هناك راي آخر، في تحديد
هوية المقصودين بقوله تعالى: (قوم
يحبهم ويحبونه) الى آخرالاية وهو راي انفرد به
الاباضية، نسبة
للفرقة التي تنتمي لابن اباض عبداللّه، وان كانوا
يابون هذه
النسبة، ذلك ان مذهب الاباضية كان في البصرة وانتقل
منها
الى المغرب بوساطة سلمة بن سعد في سنة 100 للهجرة،
كما
ان الصفرية من فرق الخوارج كانت آراؤهم قد
انتقلت للمغرب
بوساطة عكرمة مولى عبداللّه بن عياس. ولما كان
البربر يولفون
كما كبيرا من السكان وقد راقت لهم نظريات الخوارج
في كثير
من الامور، ومنها عدم التقيد بجنسية الخليفة
فيمكن ان يكون
غير عربي. ويبدو ان البربر اعتنقوا هذا المذهب
لدوافع كثيرة
لامحل لشرحها هنا، فكانت بعض الروايات يشتسف منها
انها
تحقق اهدافا متنوعة منها ان البربر هم انصار الحق
وهم من
يقاتل من يرتد عن هذا الدين، وفي الوقت نفسه تشير
الى
ان حملة الدين الحق والعقيدة الصحيحة هم الخوارج
وهؤلا
انصارهم. فكان من ذلك ان ظهرت احاديث ان جبرائيل
اوصى
النبي بتقوى اللّه وبامة البربر، ومن ذلك ما هو
موضع الشاهد
فقد رووا عن علي امير المؤمنين وعن عبداللّه بن
مسعود انهما
كانا يوصيان بالبربروانهما يعنيان البربر بانهم
المقصودون من
قوله تعالى: (فسوف ياتي اللّهبقوم يحبهم ويحبونه)
الخ الاية. اما
مدى انطباق الصفات الباقية في الاية على هؤلا وهل
كانوا اذلة
على المؤمنين ام العكس حيث قتلوا عبداللّه بن خباب
وجماعة
وبتروا بطن زوجته وهي حامل آانظر مروج الذهب وظفروا
بنصارى فاطلقوا سراحهم، الى بقية الصفات فلم يعنوا
بها.وهذا
المعنى لم يؤخذ بعين الاعتبار في كل من قيل انه
المعني
بالاية، مع انها من مقومات القوم ومن الكواشف عن
كونهم
حملة رسالة ايمانية تضعهم في خط الجهاد في سبيل
اللّه لافي
سبيل آخر ولا لدوافع اخرى، وهذا المعنى بمثابة
الروح في
هيكل هذه الصفات المغدقة على القوم، ولكن احدا لم
يوله
الاهتمام. نحو مفهوم جديد للشورى في الاسلام لابد لنا، قبل الدخول في صلب الموضوع، من لفت النظر
الى
ظاهرة مرضية اصابت الجماعات الاسلامية، في
المسائل
السياسية، تتجلى في انتخاب احداث معينة من
ماضيهاواغفال
احداث اخرى، بشكل عمدي مقصود، بحيث اصبح التاريخ
الاسلامي عبارة عن مجموعة حكايات متقطعة نرويها
عند
المناسبات، من دون ان يكون بينها رابط او تسلسل ما.
وقد انعكس ذلك على فهم حقائق الامور بحيث انعدم
الالمام
باسباب الاحداث الحقيقية او تقدير موقف المشاركين
فيها
تقديرا صحيحا او اصدار احكام بعيدة عن الهوى.
ونضرب مثالا
لما يقال عن الائمة مالك بن انس وابي حنيفة النعمان
واحمد
بن حنبل من انهم صمدوا لعدوان الحاكم الظالم.
والوالي
الغاشم لم يكن غير مسلم وانما كان هو
الخليفة المسلم امير
المؤمنين وراس المسلمين، او كان نائبه او غير ذلك،
فقد كان
الذي عذب مالك بن انس والي المدينة جعفر بن
عبداللّه بن
العباس عم الخليفة ابي جعفر المنصور، وكان الذي
ضرب ابا
حنيفة النعمان والي مروان بن محمد آخر الخلفا
الامويين، ثم
والي الخليفة ابي جعفر المنصور، وكان الذي نكل
باحمد بن
حنبل الخليفة المامون ثم الخليفة المعتصم!!((34)). لقد ادت هذه الظاهرة المرضية السياسية الى اجترار
موضوعات
وهمية عاطلة عن الفائدة والى استحداث تعبيرات
لغوية وصيغ
كلامية لا اساس لها من الصحة، فظهرت اكثر ماظهرت في
ميدان السياسة، ذلك لان السياسة هي السلطة
والثروة، ومن
ثم كان تاثيرها على الناس اسرع ونتائجها اوضح. وتحتل الشورى المركز الاول بين هذه الموضوعات
الوهمية. فقد تكلم فيها الفقها كثيراواختلفوا فيها كثيرا
حسب ظروف
الزمان والمكان الذي وجدوا فيه، وسبب
اختلافهم يكمن في ان
القرآن الكريم تكلم على الشورى في آيتين مقتضبتين
تسردان
مبدا عاما لم يردفي الحديث المنقول عن الرسول، او
عن
الصحابة، ما يكملهما او يفصل اسلوب
ممارسة الشورى، كما ان
ايا من الخلفا الراشدين لم يجعل الشورى منهج تصرفه
وقاعدة
حكمه ليتبعه من خلفه((35)). الا ان ذلك لم يمنع بعض الفقها القدامى والمحدثين
من
محاولة بنا نظام سياسي متكامل، للامة الاسلامية،
استنادا الى
هاتين الايتين، وهما آية وردت في سورة
الشورى:(والذين
استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم
ومما
رزقناهم ينفقون)«الشورى/37». وآية اخرى وردت في سورة
آل
عمران: (وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على
اللّه) «آل
عمران/158». ولعل ما حدا بالمفكرين الاسلاميين المحدثين الى
محاولة
استنباط نظرية عامة للشورى هووجود النظم
الديموقراطية
الحديثة ومحاولة هؤلا اجرا الموازنة ما بين
الشورى والديموقراطية، اذ انهم يرون ان الدعوة
الى الشورى
الاسلامية اصبحت بديلا يحل محل النظم التي ترفع
شعارات
الديموقراطية، لا بل انهم يؤكدون ان لا تناقض هناك
ما
بين الشورى والديموقراطية الصحيحة، لان هدف
النظريتين
واحد في المجال السياسي، وهو:تمكين الامة من الحرية
الكاملة في تقرير مصيرها واختيار حكامها وممارسة
سلطانها
عليهم بالتوجيه والمسالة والمحاسبة وتمكين
افرادها من
ممارسة حقوقهم الانسانية الفطرية بحرية لانها هي
اساس
السلام والتقدم في المجتمع البشري((36)). وقد راى بعض المفكرين ان الشورى اوسع نطاقا واعمق
اصولا
من مجرد الاهتمام بمدى سلطة الحكام ومدى تقيدهم،
في
ممارسة السلطة، بقرارات ممثلي الامة التي
تصدربالشورى، اذ
انها، اي الشورى، في نظرهم، اساس حرية الفرد في
الجماعة،
وهي التي تعطيه حقه الفطري في المشاركة في اصدار
القرارات الجماعية. فالحرية والمشاركة في الراي
حق اساسي
لجميع الافراد، ولهم ممارسته على قدم المساواة.
والمساواة لا
يمكن ان يتمتع بهاالجميع الا بالعدالة، فغاية
الشورى هي
العدالة التي تقيم توازنا عادلا ودقيقا بين
حرية الافراد
والجماعات من ناحية وبين وجود سلطة عامة تفرض حدودا
وقيودا على هذه الحريات الفطرية من الناحية
الاخرى، وهذا
التوازن يقيمه الفكر الحر والحوار
المتبادل والتشاور على اساس مبادىء ثابتة مستقرة تنبع من عقيدة وشريعة تسموان
على
ارادة الجميع وتهيمنان على فكر الجماعة ونظامها،
وبذلك
تكون الشورى ميزانا تمثل الحرية احدى كفتيه
والسلطة
والديموقراطية الكفة المقابلة لها، وترتكز
كلتاهما على محور
شرعي ثابت مستقر من اصول الشريعة ومبادئها
السامية...((37)). تعود اهم اسباب النتائج التي توصل اليها معظم
الباحثين بصدد
موضوع الشورى بوصفهانظاما سياسيا، في نظرنا، الى
العوامل
التالية: 2- اشتغال غير المتخصصين في ميدان الفكر الاسلامي في
قضايا الاسلام، اذ انبرى منذمدة طويلة عدد من
الباحثين ممن
لا علاقة لهم بالفكر الاسلامي، لا من قريب ولا من
بعيد،الى
الاشتغال في هذه الميدان، فكانت نتائج ذلك صدور
احكام
ومواقف لا تتفق مع حقيقة الاسلام، واذا بنا نرى،
بخاصة،
اساتذة اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وبعض
المستشرقين وغيرهم، يقومون بابحاث تخرج اساسا عن
نطاق
اختصاصهم، في حين ابتعدالاختصاصيون وهم رجال
القانون
والشريعة عن البحث في هذه الموضوعات. 3- الخلط بين القواعد الشرعية والقواعد الفقهية،
بحيث صار
التعامل مع آرا الفقها كانهامن القواعد المنزلة
والمنزهة عن
الخطا، وصار ينظر الى آرا الفقها على انها
من المقدسات، في
حين انها لا تخرج عن كونها آرا تقبل الصواب كما
تقبل الخطا،
وذلك خلافا للقواعد الشرعية الثابتة. من هنا كان لابد من بحث موضوع الشورى وفقا لمعايير
جديدة
ووفق خصائص العلم والتاريخ، بغية الخروج بمفهوم
واضح بهذا
الصدد. لذلك، سوف اقوم ببحث هذا الموضوع في جذوره الاساسية
في
القرآن الكريم، ثم في السنة النبوية، ثم في تعامل
الصحابة في
التاريخ الاسلامي، على ان نستخلص النتائج في مابعد.
المبحث الاول
الشورى في القرآن الكريم
يلاحظ ان ذكر الشورى التي يبني عليها بعض المفكرين
النظام
السياسي الاسلامي وردت في ست كلمات هي: (وامرهم
شورى
بينهم) (وشاورهم في الامر)، ثم غاب موضوع الشورى عن
باقي
الايات. وقد فسر البيضاوي((39)) (وامرهم شورى بينهم) بان
الاية
نزلت في الانصار، اذ دعاهم الرسول الى الايمان
فاستجابوا
واقاموا الصلاة، وهم ذوو شورى لا ينفردون براي
حتى يتشاوروا
ويجمعوا عليه، وذلك من فرط تدبرهم ويقظتهم في
الامور. وجا في تفسيرالجلالين((40)) للاية نفسها انها موجهة
للذين
اجابوا ربهم الى ما دعاهم اليه... وامرهم الذي يبدو
لهم
يتشاورون فيه ولا يعجلون، ((وهذا المعنى ورد ايضا في
تفسير
ابن كثير))((41)) اماالاية الثانية فيقول
البيضاوي في
شانها((42)):
(وشاورهم في الامر)، اي لامر الحرب، اذالكلام
فيه او في ما يصح ان يشاور فيه، استظهارا برايهم
وتطييبا
لنفوسهم. فاذا وطنت نفسك على شي ء بعد الشورى
فتوكل
على اللّه في امضا امرك.
وفي تفسير الجلالين جا((43)): (وشاورهم في الامر) اي
استخرج آراهم في الامور شانك في امر الحرب وغيره
تطييبا
لقلوبهم. فاذا عزمت على امضا ما تريد بعد المشاورة
فتوكل على اللّه. يستفاد من الاية الواردة في سورة الشورى انها لا
تتضمن امرا
الى الحاكم بوجوب الاستماع الى الشورى والتقيد
بمضمونها،
وانما تشرح هذه الاية حالة معينة كان عليها الانصار
قبل الاسلام واستمروا عليها، بعده من حيث التشاور
في ما
بينهم على ما يعرض من الامور، فقدكان التشاور امرا
مالوفا في
النظام العربي العشائري، فرئيس العشيرة ينتسب عادة
الى
عائلة مرموقة اكتسبت مكانتها بشجاعة افرادها
وحكمتهم
وكرمهم، ومن مهمات الرئيس ان يفصل في خلافات
الافراد
ويتعاط ى مع القبائل الاخرى، ويقرر الرحيل من مكان
لاخر
كمايقرر الغزو والحرب، وهو يستشير كبار العشيرة في
كل
ذلك، ولا يمضي شيئا الا بعد الاطلاع على آرائهم.
فاذا قرر شيخ
العشيرة امرا بعد المشاورة تبعته القبيلة، وما
زالت هذه
حالة العشائر الى يومنا هذا((44)). لقد اتخذت هذه العادة العربية شكلا منظما في مكة
قبل
الاسلام، فقد نظم المكيون امورهم حول ((دار
الندوة))، وهو
المجلس الذي كان يدبر الحياة السياسية والاقتصادية
والقضائية في المدينة، ويتالف من كبار اهل مكة،
فلا يتم امر
من امور البلاد الا باتفاق اعضا الندوة، ولاتقضي
قريش بامر
خارج الندوة((45)). فليست الشورى اذا شيئا
جديدا جا بعد
الاسلام،بل نرى ان المسلمين اهملوا عادة الشورى في
((الندوة)) بعد الدعوة، ولم يعد يرد ذكر لها في كتب
السيرة
والتاريخ. اما آية (وشاورهم في الامر) فانها تثير بعض
الملاحظات:
كما ان الحاكم ليس ملزما بالتقيد بالمشورة التي
يطلبها او
تعرض عليه، اذ ان الجزء الثاني من الاية: (فاذا
عزمت فتوكل
على اللّه)، اي اذا وطنت نفسك على شي ء بعد الشورى،
فتوكل على اللّه في امضا امرك، وان كان مخالفا
لراي
الناصحين. فالشورى غير ملزمة للحاكم. المبحث الثاني
الشورى في السنة
يسند بعض المفكرين الاسلاميين ((46)) الشورى الى سنة
الرسول والى حديث ((ما ندم من استشار، ولا خاب من
استخار))((47)).
وجه الدلالة ان الاستخارة هي طلب خير الامور بعد
البحث
فيها وتبينها، والرسول يطلب الى المؤمنين ان
يتخيروا من
الامور اصلها، تبعا لما ينتهي اليه البحث العلمي
الموضوعي المبرا من الانفعال والهوى وان يستشيروا
اولي
الراي واهل الاختصاص والخبرة اتقا لسوءالعاقبة. والواضح ان الرسول يطلب الى المؤمنين المشورة، غير
ان
المفكرين المسلمين قد التبس عليهم الامر بين
الشورى
والمشورة، وشتان ما بين الفكرتين من فرق، فاستطلاع
راي
الناس والاستماع اليهم او قبول اقتراحاتهم يسمى
مشورة، اما
الشورى فهي نظام سياسي متكامل يتضمن القواعد التي
تنظم
مشاركة الناس بالحكم وكيفية مراقبة الحكام
ومحاسبتهم،
وليس في المشورة شي ء من هذا!!
كذلك يستند انصار الشورى السياسية، الى حديث
الرسول:
((من بايع اميرا عن غير مشورة المسلمين، فلا بيعة
له، ولا
الذي بايعه))((48)). والحقيقة ان البيعة تقليد بدوي سابق للاسلام يتعلق
بتولية
شيخ العشيرة، والبيعة ليست انتخابا او اختيارا
للزعيم من قبل
افراد العشيرة، بل اعتراف منهم بقبول سلطة
الشيخ الجديد
الذي يحصل على مركزه بمكانته الشخصية، او بنفوذ
عائلته، او
بترتيب جرى بين النافذين في القبيلة، او بفرض نفسه
على
الاخرين((49)).
وقد اقتبس الاسلام اسلوب البيعة المذكور وحافظ على
تقليدها البدوي، الا ان الفقها في العصور
اللاحقة حاولوا ان
يعطوها معنى مختلفا، فقال ابو الحسن الماوردي: ان
البيعة
عقدوكالة بين الامة وبين حاكمها المسؤول عنها، وان
عقد
البيعة عقد مؤقت مشروط، فهوخاضع لمراقبة الاصيل،
اي
الامة، فان راى الوكيل ملتزما للشروط المحددة ابقى
الوكيل
ان شا((50)).
وقال ابن تيمية: ان الامامة تثبت بمبايعة الناس
لا بعهد الامام السابق له((51)). الا انه من الواضح ان هذا الكلام بقي في اطار
النظريات، اذ لم
يحدث في التاريخ الاسلامي ان قامت الامة بعزل
الامام لانه
خالف عقد الوكالة كما يقول الماوردي. وقد عزل
خلفاوحكام
كثر عن الحكم، لكنهم عزلوا عن طريق الجند لتحقيق
رغبة
طامع بالحكم، لا لانهم حادوا عن شروط الوكالة
المعقودة مع
الامة. كما انه لم يحدث في التاريخ الاسلامي
ان المسلمين
رفضوا البيعة لشخص تولى الحكم بعهد السابق له، اي
بالاستخلاف. اما قول ابن تيمية: ان الامامة تثبت بمبايعة الناس
لا بعهد
السابق له، فان ما كان يجري في الواقع المستمر
يخالف ذلك. فقد بقي الخلفا والسلاطين قرونا طويلة، وفي
مختلف العهود،
يعينون من يخلفهم ثم يسوقون الناس للبيعة سوقا،
فالبيعة
ليس كما يتوهم بعض الباحثين انتخابا او تفويضا او
توكيلا
بالخلافة، وانما هي الموافقة على الامر الواقع
والتسليم به. والبيعة فرض كفاية في الفقه الاسلامي، اذا قام بها
قوم سقطت
عن الاخرين. وليس الناس ملزمين بمراسم البيعة ما
دامت
فرض كفاية، ولكنهم ملزمون بالطاعة والقبول
بالحاكم او
الخليفة((52)).
فالواضح اذا ان البيعة ليست من الشورى في شي ء،
وبالتالي فان
حديث الرسول: ((من بايع اميرا من غير مشورة
المسلمين)) لا
يصلح ركيزة للشورى السياسية، كما لا يوجد في
السنة اي
ممارسة عملية للشورى السياسية. اما المشاورة فقد
مارسها
الرسول(ص) بشكل واسع،وهي تختلف جذريا عن الشورى. وكان الرسول (ص) قد مارس بعد الهجرة الى المدينة
جميع
شؤون الحكم، فكان الامروالمفسر للايات ومنفذ احكام
الشريعة
والقاضي بين الناس ومدبر الغزوات وقائدها
لنشرالدين وموزع
الغنائم ومراسل الملوك، فجمع في شخصه السلطة
الروحية
والقضائية والتنفيذية والادارية والعسكرية
والخارجية، ولم
يعرف عنه انه شكل جهازا استشارياتنفيذا لايتي
الشورى، وان
كان يستشير بعض اصحابه، كما لم يعرف عنه انه اقام
مؤسسات سياسية او ادارية تساعده في مهماته وتكون
قدوة
يحتذيها خلفاؤه. المبحث الثالث
الشورى في التطبيق
خلال مرض الرسول(ص) ادرك القريبون منه ان وفاته باتت
وشيكة، فابتدات الافكار تجول حول من يتولى قيادة
المسلمين
من بعده، فكان تنافس بين المهاجرين والانصار، وكان
في الصحابة من يرى نفسه احق من غيره كطلحة بن
عبيداللّه
والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن
عفان
وسعد بن ابي وقاص. وكان بنو امية يطمحون ايضا الى
لعب
دورهام معتمدين على زعامتهم المكية ومكانتهم
المالية
والاجتماعية((53)). لقد تولى ابو بكرالخلافة
بعد اجتماعه
الشهير بالانصار في سقيفة بني ساعدة بطريقة بعيدة
عن
الشورى السياسية. يقول عمر بن الخطاب: ((ان بيعة ابي بكر كان فلته... غير
ان
اللّه وقى شرها... فمن بايع رجلاعن غير مشورة
المسلمين فانه
لا بيعة له... وانه كان من خبرنا، حين توفى اللّه
نبيه، ان
علياوالزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة،
وتخلفت
عنا الانصار باسرها، واجتمع المهاجرون الى ابي
بكر، فقلت لابي
بكر: ((انطلق بنا الى اخواننا هؤلا من الانصار))،
فانطلقنانؤمهم، فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا،
فقالا:
((اين تريدون يا معشر المهاجرين؟))فقلنا: ((نريد
اخواننا هؤلا
من الانصار))، فقالا: ((فارجعوا فاقضوا امركم بينكم
(اي لا
فائدة لكم في لقا الانصار)، فقلنا: ((واللّه
لناتينهم)).. فاتيناهم
وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة... واذا بين اظهرهم
رجل
مزمل (ملتف في شي ء)... قلت: ((من هذا))؟ قالوا: ((سعد
بن عبادة... فقام رجل منهم... وقال: نحن الانصار
وكتيبة
الاسلام، وانتم يا معاشر قريش رهط بيننا، وقد دفت
(هجمت)
الينا من قومكم دافة. قال (عمر): فلما رايتهم يريدون
ان
يختزلونامن اصلنا، ويغصبونا الامر، وقد كنت زورت
(هيات
واعددت) في نفسي مقالة اقدمها بين يدي ابي بكر
لمبايعته،
فتكلم ابو بكر فما ترك شيئا كنت قد زورت (اعددت) في
نفسي ان اتكلم به لو تكلمت، الا ما جا به وباحسن
منه. وقال:
((اما بعد يا معشر الانصار، فانكم لاتذكرون منكم
فضلا الا وانتم
له اهل، وان العرب لا تعرف هذا الامر الا لهذا الحي
من
قريش،وهم اوسط (العرب) دارا (اي من مكة) ونسبا... فلما
قضى ابو بكر كلامه قام (من الانصار)رجل، فقال منا
امير
ومنكم امير يا معشر قريش... فارتفعت الاصوات وكثر
اللغط
(اختلاط الاصوات)... وقال ابو بكر للانصار، منا (اهل
مكة
القرشيين) الامرا ومنكم الوزرا. فقال عمر لابي
بكر: ((ابسطيدك ابايعك (لقد ارتضاك النبي لديننا، افلا نرضاك لدنيانا) فبسطيده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه
الانصار. ثم نزونا
(وثبنا ووطانا) على سعد بن عبادة حتى قال قائلهم:
قتلتم
سعدا... وانا واللّه ما وجدنا امرا هو اقوى (اصعب) من
مبايعة
ابي بكر، خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة ان
يحدثوا بعدنا
بيعة، فاما نتابعهم على ما نرضى،او نخالفهم فيكون
فساد))((54)).
فمن الواضح من هذا الذي رواه عمر بن الخطاب، عن بيعة
ابي
بكر، ان الرسول(ص) لم يستخلف احدا، وان الجدال بين
المهاجرين والانصار كان على الامر وتعيين امير،
وان مبايعة ابي
بكر كانت فلتة وانه اعقب المبايعة اعتدا على سعد
بن عبادة
زعيم الانصار. وفي الجدال الذي حدث في سقيفة بني ساعدة بين
المهاجرين
والانصار، لا نرى رجوعاالى آيات القرآن الكريم
المتعلقة
بالشورى، او الى احاديث الرسول بهذا الصدد، وانما
كان الجدال
يدور بينهم حول من يتولى سياسة امور الناس، ولا
يتعلق
بشؤون الدين. وكان الاقتراح المقدم من احد الانصار
ان يكون
منهم امير ومن المهاجرين امير، وهو نظام يشبه نظام
تعيين
قنصلين في روما في بعض الحقب، واقترح ابو بكر ان
يكون من
القرشيين الامراومن الانصار الوزرا، فالصراع
كان يدور حول
الامر وعمن يكون الامير، ولم يتعرض احدابدا بكلمة
واحدة
للدين او الشريعة. يقول الدكتور طه حسين، في ذلك، ان ابا بكر لم يبايع
بالخلافة
عن مشورة من المسلمين وانما كانت بيعته فلتة وقى
اللّه
المسلمين شرها كما قال عمر((55)).
ناقش الاستاذ علي حسني الخربوطي خطبة ابي بكر،
حين
بيعته، وما تلاها من تصرفات من حيث تطبيق مبدا
الشورى
فقال: ((انها تدل على ان ابا بكر معترف للامة بسلطة
المراقبة
على الحكم، لكنه لم يؤلف تلك الهيئة التي تراقب
الحاكم. وهذا
الاغفال من الصحابة لامر اقامة مراقبة على
الحكومة جر اسوا
النتائج... حتى انتهى الامر بالفتنة المشهورة ومصرع
عثمان،هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان خطبة ابي بكر
جات
خالية من ذكر الشورى لان قول ابي بكر: ((ان اسات
فقوموني))
يدل على انه يحب منهم ان يقوموه متى اسا، والانسان
لا
يسي ءالا بعد ان يبرم العمل وينفذه. ومما يدل على
ان هذا
الفهم صحيح ان المسلمين انتخبوا ابابكر وتركوه
لنفسه، فان
حدث ان استشارهم في شي ء وراى غير رايهم آثر رايه
على
رايهم ومضى حيث اراد. وكذلك سار عمر وعثمان وعلي،
وهذا
تنازل من الصحابة عن اكبر حق لهم في حكومة دولتهم))
. ((56))
ولما ارتدت قبائل عربية كثيرة عن الاسلام ورفضت دفع
الزكاة
بعد وفاة النبي(ص) اراد ابوبكر ان يعيدها الى
الاسلام بالقوة،
وعارضه الصحابة بمن فيهم عمر بن الخطاب. لكن ابا
بكراستاثر
برايه فحارب وانتصر من دون ان يمارس الشورى
السياسية
وانما استاثر بالقرار. وعندما قاربته الوفاة لم يستشر ابو بكر احدا في من
يخلفه بل
قال للمسلمين: اني اخترت لكم هذا الرجل (عمر)
فاسمعوا
واطيعوا، فسمع البعض واطاعوا وعارض كثير من
كبارالصحابة
فلم يؤبه لهم((57)). ولم يعرف عن ابي بكر وعمر انهما جمعا حولهما طائفة
من
الصحابة، من اصحاب العقل الراجح والراي السديد،
يستشيرونهم في امور المسلمين بصورة منظمة كما
اعتادت
قريش في ((دار الندوة)) في مكة، مع انهما كانا
معاصرين لتلك
الشورى التي سبقت الاسلام. ولم تكن طريقة اختيار عثمان بن عفان للخلافة شورى
مقنعة،
فقد اختص عمر بها ستة من قريش ولم يشاركه احد
باختيارهم
وحجب الشورى عن باقي الصحابة، ثم رتب الامر
بحيث ضمن
استبعاد علي بن ابي طالب عن الخلافة. حكى ابن اسحاق عن الزهري عن ابن عباس قال: ((وجدت
عمر ذات يوم مكروبا، فقال:ماادري ما اصنع في هذا
الامر؟ اقوم
فيه واقعد)). فقلت: ((هل لك في علي؟)). فقال: ((انه لها لاهل، ولكنه رجل فيه دعابة، واني
لاراه لو تولى
امركم لحملكم على طريقة من الحق تعرفونها)). قال: ((قلت: فاين انت عن عثمان؟)). فقال: ((لو فعلت لحمل ابن ابي معيط على رقاب الناس،
ثم لم
تلتفت اليه العرب حتى تضرب عنقه، واللّه لو فعلت
لفعل ولو
فعل لفعلوا)). قال: ((فقلت: فطلحة؟)). قال: ((انه لزهو؟ ما كان اللّه ليوليه امر امة محمد(ص)
مع ما
يعلم من زهوه)). قال: قلت: ((فالزبير؟)). قال: ((انه لبطل، ولكنه يسال عن الصاع والمد بالبقيع
بالسوق،
افذاك يلي امورالمسلمين؟)). قال: ((فقلت: سعد بن ابي وقاص؟)). قال: ((ليس هناك، انه لصاحب مقتب يقاتل عليه، فاما
ولي امر
فلا)). قال: ((فقلت: فعبد الرحمن بن عوف؟)). قال: ((نعم الرجل ذكرت لكنه ضعيف، انه واللّه لا يصلح
لهذا
الامر يا ابن عباس الا القوي في غير عنف، اللين من
غير ضعف،
والممسك من غير بخل، والجواد من غير اسراف)) . قال ابن عباس: ((فلما جرحه ابو لؤلؤة وآيس الطبيب من
نفسه
وقالوا له: ((اعهد)) جعلهاشورى في ستة..((58)). ليس من الدقة في شي ء ان يقال ان حكم ابي بكر وعمر
كان
حكما شوريا بالمعنى الدقيق.فليس جميع المسلمين
اختاروا ابا
بكر وعمر للخلافة وانما اختارهما فريق من
المسلمين من اهل
المدينة ولم تتم استشارة اهل مكة والطائف والبادية((59)). وقد وضع الخليفة عثمان حدا لموضوع الشورى عندما
اعلن ان
اللّه عهد اليه بالخلافة وليس عليه ان يقدم
عن اعماله حسابا
سوى اللّه((60)). ان التعامل بالشورى كان مفقودا في عهود الخلفا
الثلاثة، الامر
الذي ما دفع المسلمين الى الحرب عندما اختلفوا حول
خلافة
علي بن ابي طالب وانقسموا الى شيع متقاتلة. ولو
كان هناك
شورى بالفعل لكان من الممكن تلافي ما حصل. لقد ورث الامويون هذا الوضع الدستوري وساروا على
منواله،
وكل ما فعلوه انهم حصرواالخلافة في عائلتهم ولكنهم
تركوها
تنتقل من فرد الى آخر من دون ضابط واضح، كما
تابعوامبدا
الاستخلاف الذي بداه ابو بكر، اي ان يعهد الخليفة
الى من يريد
ان يخلفه فيبايعه الناس. اما في العصر العباسي فانه من تسعة وثلاثين خليفة
قتل او
عزل او سملت عيون سبعة عشرخليفة اي نسبة 5،43 بالمئة. ونادرا ما حصل هذا في تاريخ الشعوب. فما هي
النظرية السياسية التي سادت المجتمع الاسلامي
وسمحت
بحدوث هذه الاحوال؟، علما بان الخلافة العثمانية
لم تكن
افضل حالا. المبحث الرابع
الشورى والنظريات السياسية
اولا: نظرية ابو الحسن الماوردي: (974 1058م)
ينطلق الماوردي، في نظريته، من ان الخلافة واجبة
شرعا، فلا
يجوز ان يوجد مجتمع اسلامي من دون امام. واهم ما
شغله هو
الحفاظ على وحدة الامة الاسلامية التي
ترتبط برباط ديني
اخلاقي تمثله الشريعة وتجسده الامامة الجامعة. الا
انه اصطدم
بواقع قائم في عهده، اذ ان الامامة لم تعد جامعة،
فقد وجد في
زمنه ثلاثة خلفا: عبد الرحمن الثالث الاموي في
الاندلس
وخلفاؤه، والمعز لدين اللّه الفاطمي في مصر
وخلفاؤه،
والخلفاالعباسيون في المشرق. وكان هدف الفاطميين
الاول
هو تهديم العباسيين باعتبارهم قداغتصبوا الخلافة
من آل
البيت اصحابها الحقيقيين((61)). لقد رجع ابو الحسن الماوردي الى نظرية الخلافة،
فقال: ان
الخلافة تاتي باسلوبين:
1 بالاستخلاف اي ان يسمي الخليفة من يريد ان يخلفه. 2 باختيار اهل الحل والعقد الذين يسميهم ((اهل
الاختيار)). وبعد المرحلة الاولى التي هي اما الاستخلاف او
الاختيار، يشدد
ابو الحسن الماوردي على الخطوة الثانية وهي
البيعة. فيقول:
((اذا اجتمع اهل الحل والعقد للاختيار وتفحصوا
احوال اهل
الامامة الموجودة فيهم شروطها، قدموا للبيعة منهم
اكثرهم
فضلا واكملهم شروطا ومن يسرع الناس الى طاعته ولا
يتوقفون عن بيعته))((62)). وبعدها تجري البيعة، اي ياتي الناس ليعلنوا
موافقتهم على من
اختاره اهل الحل والعقد اوعلى الذي استخلفه
الخليفة السابق
فتصبح البيعة ملزمة للشعب، وطاعة الخليفة
واجبة عليه في
كل امر مهما بلغ ظلمه الا اذا خرج عن الدين. لقد شاهد الماوردي قتل خليفة وعزل خليفة آخر قبل ان
يستخلفا احدا. فقد قتل السلطان معز الدولة (946)
الخليفة
المستكفي ونصب بعده الخليفة المطيع. ثم شاهد
السلطان
بهاالدولة يخلع الخليفة الطائع وينصب الخليفة
القادر. وكان
الحدثان فرصة نادرة ليخبرناالماوردي عن وضع نظريته
موضع
التطبيق في ما يتعلق بدور اهل الحل والعقد في
اختيارالخليفة
الجديد وتنصيبه. فمن هم الذين شكلوا اهل الحل والعقد في عهدي
السلطانين
معز الدولة وبها الدولة حين تنصيب الخليفة
المطيع ثم
الخليفة القادر؟ وكم كان عددهم؟ وهل مثلوا مختلف
المناطق والمذاهب؟ ومن دعاهم الى الاجتماع؟ واين
كان مقر
الاجتماع؟ وماهي اسما الذين كانواصالحين لمنصب
الخلافة
فاستعرضوهم ثم اختاروا منهم المطيع ثم القادر
بعده؟ وما
كان مدى حرية اهل الحل والعقد في هذا الاختيار؟
وكيف تم
الاختيار؟ بالاجماع؟ ام بالاكثرية؟ام باسلوب آخر؟
وكيف كانت
آلية عمل اهل الحل والعقد؟ وكيف كان المجتمعون
يحلون خلافاتهم اذا حصلت؟
لقد سكت الماوردي عن جميع هذه التفاصيل، في حين انه
يجعل مقولة ((اهل الحل والعقد)) الركن الاساسي في
نظريته
السياسية، ويبني عليها شرعية الامامة، بوصفها
وكالة عن الامة
الاسلامية. لقد اراد الماوردي ان يوفق بين نظرية الخلافة
الجامعة التي لم
يعد لها وجود، والمتمثلة بشخص الخليفة الذي فقد
عمليا كل
سلطة وبين السلطة الفعلية التي اغتصبها
السلاطين ومارسوها
مستقلين في مناطقهم. اما الشريعة فقد اصبحت مبدا
سلبيا،
بمعنى ان الحاكم كان يحاول ان لا يخالف اوامرها
لكنه لم يعد
يقتدي في سلوكه بتعاليمها اذا حالت دون تحقيق
مطامعه. لقد قال الماوردي: ان باستطاعة الخليفة ان يفوض
سلطته الى
امير. والغرض من ذلك المحافظة على الاساس القانوني
والشرعي للحكم الواقعي بكونه مستمدا من الخليفة
الذي يحتفظ نظريا بسلطاته السياسية والادارية وان
توقف عن
ممارستها عمليا. كما جعل الماوردي محور نظريته حض الناس على طاعة
الخليفة والسلاطين مهما اساؤواالا ان يخرجوا عن
الدين،
وذلك في غياب اي مبحث في حريات الناس وحقوقهم
وكيفية صيانتها والمحافظة عليها تجاه ظلم الخلفا
والحكام
وتعسفهم. ثانيا: نظرية الغزالي (1058 1111م)
اكد الغزالي ان وجود الامامة ضرورة للمسلمين، وان
اهم
واجبات الامام تطبيق الشريعة.وقال: ان السلطة في
الامة
الاسلامية هي ولاية من اللّه خاضعة لمشيئته، وهذا
يستتبع
وجودامام مطاع. اما من يكون وما هي صفاته وكيف
يستولي
على السلطة، فان الغزالي عد كل ذلك امورا ثانوية
وافتى بانه
يمكن التخلي عن شروط الفقها السابقين المتعلقة
بصفات الامام وطريقة تنصيبه وضرورة ان يكون تقيا عادلا نزيها، اذا كان التمسك
بهذه الشروطيؤدي الى
اختلاف الامة. وبذلك اصبحت الشرعية تحتاج الى شرطين فقط:
1 حيازة الامام على قوة عسكرية كافية تمكنه من القبض
على
السلطة والبقا فيها. 2 ان يكون مسلما.
ويرى الغزالي ان اية امامة هي افضل من غيابها واية سلطة افضل من توزع الارا((63)). امابالنسبة للحكم السياسي
فيرى
الغزالي ان اي حاكم، ولو كان مغتصبا للحكم بقوة
السلاح والت آمر ومهما كان مصدر سلطته، هو افضل
من
الفوضى التي تنشا في حال غيابه. اما في موضوع الطاعة للحكام، فقد ذهب الغزالي الى
القول
بطاعة الحاكم الظالم وعدم جواز عزله اذا كان ذلك
يؤدي الى
اختلاف الارا والنزاع. كما ان العمل على ازالة
حاكم جائر
واستبداله بحاكم عادل هو امر مرذول. وقد طلع الغزالي بنظرية تقول ان وجود سلطان قوي الى
جانب خليفة ليس له شي ء من السلطة هو ضمانة لتمكين
الخليفة من الدفاع عن الاسلام ونشره في العالم((64)). ثالثا: نظرية ابن جماعة: (1241 1222م)
يقول ابن جماعة ان وجود الحاكم ضرورة دينية، اذ من
دونه لا
يوجد عدل في الارض، وهوظل اللّه وطاعته واجبة دينا
ايما
كان، اي انه لم يعد من الضروري ان يكون الخليفة
من قريش. وعليه اذا قام من يطالب بالامامة، وليست لديه
الصفات اللازمة،
واجبر المسلمين بالقوة وبوساطة جيوشه على
الاعتراف به من
دون بيعة او استخلاف، فان سلطته تصبح شرعية وطاعته
واجبة للمحافظة على وحدة المسلمين. وهذا واجب وان
كان
الحاكم شريرا. فاذاتسلط احدهم بهذا الشكل، ثم قام
آخر وتغلب
عليه بقوة عسكرية، فان طاعة الثاني تصبح واجبة،
ويجب ان
يكون المسلمون مع اي حاكم يستولي على السلطة((65)). ويرى ابن جماعة انه لم يعد من الضروري الاهتمام
بكيفية
وصول الحاكم الى السلطة بالاختيار او بالاغتصاب،
فطاعته
واجبة في الحالتين حتى تبقى الامة متماسكة
ومتضامنة،واذا
استولى سلطان على بلاد بالقوة فعلى الخليفة ان يفوض
اليه
الامور وان يدعو الرعية لطاعة الحاكم الجديد لئلا
تنقسم الامة
وتضعف. فاذا اخطا السلطان وظلم فلا يجوز خلعه لئلا
تضطرب
الامة((66)).
رابعا: نظرية ابن تيمية: (1262 1228م)
تخلى ابن تيمية عن ضرورة وجود امامة جامعة شاملة
لجميع
المسلمين، واعترف بشرعية قيام امارات متعددة
تجاوبا مع
مقتضيات عصره، واوصى المسلمين بوجوب طاعة حكامهم
وجوبا دينيا حفاظا على تطبيق الشريعة، وقد سار في
موضوع
الطاعة على نحو ماقاله الغزالي والماوردي وابن
جماعة((67)).
استنتاج
نستنتج من هذه النظريات الاربع ان الشورى السياسية
كانت
غائبة، لا بل كانت مستبعدة عمدا في النظرية كما في
التطبيق،
وبالتالي فان محاولة اظهار ان الشورى، بوصفها
نظاماسياسيا
ونظرية، هي مبدا اسلامي ثابت هو امر غير دقيق وغير
واقعي. المبحث الخامس
اهل الحل والعقد
لقد انتشرت، في وقت من الاوقات، عبارة ((اهل الحل
والعقد))، فما هي حقيقة هذه الجماعة؟ ليس هناك من
اتفاق
بين الفقها حول تحديد اهل الحل والعقد. فقد ذهب فريق من الفقها الى انهم هم الذين تختارهم
الامة
من اهل العدالة والعلم والراي وتتبعهم في امورها
العامة واهمها
اختيار رئيس الدولة((68)). وذهب فريق آخر الى انهم هم اهل العلم والقرآن. وذهب فريق ثالث الى انهم اولو العقل والراي الذين
يدبرون امر
الناس((69)).
وقد حدد الماوردي اهل الحل والعقد بشروط معينة لا
تبعد
كثيرا عن شروط ابي يعلى،وسماهم اهل الاختيار من
العدالة
والعلم المؤدي الى معرفة من يستحق الامامة اذا
توافرت شروطها، والراي والحكمة المؤديان الى
اختيار من
للامامة اصلح، وتدبير الامور اقوم واعرف((70)). ويرى بعض المفكرين المحدثين ان اهل الحل والعقد قد
تشعبت بهم المهام وتعقدت،بحكم تنوع مطالب الحياة
وتكاثر
مرافقها ومصالحها العامة في عصرنا الحاضر، نتيجة
للتقدم العلمي والتقني بوجه خاص، مما لا يستقيم
ابدا اغفال
امره، وعدم اعطائه ما يستحق من التقدير والاعتبار
في تدبير
شؤون الحكم والسياسة، وهؤلا منوط بهم تدبير هذه
المصالح على الوجه الاجدى والاكمل، ولا يتم ذلك
عقلا الا ان
يتوافر فيهم من الشروط ما يمكنهم من تحقيق الغاية
من
وجودهم وان تراعى تلك الشروط عند اختيارهم والا
كانت
جماعة مفرغة من المؤهلات التي هي اساس اسناد الامر
اليها
شرعا، وذلك غير جائز لانه توسيدالامر الى غيره...((71)). ويرى الشيخ محمود شلتوت انه ليس اولو الامر خصوص
المعروفين في الفقه الاسلامي باسم الفقها
والمجتهدين الذين
يشترط فيهم ان يكونوا على درجة خاصة من علوم
اللغة وعلوم
الكتاب والسنة، فان هؤلا لا تعدو معرفتهم في
الغالب هذا
الجانب، ولم يالفواالبحث في تعرف كثير من الشؤون
العامة،
كشؤون السلم والحرب والزراعة والتجارة
والادارة والسياسة،
نعم هم كغيرهم لهم جانب خاص، يعرفونه حق المعرفة،
وهم
ارباب الاختصاص واولو الامر فيه، وهو ما يتصل من
التشريعات
العامة باصول الحل والحرمة في دائرة ما رسم القرآن
من قواعد
الشريعة((72)).
وقد اكد هذا المعنى ايضا الشيخ عبد الوهاب خلاف((73)). اننا نرى ان نظرية اهل الحل والعقد هي نظرية خيالية
وهمية
ليس لها سند في الواقع الاسلامي، ولم يلتفت اليها
الخلفا
والسلاطين، واذا استثنينا اللجنة التي جمعها
الخليفة عمر بن
الخطاب ورتبها بشكل يستبعد حصول علي بن ابي طالب
على
الخلافة، لا نجد في التاريخ الاسلامي ذكرا
لاجتماع اهل الحل
والعقد في اي عهد قديم او حديث. اما البيعة فلم تكن
الا تغطية
لامر واقع، وهو سوق الناس الى اظهار القبول بمن
تسلط على
الحكم والخلافة. المبحث السادس
الشورى هي المشورة
مما لا شك فيه ان القرآن جعل من المسلمين في مكة
مجتمعا
متضامنا متكاملا تضم افراده روابط الاخوة
والتضامن، ويجمعهم
الايمان باللّه وعبادته، سبحانه، باقامة الصلاة
والتعاون بتبادل
المشورة((74)).
ان الاية الكريمة (والذين استجابوا لربهم واقاموا
الصلاة وامرهم
شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) تتعلق بالمعنى
الاجتماعي التضامني، ولا تتضمن امرا للخليفة او
الوالي او
الحاكم بالاستماع الى الشورى والتقيد بمضمونها،
وانما وكما
سبقت الاشارة تشرح هذه الاية وضعية معينة كان
عليها
الانصار قبل الاسلام واستمروا عليها بعده من حيث
التشاور في
مابينهم على ما يعرض عليهم من الامور. اما في ما يتعلق بالاية: (فبما رحمة من اللّه لنت لهم
ولو كنت
فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر
لهم
وشاورهم في الامر) فهي تتعلق بالمشورة بامر الحرب. يرى انصار نظرية الشورى السياسية ان هاتين الايتين
قد
احاطتا بجميع الموضوعات المتعلقة بتطبيق مبدا
الشورى في
الاسلام، من حيث ماهيتها واهميتها وشمولها
ووجوبها.وهم
يعللون هذه النظرية بان الايتين المذكورتين الاولى
منهما
مكية والثانية مدنية، الامرالذي يعني حسب رايهم
شمول مبدا
الشورى لكل تنظيم للمجتمع الاسلامي في
جميع مراحله
وظروفه((75))
ويضيفون ان آية الشورى كانت تخاطب
المسلمين عامة، بوصفهم افرادا في المجتمع، وتذكر
صفاتهم
والخصائص المميزة لمجتمعهم، واولها وحدة
العقيدة والعبادة،
ويليها التعاون في شؤونهم العامة عن طريق التشاور.
اما الثانية
فكانت تخاطب الرسول(ص) بعد ان اقام الدولة
الاسلامية
المستقلة في المدينة برئاسته، وهي تامره بان تكون
الشورى
اساس علاقة الحاكم بالمحكومين حتى ولو كان هذا
الحاكم
نبيا مرسلا يتلقى الوحي من السما((76)). في الحقيقة انه لا يمكن ان يستفاد من هاتين الايتين
نظرية
عامة وشاملة للنظام السياسي للجماعة الاسلامية.
ذلك انه في
نظرنا ان آية الشورى في العهد المكي لا يمكن ان
تكون اساسا
لنظرية عامة في الشورى كما يرى بعض المفكرين، لان
القرآن
الكريم عندما وصف المجتمع الاسلامي في مكة ما كان
يشير
الى ان تنظيم امور الجماعة يكون بقرارات
سياسية جماعية، اذ
ان هذه الاية لا تتضمن امرا للحاكم بالاستماع الى
الشورى
والتقيد بها وانماتشرح وضعا اجتماعيا معينا كان
موجودا لدى
الانصار قبل الاسلام واستمروا عليه بعده من حيث
التشاور، واذا
كانت هذه الاية قد وصفت المسلمين بان امرهم شورى
بينهم
فقدقصدت من ذلك انه من واجب الجماعة المسلمة ان
تتشاور كلما واجهت امرا من الامورمن دون ان يكون
قرار
الجماعة ملزما لافرادها. ان كثيرين من فقها الاسلام القدامى والمحدثين
يرون ان
الشورى غير ملزمة((77)).فالقائلون بالالتزام فقها
والرافضون
للالتزام فقها، فما العمل؟
يستند القائلون ان الاسلام امر بالشورى، بوصفها
نظرية
سياسية، الى ان الرسول(ص)استشار اصحابه في بعض
المسائل
وقبل رايهم في مناسبات اخرى، وفعل بعض
الخلفاالراشدين
مثل ذلك فاكتسبت الشورى برايهم شرعية ملزمة((78)). لكن
ذاك قد يوجدالتباسا بين الشورى والمشورة وشتان ما
بين
الفكرتين من تباعد، اذ ان استطلاع راي
الناس والاستماع اليهم
او قبول اقتراحاتهم يسمى مشورة، اما الشورى فهي
نظام
سياسي متكامل يتضمن القواعد التي تنظم مشاركة
المواطنين
في الحكم وكيفية مراقبة الحكام ومحاسبتهم،وليس في
المشورة شي ء من هذا. خلاصة البحث
لقد احاط الوهم موضوعات عديدة في اطار الفكر
الاسلامي،
ومنها موضوع الشورى الذي نحن بصدده. فالشورى، بوصفها نظاما سياسيا يتضمن القواعد التي
تنظم
مشاركة المواطنين في الحكم وكيفية مراقبة الحكام
ومحاسبتهم، غير موجودة لا في النصوص ولا في
التطبيق،
وكل ما في الامر هو ان لبسا لفظيا حمل بعض الفقها
على
تحميل اللفظ ما لا يحتمل، اذ ان لفظ الشورى الوارد
في القرآن
الكريم يقصد به المشورة، وهو المعنى الدقيق الذي
عناه
القرآن الكريم ومارسه الرسول(ص) وجرى تطبيقه لاحقا
في
مراحل التاريخ الاسلامي، في حين ان الشورى،
بوصفها نظاما
سياسيا، لم تعرف مكانا الا في اذهان من روج لها
ونادى بها. ان جميع السوابق العلمية الواردة في كتب التراث عن
حقبة
النبوة كانت حالات استشارة ومشورة، حيث كان
الرسول(ص)
يعود اصحابه على طلب المشورة من ذوي
الخبرة والاستماع
الى نصائح ذوي الراي، ومن اهم امثلة ذلك استماعه
الى
مشورة الحباب بن المنذر في غزوة بدر اذ اشار بان
ينزلوا اقرب
الى ما بدر، ليمنعوا عدوهم من الاستفادة به،ولم
يكن هذا قرار
الجماعة، ولكنه قرار من النبي(ص) بوصفه قائد الجيش،
بعد
استماعه لمشورة واحد من خبرائه، والامر كذلك في غزوة الاحزاب، اذ اشار سلمان
الفارسي بحفرخندق لتحصين المدينة فاخذ الرسول بهذه المشورة التي قدمها له احد
الخبرا((79)).
وعليه، فان المفهوم الجديد الذي ندعو الى نشره بصدد
الشورى، هو المفهوم الحقيقي والواقعي الذي يستند
الى ركائز
من القرآن والسنة والتاريخ السياسي الاسلامي. فلم يعد من الجائز اقامة نظريات وهمية في اطار
الاسلام، غير
مبنية على اسس صحيحة من النصوص والواقع. واذا كان بعض المفكرين قد اخذ بمبادى الديموقراطية
السائدة
في الغرب، الامر الذي حمله على تحميل مبادىء
الاسلام ما لا
تحتمل، فعمد الى الفاظ وردت في القرآن الكريم مثل
لفظ
((الشورى)) وحاول الباسها لباسا فضفاضا فابتدع هيكلا
لنظرية
شاملة في ذهنه،وحاول مقارنتها بما يقابلها في
الغرب، الا ان
الغريب ان احدا من المفكرين الاسلاميين لم يحاول
ان يضع
الامور في نصابها، وكان اقحام مفاهيم لا علاقة لها
بالاسلام
وادخالها عنوة في اطار الفكر الاسلامي يعتبر في
نظر بعض
المفكرين كسبا ومجدا، مع ان مجد الاسلام يكمن في
مبادئه
الانسانية البسيطة. ان هذا النمط المرضي من التفكير هو دا وبيل اصاب
الجماعات الاسلامية، وهو ناجم في احد اسبابه عن
اشتغال غير
المتخصصين في قضايا الفكر الاسلامي في الحقل
الاسلامي،الامرالذي نتجت عنه آرا ونظريات لا اساس
لها ولا
مرتكزات. ان كل ما تضمنه لفظ الشورى عبارة عن المشورة، او
الاستشارة لذوي الخبرة في المجالات التي لهم فيها
خبرة،
وهذا امر بديهي ومطلوب، اما الشورى: نظرية ونظاما
سياسيا،
فليست من الاسلام في شي ء، واذا اراد بعض المفكرين اعتناق مبادىء الديموقراطية الغربية،فليبحثوا عن وسيلة
مباشرة
اخرى توصلهم الى هذا الهدف، من دون تحريف لايات
القرآن الكريم ولا تزوير لوقائع التاريخ
الاسلامي. الاسلام وقوانين البيئة
الدكتور محمد طي
مدخل
لم تكن المشاكل البيئية مطروحة، في يوم من الايام،
بالشكل
الذي تطرح فيه اليوم، والسبب هو ان هناك تهديدا
شاملا لوجود
الانسان على وجه الارض، ناجم عن التدمير واسع
النطاق الذي
يطال الكرة الارضية، بجمادها ونباتها وحيوانها،
وفي برها
وبحرها وجوها. وقد اصبح هذا التدمير ممكنا بسبب ما وفرته الثورة
الصناعية
اولا، ثم الثورة التكنولوجية ثانيا، من امكانات
هائلة للانسان
ضاعفت طاقاته آلاف المرات بل وملايينها، ومكنته،
في استغلاله للطبيعة، من ان يضاعف تدميرها بالقدر
نفسه. فبعد ان كان نشاطه يطال كميات من الثروات
المنجمية،
ويؤدي الى انتاج كميات من النفايات تستطيع الطبيعة
استيعابهابسهولة، اخذ اليوم، ومنذ عقود عديدة،
يستنفد موارد
الارض بوتائر عالية جدا، الامر الذي يهدد هذه
الموارد، كما اخذ
يبدد موارد الفضا من الاوكسجين بشكل خاص، وينفث
فيهاملايين الاطنان من الغازات التي ادت الى تشويه
في
الغلاف الجوي، وخرق للحجاب الحامي للحياة على
الارض،
وبخاصة غلاف الاوزون، الذي تتزايد مساحة الفجوة
التي حصلت فيه بوتائر سريعة بلغت العام الماضي 6،31%
زيادة
عما كانت عليه قبلا، اذ زادت من 19 مليون كم الى 26
مليون
كم ناهيك عما يصيبها من ترقق في اماكن كثيرة، الامر
الذي كان لا يبلغه الخيال في القرون الخالية. من هنا بدات المجتمعات الانسانية وضع تشريعات
لحماية ما
تبقى من المحيط الذي يعيش الانسان في كنفه، قبل ان
تعم
الكارثة. ولما كانت حضارتنا الاسلامية تواجه، احيانا كثيرة،
بالممانعة،
الفكر الغربي وتفريعاته ومبتكراته وفي مقدمها
الحقوق الوضعية،
لذلك فاننا نحاول في هذا البحث ان نستقرى مصادر
الشريعة
الاسلامية لنرى هل تهتم بهذه المسالة الحاسمة
بالنسبة الى
وجود الانسان على وجه الارض، ام لا. وكانت خطتنا، في هذا البحث، ان نستقصي فصول
القوانين
البيئية العصرية محاولين معرفة موقف الشريعة
السمحة من كل
منها. على ان ما لابد من التشديد عليه هو ان هناك
قاعدتين كليتين في الشريعة، يمكن ان تشكلا الاساس
للموقف
البيئي، اولاهما قاعدة ((لا ضرر ولاضرار))((80))
التي تمنع
الحاق الاضرار عامة بالاخرين، وثانيتهما قاعدة
((درء المفاسد
اولى من جلب المنافع))((81)) التي تحرم على الانسان ان
يسعى الى منفعة نفسه بالاضرار بغيره. ولما كانت القوانين البيئية تركز على نقا الهوا
والمياه: البحرية
والعذبة، والارض، ظاهرهاوما تحت السطح، وتتصدى لكل
من
يضربها((82))
فاننا سوف نعالج هذه العناوين
محاولين التفصيل ما امكن. الهوا
يمثل الهوا العامل الرئيس لاستمرار الاحيا، لان
التغذية لا
تقوم من دونه، فالاوكسجين عنصر اساسي في تغذية
الحيوان
والانسان، وبمركباته هو عنصر اساسي في تغذية
النبات،والازوت لا يقل اهمية في ما يخص النبات كما
هو
معروف. واذا كان تركيب الهوا يقوم على الازوت والاوكسجين
اساسا،
وعلى آثار من غازات اخرى اهمها ثاني اوكسيد الفحم،
فان اي
خلل مهم في هذا التركيب يؤدي الى نتائج خطيرة،
فاذانقص
الاوكسجين من حوالى 21% الى 16% تصبح الحياة الانسانية
والحيوانية صعبة، وهوان هبط الى 6% فما دون تصبح
مستحيلة، كما ان نقص الازوت يؤدي الى نتائج مدمرة. اما زيادة نسبة ((اوكسيدات)) الفحم فهي تؤدي الى
اختناق
الانسان والحيوان، من هنا ضرورة بقا التوازن.
وهذا التوازن
كان مؤمنا في السابق، اذ ان الاشجار والنباتات
عموما كانت
قادرة على تفكيك ثاني اوكسيد الفحم واعادة اطلاق
الاوكسجين. اما اليوم، فقد اصبح تركيب الهوا مصابا بالخلل الى
حد كبير،
فوقود المصانع ونشاطهايدفعان الى الفضا كميات
هائلة من
((اوكسيدات)) الفحم والكبريت وغيرها، الى الحد
الذي ادى
كما اشرنا الى تمزيق الغلاف الاوزوني حول الارض،
واخذ
يعرضها للاشعة ما وراالبنفسجية الضارة، التي
تسببت
بتغييرات مناخية قد تكون خطيرة في مدى غير بعيد.
|
|---|