ولقد توسع هذا الاطار،
فلم يقتصر على المعارضين او المشتبه
بهم، وانما جرف السيل من هم على راس السلطة، من
خلفا
ووزرا وقادة عسكريين، وبعضهم سملت عيونهم
قبل قتلهم او
زجهم في السجن، حيث كانت بانتظارهم طرائق مبتكرة من
التعذيب. هذا عن اهل السلطة والنفوذ، ممن اتجهت
اليهم
الانظار، سوا كانوا متربعين على القمة او متهاوين
الى القاع. اما
الفئات الاخرى، فلا نكاد نعرف شيئا من اخبارها، لا
سيما
المثقفين الذين عانوا اوبعضهم على الاقل ملاحقة
السلطة
المتزمتة، خصوصا بعد خضوع الاخيرة لقادة
الجندابتدا من
القرن الثالث للهجرة. ونتوقف عند رواية في هذا
السياق، تجسد
ذروة المعاناة لاولئك ((المجهولين)) في السجون،
وايثارهم
الموت على الحياة. فقد كان السجان يفتح الباب
صارخا: فليات
واحد منكم لنقتله، واذا بالجميع يتدافعون ل((الفوز))
بالفرصة
الثمينة،تخلصا من العذاب القاتل الذي يواجهونه كل
يوم((194)).
ان هؤلا الذين طوتهم السجون، او سحقوا في المعارك،
او ماتوا
صبرا، او غير ذلك،تتجاهلهم الروايات التاريخية
التي تسهب
على سبيل المثال في الحديث عما يسمى ب((نكبة
البرامكة))،
تلك التي حظيت باهتمام واسع من جانب الروايات
والدراسات التاريخية. وهذه الحادثة التي وظف جانب منها في الصراع على
السلطة
(بين الخليفة الرشيد ووزرائه من الاسرة البرمكية)،
كانت اقل
اهمية من اصدائها، لا سيما في ما يتعلق بخطر
الفرس(والبرامكة منهم) على الخلافة العربية. وهو
صراع
اسقطت عليه مفاهيم غير دقيقة، الامرالذي ادى الى
انتاج
مصطلح ((الشعوبية))، تعبيرا عن الصراع السياسي بين
العرب
والفرس في ذلك الوقت. لم تكن المسالة مطروحة بهذا
التسطح على الاقل، بما في ذلك الحركات الثورية
المنطلقة
من حوافز اجتماعية اكثر منها سياسية، مثل حركة بابك
الخرمي في عهدي المامون والمعتصم، والتي يمكن
مقارنتها
بثورة الزنج في عهد المعتمد. وتاكيدا على ذلك،فان
الفرس لم
تبرز لديهم مشاريع انفصالية واضحة، حتى في الوقت
الذي
اتيحت لهم فيه مثل هذه الفرصة (حكم بني طاهر في
خراسان،
وسيطرة بني بويه على الخلافة). فالصراع لم تكن له
هوية
قومية، ودوائره كانت تضيق حتى مساحة الاسرة، او
تتسع
لتصل الى المجابهة العنيفة بين الخلافة والقوى
العسكرية، او
بين اتجاهات على جبهة الاخيرة. هذامع العلم ان عهد
البويهيين كانت سلطة الامر الواقع فيه اقل اصطداما
مع
الخلافة، واكثرتجسيدا لفكرة ((الدولة))، بالمقارنة
مع عهدي
الاتراك والسلاجقة. وفي ضوء ما سبق، نفترض ان قتل الوزرا في عهد سيطرة
الخلافة، لم يكن سوى نتيجة مباشرة لطبيعة الحكم
الفردي
كما ارسى مفهومه ابو جعفر المنصور، وليست له
علاقة بنظرية
الصراع العربي الفارسي المزعومة، والا فكيف نفسر
قتل
الخليفة المامون وهو من ام فارسية، و((قومها))
وقفوا الى
جانبه في صراعه مع اخيه الامين لوزيره الفارسي
الفضل
بن سهل، الملقب بذي الرياستين((195)) ويمكن ان نتسال
هنا عما اذا كان هذا الاغتيال يختلف في دوافعه،
عما قيل عن
تصفية الخليفة نفسه للامام علي الرضا الذي كان قد
جعله وليا
لعهده((196))
واذا ما كانت الحادثتان تختلفان عن سابقة
عليهما، وهي حرب المامون واخيه الامين وقتل
الاخير، فضلا
عن تلك المتعلقة بقتل الخيزران لابنها الخليفة
الهادي
في السياق نفسه والذي يمكن ان يكون ضالعا فيه
ابنها الاخر
الرشيد، عندما شعر بان اخاه الخليفة يدبر امرا
لابعاده عن ولاية
العهد((197)).
واخيرا هل نسقط من دوائر الصراع، ماجرى
للائمة العلويين الذين يرجح انهم، باجمعهم او
غالبيتهم، قتلوا
مسمومين، باعتبارهم ممثلين للتيار الاكثر خطورة
على
السلطة العباسية. في عهد خليفة المامون، وهو آخر رموز ((المؤسسة))
المدنية
(الخلافة)، بدا ان تحولا خطيرااخذ بهذه الاخيرة الى
التراجع،
فالتهميش، وذلك مع صعود ((الطبقة)) العسكرية التي
جعلهاالمعتصم ((حزبه)) الداعم له، والقوة الضاربة ضد
خصومه. ويربط المؤرخون عموما بين صراع القوى
(العربية
والفارسية) التي برزت ربما لاول مرة بهذا الوضوح في
حرب
الاخوين(الامين والمامون)، وبين هذا الخيار للاخ
الثالث
(المعتصم)، باتجاهه الى التعاون مع عنصرغير متورط
في
الصراعات الداخلية، وهو الاتراك الذين اثبتوا
جدارتهم بوصفهم
مقاتلين اشدا. ولعل المعتصم الذي يتفق المؤرخون
على انه
شخصية غير مثقفة، تطابق مزاجه مع الحياة العسكرية
بشكل
عام، تساعده على ذلك بنية متينة وروح شجاعة وميل
الى الحرب((198)). وعلى عكس سلفه المامون،
المثقف
والمنفتح على العلم والعلما، فان المعتصم
بانقلابه على النهج
السياسي ((المدني))، اخذت تتراجع في عهده الحركة
الفكرية،وينمو على حسابها نفوذ ((الطبقة)) العسكرية.
وفي هذا السياق يروي المسعودي انه في سنة تسع عشرة
ومئتين للهجرة ((ضرب المعتصم احمد بن حنبل ثمانية
وثلاثين سوطا ليقول بخلق القرآن))((199)). وكانت هذه
المسالة اي خلق القرآن قد راجت في اواخر العصر
الاموي،
وكان وراها الجعد بن درهم ((الجبري))المتاثر بفكر
المعتزلة. ولقد عادت الى التداول بقوة في عهد الخليفة المامون
الذي
تاثر بها،مطلقا حرية الراي والجدل والمناظرة في
مسائل كانت
محظورة من قبل، ومنها هذه المسالة التي كان من اشد
المعارضين لها في ذلك الوقت، الفقيه ابن حنبل. على
ان
المعتصم، وان تاثر بذلك المناخ الفكري الجدلي لا
سيما وان
احد كبار علما المعتزلة، وهو القاضي احمد بن ابي
دؤاد، كان
من خواص مجلسه فان شخصيته العسكرية من جهة،
وضحالة ثقافته من جهة ثانية، تركتا تاثيرا سلبيا
على حركة
الفكر، في وقت فقد العلما فيه ذلك الهامش الذي
اتاحه
لمناظراتهم المامون، فانكفاوا الى المواقع
الهامشية، خصوصا
بعد ماتعرضوا له من قمع وتعذيب، وربما قتل، الى آخر
ما
اصابهم من نكبات في ذلك العهد. ((صاحب التنور))
وفي سياق هذا التحول من الحوار الى القمع، تواجهنا
شخصية
الوزير الشهير، محمد بن عبدالملك الزيات،
بتناقضاتها
وتقلباتها، وما حفرته من علامات بارزة في تاريخ تلك
المرحلة.هذا الوزير، الشاعر، المثقف، بدلا من ان
يكون عضدا
لاهل الفكر ومساندا لحرية الموقف والكلمة، نراه
خلافا لذلك
يستغل وظيفته لقمعهم وتصفيتهم، بابشع ما وصلت
اليه وسائل السلطة المستبدة. انه الوزير الملقب
ب((صاحب
التنور))، تلك الاداة المرعبة للتعذيب والاعدام،
والتي ابتلعت
في احشائها العديد من المعارضين او المشتبه
بمعارضتهم للحكم. من هو ((صاحب التنور))؟
في الكرخ، من ضاحية بغداد، كانت ولادته في بيت تاجر
موسر((200))
(173ه على الارجح). وكان الاب يستحثه على
العمل في حرفة العائلة، اي تجارة الزيت التي
اقتبست الاخيرة
منها الاسم، الا انه آثر طريق الادب، تجذبه اليه
المجالس
المشعة في بلاط الخليفة المامون((201)) حيث اخذت تتفتح
موهبته الشعرية، ويتحرك في داخله الشغف
بالسلطة،منطلقا
الى دور غير عادي في حياته. ولعله لم يفترق عن
التجارة
تماما، فها هو يستخدم موهبته اداة للكسب ويجني
ارباحا قد لا
تيسرها تجارة الزيت. ويروى انه مدح حينذاك الحسن
بن سهل
(والد بوران زوج المامون) وكان هذا شديد الثرا
فوصله
بعشرة آلاف درهم. هكذا بدا الزيات يقترب من السلطة العليا، ومعه
احلامه الكبيرة
التي تعثرت في عهدالمامون، المحاط برجال لهم باع
طويل في
السياسة والثقافة، ولكنها تعود فتاخذ بيده
ابان خلافة المعتصم. فلا يكاد هذا يمر عامان على عهده (220 ه)، حتى سخط على
وزيره الفضل بن مروان، وعين مكانه محمد بن عبد
الملك
الزيات((202))
وهو حينئذ من خواصه واتباعه، كما يقول
صاحب ((الفخري))((203)). ولعله (الزيات)، وقد اصبح في دائرة الضوء، فان
شخصيته في
المرويات لا تغادرهاالانتهازية المفرطة، تلك التي
تحد من
رؤيته السياسية في بعض الاحيان، وتجعله قاصرا
عن قراة
المستقبل، الامر الذي عرضه لمواقف صعبة كانت في
احداها
نهايته الماساوية. وهوكما اسلفنا شخصية متناقضة،
ربما وجدنا
في توصيف صاحب الفخري تقديما مناسبا لها،اذ يقول:
((برع
في كل شي ء حتى صار نادرة وقته عقلا وفهما وذكا
وكتابة
وشعرا وادباوخبرة بداب الرئاسة وقواعد الملوك...
وكان جبارا
متكبرا فظا غليظ القلب، خشن الجانب، مبغضا الى
الخلق))((204)).
ولقد توفي المعتصم ((والزيات)) لا يزال وزيره، وكاد
يطوح به
الخليفة الجديد (الواثق)، لولاان كفاته في تصريف
اعمال
الدولة شفعت به. وقصة ذلك ان المعتصم كان قد امر
لابنه الواثق مالا، واحاله على وزيره ((الزيات))
الذي اقنع
الخليفة بان يمنعه عنه، وذلك حرصاعلى اموال
الدولة، حسب
تعليل الرواية التاريخية. فلما تولى الواثق
الخلافة،
استدعاه واقسم على قتله، فمثل الوزير بين يديه
خائفا، ولكنه
استطاع بدهائه اقناع الواثق بالعفوعنه، اذ قال
مدافعا عن نفسه:
((يا امير المؤمنين، انا عبد، ان عاقبته فانت حاكم
فيه،
وان كفرت عن يمينك واستبقيته كان اشبه بك. فقال
الواثق:
واللّه ما ابقيتك الا خوفا من خلوالدولة من مثلك
وساكفر عن
يميني))((205)).
ولم يزل الزيات وزيرا للواثق حتى
نهاية عهده، وكان احد اثنين، الى جانب القاضي احمد
بن ابي
دؤاد، فوض اليهما الخليفة الملك،حسب رواية
المسعودي((206)). بعد وفاة الواثق، لم يتعظ الزيات بما حدث له في مطلع
عهد
هذا الخليفة، واذا به يخطط مع عدد من رجالات العهد
لبيعة
محمد بن الواثق، وهو كما يروي الطبري: ((غلام امرد،
فالبسوه دراعة سودا وقلنسوة صافية، فاذا هو
قصير، فقال لهم
وصيف (من قادة الاتراك): اما تتقون اللّه! تولون مثل
هذا
الخلافة، وهو...، ولا يجوز معه الصلاة))((207)).
ولكن خطة
الوزيروالمتواطئين معه في اختيار شخصية ضعيفة،
بهدف
السيطرة الكلية على الحكم، لم تنجح،بعد تحول
الموقف
لمصلحة اخي الواثق (جعفر). وكان القاضي ابن ابي
دؤاد، اول
من سلم عليه بامرة المؤمنين((208)) فلحق به الزيات
واراد ان
يلقبه في ما يروي ابن خلكان آبالمنتصر، ولكن القاضي
استحسن تسميته ((المتوكل على اللّه))((209)). وفي هذا العهد، بدات الخلافة سلطة تواجه متاعب جدية
من جانب القادة الاتراك، من امثال وصيف وبغا
وايتاخ وغيرهم،
ممن اخذوا يتدخلون في القرار السياسي،
ويعملون على تثبيت
حضورهم، بوصفهم سلطة فعلية في ((الدولة)). ولم تلبث
الوزارة ان لحقت بالخلافة، ففقدت بريقها، بل
اصبحت خاضعة
للعسكريين ومسخرة لتنفيذ مطالبهم،ومنعكسة عليها
بصورة
مباشرة صراعاتهم، مع السلطة المدنية، او في ما
بينهم. اين موقع الزيات في هذا الصراع؟.. نستطيع الاجابة
فورا على
ذلك، بانه لم يكن الى جانب الخلافة، لان طبيعته
الانتهازية
كانت تقوده الى حيث القرار الفعلي. ولا ندري اذا
كانت وزارته
((الجديدة)) قد تمت بارادة المتوكل، او انها فرضت
عليه من
جانب القوة التركية الصاعدة، والتي كان الزيات من
حلفائها كما
راينا في رواية الطبري السالفة. قد نجد الجواب او
ما يقاربه لدى
ابن خلكان الذي يروي في صدد العلاقة بين الخليفة
والوزير،
فيقول: ((لما...تولى المتوكل كان في نفسه منه (الزيات)
شي ء
كثير... وكان المتوكل في ايام الواثق يدخل على
الوزير المذكور
فيتجهمه ويغلظ عليه الكلام.. فحقد المتوكل عليه))((210)). واذا كان هذا تصرف الزيات مع الخلفا، فكيف الامر
مع الاخرين
ممن صب عليهم غضبه وعقابه الشديدين، ارضا
لرؤسائه وذوي
السلطان من فوقه؟ لا شك في انه كان اداة مطواعة لدى
هؤلا،
ولولا ذلك لما بقي وزيرا لثلاثة من الخلفا،
ومتفاهما مع اولي
الامر من قوى النفوذ. ويسوغ احد الكتاب المعاصرين ميله الى البطش بوصفه
نتيجة
للظروف السياسية المعقدة،فيقول: ((كان مسوقا اليه
بعامل
الحفاظ على هيبة الدولة واقرار النظام في
ربوعهاالمختلفة))((211)). والواقع ان مثل هذا
التعليل، عدا
بعده عن الدقة، لا يعبر تماما عن صورة المرحلة،
خصوصا وان
سلطة الوزير، فضلا عن الخليفة، اصبحت عاجزة عن
الامتداد
فعلياالى مختلف الولايات. وخلافا لذلك، فان طريقة
الوزير
وموهبته ((الفذة)) في العنف، اضعفتاهيبة الخلافة،
لان هذه
((الطريقة)) كانت موجهة لتحصين مركزه واثبات وجوده،
على
نحوجعل الخلفا يشعرون بصعوبة الاستغنا عنه، كما
سلف
وراينا من اعتراف الواثق بذلك.اما المتوكل فلا يبدو
انه كان
ميالا الى هذا النهج، وربما كان على عكس ذلك تغلب
عليه المرونة، اذا توقفنا عند رواية في تاريخ
اليعقوبي جا فيها:
((ان المتوكل اطلق من كان في السجون من اهل البلدان
ومن
اخذ في خلافة الواثق، فخلاهم جميعا))((212)). ولكن الزيات على الرغم مما يقال فيه، فان الصدى في
سلوكه،
متفوق على الفعل، ولا نجدبالتالي من اخبار العنف في
سجله،
ما يوازي على سبيل المثال اخبار الحجاج
والي المروانيين على
العراق. ويكاد الصدى يطغى على الواقع، و((التنور))
الذي
اصطلى ب((ناره))الكثيرون، لا نملك لوائح باسمائهم
وليس
لدينا سوى اشارة لدى المسعودي، عن استخدام هذه
الاداة
المبتكرة منذ عهد المعتصم، واستمرارها في عهدي
الواثق
والمتوكل((213)).وفيما لم يذكر اليعقوبي
والطبري كلاهما
شيئا عنها في سياق الحديث المقتضب عن
الوزيرالشهير، فان
المسعودي((214)) ربما كان اول المشيرين الى
((التنور))، ثم
اقتبس عن الرواية مع تعديل طفيف، ابن خلكان. يقول
الاخير:
((كان ابن الزيات قد اتخذ تنورا من حديدواطراف
مساميره
المحددة الى داخل، وهي قائمة مثل رؤوس المسال، في
ايام
وزارته،وكان يعذب فيه المصادرين وارباب الدواوين
المطلوبين بالاموال، فكيفما انقلب واحدمنهم او
تحرك من
حرارة النار والعقوبة، تدخل المسامير في جسمه
فيجدون
لذلك اشدالالم. ولم يسبقه احد الى هذه المعاقبة.
وكان اذا قال
احد منهم: ايها الوزير ارحمني، فيقول له: الرحمة
خور في
الطبيعة...))((215)). وثمة آخرون من المصنفين
المتاخرين
ذكروا هذه الرواية، ومنهم البغدادي الذي يبدو انه
اقتبسها ايضا
عن المسعودي. ولكن ايا من هذه المرويات لا يحمل
تفاصيل
عن ضحايا ((التنور)) المرعب، سوى ((صاحبه)) الذي
ربمااوقعت به المنافسة القاتلة مع الرجل القوي
الاخر في تلك
المرحلة، وهو القاضي ابن ابي دؤاد. وكان هذا استغل
حقد
المتوكل القديم عليه كما سلفت الاشارة فاغراه
بقتله ومصادرة امواله وضياعه، وهي كثيرة، كما زعم
القاضي((216)).
فاعتقله المتوكل، ((وامربادخاله التنور وقيده
بخمسة عشر رطلا من الحديد، فقال له: يا امير
المؤمنين
ارحمني،فقال له: الرحمة خور في الطبيعة))((217))،
وهي
العبارة التي قيل ان الزيات كان يرد بها
على استغاثة ضحاياه. ويقول المسعودي: ان الزيات حين شعر باقتراب النهاية
المروعة، طلب من المتوكل ان ياذن له في دواة
وبطاقة ليكتب
فيها ما يريد.. فاذن له، فكتب:
هي السبيل فمن يوم الى يوم
كانه ما تريك العين في النوم
لا تجزعن رويدا انها دول
دنيا تنقل من قوم الى قوم((218))
ولعل التنور المتعارف عليه، وكما في معناه اللغوي،
بانه
((المكان الذي يخبز فيه))((219)) لايتطابق بالضرورة مع اداة
التعذيب التي ابتكرها الوزير الزيات. فمن المرجح
انه سجن
ضيق(زنزانة) على نسق التنور، وقد زرعت في جوانبه
مسال
حديدية، تجعل المقيم بينها يعاني الوان العذاب.
وهذا ما تدعمه
رواية المسعودي القائلة: ((كان حبسه (الزيات) في ذلك
التنورالى ان مات اربعين يوما))((220)). والنار، ان وجدت،
ربما كانت تحيط به لتضغط حرارتهاعلى ((السجين)) في
داخله، كما يمكن الاستنتاج من الرواية التاريخية. ومن المعتقد ان الزيات الذي برز بوصفه اقوى رجالات
عصره،
واثبت وجوده وزيرا لامعالثلاثة من الخلفا، كان
كذلك اداريا
بارعا وشاعرا محلقا.. هذه الشخصية الفذة للزيات
قداثارت
منافسة قوية من كبار معاصريه الذين تطلعوا الى
اتخاذ مكانه،
او الذين راوا في وجوده عائقا امام نفوذهم
ورغباتهم، سوا كان
الخليفة ام القادة العسكريون من الاتراك.على ان
عبرة الوزير
الزيات ان صح مقتله على ذلك النحو ستسقط على
المتوكل الذي وجد نفسه في مهب المؤامرات بعد غياب
وزيره
القوي، تلك التي اودت بحياته بعدسنوات قليلة. وكان
المتهم
بذلك احد قادة الاتراك (بغا)((221)) بما يعنيه ذلك من
بدءالمصادرة الفعلية للسلطة. العنف ظاهرة سائدة
الخلافة، لمصلحة قوى الامر الواقع. ومع هذه
المرحلة، تختلط
اوراق ((العنف)) والجهات التي تمارسه، صاحب الشرطة
كان،
ام صاحب العذاب، ام صاحب التنور.. فالجميع
يمارسه ضد
الجميع، وقادة العسكر، الى ذلك، تربصوا بالخلفا
فعاقبوهم
بالتهميش والعزل والسجن وسمل العيون، وصولا الى
القتل. والخلفا، ان استطاعوا، بطشوا بدورهم وسعواالى
الانتقام، فيما
الوزرا تنقلوا ما بين دار الحكم وبين السجن. كذلك
الحركات
الشعبية، اوبعضها، لم تقصر في هذا المضمار، فكان
لها باعها
الطويل في الترهيب والاغتيال.. هذا اذاصح ما قولته
عنها
الروايات التاريخية، التي هي في الاجمال معادية
لها. فلا نكاد
نجد فيهااشارة الى فضيلة لدى هذه الحركات، من
((الزنادقة))، الى العيارين، الى الزنج، الى
القرامطة،الى
الباطنية، وغيرها مما هو قيد الاتهام من اول كلمة
في الرواية
التاريخية. من هنا يجب الاخذ بالحذر اخبار العنف في المرويات،
التي
تاثرت من دون شك بالطبيعة الصراعية لهذا التاريخ،
وهو مجتزا
على الاقل، فيما تاريخ آخر اكثر شمولية، لم يدون
ولم تصلنا
اخباره، لا سيما المتعلقة بالاجتماع والاقتصاد
واوضاع الفئات
الشعبية، فضلا عن الاسباب الموضوعية للحركات
الثورية
والاغتيالات وغير ذلك مما هو غائب او مطموس في ثنايا المرويات. ولكن العنف في
النهاية لا يستطيع قارىء
جيد
للتاريخ ان ينفيه، ليس في الحقبات الاسلامية
فحسب، بل في
كافة الاعصر والعهود، بما فيها الحاضر غير
المنضوي بعد في
التاريخ. وقد يتبدى ركامه للاجيال القادمة اكثر
فظاعة مما
كان في العصور الغابرة.فما تزال انظمة، وما اكثرها،
تتوسل
العنف طريقا الى السلطة التي هي في الشرق
عموماتقترن به،
مع الفارق بين نهج يتغلف بالمرونة، وآخر لا يرى من
ضرورة
لذلك، بعدما الف قهر شعبه وصادر حريته والغى
معارضيه. وقد
لا نكون مبالغين اذا قلنا ان السلطة في
هذه الانظمة هي بحد
ذاتها حالة من العنف الذي تاسست عليه ودانت له
بالاستمرار،
وبالتالي عودت شعبها على تقبله والادمان على
ضروبه. ولكن
هذا الشعب، اكتسب الى ذلك نهج النظام وتعرف الى
اسراره،
فاذا به يقارعه بالطريقة عينها، وبعضها كان اكثر
تفوقا وبراعة
في استخدام العنف، خصوصا اذا كان ((الثائرون))
متفقهين
فيه، ودارسين لعلومه، ومنظرين لاحكامه القاتلة. ((عيد الغدير)) لبولس سلامة ملحمة
الواقع والرؤيا في التاريخ
العقدي
الدكتور حسام الضيقة
((عيد الغدير))((222)) لبولس سلامة
منظومة ملحمية دينية
تدور حول ((الاحداث الداخلية))((223)) التي واكبت
انطلاقة
الدعوة الاسلامية. فهي تقدم لنا صورة فنية
واعية لاعمال
البطولة والتضحيات التي سجلها رجال الدعوة ضد قوى
الجاهلية والظلم. وقدجعل الشاعر بطلها الرئيس
الامام علي بن
ابي طالب(ع) مع العودة الى الاصول المضيئة والفروع
المهدية
والى جميع الشخصيات التاريخية المهمة التي تقاطعت
مع
الخط الرسالي لال البيت(ع)، ودا وعدا من الجاهلية
الى ختام
ماساة كربلا. فليس الغدير سوى قصيدة في الكتاب،
فسمي
الكل باسم الجزء. كما تعرض الملحمة صورا متنوعة، وحية، من طبيعة
الحياة
العربية الرعوية والحضرية،وتبرز اعجاب الشاعر
وافتتانه
بشخصية الامام علي(ع) وانحيازه الى جانب الخط
العلوي وما
يمثله، فاستحق لذلك ان يكون من شعرا الغدير. تعالج هذه الدراسة القضايا التي تطرحها الملحمة او
تتعلق بها،
وقد قسمتها الى ثلاثة اقسام وخاتمة، يتناول القسم
الاول بايجاز
حياة الشاعر والمؤثرات التي طبعت ادبه،
ويبحث القسم الثاني
في تعريف الفن الملحمي ومعرفة العرب به، ويمثل
القسم
الثالث القضاياالمضمونية والفنية لهذا العمل
الابداعي الفريد. اما الخاتمة فتقدم خلاصة فكرية ونقدية تجمل ما
بسطه هذا
البحث. القسم الاول
بولس سلامة: حياته وثقافته
درج الباحثون على وصف الملحمة بانها نوع من الشعر
اللاشخصي (دچذرژزحرذپ ) الذي يتوارى فيه الشاعر
خلف
القصيدة. لكن هذا التقليد الذي بدا مع هوميروس
(حزحذرب
)، لم يتقيد به شعرا الملاحم ابتدا من دانتي
(حژذچا ،
12651321م). ولا ينكر بولس سلامة،من ناحيته، خروجه عليه
هو ايضا، ان بالحديث المباشر عن نفسه وان بالشعور
الذي
يخلعه على ابطاله((224)). وقد وضع لذلك عددا من السير
الذاتية ك ((مذكرات جريح)) 1950، و((حكاية عمر)) 1961،
و ((عيد الستين)) 1964. ولم تخل ملحمتاه: ((عيد الغدير))
و ((عيدالرياض)) في متنيهما، من عناصر ذاتية واضحة
واشارات وجدانية تتحدث عن المه وتساميه وشاعريته. وقد دفعني ذلك الى الوقوف على الملامح البارزة من
حياته،
للكشف عن ((الهموم والنكبات))((225)) التي طبعت شاعرية
((ايوب القرن العشرين))((226)) كما يصف نفسه،وجعلته
يتغني بكل الم ويانس لكل معاناة ويتاسى بها. ا حياته وثقافته
ولد سلامة في ((بتدين اللقش))((227)) لاب ريفي ((ملتف
الاجلاد))((228))، كان ولوعابالسلاح، شغوفا
بالسير
الشعيبية((229))، فاغتذى خيال الصبي باجوا
الحماسة هذه،
ولم ينقطع عنها حتى بعد التحاقة بمدارس القرية
وجوارها
لتلقي مبادي العربية، ثم التحاقة بمعاهد
الارساليات في صيدا
وبيروت وجونية ليتخرج عام 1950 في مدرسة
الحقوق الفرنسية بشهادة الاجازة (الليسانس)((230)). وقد كانت المطالعة المنهل الاخر لثقافتة، فتميز
بثقافته
متنوعة تتعدي السير الشعبية الى الدين الادب
والتاريخ
فالفلسفة. فانعكس كل ذلك بقوة على نتاجه. تنبا الشاعر بشيخوخة مبكرة عندما قال: ((ها هي
الشيخوخة
القسرية تدركني ولم اتم الثامنة عشرة بعد))((231))،
وقد
بدات مع انتخابه شيخ صلح عام 1919، وهو مركز يقتضي
اقامة علاقات اجتماعية مع من هم اكبر منه سنا،
فضلا عن
التحلي بصفات خلقية جادة ومتماسكة. الا ان شيخوخة
اخرى
سرت في بدنة منذ عام 1936، ورافقته حتى وفاته،فاوهنت
قواه
وشلت حركته وجعلته فريسة الامراض والاوجاع حتى لم
يبق
((في جسم الجريح الا وشل من حياة وبحر من الم))((232))،
ولم تفلح المباضع التي اسلمها جسده سوى بمد عمره
دونما
امل في شفا. ب شاعريته
غير ان غريزة حب البقا كانت اقوى من جميع الادوا
التي
كانت تنخر جسده، فبفضلهاتحول الالم الى لغة
والمعاناة الى
الشعر، وفيما كان الجسد يذبل كانت عبقريته تتفتح،
وكان ينتهز فترات سكون الالم ليوقظ شاعريته
وافكاره فيكتب،
وكانه كان في سباق مع الموت.فنظم المطولات الشعرية
ونثر
في الادب والفلسفة والسيرة الذاتية اعمالا مهمة
تعكس
عمق فكره وتجربته((233)). انطلق سلامة ليفك اسره اذن في خطين متوازيين: الشعر
والنثر. الا ان طبعه كان اكثراستئناسا بالشعر،
ويعلل ذلك
بقوله: ((لانني ولدت شاعرا وشاعرا اموت))((234))،
فابحر
فيه يحدوه طموح الى امرين:
1 التعبير عما اختزنه في الذاكرة من قصص البطولة. 2 التاسيس لفن جديد لم يعرفه العرب كما زعم، وهو
الفن
الملحمي. وقد ساعدته على تحقيق طموحه شاعرية فذة، واتقان لفن
النظم، وثقافة واسعة وخيال خصب. فبدا رحلة الشعر،
كما قلت،
مطولات في ابطال التاريخ الاسلامي
والقومي والوطني: ((علي
والحسين)) 1946، و ((الامير بشير)) 1947، ((فلسطين
واخواتها)) 1947،قبل ان ترسو شاعريته على الملحمة،
فوضع
ملحمتيه الشهيرتين: ((عيد الغدير)) 1948، و((عيد
الرياض)) 1955. وكان دائم التباهي بهما، بل احب ان يعرف
بشاعر الملحمة، ((ذلك،كما قال، لان الملحمة في
دمي))((235)).
القسم الثاني
الفن الملحمي والملحمة في الادب العربي
1 تعريف الملحمة ونشاتها
الملحمة فن ادبي، قوامه القصة الشعرية الطويلة
التي تصور
احداثنا من التاريخ باسلوب السرد، تجلى فيها
البطولة الخارقة
باشكال شتى. يحوكها الخيال الشعبي فيضفي عليها
من الخواطر ما يزيد في اغرابها، وفي تضاعيفها تساق
الاساطير. ورد تعريفها في احدى دوائرالمعارف على النحو
التالي: ((هي
قصة طويلة من النظم، او من النثر، حيث يمتزج
الخارق بالواقع، اما هدفها فهو تمجيد الاعمال
البطولية التي
انعكس اثرها على قدر تجمع غلب عليه ماض
اسطوري((236)).
وقد ازدهرت الملحمة في طفولة الشعوب، مجالا رحبا
اتسع
لكل ما نسجته اخيلة الشعوب حول ابطالها القوميين،
ومااسبغته عليهم من مثر بطولية عرفانا بتضحياتهم
من اجل
قضية تتصل بوجودها الانساني والقومي ودفاعا عن
ماثوراتها
ومقدساتها العريقة. يقول لامارتين(lamartin ، 1790 1869)
فيها، في مقدمة جوسلين ( Joeslin ): ((آنهاالشعر في طفولة
الشعوب حيث اختلط التاريخ بالاساطير والخيال
بالحقيقة،
وحيث كان الشعرا بمثابة المؤرخين للامم))((237)). لذلك جات الملاحم على شكل شعر بدائي حافل
بالحكايات
البسيطة الجميلة التي تستثير في البسطا مختلف
العواطف،
وقد نظمت لتنشد في المجموع. فتلقائية التاثير
اولى صفاتها،
انها لذلك لون خاص من الوان السير الشعيبية التي
((تربط
الحاضر بالماضي،وتساعد على يقظة الوعي في
المجامعات،
وعلى تقوية احساسها بالديمومية زمنياومكانيا، على
انه يفرض
فيها تقادم الزمن على مضمون الحكاية ليتيسر
تحليتها
بالاعجازوالاغراب، فيزخرفها القدم ويضفي عليها
جوا من
السحر العجيب))((238)). لكن الزمان لم يبق الملحمة على صورتها البدائية
الاولى،
بوصفها قصيدة شعرية طويلة عامرة بالبطولات
الخارقة
والاحداث التي تلتف حول ابطالها القوميين لتعجل
منهم
نماذج البستها اخيلة الشعوب اخلاقها وتطلعاتها
وعواطفها،
ولذلك عدها الباحثون نتاجا لعملية تطورية بطيئة
من
محفوظات الشعوب الناشئة، فقد راقت هذه الاعمال
العظيمة
بعض القرائح، فاستلهمتها لصنع ملاحم مشابهة شكلا
وتنسيقا
ومضمونا، الا انها تختلف عنها في انها صنع مجتمع
متطور وانها
من انتاج شخص معين((239)). فهي ملاحم صنعية
كآ((الانياذة)) اللاتينية ل فرجيليوس (Virgile ، 70 19 ق.م)،
و ((الكوميديا الالهية)) لدانتي، و((الفردوس
المفقود)) لملتن
(Milton ، 1608 1674)، و ((الشاهنامه)) للفردوسي (940
آ1020) وغيرها. كما لم يقتصر الفن الملحمي على الشعر، اذ نجد ميلا
الى
اطلاقه على بعض الاعمال الروائية الكبرى كقصة
((الحرب
والسلام)) لتولستوري (Tolstori ، 1828 1910 م)،
وعلى السير الشعبية، بل على كل عمل ابداعي كبير
يتمتع
بالروعة والجلال والعظمة. 2 الملحمة في الادب العربي
ا في اللغة
الملحمة، الحرب ذات القتل الشديد والوقعة العظيمة
في
الفتنة، وهى من اللحم والالتحام لكثرة لحوم
القتلى فيها
واشتباك الناس واختلاطهم((240))، وما ينتج عن ذلك من
تغيرالاحوال وسيادة الفوضى. وقد روي عن النبي (ص)
قوله:
((عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج
الملحمة، وخروج الملحمة فتح قسطنطنية، وفتح
قسطنطنية خروج الدجال))((241)). وقد استعملت هنا في
معنى الفتنة التي تفضي الى احداث جسام وانقلاب في
شؤون
الحياة. كما وردت، عند ابي حيان التوحيدي، في معنى المناظرة
الفنية والمجادلة والمناقضة،حيث يقص الكاتب لاحد
الوزرا
حديث المناقشة التي جرت بينه وبين ابي عبيد
الكاتب في
تفضيل الحساب على الانشا، فيقول الوزير فيها: ((هذه
ملحمة
منكرة))((242))،
اي مناقشة مستهجنة غير معقولة او مقبولة. ب في الادب
اما الملحمة، بالمعنى الفني الذي انتهى اليه
العلما في خلاصة
ابحاثهم حول ملاحم الامم،فقد عرفها العرب وتحدثوا
عنها. وفي التراث ما يدل على ذلك:
اقدم نص ترد فيه لفظة الملاحم هو للجاحظ في كتاب
((البيان
والتبيين)) حيث يقول: ((واماابويس الحاسب فان عقله
ذهب
بسبب تفكره في مسالة. فلما جن كان يهذي انه
سيصيرملكا،
وقد الهم ما يحدث في الدنيا من الملاحم. وكان
ابونواس
والرقاشي يقولان على لسانه اشعارا على المذاهب
اشعار ابن
عقب الليثي، ويرويانها ابايس. اذا حفظها لم يشك
انه الذي
قالها))((243)).
والمعنى المستفاد من هذا النص ان الملحمة
الهام ما يحدث في الدنيامستقبلا من الفتن والوقائع
الخطيرة
التي تطال ارزاق الناس ووجودهم. وهذا الالهام
كان ابويس
يصوغه شعرا على مذهب ابن عقب الذي تطال ارزاق الناس
ووجودهم. وهذاالامام كان ابويس يصوغه شعرا على مذهب
ابن
عقب الذي كان معلم الحسن والحسين كمايقول صاحب كشف
الظنون، وملحمته منظومة لامية اولها:
رايت من الامور عجيب حال
لاسباب يسطرها مقالي((244))
فابن عقب هذا اذن هو اول من نظم شعر الملاحم، يتهكن
فيه
ما يحدث في المستقبل الزمان من الامور العظيمة.
وهو الذي
ذكره الاصفهاني بقوله: ((صاحب قصيدة الملاحم))((245)). اما ابن خلدون فيعقد فصلا كاملا في ذلك، عنوانه:
((فصل
ابتدا الدول والامم، وفي الكلام على الملاحم
والكشف عن
مسمى الجفر))((246)). وقد ورد هذا المصطلح عنه
تسع
عشرة مرة، مما يدل على انه كان معروفا ومتداولا
بين اهل
العلم. وبمقدورنا ان نتبين خلال هذاالفصل المعنى
العام
للملحمة كما فهمه العرب. يبني ابن خلدون فصله على مبدا نفسي، قوامه تشوق
النفوس
البشرية الى علم عواقب الامور الخاصة والعامة
بوسائل مختلفة
مما وقع طبعا من الناس الى انتحال المعاش من ذلك،
فاشتهر
امرهم في التنجيم والكهانة. ومع ان ذلك من العلوم
المذمومة
في الشريعة لانه ضرب من علم الغيب الذي لا يعلمه
الا اللّه
تعالى، غير انه برز في الاسلام علماخاضوا فيه قولا
وكتابة. وقد
اعتمدوا ظواهر ماثورة وتاويلات مختلفة تواترت
اخبارها،
ومانقل الى اللسان العربي من كتب الحكما في الملك
والدول
وسائر الامور العامة. وصاربعض ذلك الى اهل الاثر
وعلما الدين. واشهر المؤلفات في ذلك هو الجفر الذي يقول فيه ابن
خلدون:
((واعلم ان كتاب ابجفر كان اصله ابن هارون بن سعيد
العجلي،
وهو راس الزيدية. كان له يرويه عن جعفر الصادق،
وفيه علم ما
سيقع لاهل البيت على العموم، ولبعض الاشخاص منهم
على
الخصوص. وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على
طريق
الكرامة والكشف الذى يقع لمثلهم من الاوليا.وكان
مكتوبا عند
جعفر في جلد ثور صغير.. وكان فيه تفسير القرآن وما في
باطنه
من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق))((247)). ويستمد الجفر اهميته من كونه لامام شيعي عالم
بمضامين
الشريعة. والكتاب المنسوب للامام جعفر الصادق (ع)
حافل
بالرموز والاشارات التي تعصى في بعض المواضع
على الفهم. وقد وضع، كما يبدو، للخاصة من الناس، ويستند الى
احكام
النجوم باسلوب الايجازوالاشارات المجملة. ولم يكن الكتاب الوحيد الذي وضع، فقد وضع الكندي
لبني
العباس جفرا، وذكر ابن خلدون للموحدين في المغرب
آخر((248))
((ثم كتب الناس من بعد ذلك في حدثان
الدول منظوما ومنثورا ورجزا ما شا اللّه ان
يكتبوه، وبايدي
الناس متفرقة كثير منها وتسمى الملاحم))((249)). ويتبع ابن خلدون قوله هذا بامثله من الملاحم، ما
كان منها
متداولا او محفوظا من الناس:
((كان في جبل البربر كهان من اشهرهم موسى بن صالح...
له
كلمات حدثانية على طريقة الشعر.. وهي متداولة بين
اهل
الجبل))((250)).
((فمن هذا الملاحم بالمغرب قصيدة ابن مرانة من بحر
الطويل على روي الرا، وهي متداولة بين الناس))((251)). ((ومن الملاحم بيد اهل المغرب ايضا قصيدة تسمى
التبعية.. قريبا من خمسمئة بيت اوالف))((252)). ((ومن الملاحم بالمغرب ايضا ملعبة من الشعر الزجلي
منسوبة لبعض اليهود، وابياته نحوالخمسمئة))((253)). ((ومن ملاحم المغرب ايضا قصيدة من عروض المتقارب،
وعلى روي اليا، منسوبة لابن الابار))((254)). ((ومن الملاحم في المغرب ايضا الملعبة المنسوبة الى
الهوئني على لغة العامة في عروض البلد، وهي طويلة
ومحفوظة بين عامة المغرب الاقصى))((255)). ((ووقفت بالمشرق على ملحمة منسوبة لابن العربي
الخاتمي
في كلام طويل شبه الالغاز))((256)). ((وسمعت ايضا ان هناك ملاحم اخرى منسوبة لابن سينا
وابن عقاب))((257)). نستخلص من ذلك كله ما يلي:
1 ان هذه الملاحم كانت عبارة عن قصائد طويلة
ومتداولة
بين اهل عصرها ومحفوظة بين العامة. 2 انها تلتزم بحرا واحدا وقافية واحدة في الغالب. 3 انها بنيت على لغة العامة وعروض البلد، منسوبة في
غالبيتها الى مؤلف واحد، لكن ابن خلدون يشكك
احيانا كثيرة
في امر هذه النسبة. 4 وان الممالك تقاسمت هذا الفن. فلكل دولة ملحمة
خاصة،
لاهل المغرب والمشرق،والعباسيين والموحدين
والترك. 5 وكثيرا ما يقرن ابن خلدون الملحمة بالحرب حينا
وبالحدثان حينا آخر. اما المفهوم بالحدثان فهو ما
يكون من
الفتن والحروب وسفك الدما وظهور الخوارج وحركة
العساكروعصيان الجند والوبا والقحط، وغير ذلك مما
يصحب
انقلاب الدول والازمان على اصحابها. ان الاطلاق العصري لكلمة ملاحم على معنى القصائد
المطولة
التي تتناول التاريخ الاسطوري للامم والدول لا
يختلف عن
الاطاق العربي القديم الا في امر واحد، وهو
ان الملاحم العربية،
خصوصا تلك التي يصفها ابن خلدون، كانت تروي ما عسى
ان
يكون من احداث الامم والدول في المستقبل المجهول.
واما
الملاحم في آداب الامم الاخرى فتناول قصص تاريخها
الماضي
وما يشيع فيه من اساطير((258)). ورب راد يسال: واين هي الملاحم اليوم؟ لا شك في انها
كانت
موجودة باعتراف هؤلاالعلما، متداولة ومحفوظة
بين اجيال
عصورها، وبعضها لايزال مخطوطا يحتاج الى اخراجه
من اماكن
وجوده وطباعته، ولكن اكثرها ضاع بفعل عوامل
مختلفة، ليس
اقلهاخطرا انكار العلما لها لمخالفتها احكام
الشريعة. واذا اضفنا الى ما ذكره ابن خلدون، ما وصلنا من
اشعار
الجاهلية والفتوحات الاسلامية واشعار البطولة
والحماسة
والفخر لعنترة بن شداد وعمرو بن كلثوم والحارث بن
حلزة والنابغة والاخطل والمتنبي وغيرهم، وبعض
السير
الشعبية كسيرة عنترة وحزة العرب،لانتهينا الى
القول: ان
الملحمة بالتحديد الفني المعروف، لم تكن غريبة عن
الادب
العربي فهي لاتزال لصيقة بوجدان العربي ما عاش
التراث الادبي
الخالد. وما علينا سوى العودة الى هذا التراث
العظيم وتاليفه،
وسوف نخرج منه، كما ارى، بملحمتين عربيتين خاصيتين
هما:الملحمة البدوية والملحمة الاسلامية. اليس
((الشعر
ديوان العرب ومستودع حكمتهم والضابط لايامهم وقيد
كلامهم والحاكم لهم والشاهد عليهم)) كما يقول ابو
هلال العسكري((259)). ولن نكون بعد ذلك دون الامم
العسكري في هذا المجال. ولكن هناك من يشكك في ذلك كله. وعلى راس المشككين
سليمان البستاني (1856 آ1925) مترجم الالياذة الى
العربية
الذي يقول: ((لم يتصل بنا ان العرب وضعوا
اسمالمنظومات
الشعر القصصي من نظائر الالياذة، الا ان يكون ذلك
ما
استحدثه اهل المغرب وسماه بعضهم بالملاحم، وهو
عندهم
كالملاعب بالشعر العامي ما تضمن من المنظوم احوال
امة او
قوم وفصلت فيه وقائع الحروب والتاريخ((260)). وينكر بولس سلامة هو ايضا وجود هذا الفن في الادب
العربي،
ويستعسن بقواعد الفرنجة في هذا المضمار، عندما
شرع في
تاليف ملحمتيه. ان من يدعي ان العرب لم يعرفوا الملحمة، فهو اما انه
لم يقرا
التراث العربي واخذ بالشائع منه، واما انه تعلق
باسباب ثقافة
غريبة ارجع اليها كل علم وادب وابداع. وهذا
الجهل والتعصب
هما، على اية حال، آفتا الفكر العلمي. ج يتبني بولس سلامة القواعد التي وضعها الغرب
للفن
الملحمي. ويحدد، في مقدمة ((عيدالرياض))، وفي اطار
رده
على المواقف النقدية حول ((عيد الغدير))، مفهومة
لهذا
الفن والمنهج الذي يتبعه. اما مفهومة لهذا الفن فهو مفهوم الفرنجة، فهم كما
يقول:
((اساتذتنا في هذا الضرب من الشعر)). وتاسيسا على
هذا
المفهوم، يرى ان الادب العربي يخلو من
الملاحم))((261)).وشاعرنا يرى في هوميروس
القدوة لكل من
جا بعده((262)).
واما منهجه فيقوم على القواعد التالية((263)):
1- التاكيد على ان الملحمة لا تجافي التاريخ
الحقيقي، وان
غلب الابداع على الملاحم الكلاسية، ولا ضير في ان
تتلبس
الحقيقة بصدق وامانة. 2 الارتفاع بالعمل الفني عن الوقائع اليومية الى
عالم الفن، من
دون ان يغرقه ذلك في دنياالاوهام والاساطير، ما
يؤمن الاتزان
بين طبع الحياة وطبع الفن. 3 عدم تخلي الشاعر عن شخصيته، واكثر ما تبرز هذه
الشخصية في الشعور الذي يخلعه الشاعر على ابطاله:
((ان
الشاعر الذي يعدم الاحساس نقطة انطلاق ليس
بشاعر))((264)).
4 الابتعاد عن السرد الجاف الذي يقتل الشعر. 5 الاخذ بجميع الاتجاهات المذهبية في الفن، وان
كانت
الكلاسية ابرز ما يلائم الملحمة. 6 اتباع المنهج القديم في وحدة الوزن لتاكيد النفس
الشعري
الطويل، وعدم التخلي السريع عن الروي حتى وان بلغ
مئات
الابيات. فسلامة، اذن، لا يخالف رواد الملاحم في التاريخ سوى
في
امرين: صدق التاريخ والنزعة الذاتية اللذين
وجدهما ملائمين
لفنه. د عيد الغدير
1 تاليف الملحمة:
نظم سلامة هذه الملحمة سنة 1948، وهي تقع في سبع
واربعين قصيدة او نشيدا، وقد بلغ مجموع ابياتها
ثلاثة آلاف
واربعمئة وخمسة عشر بيتا. شرع العمل بها آخذا
بتوجيهين:الاول للعلامة الشيخ ((عبداللّه العلايلي
الذي تمنى
عليه نظم ((ايام العرب)) في ملحمة لافتقار الادب
العربي الى
الملاحم، والثاني للسيد ((عبدالحسين شرف الدين))
الذي
اقترح عليه نظم ((الغدير)). فمالت قريحة الى الموضوع
الثاني
لاهميته ورحابته. وانتهى من نظمهافي مدة يسيرة
لاتتعدى
بضعة اشهر كما قال((265)). 2 مضمون الملحمة:يعرف الشاعر منظومته بقوله:
انهااول
ملحمة عربية تتناول اهم نواحي التاريخ
الاسلامي وبخاصة
الهاشميين العلويين وما يتعلق بهم من الجاهلية الى
آخر دولة
بني امية))((266)).ويضم هذا العنوان الجزئى
للملحمة
الحلقات التاريخية التالية:
1 الجاهلية وارومة بني هاشم: الاناشيد، من 2 الى 5. 2 البعثة الشريفة: الاناشيد، من 6 الى 8. 3 موقع علي (ع) في البعثة ومثرة البطولية: الاناشيد،
من 9
الى 21. 4 عيد الغدير بشارة للمسلمين عموما ولل البيت على
الخصوص: النشيدان: 22 و 23. 5 علي (ع) والخلافة الراشدة، من 24 الى 32. 6 الحسين بن علي (ع) والهجرة الى الشهادة / واقعة
الكربلا:
الاناشيد، من 33 الى 45. وتشتمل الملحمة، من ناحية ثانية، على قصيدتين
وجدانيتين
تشكلان المطلع والخاتمة:
الاولى بعنوان: ((صلاة))((267)) يدعو فيها الشاعر اللّه مده
بالقوة والعزيمة والالهام الشعري من اجل علي (ع)
((زين
العصور)) و ((رب الكلام)) و ((ليث الحجاز)). ويضمنها
الشكوى من الالم والمرض والعذاب، راجيا ان يكون
ذلك
تطهيرا لنفسه من الضلالة. والثانية هي ((الخاتمة))((268)) على الروي نفسه، يكمل فيها
الشكوى من الدا المريرفيتاسى بما حاق بعلي (ع) ((فخر
التاريخ)) وبل بيته (ع) من الظلم. فيجمع، وهو
النصراني،بين
سفك نيرون دما النصارى، وسفك عبيداللّه بن زياد
دما
المسلمين. ويتابع مدح على وبنيه (عليهم السلام)
وهجا بني
امية ويفتخر بحبه لعلي (ع) وبشاعريته ومزاياها.
وينسب هذه
الشاعرية الى عبير الامام. وهاتان القصيدتان يوحدهما الموضوع والروي في قصيدة
واحدة، لكن الشاعر شا ان يختم القصيدة بما بداها
للدلالة على
الروح الواحدة التي نسجتها. وتتلاحق حلقات الملحمة اذن في تسلسل متماسك، هو، في
الواقع، تسلسل الاحداث التاريخية نفسها. واجد ان
لا حاجة الى
الاسهاب في تكرارها، ولكن ساكتفي بالمفاصل الكبرى
التي
وقف عندها الشاعر يسرد تفاصيلها باسلوب شاعري اخاذ.
1 الجاهلية وارومة بني هاشم
هي الجاهلية عصر الظلمات التي امتدت ازمنة طوالا.
كان
شعبها يحيا غرائز البهائم وشريعة الصحرا. سلبتهم
الضلالة كل
قيمة، فهم يتمرغون في الفواحش، يشربون الخمر
ويتدافعون حول الخيام الحمر، ويطلبون الربح
النتن، يئدون
البنات ويعبدون اللات ومناة. فاي عصرهذا:
اقفر الخلق والصعيد، فقحط
في السجايا وثورة في البلاعم((269))
لكن قبسا لمع في افق هذا الغهيب، فاذا هو ((فهر بن
مالك بن
نزار)) الذي لقب ب ((قريش)) و((طوق الجزيرة)). فهو اصل
القبيلة التي حباها اللّه بالنبوة. و((هاشم)) فرع
كريم من
فروعها ولدتواما مع اخيه ((عبد شمس بن عبد مناف)). كان
الاول ((يرفد الحجيج)) و ((كفة تسكب الندى))وقد ((حمل
المجد صيته))، وهو الذي ارسى رحلة الشتا والصيف،
اما الاخر
فكان يناصبه العدا حسدا وضغينة، اما ذكره ف ((وصمة
الدهور
سيبقى))، الى ن نفى نفسه الى الشام ذليلا.و ((عبد
المطلب))
سر ابيه جودا، لقب ب ((شبية الحمد))، وقد بلاه اللّه
بضد هو
((حرب بن عبدشمس)) مبطل المروءات. وكفى عبدالمطلب
فخرا ان قريشا كانت تستسقي به في السنين المجدبات،
فيضرع
الى السما بحفيده اليتيم ((محمد)) (ص) الذي ولد عام
الفيل:
انني ضارع اليك بهذا الطفل
يا رب فلا تخيب دعائي((270))
لينهمر المطر من كل صوب. 2 البعثة الشريفة
ولد الهدى فالكائنات ضيا، وها محمد ((طلعة الصبح)): مبسم من للئ الفجر انقى
وجبين كالنجمة الغرا((271))
ولد النور يتيما ليشع في احلام الناس والامم، فتهتز
لمولده
الاصنام، وترتج عروش الفرس والروم، والصبي فقير
الكف لكنه
كان يحمل بين جنبيه قدر البشرية الساطع ((ذاك
عرس الدنيا)). وقد استظل بجناح جده الذي كان يحنو
عليه
حنو الكريم ويصبحه في التجارة،فيتنبا له اهل
الاديرة بعز
وطيد، ويحذرون من غدر اليهود به. وشب محمد (ص) على الصدق، فعمل في تجارة لسيدة قرشية
هي ((خديجة)) التي شهدت امانته فاصطفته لنفسها زوجا
كريما. مال الى ((غار حرا))، طلب السكينة والتفكر
والدعا،فمده اللّه بالوحى: ((اقرا))، فاصاب الرعب
محمدا
(ص):قال جبريل: يا محمد كبر
باسم رب مل الوجود قدير
صفحة الكون بدلت في ثوان
بين مرآتها ضمير الدهور
فاذا احمد العظيم نبي
والمجيد القرآن حلم العصور((272))
3 موقع علي (ع) في البعثة، مثره وبطولاته
واهدى اللّه الاسلام وليدا جديدا هو ((علي بن ابي
طالب)) (ع)
الذي ولد في ((البيت العتيق))ودعته امه ((حيدرة))،
ودعاه
ابوه عليا، وهو الاسم الخالد:
يهرم الدهر، وهو كالصبح باق،
كل يوم ياتي بصبح جديد((273))
احتضن محمد (ص) عليا (ع)، ورعته خديجة. حتى اذا نادى
النبي (ص) وتلاه علي (ع)يسعى وحيدا فريسة الصحرا
اللاهبة
واخطارها، الى ان وصل يثرب سليما، ليعمل، من ثم،في
زراعة
النخل بداية. تلكم الكف الكريمة التي ستعانق ذا
الفقار حينا
وتسطر الوحي والحكمة حينا آخر. وهذي يثرب مقصد المؤمنين المهاجرين الذين يؤاخيهم
النبي
اهلها، ليصبح علي (ع) اخاصاحب الدعوة والعيون تهمس
غيرة. وتهتز المدينة لحلم ((عاتكة)) عمة الرسول (ص). وكان
الحلم
نذيرا ببدر. ((فابو سفيان)) سيدالمشركين اعترض ركبه
قادما
بتجارة من الشام، فانفر الى مكة يدعو اهلها لنجدته،
فتهادت قواها الى لقا المسلمين تختال في البيدا
مصحوبة
بالوان فجورها. والمسلمون يلتفون حول نبيهم (ص)
يتقدمهم
علي (ع) الى بدر، وينزلون قرب البئر حيث تكرمهم
السما
بمطرغزير. وفي بدر يدعو النبي ربه: ((اكفني قريشا))، ويامر
رجاله
بالدفاع، ويصطف الفريقان، ويبدآن البراز فالقتال. ويلمع نجم علي في ساح الوغى
وتدور على المشركين الدوائر، فولواهاربين: ان وقعة بدر، حقا، فاتحة عصر جديد: بدر،
يا فجر امة اغرقتها ظلمة الجاهلية العميا((274))
وكانت مكافاة النصر زواج علي (ع) من ((فاطمة)) كريمة
الرسول (ص)، زهرته وامه وعلي على حيا من الفقر.
فوضعت له
((الحسن)) ثم ((الحسين)) (ع). لكن قريشا، اثنا ذلك، كانت تحشد قواها في مكة. وما
لبث ان
عادت الى الميدان بجيش لجب يقوده ابوسفيان بحقده
وماله
وفجوره، وهند زوجه على راس القيان والبغايا
يدفعهاالحقد
الاموي. والتقى الجمعان قرب ((احد))، وانجلى غبار المعركة عن
فتنة
وقعت في صفوف المسلمين فضعضعتهم. واذ بهند تغدر
ب((الحمزة)) عم الرسول وتمثل به، فكان مصاب
المسلمين جليلا.
|
|---|