياة الاخرة، وكانت باعتبارها رجسا تمنع من قراة
الكتاب المقدس.
ومن حيث وضعها الحقوقي كان الغرب لا يعترف لها باية حقوق
ويعدها رقيقا خادماللرجل، وكان الى عهد قريب لا يعترف لها
بذمة مالية مستقلة عن الرجل، ولا يرى لها اهلية لتملك
الاموال ولا للتصرف فيها.
ولا تزال معظم القوانين الغربية حتى اليوم تجرد المراة من
اسم ابيها وعائلتها عند الزواج وتجبرها على حمل اسم زوجها،
الامر الذي دعا المؤتمر النسائي الذي نظمته وزارات المراة
والاسرة في الحكومات الالمانية الاقليمية عام 1991م الى
المطالبة باحتفاظ المراة الالمانية باسم والدها، وهو من ابسط ما
تتمتع به المراة المسلمة من حقوق منذ ما يزيد على اربعة عشر
قرنا من الزمان.
ومع قيام الثورة الصناعية في اوروبا برزت الحاجة الى تشغيل
الايدي العاملة الرخيصة ففتحت المعامل والمصانع ابوابها امام
النسا اللواتي قبلن تحت وطاة الحاجة وفقدان المعيل من
الرجال العمل بازهد الاجور رغم كون العمل الذي يؤدينه لا
يقل كمية وصعوبة وقيمة عن عمل الرجل، ومن ثم بدات المراة
تشعر بهوانها وهضم حقوقها قياسا بالرجل.
ولا تزال المراة في بعض البلاد الاوربية الراقية صناعيا وماديا لا
تتقاضى اجرا مساويا لاجرالرجل مهما تكن اهمية العمل الذي
تؤديه وقيمته.
هذه هي مجمل الظروف والاسباب التي دعت المراة الغربية
الى المناداة بشعار التحريروالمطالبة بمساواتها مع الرجل في
كل شي ء.. فهل ثمة سبب يدعو المراة المسلمة الى تقليدها
والاقتدا بها في هذا المجال؟
لقد ساوى الاسلام بين المراة والرجل في الكرامة الانسانية،
وفي التكليف والمسؤولية،وفي الحقوق المادية والمعنوية:
فنظر اليها باعتبارها احد زوجين يمثلان النوع الانساني لا
يفضل احدهما الاخر الا بالتقوى:(يا ايها الناس انا خلقناكم من
ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند
اللّهاتقاكم) «الحجرات/13».
وساوى بينهما في التكاليف والواجبات واناط بهما مسؤولية
تقويم المجتمع واصلاحه،وهو ما يعرف في الاسلام ب (الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر): (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
اوليا بعضهم يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون اللّه ورسوله) «التوبة/71».
وجعل من المراة احد ركنين يقوم عليهما معا بنا الاسرة التي
هي اللبنة الاولى في صرح المجتمع وعلى ديمومة هذه الاسرة
تتوقف ديمومة الحياة البشرية وتنشئة اجيالهاالمتعاقبة، مقيما
العلاقة بينها وبين ركن الاسرة الاخر (الرجل) على اساس
الزواج في اطارحميمي يجلله السكون، وتشيع فيه المودة
والرحمة والمعاشرة بالمعروف: (ومن آياته ان خلق لكم من
انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة)
«الروم/21».
وفي مجال الحقوق ساوى الاسلام بين المراة والرجل على
جميع الصعد فقال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف
وللرجال عليهن درجة) «البقرة/228».
ويشير هذا النص المحكم الى مبدا التكافؤ والتوازن بين الحقوق
والالتزامات الثابتة لكل منهما في ذمة الاخر:
فحق للمراة على الرجل ان يحميها ويجاهد دونها، وان ينفق
عليها ويلبي حاجاتهاومتطلباتها المادية في جميع حالاتها
واطوار حياتها: بنتا وزوجا واما، مراعيا في جميع ذلك قدرة
الرجل ولياقته البدنية والنفسية اكثر من المراة على مقارعة
العدوان وصد الاخطار،وعلى معالجة قوى الطبيعة واستخراج
مكنوناتها وخيراتها اللازمة لمعيشته.
اما الدرجة المذكورة في الاية السابقة فهي ليست تشريفا
وامتيازا للرجل كما اسي فهمها،بل هي في حقيقتها كفالة
ورعاية للمراة ومسؤولية عن ادارة الاسرة، وهي ما سماه
القرآن الكريم في آية اخرى ب(القوامة): (الرجال قوامون على
النسا بما فضل اللّه بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم)
«النسا/34».
وحق لها عليه ايضا ان يرفق بها ويحسن معاشرتها معنويا
وجنسيا فيحيطها بمودته ورحمته، ويمتعها بنفسه كما تمتعه
هي بنفسها.
اما الرجل فحق له على المراة ان تحمل وتلد الابنا وتقوم على
تربيتهم ورعايتهم لما جبلت عليه فطرتها العضوية والنفسية
من استعداد للقيام بهذا الدور، وان تحفظه في نفسها
وماله،وتطيعه بالمعروف، وتحسن معاشرته كما يحسن هو
معاشرتها.
هذه هي الملامح العامة لصورة الوضع الانساني والحقوقي
للمراة في الاسلام على صعيدالتشريع: تساو بينها وبين الرجل
في الكرامة الانسانية، وتكافؤ في الحقوق، وتشارك في الاعبا،
وتكامل في الوظائف والادوار.
واذا كان بعض ملامح هذه الصورة يعتريه شي ء من الغبش او
الاهتزاز على صعيد الواقع والتطبيق، فذلك لا يختص باوضاع
المراة فقط وانما يشمل الاوضاع الاجتماعية كلها بما في ذلك
اوضاع الرجل نفسه.
ان اساس مشكلة المراة المسلمة والرجل المسلم مع اوضاعهما
الاجتماعية واحد، وهوابتعادهما عن نهج الاسلام، وتفريطهما
باحكامه ولا امل باصلاح هذه الاوضاع الا بالعودة اليه
والاستقامة على نهجه.
دراسات
التقليد: دراسة فقهية لظاهرة التقليد الشرعي (القسم الثاني)
الشيخ الدكتور عبد الهادي الفضلي
بحث فضيلة الشيخ د. عبد الهادي الفضلي، في القسم الاول
من هذه الدراسة، في التقليد:اهميته ومفهومه وتاريخه وحكمه
وموارده، وفي المقلد: تعريفه وشروطه، وفي المقلد:تعريفه
وشروطه، وهذه الشروط هي: اولا الاجتهاد وثانيا التمسك
بمذهب اهل البيت وثالثامستوى التدين.
وفي القسم الثاني يكمل د. الفضلي البحث من حيث انتهى اليه
القسم الاول، فيبدا البحث بالشرط الرابع من شروط المقلد،
وهو المستوى العلمي.
رابعا: المستوى العلمي
تقدم ان بينا ان الاجتهاد شرط من شروط صحة التقليد، وهو
الشرط الاساسي، اذ لا خلاف بين العلما في لزوم توفره في
المقلد.
وانما وقع الخلاف بينهم في مستواه، بين جواز تقليد المجتهد
المتجزى في ما اجتهد فيه،وعدم ذلك، وبالتفصيلات
المتقدمة.
وهنا اي تحت هذا العنوان (المستوى العلمي) ننتقل الى
مسالة اخرى تتعلق بالمستوى العلمي للاجتهاد ايضا، ولكن لا
من حيث الشمولية وعدمها، وانما من حيث كونه مهارة((1))
علمية تخضع للتفاوت والتفاضل من ناحية الاتصاف بها، وذلك
لان الاجتهاد،سوا قلنا انه ملكة ام قدرة، هو مهارة من
المهارات العلمية.
والاجتهاد، بوصفه مهارة من المهارات الفكرية عند الانسان، لا
يختلف عن سواه من المهارات، من حيث التفاوت والتفاضل في
المستوى، فنقول: هذا ماهر في اجتهاده، وذلك امهر منه، وهذا
الثالث هو الامهر من الجميع. والتفاوت يتم، هنا، وفق
مستويين:
اولهما الماهر في الاجتهاد. وثانيهما الاقوى مهارة فيه. او قل:
المتصف بصفة الاجتهاد دونما تفضيل.
والمتصف به مع التفضيل بان يكون امهر من سواه.
واصطلحوا على تسمية المجتهد الماهر، في عملية الاجتهاد،
بوصفه فعالية فكرية، بآ((العالم)) و((الفقيه)) و((الفاضل)).
وعلى المجتهد الامهر من غيره ب ((الاعلم))
و((الافقه))و((الافضل)).
وفي المقابلة بين المجتهد وغيره، قالوا: المجتهد العامي.
العالم المتعلم. الفقيه المتفقه.المفتي المستفتي. المقلد
المقلد.
وعرفوا الاعلم بانه:
1 الاقوى ملكة من غيره في مجالات الاستنباط. (الاصول
العامة، 659).
2 الاكثر علما والاوسع احاطة بالمعلومات. (الحكيم في
المستمسك، 1/37).
3 الاعرف في تحصيل الوظيفة الفعلية، عقلية كانت ام
شرعية، فلابد من ان يكون اعرف في اخذ كل فرع من اصله.
(المصدر نفسه).
4 الاعرف بالقواعد والمدارك للمسالة، والاكثر اطلاعا على
نظائرها والاخبار، والاجودفهما للاخبار (العروة الوثقى، المسالة
17).
5 الاقدر على استنباط الاحكام، وذلك بان يكون اكثر احاطة
بالمدارك وتطبيقاتها من غيره. (الخوئي في المسائل المنتخبة،
المسالة 16).
6 الاجود استنباطا.
فالتفضيل، في هذه التعريفات، قائم على ان يكون المجتهد:
1- اقوى في ملكة الاستنباط من غيره من المجتهدين.
جا هذا بنا على ان الاجتهاد ملكة نفسانية يقتدر بها المجتهد
على الاستنباط.
2- اقدر على الاستنباط من غيره من المجتهدين.
وهذا على اساس ان الاجتهاد قدرة علمية على الاستنباط.
3- اعرف بقواعد الاستنباط وتطبيقاتها على جزئياتها من سواه
من المجتهدين الاخرين.
واخذ هذا التفضيل: ((اعرف)) تفسيرا لكلمة ((اعلم))، لان
العلم والمعرفة مترادفان لغويا،ويفرق بينهما منهجيا بان العلم
معرفة منظمة.
4- اكثر علما من غيره.
وواضح ان هذا التفضيل ماخوذ من كلمة (اعلم).
5- اجود استنباطا.
اي امهر من سواه في عملية الاستنباط، لانه تفضيل ماخوذ من
جودة الفهم، وهي ((في اصطلاح اهل النظر)): صحة الانتقال
من الملزومات الى اللازم، و((عند اهل اللغة)) هي
الاتيان بالجيد من القول والعمل.
والملاحظ، هنا، ان المطلوب، من ناحية منهجية، هو ان يراعى
في التعريف لبيان الافضل الصفة المشتركة بين الفاضل
والافضل، وهي، هنا، الاجتهاد او الاستنباط.
والاجتهاد، او الاستنباط، عملية فكرية، والتفاضل في العملية
الذهنية انما يكون في مقدارقوتها واقتدارها على الوصول الى
النتيجة. فاما ان تكون بمستوى اكثر مهارة وحذقا اوبمستوى
هو دون ذلك. فالاجتهاد هو ملكة، اي قابلية عقلية يقتدر بها
على الاستنباط. هذااذا اخذنا بالمنهج الكلامي. او هو قدرة
علمية تستخدم في مجالات الاستنباط. اذا اخذنابالمنهج
العلمي الحديث.
وعليه، فالتفضيل ب((الاقوى)) او ((الاقدر)) يلتقي مع تعريف
الاجتهاد. وكذلك ((الاجود)) لانه اريد به الامهر.
اما التفضيل بالاكثر علما، بمعنى الاوسع احاطة بالمعلومات،
فلا يعني افضلية القدرة على الاستنباط، وانما يعني الافضل في
الاطلاع على المعلومات. وهذا قد يتاتى لغير المجتهدايضا، فلا
يكون تعريفا مانعا، كما يقول المناطقة. وكذلك التفضيل
ب((الاعرف))، اذا كانت كلمة ((اعرف))، كما قلت، وكما هو
ظاهرها، تعني ((الاعلم))، لان العلم بالشي ء لا يعني
القدرة التي تتعلق بالعملية الذهنية، وانما يعني الاطلاع او
الحفظ والاستيعاب.
ونخلص، من هذا، الى ان المراد بالاعلم، هنا، الاقوى ملكة في
مجال الاستنباط، او الاقدرعلى الاستنباط، او الاجود استنباطا.
وكلها تلتقي عند ما ذكرته من ان المراد بالاعلم، هنا، هو الامهر
في صناعة الاستنباط.
ولو اخذ بمصطلح ((افقه)) بدل مصطلح ((اعلم)) لكان اوضح
في تعريف المفهوم والدلالة على المعنى.
وترجع اسباب التفاضل، هنا، الى ما ياتي:
1- الاختلاف في مستوى الذكا والقدرات الذهنية الفردية.
2- الاختلاف في مدى امتلاك الوسائل والاليات العلمية
المساعدة على الاستنباط، من قواعد لغوية وقواعد اصولية
وقواعد فقهية وما يلابسها في تعميق التفكير وتوسيعه، او
مايشاركها في عملية الاستنباط.
3- الاختلاف في مستوى الذوق الادبي والحس الفني لفهم
دلالة النص الشرعي من آيات وروايات.
4- الاختلاف في الاقتدار على تطبيق القواعد على جزئياتها
بادراك النكت العملية والدقائق الفنية.
5- الاختلاف في معرفة واقع الحياة سعة وعمقا، وهي اي
الحياة مجال تطبيق الاحكام الشرعية بادراك الحوادث
وقرائنها بوعي وشمولية.
6 -الاختلاف في حصائل الثقافة العامة التي تساعد على فهم
الموقف العلمي من حيث النظرية والتطبيق.
7- يقول السيد الخامنئي، في (اجوبة الاستفتاات، 1/9)
و(الفتاوى الواضحة، ص 11):ملاك الاعلمية: ان يكون
(المجتهد) اقدر من بقية المجتهدين على معرفة حكم اللّه
تعالى واستنباط التكاليف الالهية من ادلتها، ومعرفته باوضاع
زمانه بالمقدار الذي له مدخلية في تشخيص موضوعات
الاحكام الشرعية، وفي ابدا الراي الفقهي المقتضي لتبيين
التكاليف الشرعية (التي) لها دخل في الاجتهاد ايضا)).
ويقول الشيخ الفقيه العاملي في (عمدة المتفقه، ص 8):
الاعلم: هو المجتهد المطلق المتفوق في صنعة الاستنباط
والاستدلال، المجتهد بالتتبع والاستقرا، المحيط
بالنصوص والاقوال، الاكثر استقلالا في نظرياته وآرائه في
الاصول والقواعد المعقدة التي يراها العلمابعد بيانها والكشف
عنها من السهل الممتنع، المتنبه لفروع المسالة وجهاتها
واختلاف مبانيها اكثر من غيره، القادر على حماية ما يرجحه
ويختاره من الشبه والمناقشات، المحقق لمبانيه تحقيقا كاملا،
الذي لا يستسلم للمشهورات، ولا لعظمة العظما من
الاصوليين والفقها فان الاستسلام ضرب من التقليد)).
ويسلمنا هذا الى ان امامنا ((فقيه)) و((افقه))، فايهما المشروط
اتصاف مرجع التقليد به ليصح تقليده؟
في المسالة قولان:
1- ان يكون مرجع التقليد اعلم (افقه) من غيره من
المجتهدين. اي ان العامي يلزمه تقليدالاعلم.
قال السيد الحكيم في (المستمسك، 1/26): كما هو المشهور
بين الاصحاب، بل عن المحقق الثاني الاجماع عليه، وعن ظاهر
السيد في (الذريعة) كونه من المسلمات عندالشيعة)).
2- ان يكون مرجع التقليد مجتهدا، اعلم كان ام غير اعلم.
قال في المصدر نفسه: ((وعن جماعة ممن تاخر، عن الشهيد
الثاني جواز الرجوع الى غيرالاعلم)).
وفي (التنقيح، 1/134) تحت عنوان: ((وجوب تقليد الاعلم)):
((هذا هو المعروف بين اصحابنا (قدهم)، وعن ظاهر السيد في
ذريعته انه من المسلمات عند الشيعة، بل عن المحقق الثاني
دعوى الاجماع عليه)).
ونسب الى جمع ممن تاخر عن الشهيد الثاني (قده) عدم
الوجوب وجواز الرجوع الى غيرالاعلم.
وظاهر كلام الاستاذين السيدين الحكيم في ((المستمسك))
والخوئي في ((التنقيح)) ان مسالة المستوى العلمي المذكورة
مرت بمرحلتين تاريخيتين، وهما:
مرحلة ما قبل الشهيد الثاني، وكانت الفتوى فيها بتعيين تقليد
الاعلم.
مرحلة ما بعد الشهيد الثاني، وتحولت الفتوى فيها الى التخيير
بين تقليد الاعلم وتقليد غيرالاعلم.
والدليل الذي استدلا به على واقع المرحلة الاولى، هو:
ظاهر السيد المرتضى، في ((الذريعة))، ان تقليد الاعلم من
المسلمات عند الشيعة.
ويلاحظ عليه: ان المذكور، في مخطوطة ((الذريعة))
الموجودة لدي، والمنسوخة عن نسخة كتبت سنة 1098ه، بيد
اسحاق بن معتوق الحويزي، حيث جا في آخرها: ((وقد بلغ
مقابلة وتصحيحا من نسخة قديمة معتمدة في مجالس متعددة
آخرها اليوم التاسع من شهرجمادى الثانية، احد شهور السنة
الثامنة والتسعين والف)): ان المذكور هو: ((ولا شبهة في
ان هذه الصفات (يعني شروط مرجع التقليد) اذا كانت ليست
عند المستفتي الا لعالم واحدفي البلد لزمه استفتاؤه تعيينا.
وان كانت لجماعة، هم فيها متساوون كان مخيرا. وان كان
بعضهم عنده اعلم من بعض، اواروع وادين، فقد اختلفوا:
فمنهم من جعله مخيرا. ومنهم من اوجب ان يستفتي المقدم
في العلم والدين، وهو اولى، لان الثقة هاهنا اقرب واوكد،
والاصول كلها بذلك شاهدة)).
الاجماع الذي ادعاه المحقق الثاني
ويلاحظ عليه انه غير تعبدي لاحتمال استناده لما ذكر من ادلة
تعين تقليد الاعلم.
ووقوع الخلاف في المسالة، كما في صريح كلام السيد
المرتضى في ((الذريعة))، دليل على ان الاجماع الذي ادعاه
المحقق الثاني غير تعبدي، فلا يمكننا الاعتماد عليه.
ودليل المرحلة الثانية هو فتاوى من تاخر عن الشهيد الثاني
من الفقها.
ويلاحظ عليه ان ما ذكره السيد المرتضى في ((الذريعة)) ينفي
هذا، بل يثبت ان المسالة خلافية منذ البدء.
يقول السيد رضا الصدر، في كتابه ((الاجتهاد والتقليد، ص
176و177 تحت عنوان ((تقليدالاعلم)): ((ان البحث عن
وجوب تقليد الاعلم، عند اختلافه مع غيره في الفتوى، انما
يكون في صورة امكان الرجوع الى الاعلم، والا فجواز الرجوع الى
المفضول محل وفاق)).
فهل يجب على العامي في صورة تمكن الرجوع الى الاعلم،
الرجوع اليه؟ او هو مخير بين الرجوع اليه، والى غيره؟
قال السيد المرتضى(قده) في ((الذريعة)): ((وان كان بعضهم،
عنده، اعلم من بعض او اورع اوادين، فقد اختلفوا، فمنهم من
جعله مخيرا، ومنهم من اوجب ان يستفتي المقدم في
العلم والدين، وهو اولى، لان الثقة هاهنا اقرب واوكد،
والاصول بذلك كلها شاهدة)).
وقال الامدي، من علما اهل السنة، في كتاب ((الاحكام)):
((اذا حدثت للعامي حادثة وارادالاستفتا عن حكمها، فان كان
في البلد مفت واحد وجب الرجوع اليه، والاخذ بقوله.
وان تعدد المفتون، فمن الاصوليين من ذهب الى انه يجب
عليه البحث عن اعيان المفتين واتباع الاورع والاعلم والادين.
ومنهم من ذهب الى انه مخير بينهم، ياخذ براي من شامنهم،
سوا تساووا ام تفاضلوا، وهو المختار)).
اقول: ظاهر كلام هذين العلمين ان المسالة كانت خلافية منذ
العصور المتقدمة، فظهر النظرفي ما ذكره بعض الاكابر في
((المستمسك)) حيث قال (دام ظله): ((المشهور بين اصحابنا
هوالاول، وعن ظاهر السيد في ((الذريعة)) كونه من
المسلمات عند الشيعة)).
وقد مر بك كلام السيد في ((الذريعة))، حيث كان صريحا
بوجود الاختلاف في هذه المسالة،ولم يكن القول بوجوب
الرجوع الى الاعلم، محل شهرة بين القدما فضلا عن كونه
من المسلمات عند الشيعة.
ثم ان القول بالتخيير قد حكي ايضا عن جماعة ممن تاخر عن
الشهيد الثاني، ومال اليه صاحب الفصول، وقواه الشيخ فقيه آل
ياسين في تعليقته على العروة.
وهذا ينتهي، وبوضوح، الى ان المسالة خلافية ومنذ البدء، فلم
تمر بالمرحلتين المشاراليهما من زاوية تاريخية.
ومما قد يؤكد عمق الخلاف في المسالة ما نقرؤه في كتاب
((الذريعة)) من عناوين ترتبط بالمسالة، امثال:
1 تقليد الاموات، للشيخ ميرزا علي اكبر بن الحاج ميرزا
محسن الاردبيلي (ت 1346ه)،فارسي، مطبوع، ((افتى فيه
بوجوب تقليد الاعلم الميت ابتدا عند الدوران مع الحي
غيرالاعلم)).
2- تقليد الاعلم، للميرزا محمد بن سليمان التنكابني (ت
1302ه) ((ذكر في قصصه انه اختار فيه عدم (تعيين) تقليد
الاعلم)).
فالمسالة، كما ترى، تدور بين تقليد الاعلم، والتخيير بين
تقليده وتقليد المفضول.
وممن اصر على التخيير واكد عليه الشيخ صاحب الجواهر، كما
سياتي. ومال اليه صاحب الفصول واعتبره الاوضح، كما حكي
عنه ذلك. وقواه الشيخ محمد رضا آل ياسين في حاشيته على
((العروة الوثقى)) قال تعليقا على صاحب العروة: ((يجب
تقليد الاعلم مع الامكان على الاحوط. وان كان الاقوى جواز
تقليد المفضول مطلقا لا سيما مع عدم العلم بمخالفته لفتوى
الافضل فضلا عن صورة الموافقة)).
وسبق ان قرانا اعتبار الشريف المرتضى تقليد الاعلم من باب
الاولى، وهو يعني جوازالتخيير.
و((ذكر في ((التقريرات)) انه حدث لجماعة ممن تاخر عن
الشهيد الثاني (قده) قول بالتخييربين الاعلم وغيره))، ثم قال:
((وصار اليه جملة من متاخري اصحابنا حتى صار في هذا
الزمان قولا معتدا به))((2)).
ومع هذا يبقى القول بالتعيين هو المشهور، وعليه فتوى جمع
من اعلام فقهائنا، امثال:
1- الشيخ العاملي في المعالم. قال في ((المعالم)): ((اذا عرفت
هذا فاعلم ان حكم التقليد مع اتحاد المفتي ظاهر)). وكذا مع
التعدد والاتفاق في الفتوى.
واما مع الاختلاف:
ا- فان علم استواؤهم في المعرفة والدلالة تخير المستفتي في
تقليد ايهم شا.
ب- وان كان بعضهم ارجح في العلم والعدالة من بعض تعين
عليه تقليده. وهو قول الاصحاب الذين وصل الينا كلامهم.
وحجتهم عليه: ان الثقة بقول الاعلم اقرب واوكد.ويحكى عن
بعض الناس: ((القول بالتخيير هاهنا ايضا)).
2- السيد البروجردي قال في ((المسائل الفقهية)): ((ويشترطيضا في المجتهد ان يكون اعلم من غيره في استنباط الاحكام
في ذلك العصر)).
3- السيد الحكيم قال في ((منهاج الصالحين)): ((اذا اختلف
المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع الى الاعلم. ومع التساوي
في العلم يتخير، الا اذا كان احدهما اعدل فالاحوط وجوبا
اختياره)).
4- السيد الخوئي، في ((المسائل المنتخبة)) قال: ((اذا اختلف
المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع الى الاعلم. ومع التساوي
وجب الاخذ باحوط الاقوال، ولا عبرة بكون احدهم اعدل)).
5- الشهيد الصدر في ((الفتاوى الواضحة))، قال: ((اذا تعدد
المجتهدون الذين تتوفر فيهم الشروط السابقة (شروط مرجع
التقليد) وكانوا متفقين في آرائهم وفتاويهم، فبامكان المقلدان
يرجع الى اي واحد منهم. ولكن هذا مجرد افتراض نظري،
وليس واقعا في الحياة العملية عادة لان الاجتهاد مثار
للاختلاف بين المجتهدين غالبا، فاذا اختلفوا وعلم المقلد
بانهم مختلفون في آرائهم فلمن يرجع؟ ومن يقلد؟ والجواب:
انه يرجع الى الاعلم في الشريعة،والاعرف والاقدر على تطبيق
احكامها في مواردها، مع فهم للحياة وشؤونها بالقدر
الذي تتطلبه معرفة احكامها من تلك الادلة. وبعبارة موجزة:
يجب على المقلد ان يقلد الاعلم من المجتهدين في هذه
الحالة)).
واحتاط به جمع آخرون، منهم:
1- السيد اليزدي في ((العروة الوثقى))، قال: ((يجب تقليد
الاعلم مع الامكان على الاحوط)).
2 السيد الخميني في ((تحرير الوسيلة))، قال: ((يجب تقليد
الاعلم مع الامكان على الاحوط)).
3- السيد الخامنائي في ((اجوبة الاستفتاات))، قال: ((الاحوط
تقليد الاعلم في المسائل التي تختلف فتاوى الاعلم فيها مع
فتاوى غيره)).
وقواه الميرزا النائيني في تعليقته على ((العروة الوثقى))،
والسيد البغدادي في ((هداية الانام)).
وبعد هذه الرحلة السريعة التي القينا فيها نظرة على تاريخ
المسالة، ننتقل الى استعراض اهم ما استدل به القوم لكل قول
من الرايين المتقدمين: التعيين والتخيير، ولكن بعد بيان
محورالبحث.
محور البحث
راينا، في الفتاوي المنقولة آنفا، ان المحور الذي يدور حوله
البحث، هنا، هو المسائل التي تختلف فيها فتوى المجتهد
الاعلم عن غيره من المجتهدين.
فهل يتعين فيها على العامي ان يقلد الاعلم، او له ان يتخير بين
تقليد الاعلم وتقليد غيره.وراينا ان آرا الفقها فيها تتردد بين:
1- الجزم بالتعيين. 2- الجزم بالتخيير. 3- الاحتياط بالتعيين.
ادلة التعيين
ان اهم ما استدلوا به على تعيين تقليد الاعلم هو: ان العامي، اذا
التفت الى ان المسالة تترددبين: 1- تعيين تقليد الاعلم. 2 -
والتخيير بين تقليده وتقليد من سواه من المجتهدين الاخرين،
فانه يدرك، من ناحية عقلية، ان تقليد الاعلم هو حجة ومشروع
على كلتاالحالتين، وذلك ان كان المطلوب هو التخيير فهو
احد الخيارين، وان كان المطلوب هوالتعيين فهو المتعين.
وبعكسه تقليد غير الاعلم فانه، ان كان المطلوب هو التخيير،
فهو احدالخيارين، وان كان المطلوب هو التعيين فانه غير
متعين.
وهذا يعني ان مشروعية تقليد الاعلم وحجيته متيقنة على كل
حال، بينما مشروعية تقليدغير الاعلم وحجيته لا تتم الا في
حال ما اذا كان تقليد غير الاعلم احد الخيارين.
وعليه: يكون تقليد الاعلم هو القدر المتيقن في البين.
وهو لون من الاجتهاد العقلي الميسر الذي لا يحتاج الى مؤونة
تفكير باكثر من الالتفات الى واقع المسالة.
وهنا يستطيع العامي الاستناد الى هذا الاجتهاد والاخذ به
اعتمادا على النتيجة المتيقنة التي يتوصل اليها.
ويمكننا، ايضا، ان نضيف اليه ما ذكره الشريف المرتضى، وتبعه
عليه امثال صاحب المعالم، وهو ان العامي عندما يتوجه الى
المسالة يحصل له الوثوق بالرجوع الى الاعلم اكثرواقوى من
الرجوع الى غيره.
ففي ((الذريعة)): ((لان الثقة هاهنا (يعني تقليد الاعلم) اقرب
واوكد)).
هذا بالنسبة الى العامي على اساس ان لا تقليد في مسالة
التقليد، وان على العامي ان يلتزم بما تؤديه اليه قناعته حسبما
يتوصل اليه في تفكيره من امور واضحة.
اما بالنسبة الى البحث الفقهي فقد استدل القائلون بالتعيين
بالادلة التالية:
1- الاجماع:
وقد نسبت حكاية ادعائه الى المحقق الثاني. وتقدم منا انه غير
تام لوجود الخلاف في المسالة، وممن حكى هذا الخلاف صراحة
السيد المرتضى في ((الذريعة))، وصاحب المعالم في
((المعالم))، وصاحب الفصول في ((الفصول)) وغيرهم. مضافا
اليه احتمال استنادالمجمعين الى مدارك المسالة التي ذكرت
في الكتب والبحوث، فلا تعلم تعبديته، وهذاكاف لعدم الاعتماد
عليه.
2- بنا العقلا:
قال استاذنا السيد الخوئي: ((ان عمدة ادلة القائلين بوجوب
تقليد الاعلم، اذا اختلف مع غيره هو بنا العقلا))((3)) فان
سيرة العقلا ((قد جرت على الرجوع الى الاعلم عند
العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الاحكام من الحرف
والعلوم، وحيث ان تلك السيرة لم يردع عنها في الشريعة
المقدسة فنستكشف بذلك انها ممضاة عند الشارع.
ويستثني من ذلك ما اذا كانت فتوى الاعلم على خلاف
الاحتياط، وكانت فتوى غير الاعلم موافقة له، كما اذا افتى
الاعلم بالاباحة في مورد، وافتى غير الاعلم بالوجوب، فان
العقلافي مثل ذلك وان كانوا يرجعون الى غير الاعلم احيانا، الا
انه لا لان فتواه حجة عندهم بل لانه عمل بالاحتياط، فياتون به
برجا درك الواقع، اذن لا يمكن اسناد ما افتى به غير الاعلم الى
اللّه والاتيان به بقصد الامر والوجوب، وهذا الوجه هو الذي
نعتمد عليه في الحكم بوجوب تقليد الاعلم في محل الكلام))
.
((4))
وناقشه السيد الصدر في كتابه ((الاجتهاد والتقليد، 186و187
بعدم ثبوت بنا للعقلا في المسالة، قال: ((اقول: لا ريب في
عدم ثبوت بنا للعقلا في الرجوع الى الافضل في صورة العلم
التفصيلي باختلافه في الراي مع غيره.
ويكفيك لهذه الدعوى شاهدان يقومان مقام البينة:
احدهما: اذا افتى الطبيب الافضل بلزوم عمل جراحي لمريض،
قائلا: ان لم يؤت بهذاالعمل وقع المريض في حفرة الموت.
وافتى الطبيب المفضول بخلافه قائلا: انه في هذاالعمل خطر
عظيم، يسبب هلاك المريض. فهل ترى ان العقلا يعملون في
هذا الظرف،براي الافضل، طاعة عميا؟! وكذلك الكلام في
عكس هذه الصورة.
ثانيهما: اذا قصدوا معرفة قيمة دار، او جوهرة، فقومها المقوم
الافضل بثمن قليل، وقومهاغيره بثمن كثير، اضعاف ذلك
الثمن. فهل ترى ان العقلا في هذه الصورة يعملون
بقول الافضل، بلا تامل وتردد؟! وكذلك الكلام في عكس هذه
الصورة.
ومن قبيل هذين الشاهدين نجد شواهد اخرى من سيرة العقلا
عند اختلاف الخبرا. ان سيرة العقلا، في هذا الامر، هي التعويل
على الوثوق والاطمئنان باي راي حصل ومن اي طريق حصل.
فالراي الموثوق به هو الذي يعملون به، وان كان صادرا من
المفضول،ومخالفا للاحتياط. واذا لم يحصل لهم الوثوق براي
فعملهم على الاحتياط. سوا اكان احدالرايين موافقا للاحتياط،
ام كان كلا الرايين مخالفا له.. فان ذلك ايضا مصداق لذلك
الكلي،وهو التعويل على الوثوق.
فاذا لم يمكن الاحتياط فالعمل عندهم على اقوى الاحتمالين،
او على التخيير عندتساويهما)).
كنت قد تناولت، في كتابي: ((دروس في اصول فقه الامامية))،
موضوع ((سيرة العقلا)) او((بنا العقلا)) الذي يعني تباني
الناس واتفاقهم بما هم عقلا على سلوك معين بحيث يشكل
عندهم هذا التباني والاتفاق ظاهرة اجتماعية عامة.
واوضحت، هناك، انه لابد في الظاهرة الاجتماعية لتكون
سلوكا شرعيا من توافرها على العناصر التالية: التلقائية.
والشمولية. والالزام. والعقلانية. والشرعية. وللاستفادة من
بناالعقلا دليلا علينا: اولا: تحديد السلوك وتعيينه. ثم التماس
توفر الشروط المذكورة.
وبتوفر الظاهرة على عنصر الشرعية تتحول السيرة من سيرة
عقلا الى سيرة متشرعة.
والسلوك الذي نبحث عنه، هنا، هو رجوع العامي الى الفقيه من
خلال ظاهرة رجوع الجاهل الى العالم، لمعرفة: هل هو على نحو
التعيين بتقليد الاعلم او على نحو التخيير بالرجوع له اولغيره
من المجتهدين؟
وسيرة المتشرعة، هنا، تتمثل في ارجاع المعصومين اتباعهم
الى اصحابهم من الفقها الرواة امثال: زكريا بن آدم ويونس بن
عبد الرحمن ومحمد بن مسلم وزرارة بن اعين وسواهم.
وهؤلا الفقها، ومن غير شك، كانوا يتفاوتون في اجتهاداتهم
من حيث المستوى العلمي.فلو كان المطلوب هو تقليد الاعلم
لصرح المعصومون بذلك على صعيد النظرية، ولنصواعلى
الاعلم عند الارجاع على صعيد التطبيق. ولما لم يصرحوا
بذلك نظريا، ولم ينصواعليه تطبيقيا، يكون الحكم هو التخيير.
3 الروايات
واهم ما استدلوا به منها: مقبولة عمر بن حنظلة العجلي
الكوفي، قال: ((سالت ابا عبداللّه(ع)عن رجلين من اصحابنا
بينهما منازعة في دين او ميراث فتحاكما.. الى ان قال: فان
كان كل واحد اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين
في حقهما، فاختلفا فيما حكما،وكلاهما اختلفا في حديثكما؟
فقال(ع): الحكم ما حكم به اعدلهما وافقههما واصدقهما في
الحديث واورعهما، ولايلتفت الى ما حكم به الاخر)).
((حيث دلت على وجوب تقديم الافقه على غيره))((5)).
وقد ناقش، في دلالتها على المدعى، غير واحد من الفقها،
منهم استاذنا السيد الحكيم في(المستمسك، 1/29) قال:
((فانها بقرينة التنازع الذي لا يكون الا مع العلم حقيقة او
تعبداوبقرينة ما في ذيلها من الرجوع الى المرجحات الداخلية
والخارجية ظاهرة في الحكم الفاصل للخصومة، ولا تشمل
الفتوى. والحاق الفتوى به لعدم القول بالفصل غير ظاهر. مع ان
ظهورها في جواز فصل الخصومة بالحكم الصادر من الحكام
المتعددين مما يظهر من الاصحاب عدم جواز العمل به، لاعتبار
الوحدة في القاضي عندهم ظاهرا، فلاحظ وتامل)).
ومنهم استاذنا السيد الخوئي، فقد جا في بعض مناقشته لها:
((ان الاعلمية المبحوث عنهافي المقام انما هي الاعلمية
المطلقة لبداهة ان الاعلمية النسبية والاضافية غير كافية
في تعين الرجوع اليه، فان كون شخص اعلم من غيره مع وجود
من هو اعلم من كليهما لا يترتب عليه اي اثر في المقام)).
والافقهية التي ذكرت انها مرجحة في الرواية انما هي الافقهية
الاضافية لقوله(ع): ((الحكم ماحكم به اعدلهما وافقههما.
ومعناه ان كون احد الحاكمين افقه من غيره مرجح في
باب القضا، اذ لا يعتبر في الحاكم الاعلمية المطلقة، واين هذا
من الاعملية في ما نحن فيه،فالاعلمية المرجحة في باب
القضا وتعارض الحاكمين غير الاعلمية المعتبرة في المقام)).
هذه خلاصة ما استدل به لتعين تقليد الاعلم، مع ما طرح من
مناقشات فيها وحولها.
ادلة التخيير
ويغنينا، هنا، ان نذكر ما استدل به الشيخ صاحب الجواهر القائل
بالتخيير.
فقد جا، في كتابه (جواهر الكلام، كتاب القضا، ج 4،
ص 4345): انما الكلام في نواب الغيبة بالنسبة الى المرافعة
الى المفضول منهم وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه،
والظاهرالجواز:
لاطلاق ادلة النصب المقتضي حجية الجميع على جميع
الناس.
وللسيرة المستمرة في الافتا والاستفتا منهم مع تفاوتهم
في الفضيلة.
فان الائمة(ع) مع وجودهم كانوا يامرون الناس بالرجوع الى
اصحابهم، من زرارة ومحمد بن مسلم وابي بصير وغيرهم.
ورسول اللّه(ص) كان يولي القضا بعض اصحابه مع حضور امير
المؤمنين(ع) الذي هواقضاهم، قال في (الدروس): ((لو حضر
الامام في بقعة وتحوكم اليه فله رد الحكم الى غيره اجماعا)).
وسلف ان اشرنا، في بيان نشاة التقليد، الى ان النبي(ص) كان
يرسل الى الاطراف مبلغين يفتون الناس، كارساله مصعب بن
عمير الى المدينة مع وجود من هو اعلم منه في الصحابة،وكان
المسلمون يرجعون الى هؤلا في التقليد.
والخلاصة:
ان الدليل، في موضوعنا هذا، هو سيرة المتشرعة، وليس فيها ما
يدل على تعين الرجوع الى الاعلم، بل فيها ما يدل على التخيير،
وبوضوح.
خامسا الكفاة الادارية
الكفاة في لغتنا المعجمية: ((حالة يكون بها شي ء مكافئا اي
مساويا لشي ء آخر))(البستان، مادة كفا).
وتعني في لغتنا الحديثة الاهليةحح ذحژحرذرا
على الشي ء وحسن تصريفه)) (لاروس، مادة كفا).
اما الادارة ذرخژچزژژخذخذحآ
فالكفاة الادارية هي ان يكون لمرجع التقليد الاهلية التي
يقتدر بها على تصريف شؤون المسلمين وتدبير امورهم التي
هي جزء من مهمات وظيفته الشرعية.. امثال:
1 تعيين الوكلا في الاطراف والبلدان.
2 جباية الحقوق المالية الشرعية.
3 توزيع الحقوق المالية وتوظيفها في ما يخدم الاسلام
ويحقق المصلحة للمسلمين.
4 الاشراف على الحوزات العلمية اداريا وعلميا.
5 الافتا او الحكم في تحقيق الموقف من القضايا العامة التي
على الدين ان يقول كلمته فيها.
وما الى هذه من امور اخرى.
ويرجع هذا الى ان مرجع التقليد عندنا، نحن معاشر الامامية،
يقوم بوظيفة النيابة العامة عن الامام(ع) الذي هو راس
المسلمين والمسؤول الاول عن ادارة شؤونهم وتسيير
قضاياهم الشرعية.
والان، وفي خطوة تطويرية نابعة من واقع المرجعية الدينية
وعلاقتها بحياة المسلمين، حدداستاذنا الشهيد الصدر وظيفة
المرجعية في الشؤون التالية:
1 نشر احكام الاسلام على اوسع مدى ممكن بين المسلمين،
والعمل لتربية كل فرد منهم تربية دينية تضمن التزامه بتلك
الاحكام في سلوكه الشخصي.
2 ايجاد تيار فكري واسع في الامة يشتمل على المفاهيم
الاسلامية الواعية، من قبيل المفهوم الاساسي الذي يؤكد بان
الاسلام نظام كامل شامل لشتى جوانب الحياة، واتخاذ مايمكن
من اساليب لتركيز تلك المفاهيم.
3 اشباع الحاجات الفكرية الاسلامية للعمل الاسلامي، وذلك
عن طريق ايجاد البحوث الاسلامية الكافية في مختلف
المجالات الاقتصادية والاجتماعية، والمقارنات الفكرية
بين الاسلام وبقية المذاهب الاجتماعية، وتوسيع نطاق الفقه
الاسلامي على نحو يجعله قادراعلى مد كل جوانب الحياة
بالتشريع، وتصعيد الحوزة ككل الى مستوى هذه المهام الكبيرة.
4 القيمومة على العمل الاسلامي، والاشراف على ما يعطيه
العاملون في سبيل اللّه في مختلف انحا العالم الاسلامي من
مفاهيم، وتاييد ما هو حق منها واسناده، وتصحيح ما هوخطا.
5 اعطا مراكز العالمية من المرجع الى ادنى مراتب العلما
الصفة القيادية للامة بتبني مصالحها، والاهتمام بقضايا الناس
ورعايتها، واحتضان العاملين في سبيل الاسلام((6)).
ويتمثل تطوير المرجعية، باعتبارها مؤسسة دينية، في الامور التالية: اولا: ايجاد
جهاز عملي تخطيطي وتنفيذي يقوم على اساس
الكفاة والتخصص، وتقسيم العمل، واستيعاب كل مجالات
العمل المرجعي الرشيد في ضوء الاهداف المحددة.
ويقوم هذا الجهاز بالعمل بدلا من الحاشية التي تعبر عن جهاز
عضوي مرتجل يتكون من اشخاص جمعتهم الصدف والظروف
الطبيعية لتغطية الحاجات الانية بذهنية تجزيئية، ومن دون
اهداف محددة واضحة.
ويشتمل هذا الجهاز على لجان متعددة، تتكامل وتنمو
بالتدريج الى ان تستوعب كل امكانات العمل المرجعي.
ويمكن ان نذكر اللجان التالية، بوصفها صورة مثلى وهدفا اعلى
ينبغي ان يصل اليه الجهازالعملي للمرجعية الصالحة في
تطوره وتكامله:
1 لجنة او لجان لتسيير الوضع الدراسي في الحوزة العلمية،
وهي تمارس تنظيم دراسة ماقبل (الخارج)، والاشراف على
دراسات الخارج، وتحدد المواد الدراسية، وتضع
الكتب الدراسية، وتجعل بالتدريج الدراسة الحوزوية بالمستوى
الذي يتيح للحوزة المساهمة في تحقيق اهداف المرجعية
الصالحة، وتستحصل على معلومات عن الانتسابات
الجغرافية للطلبة، وتسعى في تكميل الفراغات وتنمية العدد.
2 لجنة للانتاج العلمي، ووظائفها ايجاد دوائر علمية لممارسة
البحوث ومتابعة سيرهاوتشجيعه ومتابعة الفكر العالمي بما
يتصل بالاسلام، والتوافر على اصدار شي ء كمجلة اوغيرها،
والتفكير في جلب العناصر الكفؤة الى الحوزة او التعاون معها
اذا كانت في الخارج.
3 لجنة او لجان مسؤولة عن شؤون علما المناطق المرتبطة،
وضبط اسمائهم واماكنهم ووكالاتهم، وتتبع سيرهم وسلوكهم
واتصالاتهم والاطلاع على النقائص والحاجات والفراغات،
وكتابة تقرير اجمالي في وقت رتيب، او عند طلب المرجع.
4 لجنة الاتصالات، وهي تسعى لايجاد صلات مع المرجعية
في المناطق التي لم تتصل مع المركز، ويدخل في مسؤوليتها
احصا المناطق ودراسة امكانات الاتصال بها، وايجاد
سفرة تفقدية اما على مستوى تمثيل المرجع، او على مستوى
آخر، وترشيح المناطق التي اصبحت مستعدة لتقبل العالم،
وتولي متابعة السيرة بعد ذلك، ويدخل في صلاحيتها،الاتصال
في الحدود الصحيحة مع المفكرين والعلما في مختلف انحا
العالم الاسلامي،وتزويدهم بالكتب، والاستفادة من المناسبات
كفرصة الحج.
5 لجنة رعاية العمل الاسلامي، والتعرف على مصاديقه في
العالم الاسلامي، وتكوين فكرة عن كل مصداق، وبذل النصح
والمعونة عند الحاجة.
6 اللجنة المالية التي تعنى بتسجيل المال، وضبط موارده،
وايجاد وكلا ماليين، والسعي في تنمية الموارد الطبيعية لبيت
المال، وتسديد المصارف اللازمة للجهاز، مع التسجيل والضبط.
ولا شك في ان بلوغ الجهاز الى هذا المستوى من الاتساع
والتخصص يتوقف على تطورطويل الامد، ومن الطبيعي ان
يبدا الجهاز محدودا ومن دون تخصصات حدية تبعا
لضيق نطاق المرجعية، وعدم وجود التدريب الكافي،
والممارسة والتطبيق هما ما يبلور القابليات من خلال العمل،
ويساعد على التوسيع والتخصص.
وثانيا: ايجاد امتداد افقي حقيقي للمرجعية يجعل منها محورا
قويا، تنصب فيه قوى جميع ممثلي المرجعية والمنتسبين اليها
في العالم، لان المرجعية حينما تتبنى اهدافا كبيرة،وتمارس
عملا تغييريا واعيا في الامة لابد من ان تستقطب اكبر قدر
ممكن من النفوذلتستعين به في ذلك، وتفرض بالتدريج
وبشكل آخر السير في طريق تلك الاهداف على كل ممثليها في
العالم، وبالرغم من انتساب كل علما الشيعة تقريبا الى المرجع
في الواقع المعاش يلاحظ بوضوح انه في اكثر الاحيان انتساب
نظري وشكلي، لا يخلق المحورالمطلوب، كما هو واضح.
وعلاج ذلك يتم عن طريق تطوير شكل الممارسة للعمل
المرجعي، فالمرجع تاريخيايمارس عمله المرجعي كله ممارسة
فردية، ولهذا لا تشعر كل القوى المنتسبة اليه
بالمشاركة الحقيقية معه في المسؤولية والتضامن الجاد معه
في الموقف.
اما اذا مارس المرجع عمله من خلال مجلس يضم علما
الشيعة، والقوى الممثلة له دينيا،وربط المرجع نفسه بهذا
المجلس، فسوف يكون العمل المرجعي موضوعيا، وان
كانت المرجعية نفسها بوصفها نيابة عن الامام قائمة بشخص
المرجع، غير ان هذه النيابة القائمة بشخصه لم تحدد له اسلوب
الممارسة، وانما يتحدد هذا الاسلوب في ضوء
الاهداف والمصالح العامة. وبهذا الاسلوب الموضوعي من الممارسة يصون المرجع عمله
المرجعي من التاثربانفعالات شخصية، ويعطي له بعدا وامتدادا
واقعيين كبيرين، اذ يشعر كل ممثلي المرجع بالتضامن
والمشاركة في تحمل مسؤوليات العمل المرجعي، وتنفيذ
سياسة المرجعية الصالحة التي تقرر من خلال ذلك المجلس.
وسوف يضم هذا المجلس تلك اللجان التي يتكون منها الجهاز
العملي للمرجعية.
وبهذا تلتقي النقطة السابقة مع هذه النقطة.
ولئن كان في سلوك الممارسة الفردية للعمل المرجعي بعض
المزايا، كسرعة التحرك،وضمان درجة اكبر من الضبط
والحفظ، وعدم تسرب عناصر غير واضحة الى
مستوى التخطيط للعمل المرجعي، فان مزايا الاسلوب الاخر
اكبر واهم.
ونحن نطلق على المرجعية ذات الاسلوب الفردي في
الممارسة اسم ((المرجعية الذاتية))،وعلى المرجعية ذات
الاسلوب المشترك او الموضوعي في الممارسة اسم
((المرجعية الموضوعية)).
وهكذا يظهر ان الفرق بين المرجعية الذاتية والمرجعية
الموضوعية ليس في تعيين شخص المرجع الشرعي الواقعي،
فان شخص المرجع دائما هو نائب الامام.
ونائب الامام هو المجتهد المطلق الاعلم العادل الخبير
بمتطلبات النيابة.
وهذا يعني ان المرجعية، من حيث ((هي)) مركز النيابة للامام
ذاتية دائما، وانما الفرق بين المرجعيتين في اسلوب الممارسة.
وثالثا: ايجاد امتداد زمني للمرجعية الصالحة لا تتسع له حياة
الفرد الواحد، فلابد من ضمان نسبي لتلك المرجعية في
الانسان الصالح المؤمن باهداف المرجعية الصالحة، لئلا
ينتكس العمل بانتقال المرجعية الى من لا يؤمن باهدافها
الواعية.
ولابد ايضا من ان يهيا المجال للمرجع الصالح الجديد، ليبدا
ممارسة مسؤولياته من حيث انتهى المرجع العام السابق بدلا
من ان يبدا من الصفر، ويتحمل مشاق هذه البداية وماتتطلبه
من جهود جانبية.
وبهذا يتاح للمرجعية الاحتفاظ بهذه الجهود للاهداف،
وممارسة الوان من التخطيط طويل المدى.
ويتم ذلك عن طريق شكل المرجعية الموضوعية، اذ في اطار
المرجعية الموضوعية لايوجد المرجع فقط، بل يوجد المرجع
الذات، ويوجد الموضوع وهو المجلس بما يضم من جهاز يمارس
العمل المرجعي الرشيد. وشخص المرجع هو العنصر الذي
يموت. اماالموضوع فهو ثابت، ويكون ضمانا نسبيا الى درجة
معقولة بترشيح المرجع الصالح في حالة خلو المركز، وللمجلس
والجهاز بحكم ممارسته للعمل المرجعي، ونفوذه،
وصلاته،وثقة الامة به القدرة دائما على اسناد مرشحه، وكسب
ثقة الامة الى جانبه، وهكذا تلتقي النقطتان السابقتان مع هذه
النقطة في طريق الحل((7)).
وهذا الذي ذكره استاذنا الشهيد الصدر (قده) هو في واقعه
امتداد او عودة لممارسة الشيخ المفيد (ت 413ه) للمرجعية
الدينية من تصميم، ولما طبقه فيه من واقع، وسار عليه من
بعده تلميذاه الشريف المرتضى والشيخ الطوسي ومن تلاهما
من مراجع عظام((8)).
|