الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ثانيا، لا توجد في الاسلام مشكلة تسمى الصراع بين المراة والرجل. فلكل وظائفه وواجباته‏وتكاليفه الشرعية التي حددها اللّه جل جلاله له. فلا تنازع اذا بينهما ولا صراع. ولكن يلزم‏ان نقول هنا: ان عند المسلمين نوعين من التراث: فهناك تعاليم دينية ماثورة تم فيها تحديد وظائف كل مخلوق وتكاليفه، وهناك غادات وتقاليد موروثة غير واردة في الاثار الدينية، ويجب التزام الدقة والاهتمام لفصل احداهما عن الاخرى حتى لانحمل الاسلام ما ورثناه‏من عادات وتقاليد عن آبائنا ومجتمعاتنا.

اما بالنسبة لوضع المراة في الاسلام يرحب القرآن الكريم بالانثى منذ ولادتها، ويعدها هبة من اللّه تعالى تماثل هاة الذكر تماما،بل انه ليجعلها في الترتيب سابقة للذكر. فانجاب الاناث والذكور، او عدم الانجاب، هي‏امور بيد اللّه الخلاق العليم القدير: ((للّه ملك السم‏وات والاءرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن‏يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الذكور × اءو يزوجهم ذكرانا واناثا، ويجعل من يشاء عقيما، انه‏عليم قدير) «الشورى: 49و50».

وكل هبة او نعمة من اللّه تتطلب الحمد والشكر. ولقد سفه القرآن الكريم اعداء الانثى في‏كل زمان ومكان، اولئك الذين ساءهم انجابها، فقال: (واذا بشر اءحدهم بالاءنثى ظل وجهه‏مسودا وهو كظيم × يتوارى من القوم من سوء ما بشر به اءيمسكه على هون اءم يدسه في‏التراب، الا ساء ما يحكمون) «النحل: 58و59».

كما بذل رسول اللّه (ص) جهدا متناهيا في مستوى المراة وتحسين نظرة الناس اليها، فقداعتبر (ص) ان ((خير الاولاد البنات))، وان ((احسن الناس احسنهم لزوجته))، وان ((النساءامانته في امته)).

ولقد فرض اللّه تعالى الحجاب الشرعي ليصون كرامة المراة، ويحفظ عفافها، ويحميها من‏النظرات الجارحة والكلمات اللاذعة والنفوس المريضة، فلقد كانت الاماء والكافرات يسرن‏متبرجات، فكرم اللّه المسلمات بهذا الزى المحتشم حتى يتميزن عن الاماء والبغايا من‏النساء. ومن اجل هذا شبه الرسول (ص) المراة المتبرجة بالظلمة التي لا نور فيها، فقال(ص): ((مثل الرافلة في الزينة في غير اهلها، كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها)) (رواه‏الترمذي).

وقد رفض الاسلام اعتبار الجنس ميزان التفاضل بين الذكر والانثى، عندما اعتبر التقوى هي‏الميزان الذي يتفاضل بحسبه الانسان ذكرا كان ام انثى، فقال جل وعلا: (يا ايها الناس اناخلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم)«الحجرات: 13» وقال عز وجل: (واعبدوا اللّه ولاتشركوا به شيئا، وبالوالدين احسانا) «النساء: 36» ولم يقل:وبالوالد (دون الوالدة) احسانا.

(وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا) «الاسراء:23» وفي آية اخرى نرى ان اللّه تعالى اشار الى وجوب اكرام الام اضعاف اكرام الاب، حيث ذكرسبحانه ما تتحمله الام في حمل طفلها وتنشئته: (ووصيينا الانسان بوالديه حملته امه وهناعلى وهن...) «لقمان: 14» ولذا لما سال رجل رسول اللّه (ص) عن احق الناس بحسن صحبته، اجابه (ص): ((امك.قال: ثم من؟ قال (ص): امك. قال: ثم من؟ قال (ص): امك. قال: ثم من؟ قال (ص): ابوك)).

اذا، لقد اوجب رسول اللّه (ص) ان تكرم الام ثلاثة اضعاف ما يكرم به الاب.

وان من اعظم اكرام رسول اللّه (ص) للام هو قوله ((الجنة تحت اقدام الامهات)).

ولذا، فاننا نستطيع القول، وبكل عزة وافتخار: انه لا يوجد دين من الاديان، ولا قانون من‏القوانين الوضعية القديمة والحديثة، اكرم المراة ورفع من مقامها كما فعل الاسلام. فلقدوضع المراة والرجل على قدم المساواة امام اللّه في المسؤولية، فقال سبحانه: (ومن يعمل‏من الصالحات من ذكر او انثى وهو مؤمن فالئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) «النساء:124» وبينما نجد في الغرب التبجح بالمناداة بحقوق الانسان وبحقوق المراة بشكل خاص، نرى‏ان في هذا الغرب الملحد تجري، وبشكل علني، وتحت نور الشمس، عملية واد لضميرالانسان بشكل عام، بغض النظر عن ك‏ون هذا الانسان امراة او رجلا. بينما نجد القرآن‏الكريم يحافظ على حقوق الانسان وكرامته، رجلا كان هذا الانسان ام امراة، فيقول اللّه جل‏جلاله في هذا الشان: (فاستجاب لهم ربهم انى لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر او انثى‏بعضكم من بعض...) «آل عمران: 195».

وليس افضل ولا ادل على معنى المساواة بين الرجل والمراة مما جاء في الية القرآنية‏الكريمة: (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)«النساء: 32».

ولقد ابان القرآن الكريم ان بناء المجتمع لا يقوم الا على اساس مدروس من التعاون بين‏الرجل والمراة على حد سواء ومن دون تفاوت واستعلاء من قبل طرف على طرف الخر،وذلك في جميع المجالات الاجتماعية والتربوية والثقافية والسياسية والاقتصادية‏والعلمية. فدورها غير مقتصر على انجاب الاطفال وتربيتهم كما يقول بعضهم، انماالمطلوب منها المشاركة في بناء المجتمع والعمل على تقدمه وازدهاره جنبا الى جنب مع‏الرجل، ضمن نطاق القوانين الالهية المقدسة. وهذا ما مفهمه من قول اللّه تعالى في الية 71من سورة التوبة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض، يامرون بالمعروف وينهون عن المنكرويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون اللّه ورسوله. اولئك سيرحمهم اللّه ان اللّه عزيزحكيم).

الاسلام يحفظ حقوق جميع المخلوقات وهكذا ظهر لنا، من خلال هذه الدراسة، تفوق الاسلام وسموه على جميع الاديان والقوانين‏الوضعية التي كانت قبله والتي جاءت بعده او ستجي‏ء في المستقبل. فهو دين اللّه التام‏الكامل الذي ارتضاه لعبادع. انه الدين العالمي الوحيد الذي يمكنه ان يحفظ حقوق جميع‏المخلوقات والكائنات، منمادة ونبات وحيوان وانسان، في هذا العالم.

ومن هذا المنطق فان التعاليم الالهية في الدين الاسلامي العزيز تحتاج الى نماذج من البشربامكانهم تجسيدها وتنفيذها عمليا بشكل كامل وحقيقي، لكي يخرجوها من الفرضية‏المثالية (ايديالية) الى الحياة الانسانية العلمية لكي لا يكون للناس على اللّه حجة يوم‏القيامة.

وكانت السيدة الزهراء (عليها السلام)، المعصومة عن الخطا من بين النساء، هى المجسدة‏الوحيدة للتعاليم الاسلامية السامية.

ولا يمكن لغير المعصوم، مهما ارتفعت درجته، ان‏يسجد التعاليم الاسلامية بشكل كامل وصحيح.

والسيدة الزهراء (عليها السلام) معصومة بحكم القرآن الكريم (آية التطهير): (انما يريد اللّهليذهب عنكم الرجساهل البيت ويطهركم تطهيرا) «الاحزاب: 33»، يدعمها حديث‏الكساء.

كما انها معصومة بحكم السنة النبوية الشريفة، فهى سيدة نساء اهل الجنة وسيدة النساءالعالمين.

فحق لفاطمة (عليها السلام) ان تكون قدوة حسنة واسوة لنساء العالمين. ووجب على‏المؤمنات ان يتخذنها قدوة ومنارا يستضئن به في سلوكهن وحياتهن.

ا. عطوي: نشكر للاستاذ تامر مير مصطفى كلمته القيمة التي بينت لنا بوضوح واقع المراة في‏الغرب مقارنة مع واقعها في الاسلام.. هناك بعض الاسئلة التي تثار في هذا المجال، وقبل‏ان نبدا بطرحها اعط‏ي الكلام للدكتور فوزي ادهم، فلديه، كما يبدو، كلمة يقولها.

د. فوزي: في الحقيقة هي ملاحظة اكثر منها كلمة.. الملاحظ ان المراة، خصوصا في بلادنا،صارت منقسمة الى قسمين: عينها على الغرب وقلبها مع الشرق، مع الاسلام.

فالمراة‏المسلمة تجلس في البيت تطالب بمكتسبات المراة الغربية، تريد الحرية والسفور والظهور وو... الخ وفي الوقت نفسه تطالب زوجها بحقوقها عليه، فيجب ان ينفق عليها، ويجب...،ويجب... الخ هنا الزدواجية في الحقوق خطيرة.. نحن في الواقع، نعيش في مجتمع غيراسلامي، مجتمعنا غير اسلامي بشكل عام، فالظاهر انه عندما اوجب الاسلام النفقة على‏الزوج، اوجب الطاعة على المراة كذلك، هناك حقوق واجبات، اى امراة بشكل عام الن‏تطالب بحقوق المراة بالمواثيق الغربية وفي الوقت نفسه بالحقوق الاسلامية، هنا انا اقول:نريد حقوق الرجل وليس حقوق المراة.

ا. عطوي: من الاسئلة التي تثار، في هذا المجال، ينسب الى الامام علي (ع) قول هو:((معاشر الناس، ان النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فاما نقصان‏ايمانهن فقعودتهن عن الصلاة والصيام في ايام حيضهن. واما نقصان حظوظهن فمواريثهن‏على الانصاف من مواريث الرجال. واما نقصان عقولهن فشهادة امراتين كشهادة الرجل‏الواحد، فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى‏لا يطمعن في المنكر)).

هذا الحديث يطرح اشكاليات كثيرة حول المراة وحقوقها ودورها: 1 منها الاشكالية التي تقول: ان حقوق المراة مهضومة، وان ارثها الذي يعادل نصف ارث‏الرجل يناقض مفهوم المساواة في الاسلام، فما رايكم بذلك؟ 2 ان المراة ناقصة عقل ودين.. فكيف يتوافق ذلك مع حقها بان تكون قاضية او ان تكون‏مجتهدة؟ فاذا قلنا: انها ناقصة الارث لان ارثها يساوي نصف ارث الرجل، واذا قلنا: انها ناقصة عقل‏لان شهادتها لا تقبل الا اذا اجتمعت مع شهادة امراة اخرى، علما ان الرجل وحده لا تقبل‏شهادته.

فهل عند سماحة الشيخ ما يفسر لنا كيف يكون هناك نقصان في العقل ونقصان في‏الارث وتكون هناك مساواة في الاسلام؟ وفي الوقت نفسه، فان تكن المراة ناقصة عقل‏ودين، فكيف يتوافق ذلك مع حقها في ان تكون قاضية او محامية او مجتهدة... الخ؟ الشيخ خالد العطية: قبل الاجابة عن هذا السؤال مباشرة، اود ان اعلق بكلمة قصيرة على‏هذه الاحاديث والنصوص التي تكرس بشكل عام النظرة الدونية للمراة، وتنسب الى‏الرسول(ص)، او الى احد الائمة(ع) مثل الامام علي بن ابي طالب(ع). الحقيقة ان موقفنامن هذه النصوص هو اننا يجب ان نحاكمها على اساس مبداين معروفين: المبدا الاول هوالبحث في مدى حجيتها وصحتها، اي صحة نسبة هذه النصوص الى قائلها. ان هذه‏النصوص، ومنها على سبيل المثال الحديث المشهور الذي يتمسك به اخواننا اهل‏السنة، في مجال ولاية المراة والاعمال الاجتماعية والسياسية بالاخص: ((لن يفلح قوم ولواعليهم امراة..))، ومن قبيل ما يروى عن امير المؤمنين علي(ع) من ان النساء نواقص الحظوظ‏ونواقص دين... الخ، واءن المراءة شر كلها وشر ما فيها اءنه لابد منها، ان هذه النصوص في‏مجملها او معظمها ضعيفة وغير معتبرة شرعا. والعجيب، في هذا ايضا، ان اغلب هذه‏النصوص تنسب الى الامام علي(ع)، وكان السبب في هذا ربما هو ان الامام عليا(ع)، يعدبعد الرسول(ص)، سيد البلغاء والمتكلمين، وهو مشهور في اقواله ومنثوراته الحكمية.. هذامن ناحية، ومن ناحية اءخرى، فان له تجربة قاسية ومعاناة مرة مع امراة بعينها.. فوجدوا انه‏انسب شخص يمكن ان تنسب اليه هذه النصوص.

د. فوزي: حتى نص: ((لا يفلح قوم..)).

الشيخ خالد العطية: هذا الحديث رواه البخاري عن ابي بكرة، لكن بعض العلماءالمعاصرين كالدكتور يوسف القرضاوي، ناقش في دلالة هذا الحديث وفسره في ضوءسبب وروده بان النبي(ص) لما بلغه ان الفرس، بعد وفاة ملكهم كسرى، ولوا عليهم ابنته((بوران)) قال: ((لن يفلح قوم ولوا عليهم امراة)) فاراد(ص) ان يخبر عن عدم فلاح الفرس الذين‏فرض عليهم نظام الحكم الوراثي ان تحكمهم بنت الامبراطور وان كان في الامة من هو اكفامنها وافضل الف مرة. وفي ضوء هذا المعنى لا مجال للاخذ بعموم الحديث لكل ولاية‏حتى وان كانت غير عامة.

هذا من ناحية السند والحجية. اما من ناحية الدلالة والمضمون، وهذا هو الاساس الثاني‏الذي نحاكمها وفقه، فهذه الاحاديث، ان لم يمكن تاويلها، وحملها على محمل يتفق مع‏روح الاسلام ونظرته بشكل عام الى المراة ومكانتها ودورها، فانها ترد ويضرب بها عرض‏الجدار، لان كل ما خالف كتاب اللّه عز وجل هو زخرف على حد تعبير بعض الرويات عن‏الائمة المعصومين(ع). هذا من ناحية عامة، واذا اردنا ان نناقش مضمون هذه الروايات من‏الناحية التفصيلية فهل هي تنسجم مع الواقع التشريعي الاسلامي حقيقة؟ هل ان النساءناقصات حظوظ، يعني ان حظهن في الارث كما تقول الرواية اقل من حظ الرجل، او ان‏حظهن في الدين مثلا اقل من حظ الرجل؟ نجد ان هذه الروايات لا تثبت امام الواقع،وليست مطابقة للتشريع الاسلامي جملة وتفصيلا، لانه في ما يتعلق بالارث، ليس الامر كمايصوره بعضهم.

الارث فتشريعاته ليست مبنية على اساس التمييز بين الجنسين، ما يعني ان الحصص المقسمة في‏الارث وانصبة الورثة، في مختلف الطبقات، ليست قائمة على اساس الفرق النوعي بين‏هوية الرجل وهوية المراة، وانما قائمة على اساس اعتبارات موضوعية، واعتبارات‏اقتصادية في الدرجة الاساس، فالرجل يتحمل مهر الزوجة، ونفقات الزواج، وتاسيس بيت‏الزوجية وتاثيثه، وينفق على الزوجة والاولاد وعلى ابويه اذا كانا بحاجة اليه، فحصته من‏الميراث معرضة للانفاق غالبا بينما حصة المراة من الميراث، سواء كانت بنتا او زوجة اواما، خالصة لها وحدها لا يقع عليها اي عب‏ء مالي.

ومما يدل على ان سبب التفاوت بين الرجل والمراة في الارث هو هذا اننا نجدهما في‏بعض الحالات يتساويان، فمثلا نحن نعرف انه اذا توفي الميت عن زوجة وابناء وابوين فان‏ابويه يتساويان في ميراثه فينال كل واحد منهما السدس (ولابويه لكل واحد منهما السدس‏مما ترك) «النساء: 11» فلو كان هناك فرق ملحوظ بالنسبة للرجل والمراة فلماذا لم يراع هذاالفرق بين الاب والام؟ ومثال آخر: كلالة الام، اي اخوة الميت لامه، اذا كان معهم كلالته‏لابويه اي اخوته من امه وابيه، فللاخوة من الام في هذه الحالة الثلث يشتركون فيه بالسوية‏من غير فرق بين الذكر والانثى.

هذا في ما يتعلق بالارث. اما في ما يتعلق بشهادة المراة وعدم قبولها منفردة وانما منضمة‏الى شهادة امراة اءخرى، فهذا الحكم ورد في القرآن الكريم في آية الدين الواردة في اواخرسورة البقرة الاية 282: (يا اءيها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين الى اءجل مسمى فاكتبوه‏وليكتب بينكم كاتب بالعدل...) الى قوله تعالى: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم‏يكونا رجلين فرجل وامراءتان ممن ترضون من الشهداء اءن تضل احداهما فتذكر احداهماالاخرى...) الى آخر الاية، فمن الواضح، بحسب هذه الاية وبحسب التعليل الذي علل به‏هذا الحكم فيها، ان الاسلام قد راعى في ذلك طبيعة الموضوع او الواقعة المشهود عليهامن ناحية، وطبيعة اوضاع المراة ومشاغلها واهتماماتها الرئيسية كما هو عليه حالها في‏الحياة العملية من ناحية اءخرى.

فمن حيث الواقعة المشهود عليها لا توجد لدى المراة في الغالب خبرة بتفاصيلها ودقائقهامثل خبرة الرجل، لانها ليست مكلفة مثله بالعمل الاقتصادي، ولا تخوض، في الغالب،غمار الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولا تواجه مشاكلهما الا في الحالات النادرة، كما انهامن ناحية اءخرى مستغرقة في حياتها العائلية وشؤون بيتها وعلاقاتها الخاصة، الامر الذي‏يؤثر على ذاكرتها ووعيها للاحداث والوقائع التي تجري خارج عالمها الخاص ونطاق‏اهتمامها المباشر ويجعلها تغفل عن بعض جزئيات الواقعة التي تشهدها ولا تتحمل‏الشهادة فيها كما يجب.

من اجل ذلك احتاط الاسلام للامر محافظة منه على حقوق الناس وحرصا على فض‏المنازعات بينهم بطريقة فعالة ومنصفة، فعزز شهادة المراة الواحدة في امثال هذه الحالات‏بشهادة امراة ثانية. هذا هو السبب او الحكمة من اشتراط تعدد المراة في قبول شهادتهاوليس هو نقصان في انسانيتها او في عقلها كما يشيع خصوم الاسلام. ومما يؤكد ذلك ان‏شهادتها منفردة تقبل في ما يتعلق بالشؤون المختصة بالنساء مما لا يطلع عليه غالبا الاالنساء وحدهن من قبيل فض بكارة المراة وثيبوبتها وولادتها وعيوبها الجنسية وما الى‏ذلك.

القوامة ا. عطوي: اذا اعتبرنا، بموجب النص القرآني، ان الرجال قوامون على النساء، بما فضل اللّهبعضهم على بعض وبما انفقوا. هل يعني ذلك ان القوامة تسقط بعدم الانفاق؟ الشيخ خالد: طبعا مع عدم الانفاق يكون الرجل ناشزا، والنشوز ليس خاصا بالمراة، فكماان المراة اذا لم تلتزم بواجباتها تجاه الزوج، وخرجت من حدود الطاعة تعد ناشزا وتسقط‏عنها النفقة، ايضا الرجل اذا لم يقم بالتزاماته تجاه الزوجة يعد ناشزا، اي مخالفا لاحكام‏الشريعة، لكن الحل لمسالة النشوز، حسب النص القرآني، يكون بمحاولة الاصلاح بين‏الزوجين بالوعظ والارشاد اولا، ثم بتعيين حكم من اهله وحكم من اهلها الى ان تنتهي‏القضية الى الحاكم الشرعي. ولا تسقط القوامة لانها مسؤولية وتكليف على الرجل وليست‏امتيازا له.

ا. عطوي: السؤال التالي لحضرة الدكتور فوزي، وهو: هل يتعارض مفهوم القوامة مع حق‏المراة وحريتها في المشاركة الاجتماعية والسياسية في بناء المجتمع، وبالتالي الدولة؟ د. فوزي: اولا، اريد ان ازيد على ما قاله سماحة الشيخ، وهو رائع وصحيح، وهو ان لانفترض ان القواعد التشريعية الاسلامية هي قواعد حسابية (1+1:2). هناك نظام اسلامي‏متكامل شامل رسمه ووضعه رب العالمين، سبحانه وتعالى، ونحن نطبقه.

وهناك حكمة‏من وراء هذا، ونحن لا نعرفها، ولكن موضوع الشهادة هو موضوع اثبات، يتعلق بالاثبات.ففي موضوع الزنا، رب العالمين عز وجل، فرض علينا اربعة شهود رجال.. لماذا؟ هل هذايعني ان الرجل ناقص؟ طبعا لا، لان الموضوع يتعلق بجرم معين، ونظرا لخطورته اقتضى‏رب العالمين، سبحانه وتعالى، ان يكون هناك اربعة شهود.. في موضوع شهادة المراة، رب‏العالمين، سبحانه وتعالى، خلق هذا الكون، وهو اعلم وادرى بما خلق، فنتيجة لعلمه يرى‏ان المراة يجب ان تكون معها شاهدة اخرى، ولا نقيس الامور حسابيا (1+1:2). وهنا نرجع‏لمقولة ((ارسطو)) في العدالة الحسابية.

اما، في ما يتعلق بسؤالك، فساجيبك بصراحة، طاعة المراة للرجل هي كرم وشرف لها،القوامة، قوامة الرجل، هي شرف للمراة، لان البيوت السعيدة، اذا اردنا ان ندقق بالضبط،وننظر نظرة بعيدة غير متحيزة، هي البيوت، التي تكون القوامة فيها للرجل وليس للمراة.موضوع السؤال كبير جدا، وهو: هل تتعارض القوامة مع دور المراة السياسي، اوالاجتماعي؟ اعطيكم مثالا، لنكن واقعيين: انا قاض، ومنذ اربع سنوات، قاضى رجل ومعه‏مستشارتان امراتان، الاولى حامل والثانية تتوحم. بعد شهر، اوقفوا المحكمة نتيجة هاتين‏الحالتين. لنكن واقعيين. قد يفسر رايي انه ضد المراة، ضد قيادة المراة السياسية. المراة لهادور، تربي عائلتها واولادها، لها دور اجتماعي كبير. تفكير المراة باحتلال المراكز القيادية،من منطلق الثار لنفسها على الطريقة الاوربية الغربية، هو الذي اوصلنا للهلاك.

المراة عين على الغرب وعين على الاسلام. اما اسلام، واما غرب، الاسلام واضح،والمشكلة هنا ان كتبنا التي ندرس فيها هي كتب غربية، المدارس، التلفاز، وسائل الاعلام،كلها غربية، نحن نعيش في مجتمع غربي، فلنكن واقعيين.

في مجتمع الرسول(ص)، في مجتمع الخلفاء الراشدين، هل كان للمراة دور سياسي؟ لا،فقط شجرة الدر ايام المماليك.

نعم، هناك حالات استثنائية كانت الشفاء محتسبة، كانت‏سمراء بنت السمراء الازدية محتسبة، وهناك اناس ينكرونها.. اريد ان اجيب على ((الطبري))مع اختلاف الزمن، ماذا تعمل لو كنت متزوجا من قاضية وانا مسلم؟ امنعها من الذهاب، لااعطيها الاذن، ماذا يحصل للقضاء اذا اردنا مجتمعا اسلاميا فليكن، وان اردنا مجتمعاخليطا: اسلاميا غربيا فليكن، فلنختر.

ا. عطوي: لكن المراة في الاسلام اذا اشترطت على الزوج ان يطلق يدها في العمل، اويعطيها حريتها، او وكالتها عن نفسها بالطلاق، او اية شروط بالعقد، الشرط يصير ملزما.

د. فوزي ادهم: كم عدد النساء، نسبيا، اللواتي يطلبن مثل هذه الشروط؟ ا. عطوي: نحن لا نقول عدد النساء، انما في حال طلبت.. الدين يقرها على شروطها.

د. فوزي ادهم: لكل قاعدة استثناء.

ا. تامر مصطفى: ادارة البيت، ضمن القوانين الاسلامية الالهية، حافظ او ضامن لكينونة‏المراة من الانحلال. لو نظرنا الى ما في الغرب لوجدنا ان المراة تشعر انها رئيسة البيت‏والرجل من طرفه يشعر انه رئيس البيت، وكل يريد ان يدير البيت على حسب شاكلته،الاسرة في الغرب محطمة، اللبنة في الغرب محطمة، وقد اصبحت هشة لدرجة كبرى،والغرب يعاني من هذه الويلات، حتى ان كاتبة انجليزية لا اذكر اسمها تقول: يا ليت بناتناجلسن في بيوتهن، او خوادم في بيوت اخرى، ولم يذهبن الى المصانع، ولم يذهبن الى‏الشارع يختلطن بالرجال كاختلاط الحيوانات مع بعضها. يا ليتهن اقتدين بالفتيات‏المسلمات.

ا. عطوي: لكن هناك اعمال محترمة يمكن للمراة ان تقوم بها، فتحترم نفسها وتحترم اسرتهاوترفع راسها ايضا.

الشيخ خالد العطية: بالنسبة للعمل السياسي والاجتماعي للمراة، والمجالات التي يمكن ان‏تعمل فيها، والاسباب والدواعي التي تسوغ عملها، يمكن تقديم التصور التالي: اولا: المراة قد تشعر بحاجة الى ان تستثمر طاقتها ووقتها في العمل المنتج، بدلا من ان تهدرطاقتها في اللهو والكسل. هذا داع من دواعي عمل المراة.

والداعي الثاني: هو تلبية حاجة المجتمع لبعض الاعمال التي هي اليق بالمراة، بحيث تكون‏اقدر من الرجل على القيام بها، من قبيل اعمال التمريض والطبابة النسائية مثلا والتعليم وماشاكل ذلك.

وثالثا: قد تحتاج المراة ان تنفق على نفسها بسبب عجز معيلها مثلا، او قصوره عن الانفاق‏عليها او على اسرتها، او بهدف التوسعة عليها، حتى في المجتمع الاسلامي يمكن افتراض‏ان المعيل لا يحصل على النفقة اللازمة لاسرته، وهو بحاجة الى من يعينه، وليس لديه اولادذكور يساعدونه، ففي هذه الحالة يشرع العمل للمراة. المراة تاريخيا زاولت العمل من‏غير اي نكير عليها لا من المجتمع الاسلامي ولا من علماء المسلمين، ونحن نعرف‏الكثيرات ممن عملن، كمثال على هذا فان خديجة (صلوات اللّه وسلامه عليها)، وهي ام‏المؤمنين، كانت تتعاط‏ى التجارة، ومن بعدها نساء فاضلات كثيرات احترفن مهنا كثيرة.وهذا يتم، طبعا، ضمن حدود الضوابط الشرعية، وبحدود عدم ارتكاب المحرم. هذا من‏ناحية العمل الاجتماعي بشكل عام.

اما من ناحية العمل السياسي..

ا. عطوي: عفوا، السيد الخميني (قده) يقول: المراة كالقرآن كلاهما اوكل اليه صنع الرجال.

الشيخ خالد العطية: نحن نتحدث عن استثناءات، لان المراة غير مكلفة بالعمل اساسا. ومااشار اليه الامام الراحل هو دورها الاساسي في تنشئة الاجيال، ولكن هناك حالات تتطلب‏خروجها للعمل، والسؤال هو: هل هناك محظور ومانع شرعي من ان تزاول المراة العمل؟طبعا، لابد من ان تكون هناك دواع معقولة ليست من اجل الاختلاط بالرجال وليست من‏اجل الخروج من المنزل والتخلص من اعباء الزوجية ومسؤولياتها، وانما بداع شرعي‏معقول، وهو احد الدواعي المتصورة السابقة. في هذه الحالة، بلا شك، لا يوجد اي محظورعلى خروج المراة للعمل.

ومن ناحية العمل السياسي، يمكن تصوره على مستويات، اولا: العمل ليس منحصرا كله‏بالولاية العامة وتولي الحكم ورئاسة الدولة ولا في رئاسة الوزراء وما شاكل ذلك. وانمايمكن تصوره على مستويات وعلى درجات مختلفة، مثلا الاشتراك في الاجهزة التنفيذية‏والادارية، الاشتراك في المجالس التنفيذية والنيابية، الاشتراك في اجهزة المراقبة‏والمحاسبة على الدولة.

ابداء المشورة والراي والنصيحة للحاكم على مختلف المستويات،كل هذه اعمال ونشاطات سياسية، والمراة المسلمة لم تتوقف يوما، خصوصا في العهودالاولى للاسلام، عن الاشتراك في هذه المجالات، وموقف الزهراء(ع)، وموقف زينب(ع)،وموقف الكثيرات من النساء كموقف المراة التي وقفت في وجه عمر عندما اراد ان يحددالمهور وما شاكل ذلك.

فقد كان للمراة دور فاعل في الحياة السياسية والاجتماعية في المجتمع الاسلامي.

نعم هناك اتجاه فقهي، ويبدو انه موضع اجماع يتعلق بمسالة رئاسة الدولة، او ما يسمى‏بالامامة العظمى او الولاية الكبرى..

في هذه المسالة تمسك الفقهاء بهذا الاجماع وتمسكواايضا بالنصوص الشرعية التي من جملتها الحديث المعروف: ((لن يفلح قوم ولوا عليهم‏امراة..)) وما شاكل ذلك من الاحاديث.

والاتجاه العام في الفقه الاسلامي يميل الى اشتراط‏الذكورة في الولاية العامة. في ولاية القضاء تشترط الذكورة ايضا. لكن في ما دون ذلك من‏مستويات العمل السياسي والمشاركة السياسية فلا يوجد بلا شك اي حظر على المراة‏ولا اي مانع شرعي من خروجها للعمل.

ا. عطوي: الاخ هاني عبداللّه لديه ملاحظة، تفضل.

ا. هاني عبداللّه: لدي، بداية، ملاحظة منهجية. اعتقد، مع تقديرنا لما قدمه المحاضرون، ان‏الموضوع، لم يشبع بحثا، وذلك لانه تم التوقف عند عدة عناوين غير العنوان المطروح.تكلمنا مثلا عن الفرق بين المراة في الاسلام والمراة في الغرب، وفي التشريعات الغربية..وغير ذلك.

اما موضوع العمل السياسي، فكما قال فضيلة الشيخ، ان السيدة الزهراء(ع) كما يعبر بعض‏علمائنا هي المعارضة الاولى في الاسلام، وهذا واضح، السيدة زينب(ع) في كربلاء ايضا.ثم ماذا نقول عن النص القرآني (.. بعضهم اءولياء بعض ياءمرون بالمعروف وينهون عن‏المنكر) «التوبة: 71» في موضوع الشهادة، (اءن تضل احداهما، فتذكر احداهما الاخرى) «البقرة:282» فالتي تذكرهي امراة وليست رجلا، وهذاتاكيد على دور المراة.

وتوجد بلقيسر ملكة سبا، ان اللّه سبحانه وتعالى تحدث عنها وكانها يمكن ان تفكر اكثر من‏الرجال، قالت: (ان الملوك اذا دخلوا قرية اءفسدوها) «النمل:34».

حقوق المراة في العالم الاسلامي المعاصر ا. فتحية عطوي: سؤال للاستاذ الدكتور فوزي ادهم: كيف ترى، بعين القاضي، الى حقوق‏المراة في العالم الاسلامي اليوم في ضوء شرعة حقوق الانسان، من منظور اسلامي بعدحصول خلط بين القانون الوضعي والقانون الاسلامي في مجتمعاتنا؟ د. فوزي ادهم: من حيث الواقع، الشريعة الاسلامية غير مطبقة اجمالا في العالم الاسلامي،وهناك مزيج. اما الدول التي تقول انها اسلامية: ايران، السودان، باكستان، والسعودية،فالكلام على مدى تطبيق الاسلام فيها، يحتاج الى بحث طويل. ونحن بصدد ارضاء اللّه عزوجل وتوضيح الافكار. هل المراة في العالم الاسلامي مظلومة؟ نعم، ولكن انا اجيب عن‏سؤالك بسؤال: هل نال الرجل حقوقه؟ اذن القضية اين؟ القضية جدلية، الرجل المتحضرينتج امراة متحضرة، والتعيس ينتج امراة تعيسة، هل تجلس المراة في صومعة بعيدة عن‏الرجل؟ المشكلة هي: هل حصل الرجل في العالم الاسلامي على حقوقه حتى نقول ان‏المراة لم تحصل على حقوقها؟ الواقع، لا، لنتكلم عن الاسرة، حقوق الطفل اين؟ ... الخ.الطرح في البداية طرح غربي وهدفه ضرب الاسلام، ولكن يقولون ان حقوق الانسان في‏الاسلام غير مطبقة. يوجد قطع يد، فالمسلمون مجرمون، وهم جماعة متوحشة ومعهم‏حق، مثلا عندما وصل ((جعفر نميري)) الى الحكم بدا بالسيف وقطع اليدين، وقال: نحن‏نطبق الاسلام.

فاعط‏ى العالم فكرة عن الحكم الاسلامي انه قطع يدين وان قطع اليدين هوبند من بنود القانون الاسلامي.

ايام عمر بن الخطاب اوقف قطع اليد. وللامام علي(ع) تعامل ونظرة تجاه قطع اليد.

المسالة مسالة حقوق، فلنتكلم عن حقوق الرجل قبل المراة، فاذا وصل الى حقوقه، عندهانتكلم عن حقوق المراة، الخطا هو في البحث عن حقوق المراة بعيدا عن بحث الموضوع‏كله.

المراة، في لبنان، تنافس الرجل في العمل، والنتيجة ضد صالح المراة، لان الرجل عندما لايعمل لن يتزوج، وعند ذلك تجلس المراة في البيت، والذنب ليس ذنب المراة اذا بقيت‏عانسا من دون زواج. فلنرجع الى الاسلام، الى تشريعاته، (وقرن في بيوتكن)، المراة لهامكانة في بيتها.

ا. عطوي: الموضوع اكبر من ان تختصره هاتان الساعتان، وعلى كل حال، نشكر السادة‏المنتدين، ونشكر الاخوة الحضور الاكارم، والى اللقاء في ندوة اءخرى. والسلام عليكم‏ورحمة اللّه وبركاته.

نقاش ((يوم الدم))، عاشورا ل((رالف رزق اللّه)) قصور الطروحات النفسية المسقطة على السياق‏التاريخي الشيخ علي حب اللّه في احدى لقاءاتي مع الدكتور خليل احمد خليل، واثناء الحديث عن بعض اعماله‏ونشاطاته الفكرية، اسر الي انه بصدد ترجمة كتاب لرالف رزق اللّه عن عاشوراء، عن اللغة‏الفرنسية، وهو دراسة ومقاربة نفسية واجتماعية لمقتل الامام الحسين(ع)، يصدر قريبا عن‏دار الطليعة.

هل اقول: اني اكترثت للامر؟ او لاقى مني اذنا صاغية؟ في الواقع لم اعر الموضوع اهتمامايذكر.

غير اني عرفت ان كلية الاداب في الجامعة اللبنانية، قسم علم النفس اقدمت على تبني‏الكتاب، واتخاذه مقررا لها للسنة الدراسية الثالثة.

لامر ما قررت الجامعة هذا الكتاب؟! ولا يتسع لاجل ذلك ادراج ما قررته ادارتها الموقرة في‏عداد اللامفكر فيه، وايا تكن الاهداف والنتائج المتصورة والمترتبة على تواصل المثقف،واخص طلاب الجامعة من ابناء الطائفة الشيعية مع السياق المعرفي للكتاب، فلا حرج من‏تموضع اشد القضايا الدينية يقينا وايمانا لتجاذب الافكار، وان تكون محطا للنقدوالمساجلة، والحال انا نؤمن بعدم وجود حقل غير قابل للنظر، ومتعال عن البحث.

لكن ما يؤسف ويزعج ليس الطابع الافتراضي للكتاب الذي يذكرنا بما قاله ابن قتيبة عن‏الجاحظ في رده على النصارى، من انه عندما عرض الى ادلتهم ساقها في احسن بيان،وافضل عبارة، ثم عندما اراد ردها، خانه قلمه وارتج عليه ((ويعمل كتابا يذكر فيه حجج‏النصارى على المسلمين، فاذا صار الى الرد عليهم تجوز في الحجة كانه انما اراد تنبيههم الى‏ما لا يعرفون وتشكيك الضعفة عن المسلمين))((310)).

بل ما يزعج هو ان تبحث عن قوم كان الكلام سيد عملهم، والبحوث الفكرية افضل صناعة‏في ايديهم، فتراهم عجزا، والعدة حاضرة، والشمل مجتمع، قناعة بالاحتفالات التبجيلية‏للتراث، وتجاوزا عن تثوير النصوص الى تثوير الحدث والعاطفة لصالح الاسلاموية‏المتعاظمة، وما اقواها، لو كان الى جانبها المثقفون الذين كانوا في ما سبق يرصدون‏مستحدثات الفكر، وجديد البحوث، فاذا ما نشر منها شي‏ء تناهبتها اقلامهم بالنقدوالتجريح.

ونحن، اذ ننشر هذه المقالة النقدية، نهيب بالقارى‏ء توخي الحذر في الحكم، فما قصدنا الاالى ترجيح العقل على الانتماء، اعني الانتماء الطائفي. وفي سبيل ذلك، نعتقد ان رالف‏رزق اللّه عندما وقف مشدوها امام الصور المتزاحمة والمثيرة لمواكب اللطيمة والضريبة‏التي تفوح منها رائحة الدم، لم يكتف عندها بالاندهاش فحسب، بقدر ما كانت تغمره لذة‏الاكتشاف، اكتشاف بؤرة تجتمع فيها مفاهيمه النفسانية، وافكاره الحائرة والمضطربة، التي‏طال دورانها في صقيع النظريات المتعالية، لتجد في مشهدية عاشوراء حرارة التوضيب،ولتجد ايضا موضوعا جاهزا للاسقاط، اسقاط المزيج المعرفي الذي استقاه من مجموعة‏كبيرة من آراء النفسانيين وعلى راسهم فرويد ونزعته المعروفة، وان كان رزق اللّه لم يتماد في‏الاخذ بها، لانه لا يقول مع فرويد بالانتقال الوراثي لعقدة الشعور بالذنب، بل يتوافق مع‏جيرار مندل القائل بفعالية المؤسسات الاجتماعية والثقافية في نقل المكتسب عبرالاجيال((311)). وآراء اريك فروم صاحب ((ثورة الامل)) ((اللغة المنسية)) وغيرهما.

وسيتضح، من حجم ما اخذه رالف رزق اللّه من النفسانيين الاجتماعيين، ان لا فضل له، ولاجديد عنده، الا فضل الاسقاط، او المجاورة بين الطقوس العاشورائية وبين الخلطة التي‏استقاها من غيره والتي هي في راينا تشبه وضع الحجر الى جنب الانسان حسب تعبيرالمنطق الارسط‏ي. ولبيان ذلك يمكن تقسيم مواضيع الكتاب الى قسمين تعمد رزق اللّهتزاوجهما ودمجهما لضرورة املتها طبيعة السرد الذي ارتضاه.

القسم الاول: وهو السياقات التاريخية للوقائع، وهذه بدورها تنقسم الى: ا تاريخ الشيعة الحديث، واستغرق ذلك الفصل الاول من الباب الثالث الذي يتحدث فيه‏عن جنوب لبنان في سياقه الاجتماعي والثقافي، وقد اجاد المؤلف في هذا الفصل في بيان‏حال الطائفة الشيعية في جنوب لبنان حتى سنة 1977م، فذكر الاهمال (التنموي،والاقتصادي، والسياسي، والثقافي) المتعمد احيانا للجنوب الذي كون اهله حزام البؤس‏والمعاناة حول العاصمة بيروت، وبين كيف ان خطط الدولة التنموية آنذاك كانت تصب في‏المناطق المسيحية. وتاليا كان لهذا الوضع السي‏ء للشيعة في لبنان عموما وفي الجنوب‏خصوصا تداعيات اجتماعية خطيرة.

ب‏ تاريخ الشيعة القديم، وقد تكفل بذلك الباب الاول بفصوله الثلاثة، ويظهر من خلاله‏النقص اللافت في العدة المفهومية عنده لتاريخ الشيعة في الاسلام، فقد اعط‏ى صورا غيرمكتملة عن الاضطهاد قبل مذبحة كربلاء وبعدها، فلم يذكر مثلا احداث الكوفة والبصرة‏بعد تنازل الحسن(ع) عن الخلافة، كمقتل حجر بن عدي الكندي، كما لم يذكر موقعة الحرة‏في المدينة سنة 63ه وماساة النفس الزكية، وموقعة فخ سنة 169ه زمن موسى الهادي،وكلها احداث ومحطات تسلط الضوء اكثر على الممارسات التي ولدت برايه المازوخية(التلذذ بتعذيب الذات) عند الشيعة دون الوسط السني.

بيد ان هذا النقص التاريخي الكبير الذي وقع فيه رالف رزق اللّه، والذي كان من الممكن‏تحاشيه، وتاليا، تقوية المواقع التي انطلق منها. اقول مع ذلك يمكن ان يتجاوز ويغتفر،فالمقدار المذكور في تمام الباب الاول يمكن ان يصلح لبناء ما بناه.

لكن ما يؤخذ عليه فعلا امران: الامر الاول: النقص الهائل في بيان اساسيات الفكر السياسي الشيعي ومنطلقاته العقائدية،والايديولوجية، والفكرية، وتاثيرها في بقاء الطقوس الشيعية. ولو كان رالف رزق اللّه مطلعاعلى تلك المبادى‏ء والاسس لربما عزى اليها بقاء، ليس فقط الطقس العاشورائي، بل‏مجموع طقوس الشيعة، اذ اكثر اسباب الطقوس عند الشعوب والاديان يكمن تفسيرها في‏المبادى‏ء والايديولوجيات لهذا الدين او لتلك الطائفة، وعليه فلا ينحصر تفسير الطقس‏الشيعي بما ذكره من تفشي النزعة المازوخية الناشى‏ء من الجرمية التي هي ترجمة للشعوربالذنب عند النفسانيين المتولد بدوره من ((الحدث الاكبر))، وهو قتل الاب في الجماعة‏البدائية واعدامه بوحشية حسب افتراض فرويد في ((الطوطم والتابو))، ليستنتج اخيرا من‏هذه الافتراضات والظلمات التي يتراكم بعضها فوق بعض، ان الشيعة قوم مصابون بمرض‏العدوانية((312)) وان شعيرة عاشوراء تسترد هذه العدوانية، وهي بذلك تؤخر الصراع‏الحقيقي مع السلطة المهدرة لحقوق الشيعة((313)) ليفهمنا بذلك ان عاشوراء مجموعة‏طقوس تنفيسية. والواقع انها تمد اصحابها بشحنات غريبة تجعلهم عصيا على الخنوع‏والذل، وتستبطن الرفض والمقاومة، ثم الاعتزاز بكل ذلك.

لكن مشكلة رالف رزق اللّه انه يريد ان يفهم البنية النفسية للشيعة من خلال تظاهرة تدوم‏لسويعات في النبطية سنة 1975 يوم كانت الطائفة الشيعية تفتقد القائد المخلص، والرؤية‏السياسية، وهما صفتان تجسمتا بعد ذلك في شخصية الامام الصدر.

الامر الثاني: ان ما ذكره رالف عن اضطهاد الشيعة مجاراة للمؤرخين، وان كان ناقصا كماذكرنا، فقد رتب عليه المقولات الفرويدية وغيرها من نظريات النفسانيين، الا ان تاريخ‏الشيعة ليس هو تاريخ الاضطهاد فحسب، اعني ان تاريخ الشيعة لم يكن كله اضطهادا، بل‏اقول اكثر من هذا: ان الجوانب المشرقة تملا مساحات كبيرة في تاريخ هذه الطائفة، ويمكن‏التاريخ لنهاية الاضطهاد هذا الى بعيد عصر المتوكل بقليل، اي الى منتصف القرن الثالث‏للهجرة، او الى آخر ذلك القرن على ابعد تقدير، من دون ان يعني ذلك نهاية الصراع‏الطائفي، ليبدا عصر السيطرة الشيعية على غير بقعة في العالم الاسلامي، فسيطر الفاطميون‏بجهود عبداللّه الشيعي في المغرب الاقصى والاوسط، بعد ان كانت دولة الادارسة، وهي‏دولة شيعية ايضا، قد هيات لذلك حتى دخول مصر على يد جوهر الصقلي، ثم بلاد سورياوالحجاز، اضافة الى اكثر جزر المتوسط، ومنها صقلية، والهيمنة على مقاطعات عديدة في‏جنوب ايطاليا.

وسيطر القرامطة على البحرين واجزاء من الجزيرة العربية، وسوريا والعراق، وسيطرالبويهيون على فارس والعراق، وكانت هذه الدول شيعية متعاصرة في القرن الرابع للهجرة.

وكان الزيديون في اليمن، والحمدانيون في شمال سوريا، وهؤلاء اقاموا دولة ان لم تكن‏شيعية فهي متعاطفة مع الشيعة، ثم الاسماعيليون في العصر السلجوقي، ثم المغولي‏الاليخاني وتعاطفهم مع الشيعة، فسلمت مراكزهم ومشاهدهم مكافاة كما قيل عما فعله‏الوزير العلقمي الشيعي في اخريات الخلافة العباسية في بغداد، مرورا بالعلاقات الحميمة‏بين الشيعة ممثلة بالعلامة الحلي مع محمد ((الجايتو خدابنده)) زعيم الاليخانيين، ثم‏اوضاعهم الجيدة ايام الدولة السربدارية الى زمن سيطرة الصفويين والقاجار من بعدهم،وكلها عصور زاهية مريحة للشيعة اجمالا، تكفي لا لتغيير البنية النفسية للشعية ونسيانهم‏مصائب اهل البيت(ع) واصحابهم، بل لجعله حزنا تعبيريا، بسيط الرمزية، غير مكتنزالصور، وهذا ما كان.

اذا ما الذي جرى؟ وما الذي جعل الشعيرة العاشورائية على ما هي عليه اليوم؟ هنا تبرزالمفارقة والقصور الفظيع اللذين وقع فيهما رالف رزق اللّه في الفصلين الاول والثاني من‏الباب الثاني. فقد تجاوز الكلام على مرحلة تاريخية مهمة في العصر الصفوي، ونستعين في‏ذلك بالدراسة القيمة التي اجراها الدكتور علي شريعتي، وذكر فيها اننا ندين في جميع‏تقاسيم الاحتفالات العاشورائية والحسينية الى ما احدثه زعماء الصفوية في ايران والتي‏ربما اقتبسوها من عناصر مسيحية خلال زياراتهم الى اوروبا((314)).

والناس على دين ملوكهم، وهذه الحقيقة التاريخية لو اطلع عليها ((رزق اللّه)) لكفى نفسه‏مؤونة الاستعانة ((بمعلم فينا واريك فروم)) وغيره من النفسانيين، وكان ينبغي حينها احلال‏التفسير السياسي، وبيان دوره في احداث هذه الشعائر ووجودها، واحلال التفسيرالاجتماعي لسلطان العادة التي تشترك فيها جميع الشعوب في استمرار هذه الشعيرة،وبقائها في الوعي الشعبي، والذاكرة الجماعية والتراثية.

وعندما اقول التفسير السياسي والتفسير الاجتماعي، لا اقصد التوهين والحط من قدر هذه‏الشعيرة، ابدا، لاننا نجانب الصواب اذا تغاضينا عن كون هذه الشعيرة مادة ثرية للتوظيف‏السياسي، وفي ذلك قال الامام الخميني (قدس سره): ((ان كل ما عندنا هو من بركة‏عاشوراء)).

ولا احد ينكر ايضا اثرها في اثارة الهمم، وشحذ العزائم، لذا نحن ضد عقلنة هذا الحدث، اوفقل: ضد طغيان جانبه العقلاني على جانبه العاطفي المحرك للجماهير((315)).

وقد نشرنا، في جريدة السفير الغراء، بتاريخ 8/7/1996 مقالة تحت عنوان: ((عاشوراء بين‏العقل والعاطفة))، باسم عبد القادر مرزوق، واجهنا فيها الاراء التي فهمنا منها الدعوة الى‏عقلنة عاشوراء، فلتراجع.

ولو كان رالف رزق اللّه حيا، ولو انه لم يرد الموت الاختياري، ونحن نحترم ارادته ورغبته‏هذه، لقلنا له في ردنا على كتابه، ان الجواب هو ما تراه لا ما تقرؤه، ولعرفناه ان عاشوراء التي‏رآها والتي جعلها موضوعا لتحليلاته النفسية وتخميناته الظنية، انما هي عاشوراء الصفويين‏لا عاشوراء الحسين، وان ارض النبطية التي وط‏ى‏ء ليست كربلاء الحسين انما كربلاءالصفويين. وكان على رالف رزق اللّه، لو بقي بيننا ورغب في ان يتعرف على طقس عاشوراءعلوي، ان ينحدر لا الى النبطية بل الى ابعد منها ببضع كيلومترات جنوبا ويمضي اياما مع‏المقاومين الاشداء السباع الشرسة والاسود الضارية الذين يجوبون جنوب لبنان شرقا وغربافي مواجهة اعتى قلعة غربية في المنطقة ومقاومتها، وفي هذا الصدد كنت اتمنى على‏الزميل الدكتور خليل احمد خليل ان لا يمر مرورا عابرا في مقدمته على بيان ما طرا على‏هذه الشعيرة بوصفها ممارسة فحسب، بل على اثرها في استفحال العنف الثوري المناهض‏لاسرائيل في الجنوب وللغرب عموما.

ونصل الى الفصلين الثالث والرابع من الباب الثاني، وفيها سلك رزق اللّه المنهج الوصفي‏لممارسة الشعيرة ببيان بعض المفاهيم المتعلقة بها، لينتهي بعد ذلك الباب الثاني بالفصل‏الخامس الذي تجرد لبيان وقائع المساجلة بين السيد الامين والشيخ عبد الحسين الصادق.

وبوصولنا الى هذه الفصول الثلاثة نصل الى القسم الثاني من مواضيع الكتاب، وهوالمقولات النفسية التي اقحمها رزق اللّه، ثم دمجها في السياق التاريخي، فتصير منهجية‏مقالتنا هذه على الشكل التالي: تنقسم مواضيع الكتاب الى قسمين: الاول: السياق التاريخي وينقسم الى: التاريخ الحديث‏للطائفة الشيعية. والتاريخ القديم لها. والقسم الثاني: الطروحات النفسية المدمجة والمسقطة‏على السياق التاريخي الممارس، وهو ما تكفلت ببيانه الفصول الثلاثة الاخيرة من الباب‏الثاني، وفي هذا الصدد نرصد المقولات التالية: سعى رالف رزق اللّه الى استخدام النزعة الفرويدية استخداما طغى على بحثه، اثناء تفسيره‏للمفردات الوصفية للممارسة العاشورائية، فاشخاص مذبحة كربلاء عنده ليسوا وراءالسلوك الحزين لشيعة النبطية، فهم ليسوا سوى مثيرات للرغبات اللاواعية... والمرتبطة‏بالبنية الاوديبية. كما ان البكاء، تلك الدعوة المتكررة الى التكفير بالدموع، هو ممارسة‏مازوخية بالذات. والحسين(ع)، وحيدا فريدا في كربلاء، يذكر بالاب في الجماعة البدائية‏الذي وصفه فرويد في الطوطم والتابو ((لقد كان شديد القوى ولم يكن يتجاسر اي من ابنائه‏على قتله بمفرده. لم يكن قتله ممكنا الا بت‏آلف كل الابناء ضده، ولولا تفوق العدد لماامكن قتل الاب))((316)) وايضا تردد الجنود الامويون في قتل الحسين يذكر بتردد الابناء في‏قتل الاب البدائي. وسبي النساء، مضافا الى قتل الحسين(ع)، استعادة للجريمتين اللتين‏ارتكبهما ابناء الجماعة البدائية استعادة رمزية في نصوص مجلس التعزية، يقتل الاب‏وتستباح حرمة نسائه، وفي قول زينب تبكي الحسين: كنت حامي النساء الا يمكن ان يفهم‏من ذلك انه كان مولاهن وسيدهن وانه كان يحميهن من اعتداءات الابناء((317)).

والهذيان الجماعي لعاشوراء يجعل من الشيعة قوما عصابيين، ما دام العصابيون في نظرفرويد ((لا يتذكرون احداثا مؤلمة حدثت منذ امد بعيد وحسب، بل يظلون متعلقين بهاالان((318)).

ورالف رزق اللّه اذ يؤكد انه يجب البحث عن سر استمرار هذه الشعيرة في الوسط الشيعي‏بتحليل البنية النفسية لهذه الجماهير((319)) يسمح لنفسه عندها ان يفترض ان الشيعة‏يمارسون العقاب الذاتي بمظاهر اللطيمة والضريبة ما دام انهم يعيشون حياة اقتصادية‏سيئة، كونهم يمارسون مهنا حقيرة، والحال ان الوضع الاقتصادي اصل الحرمان، وتاليا،اصل للعدوانية المتوترة بقوة لدى الجماهير التي عملت القوى السياسية على لجمها عبرطيها على نفسها بدل تفلتها الى الخارج وانعكاسها فيه نشاطا سياسياواجتماعيا((320)).

وفي شبه نزعة ماركسية يقول: ليس لعاشوراء وظيفة التكفير فحسب، بل كذلك تحكي‏مشاعر راهنة مصدرها سياق جنوب لبنان الاقتصادي((321)) وهي عوامل قد تدفع‏اصحابها الى الانتحار، وعلى حد تعبير اريك فروم: ان النزعة الهدامة هي ثمرة الحرمان من‏الحياة.

لكن المتامل، في هذه الاستشهادات التي اقتبسها رزق اللّه من كتب علماء النفس، يرى‏ضعف العلاقة الاستشهادية بين النصوص العلمية هذه وبين ما ذكره من وقائع اقتصادية‏واجتماعية، فقد اسرف في تحميل النصوص آنفة الذكر ما لا تحتمله، الى جانب مغالاته في‏توليد الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في جنوب لبنان على الرغم من اصابته في‏توصيفها للشعيرة العاشورائية، وارتفاع منسوب العدوانية والمازوخية.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية