الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ولم تكف قريش عن الرسول اذاها. فاستجمعت قواها مرة اخرى في غزوة الاحزاب يساندها اليهود، وقد بات هذه الغزوة بالفشل اثر مقتل احد ابطال المشركين: ((عمرو بن ودالعامري)) بسيف علي (ع). ثم اظهر اليهود، عقب ذلك عداهم للاسلام معتصمين بحصونهم المنيعة، فوجه النبي (ص) عليا اليهم ففتح حصن خيبر، وقتل بطلهم ((مرحبا))، وعاد منتصرا.

واستمر علي (ع) في نهجه البطولي يدفع عن المسلمين جور اليهود والاعراب، ينازلهم في وادي الرمل والطائف وحنين،ويواجههم في مكامنهم ويكشف غدرهم ويبرهن عن حنكة وعلم بامور القتال. فاذا هو بطل الاسلام الذي يثلج قلب النبي (ص) وقلوب المسلمين.

4- الغدير بشارة للمسلمين في آل البيت (ع) ثم سجل الاسلام لال البيت(ع) فضلا عظيما، فهم بعد الكتاب هداة الامة بما ورثوه من الفضيلة والحكمة والايمان. وكان النبي يوصي بهم خيرا، وفي خطبة الوداع، عند غديرخم، يدعوهم النبي(ص) الى سماع البلاغ الاخير، فاذا هو نعي وتذكير وبشارة: نعي نفسه الطاهرة اليهم، وتذكير بوجوب التمسك باهداب الدين القويم، وبشارة بامانة ستكون في عهدة خليفته علي(ع) باسم جديد هو الولاية. وتاكيدا لهذه البشارة يرفع النبي(ص) يدعلي(ع) فوق ايدي الناس، داعيا السما له بالخير ولاعدائه بالويل: فكان النبي يرفع بند العز عيدا للقائد المنصور((275)) واستجاب الرسول الكريم(ص) لندا ربه، فترك مهجا حرى تتلوع لفراقه، بينما كان آخرون يمهدون الدرب لانتزاع الحق من صاحبه. ويصبر علي(ع) على المحنة الجديدة خوفا على الاسلام، وقد اصبح وحيدا اسير الهم، وزاده ماض مشرق وعلم غزير، وقد ارتفع في السمادرجات، فهو منبت المجد والبطولة ورمز العترة الشريفة وحوض الولاية.

5- علي(ع) والخلافة الراشدة انتهى امر الخلافة، بعد الشيخين الى عثمان، فنحا فيها نحوا جديدا متخليا عن سياسة عمروابي بكر في الزهد واستشارة علي(ع). ففشا في عهده تبذير المال بين افراد البيت العثماني، واتبع اسلوب البذخ وحب الحياة، يقرب اليه من عادوا الاسلام وابرزهم((الحكم))، في حين كان الفقرا يشكون والصحابة يذلون وولاة عثمان، وفي طليعتهم((الوليد))، في غيهم وفجورهم يعمهون. فاقبل علي(ع) يسعى لتقويم الاعوجاج، ونهض الناس يستنكرون من عثمان تهاونه مع الفاسقين الى ان اقتحموا داره وقتلوه. وكان ((ابو ذرالغفاري)) ابرز الثائرين على سياسة عثمان، فنفاه الى الفلاة حيث مات شهيد الظلم وضياع الحق.

وآل الامر الى علي(ع)، وسكن المعاندون على مضض. اما سلاح علي(ع) فكان الزهدوالعدل والمساواة، وكان الناس قد الفوا ما القاهم فيه عثمان من حب الدنيا، فلم ترق لكثيرين منهم سياسة علي(ع)، فاثاروا الفتنة، بقميص عثمان وحروب طلحة والزبير، عليه.فالتقاهم علي(ع) في حرب الجمل وقد اطمعوا عائشة فخرجت معهم. ثم التقى معاوية في صفين، حيث لجا معاوية الى خدعة التحكيم خوف الهزيمة المحدقة، والتي اعقبها خروج اصحاب علي(ع) عليه، فواجههم في ((النهروان))، وقضى على شوكتهم. فدفع الحاقدون الى علي(ع) رجلا قتله في مسجد الكوفة بسيف مسموم، فانتهت بذلك حياة فارس الاسلام ومتنه.

ويتبع الشاعر هذه المرحلة بقصائد رثائية في علي(ع) يتناول بطولاته وعلمه واخلاقه وسياسته، ويهجو بني امية.

5- الحسين(ع) والهجرة الى الشهادة: كربلا ظن معاوية انه استراح بمقتل خصمه علي(ع). غير ان الجمر كان يتاجج في آل البيت(ع)،لتبدا مسيرة بطولية ثانية مع الحسين بن علي(ع). وقد جلس معاوية على عرش الشام خليفة يحف به دهاة قومه كالثالوث الشيطاني الممثل بعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزيادابن ابيه.

قام عرش الدها ثبتا مكينا فوق برج مثلث الاركان وقد نهج معاوية الوسائل الدنيئة لتمكين سلطانه، فسم الحسن بيد زوجه، وامر بسب علي(ع) على المنابر. وتبعه يزيد على السيرة نفسها بشذوذ اشد فرفض الحسين(ع)مبايعته.

وكان الناس في العراق يتململون، فدعوا اليهم سبط الرسول(ع) اميرا، فارسل الحسين(ع)اليهم ابن عمه مسلم بن عقيل الذي وصل الكوفة متخطيا اهوال الرحلة. فجمع اعيانهاواخذ منهم المواثيق، وارسل الى الحسين(ع) يعلمه بنصرة القوم له ويدعوه. غير ان القوم هابوا بطش الامويين فخذلوه وقتل مسلم بطلا على قائم سيفه.

انطلق الحسين(ع) باهله الى العراق مدفوعا بامل الكتب. لكن الامل ضعيف فالرؤى توحي بموته، ولكن الهدف كان اقوى من كل ضعف، ودولة الظلم يجب ان تبيد.

وفي كربلا، احاطه جند ابن زياد. وسدت المناقد في وجهه، فادرك ان كربلا منزل المنايا،وصدقت الرؤيا: هاهنا يشرب الثرى من دمانا ويثير الجماد دمع العذارى بالمصير المحتوم انباني جدي وهيهات ادفع الاقدارا((276)) وانبرى الحسين(ع) يخاطب الاعدا بغرض اقناعهم بالهدف الاسمى الذي جا به، واحيانخوة الدين في نفوسهم. لكن النفوس جافة واصروا على قتله فانقلب ((الحر)) اليه، فابدل بابن سعد على الخيل والشمر على المشاة. فما كان بد من القتال. فجمع الحسين(ع)اصحابه وخيرهم، فاختاروا درب سيدهم. وبدى القتال بسهم ابن سعد.

وكانت ملحمة كربلا عظيمة تضاهي ملاحم الاب الهصور علي(ع)، فاستشهد اصحاب الحسين(ع). وكل واحد يسجل بطولة خارقة قبل مصرعه. وجلجلت نخوة النبوة في صدرسيد الشهدا، فاقبل على الاعدا عطشا يشبعهم ضربا وقتلا حتى اسقطته اسهم الرماة،فاتاه عدو يضرب راسه الشريف. وقام الشمر اللعين بذبحه. وحمل الراس الى ابن زياد مع سبايا آل البيت(ع) ثم حمل الجمع الى الشام. وزينب راعيتهم تتلوى اسى ولوعة. وقدحولها الهم الى لبوة حكيمة تتصدى لكل من يطمع في اذية الايامى والثكالى. . وتتامل ارث جدها يتبعثر بين ايدي اللصوص والفجار.

هذه هي المفاصل الاساسية التي تمحورت حولها ملحمة الغدير، والتي يعرفها تماما كل ملم بالتاريخ الاسلامي الاول.

وهي تشكل في تسلسلها وتماسك حلقاتها ما كان ارسطو قدسماه وحدة الحدث او الفعل (ذرخژح چ 1 حح حژخذس 1) الا ان الملحمة حافلة ايضا بالاحداث الثانوية التي لم يدفع اليها الاسترطاد في القص، وانماهي تفريعات تتعلق بمرويات شعبية حول الاحداث الاساسية، او هي اضافات شعرية خيالية، اندفع فيها الشاعر ليفضي اجوا الحماسة والعاطفة والحياة على احداث الملحمة.وقد راينا الا نغرق هذه الدارسة في تفاصيلها، على انه سيبرز بعضها في موضعه في سياق مايلي من البحث.

محور

في انتظار الامام المهدي (عج) ما العمل؟

 
يحتفل المسلمون، في الخامس عشر من شهر شعبان، من كل عام، بولادة الامام المهدي(ع). ويتسائل كثير منهم عما ينبغي فعله في زمن النتظار ظهوره. ومن الاسئلة التي تطرح،في هذا المجال: هل يتم الاكتفا بانتظار قدوم المخلص او انه ينبغي ان يستعد المرء ليكون جديرا بصحبته! ونصرته! وان كان عليه ان يستعد فكيف يتم له ذلك؟ وماذا يفعل؟ وقد رات مجلة المنهاج، وهي تشارك في الاحتفال بهذه الذكرى، ان تسهم في محاولة الاجابة عن هذه الاسئلة، فتخصص محورا يبحث فيه عدد من الكتاب المختصين هذه القضية ويقدمون اجوبتهم عن الاسئلة التي تثيرها.

ثقافة الانتظار الرسالي في مواجهة الواقع المنحرف

 
الاستاذ نبيل علي صالح

 
مقدمة تنطلق احتفالات الخامس عشر من شهر شعبان، سنويا، في مختلف البقاع والامصارالاسلامية لتحيي ذكرى ولادة الحجة محمد بن الحسن (عج).. الامام المنتظر ليوم الوعدالالهي بتحقيق العدل ونشره في ارجا الارض كافة.

(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون) «الانبيا/105».فكيف يتم التعامل مع دلالات هذه القضية وابعادها؟ وما هي الافاق التي يمكن ان تنفتح امامنا من خلال ذلك، بخاصة ونحن نعايش اللحظات الاخيرة للقرن العشرين المزهوبانتصار الحضارة الغربية (القاهرة والغالبة! ) بكل ما فيها من منظومات تفكيرية وانساق معرفية وثقافات (قشور) حضارية؟ هل استفدنا من هذه القضية في البعد الثقافي والاعلامي المعاصر في خط الدعوة الرسالية الاسلامية؟ وهل اعطينا ثقافة الانتظار، بابعادها الرسالية المتنوعة، احساس الواقع ونبض الحياة؟ وكيف يمكن ان نستثمر الطاقة الاحيائية الكامنة في عمق هذه القضية بالشكل الايجابي المنتج والفاعل؟ ثم ما هي مسؤوليتنا، وما هو دورنا بوصفنا مسلمين في خلال هذا الوقت الذي يتحرك بسرعة في المدة التي تفصل بين غيبة الامام المنتظر(ع) وظهوره؟ هل نتجمد امام مفردات الواقع التي تحيط بوجودنا، وتحاول ان تربك خططنا وحساباتنامن خلال المشاكل والعراقيل التي يضعها (صانعوها) امامنا، في موقع هنا وموقع آخرهناك.. لنقول ما يقوله اولئك الذين يتعاملون مع مفهوم الانتظار بالمعنى السلبي: يجب علينا ان نوقف الحركة ونتجمد امام الحياة، ولا نقوم باي عمل او نشاط فكري وجهادي يتصل بمسالة الظلم والظالمين؟ ام هل نتعامل مع هذا المفهوم بطريقة حضارية منفتحة، بحيث نفهم الانتظار بوصفه املاحركيا مشرقا وكبيرا في ضرورة انفتاح الحياة على معنى العدل بكافة صوره واشكاله(خصوصا العدل الذي يثير في النفس احاسيس العزة والكرامة، ويبعث على النهوض لمواجهة مواقع الظلم والانحراف كلها)؟ انها اسئلة اشكالية ومركزية تمثل، في عقيدتي، عناوين بارزة لفهم كيفية الارتقا بواقع الثقافة الاسلامية المقاومة، التي تمثل ((ثقافة الانتظار الرسالية)) احد اعمدتها واركانها في عصرنا الراهن.. هذه الثقافة التي يجب ان نعمل على تعميمها وتعميقها في ذهنية الامة،بوصفها ثقافة اصيلة يجاهد ابناؤها في سبيل تحقيق المجتمع الانساني العادل ويسعون للاحتفاظ بالذات الحضارية الاسلامية على مستوى تطوير حقيقتها الخاصة التي يمكن ان تجعلنا على وعي كامل بطبيعة ادوارنا ومواقعنا واهدافنا.. لننطلق، بعد ذلك، نحو تحقيق التماثل والندية والتكافؤ في تعاملنا مع الاخرين.. في علاقات المجتمع.. في انظمته السياسية وعلاقاته الاقتصادية والفكرية..

سنحاول، في هذا البحث، اضاة بعض النقاط الفكرية والثقافية التي تتصل، في العمق الرسالي، بمسالة الامام المنتظر (عجل اللّه فرجه)، وضرورة تطوير اساليب التعامل مع قضيته(ع) ووسائلها في ثقافتنا، واعلامنا، وتبليغنا الديني.. في ما يتعلق بالمعنى الحقيقي لثقافة الانتظار الرسالي وفكره. لكننا، وقبل الدخول الى صلب التحليلات الفكرية السابقة،نجد من الضروري اعطا القارى الكريم لمحة اجمالية عامة عن طبيعة فكرة الامام المهدي(عج) التي تعد عقيدة مركزية ضرورية، في المذهب الاسلامي الشيعي الامامي،تختزن في مضمونها الداخلي طرحا مفاهيميا اسلاميا عاما لا يخص فئة او مذهبا معينابذاته، حتى ولو رفض الاخرون قبول تلك الفكرة العقيدية في داخل نسيجهم المعرفي والعقائدي لاعتبارات خاصة تاريخية ونفسية، وذلك بسبب وضوح ادلتها، ونقاوة مبدئها،واصالة مرتكزاتها وقواعدها.

اولا: اصالة العقيدة المهدوية سجل المسلمون جميعا، على اختلاف مذاهبهم وانتمااتهم ومشاربهم، الثبوت القطعي للبشارة التاريخية الواردة على لسان الرسول الاكرم(ص) التي تشير بوضوح تام الى ظهورالامام المهدي (عج) من ولد ابنته فاطمة الزهرا(ع) ((ليملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا))، وذلك في ما رووه وتناقلوه من الحديث الصحيح المتواتروالمشهور((277)).

وعلى الرغم من جميع الاشكالات التاريخية والفكرية غير العلمية((278)) التي اثارها بعض المشككين في وجود تلك الفكرة الحيوية، فقد برزت عقيدة الامام المهدي (عج) الى الساحة الاسلامية بقوة، واخذت دورها الهام، وموقعها الطبيعي الاصيل والخطير (بالمعنى الايجابي للكلمة) في البنية الذاتية للوعي العقائدي الاسلامي، والوعي الانساني المعاصر،الذي لا يزال يبحث عن حلول جذرية شاملة لازمة الرعب والقلق النفسي والوجودي الذي تعايشه المجتمعات الانسانية الحالية، وذلك بسبب ان تلك العقيدة الاسلامية في طابعهاالديني عنوان اصيل لطموح واعد وهادف اتجهت، ولا تزال تتجه، اليه البشرية بمختلف اديانها ومذاهبها، وصياغة لالهام فطري قابع في ضمير الانسانية الحرة والكريمة في شعورها العميق واحساسها القوي بضرورة ظهور منقذ للبشرية عندما تتعقد الامور،وتتعاظم التحديات، وتدلهم الخطوب والمحن، ويسيطر الظلم على حياة الناس والمجتمع.

لقد ادرك الناس، من خلال هذا الطموح طبعا على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم الى الغيب ان للانسانية يوما موعودا على الارض، تحقق فيه رسالات السما بمغزاها الكبير،وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للانسان على مر التاريخ استقرارها وطمانينتهابعد عناد طويل((279)). بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي، والمستقبل المنتظر، على المؤمنين دينيا بالغيب، بل امتد الى غيرهم ايضا، وانعكس حتى على اشد الايديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضا للغيب والغيبيات، كالمادية والجدلية، التي فسرت التاريخ على اساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود تسود فيه الشيوعية، ويتوقف الصراع والتناقض المرير بين الاضداد، ويسود فيه الوئام والسلام. وهكذا نجد ان التجربة النفسية البشرية،المتراكمة ثقافيا وحضاريا واجتماعيا عبر العصور المختلفة، والحاوية على هذا الشعور في داخلها، من اوسع انواع التجارب النفسية اغناها واكثرها عموما بين افراد البشر..

ضمن هذا السياق، ينتظر الناس جميعا من دون استثنا ان ياتي اليوم الموعود الذي يتحقق فيه العدل، والمساواة، والوعي الكوني الحقيقي، والقيم الانسانية العليا كلها،ويتحقق، بالتالي، المجتمع الموعود المعصوم الرافض للظلم والجور والقهر والجبروت،والمؤمن بامكانية قوة العدل في التجسد، بوصفها واقعا حيا ملموسا في عمق التجربة التاريخية الحالية والمستقبلية للناس جميعا، تواجه العالم الظالم لتزعزع ما فيه من اركان الظلم والطغيان، وتقيم بناه من جديد على قيم الاسلام ومبادئه. وهذه المهمة الرسالية الجسيمة تحتاج، في طريقة تجسيدها على ارض الواقع، الى قيادة مطلعة وعارفة ومعصومة في التزامها ووعيها، وفي جميع جوانب حركيتها وامتداداتها الداخلية والخارجية، لان مسؤولية تغيير العالم الى الافضل والاحسن صعبة وشاقة وليست سهلة التحقق والمنال.

من هنا كان لابد في اطار الحديث عن تمثل هذه الفكرة وتجسدها في الامام الثاني عشر(ع) آمن ايجاد مبررات موضوعية وافية وكافية وواضحة للاقتناع به اسلاميا وتاريخيا وعقليا.وهذا امر نترك الحديث عنه الان بسبب تمحور موضوعنا، في هذه الدراسة، حول الدورالاساسي للثقافة الرسالية الانتظارية في مواجهة الواقع المنحرف وننصح الاحبة القرابالعودة الى المظان التاريخية الواسعة((280)) التي اشبعت فكرة الامام المهدي(عج) عرضاوتحليلا واثباتا على المستوى التاريخي والعقائدي والعقلاني والروائي.. الامر الذي جعل هذه الفكرة العقيدة حقيقة اسلامية ساطعة وواضحة وضوح الشمس في كبد السما..

ثانيا: في آفاق الثقافة المقاومة ثقافة الامام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) تشكل الثقافة الاسلامية العنوان والوعا الحضاري الاهم لشعوب هذه المنطقة.. وقدواجهت هذه الثقافة، في تاريخها الطويل، كثيرا من التحديات الخطيرة، وجابهت امواج الغازين والمحتلين، واستطاعت ان تستوعبهم وتؤنسنهم وتؤثر فيهم وتعطيهم شيئا من مفرداتها الاصيلة.. وفي هذه المرحلة الحساسة من حياتنا، تواجه هذه الثقافة نفسها، مخاطرلا تقل اهمية عن سابقاتها.. لعل من ابرزها ما يروج له حاليا في كل مكان، وهو حديث التسوية والسلام والتصالح مع الكيان الصهيوني الغاصب، هذه التسوية التي تعبر، في احدجوانبها، عن اغتصاب اجرامي لهوية هذه الامة وتاريخها الجهادي الطويل.. وعن عدوان على هويتها بالذات، اي نظرتها الى الحياة والوجود والدنيا والاخرة.. انه افظع الوان الاغتصاب في تاريخ الانسان.. اغتصاب شعب وهوية امة.. وهذا ما يرتكبه النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط.. لقد راجت، في الاونة الاخيرة،امتدادا لمشروع السلام السياسي، ثقافة السلام((281)) والاستسلام التي يمكن رصدها في الثقافة العربية الحالية.. وفي ثقافة السلطة الحاكمة بالذات..

وفي حركة المنظرين لهذه الثقافة الجديدة.. الذين يعملون على تعميق دلالات تلك الثقافة وتعميمها في اوساطنا ومواقعنابجميع الوسائل السياسية والاجتماعية والاساليب الدعائية والاعلامية..

امام هذا التحدي المفروض، وباعتبار ان ميدان المقاومة الميدانية للمشروع الاستسلامي نفسه هو ميدان الثقافة والقيم نفسها.. كيف تتحرك الثقافة المقاومة؟ وما هي معالمهاوعناوينها؟ قلنا: ان الثقافة السائدة (ثقافة القشور والهزيمة) التي تقوم على تغريب الذات وتغييب الهوية، مدعومة من قبل السلطات والنخب السياسية الحاكمة التي لها على ما يبدو آمصالح سياسية واقتصادية واضحة داخل منظومة ثقافة السلام.. لذلك يجب ان يكون العنوان الاهم لممانعة الثقافة ومقاومتها هو ان نعمل على تعرية ثقافة السلطة وفضحها((282)) في المنطقة العربية والاسلامية، من حيث انها ثقافة ضد القيم وضدالانسان.. ومن المعروف ان عمر هذه الثقافة (ثقافة السلطة) ليس قصيرا، بل انه، مع الاسف، يمتد الى العصر العباسي. والمسار الانحداري للتاريخ الاسلامي يمكن ربطه، الى حد كبير، بنمو ما يسمى بثقافة السلطة، يعني بصورة اوضح مصادرة الحريات بصورة مستمرة، وابرز اشكال التعبير عن الحريات هو الثقافة، فباتت الثقافة سلاحا، بدل ان يكون في يد الامة في مواجهة السلطة، اصبح في يد السلطة في مواجهة الامة وقمعها((283)).بهذا المعنى نحن الان امام فكرة مواجهة الواقع التطبيعي الراهن الذي يمر حاليا على مايظهر بمخاض عسير نعتقد انه لن يدوم طويلا!؟..

نحن، اذا، امام مهمات ثقافية كبيرة جدا نعمل، من خلالها، على تجاوز الشعارات الى فعل بنيوي عميق له علاقة في رؤية بنية الثقافة واقامة (تاسيس) هذه البنية، على اعتبار انها ثقافة مقاومة اعتراضية تؤسس لمجتمع ممانع ومقاوم ومواجه ورافض مقابل السلطة.. لان التسوية المقبلة تهدف الى جعل الزمن العربي والاسلامي القادم زمن صراعات وتفكك وتشرذم.

وتتجه، اساسا، الى المجال الحساس، وهو دائرة الوعي (دائرة الثقافة).. وهكذايستمر زمن المقاومة الحقيقي لانه يتناول اخطر ما في الشخصية والهوية الاسلامية، الا وهووعي هذه الهوية..

طبعا نحن لا نريد ان نضخم العدو ونعطيه ابعادا اكبر من حجمه، ونرضخ لقضائه وقدره الذي يحاول فرضه علينا.. لان العدو اعجز من ان يعمل على تجويف التراث الاسلامي الذي يعد اهم عامل واكبر عنصر من عناصر الممانعة والمواجهة في شخصيتنا ونسيجناالثقافي. لكننا، في الواقع، نخاف ان نبقى ساكنين، وان يظل تراثنا ساكنا لا يتحرك، والا ينتج نفسه ويصوغ خطابه من جديد وفق مقتضيات الواقع لا ان يرتهن لمفاهيم العصرنة والحداثة((284)) وما الى ذلك. ولكن ان ينتج معادلة معاصرة لوجوده.. ان نجعله يعيش حس العصر ونبضه، لكي يبقى ممتدا وفاعلا في الامة. من هنا فاننا، نخبة عربية واسلامية،مطالبون اكثر من اي وقت مضى بان نقدم قراتنا المعاصرة والتجديدية التي تمليهاضرورات عصرنا، كي تتحول في داخلنا الى عنصر مواجهة ثقافية للاخر، وتسهم في بنامشروع ثقافي اسلامي مقاوم متمرد على واقع القهر والتسلط، قادر على استعادة مساحة الحرية المغتصبة. ان ذلك هو الذي يعطينا الامل الواقعي في مقاومة مشروع التسوية المقبل، اي ان نعمل على استرداد الحرية، بوصفها عنصرا بالغ الاهمية، ليس فقط في موضوع السلطة بل في داخلنا نحن ايضا (النخبة العربية) التي هي ضحية استبداد مركب:استبداد السلطة واستبداد الثقافة نفسها، التي تحولت الى سلطة والتي نستطيع ان نمارسهافي ما بيننا، فيصادر بعضنا بعضنا الاخر، بمعنى اننا لا نستطيع ان نتحاور.. (لماذا؟)..

اذااردنا ان نقيم ثقافة مقاومة يجب ان نكون قادرين على الحوار، اي قادرين على ان لا يقمع بعضنا بعضنا الاخر((285)) وكي نسترد الثقافة من السلطة يجب ان نكون قادرين على ان نسترد لها الحوار الضروري بين النخب المعنية باقامة ثقافة مقاومة تحيي روح الخدمة والجماعة بين التيارات والقوى الفاعلة وتحول افكارها الى برامج عمل مؤاتية لاحداث اتجاهات جديدة للنمو والوعي الثقافيين، وتستفيد من آليات توزيع الادوار والمهمات،وتجند ابسط القدرات واكثرها تركيبا وتعقيدا في عملية ممانعة ونما منتظم لما به الانسان من عقل وضمير وارادة وقيم تحوله الى صاحب بصيرة وعقل منتج.. مقابل البصر المتبلدوالمتلقي ببلاهة لقوالب الاعلام الجاهزة.

وفي طريقها الى صياغة ذلك الانسان تغرق ثقافة المقاومة بحب سحق الانا والغيرية والايثار من العرفان، وجمال الاسلوب من الادب،والحكمة من تجارب الامم، والتوازن من الفقه، والعمق من الفلسفة، والبرنامج الواعي من القرآن((286))..

وعلى طريق استعادة الذات ومعرفة النفس نستعيد الارض، كل الارض،ونواجه التحديات، كل التحديات، ويكتمل الانتصار((287)).

ثالثا: اهمية التبليغ والاعلام في نشر الثقافة المقاومة والدفاع عن وجود الامة يعد التبليغ من اهم الوسائل ذات العلاقة بالشان الاسلامي الحيوي. وقد دعت الرسالة الاسلامية الى وعي هذه الوسائل والتزامها في اطار حركة الدعوة الى مبادىء الثقافة الاسلامية وقيمها وتبليغ رسالة الاسلام..

ان الفرد هو الاصل في بنا حركة التبليغ، وهو الصانع للجماعة والامة.. لذلك يكون عمل الداعية موجها، اساسا، باتجاه العمل على ادخال الرسالة الى قلبه، وتنميته وتطويره وتحقيق عناصر السعادة والكمال والصلاح له..

ان اسلوب المبلغ الرسالي يجب ان يخضع للروحية الرسولية الاسلامية التي تتحرك من اجل ان تعيش في كل فكرة، وتنطلق في كل حياة، وتتلمس الواقع الموضوعي الذي يغذي العمل وينميه ويطوره، فيصل الى الغاية، باكبر قدر ممكن من الايجابيات واقل قدر ممكن من السلبيات، وتواجه العلاقات العامة والخاصة بالاشخاص والمؤسسات والاوضاع من خلال ارتباطها بمواقف الرسالة الحاضرة وتطلعاتها المستقبلية.

وعلى ضوء ذلك، يرتبط فكر المبلغ الملتزم بروحية البعد الرسالي للانتظار بالواقع الفكري والعملي، في عملية ملاحقة واعية لكل تطوراته ومتغيراته الذاتية والموضوعية،الامر الذي يجعل شخصية الداعية، او المبلغ، قريبة، بفكرها ووعيها، الى فكر العصروتجاربه وواقعه، في افكارها وتجاربها وحلولها ومواقعها، بحيث تكون بعيدة عن اثنين:اولهما الخيال الغارق في ضباب الاحلام الوردية، وثانيهما الباحث عن الواقع المعاصر في افكار الماضي من دون محاكمة او موازنة. ان مسالة ان يكون الانسان داعية او مبلغا رساليا،في عصر غيبة المهدي (عج)، هي مسالة تعني ان ينطلق، في ذلك، من وعيه لذاته ليوظف امكاناته وكفاته واخلاصه في خدمة الناس والرسالة، لان الناس يستجيبون للذين يمثلون حاجاتهم الفكرية او العملية، وبخاصة في ظروف واقعنا الراهن الذي يفرض على المبلغ ان يلاحقه في كل ثقافته، باساليبه ومناهجه وافكاره، لان الواقع يريد لنا ان نتنازل عن اسلامنا،والتطورات تريد لنا ان نستسلم لثقافة العصر الاستهلاكية، لذلك يجب على المبلغ لثقافة الانتظار الرسالية ان يعيش ذهنية عصره ولغته واجواه، ليعرف كيف يدخل الاسلام والمعرفة الثقافية الاسلامية المقاومة الى هذا العصر...

اذا هناك خصائص وشروط اساسية يجب ان يتمتع بها المبلغ الرسالي يمكن اجمالها بمايلي: 1 ان يكون المبلغ عميق الايمان والالتزام بقيم اللّه والاسلام، وان يكون اللّه تعالى نصب عينيه، يعمل في سبيله ويجاهد فيه، ومنه يطلب العون والنصر والسداد والتوفيق: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان اللّه لمع المحسنين) «العنكبوت/69».

اننا نؤكد، في هذا الاطار، على ضرورة الاعداد الروحي والديني للعلما والمبلغين والدعاة الى اللّه، الى جانب الاعداد الثقافي والفكري، ليستطيعوا الانطلاق الى الدعوة من خلال العمل والتطبيق، ولتكون اعمالهم دعوة حية للاسلام صامتة بكلماتها، ناطقة بوحيهاالهادىء الوديع.

2 ان يكون قدوة صالحة في سلوكه الاسلامي، ونموذجا عاليا في التدين والتقوى والورع والصلاح والالتزام بقيم المهدي(ع).

يقول الامام الصادق(ع): ((من سره ان يكون من اصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق، وهو منتظر))((288)) كي تتاسى به الامة والمجتمع، وتحتذي خطاه ولا يكون مشمولا بقوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند اللّه ان تقولوا ما لا تفعلون)«الصف/2و3».

3 ان يتسلح بالثقافة والفكر الاسلاميين والوعي الايماني العقيدي والفقهي المطلوب، لان ذلك يمكنه من التمهيد لظهور الامام المهدي من خلال تصحيح مسيرة الامة نحو اهدافها،والوقوف في وجه الافكار والدعوات الباطلة والمنحرفة، والتمييز بين الثقافة المفيدة للامة والثقافة الضارة لها، اي بين العلوم والاداب الحقيقية وبين الافكار الضالة والثقافة المزيفة التي ترتدي لباس التقوى، وفضح حقيقتها وكشفها للامة، اذ لا يستطيع ان ينهض بالامة والمجتمع من يفتقد الثقافة الاصيلة. من هنا يكون التوافر على مستوى راق من الوعي والفهم والثقافة والرؤية، لمفاهيم الاسلام وتصوراته واحكامه وتشريعاته، قاعدة اساسية تؤهل الانسان لان يكون من ((الكوادر)) الاساسية الصالحة للالتحاق بالامام المنتظر(ع)،وهذا هو المستفاد من جملة الروايات التي تؤكد على ضرورة ان يملك انصار المهدي درجات عالية من البصيرة والمعرفة والفقاهة في الدين والوعي النفاذ.

4 الاطلاع على معارف العصر وافكاره وثقافاته، ومواكبة تصوراته الفكرية والسياسية والاجتماعية، واخذ العبر والدروس منها، اي ان يفهم المبلغ احوال دهره ومجتمعه وطبيعة الوسط السياسي والاجتماعي الذي يعمل فيه، ويتحرك بين اجوائه، ويتمكن من التعامل معه بنجاح وتفوق، لان الجهل بالواقع والحياة، او فقدان الاحساس باوضاعهما، يبعد المبلغ والداعية عن الواقع، ويسلمه الى القوى الاخرى التي تستغل ضيق افقه وقلة معلوماته،وضعف وعيه واحساسه بالعصر لتوجهه في غير الوجهة التي يتجه اليها في عقيدته ودينه،ولتحارب اهدافه في عملية تضليل وتشويه وتخريب، فالداعية عندما لا يفهم روح الاخرولا يدرك حدود ثقافته.. فكيف يمكن ان يخاطبه او يحاوره؟! وكيف يمكن ان يدعوه الى الالتزام بقيم الامام المهدي (عج) وثقافته؟ اذا، يجب ان يفهم المبلغ الداعية حجم عقول الناس، ومستوى استيعابهم ليستطيع ان يتكلم معهم على قدر وعيهم وعقولهم، وان يفهم ايضا روح العصر واسلوب العمل والحياة فيه، حتى يعرف كيف يحرك الاسلام في داخله. طبعا ليس بمعنى ان يخضع الاسلام لذهنية العصر (اي تحديث الاسلام وعصرنته!) ولكن بمعنى ان يقتحم الاسلام (من خلال رسالته ووعي دعاته ومبلغيه) ذهنية العصر بفهم روحية الانسان المعاصر وذهنيته وكل ماينفتح عليه وينغلق عنه.

5 ان يعيش المبلغ هموم امته ومشاكلها وتحدياتها، ويتحسس آلامها وآمالها ويشاركهامعاناتها، ويحرص عليها، ويدرس ظروفها واحداثها التي ادت الى وقوع آلام واحزان فيها،وان يحاول التخفيف ما يستطيع من اتعابها وقلقها السلبي، ويتعامل معها بخلق وقيم اسلامية صافية ونقية، اي ان يتصف باخلاق اسلامية واقعية على درجة من السمو والوعي الرسالي، فلا يستعجل الامور والنتائج بل يعمل بكل حكمة واناة.. يرصد آفاق المستقبل المنظور الذي يعمل من اجل تغيير الواقع باتجاهه، وينظر بعمق الى مواقعه الراهنة في حاضره حتى يفتح اللّه عليه وينصره (العمل والحركة والسعي والمثابرة)، لان تغيير واقع الامة نحو مواقع اكثر تطورا ورقيا، ليس من الامور السهلة والبسيطة، ولا تتاتى الا بالجهودالمسؤولة والعمل المستمر المتواصل والمضني. وهذا هو المعنى الحقيقي لمسالة تعميق حس الانتما لقيادة الامام المنتظر(ع) التي تبعث، في نفوس المؤمنين بها، الامل الدائم بالتغيير نحو الافضل، وتنعش ارواحهم بالطموح الكبير والثبات والصمود على الخط،وتقوي عزيمتهم وارادتهم. فيتولد، نتيجة لذلك، زخم نوعي هائل من المعنويات الجبارة ترفدنا جميعا بديمومة الثبات والتحدي والمواجهة. وتبقى تصون المسيرة الكبيرة في حركتها المستمرة من الاحباطات والتراجعات والانكسارات في ظل ظروف القهروالاستعباد والهيمنة السائدة حاليا.

ان قوى الاستكبار العالمي الضالة تحشد يوميا جميع طاقاتها وجهودها السياسية والاعلامية والاقتصادية لمواصلة الحملة العدوانية ضد الامة العربية والاسلامية، وتحاول ضرب مواقع قوتها ورفعتها ومكامن رسوخها ومنابع مقاومتها وممانعتها، من خلال بث الفرقة والطائفية والعنصرية بين العرب والمسلمين. انهم يخططون ويتحركون لدراستنا وتحليلنا، ومن ثم لنسف اساس عزتنا ووحدتنا. لذلك من الواجب علينا جميعا (دعاة ومبلغين رساليين) ان نواجه جميع تلك المخططات والمؤامرات الخبيثة، ونحاول صدها واسقاطها في مواقعهاالاولى. والعمل على تلك الجبهة الخارجية لن ينجح مطلقا اذا نسينا جبهتنا الداخلية المليئة بالمشاكل والتعقيدات والهموم الذاتية التي نعيشها في داخلنا العربي والاسلامي، او غضيناالطرف عنها، اذ انه لا يكفي ان نوجه الاتهامات للاخرين بانهم يت آمرون علينا ويريدون اسقاطنا واقصانا والنيل من واقعنا وحريتنا وكرامتنا وما الى ذلك.

طبعا هذا صحيح، لكن علة هذا المرض ليست خارجية دائما..

بل قد يكون له (وهو كائن اصلا) سبب ومنشا داخلي. من هنا علينا ان نعيد بنا تبليغنا الثقافي والفكري والسياسي في داخل الساحة الثقافية العربية والاسلامية بخاصة في ما يرتبط بتعزيز ثقافة المهدي (عج)وعقيدته وتدعيمهما. وهذا يجب ان يرتكز على رؤية واعية تملانا بالامل والعزيمة والاصرار والثبات والحركة والطموح، فيجب ان تعط ى الاولوية للتاهيل الفكري الصحيح لثقافة المبلغين، اي لبنا ثقافة مختلفة عما نعيشه اليوم من حالة ((تقزيم الثقافة)) السائدة في كل مواقعنا الرسمية وغير الرسمية (وهذه الاولوية تشكل احد الاهداف الرئيسية والدلالات العملية لتعميم ثقافة المهدي) . فنحن نعيش في اطار ثقافة ممسوخة وماسخة ومهمشة ومستبعدة عن الفعل والانتاج.. ثقافة منافية لجميع القيم الانسانية الحقيقية، سوا كانت قيم العقل او الحق او الجمال او الكرامة او العدالة. هذه القيم تكاد تكون منفية وغير موجودة بالكامل في قاموس الثقافة العربية الحالية التي تقوم بتقديمها الى اجيالنا وتدريسها لهم في المدرسة والجامعة. لذلك يجب ان نهتم بالتكوين العلمي لثقافتنا ومثقفينا ومبلغينا. نحن نعي تماما ان جوهر ثقافتنا لا ينقصه العلم، وانما ينقصه تمثل المناهج العقلية المضبوطة واستيعابها وممارستها، اي السعي باتجاه بنا العقل والوعي عند الفرد وعند الجماعة على اسس وركائز وحجج منطقية وعلمية((289)).

وليس ما يجري الان من عمليات تثقيف وتوعية الا مجرد حشو فارغ (سوا اكان هذا عن طريق النظام التقدمي ام غير التقدمي) وايمان بمسبقات واحكام جاهزة واعتقادات من دون اي تفسير او مغزى، ولا تحمل اي شرح او تاسيس عقلاني. وفي اعتقادي ان ثقافتناوتبليغنا الذي نمارسه اليوم، بوصفه عملا يدعو الى هذه الثقافة، يفتقد الى هذا التاسيس العقلاني والمحاكمة المنطقية المطلوبة. طبعا انا اقصد النظام الثقافي والتبليغي الاسلامي المعاصر، اي ما نقدمه نحن ضمن سياساتنا التبليغية وخططنا التوجيهية والتعليمية والتثقيفية للاجيال القادمة. وليس الثقافة الاسلامية منذ نشاتها حتى الان.

اننا، وفي اطار بحثنا لموضوع التبليغ الاسلامي، واهمية اعادة بنائه على ضوء مسؤولياتناالرسالية التي تفرض علينا ضرورة تكثيف الحديث حول قضية الامام المنتظر(ع) في منطلقاتها وادلتها ومضامينها ودلالاتها واشكالاتها وطبيعة التحديات التي تواجهها، اقول:لابد من ان نعالج مسالة الاعلام والدعاية الحضارية بوصفها موضوعا ارتكازيا في عملية الدعوة الى تاصيل الثقافة المقاومة (ثقافة الانتظار الرسالي). ان الانسان المعاصر كان ولايزال يتجاذبه نوعان من الاعلام، الاول: اعلام بنائي اخلاقي صادق يريد تنمية الانسان واسعاده وتكريمه في النشاتين، والثاني: اعلام انحرافي هادم يهدف الى حرف الانسان عن مسار فطرته النقية وكرامته وقيمه العالية بالغواية والضلال والافساد... وقد اخذ اصحاب كل اعلام (من هذين النوعين) على عاتقهم مهمة الدعوة الى تعاليم اعلامهم ونشر ثقافته،مستفيدين من الامكانات التقنية الاعلامية الهائلة التي وفرها العلم الحديث، هذا العلم الذي حولت طاقاته الاتصالية الاعلامية الضخمة، العالم الى قرية كونية متصلة من اقصاهاالى اقصاها.

اننا نلاحظ، في مجال الاعلاميات العالمية المعاصرة، ان فلسفة الاعلام في الغرب((290)) وربما في كثير من اعلامنا العربي والاسلامي الرسمي المستلب والتابع آتنطوي على تحريض دائم وحاسم من اجل تجنيد المشاهدين بالاغرا، ودعوة الى الغوغائية والى الخمول((291)).. الدائر تجاه راي عام يغلب عليه الانفعال والعصبية والفوضى، وتتلاعب به امواج عالية من الدعاية الاستهلاكية والاعلانات الفارغة، وادوات نقل الثقافة الجماهيرية. وقد لاحظ بعض المثقفين الغربيين هذا الواقع وتاملوه بدقة،وشعروا بالاسى والمرارة تجاهه، كون حضارتهم تتقدم بسرعة مذهلة نحو الاضمحلال الاخلاقي، حتى ان كثيرين منهم راحوا يصفون نهاية القرن العشرين بانها عودة متجددة لعصر فساد التاريخ وتدهوره، كما هو الامر زمن انحطاط الرومان. وان هذا التدهور موسوم بهيمنة تقنية وعسكرية ساحقة لا تحمل اي مشروع انساني قادر على اعطا معنى للتاريخ والحياة والوجود. انها فلسفة اللامعنى واللاهدف.

اما بالنسبة الى النوع الاخر من الاعلام،وهو الاعلام الاسلامي الملتزم البنا والهادف، فهو يمثل نهجا معينا في حركة الاعلام مستمدا من المنهج الاسلامي الفكري والعملي في المسالة الانسانية في طبيعة الصراع العقيدية لحركة الحياة، اي انه اعلام ملتزم بالاسلام وقيمه واخلاقه، ينفتح على الوقائع والاحداث المتنوعة المنبسطة على كل القضايا والمشاكل العامة التي تدخل في دائرة الاهتمامات الاسلامية، سوا كان ذلك متصلا بتركيز الاسلام خطا ومنهجا للحياة، ام بتحريك الواقع في دائرة مفاهيمه في ما يرتبط بقضايا العدل والحرية والمساواة والخيرالشامل للناس.

وفي ضوء ذلك، يمكن ان نقرر ان الانسان المسلم، الذي يريد الاعلام ان يمنحه ثقافة المقاومة والمعرفة السياسية في جوانبها الاقتصادية والامنية وغيرها، لابد من ان يكون محيطا بجميع آفاق الواقع الاقليمي والدولي، بالاضافة الى الواقع المحلي المحيط به،ليكون ذلك اساسا للتخطيط والمنهجية في التحريك الفعال، وللوعي السياسي الشامل في الانفتاح المدروس على عمق الاوضاع والقضايا المتعلقة بحاضره ومستقبله وتحدياته الداخلية والخارجية، في ما يمكن ان يتاثر به او يؤثر فيه، في مصالحه الخاصة، او في مواقفه المطلة على مصالح الاخرين.

ان من الضروري على الاعلام الاسلامي ان يكون، خصوصا في عصرنا الحالي، اعلامامقاوما يدعم حركة المقاومة الجهادية والعسكرية((292)) ويشرح اهدافها النبيلة والسامية في طلب العدالة والتحرر من التبعية والاستلاب والاحتلال العسكري والثقافي والامني والاقتصادي، ويعزز ثقة المسلم باسلامه..

يدعم ويرسخ معالم المواجهة مع العدوالصهيوني وعناصرها، ويحصن انساننا المستضعف ضد جميع التيارات والقوى الانحرافية الضالة، ويظهر، بقوة، انسان المقاومة والجهاد الواعي على طريق مواجهة جميع مخططات الت آمر ضد وجود الامة العربية والاسلامية. وفوق ذلك كله يصعد هذا الاعلام الرسالي الملتزم من حركة الثقافة والتوعية التي تطلقها مسالة الامام المنتظر، كانه(ع) حاضر بيننا في احاسيسنا واعماقنا، في حياة امتنا يوجه وعيها ومشاعرها وطموحاتها ومسيرتها، ويركزمواقفها ومواقعها.

من هنا يجب على القيمين والمشرفين على اعلامنا الاسلامي الذي يعاني من قصور كبيرفي طبيعة الاساليب والوسائل المستخدمة والامكانات المتاحة امام انطلاقته وحركته((293)) يجب عليهم مراعاة الدقة في اختيار عناصر المادة التي يريدون تقديمهاالى الجمهور، اي عليهم التدقيق والتفحص العميق في اختيار الكلمات المعبرة عن الاحداث الواقعة، لان للكلمة ايحااتها في استجابة الناس لها ووعيهم لمداها في حركة الواقع.

اننا نواجه، في هذه اللحظة الحساسة من حياة امتنا، مخاطر جسيمة، وحتى الان نحن لسنا على مستوى رد التحدي والمواجهة في سياستنا واقتصادنا وفي اعلامنا وثقافتنا.

من هنا يجب ان نعيش حالة طوارى في كل مفرداتنا الحياتية، وبخاصة في اعلامناالاسلامي الذي لا نريده اعلاما ملتزما بالمظاهر الاسلامية الخارجية فقط... نسجد للّه على جباهنا (في المظهر) ولكننا (حقيقة) نسجد للشيطان في عقولنا وفي قلوبنا (في المضمون).بل اننا نريد اعلاما صادقا وواعيا في تعاطيه مع جميع الافاق والمواقع التي نعيشها في الحياة، نريد اعلاما مسؤولا يعيش الروح المنفتحة على الانسان كله وعلى الحياة كلها، في توجيه المضمون والجوهر الاعلامي نحو هذا الافق الواسع الذي يدفع الناس الى الاهتمام به باعتباره مثيرا لاهتماماتهم على اساس تعبيره عن الجوانب المتصلة بتطلعاتهم وقضاياهم، سوا كان ذلك في طبيعة المادة الاعلامية المتضمنة لمشاكلهم، ام لمشاكل المسلمين المنفتحة على قضاياهم، او في طبيعة النظرة الشاملة لجميع الجوانب الانسانية المتصلة بالقضايا العامة والخاصة، الامر الذي يجعل منه حاجة للجميع، ام في امتداده في حركة المستقبل باعتبار الاعداد لكثير من العناصر الحيوية العامة التي تتوقف عليها بعض تطلعات المستقبل، مما تكون مقدماتها او ايحااتها ومواقفها موجودة في الحاضر، لاننانعرف ان الاعلام السياسي والروحي والجهادي (اي المقاومة) يخلق الكثير من الفرص العملية للمشاريع المستقبلية على صعيد الواقع الممتد في رحاب الزمن كله.

ان المسؤولية الخطيرة التي تلقيها تلك المهمات والواجبات الكبيرة، على عاتق النخب الملتزمة اسلاميا، توجب ان ياخذ اعلامنا باسباب التطور الحديث في اساليب الدعوة والاعلام((294))، وذلك من خلال التخصص العلمي الذي يمنح صاحبه قدرة على مراعاة الدقة في جميع مواقع الاعلام والعمل الدعوي. وبخاصة ان الاعلام قد تحول، حاليا، الى علم واسع الافاق يشتمل على القواعد التقنية والفنية التي تركز الثقافة الاعلامية على قواعدفكرية وعملية واسعة. لذلك يجب ان ينتفع اعلامنا، بالسرعة القصوى، من وسائل الاعلام الحديثة، اذ ان الباطل والشر قد يترايان حقا وخيرا لدى قطاعات واسعة من الناس نتيجة الضغط الاعلامي، والكثرة الخبرية، والتكرار المبرمج. من هنا تتضح اهمية استفادة اتباع((النهج الحق)) من وسائل التاثير الحديثة. وضرورة ذلك، فالحق الساكت لا يعرف ولا يتبع بحد ذاته. في هذا المجال تكون الاستفادة المدروسة من خلال العمل على خطين: الاول داخلي: ان نقوم بتحصين الحالة الداخلية للمسلمين وتوعيتهم بحقيقة الدين الاسلامي وجوهره وشخصيته وتراثه وقيمه والتركيز على ثقافته المقاومة، والثاني خارجي:وذلك بتعريف الاسلام لغير المسلمين ونشر صورته الناصعة في انحا العالم. من هنا نقول:ان حاجتنا الى اعلام مبني على روح ديننا واخلاقه، وعلى روح المنجزات الانسانية النبيلة لهي حاجة ملحة وضرورية في ظروف عصرنا الراهن، الذي بتنا نعاصره في زحمة الحياة واشتداد احداثها، وتسارع وقائعها، ولسوف تتوقف عليها (على تلك الحاجة) نتائج صراعنامع انظمة القوة والاستحواذ. ولما كان هذا الصراع يعبر، في حقيقته، عن تنافس حاد بين انظمة قيم كونية، يجب ان نمارس فيه اقصى درجات الحذر والوعي لفكرنا ورسالتنا، ونبين للاخرين (خاصة للشعوب الغربية)((295)) في هذه الاجوا التنافسية والصراعية ان الاسلام دين منفتح وعقلاني في طرحه الفكري، واسلوبه للحياة والحركة والوجود، وانه ليس دين عنف وارهاب وتخلف كما يصوره الاعلام الدولي، وانه لا يمارس القوة والجهادوالمقاومة الا كما مارستها (وتمارسها) شعوب العالم الاخرى، وقائيا ودفاعيا، عن وجودهاوارضها وكرامتها وحريتها، لان الرفق هو الاصل عنده.. وانه دين انساني يحترم انسانية الانسان ويهتم بالداخل الانساني، ويحترم شخصية الفرد وحريته ويقر به خليفة للّه في الارض. ويدعو الى التعارف والتواصل والتفاهم مع ثقافات الاخرين وحضاراتهم. ولايدعو، ابدا، الى الغائها والاستعلا عليها. ويؤكد على التقوى والعمل الصالح باعتبارهمامعيار القرب والكرامة بين الجميع، ويؤكد في الوقت نفسه على الحوار المؤسس على المنطق والعلم والعدالة، لان ذلك هو رسالتنا في الانطلاق الى العالم كله، لندعو الى الاسلام بالوسائل التي تنفتح على عقول هؤلا وقلوبهم، لان الدعوة الى اللّه وقيم الاسلام والتعريف بحقائق الرسالة واهدافها وتاصيل منطقها الحضاري الطموح والعالي تفرض عليناان نشرح للناس اركان الاسلام وحقائقه ومواقفه في عقائده وشريعته وواقعه الثري والاصيل.

رابعا: اهمية المنهج العلمي والموضوعي في تركيز ثقافة الانتظار الرسالي (الثقافة المقاومة) لقد عاش امامنا المنتظر(ع) حياته، ولا يزال يعيشها، من موقع التخطيط والهدفية والمرحلية من اجل الوصول الى اهداف الاسلام وتحقيق قيمة الرسالية الاصيلة((296)). لذلك نؤكد آفي سياق وعينا لهذه المسالة انه بات واجبا علينا، في خضم تحدياتنا وازماتنا وانكساراتناوهزائمنا، ان نبدا العمل والحركة باتجاه الافق المطلوب بكل امتداداته في الواقع المعاصرمن خلال التخطيط المرحلي المركز للفكرة والمبدا والقيمة، لان قيمة ما نلتزمه، نظريا،ينبغي ان يتحول الى كائن حي يتحرك في الخط العملي الانساني، وذلك في وعيه والايمان به، ومن ثم التزام مفرداته التي ترتبط في الاساس بحركية الهدف الكبير والطموح، في امتداد الوجود ورحابة الحياة.

لذلك، وطالما ان الهدف هو تحقيق مشروعنا وفكرنا في العمل والدعوة والهداية في تعميق روحية الانتظار الايجابي الرسالي الهادف في ذهنية المجتمع، والسعي الدؤوب والصادق لبنا المجتمع المهدوي المعصوم ((التمهيد الحركي الفعال)) فلابد من ان نعمل بوعي وضمن خطة مرحلية حكيمة ومتوازنة، على ان ندخل الى عقول الناس وافئدتهم،وان نعيش جميعا ((دعاة رساليين)) تجربة الواقع العملي وحسه، ونبض عصرنا واسلوبه، اي ان يفهم الداعية لغة عصره وثقافة زمنه الراهن((223)).. ان يفهم لغته ولغة الاخرين، لا ان يسقط تحت تاثير قيم عصره ويتحجم (ويتحجر) في ممارسته لقيمه.. ولكن ان يفهم عصره جيدا، ان يفهم حساسيته وذهنيته ونقاط ضعفه ونقاط قوته، حتى يكلم الناس بلغتهم بعيداعن التصنع والمغالاة والتكلف، فالذهنية لغة والجو لغة. لذلك نقول: نحن مسلمون،ومشروعنا حضاري منفتح، ولكن علينا ان نطور هذا الخطاب (المشروع) بحيث نبقي له مضمونه الاسلامي الذي يطل على القضايا المعاصرة من دون اسقاط او تشويه لمعالمه وخصائصه. وبالمقابل، ومن دون ان نبتعد عن لغة العصر واسلوبه، نحاور الانسان.. نعيش في قلب الساحة ونطلق خطابنا ومشروعنا الثقافي والسياسي التغييري العام في جميع قضايا الصراع من دون ان نفقد اي شي ء من اسلامنا ومن طهارتنا ومن نقائنا، شريطة ان نكون المسلمين الواعين الذين يعيشون في واقع التحدي ورد التحدي المعاصر حالة طوارى في فكرهم وفي اسلوبهم وفي وعيهم للواقع، وفي حركتهم من اجل هذا الواقع.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية