«اول المنهاج‏»

المنهاج في عامها الرابع

 
بقلم رئيس التحرير

تستقبل المنهاج، في هذا العدد، عاما جديدا من حياتها هو عامها الرابع، وهي مناسبة جديرة بالاغتنام لتقويم مسيرتهافي الاعوام الثلاثة الماضية واستشراف آفاق مسيرتها المقدرة والمرجوة في ما تستقبله من اعوام.

لقد دخلت المنهاج مضمار الفكر الاسلامي، وانضمت الى مثيلاتها من المجلات الفكرية الاسلامية المنتشرة في‏مختلف بلدان العالم الاسلامي وفي خارجه وهي تدرك حقيقتين اساسيتين شكلتا معا ركيزة مشروعها وخطابها الفكري.

الحقيقة الاولى:

ان الاسلام يفي بجميع حاجات البشر ومتطلباتهم من التشريع في كل زمان ومكان، ويستجيب لمستجدات حياتهم‏واوضاعهم على هذا الصعيد، وفيه يكمن الحل لجميع ما يعانون منه افرادا ومجتمعات من مشكلات مستعصية‏واوضاع ظالمة او خاطئة.

وقد توافرت للاسلام هذه الخاصية الفريدة والقدرة المعجزة التي لا تتوافر عادة في ما يشرعه البشر لانفسهم من شرائع‏وقوانين وضعية، لان الذي شرعه هو اللّه الخالق الخبير بما خلق وبما يصلحهم وينفعهم، والعليم ببواعث تقلب احوالهم‏واوضاعهم، وبالتالي فان من اليسير عليه ان يجهز دينه لكل عناصر القدرة على مواكبة تطور الحياة وانتاج الحلول وبلورة‏المواقف لما يستجد من مشكلاتها ووقائعها.

ويستطيع الباحث ان يتبين عناصر هذه القدرة واسبابها اذا انعم النظر في نصوص الاسلام ومقرراته التشريعية الواصلة‏الينا عن طريق الوحي (القرآن الكريم) او عن طريق تبليغ المعصوم (السنة) وهما المصدران الاساسيان للتشريع اللذان‏يستنبط منهما العلماء المجتهدون معرفتهم بالاسلام واحكامه، حيث سيجد ان هذه النصوص، من حيث شمولهالمتعلقاتها من الوقائع والموضوعات، على اصناف اربعة:

1- نصوص تتعلق بوقائع وموضوعات موجودة ومتحققة بالفعل وقت صدور هذه النصوص ومحددة باعيانها وذواتهاالشخصية فيها، وذلك من قبيل النصوص المتعلقة ببعض الاشربة والاطعمة وببعض التصرفات المالية والانشطة‏الاقتصادية السائدة في عصر التشريع وما الى ذلك.

2- نصوص تتعلق بوقائع وموضوعات محددة باوصافها العامة وخصائصها المشتركة، ولذلك فهي لا تنطبق على‏خصوص ما هو محقق وموجود من هذه الموضوعات في عصر التشريع فحسب وانما تنطبق على كل ما يحتوي على‏تلك الاوصاف والخصائص من الموضوعات والوقائع سواء منها ما كان موجودا في عصر التشريع او ما سوف يوجدويتحقق في العصور التي تليه. وذلك من قبيل النصوص التي تحرم تناول كل مسكر من غير تحديده بصنف معين اومادة معينة، ومن قبيل النصوص التي توجب على المسلمين اعداد القوة اللازمة لمجابهة الاعداء المتربصين بهم من غيرتحديد لطبيعة هذه القوة وادواتها.

3 نصوص يستفاد منها قواعد واصول تشريعية كلية يطبقها الفقهاء على مواردها وموضوعاتها كلما تحققت هذه المواردوالموضوعات وبرزت الى الوجود، وهي من المرونة والشمول بحيث تتسع لاستيعاب ما لا حصر له من الوقائع‏والموضوعات المتجددة الحدوث باستمرار، مثل: قاعدة (لا ضرر ولا ضرار)، وقاعدة (نفي العسر والحرج)، وقاعدة(المؤمنون عند شروطهم)، واصل (الحل او الاباحة)، واصل (البراءة)، واصل الاستصحاب.. وما الى ذلك مما يسمى‏في عرف الفقهاء ب (القواعد الفقهية) و(القواعد الاصولية).

4 نصوص ترسم للانسان المسلم رؤاه الكونية، وتصوغ قيمه ومفاهيمه وتصوراته في شؤون الحياة المختلفة، كمفهوم:(استخلاف اللّه للانسان في الارض) الذي يوفر الاساس النظري لكثير من التشريعات التي توجه النشاط الاقتصادي‏والاجتماعي للانسان وترشد استفادته من الثروات التي اودعها اللّه في الطبيعة وطريقة توزيعها وتداولها، كما تحد من‏عبثه بالبيئة الطبيعية وافساده لها وتحثه على اصلاحها واعمارها.

ومن هذه المفاهيم ايضا: مفهوم (الكرامة الانسانية) الذي يوفر الاصل التشريعي لجميع حقوق الانسان وضروراته‏الاساسية.

ومن هذا العرض الموجز لاصناف النصوص الشرعية يتبين لنا بوضوح ان ما استنفد غرضه منها ووقف عند حدود ذلك‏الغرض هو صنف واحد لا اكثر واما الثلاثة الاخرى فهي قادرة باستمرار على ان ترفد الفقيه المجتهد بالرؤية الشرعية لمايواجهه من وقائع وموضوعات جديدة لم يسبق للفقهاء ان واجهوها واستنبطوا حكمها.

لقد ادركت (المنهاج) هذه الحقيقة منذ البداية، وكانت ثمرة هذا الادراك شعورها بالمسؤولية الكبيرة الملقاة عليهاوعلى مثيلاتها من المجلات الفكرية الاسلامية المتعمقة في بحوثها في تفعيل حركة الاجتهاد الفكري الاسلامي بعامة‏والفقهي منه بخاصة وذلك بافساح المجال واسعا امام البحوث الجادة التي تسهم في تحقيق هذا الهدف الكبير،وتشجيع الباحثين على بذل اقصى الجهد من اجله، لان ذلك من شانه ان يمهد السبيل للافادة من طاقات الاسلام‏المذخورة في مصادره ويدحض شبهات اعدائه والجهلاء بحقيقة الذين يزعمون انه قد انقضى زمانه وصار تراثا قديماعاجزا عن مواكبة تطور الحياة المعاصرة وحل مشكلاتها المعقدة.

ويلاحظ المتصفح لمواد «المنهاج‏» المنشورة في الاعوام الثلاثة الماضية نوعين منها يعكسان بوضوح هذا الجزء من‏مشروعها.

اولهما: البحوث والدراسات الفقهية التي كتبها فقهاء واساتذة متخصصون كبار لهم حضورهم واسهامهم في المجال‏الفقهي.

والاخر: الندوات الفكرية الفصلية التي عقدتها «المنهاج‏» بمشاركة باحثين متخصصين ونشرت وقائعها في الباب الذي‏خصصته لها تحت عنوان «منتدى المنهاج‏».

ففي كلا هذين النوعين من البحوث كان الهدف الذي توخته المنهاج من وراء تقديمها الى القراء هو الاسهام في بلورة‏حكم الاسلام وموقفه من بعض القضاياوالمشكلات الملتبسة التي لم ينحسم الموقف الاسلامي منها بعد ولم يقل فيهافقهاء الاسلام كلمتهم الفاصلة. هذا الى جانب بلورة النظرية العامة في الاجتهاد نفسها، ومعرفة مصادره الشرعية‏وضوابطه ومجالاته.

الحقيقة الثانية: ان التراث الذي خلفه لنا اسلافنا المسلمون، علماء، ومفكرين، ومصنفين على رغم غناه وعظمته وكثرة‏وتنوع مظاهر الابداع والقوة فيه يحتاج الى جهود كبيرة متظافرة تمحصه وتصفيه مما علق به من شوائب الجهل‏والخرافة ومن نوازع الهوى والتعصب، وتحقق ما التبس من مشكلاته، وتفسر ما غمض من مسائله وقضاياه، وتضى مااظلم من دخائله ونواحيه وخفي من اسراره.

ان النظرة الفاحصة والموضوعية الى تراث اسلافنا الثقافي لا تتنافى مع تمسكنا واعتزازنا به وانما تؤكد هذا الاعتزازوترشده، لانها تفتح الباب امام ما صح وطاب منه ليدخل في حياتنا الفكرية والعملية فيصححها ويطيبها، وتمنع ماخبث منه ولم يصح وكان وليد الجهل والهوى من ان يتسرب الى حياتنا هذه فيفسدها.

وتمشيا مع ادراك هذه الحقيقة وبناء عليها قدمت (المنهاج) في اعدادها الاثني عشر السابقة العديد من البحوث‏المتعلقة بتراث اسلافنا الثقافي حاول فيها اصحابها اعادة قراءة بعض ما سطر فيه من قضايا او آراء او اخبار.

كما عقدت المنهاج، في هذا الاطار، سلسلة من الندوات الفكرية حول تراثنا التاريخي الذي خضع بالخصوص في كثيرمن مروياته الى ارادة الحكام وتلاعبت به اهواؤهم واهواء المؤرخين وعصبياتهم محاولة بلورة منهج علمي لاعادة‏قراءته.

هذه هي ابرز معالم الطريق الذي سارت فيه «المنهاج‏» وتريد ان تواصل السير فيه، وهذه هي وجهته وغايته:

1 تفعيل حركة الاجتهاد في فروع المعرفة الاسلامية المختلفة وبالاخص المعرفة الفقهية من اجل تفعيل دور الاسلام‏في حياتنا المعاصرة وزيادة فرص الاستضاءة بهديه في شؤونها المختلفة.

2 تمحيص تراث اسلافنا الثقافي وغربلته واستجلاء مكنونه ليذهب منه الزبد والغثاء ويبقى ما ينفع الناس.

«دراسات‏»

الراي الفقهي في السلام مع اسرائيل الدكتور

 عبد الهادي الفضلي

 
تاتي قضية السلام بين العرب واسرائيل في طليعة القضايا السياسية الراهنة، وبخاصة ان الولايات المتحدة الامريكية،متمثلة في شخصية الرئيس كلنتون، قد القت بكل ثقلها السياسي في البين لفرض السلام على العرب والمسلمين فرضامن دون ان تترك لهم الخيار في اختيار ما يرونه مصلحة للمبدا والامة والوطن في ضوء التعليم الشرعي الاسلامي،والموقف الامريكي من الجمهورية الاسلامية في ايران لانها ترفض السلام لعدم مشروعيته هنا اسلاميا اقوى شاهدلاستلاب الخيار المشار اليه من العرب والمسلمين.

وبغية ان نتعرف الراي الفقهي الاسلامي في موضوع السلام والتطبيع بين المسلمين واليهود في دويلة اسرائيل‏المزعومة، علينا ان نمهد لذلك ببيان نوعية ملكية ارض فلسطين وفقا لاحكام التشريع الاسلامي، ذلك ان الحكم سلبااو ايجابا يتوقف على معرفة طبيعة علاقة المسلمين بارض فلسطين، لانها موضوع الحكم الشرعي الذي نحاول التماسه‏في الراي الفقهي للقضية، لاننا متى فهمنا حقيقة الموضوع اتضح امامنا واقع الحكم.

فمما لا خلاف فيه تاريخيا ان فلسطين كانت قبل الفتح الاسلامي تحت حكم الروم.

ومما لا خلاف فيه ان فتح المسلمين لها كان عنوة، كما يعبر عنه فقهيا، اي انه كان فتحا عسكريا.

وفي الفقه الاسلامي تعرف الارض المفتوحة عنوة بتلك التي تفتح من قبل الجيش الاسلامي بعد حرب عسكرية بينه‏وبين اصحابها.

ومن الثابت تاريخيا ان فلسطين كما اشرت فتحت عن طريق دخول الجيش الاسلامي اليها بقيادة عمرو بن العاص،وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وبعد حرب عسكرية بين الجيش الاسلامي والجيش البيزنط‏ي.

ويبحث في حكم هذه الارض فقهيا في موضوع (ملكية الارض) وموضوع (الخراج)، وربما في غيرهما.

وفي هذين الموضوعين يقسم الفقهاء المسلمون الارض باعتبار فرض ضريبة الخراج عليها وطبيعة ملكية اهلها لها الى‏قسمين:

1 الارض المفتوحة صلحا.

2 الارض المفتوحة عنوة.

ولاننا، هنا، نريد ان نعرف نوعية ملكية الارض شرعا اشير لهذا، ثم اذكر ما يوثقه من المصادر الفقهية الموثقة.

ارض الصلح يقر الاسلام اصحابها على ملكيتها، ويقر لهم التصرف فيها تصرف المالك في ملكه، فلهم بيعها واجارتهاووهبها، وما الى ذلك من تصرفات مشروعة.

وفي الارض المفتوحة عنوة هناك رايان:

1 راي المذهب السني ويتلخص في ان للامام الخيار بين ان يقسمها بين الغانمين، او يوقفها على المسلمين عامة.

واذا لم يقسمها الامام بين الغانمين تعين الحكم الثاني، وهو وقفيتها للمسلمين. وهو الراي المعروف، وساشير في ما بعدالى الخلاف في هذه المسالة.

2 راي المذهب الشيعي الامامي وهو ومن غير خلاف بين فقهاء المذهب لا يجوز تقسيمها بين الغانمين، ويجب ان توقف لصالح المسلمين.

يقول الشيخ المنتظري في كتابه: «دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الاسلامية‏»((1)): الاراضي المفتوحة عنوة وقهراالتي هي قسم من غنائم الحرب، لا اشكال عندنا في عدم تقسيمها بين المقاتلين، بل يجب ان تبقى وقفا على مصالح‏المسلمين، وقد تطابقت على ذلك فتاوى اصحابنا ورواياتهم‏».

والفقه الامامي يستند، في هذا الراي، الى الاحاديث المروية عن ائمة اهل البيت (ع)، ومنها:

1 ما رواه الكليني عن ابيه عن حماد بن عيسى عن بعض اصحابه عن ابي الحسن الكاظم (ع): «والارضون التي اخذت‏عنوة، بخيل او ركاب، فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها ويحييها ويقوم عليها على ما صالحهم الوالي على قدرطاقتهم من الخراج: النصف او الثلث او الثلثين، على قدر ما يكون لهم صلاح ولا يضرهم‏».

2 ما رواه الطوسي باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان بن يحيى عن ابن مسكان عن محمد الحلبي قال: سال اباعبداللّه الصادق (ع) عن السواد ما منزلته؟ قال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الاسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد».

3 ما رواه الطوسي، ايضا، عن الحسن بن محبوب عن خالد بن جرير عن ابي الربيع الشامي عن ابي عبداللّه الصادق (ع)قال:

«لا يشتري من ارض السواد شيئا الا من كانت له ذمة، فانما هو في‏ء للمسلمين‏».

4 ما رواه الطوسي باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن عبداللّه بن جبلة عن علي بن الحارث بكار بن ابي بكرعن محمد بن شريح قال: سالت ابا عبداللّه الصادق (ع) عن شراء الارض من ارض الخراج فكرهه، وقال: «انما ارض‏الخراج للمسلمين‏»، فقالوا له: فانه يشتريها الرجل وعليه خراجها، فقال: «لا باس الا ان يستحي من عيب ذلك‏»((2)).

وكما وعدت انتقل الى استعراض الخلاف الفقهي السني في المسالة، وساقتصر على مصدرين هما: «الموسوعة الفقهية‏»الكويتية، وكتاب «المغني‏» لابن قدامة المقدسي، لان فيهما عرضا وافيا للمسالة:

ذكر في الموسوعة الاراء التالية:

1 راي الامام مالك، وهو ايضا رواية عن الامام احمد بن حنبل:

«لا تقسم الارض، وتكون وقفا على المسلمين، يصرف‏خراجها في مصالحهم من ارزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير.

وهذا اذا لم ير الامام، في وقت من الاوقات، ان المصلحة تقتضي القسمة فله ان يقسمها على المقاتلين.

والدليل عليه اتفاق الصحابة على ذلك، حينما امتنع عمر عن تقسيم ارض السواد عندما طلب منه ذلك بلال‏وسلمان‏».

2 راي الامام ابي حنيفة والثوري، وهو رواية ثانية عن الامام احمد بن حنبل، وهو: «الامام مخير بين ان يقسمها على‏المسلمين المقاتلين او يضرب على اهلها الخراج ويقرها بايديهم.

وذلك لان كلا الامرين قد ثبت عن رسول اللّه (ص)، فقد ظهر على مكة عنوة وفيها اموال فلم يقسمها، وظهر على قريظة‏والنضير وغيرهما فلم يقسم شيئا منها، وقسم نصف خيبر على المسلمين ووقف النصف لنوائبه وحاجاته، كما في‏حديث سهل بن ابي حثمة قال: قسم رسول اللّه (ص) خيبر نصفين: نصفا لنوائبه وحوائجه، ونصفا بين المسلمين،قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما، رواه ابو داود وسكت عنه‏».

3 راي الامام الشافعي، وهو رواية عن الامام احمد ايضا: «ان الارض تقسم بين المقاتلين كما يقسم المنقول الا ان يتركواحقهم منها بعوض، كما فعل عمر مع جرير البجلي، اذ انه عوضه سهمه في ارض السواد، او بغير عوض، وذلك لقوله‏تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان للّه خمسه) [الانفال: 41] فانها عامة في المنقول والارض‏».

اما اذا لم تقسم الارض، وتركت بايدي اهلها ينتفع المسلمون بخراجها، فهناك رايان في التصرف فيها تذكرهماالموسوعة، وهما:

1 راي جمهور الصحابة والفقهاء: «انها ارض موقوفة، لا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا هبتها ولا تورث عمن وضع يده عليهامن الكفار.

وذلك لما روى الاوزاعي: ان عمر والصحابة لما ظهروا على الشام اقروا اهل القرى في قراهم على ما كان بايديهم من‏ارضهم، يعمرونها ويؤدون خراجها للمسلمين، وكانوا يرون انه لا يصح لاحد من المسلمين شراء ما في ايديهم من الارض طوعا او كرها».

2 راي الامام ابي حنيفة وصاحبيه ابي يوسف والشيباني «انها ملك لهم، لهم التصرف فيها بالبيع والشراء والهبة،ويتوارثها عنهم اقاربهم، وذلك لما روى عبد الرحمن بن زيد ان ابن مسعود اشترى من دهقان ارضا على ان يكفيه‏خراجها»((3)).

وفي «معجم المغنى في الفقه الحنبلي‏»((4)): حكم ما فتح عنوة: ما فتحه المسلمون عنوة ففيه، ثلاث روايات:

احداهن: ان الامام مخير بين قسمتها على الغانمين، وبين وقفها على جميع المسلمين.

الثانية: انها تصير وقفا بنفس الاستيلاء عليها، وعلى ذلك اتفاق الصحابة.

الثالثة: ان الواجب قسمتها».

«ومعنى وقفها: انها باقية لجميع المسلمين يؤخذ خراجها، ويصرف في مصالحهم ولا يخص احد بملك شي‏ء منها».

هذا على مستوى النظرية، اعني اننا نستفيد من هذا الاختلاف في الراي الفقهي لو قامت الجيوش الاسلامية، بفتح شي‏ءمن البلدان غير الاسلامية فلولي الامر العمل في ضوء هذه النظريات في المسالة تقليدا او اجتهادا.

اما على مستوى التطبيق حاليا بالنسبة الى ارض فلسطين حيث هي قضية تاريخية حدث فتحها وحسم الامر فيها في‏حينه، ينظر ما الذي طبقه الامام في حقها ويسار عليه.

ومن هنا لابد من معرفة موقف الخليفة عمر بن الخطاب منها بعد فتحها: هل قسمها على الغانمين او انه ابقاها وقفا على‏المسلمين؟ وبالنسبة الى كل واحدة من الحالتين ما هو موقفنا نحن المسلمين الان من ناحية شرعية؟ جاء في «المغني‏»((5)) ما نصه: «ولم نعلم ان شيئا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين الا خيبر، فان رسول اللّه (ص) قسم‏نصفها فصادر ذلك لاهله، لا خراج عليه.

وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب (رض) ومن بعده، كارض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه‏شي‏ء.

فروى ابو عبيد في «الاموال‏»: ان عمر(رض) قدم الجابية فاراد قسمة الارض بين المسلمين، فقال له معاذ: واللّه اذا ليكونن‏ما تكره، انك ان قسمتها اليوم صار الريع العظيم في ايدي القوم، ثم يبيدون، فيصير ذلك الى الرجل الواحد والمراة ثم‏ياتي بعدهم قوم آخر يسدون من الاسلام مسدا، وهم لا يجدون شيئا، فانظر امرا يسع اولهم وآخرهم، فصار عمر الى‏قول معاذ».

وهذا يعني وبوضوح ان كلمة الفقهاء المسلمين متفقة على ان ارض فلسطين وقف للمسلمين عامة، من كان موجودامنهم عند الفتح الاسلامي لها، ومن سيوجد حتى تقوم الساعة.

وان الراي الفقهي في المسالة واحد لا خلاف فيه.

وعليه:

ما هو الموقف الشرعي للمسلمين منها بعد ان اغتصبها اليهود؟ هذا ما سنحاول ان نتبينه في ما بعد.

وقبل الاجابة عن السؤال لابد من القاء الضوء الكاشف على طبيعة الاحتلال الاسرائيلي لارض فلسطين وهويته لما له‏من مدخلية مباشرة في تحديد الجواب.

ولئلا اثقل البحث او المقال بالاحرى بالاكثار من ذكر المصادر التي تعرضت لبيان طبيعة الاحتلال الاسرائيلي وهويته،اذكر النتائج المهمة التي توصل اليها الاستاذ رفيق شاكر النتشة في دراسته الموضوعية الموثقة، والتي اسماها:«الاستعمار وفلسطين اسرائيل مشروع استعماري‏».

قال النتشة: «لقد اردت ان اؤكد في هذا البحث بالادلة التي تمكنت من الحصول عليها ان هذا المشروع هو مشروع‏استعماري في الاساس، وان افكاره وتنظيمه وتخطيطه لم يكن في البداية يهوديا اذ سبق الصهاينة غير اليهود، الصهاينة‏اليهود في طرحه والعمل له ووضعه موضع التنفيذ، ولم يات الصهاينة اليهود الا متاخرين ليقوموا بدورهم كعملاءواجراء للدول الاستعمارية صاحبة هذا المشروع‏»((6)) والدول الاستعمارية صاحبة المشروع التي يشير اليها كما يوضح هذا مفصلا في عدة فصول من الكتاب هي:

فرنساوالمانيا وايطاليا وبريطانيا وامريكا.

«وعندما نجحت الدول الاستعمارية، نتيجة للجهود المتواصلة التي قامت بها بريطانيا وامريكا، باقامة دولة اسرائيل‏كثمرة للمشروع الصهيوني كان من الطبيعي ان تكون هذه الدولة قاعدة عسكرية للاستعماري الغربي وراس جسر لعبورهاالى العالمين العربي والاسلامي لان هذه الدولة لم تكن الا مشروعا تجاريا استعمارية من مشاريع الاستعمار في هذاالعالم‏»((7)).

واختيار فلسطين بالذات لتكون على ارضها هذه الدولة، المشروع الاستعماري، يرجع الى اهمية موقع فلسطين من‏ناحية استراتيجية جغرافيا واقتصاديا، لانها تتوسط القارات الثلاث: آسيا واوروبا وافريقيا، وهي تتصل عبر البحر الابيض‏المتوسط باوروبا، كما تتصل بالطرق البرية الى الشرق الاقصى وعبر خليج العقبة تتصل بافريقيا» .

«واهمية الشرق الاوسط للعالم الحر بالغة الى حد لا يحتمل المغالاة من الناحيتين العسكرية والاقتصادية‏».

«وكان الجنرال ايزنهاور قد كشف عن وعيه لمركز المنطقة الفريد عندما صرح قائلا: واذا نظرنا الى مجرد القيمة الاقليمية‏لم نجد منطقة في العالم تفوق الشرق الاوسط من حيث الاهمية الاستراتيجية‏».

«ويقول الفريد ليلينتال الكاتب الامريكي اليهودي: ففي عام 1838 كان 25% فقط من حاجات اوربا الغربية الى البترول‏للاغراض العسكرية والصناعية يستورد من الشرق الاوسط.

اما اليوم، فان حقول الزيت العربية تزود اوروبا الغربية باكثر من 90% من هذه الحاجات، واذا ما وصدت ابواب البلادالعربية في وجه الغرب تصبح منطقة الدفاع عن العالم الغربي المعروفة باسم ناتو او حلف الاطلسي الشمالي عاجزة الى‏حد يدعو للرثاء».

«ولذلك سعت الدول الاستعمارية الى اتباع سياسة التفرقة في المنطقة، وذلك باستغلال القوميات والطوائف‏والعصبيات من اجل كسر وحدة العالم العربي، لتتمكن من السيطرة عليه وعلى العالم الاسلامي بعد ذلك‏» .((8))

وفي ضوء هذا، وباختصار، تكون الاجابة:

يجب على المسلمين العمل من اجل استرجاع ارض فلسطين بكاملها كما لا يجوز التعامل مع هذه الدولة التي تمثل‏القاعدة الاستعمارية للدول الغربية.

وموقف ايران من رفض السلام نابع من هذه الشرعية، ذلك ان اسرائيل مغتصبة لارض اسلامية هي للمسلمين عامة‏وباجماع فقهاء المسلمين كافة.

وهنا لابد من الكشف عن مفارقة مهمة وقع فيها غير واحد ممن سوغ قضية السلام مع اسرائيل شرعيا، وهي الاستدلال‏بية السلام (وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللّه انه هو السميع العليم) [الانفال:61].

ذلك ان الاستدلال بهذه الاية لا ياتي في موضوعنا هذا، وهو قضية فلسطين، لامرين هما:

1 ان موضوع قضيتنا يختلف عن مصاديق هذه الاية الكريمة، ذلك ان قضية فلسطين ارض اسلامية استلبت، فالحكم‏الشرعي يفرض استردادها واعادتها الى اصحابها الشرعيين، وهم المسلمون.

وما تصدق عليه الاية الكريمة هو الكفار المحاربون الذين هم في ديارهم واوطانهم لا في دار للمسلمين اغتصبوها من‏المسلمين، وسياق الاية في القرآن الكريم واضح بوصفه قرينة على ذلك.

2 ان الحكم في آية السلم مرحلي انتهى بنزول سورة براءة.

وقد اوضح هذا المرحوم سيد قطب في تفسير «في ظلال القرآن‏»، فقال: «وعلى اية حال فالذي ننتهي اليه، ان قول اللّهتعالى: (وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على اللّه انه هو السميع العليم)، لا يتضمن حكما مطلقا نهائيا في الباب، وان‏الاحكام النهائية نزلت في ما بعد في سورة براءة.

انما امر اللّه رسوله ان يقبل مسالمة وموادعة ذلك الفريق الذي اعتزله فلم يقاتله، سواء كان قد تعاهدوا او لم يتعاهدوامعه حتى ذلك الحين.

وانه ظل يقبل السلم من الكفار واهل الكتاب حتى نزلت احكام سورة براءة، فلم يعد يقبل الا الاسلام او الجزية وهذه‏هي حالة المسالمة التي تقبل ما استقام اصحابها على عهدهم او هو القتال ما استطاع المسلمون هذا، ليكون الدين كله‏للّه»((9)).

ثم يقول:

«ولقد استطردت بعض الشي‏ء في هذا البيان، وذلك لجلاء الشبهة الناشئة من الهزيمة الروحية والعقلية التي الكثيرون ممن يكتبون عن (الجهاد في الاسلام) فيثقل يعانيها ضغط الواقع الحاضر على ارواحهم وعقولهم، ويستكثرون على‏دينهم الذي لا يدركون حقيقته ان يكون منهجه الثابت هو مواجهة البشرية كلها بواحدة من ثلاث: الاسلام، او الجزية،او القتال، وهم يرون القوى الجاهلية كلها تحارب الاسلام وتناهضه، واهله الذين ينتسبون اليه وهم لا يدركون حقيقته‏ولا يشعرون بها شعورا جديا ضعاف امام جحافل اتباع الديانات والمذاهب الاخرى، كما يرون طلائع العصبية‏المسلمة الحقة قلة بل ندرة، ولا حول لهم في الارض ولا قوة، وعندئذ يعمد اولئك الكتاب الى لي اعناق النصوص‏ليؤولوها تاويلا يتمشى مع ضغط الواقع وثقله، ويستكثرون على دينهم ان يكون هذا منهجه وخطته.

انهم يعمدون الى النصوص المرحلية، فيجعلون منها نصوصا نهائية، والى النصوص المقيدة بحالات خاصة فيجعلون‏منها نصوصا مطلقة الدلالة، حتى اذا وصلوا الى النصوص النهائية المطلقة اولوها وفق النصوص المقيدة المرحلية،وذلك كله كي يصلوا الى ان الجهاد في الاسلام هو مجرد عملية دفاع عن اشخاص المسلمين، وعن دار الاسلام عندماتهاجم، وان الاسلام يتهالك على اي عرض للمسالة، والمسالة معناها مجرد الكف عن مهاجمة دار الاسلام، ان الاسلام‏ في حسهم يتقوقع، او يجب ان يتقوقع داخل حدوده في كل وقت وليس له الحق ان يطالب الاخرين باعتناقه، ولابالخضوع لمنهج اللّه، اللهم الا بكلمة او نشرة او بيان، او القوة المادية الممثلة في سلطان الجاهلية على الناس فليس‏للاسلام ان يهاجمها الا ان تهاجمه فيتحرك حينئذ للدفاع‏»((10)).

انهم وعاظ السلاطين، ومن غير شك سيتعرون ثم ينهزمون امام وعي الشعوب المسلمة المتنامي (ولينصرن اللّه من‏ينصره ان اللّه لقوي عزيز).

الشهادة والشهود في القرآن الكريم الشيخ محمد مهدي الاصفي (وما تكون في شان وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا) [يونس:61].

الدنيا دار الشهود هل الدنيا دار شهود او دار خفاء؟ وهل بمقدور الانسان ان يتكتم على اعماله في الحياة الدنيا، فيخفيها ويسترها ولا يشعر بها احدا، او انه مرصود في كل‏عمل يعمله او قول يصدر عنه، او ان ما يكون فيه من شان هو خطرات قلب تمر في خاطره، فلا يخفى منه شي‏ء مهماحاول ذلك؟ ان خاصية الشهود هي خاصية النور، وان خاصية الخفاء هي خاصية الظلام، ومن طبيعة النور ان يكشف الاشياء، ومن‏خاصية الظلام ان يخفي الاشياء.

نعيد طرح السؤال، بعبارة اخرى، في ضوء هذه الخاصية وتلك.

فاقول: هل يعيش الانسان، في الحياة الدنيا، محفوفا بالظلام، فيستطيع ان يستتر به، او انه يعيش في النور، فلا يمكنه ان‏يتكتم بقول او فعل او قصد؟ ان سلوك الانسان وعقيدته رهن الاجابة عن هذا السؤال، فما هو موقف القرآن الكريم وحكمه؟ ان القرآن الكريم يقطع، وبكل وضوح، ان دار الدنيا دار شهود وليس فيها من موضع للخفاء، وكل ما يصدر عن الانسان،بل ما يخطر في قلبه ايضا خاضع الى «كشف‏» و«رصد» دقيقين.

وربما يغفل الانسان عن الكشف والرصد اللذين يخضع لهما، فيتوهم انه يعيش الخفاء عندما يبتعد عن عيون الناس،كانه غير خاضع للمراقبة والرصد، ولكن الشهود الذين سلطهم اللّه تعالى عليه، ومكنهم من معرفة احواله، لا يغادرون‏صغيرة ولا كبيرة من افعاله الا احصوها عليه.

(ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها) [الكهف:49].

ان مثل الانسان، في هذه الدنيا، كمثل الطائر المعروف ب‏«القبج‏» يخفي راسه في الثلج حينما يداهمه الصيادون، يتوهم‏انهم لن يروه. يقول القرآن الكريم على لسان لقمان (ع) في ما كان يعظ به ابنه:

(يا بني انها ان تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة او في السماوات او في الارض يات بها اللّه ان اللّه لطيف خبير)[لقمان:16].

فلا يخفى على اللّه سبحانه وتعالى شي‏ء عن امر خلقه، ولا يغيب، ولا ينفلت شي‏ء من قبضة سلطانه، حتى لو كان مثقال‏حبة من خردل في عمق صخرة او في باطن الارض او في ابراج السماوات.

ويقول تعالى: (وما تكون في شان وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل الا كنا عليكم شهودا اذ تفيضون فيه ومايعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا اكبر الا في كتاب مبين) [يونس:61].

ويقول تعالى: (الم تر ان اللّه يعلم ما في السماوات وما في الارض ما يكون من نجوى ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الاهوسادسهم ولا ادنى من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اين ما كانوا ثم ينبؤهم بما عملوا يوم القيامة ان اللّه بكل شي‏ء عليم)[المجادلة:7].

اذا، فان اللّه ت عالى مع الانسان في جميع حالاته، ولا يستطيع ان يفلت من مراقبته، او يستتر عن شهوده «الا هو معهم‏اينما كانوا»، وليس بعد المعية الالهية من معية او حضور او شهود اقوى من معية اللّه تعالى وحضوره وشهوده.

معية المراقبة ومعية التكريم ان المعية التي اشرنا اليها، في ما سبق، انما هي معية «مراقبة‏».

والمعية الالهية معيتان: معية تكريم، ومعية مراقبة. تختص الا ولى منهما بعباد اللّه الصالحين الذين يفيض عليهم سبحانه بتكريمه ، فيسبغ عليهم معيته، ويخصهم بها دون‏غيرهم.

يقول عز من قائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان اللّه لمع المحسنين) [العنكبوت:69].

اما المعية التي وردت في قوله تعالى: (الا هو معهم اينما كانوا)، فهي عامة لكل الناس: برهم وفاجرهم، صالحهم‏وطالحهم، المؤمن منهم والكافر على حد سواء. ان هذه المعية تعني المراقبة والحضور والشهود، ولا تحد بحالة، وزمان‏او مكان «اينما كانوا».

الكتاب الكاشف ان كل ما في هذا الكون من البر والبحر، والارض والسماء، والرطب واليابس، في الظلام والنور، انما هو في كتاب‏مبين‏كاشف عند اللّه سبحانه الذي لا يغيب عنه شي‏ء ولا يفوته احصاء شي‏ء: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هوويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس، الا في‏كتاب‏مبين) [الانعام:59].

ان هذا الكتاب محيط بكل شي‏ء ، يسجل كل حركة وسكون، ويحصي كل ما يجري، وهو حاضر عند اللّه تعالى، الرقيب‏على كل شي‏ء. ونحن نقصر علمنا عن كنه هذا اللوح الحافظ وحقيقة هذا الكتاب المبين، ولكننا نؤمن بوجوده وكشفه‏ورصده.

شهود الظاهر والباطن ولا يقتصر امر الشهود على الظاهر من حركات الجوارح المشهودة بالحس، وانما يشمل الباطن، وحركة الجوانح، كمايشمل عمل الجوارح، فهو اذا شامل لظاهر الانسان وباطنه، وما يجترحه من الاثم الخارجي، وما ينطوي عليه من‏الاثم الباطني.

ولا يختلف اثم عن اثم، فان اثم الباطن كاثم الظاهر، ان لم يكن اقبح منه. وقد نهى اللّه عز وجل عن الاثم: ظاهره وباطنه.

(وذروا ظاهر الاثم وباطنه) [الانعام:120].

ان كل اثم اظهره الانسان او استبطنه يقع تحت رصد هذا الضوء الكاشف الذي يحصي اعمال الانسان، ما ظهر منهاوما خفي، حتى دبيب الوسوسة في نفسه.

(ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب اليه من حبل الوريد) [ق:16].

ان الوسوسة قد تزحف الى الاعماق غير المرئية من نفس الانسان، وقد تخفى على الانسان نفسه، الا انها لا تخفى على‏اللّه الذي هو اقرب الى الانسان من حبل الوريد.

(انه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) [الانبياء:110].

(يعلم خئنة الاعين وما تخفي الصدور) [غافر:19].

ان تمييز العين الخائنة من العين البريئة من ادق التشخيص والتمييز، وادق من ذلك الاطلاع على ما تخفي الصدور.

بلى ان اللّه تعالى: (يعلم السر واخفى) [طه:7].

الشهود في الاخرة ان الشهود الذي تحدثنا عنه انما هو في دار الدنيا، حيث يستر اللّه تبارك وتعالى الانسان بستره الجميل، ويخفي من‏عوراته ما يشاء بلطفه، ورحمته، وتفضله.

اما في الدار الاخرة فان الانسان ياتي الى الحشر عاريا من كل ستر، منكشفا لجميع الخلائق، عاجزا عن اخفاء اي‏شي‏ءيوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر.

انه اليوم الرهيب الذي يكشف سرائر الانسان التي كانت مستورة عن غير اللّه تعالى. وهاهم الانبياء والملائكة والناس‏وجميع الخلائق يطلعون على عوراته التي كان اللّه تبارك وتعالى يسترها عليه في دار الدنيا.

الشهود الستة في الدنيا ستة من الشهود يخضع الانسان لحضورهم ورصدهم وكشفهم في دار الشهود في الحياة الدنيا.

واول هؤلاء الشهود: نفس الانسان التي بين جنبيه، تحفظ اعماله، ويلزمه اللّه تعالى بما تشهد عليه، فاذا جاء يوم القيامة‏امرها اللّه تعالى ان تحاسبه، وهكذا يحاسب نفسه بنفسه.

يقول تعالى: (وكل انسان الزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا × اقرا كتابك كفى بنفسك‏اليوم‏ع ليك حسيبا) [الاسراء:13].

والشاهد الثاني: هو جوارح الانسان التي استخدمها في حياته، تسجل ما تقوم به من عمل وتضبط ما يصدر عنها، بكل‏دقة، ثم تشهد عليه يوم البعث بما امرها به، ونفذته.

يقول تعالى: (اليوم نختم على افواههم، وتكلمنا ايديهم، وتشهد ارجلهم بما كانوا يكسبون) [يس:65].

(يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون) [النور:24].

والشاهد الثالث: الارض وكل شي‏ء عصى الانسان به او عليه ربه، او اطاعه عليه، يقول تعالى: (اذا زلزلت الارض زلزالهاواخرجت الارض اثقالها وقال الانسان مالها يومئذ تحدث اخبارها بان ربك اوحى لها يومئذ يصدر الناس اشتاتا ليروااع‏مالهم) [الزلزلة:1 6].

والشاهد الرابع: الملائكة، وهم يحصون على الانسان كل ما يصدر عنه من قول او فعل، خيرا كان ام شرا.

يقول تعالى: (ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) [ق:18].

(وان عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون) [الانفطار:11].

(ام تحسبون انا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون) [الزخرف:80].

والشاهد الخامس: الانبياء وصالح المؤمنين الذين اشهدهم اللّه تعالى على اعمال الناس في الدنيا.

يقول تعالى: (يوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) [النحل:89].

(فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) [النساء:41].

ان الانبياء (ع) يشهدون على اعمال اممهم في الدنيا، ويشهدون عليهم في الاخرة.

ويتوقف اداء الشهادة في الاخرة على الشهادة في الدنيا.

والشاهد السادس: هو اللّه سبحانه وتعالى، المطلع على السرائر والعالم بخائنة الاعين وما تخفي الصدور (انه‏يعلم‏الجهرمن القول ويعلم ما تكتمون) [الانبياء:110].

(وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) [التوبة:105].

الرقابة والمراقبة واذا علم الانسان برقابة اللّه تعالى له، ورقابة غيره من الشهود، وكان يشعر بخضوعه لرصد دقيق، ليس بامكانه اخفاءشي‏ء عنه، اصبح مراقبا لنفسه، انطلاقا من الايمان بان اللّه تعالى مطلع عليه وعلى كل ما يصدر عنه، وحاضر اينما كان،ولا يخفى عليه من ظاهره وباطنه شي‏ء.

وانما يغفل الانسان عن هذه المراقبة لنفسه عندما يشوب الخلل ايمانه برقابة اللّه تعالى وشهوده، فاذا ما التفت الى‏حضور اللّه وشهادة غيره من الشهود الذين ياذن اللّه تعالى لهم بالاطلاع عليه، فانه سيكون دقيقا في ضبط اعماله طبقا لماتتطلبه هذه الشهادة.

اذا الايمان برقابة اللّه تعالى من اهم عوامل «المراقبة‏» في سلوك الانسان.

وكل انسان يلتزم بمبدا المراقبة السلوكية لنفسه بقدر ايمانه برقابة اللّه تعالى له، ورقابة الشهود، وبقدر ما يستحضر في‏نفسه هذه الرقابة الالهية.

الشهادة في الدنيا (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة:143].

للشهادة في القرآن مصداقان:

مصداق في الدنيا، ومصداق في الاخرة.

والذي يتامل، في آيات القرآن، يجد ان القرآن يذكر الشهادة في سياقين مختلفين تماما.

السياق الاول: الشهادة في الدنيا:

يقول تعالى: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا).

(انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من‏كتاب‏اللّه وكانوا عليهه شهداء) [المائدة:44].

(وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم) [المائدة:117].

وياتي ذكر الشهادة في الاخرة في سياق آخر، يختلف تماما عن السياق السابق.

(فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) [النساء:41].

(يوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) [النحل:89].

وبالتامل في السياقين نجد ان هذا السياق يختلف عن السياق الاول.

وكل منهما شهادة، ولكن معنى الشهادة يختلف في كل منهما، كما ان ظرف الشهادة، ايضا يختلف في القسم الاول من‏الايات عن القسم الثاني.

وعليه لا نجد ما يسوغ انحصار الشهادة في الاخرة، كما يفهم ذلك من كلمات العلامة الطباطبائي (ع) في تفسير الميزان‏في تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)، كما لا نجد وجها لما قد يستفاد من‏كلمات الشهيد المحقق الصدر (ع) من انحصارها في الدنيا.

نعم، يتضح من خلال مراجعة آيات القرآن: ان الشهداء في الدنيا هم الشهداء في الاخرة.

وسوف نبحث عن هذه النقاط ان شاء اللّه من خلال القرآن الكريم في هذه الدراسة.

والان نتحدث عن: الشهادة في الدنيا.

الشهادة حضور ومراقبة وشهادة الشهادة في الدنيا حضور الشهيد في ساحة المجتمع، ومراقبة افكار الناس، وسلوكهم، من حيث الاستقامة والانحراف‏عن الفطرة التي واثق الانسان بها ربه، سبحانه وتعالى، والتذكير والشهادة، كلما وجد انحرافا للانسان عن هذا الخط.

موقع الشهيد «الموقع الوسط‏» والموقع الذي يؤهل الشهيد، ليقوم بهذه الرسالة هو «الموقع الوسط‏».

فان «الموقع الوسط‏» بين الاتجاهات الحضارية المختلفة المتطرفة المتعاكسة يمكن الانسان من رؤية هذه الانحرافات‏ومراقبتها وادراكها، والتنبيه عليها، والتذكير بها.

والقرآن الكريم صريح في «ان الموقع الوسط‏» للشهيد هو الذي يؤهله‏لهذه الشهادة.

يقول تعالى: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا).

وترتيب الشهادة في الاية على الموقع الوسط واضح، لا يحتاج الى توضيح.

الاسلام هو الموقع الوسط والموقع الوسط هو الموقع الفكري والحضاري المعتدل، المتوسط بين الاتجاهات الفكرية والحضارية المختلفة.

وهذا الموقع هو بالضرورة «الاسلام‏» الذي يضع الانسان في موقع وسط ومعتدل بين الاتجاهات المتطرفة، المختلفة،والنابعة في الغالب من جهل الانسان وانفعالاته، وردود الافعال لديه، وضغوط البيئة والاهواء.

فان هذا الدين وسط بين النزعة الفردية القاضية بتحكيم هذه النزعة على المجتمع البشري، والنزعة الاجتماعية القاضية‏باقصاء النزعة الفردية، تماما من الحياة الاجتماعية.

ووسط بين ارسال الغرائز واطلاق العنان لها وبين كبحها وكبتها، وهذا الاتجاه هو تعديل الغريزة وتلطيفهاوتوجيهها.

ووسط بين الاستغراق في الدنيا والعزوف عن الاخرة وبين الرهبانية ومقاطعة الدنيا.

(وابتغ في ما آتاك اللّه الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا).

(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة).

ووسط بين الاسراف والتقتير.

(ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) [الاسراء:29].

تحديد «الموقع الوسط‏» بالوحي لقد كان الانسان يعيش آونة من حياته هذا الموقع الوسط، بهداية الفطرة، قبل ان تتعقد حياته على وجه الارض.

فلما تعقدت حياة الانسان على وجه الارض، لم تعد الفطرة كافية لتحديد الموقع الوسط، وكان لابد من ان يتدخل‏الوحي لتحديد الموقع الوسط، وتوجيه الانسان اليه. ان الانسان يعيش وسط تيارات متعاكسة، قوية، ومؤثرة، من ضغوط‏البيئة، والوراثة، ونزوات الغريزة، والانفعالات النفسية، وردود الافعال.

وهذه التيارات تؤثر بالتاكيد على تشخيص الانسان وتقديره وحكمه وموقفه.

ومن المتعذر على الانسان، في مثل هذه الحالة، ان يتمكن من تشخيص الموقع الوسط فكريا، وحضاريا، وتشريعيا من‏دون تدخل الوحي.

والاية الكريمة واضحة في دور الوحي في وضع الانسان في هذا الموقع المعتدل:

(وكذلك جعلناكم امة وسطا).

الموقع الوسط يمكن الشهيد من الشهود الميزة الاولى، من خصائص الموقع الوسط، هي ان هذا الموقع يمكن الشهيد من شهادة الانحرافات والاخطاء في‏سلوك الانسان ومراقبتها، وبالتالي يمكنه من التنبيه عليها والتذكير بها. فان الانسان عندما يكون في موقع‏حضاري‏وفكري وسط، يهيمن على جميع الاطراف ويتمكن من ادراك كل الانحرافات والتطرفات المتعاكسة في‏سلوك الانسان وشهودها.

فلا يكاد يشخص الانسان الانحراف انحرافا الا اذا كان في موضع الاستقامة، ولا يكاد يشخص الخطا خطا الا اذا كان في‏موضع صحيح.

فالشهيد اذا يشهد على الناس اخطاءهم وانحرافاتهم عن خط الفطرة (لتكونوا شهداء على الناس).

وهذا هو معنى «الشهادة على الناس‏» في ما ارى، واللّه تعالى اعلم بما يريد وبما جاء في كتابه.

مرحلتا «التحمل‏» و«الاداء» في الشهادة وللشهادة بالضرورة مرحلتان:

مرحلة التحمل والتقاط المشهد، ومرحلة الاداء.

والمرحلة الثانية من متطلبات المرحلة الاولى ومسؤولياتها.

فلو شهد الشهيد مشهدا من مشاهد الاجرام، وتحمل الشهادة، لزمه ان يؤدي هذه الشهادة ويحرم عليه كتمانها.

يقول تعالى: (ومن اظلم ممن كتم شهادة عنده من اللّه) [البقرة:140].

اما مرحلة التحمل فقد تحدثنا عنها، فان الشهيد بما مكنه اللّه تعالى ورزقه من الموقع الوسط، يشهد على الناس‏اخطاءهم وانحرافاتهم عن خط الفطرة، وهي مرحلة «تحمل الشهادة‏».

واما مرحلة الاداء فتاتي عقيب مرحلة التحمل، وهي مسؤولية يتحملها الشهيد، حتى يؤديها، واداؤها يكون الى الناس،كما ان شهادته تكون على الناس انفسهم. والاداء هنا يتم بالتذكير، والتوجيه، والدعوة، والامر بالمعروف، والنهي عن‏المنكر.

والتذكير في الغالب يتضمن تنبيه الفطرة والعقول واثارتها، عندما تتراكم عليها انقاض الجاهلية والانحراف.

وهذا هو معنى العودة الى الذات.

وقد كان الامام الحسين (ع) يقول للناس في كربلاء: «عودوا الى انفسكم، وكونوا احرارا في دنياكم‏»، اي تحرروا من اسرالهوى والطاغوت.

فلا يصيب الانسان فساد وشر اكثر من ان ينفصل من نفسه، وينحجب عن قيمه وفطرته التي خلعها اللّه تعالى عليه.

يقول امير المؤمنين (ع)، كما في رواية الرضى في «نهج البلاغة‏»، في صفة خروج الامام المهدي (ع): «ويثير لهم دفائن‏العقول‏».

وكانما الامام (ع) يريد ان يقول ان الامام الحجة (ع) لا ياتي بشي‏ء جديد، ليضيفه الى عقول الناس، لم يكن لهم به عهدمن قبل، وانما يثير لهم دفائن العقول، ويستخرج لهم من عقولهم من كان قد حجبته انقاض الجاهلية من قبل.

مسؤولية الاداء ومسؤولية اداء الشهادة مسؤولية شاقة وعسيرة.

ولقد كان الانبياء (ع) يشفقون على انفسهم من هذه المسؤولية.

ولقد خاطب اللّه تعالى رسوله (ص) بهذه الكلمة المؤثرة: (طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى) [طه:1 2].

وقد كان رسول اللّه (ص) يشفق من هذه المسؤولية، حتى كانت تسلب من نفسه الراحة ومن شفتيه الابتسامة.

ارايت من يرى اعمى قد اشرف على السقوط في بئر عميقة، هل يقر له قرار؟ حتى ينبهه الى الخطر الذي يشرف عليه،ويحذره، ويستخدم كل الوسائل الممكنة لتنبيهه وتحذيره من السقوط.

فكيف اذا كان الشهيد يرى البشرية كلها على حافة السقوط، كيف يقر له قرار دون ان ينقذ هؤلاء جميعا من خطرالسقوط.

وكان رسول اللّه (ص) يقول: «شيبتني سورة هود»، عندما قيل له (ص): «لقد اسرع اليك الشيب يا رسول اللّه».

وسورة هود تضع رسول اللّه (ص) امام تاريخ حافل برفض الناس وعنادهم، ومكابرتهم، لدعوة الانبياء (ع) وحرص‏الانبياء (ع) على انقاذهم، ثم تخاطبه السورة بعد جولة طويلة من رحلة المعاناة بهذا الخطاب العسير: (فاستقم كماامرت ومن تاب معك) [هود:112].

وكل شهيد يتحمل من مسؤولية الدعوة والامر بالمعروف، بقدر ما يتحمل من الشهادة، وبقدر ما يمكنه اللّه تعالى من‏تشخيص الانحرافات والاخطاء.

وحظ الشهداء في ذلك يختلف، ومسؤوليتهم في الاداء كذلك تختلف. والشهيد هنا ينهض في المجتمع البشري بدور«المذكر» المسؤول، وهذه هي الرسالة الاولى للشهيد في حياة الناس.

الموقع الوسط يجعل من الشهيد قدوة الميزة الثانية، من خصائص «الموقع الوسط‏»، انها تجعل من الشهيد «قدوة‏»، وميزانا، ومعيارا، يستطيع الناس ان يقيسوا به‏انفسهم، ويصححوا به اخطاءهم، ويقوموا به انحرافاتهم.

وهذه هي الرسالة الثانية للشهيد في حياة الناس.

فان «الشهيد»، بما يحتل في الحياة من الموقع الوسط، والاعتدال، والاستقامة، يصح ان يكون مقياسا وميزانا يقيس به‏الاخرون انفسهم، ويعرفون به الزيادة والنقصان في افكارهم وسلوكهم.

فان الزيادة على الموقع الوسط انحراف، كما ان النقيصة كذلك.

ارايت الوحدات القياسية التي نقيس بها الاشياء، ونعرف وزنها وابعادها، لنتمكن بذلك من سد النقص وازالة الزائد.

فالشهيد هنا قدوة، واسوة، وميزان للناس بما رزقه اللّه تعالى من الموقع الوسط. كما ان الشهيد معلم للناس.

والقدوة نحو من انحاء الشهادة.