الصفحة السابقة

الصفحة التالية

تدبروا الحديث الشريف، واسحبوا دلالته على تاريخنا المعاصر، وانسوا اربعة عشر قرنابشؤونها وشجونها: هل مات ابو سفيان حقا؟ ابدا، لم يمت، ولن يموت، انه لغم الكفروالضلال يفجرونه بشيعة اهل البيت، يفجره المعسكر الواحد: الصهيونية والغرب والانظمة العميلة، فجره بالشيعة في سورية والعراق وايران ابو سفيان العراق، وها هو ابو سفيان العربي الباكستاني الامريكي الصهيوني يتفجر بشيعة اهل البيت في افغانستان حقدا مزمنا،فيتشظ ى قتلا وحرقا وذبحا بالسكاكين تحز اعناق الشيوخ والنسا والاطفال في (مزارشريف) وغيرها.

المسلمون اليوم ممزقون، فمن مزقهم، ومن يمزقهم؟ انه الشرك المستمر ماثلا بالرجال وباطنان المجلدات الزاخرة بالوضع والكذب والتدليس (مصطلحات علم الحديث) قوامهاالافتئات على السيرة الشريفة وسيرة اهل البيت(ع) وتزوير العقيدة، ولم يعد خافيا على مثقف واحد قرا من التراث ولو كتابا واحدا ان معاوية اشترى آلاف الذمم الفارغة والوجدانات المعطلة، فوضعوا له دينا بديلا، سنة بديلة، ومن ههنا بات الاسلام الحق غريباعلى ذلك الفريق والحاقه.

قبل المغول وبعدهم السيد حسن الامين مسلمتان تحتاجان نقاشا كتب احمد عثمان، في احدى الصحف، مقالا جا مفتتحه ما يلي: ((من المؤكد ان شعبناالعربي يعيش الان مرحلة من الغيبوبة الفكرية، تعود في رايي الى فقدان الذاكرة الثقافية وعدم الوقوف على ارض التراث الحضاري العرقي لامتنا. فبعد نهضة فكرية عمت ارجاالدولة الاسلامية، منذ بدايتها، واستمرت بعد ذلك الى ان سقطت بغداد والاندلس في القرن الخامس عشر، مرت بنا مرحلة جديدة خيم فيها الظلام الفكري على عالمنا العربي خلال خمسمئة عام من الحكم العثماني المتحجر ومن سيطرة الاستعمار الاوروبي الحديث، ما جعلنا نتخلى عن تاريخنا القديم، فلا نعود نذكر منه شيئا. لهذا فعندما ياتي مفكر عربي ويحاول اعادة فتح الملفات القديمة واعادة مناقشة المسلمات الخاطئة من ماضينا يكون من الضروري الاهتمام باقواله ومناقشتها بطريقة موضوعية، فهذه هي الوسيلة الوحيدة لفتح الطريق امام ميلاد حضارتنا الجديدة...)).

اريد ان اقرر، هنا، ان هذا الكلام هو من افضل ما قرات في تشخيص ادوائنا وتبيان عيوبنا،وما نعيش فيه، نحن العرب، في هذا العصر من هوان وارزا وتخبط وعشوائية.

وبهذا المقياس الذي حدده الكاتب الفاضل، اريد ان اناقش بعض ما ورد في كلامه، وما دام هو الذي حدد المقياس فسارى مقدار اخذه هو نفسه به، واخذ قرا مقاله الذين اعتقد ان جمهورهم مسلم له بما قال...

لقد انطلق الكاتب من مسلمة هي من صميم ما لا يجب ان يكون من مسلماتنا، وعندماساسترسل في تبيان رايي في هذا الشان آمل منه، ومن جمهور القرا الذين اعتقد كما قلت  بانهم مسلمون له بما ارتاى ان ((يناقشوا بطريقة موضوعية))، لا بالتصايح والاستنفاروالتحريض والعويل، كما فعل بعضهم عند ابدا راي معين في بعض الشخصيات التاريخية! 1 النهضة الفكرية لم تستمر حتى سقوط بغداد...

يقول الاستاذ احمد عثمان: ((فبعد نهضة فكرية عمت ارجا الدولة الاسلامية منذ بدايتها،واستمرت بعد ذلك الى ان سقطت بغداد والاندلس)).

وازعم ان الامر هو على عكس ما قال الكاتب، فالنهضة الفكرية لم تستمر حتى سقوط بغدادوالاندلس، بل هي تدهورت قبل ذلك بكثير، وكان سقوط بغداد والاندلس النتيجة الحتمية لذلك التدهور. وساترك الان الحديث عن سقوط الاندلس وعوامل ذلك السقوط،وساقتصر على الحديث عن الحال قبل سقوط بغداد وما كانت عليه حال العرب والمسلمين من تضعضع وتاخر وانحطاط، وكيف كانوا بعيدين كل البعد عن ((النهضة الفكرية))، منغمرين في ((الظلام الفكري... المخيم على عالمهم)).

وما دام الكاتب قد جعل الحد الفاصل سقوط بغداد، فلن نبعد عن زمن هذا السقوط لنرى كيف كانت حال العرب والمسلمين قبيل السقوط، ونترك الحديث عن حالهم في ما هو ابعدمن ذلك الزمن.

في الوقت الذي كانت جحافل المغول، بقيادة هولاكو، تتحفز للانقضاض على العالمين الاسلامي والعربي مخططة لاستئناف الغزو الاول الذي كان بقيادة جنگيز. في هذا الوقت بالذات لم ير فريق من الناس في وثنيته المغول الحادا، وانما راوا هذا الالحاد في عقيدة فريق من مواطنيهم المشاركين لهم في الاخذ باصول الاسلام. واصبح هم المسلمين لاالعمل على التخطيط للمستقبل القريب والبعيد، والاعتبار من الماضي بالتفكير في تنظيم القوى الاسلامية وجمع صفوفها لتكون سدا منيعا في وجه غزو مغولي جديد متوقع في كل ساعة، لم يصبح همهم هذا، بل كان همهم كيف نقضي على من لا يرون راينا في بعض الفروع الاسلامية.

كان ((منكوقاآن))، حفيد جنگيز، هو الذي انتهت اليه خلافة جده، وكان هو الحاكم الذي تسيرباشارته جيوش المغول في كل مكان، وكان له عدة اخوة يقودون جيوشه ويحكمون باسمه، احدهم هولاكو.

على ((منكوقاآن)) هذا كان يتردد ((قاضي قضاة المسلمين شمس الدين القزويني)). وكان هم هذا القاضي ان يثير حفيظة الامبراطور المغولي على من لا يرون من المسلمين رايه في بعض الشؤون، ويحرضه على اقتحام بلادهم، فلم يترك وسيلة من الوسائل الا استغلهالانجاح مقصده.

يقول رشيد الدين الهمذاني في كتابه ((جامع التواريخ)): ((في ذلك الوقت كان قاضي القضاة المرحوم شمس الدين القزويني موجودا في بلاد الخان. وذات يوم ظهر للخان مرتدياالزرد، واخبره انه يلبسه تحت ثيابه خشية الملاحدة.. وكان الخان يتوسم في اخيه هولاكومخايل الملك ويرى في عزائمه مراسم الفتح والغزو. وكان قد تفكر فراى ان بعض ممالك العالم قد دخل فعلا في حوزة جنگيز وبعضها لم يستخلص بعد))((150)). ويقول الجوزجاني: ((ان شمس الدين هذا كان على اتصال بالمغول، وكان اماما وعالما كبيرا،ذهب مرة الى منكوخان وطلب منه ان يضع حدا لشر الملاحدة، ويخلص الناس من فسادهم)).

ويقول الجوزجاني ايضا: ((ان كلمات هذا القاضي كان لها اثر عميق في نفس منكوخان...))((151)).

هذا بعض ما حفظه المؤرخون من تحريض قاضي قضاة المسلمين ((الامام العالم الكبير)). اماما لم يحفظوه فلا شك انه شي ء كثير.

وتعقيبا على تحريض القاضي يقول صاحب ((جامع التواريخ)): ((فاستقر راي منكوخان على ان يعهد بكل طرف من المملكة الى واحد من اخوته ليخضعها لارادته)).

وكان العراق من نصيب هولاكو الذي انتهى الى ما انتهى اليه من الوصول الى بغداد.

اظن ان الاستاذ احمد عثمان يسلم بان تحريض قاضي قضاة المسلمين، ((الامام العالم الكبير))، والملقب فوق ذلك بشمس الدين، للمغول ليس من ((النهضة الفكرية)). وان تجاهل هذا هو من ((مرحلة الغيبوبة الفكرية)).

وقبل ذلك ماذا جرى في بغداد نفسها؟ كان قائد الجيش الدوادار وابن الخليفة يقودان الجنود في هجومهم على محلة الكرخ في بغداد، فينتهبون ويقتلون ويرتكبون العظائم وياسرون البنين والبنات...

وهذا ايضا ليس من النهضة الفكرية والسكوت عنه غيبوبة فكرية..

وحين نوغل في النظر الى مواقع اخرى، قبل سقوط بغداد، فاننا نرى ما كانت عليه حالة الجيش المفروض انه هو الذي يحمي البلاد ممن يريد بها شرا، سوا كان هذا الشر نابعا من الداخل ام متدفقا من الخارج: جا في كتاب ((الحوادث الجامعة))، لدى الحديث عن وقائع سنة 650 فيها فارق كثير من الجند بغداد لانقطاع ارزاقهم ولحقوا ببلاد الشام))((152)).

وقد وصف كتاب الحوادث ما جرى بما يلي: ((وفي شعبان حضر جماعة المماليك الظاهرية والمستنصرية عند مشرف الدين اقبال الشرابي للسلام على عادتهم، وطلبوا الزيادة في معايشهم وبالغوا في القول والحوا في الطلب، فرد عليهم وقال: ما نزيد منكم بمجرد قولكم،بل نزيد منكم من نزيد اذا اظهر خدمة يستحق بها، فتفرقوا الى ظاهر السور وتخالفوا على الاتفاق والتعاضد، فوقع التعيين على قبض جماعة من اشرارهم فقبض منهم اثنان وامتنع الباقون وركبوا جميعا وقصدوا باب البدرية ومنعوا الناس من العبور، فخرج اليهم مقدم البدرية وقبح لهم هذا الفعل فلم يلتفتوا اليه، فنفذ اليهم سنجر الباغر فسالهم عن سبب ذلك، فقالوا: نريد ان يخرج اصحابنا وتزاد معايشنا. فانهى سنجر ذلك الى الشرابي، فاعادعليهم الجواب: ان المحبوسين ما نخرجهما وهما مماليكنا نعمل بهم ما نريد، ومعايشكم مانزيدها فمن رضي ذلك يقعد، ومن لم يرض واراد الخروج من البلد فنحن لا نمنعه...)) الخ.

وقد حرصنا على ان ننقل هذا النص بكامله لنري القارىء حال الجيش في بغداد وما هوعليه من التشرذم والتمزق.

ونكرر القول، للمرة الثالثة، ان هذا ((ليس من النهضة الفكرية))، وتجاهله ((مرحلة من الغيبوبة الفكرية)).

وما ذكرناه في ما تقدم يمثل ثلاث حالات من حالات الامة في ثلاثة مواقع من ادق مواقعها،مما هو غير بعيد عن زمن سقوط بغداد.

2 النهضة الفكرية بعد سقوط بغداد هذه اولى المسلمات التي رآها الكاتب وهي ليست كذلك. اما الثانية فهي قوله في وصف مابعد سقوط بغداد: ((مرت بنا مرحلة جديدة خيم فيها الظلام الفكري على عالمنا العربي)).

وانا اخالفه في هذا القول، وارى فيه اهتضاما لرجالاتنا الكبار الذين قدر لهم ان يروا سقوط بغداد، فهبوا لايقاف تيار التدهور، ولم يستسلموا للواقع المرير، وتغلغلوا في الوسط المغولي المنتصر، فقلبوا النظرية القائلة ان الشعب المغلوب يتاثر بالشعب الغالب وينطبع بطابعه، فجعلوا الشعب الغالب هو المتاثر بالشعب المغلوب والمنطبع بطابعه حتى لقداحالوا المغول الوثنيين الهدامين الى مسلمين بنائين! وعلى راس هؤلا بطل الاسلام في عصره ((نصير الدين الطوسي)) الذي تولى زمام قيادة المقاومة الفكرية، بعد ان ايقن باستحالة المقاومة العسكرية، فكتب له الانتصار في هذه المقاومة، وعاد الامر امر نهضة عربية اسلامية شاملة قل نظيرها.

اما منهجه ففي ما ياتي بعض خطوطه: لقد وقع نصير الدين هو وطبيبان في قبضة هولاكو فيمن وقعوا عند استيلائه على قلاع الاسماعيليين، فقتل هولاكو جميع الاسرى واحتفظ من بينهم بهؤلا الاسرى الثلاثة.

فقدكان بحاجة الى اطبا، وكان بحاجة الى عالم فلكي يحقق له رغبته في انشا مرصد كبير،فوجد بغيته في الطبيبين وفي نصير الدين الذي كان في عصره من اشهر علما الرياضيات والفلك، فنجا الثلاثة من القتل بفضل العلم وحاجة هولاكو الى هذا العلم، واستصحب هولاكو الثلاثة معه في رحلته الفتوحية منذ فتح قلاع الاسماعيليين حتى فتح بغداد وما بعدبغداد. واذا كان قد استفاد من صحبة الطبيبين، فانه لم يكن مستطيعا الاستفادة من نصيرالدين قبل استقرار امره.

واستغل نصير الدين حاجة هولاكو اليه، فاحكم امره معه حتى لقد استطاع ان يروضه كمايقول احد المؤرخين: ((استطاع، بتاثيره على مزاج هولاكو، ان يستحوذ تدريجا على عقله وان يروض شارب الدما))((153)).

وكما يقول مؤرخ آخر: ((علت منزلته عند هولاكو فكان يطيعه في ما يشير به عليه))((154)).

اما تطبيق المنهج فقد سار به نصير الدين خطوة بعد خطوة كما يلي: اقنع هولاكو بان يعهد اليه بالاشراف على الاوقاف الاسلامية والتصرف بمواردها بما يراه،وتطلع نصير الدين فراى ان المسلمين كانوا قد وصلوا من الانحلال الفكري الى حد اصبح العلم عندهم قشورا لا لباب فيها، وانهم حصروا العلم في شي ء من الفقه والحديث،وانصرفوا عن العلوم العملية انصرافا تاما، فاعلن افتتاح مدارس لكل من الفقه والحديث والطب والفلسفة. وانه سيتولى الانفاق على طلاب هذه المدارس، ولكنه جعل لكل واحدمن دارسي الفلسفة ثلاثة دراهم يوميا، ولكل واحد من دارسي الطب درهمين، ولكل واحدمن دارسي الفقه درهما، ولكل واحد من دارسي الحديث نصف درهم.

فاقبل الناس على معاهد الفلسفة والطب، بعدما كانت من قبل تدرس سرا! احرز نصير الدين الطوسي النصر الاول في معارك الاسلام والعروبة، فالعلم لن ينقطع بعداليوم، ولن يتوقف العرب والمسلمون عن طلبه.

ثم انصرف يخطط للمعركة الكبرى الكاسحة، هنا تبدو براعة الطوسي، فهولاكو استبقاه لغاية معينة، فراح يقنع هولاكو بانه من اجل استمراره في عمله والاستفادة من مواهبه في انشا المرصد لابد له من مساعدين اكفيا يستند اليهم في مهمته الشاقة، وانه لا مناص من اجل ذلك من ان يجمع عددا من العلما سوا في البلاد المحتلة ام في خارجها، فوافق هولاكو على ذلك.

يقول ابن الفوطي، وهو المؤرخ المعاصر لتلك الاحداث، في كتابه ((مجمع الاداب)): ((اتفق الحكما الخمسة، سنة 657 على مرصد مراغة ورئيسهم نصير الدين الطوسي، وهم فخرالدين الخلطي وفخر الدين محمد بن عبد الملك المراغي ومؤيد الدين العرضي ونجم الدين القزويني. وهؤلا هم الذين اختارهم نصير الدين وانفذ هولاكو في طلبهم)).

وهكذا بعد ان تشتت العلما خشية مما يمكن ان يصيبهم من الشر عادوا بدعوة من هولاكونفسه يتجمعون في بغداد من جديد. ولم يستدع العلما الذين هاجروا من بغداد وحدهم،بل استدعى العلما من كل قطر اسلامي وبلد عربي، وهؤلا العلما الخمسة الذين جعل منهم نصير الدين الطوسي قيادة علمية بارعة كانوا من اقطار شتى، ونذكر مثلا ان مؤيد الدين العرضي من بينهم كان دمشقيا. ويقول الدكتور جعفر خصباك: ((واخذت شخصية البلادالثقافية الناتجة من تراثها الغني العميق تعود الى الظهور من جديد، كما ظهر بنو العباس وصارت لهم نقابة خاصة بهم)).

وبعد ان نظم نصير الدين القيادة تنظيما محكما، اختار رسولا حكيما هو فخر الدين لقمان بن عبداللّه المراغي، وعهد اليه بالتطواف في البلاد الاسلامية ودعوة العلما المهاجرين من العراق الى العودة اليه، ثم دعوة كل من يراه متفوقا في علمه وعقله من غير النازحين.

مضى العمل منظما دقيقا، واختيرت مدينة ((مراغة)) لاقامة المرصد، فانصرف فيها العلماباشراف الطوسي منفذين مخططا مدروسا، فلم يمض كبير وقت حتى كانت المكتبات تغص بالكتب، وحتى كانت مكتبة مراغة بالذات تضم مجموعة قل ان اجتمع مثلها في مكتبة اخرى((155)) وحتى كانت المدارس تقام في كل مكان، وعادت الثقافة الاسلامية حية سوية، وغدت النفوس مشبعة بالامل والقلوب مليئة بالرجا، وحتى كان الدعاة ينطلقون في كل صوب والهداة ينتشرون على كل وجهة.

على ان التخطيط الاكبر لنصير الدين الطوسي كان في العمل على تحويل المغول من الوثنية الى الاسلام. ويموت هولاكو، ثم يموت ابنه وخليفته ((ابقاخان)) والاسلام لا يزال صحيح البنية متوهج الفكر، صامدا بقيادة الطوسي يقاتل ويقاوم ويدعو ويهدي.

وياتي بعد ((ابقاخان)) ابن هولاكو الاخر ((تكودار))، فاذا بالاسلام ينفذ الى قلبه وعقله، ولكن انقلابا عسكريا مغوليا مضادا قام عليه فادى الى مقتله. على ان الاسلام الذي مهد له الطوسي الطريق الى نفوس المغول ظل متوثبا حتى جا ((غازان))، فاعلن اسلامه واسلمت الدولة كلها باسلامه، وتسمى باسم ((محمود غازان)).

وكان الطوسي قد مات، سنة 672ه (1274م)، قرير العين، وهو يرى طلائع الظفر مقتحمة الدنيا بموكبها الرائع، وبشائر النصر هازجة بارفع صوت واعلى نبرة.

مات الطوسي مودعا الامر الى تلميذه واقرب المقربين اليه قطب الدين ابي الثنا محمود بن مسعود الشيرازي، والى تلاميذه آل الجويني فنهضوا بالعب ء على ما اراده نصير الدين.

الاستقلال واكبر انجاز لنصير الدين الطوسي، بعد اعداد المغول لتقبل الاسلام، هو اقناعهم بتطبيق استقلال العراق وترك حكمه لاهله على ان يكون للمغول اشراف رمزي من بعيد، ثم اختيارعناصر مخلصة امينة ذات كفاة عالية لتولي الحكم.

فلا يكفي اعلان الاستقلال اذا لم توضع الاسس المتينة لهذا الاستقلال، واذا لم يخترلتطبيقه الرجال الاكفيا، واذا لم يجر اصلاح في شؤون الادارة.

لقد تالفت لجنة من ستة رجال، واذا اردنا استعمال المصطلحات الحديثة فاننا يمكن ان نعتبرها بمثابة ((مجلس تاسيسي)). لقد وزعت ادارة الحكم على رجالها: علي بهادر، ومؤيدالدين بن العلقمي، وفخر الدين الدامغاني، ونجم الدين احمد بن عمران، والقاضي عبدالمنعم البندنيجي، وتاج الدين علي بن الدوامي. واضيف الى عملهم الاداري الافرادي مهمة اجتماعهم معا لوضع اسس الحكم الاستقلالي، وهم كلهم عراقيون ما عدا علي بهادر،وفوض اليهم امر تنظيم امر ادارة العراق، فكانوا يعقدون جلسات متتابعة يتدارسون فيهااحوال العراق ويضعون انظمة اصلاحية ويعينون الحكام وكبار الموظفين. وقد كان من نتائج اجتماعاتهم التي لم يكن يحضرها مغولي ان ابقوا على وظائف مهمة ضرورية والغواوظائف اخرى او قلصوها، وقسموا البلاد الى خمس  مناطق ادارية وضعوا على راس كل منها موظف باسم ((صدر))، ثم عينوا النواب اي الموظفين والنظار((156)).

واول حاكم فعلي حكم العراق، بعد سقوط بغداد، حكما مستقلا هو عماد الدين عمر بن محمد القضوي، ويصفه المؤرخ المعاصر له ((ابن الفوطي)) بانه من المعروفين بمتانة الدين وحسن اليقين((157)) وهكذا فان اختيار الحاكم العام لم يكن اعتباطيا ولا عشوائيا، ولم يعهد به للمستهترين الطغاة والمحاسيب المستغلين للشعب بل للمعروفين بمتانة الدين وحسن اليقين.

ثم يصف ابن الفوطي ما بدا به هذا الحاكم اعماله في بغداد خاصة وفي العراق عامة: ((عمرالمساجد والمدارس ورمم الربط والمشاهد واجرى الجرايات من وقوفها على العلماوالفقها والصوفية، واعاد رونق الاسلام بمدينة السلام)). والشاعر شمس الدين الكوفي الهاشمي الواعظ الذي رثى بغداد بالامس عند سقوطها بمثل قوله: لسائل الدمع عن بغداد اخبار ما وقوفك والاحباب قد ساروا يا نازلين الى الزورا لا تفدوا فما بذاك الحمى والدار ديار تاج الخلافة والربع الذي شرفت به المعالم قد عفاه افقار اضحى لعطف البلى في ربعه اثر وللدموع على الاثار آثار عاد اليوم يقول في حاكم بغداد الجديد عماد الدين عمر بن محمد القزويني: يا ذا العلى، يا عماد الدين، يا ملكا بعدل سيرته يسمو على السير لما اصطفاك لهذا الامر منزله جبرت منا ومنه كل منكسر جمعت عدلا ومعروفا ومعرفة والعدل ما زال منسوبا الى عمر احيا المدارس من بعد الدروس با لقا الدروس حياة العلم والفكر الى آخر القصيدة...

واذا كانت مدة عماد الدين في حكم العراق لم تطل، فقد خلفه في منصبه علا الدين عطاملك الجويني، سنة 657 الذي استقل بالعراق استقلالا كاملا، والذي تفوق على سلفه بالتوسل بجميع الوسائل الممكنة لبعث حركة عمرانية كبرى في العراق باسره، فقد جددالمدارس المتداعية وانشا جملة من المدارس ودور الكتب، كما انشا عددا من الرباطات والملاجى والمستشفيات واجرى عليها الجرايات، وحفر الترع والانهار.

ثم انصرف الى الناحية الثقافية فشجع حركة التالف والمؤلفين واجزل العطا والبذل لهم.ومن هذه الناحية نجد جملة من امهات الاسفار والمصنفات في شتى الموضوعات العلمية والادبية والتاريخية مهداة لخزانته اوخزائن اهله وذويه((158)). ونذكر من مشاهير العلما الذين نبغوا في ذلك الوقت عالمين هما: جمال الدين بن مهنا،ومن اشهر مؤلفاته كتاب ((وزرا الزورا)) و((لطاف المعاني في شعرا زماني)) و((المشجر في الانساب)) وكتاب لغوي اسمه ((حلية الانسان وحلبة اللسان)).

والثاني مؤرخ العراق عبد الرزاق بن احمد المعروف بابن الفوطي الذي صدر له عدد من انفس المؤلفات في التاريخ والادب والفلسفة والفنون الرياضية والعلوم الشرعية، وبخاصة علم الحديث. واشهر مؤلفاته كتابه الذي سماه ((مجمع الاداب)).

واستمر عطا ملك في منصبه طوال حكم هولاكو الى ان توفي هذا سنة 663ه.، وحل محله ابنه آبقا، فظل عطا ملك في عهده مستقلا بحكم العراق. وظل مهتما بتعمير البلاد وخفف الضرائب التي كانت تجبى من الفلاحين وانشا القرى وشق نهرا من الفرات الى الكوفة والنجف بذل عليه قرابة مئة الف دينار ذهبا، واسس على ضفافه مئة وخمسين قرية،فعمرت الاراضي القاحلة واخضوضرت.

ولم تمض مدة وجيزة على سقوط بغداد حتى عادت الى وجهها المشرق واطمان الناس فعادوا الى اعمالهم وزراعاتهم، فتضاعفت عائدات بغداد حتى ليقول ابن شاكر الكتبي في كتابه ((فوات الوفيات)): ((كان علا الدين واخوه فيهما كرم وسؤدد وخبرة في الامور وعدل ورفق بالرعية وعمارة البلاد، وكانت بغداد ايام علا الدين عطا ملك اجود مما كانت عليه ايام الخليفة. وكان الفاضل اذا عمل كتابا ونسبه اليهما تكون جائزته الف دينار. وكان لهمااحسان الى العلما والفضلا، ولهما نظر في العلوم العقلية والنقلية))((159)) ويقول اليونيني في ((ذيل مرآة الزمان)) عن عطا ملك: ((كانت سيرته من احسن السير واعدلهابالرعية))((160)).

واستمر حكمه في بغداد ما يقرب من اربع وعشرين سنة، ست منها في عهد هولاكو وسبع عشرة في عهد آباقا الى سنة 680ه، والسنة الاخيرة كانت في عهد تكودار.

ويقول الشبيبي في الجزء الثاني من كتابه ((ابن الفوطي)): ((وفي سيرة علا الدين (عطا ملك)الجويني كل ما يدل على التنكر للوثنيين الطغاة من حكام المغول واعادة الامم الاسلامية،المغلوبة على امرها في الشرق، الى العيش في ظل راية اسلامية ولو كان هؤلا المسلمون من الشعوب المغولية)).

وحين قلنا في ما تقدم من القول ان نصير الدين الطوسي كان في عصره بطل الاسلام، فلان كل ما تم من استقلال للعراق وما انتج ذلك الاستقلال مما ذكرنا بعضه، ثم الانتها بالامر الى اعلان المغول اسلامهم، انما كان نتيجة لتخطيط الطوسي وترويضه لشارب الدما.

من ((صاحب العذاب)) الى ((صاحب التنور)) (دراسة في اشكالية العنف والسلطة خلال فترات من عصري بني امية وبني العباس) الدكتور ابراهيم بيضون منهج البحث التاريخي ازا ما يقال عن علاقة ما بين الاسلام السياسي والعنف وقد حاول بعض الكتاب الخوض في هذه الاشكالية، متوغلا ربما في مناطق محظورة يجب التنبه الى امر اساسي، يتعلق بسلامة النص، او التشكيك فيه، او حتى رفضه في بعض الاحيان. فثمة ما يجب القيام به اولا، بنا على نصيحة ابن خلدون وما يفرضه منهج البحث التاريخي، وهو نقد النص بمعزل عن اية خلفية، او اسقاط تصور خاص عليه، او تسويق فكرة تنتهي به الى ان يصبح مترهلا اوفاقدا لجزء كبير من عناصر الحياة فيه. ولا يجوز بالتالي ان نمارس القسوة على نص لا نقتنع به، وان نتسامح مع آخر فنقبله برمته، وذلك لانه يخدم المنحى الذي نسير فيه او في عكسه.

النظام الاسلامي حواري متسامح واعتقد ان ما ادرج تحت عنوان ((الاغتيال السياسي))، متوغلا حتى آونة مبكرة في الاسلام،لا يقارب تماما الحقيقة التي تجب مراودتها، ليس من خلال النص فحسب، ولكن في سياق التفهم لظروف الحدث والتعرف الى مناخه الخاص والعام. وبنا على ذلك، لا نستطيع ادراج ما وقع من عمليات ضد بعض اليهود في اعقاب الهجرة النبوية، في اطار الاغتيال،بقدر ما كان ذلك متصلا بعملية بنا المجتمع في ((المدينة)) وتحصين الامن السياسي فيه.فقد كانت المرحلة في غاية الخطورة، حيث وجد الرسول(ص) نفسه امام خيارين واضحين: اما الصمود، واما الانهيار امام المؤامرة المتربصة به. كما ان حادثة مقتل سعد بن عبادة، وتلفيق التهمة بوضعها على عاتق ((الجن))، لا نستطيع ايضا تفسيرها، برغم الشك،على انها مدبرة من جانب الخليفة او موحى بها منه، طالما اننا نفتقد المعطيات الموضوعية على مساحة الرواية، وطالما انه لا توجد حادثة مماثلة في عهد هذا الخليفة الذي تعايش مع شخصيات اكثر خطورة من سعد، ولم يفكر بابعادها او تصفيتها، او ما الى ذلك.

لا احاول نفي العنف، او القمع السياسي، في الاسلام، والاسلام يتردد هنا بوصفه سلطة،وهي لم تكن على الاقل متسامحة ازا المعارضة، حتى لو كانت صامتة مسالمة، ويكفي ان تفرض هذه السلطة الاجماع حولها، حتى يكون في ذلك شي ء من العنف.

على ان النظام الاسلامي، قياسا الى الانظمة التي مرت قبله او عاصرته، كان نظاما حواريا متسامحا، الامرالذي يتجلى في تقديمه خيارات للشعوب المغلوبة بالفتح (الاسلام او الجزا او المنابذة)،فيما كانت من قبل امام الاستسلام او الموت. وحتى نهاية العهد الراشدي لم يكن الخليفة،وعلى الرغم من سيطرته المطلقة على اجهزة الحكم، رافضا للحوار، او للنقد، هذا اذااستثنينا الخليفة عثمان الذي كانت قراراته ((القاسية)) في هذا المجال، منطلقة من مستشاريه، وليست نابعة من ذاته.

ومع ذلك فهو لا يجد غضاضة في ترك هامش لحركة ابي ذر الغفاري، وهي حركة استهدفته بجراة، وان يكتفي بنفي صاحبها الى الشام، فالربذة في الحجاز. كذلك، وعلى الرغم مما قيل في ضربه لعبداللّه بن مسعود، صاحب بيت مال الكوفة، بعدما رفض هذا تلبية طلبات الوالي وحاشيته المتكررة، انما يعبر عن ذلك الموقع المعنوي للصحابة، وابن مسعود من كبارهم، ومن ثم تورع السلطة السياسية عن اخذهم بالعنف.

تحولر السلطة حالة عنف ترسي نهجها حدث ذلك، او كان يحدث، في زمن كان الدين يحرك السياسة ويطغى على مضامينها. امابعد ان تحول الى مجرد شعارات تتسخر لمصلحة السلطة، فلم يعد هنالك رادع امام الاخيرة لاستخدام اية وسيلة من اجل حماية وجودها والتصدي بمنتهى القسوة لخصومهاومعارضيها، من دون ان يكون الدين او رموزه في منجى من حملاتها القمعية الجريئة.نتوقف هنا عند مواجهة يزيد بن معاوية للرموز واستباحته لها (مجزرة كربلا، انتهاك مدينة الرسول، قذف الكعبة بالمجانيق)، دونما وجل او قلق من سخط الجماهير التي الفت تلك العلاقة السطحية مع الدين، واصبح ولاؤها الاساسي للسلطة الحاكمة باسمه.

ومهما قيل في نقد السياسة التي تورط فيها يزيد، وهي التي اودت به وبحكم اسرته بعيدذلك، فان هذا النهج لم يكن رائده الخليفة السفياني الثاني، وانما سلفه الذي يرى فيه بعض المؤرخين نموذج الشخصية ((المكيافيلية))، قد اسس له، مخترقا هالة الدين (في العهدالراشدي)، باستخدام اساليب منحرفة، كالرشوة والمراوغة وتصفية الخصوم، وغير ذلك من عناصر هذا النهج الذي سيبقى عدا استثناات قليلة من تقاليد الحكم لدى الخلفاوالسلاطين والامرا المسلمين لعدة قرون. تكفي الاشارة الى ان معاوية كان رائد الاغتيال السياسي في الاسلام، ذلك الذي بدا، او ظهر، مع تصفية محمد بن ابي بكر (والي الامام علي على مصر)، وطال كبير قادة الخليفة (الاشتر النخعي)، ولم يتوقف عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والحسن بن علي((161))... وبعض هؤلا ثم اغتيالهم عن طريق السم الممزوج بالعسل الذي كان قد تخصص باعداده الطبيب ابن آثال.

((صاحب العذاب)) والدوران في حلقة الدم بعد ان اصبح معاوية خليفة، لم يعد بحاجة الى التستر ورا وصفة طبية، للتخلص من اعدائه الخطرين، وبات حينذاك مستعدا لمواجهتهم بكافة الوان العنف النفسي والجسدي.وابتدا من العام 41ه، اي عام الاعلان الرسمي لخلافة بني امية، انشى في العراق، حيث المعارضة الاكثر خطورة للنظام، ((جهاز)) مهمته مراقبة ((المخلين بالامن)) وانزال اشدالعقوبات بهم. وكان على راسه رجل يعرف ب((صاحب العذاب)) الذي تردد اسمه وصداه المرعب في بعض المصادر، مقترنا في الاساس مع والي البصرة عبيداللّه بن زياد الذي كان يبت شرطته في انحا المدينة، حتى اذا القوا القبض على رجل بتهمة سياسية او امنية خطرة، احالوه على ((صاحب العذاب))، ومن بين الذين قبض عليهم الصحابي ابن خرشه الذي لقي الهول في موقفه امام الاخير. ويعلق المؤرخ العلامة السيد حسن الامين على هذه الحادثة في مقالة منشورة في صحيفة النهار فيقول: ((لقد كان مجرد ذكر ((صاحب العذاب))كافيا لان يحدث صدمة في نفس الصحابي قيس بن خرشة فيموت في الحال)).

وكان اعدام حجر بن عدي الكندي مع ستة من زعما الكوفة، ذروة القمع والترهيب في عهد معاوية، وهو اعدام سياسي، جا ردا على نشاط الزعيم الكندي في الكوفة وتحديه للسلطة الحاكمة. فقد حمل حجر حسب رواية في الطبري مكبلا بالحديد مع اصحابه،فانزلهم معاوية في السجن بمرج عذرا، وكان لحجر اقارب من ((السكون)) تشفعوا به لدى الخليفة، فتردد هذا في قتلهم وكتب الى زياد بذلك. ولكن والي العراق الذي كان يخشى تعاظم نفوذ الكندي في الكوفة، ولم يشا في الوقت عينه التورط بدمه، حذر من اطلاق سراحه وكتب للخليفة: ((... ان كانت لك حاجة في هذا المصر، فلا تردن حجرا واصحابه الي))((162)).

ولعل الحكم الاموي الذي قام على القوة المسلحة، وما رافقها من وسائل انحرافية، وجدنفسه مضطرا الى استخدام السلاح عينه لحماية وجوده امام حركات كان معظمها يملك مقومات اكثر موضوعية ليكون بديلا منه. ولعل المازق الذي واجهه ولم يستطع الخروج منه، هو اخفاقه في تقديم نفسه سلطة تمثل الاسلام، على الرغم من احتفاظ رؤسائه بلقب الخلافة، بل اصروا على التخاطب بامرة المؤمنين((163)) هذا فضلا عن مداهمة الخصوم،بمن فيهم المتشددون في الاسلام، والتنديد بهم احيانا، من موقع الدين الذي يفترض وفقالموقعهم بانهم ممثلوه الشرعيون.

وكان للفقها الذين التحق بعضهم بالنظام وصفق له، دور بارز في ترسيخ هذا الشعور لدى الخلفا الامويين، كذلك الشعرا كان لهم تاثيرهم في الترويج لافكار في هذا السياق، وهي بلغت ذروتها في ابان الحملة لولاية العهد. وقد احيطيزيد بن معاوية بهالة كان الهدف منهاتحسين صورته لدى جمهور المسلمين، الامر الذي ادى الى تكريس حالة ظلت قائمة لوقت طويل. فكان من محصلة ذلك غياب النقد واستغراق الحاشية في الاطناب بمدح اوليا النعمة من الخلفا والامرا، والتنديد من جانب آخر، باصحاب ((الفتنة)) و((الزنادقة))،وكل من تحل عليهم اللعنة، ممن هم في غير خانة الولا والاستسلام لصاحب الامر. من هذاالمنظور لم يجد يزيد، عندما هبت العواصف في مطلع خلافته، اي حرج في اللجوء الى اقسى انواع العنف لتاديب خصومه، من دون ان يعبا بانتهاك الرموز الدينية، لان الفقها في قصره، سوغوا له ذلك بانه قضا على ((الفتنة))، وهي في مصطلحهم ضرب لوحدة المسلمين.

على ان الفقها الذين صفق بعضهم ليزيد، لن ينقذوه وحكم اسرته من المصير الذي آل اليه،من دون ان يكون سقوط الحكم السفياني منفصلا عن تلك الاحداث العاصفة. وسرعان ماانتقل جهاز الفقها والشعرا وبقية مواكب المتملقين الى ولا الاسرة الجديدة (بنو مروان)،واذا بالتاريخ يكاد يعيد نفسه، فينطوي العراق، وخصوصا الكوفة، على اضطرابات شديدة،قبل ان يستعيده بصعوبة عبد الملك بن مروان، اقوى رجالات عصره.

واذا كان معاوية، من قبل، قد بذل جهدا كبيرا لاقناع زياد بن ابيه في الانضمام اليه، من اجل ضبط الامن في العراق، فان الظروف ساقت لعبد الملك شخصية عاتية، اوكل اليها هذه المهمة، اي الحجاج بن يوسف الثقفي الذي طبع هذا الاقليم نحو عشرين عاما، بالعنف، والترهيب،والقتل الجماعي، الى آخر ما ينسب الى هذا الرجل الطاغية، كما في توصيف بعض الكتابات عنه((164)). ولعل المفارقة بين زياد والحجاج، على ما بين الاثنين من صفات مشتركة، مثل قوة الشخصية والبلاغة والخطابة، ان الاختلاف يميل لمصلحة زياد، الاكثر ذكا والاقل تبعية لمعاوية، على عكس الحجاج الذي كان اداة مطواعة في يد عبد الملك، من دون ان يترددهذا في عزله، او الشروع فيه، اذا كان ذلك في مصلحة الحكم الاموي((165)). وفي هذاالمجال، لم يتحرج الوالي الثقفي في استخدام كافة الاساليب واشدها عنفا، من اجل تثبيت الامن في العراق، بما في ذلك تفريغ هذا الاقليم من عناصره الشابة والحاقها بحملات عسكرية مفتعلة ولا تخلو من خطورة((166)). ولم يكن يعنيه من هذا الامر، سوى ابرازكفاته السياسية والادارية، وسوى التاكيد على اخلاصه للخليفة، مهما كان الثمن غاليا لدى الفئات المقهورة الخاضعة لسيادته.

وقد يرى بعضهم مبالغة في ما روي عن الحجاج من ((اسراف الدما))((167)) وقتل جماعي وغير ذلك مما تحفل به المصادر التاريخية والادبية من نماذج مروعة نسبت اليه. وثمة دراسات، ومنها ما ظهر مؤخرا، رات فيه صورة مختلفة عن تلك المالوفة في الذاكرة عبرالمديد من القرون. ولكن دراسة التاريخ لا سبيل اليها الا من خلال الرسوم والاثار كما يقول البيروني، وبالتالي فان النص هو المرجع في نهاية الامر، سوا اتسم بالرصانة، او شابته ركاكة، او جنح الى الاسطرة، او ما الى ذلك.

وهنا يكمن دور المؤرخ، في قدرته على التمييزبين عناصر الضعف وعناصر الحقيقة في النص، من دون ان يكون ملزما او من حقه آباصدار قرار بالغا نص برمته، كما يفعل بعض المؤرخين، ممن يرون تعارضا بينه وبين اتجاهاتهم الفكرية و((الايديولوجية)).

لا شك في ان ((المحاكمات)) التي جرت في الكوفة، بعد القضا على ثورة ان الاشعث،تدخلت الرواية التاريخية، ليس في صياغتها فحسب، بل في اضفا العنصر ((الدرامي))عليها، ولكن ما هو مؤكد وباجماع المصادر، هو انها كانت تنتهي بالقتل، مسبوقا بتهمة الكفر((168)) المتساوية مع ((الخروج)) على النظام. ومن بين الذين تم اعدامهم امام الحجاج او بيده ابن القرية الذي قتل في سنة اثنتين وثمانين((169)) لخروجه مع ابن الاشعث.. وكان قتله صبرا... وقيل: قدم اليه الحجاج فضربه بحربة في نحره فاتى عليه((170)) وكميل بن زياد الذي اراد ان يقتص منه الحجاج بتهمة قتل الخليفة عثمان، فضلا عن اشتراكه في ثورة ابن الاشعث، فكان جريئا امام الموت، كذلك سعيد بن جبير الذي كان قد هرب بعد اخفاق الثورة الى اذربيجان، وظل الحجاج يطارده حتى تم القبض عليه، وقد ((ضربت عنقه)) وفقالمروية الطبري، و((ذبح)) كما جا في ((مروج)) المسعودي((171)).

هذا، اضافة الى كثيرين ممن اخذوا بالتهمة او بالظنة، وبلغوا عدة آلاف حسب الروايات التاريخية. وقد جا في احداها: ((احصي من قتله (الحجاج) صبرا، سوى من قتل في عساكره وحروبه، فوجد مئة وعشرون الفا. ومات في حبسه خمسون الف رجل وثلاثون الف امراة))((172)) وهذه الارقام ليست دقيقة بطبيعة الحال، فكيف اذا اقترنت بشخصية محاصرة عموما بالمشاعر العدائية، في المصنفات والدراسات، اذ رات فيه هذه الانموذج السفاح المتعطش دائما للدما. ولكن الحجاج، في النهاية، لم يكن سوى اداة في يد سلطة عليا، وهي ليست بريئة من مسؤولية ذلك الركام من العنف، سوا كثيره كان حقيقة ام قليله فقط. وهذه السلطة وهي عين زمانها كانت تجد لنفسها مسوغا في استخدام العنف، وربماالكثير منه، حماية لنفسها ودرءا للاخطار عنها. ولقد كان الحجاج حاكما ناجحا، بل في منتهى النجاح، بالنسبة للخليفة الذي راى فيه رجل ادارة من الطراز الاول، وقائدا عسكريامن المستوى عينه، هذا عدا الاخلاص المطلق للاسرة الحاكمة. ولعل المسعودي، وان بالغ ربما في ابراز سلبياته، لا يجد غضاضة وان بصورة غير مباشرة في التنويه بكفاته وعدم تسخير موقعه للمصالح الشخصية (ورود ابن عم للحجاج عليه طالبا ان يوليه منصبا،فاشترط عليه ان يمتحنه، فاذا نجح ولاه))((173)).

ومرة اخرى يعود ((صاحب العذاب)) الى الظهور، على صفحات مؤرخ متاخر، وهو ابوالنحاس يوسف بن تغري بردي الاتابكي.

يذكر هذا المؤرخ ما يسميه ((صاحب عذاب الحجاج)) ويكتفي بجزء من اسمه (معد)، مصحوبا بلعنة اللّه((174)) فقال في سياق احداث 85ه: ((وفيها قتل الحجاج حطيطا الزيات الكوفي، كان عابدا زاهدا يصدع بالحق، قتله الحجاج لتشيعه ولميله لابن الاشعث))((175)). ويضيف الاتابكي: ((قال معد لعنه اللّه (معدصاحب عذاب الحجاج): اني اريد ان تدفعه لي، فواللّه لاسمعنك صياحه، فسلمه اليه،فجعل يعذبه ليلته كلها وهو ساكت، فلما كان وقت الصبح كسر ساق حطيط، ثم دخل عليه الحجاج لعنه اللّه، فقال: ما فعلت باسيرك؟ فقال: ان راى الامير ان ياخذه مني فقد افسدعلي اهل سجني، فقال له الحجاج: علي به، فعذبه بانواع العذاب وهو صابر، فكان ياتي بالمسال فيغرزها في جسمه وهو صابر، ثم لفه في بارية((176))، والقاه حتى مات))((177)).

انها السلطة القامعة التي درجت على تقليد استخدام العنف، كذلك نهجها الذي تفرضه على موظفيها، فيتسابقون الى اثبات الجدارة والتفوق. والحجاج لم يكن سوى احد هؤلاالنماذج ((المتفوقين))، وبينهم كان زياد بن ابيه وابنه (عبيداللّه) وخالد بن عبداللّه القسري(والي هشام بن عبد الملك على العراق) وهذا الخليفة (هشام) روي انه تبرم يوما من نصيحة احد الفقها والعلما، فرد عليه مهددا: ((لاقطعن راس كل من يقول: اتق اللّه)). واذااضفنا الى ذلك موقف هشام من حركة الفكر وتضييقه على اعلامها، لوجدنا انموذجامتطرفا في العنف الذي تنطوي الروايات التاريخية على امثلة عديدة منه. وفي هذا السياق،ياتي غيلان الدمشقي الذي ربما كان ((الناصح)) الذي هدد الخليفة بقطع راسه، فلم يكف حينذاك عن نقد سياسة بني امية وانفاقهم للاموال في غير مواضعها((178)) فزج به الخليفة بالسجن ولاحق ((القدريين)) من اتباعه واهدر دماهم، قبل ان يامر باعدامه((179)) فضلا عن مؤسس ((الجبرية))، الجعد بن درهم الذي بعث به هشام الى واليه على العراق (القسري)،حيث امضى وقتا في السجن قبل ضرب عنقه((180)). هذا الدوران في حلقة الدم، لم تعد خلافة بني امية قادرة على ايقافه او الخروج منه الابالسقوط. وما تفوه به الخليفة هشام، لم يكن تهديدا فحسب، لان قطع الرؤوس بات من التقاليد السائدة في ذلك الحين، ومبتكروها هم انفسهم عتاة الولاة في العراق، ابتدا براس الحسين وانتها براس حفيده زيد بن علي وابنه (يحيى) وصلبهما، قبل ان يتبعهما بقليل من الوقت راس آخر الخلفا الامويين (مروان بن محمد)((181)).

وثمة مفارقة، بصدد قطع الرؤوس، ينقل المسعودي خبرها عن المنقري، الذي يرويه بدوره عن ابي مسلم النخعي معاصر الحادثة فيقول: ((رايت راس الحسين جي ء به فوضع في دارالامارة بالكوفة بين يدي عبيداللّه بن زياد، ثم رايت راس عبيداللّه بن زياد قد جي ء به فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار، ثم رايت راس المختار قد جي ء به فوضع بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رايت راس مصعب بن الزبير قد جي ء به فوضع في ذلك الموضع بين يدي عبد الملك))((182)).

وتستمر حلقة العنف المروعة، فيؤتى براس ابن الاشعث من ((الرخح))((183)) حيث بقي جسده، الى الحجاج في الكوفة، فيعلق امام ((دار الامارة))، قبل ان يطوف به في عدد من البلدان، وآخرون انفصلت رؤوسهم عن اجسادهم، الى ان فصل راس الخلافة الاموية عن جسدها الذي تبعثر اشلا تحت وطاة بني العباس.

تغير صاحب السلطانرالعنف يستمر متقنا ومتجددا وقد اثبت هؤلا، ومنذ اليوم الاول لخلافتهم، انهم اكثر تفوقا في ((لعبة)) العنف، واتقانالفنونه، وابتداعا لاساليب جديدة فيه.

وثمة اخبار تكتسب مسحة اسطورية عن العنف العباسي، بدءا من ملاحقة فلول الامويين وتصفيتهم بعيد معركة الزاب، وهو ما يعرف بمجزرة ((ابي فطرس))((184)). فقد خدعهم القائد العباسي (عبداللّه بن علي)، بان وعدهم بالامان مقابل الاستسلام، وعندما استجابوا له، دعاهم الى وليمة في قلعة رومانية قديمة بالقرب من نهر ابي فطرس، ثم اعط ى اوامره الى القوات الخراسانية بابادتهم عن آخرهم،وكان عددهم ثمانين رجلا حسب الرواية التاريخية((185)).

واذ لم يتوسع الطبري في رواية هذه الحادثة، فان معاصريه، لا سيما اليعقوبي، ذكرواتفاصيل مثيرة، ومنها ان ((الجنود الخراسانية)) قاموا بنشر البسط على جثث الامويين، وهي لا تزال تنتفض، وتناول القائد مع اصحابه فوقها الطعام((186)).

هل يكون الحقد قد بلغ هذا الحد من جانب العباسيين، او انها احقاد الذين ((صاغوا)) الرواية او تناقلوها، لتاتي على هذه الصورة الانتقامية المخيفة؟ فالعباسيون، وان ثاروا على بني امية مستفيدين من تعاظم النقمة الشعبية ضدهم، ومن تراث ثوري اسلامي، عدا تضليل تيارعريض، وهو التيار الشيعي الاكثر خطورة بين القوى المعارضة للحكم الاموي، قد لا تكون لديهم اسباب هذا الحقد، او على الاقل هذا المستوى منه. ولعل معطيات ما تجعلهم على مسافة غير بعيدة من خلافة بني امية، اذا توقفنا عند محطات العلاقة بين الطرفين التي اتسمت عموما بالواقعية، ابتدا من عبداللّه بن عباس الذي اسس لهذا النهج، وكان يترددعلى مجلس معاوية((187)) ثم اوصى ابنه عليا ((باتيان الشام والتنحي عن سلطان ابن الزبيرالى سلطان عبد الملك))، حسب رواية البلاذري((188)).

ولم يتبدل الحال كثيرا بعد قيام الدعوة العباسية السرية في احدى قرى الشام بقيادة محمدبن علي، سوى ما كان من ارتياب بالاخير، ما لبث ان تبدد، من جانب الخليفة هشام((189)) لتستمر الدعوة من دون متاعب مهمة حتى سقوط الحكم الاموي. ولا يستبعدالمؤرخ المتخصص في هذه المرحلة، فاروق عمر، ان تكون هذه الرواية عن ((مجزرة ابي فطرس)) مفتعلة لمصلحة اتجاه شديد العدا للامويين، معبرا عن ذلك بقوله: ((والظاهر ان هذه الروايات ذات صفة علوية، وهي على الاغلب روايات موضوعة))((190)). واذا افترضناان القائد العباسي عبداللّه بن علي، الذي يرجح المؤرخ عمر ان يكون مسؤولا عن هذه المجزرة، كان يهدف الى استقطاب مشاعر الاتجاهات المعادية للامويين، خصوصا الفرس،حيث تتردد عبارة ((القوات الخراسانية)) في عمليات الانتقام بما فيها نهب دمشق فان((191)) القائد نفسه ما لبث ان ثار في الشام ومعه اهل الاخيرة او جزء منهم ضد الخليفة العباسي المنصور، ومن المستبعد بالتالي، لو كان مسؤولا عن هذه المجازر، ان يغفر له الشاميون بمثل هذه السرعة، وان يتجاوزوا ما عانوه من هذا القائد، وان يتضافروا معه للدفاع عن قضيته ضد النظام الجديد.

ولقد توسعنا في التعليق على هذه الحادثة لنؤكد على مسالة مهمة تتعلق بالمنهج، وبان النص، خصوصا الذي تنعكس عليه الصراعات السياسية، لا يؤخذ على علاته، او باعادة انتاج اخطائه التي تراكمت عبر القرون في المصنفات التاريخية، ولكن من اساسيات التعطي معه، هي القراة النقدية كما سلف القول، والتي من خلالها فقط، نستطيع ضبط النص وترشيد عناصره الموضوعية، بعيدا عن المبالغة و((هالة)) المصدر التي يستسلم لهاالكثيرون من المؤرخين. على ان امرا مهما يجب الا نغفله، في هذا السياق، وهو ان المصادرليست متساوية في قيمتها، وليس كل خبر في اي مصنف او كتاب، يحمل في ثناياه من الحقيقة، ما تحمله المصادر التاريخية بصورة خاصة.

فعلى سبيل المثال، ليس ما يرويه مؤرخ رصين مثل البلاذري، مواز في موضوعيته لما يرويه، عن الحدث عينه، صاحب معجم او مصنف في الادب او الجغرافية او ما الى ذلك، من اخبار تاريخية تتسم عمومابالمبالغة وعدم الدقة.

ولن يكون همنا رصد جميع حالات العنف السياسي في هذه المرحلة، فهو امر يتطلب الخوض فيه تفاصيل واسعة لا تحتملها هذه الدراسة، التي تحاول مناقشة اطروحة العنف في التاريخ الاسلامي من خلال نماذج معينة، تتوظف لمصلحة المنهج الذي تسير الدراسة فيه. وعلينا ان نتوقف هنا عند مسالة مهمة، وهي ان ظاهرة العنف التي برزت مع قيام الحكم العباسي، كانت مرتبطة بالصراع على السلطة، تلك التي شا الخليفة المنصور ان تكون مطلقة، فلا يشاركه فيها احد (انما انا سلطان اللّه في ارضه). وبنا على ذلك تشهد المرحلة سلسلة تصفيات على مستوى السياسة، بدءا باول الوزرا (ابو سلمة الخلال)، وليس انتهابالرجل القوي في العهد الجديد ابي مسلم الخراساني الذي تم قتله بطريقة مثيرة((192)) لم تخل من مجازفة من جانب الخليفة الجري ء، بعدما راى من تعاظم نفوذ ((الخراساني)) على حساب سلطة الخلافة. وقد يكون ما ادلى به المنصور في اعقاب هذه الحادثة معبرا عن قلقه، وبالتالي عن رفضه اي اختراق، من اي جهة كان، لسلطته الفردية: ((ان من نازعنا عروة هذا القميص اوطاناه ما في هذا الغمد))((193)).

واذا كان المنصور راى في هذه الطريقة سبيلا الى تثبيت الامن السياسي في دولته، من دون ان يتورع عن قتل شخصية اخرى من الرموز الذين ارتبطت اسماؤهم بالقضا على خلافة بني امية، اي عمه عبداللّه بن علي، بطل معركة الزاب الحاسمة، فان ذلك كان البداية لمسلسل من الرعب، لم يتوقف حتى سقوط خلافة بني العباس.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية