الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ونحن، اذا امعنا النظر في معنى القدوة ودورها، وجدنا كل قدوة يشهد، على الناس باخطائهم وانحرافاتهم، وما فيهم من ميل وزيغ عن الحق، كما ان الوحدة القياسية تشهد على الكمية التي تقاس بها بالزيادة والنقيصة. وهذا هو دور تحمل الشهادة، وهو معنى دقيق بحاجة الى امعان نظر وتامل.

وللقدوة دور آخر في ادا الشهادة، كما كان لها دور في تحمل الشهادة. فان القدوة كما يشهد على الناس باخطائهم وانحرافاتهم، وهذا هو دور تحمل الشهادة، كذلك ينبههم بسلوكه وافكاره الى ضرورة التعديل والتصحيح لافكارهم وسلوكهم.

والرسالة الثالثة للشهيد في حياة الناس هي استحفاظ الكتاب والشريعة من الانحراف، وهذا هو دور ادا الشهادة.

لئلا يكون للناس على اللّه حجة في ما قدمناه من توضيح وشرح لدور الشهدا، نجد ان الانبيا يقطعون في الدنيا كل حجة للناس على اللّه تعالى.

فان الناس يمكن ان يتشبثوا يوم القيامة بحجتين. وارسال الرسل والانبيا يقطع على الناس هاتين الحجتين.

فلهم ان يحتجوا على اللّه بانهم كانوا يجهلون هذا الهدى والمنهاج الرباني في حياتهم، ولم يصلهم من اللّه تعالى من يدعوهم ويذكرهم به. ولهم ان يحتجوا ثانيا بان هذه الدعوة وهذا المنهاج كان اكثر مما يطيقون، وارسال الانبيا من نوع الانسان، وليس من نوع الملائكة يقطع على الناس كلا العذرين، ويقطع كلا الحجتين.

يقول تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل، وكان اللّه عزيزا حكيما) [النسا:165].

رسالة الشهدا في حياة الناس وفي ما يلي نتحدث عن المهام الاساسية الثلاثة للشهيد، وهي:

1 التذكير، 2 القدوة، 3 استحفاظ كتاب اللّه وشريعته عن التحريف.

التذكير الرسالة الاولى للشهيد التذكير. يقول تعالى:

(ان هذه تذكرة فمن شا اتخذ الى ربه سبيلا) [المزمل:19].

رسالة الانبيا: «ان يدعوا الناس الى العودة الى انفسهم»، كما كان الامام الحسين (ع) يخاطب الناس في كربلا: «عودوا الى انفسكم».

وانفسهم هي فطرتهم، وعقولهم، وضمائرهم، التي يسلخها عنهم الهوى، والطاغوت، والشيطان.

ان في نفس الانسان كنوزا من القيم والمعرفة واليقين والاستجابة للّه، ورصيدا كبيرا من الفطرة الصافية النقية، ومهمة الشهدا الوصول الى هذه الكنوز. ان هذه الامة التي انطلقت من قلب الصحرا في جزيرة العرب، واستطاعت ان تهزم اكبر امبراطوريتين في التاريخ في مدة يسيرة في عمر التاريخ... لم تتمكن من انجاز هذه الفتوحات بقوة عسكرية نظامية متفوقة ولا بالمال، وان كان لابد لهذه الدعوة من هذا وذاك معا، ولكن الامة الشاهدة التي انطلقت من قلب الصحرا استطاعت ان تخاطب ضمائر الناس، وفطرتهم التي صدها عنهم الطاغوت.

وفتحت هذه الامة الشاهدة الطريق الى فطرة الناس وضمائرهم، التي حاول الطاغوت في هاتين الامبراطوريتين ان يغمرهما ويهدمهما، واستجاب الناس في كل من هاتين الامبراطوريتين الى دعوة هؤلا الفاتحين الذين جاؤوهم برسالة العودة الى انفسهم.

ان لنا، نحن الدعاة الى اللّه، رصيدا من الفطرة في اعماق نفوس الناس، ومهمتنا الوصول الى هذه الاعماق، فاذا استطعناان نصل الى كنوز الفطرة، فان الناس يستجيبون لدعوة اللّه افواجا وافرادا.

ونحن لا ننفي ولا ننكر ان الفطرة والضمير قد يجفان وينضب معينهما تماما، وقد يغمرهما الهوى والطاغوت والشيطان تماما، فتنعدم الفطرة، وينعدم الضمير، كما حدث ذلك في قوم نوح (ع): (وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا × انك ان تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا الا فاجرا كفارا) [نوح:26 و27].

ولكن اللّه تعالى قد اودع في فطرة الانسان وضميره وعقله من القوة ما يمكنه من المقاومة امام ضغوط الهوى والشيطان والطاغوت، ردحا طويلا من الزمن، فاذا تمكن الدعاة الى اللّه من الوصول الى نفوس الناس، واهتدوا الطريق الى فطرتهم وضمائرهم برفق ولين، فان اللّه تعالى يفتح عليهم من قلوبهم ما اغلقه الهوى والطاغوت.

بين «الميثاق» و «الشهادة» ما هي الرسالة التي يحملها الشهدا والامة الشاهدة الى فطرة الناس؟ ان هذه الرسالة هي العودة الى «الميثاق».

ان في فطرة كل انسان عقدا وميثاقا مع اللّه تعالى، والتزاما بالعبودية والطاعة. ولا يشذ انسان عن هذا الميثاق الفطري.وقد شرحنا هذا الميثاق في رسالة مستقلة في تفسير قوله تعالى:

(واذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم؟ قالوا بلى).

وكل انسان يرتبط، في عمق فطرته، بهذا العهد والميثاق مع اللّه تعالى عن وعي والتزام وتعهد.

الا ان العوامل الضاغطة على الانسان تتمكن من اخماد جذوة الفطرة واضعافها وطمرها احيانا، فتختفي الفطرة من حياة الانسان، وينسى الانسان هذا الميثاق ويغفل انه شهد على نفسه بين يدي اللّه بهذا الميثاق، (واشهدهم على انفسهم)،فياتي دور الشهيد والامة الشاهدة في اعادة الناس الى ميثاق الفطرة، وتنبيههم الى هذا الميثاق الذي عقدوه مع اللّه تعالى بوعي الفطرة، ثم نسوه واهملوه.

والى هذه العلاقة بين الشهادة والميثاق يشير الامام علي بن ابي طالب (ع): «فبعث اللّه فيهم رسله وواتر انبياه ليستادوهم ميثاق وفطرته، ويذكروهم منسى نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن عقولهم».

وانما يتمكن الشهدا من معرفة فطرة الناس، وما اودع اللّه تعالى في نفوسهم من الوعي الفطري العميق بمقتضى الموقع الذي يحلون فيه، فان هذا الموقع الوسط يمكنهم من شهود الفطرة، وما اودع اللّه تعالى فيها من الوعي الفطري وميثاق الطاعة والعبودية للّه تعالى، وشهود الانحراف الذي طرا على هذه الفطرة بعد وعي وعهد وميثاق.

وهؤلا الشهود يحملهم كما ذكرنا مسؤولية تنبيه الناس وتذكيرهم بهذا الوعي وهذا الميثاق. ان العودة الى اللّه تعالى حاجة حقيقية في نفس كل انسان، كما ان الاكل والشرب والنوم حاجة في الانسان، فلا يحتاج الانسان الى اكراه وضغطلياكل او يشرب او ينام بقدر حاجته الطبيعية، ولكن قد يحتاج الانسان الى من ينبهه الى موعد الاكل والشرب والنوم، كذلك (الدين) والعودة الى اللّه حاجة فطرية مركوزة في عمق النفس، فلا يحتاج الانسان لكي يعود الى الفطرة الى اكراه او ضغط (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) [البقرة:256].

ولكن الانسان يحتاج الى من ينبهه ويذكره باللّه تعالى، وهذه هي المهمة الاولى للشهيد والامة الشاهدة في التاريخ.

التذكير برسالة الانبيا في التاريخ ان القرآن الكريم صريح في ان رسالة الانبيا (ع) في التاريخ هي التذكير اولا، ثم بعد ذلك التعليم، وان مهمة التذكير قبل التعليم.

وقد ورد التصريح بهذه الحقيقة في سورتين من اوائل ما انزل على رسول اللّه (ص) من القرآن بعد تكليفه بالرسالة، وهما سورة «المدثر» و«المزمل».

يقول تعالى: (كلا انه تذكرة فمن شا ذكره) [المدثر:54 و55].

ويقول تعالى: (ان هذه تذكرة فمن شا اتخذ الى ربه سبيلا) [المزمل:19]. ويقول تعالى: (ان هو الا ذكرى للعالمين) [الانعام:90]. (وجاك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين)[هود:120].

ويامر اللّه نبيه (ص) بالتذكير، ويصرح له بانه مذكر قبل كل شيء، بل يذكره اللّه تعالى بان مهمته الوحيدة هي التذكير،وسائر المهام التي ينهض بها وتجب عليه، انما هي من شؤون التذكير.

وهذه الحقيقة تتضح في الحصر الوارد (فذكر انما انت مذكر) [الغاشية:21] والقرآن الكريم «ذكر» اكثر من اي شيء آخر، اوانه ذكر فقط، والمسائل الاخرى التي يحفل بها كتاب اللّه من متطلبات الذكر ومستلزماته.

يقول تعالى: (ان هو الا ذكر وقرآن مبين) [يس:69]. (هذا ذكر وان للمتقين لحسن مب) [ص:49] (انا نحن نزلنا الذكر واناله لحافظ ون) [الحجر:9] (وهذا ذكر مبارك انزلناه افانتم له منكرون) [الانبيا:50].

ومهمة القرآن الكريم هي التذكير وتيسير التذكير:

(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر:17]. (وانه لتذكرة للمتقين) [الحاقة:48]. (ولقد صرفنا في هذا القرآن ل يذكروا) [الاسرا:41].

ويقول اللّه تعالى لنبيه الكريم انه لم ينزل عليه القرآن ليشقى بجحود الناس وعنادهم، ولجاجهم، وانما بعثه بالقرآن ليذكرهم به فقط، وما عليه بعد ذلك من امرهم استجابوا ام لم يستجيبوا.

(طه ما انزلنا عليك القرآن لتشقى الا تذكرة لمن يخشى) [طه:1 3].

الاستجابة والانغلاق على التذكير وللناس تجاه التذكير حالتان: حالة الاستجابة والانفتاح. وحالة الانغلاق والصدود. وفي ما يلي نتحدث عن هاتين الحالتين:

اولا: حالة الاستجابة والانفتاح ان من الناس من يستجيب للذكرى من دون صدود واعراض، ويفتح قلبه على الانبيا والشهدا، ويتلقى الذكرى،ويتفاعل معها.

وهؤلا هم اصحاب القلوب الواعية الذين لم يتمكن الشيطان من قلوبهم ولم يصدهم عن ذكر اللّه، ولم تنغلق قلوبهم عن ذكر اللّه، ولم يتمادوا الى الاعراض عن اللّه.

وتعبير القرآن عن الذين يستجيبون، والذين لا يستجيبون للذكرى، دقيق وحري بالتامل والتفكير.

يقول تعالى عن الذين يستجيبون للذكرى: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) [ق:8]. والانابة هي العودة.

وكل عودة تتضمن بعدا وغفلة، ولكن عندما يكون البعد والغفلة والتخلف عن الاستجابة والطاعة عن غير عمد ولاصدود ولا لجاج فان صاحبها يعود بالذكرى سريعا، ويستجيب.

يقول تعالى: (لنجعلها لكم تذكرة، وتعيها اذن واعية) [الحاقة:12].

وتعبير القرآن دقيق «اذن واعية»، اما الاذان الصما فلا تعي ولا تدرك، ولا تنفعها التذكرة، وكيفما تكون الذكرى، ومهماكان المذكر.

يقول تعالى: (ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد) [ق:37].

ذكرى لمن كان له قلب، اما من مسخ قلبه مسخا، فلا تنفعه الذكرى. وذكرى لمن القى السمع، اما من صد سمعه، فلاتنفعه الذكرى.

وذكرى لمن كان شهيدا حاضرا، اما من كان غائبا بروحه وعقله، وحاضرا بجسمه فقط فلن تنفعه الذكرى.

والشهيد هنا من الشهود والحضور. وهو الشهيد المتذكر في مقابل الشهيد المذكر، يقول تعالى: (وذكر فان الذكرى تنفع الم ؤمنين) [الذاريات:55].

والمؤمنون في مقابل اهل الجحود والفكر المعرضون عن اللّه.

وهؤلا المؤمنون يستجيبون للذكرى وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه تعالى. (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه، الا بذكر اللّه تطمئن القلوب) [الرعد:28].

ثانيا: حالة الانغلاق والصدود وفي مقابل حالة الانفتاح والاستجابة والانابة نواجه حالة مرضية هي حالة الانغلاق والجحود والصدود والاعراض عن اللّه تعالى.

وهؤلا لا تنفعهم الذكرى.

يقول تعالى عن هذه الطائفة: (واذا ذكروا لا يذكرون) [الصافات:13].

ويواجهون الذكرى والتذكير بالاعراض والصدود.

يقول تعالى: (وما ياتيهم من ذكر من الرحمن محدث الا كانوا عنه معرضين) [الشعرا:5]. (فما لهم عن التذكرة معرضين)[المدثر:49].

وهؤلا المعرضون يعاقبهم اللّه تعالى باشد العقاب، ويجعل معيشتهم في الدنيا ضنكا، ويحشرهم يوم القيامة عميانا لايرون شيئا، كما تعاموا في الدنيا عن ذكر اللّه تعالى. يقول تعالى:

(ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكاونحشره يوم القى امة اعمى) [طه:124].

الاعراض عن اللّه عن علم وعن غير علم وحالات الاعراض عن اللّه تعالى على طائفتين:

فمن حالات الاعراض والضلال، واتباع الباطل والهوى ما يكون من دون علم، ولا هدى. يقول تعالى: (بل اتبع الذين ظلم وا اهواهم بغير علم) [الروم: 29]. وهذا نوع من الاعراض عن اللّه واتباع الهوى يتم من دون علم، ومن دون هدى.

والحالة الاخرى من الاعراض، اسوا من هذه الحالة، وابعد عن اللّه، واكثر انغلاقا وصدودا عن ذكر اللّه، هي التي يعرض فيها صاحبها عن اللّه، بعد ان جاه العلم، بغيا وظلما، وبعد ان استيقنتها انفسهم. يقول تعالى: (وما تفرقوا الا من بعد ماجاهم العلم بغيا بينهم) [الشورى:14] ويقول تعالى: (افرايت من اتخذ ال هه هواه واضله اللّه على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد اللّه افلا تذكرون) [الشورى:23]. ويقول تعالى: (وجحدوا بهاواستيقنتها انفسهم) [النمل:14].

عقوبة الاعراض عن ذكر اللّه وعقوبة هؤلا من سنخ الجريمة، ان الجريمة هي الاعراض عن اللّه، والتصامم، والتعامي عن ذكر اللّه وآياته، والعقوبة هي الاضلال والختم والاغفال. يقول تعالى: (واضله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة)،فالعقوبة هي من سنخ الجريمة بدقة. ويقول تعالى: (ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتبع هواه، وكان امره فرطا)[الكهف:28].

والاغفال عقوبة من يتغافل عن ذكر اللّه ويتبع هواه، وهي عقوبة تطابق الجريمة. و«الفرط» من الافراط، وهو الخروج والتجاوز عن حدود اللّه تعالى وحقوقه، كحبات القلادة التي تنفرط، وتتناثر، وتخرج عن مواقعها ونظمها، كذلك الانسان عندما يتبع هواه ينفرط امره كله: عقله، وضميره وقلبه، ووعيه، ودينه، ويختل تعادله وتوازنه.

ومن عقوبة الذين يعرضون عن ذكر اللّه، ويتعامون عن آيات اللّه، ان يحشرهم اللّه يوم القيامة عميانا، كما تعاموا في الدنيامن آيات اللّه، ويجعل معيشتهم في الدنيا ضنكا، وهما عقوبتان من سنخ الجريمة.

يقول تعالى: (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة اعمى × قال رب لم حشرتني اعمى وقدكنت بصيرا × قال كذلك اتت ك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى × وكذلك نجزي من اسرف ولم يؤمن ب آيات ربه ولعذاب الاخ رة اشد وابقى) [طه:124 127].

ومن عقوبة المعرضين عن ذكر اللّه، ان يقيض اللّه تعالى لهم شيطانا ويجعله قرينا لهم، ذلك انهم مكنوا الشيطان من انفسهم، فتلك ايضا عقوبة من سنخ الجريمة التي ارتكبوها.

يقول تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) [الزخرف:36].

والذي يضلله اللّه تعالى ويغفل قلبه فلا هادي له (ومن يضلل اللّه فما له من هاد) [المزمل:36].

وهذا الضلال الذي يلزم الانسان اجبارا، ولا علاج له، عقوبة وجريمة وليس بجريمة فقط ولكن العقوبة هنا من سنخ الجريمة.

ولان هذه العقوبة الزامية، ولا علاج لها، يامر اللّه تعالى نبيه بالاعراض عنهم. يقول تعالى: (فاعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد الا الحياة الدنيا) [النجم:29].

والالزام في العقوبة لا ينافي الاختيار.

فان هذه العقوبة نتيجة لما اختاروا من العناد والشقاق والنفاق بعد ان اتم اللّه تعالى لهم الحجة وجاتهم البينات.

عوامل الاعراض والصدود نذكر منها عاملين، يذكرهما القرآن الكريم:

الاول: الشيطان: يقول تعالى: (فانساه الشيطان ذكر ربه) [يوسف:42] (استحوذ عليهم الشيطان فانساهم ذكر اللّه)[المجادلة: 19].

والشيطان يصد عن ذكر اللّه (يصدكم عن ذكر اللّه) [المائدة:91].

والثاني: الانغماس، والاستغراق، في متاع الحياة الدنيا ولذاتها.

(ولكن متعتهم وآباهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا)[الفرقان: 18].

وساعات اليسر والرفاه تنسي الانسان ذكر اللّه، وبالعكس فان ساعات الشدة والعسر تذكر الانسان باللّه تعالى. يقول تعالى: (واذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة اللّه عليكم اذ انجاكم من آل فرعون) [ابراهيم:6]. (ولقد اخذنا آل فرعون ب السنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون) [الاعراف:130].

اسلوب التذكير مفتاح قلوب الناس اثنان: الصدق والرفق.

والكلام، عندما يصدر من الانسان عن صدق، ويكون صاحبه مؤمنا بما يقول، وعاملا بما يقول، فان لكلامه حينئذ في النفوس تاثيرا وفعلا ليس لغيره. فان الكلام عندئذ يصدر من عمق النفس، ويحمل معه قناعة صاحبه، وايمانه، وتفاعله معه.

والكلام عندما يحمل معه قناعة صاحبه وايمانه وتفاعله معه، يكون له من التاثير ما ليس للكلام الذي يصدر عن سطح ضحل من سطوح النفس، ومن دون ان يكون له عمق وامتداد في نفس الانسان.

ولامر ما ينهانا اللّه تعالى ان نقول ما لا نفعل، يقول تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون × كبر مقتا عند اللّه ان تقولوا ما لا تفعلون) [الصف:2 و3].

و«الرفق» هو المفتاح الاخر من مفاتيح النفس.

والذين آتاهم اللّه تعالى مفتاح الرفق، يحسنون النفوذ بالتذكير والموعظة الى القلوب، وتلين لهم القلوب الصعبة،وتستجيب لهم القلوب النافرة.

ومهمة الوعظ ترقيق القلوب، فاذا رقت القلوب استجابت للتذكير، وانفتحت على ذكر اللّه، واقبلت على اللّه تعالى.

اماعندما تعشو القلوب فلا تستطيع الذكرى ان تنفذ اليها.

فلابد للمذكرين باللّه، والدعاة اليه لكي يهتدوا الى قلوب الناس، ان يرفقوا بقلوب الناس، ويتخيروا من اساليب الوعظ والتذكير ارقها واكثرها لينا ورفقا، ويتجنبوا الشدة والقسوة في الكلام، فان القلوب تستجيب للرفق، وتصد عن الشدة.ولهذا السبب يجب ان لا نحمل الناس في الوعظ والتذكير ما لا يتحملون وما لا يعرفون.

وعن رسول اللّه (ص): «انا امرنا، معاشر الانبيا، ان نكلم الناس بقدر عقولهم. امرني ربي بمداراة الناس، كما امرنا باقامة الفرائض»((11)).

يقول الامام الصادق (ع): «خالطوا الناس بما يعرفون، ودعوهم مما ينكرون»((12)).

وعن الامام الرضا (ع) ليونس (ع): «يا يونس حدث الناس بما يعرفون، واتركهم مما لا يعرفون»((13)).

ومن الرفق: الاعتدال في الترغيب والترهيب، والخوف والرجا.

عن ابي جعفر الباقر (ع): «الا اخبركم بالفقيه حقا: من لم يقنط الناس من رحمة اللّه، ومن لم يؤمنهم من عذاب اللّه، ولم يؤيسهم من روح اللّه، ولم يرخص في المعاصي»((14)) الرفق والعنف في الاسلام ان الرفق والعنف وجهان لحركة الدعوة على وجه الارض، ومن دون ان يقترن هذان الوجهان لا تتمكن هذه الدعوة من ان تشق طريقها الى قلوب الناس على وجه الارض، عبر العقبات والعوائق التي يزرعها ويضعها الطاغوت، امام حركة الدعوة.

والوجه الاول لهذه الحركة، الرفق واللين في دعوة الناس الى اللّه تعالى، تذكيرهم باللّه واليوم الاخر.

(ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن) [النحل:125].

(اذهبا الى فرعون انه طغى × فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى) [طه:43 و44].

(واذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا: لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) [القصص:55].

(ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن الا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي انزل الينا وانزل اليكم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون) [العنكبوت:46].

(ومن احسن قولا ممن دعا الى اللّه وعمل صالحا وقال انني من المسلمين × ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم) [فصلت:33 و34].

(اذهب الى فرعون انه طغى × فقل هل لك الى ان تزكى × واهديك الى ربك فتخشى) [النازعات:17 19].

هذا هو الوجه الاول من حركة الدعوة، وهو وجه الرفق واللين.

والوجه الاخر وجه يختلف تماما عن هذا الوجه، وهو وجه العنف والشدة. ولنقرا بعض ملامح هذا الوجه الاخر في كتاب اللّه تعالى:

يقول تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث اخرجوكم) [البقرة:191]. (فخذوهم واقتلوهم حى ث ثقفت موهم) [النسا:91].

(فاما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) [الانفال:57].

وهذا هو الوجه الاخر لحركة الدعوة، وهما وجهان متكاملان، وليسا وجهين متناقضين، ان الوجه الاول هو الذي تواجه به الدعوة الناس في حركتها على وجه الارض، فلا يقبل الناس على هذا الدين الا بالرفق واللين، ولا تكسب الدعوة قلوب الناس ولا تنفذ اليها، الا بالرفق، واللين، والتفاهم، والحكمة، والموعظة الحسنة. ولكن الطاغوت لا يدع هذه الدعوة تتحرك على وجه الارض بين الناس لتكسب قلوب الناس وقناعاتهم وانما يحاول ان يضع العقبات والعوائق على مسيرة الدعوة، ويصد الناس عنها، ويفتنهم ليتخلوا عنها، ويعمل على ان يحول بين الناس وبين رسالة اللّه تعالى.

ولكي تواصل الدعوة حركتها على وجه الارض، لابد من ان تدافع عن نفسها، وعن الناس الذين تطلبهم، ولابد من ان تواجه العقبات والفتن التي يزرعها الطاغوت على طريق حركة الدعوة بالقوة والشدة والعنف.

ولا يكاد ينفع هنا الرفق والاحسان. فان لغة الرفق تنفع الناس وتكسبهم الى جانب الدعوة، اما هؤلا الذين يريدون الكيدبالدعوة وبالناس، بالعنف والمكر، فلا ينفع معهم الا رد القوة بالقوة والعنف بالعنف ورد الكيد بالكيد، والمكر بالمكر،والشدة بالشدة.

وهذا هو الوجه الاخر للدعوة، ومن دون هذا الوجه لا تستطيع الدعوة ان تواصل حركتها على وجه الارض.

ولكن علينا ان نعرف جيدا ان الوجه الاخير، من دون الوجه الاول، لا يشق طريقا للدعوة، ولا يفتح قلوب الناس.

وان الذي كسب الناس للاسلام، في الفتوحات الاسلامية العسكرية في صدر الاسلام، ليس القوة والسيف، وانما الرفق واللين، واستخدم المسلمون القوة فقط لكسر شوكة الطاغوت وازالة العقبات من امام حركة الدعوة.

طرح القدوة المهمة الثانية للشهيد في الحياة الدنيا تجسيد القدوة.

(لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الاخر ومن يتول فان اللّه هو الغني الحميد) [الممتحنة: 6].

الشهيد «مذكر» و«قدوة».

قلنا: ان الدور الاول للشهيد: التذكير. ورسالة التذكير هي الدعوة الى اللّه، والتذكير به، والدعوة الى «الموقع الوسط»،تذكيرا وتعليما.

والدور الثاني للشهيد: تجسيد القدوة للناس، للاقتدا والتاسي.

وفي الرسالة الثانية لا يدعو الشهيد الى الموقع الوسط،وانما يجسد بسلوكه الموقع الوسط.

والقدوة هو الذي يجسد «الموقع الوسط» في سلوكه وسيرته.

فلا يشذ عن الموقع الوسط في قول او فعل، ولا ينحرف،ولا يشط، ولا يقصر، ولا يزيد.

ويجد الناس فيه تبلورا واقعيا وحقيقيا للموقع الوسط.

والقدوة، بهذا التصور، تعني المرآة التي يجد الانسان فيها نفسه وما اودع اللّه فيه من كنوز اليقين، والمعرفة، والتوحيد،والقيم، والجد، والعزم، والشجاعة، والمقاومة، والحب.

ويرى الانسان في «القدوة» كل ما اودع اللّه فيه من هذه الكنوز، فهو من سنخ خلقه، انسان يمشي في الاسواق، فما يجدفي القدوة من المعرفة والقيم والكفاات موجود عنده، غير ان «القدوة» تمكن ان يبرزها الى الفعل ويخرجها اخراجاحسنا، وهو لم يفعل ذلك.

ولو كان الانبيا من الملائكة، لما وجد الانسان فيهم مرآة صادقة لنفسه، وقد كان المشركون يستنكرون ان يكون الرسول من نوع البشر، ياكل الطعام، ويمشي في الاسواق، ويطلبون ان يكون الرسول من غير البشر، من الملائكة، مثلا.

ويرد عليهم القرآن الكريم ردا بليغا:

يقول تعالى: (وما ارسلنا قبلك من المرسلين الا انهم لياكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون وكان ربك بصيرا × وقال الذين لا يرجون لقانا لولا انزل علينا الملائكة او نرى ربنا لقد استكبروا في انفسهم وعتو عتوا كبيرا) [الفرقان:20 21].

(وقالوا: ما لهذا الرسول ياكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا انزل اليه ملك فيكون معه نذيرا) [الفرقان: 7].

(ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون) [الانعام:9].

والرد واضح، فان الملك لا يكون قدوة للانسان، ولا يكون مرآة تعكس له شخصيته وقيمته وكفااته.

وبالنتيجة لا يعكس له ما ينبغي ان يكون، ولا يعكس له مقدار تخلفه وتقصيره.

اما القدوة (الانسان) فيصلح ان يكون مرآة للناس، تعكس لهم انفسهم، وتعكس لهم ما ينبغي ان يصلوا اليه ويحققوه،وتعكس لهم مقدار تخلفهم وعجزهم، وتنبه الناس الى ضرورة تدارك اخطائهم وجبر نقاط الضعف والنقص في سلوكهم، وتعديل افكارهم، واعمالهم، بموجب ما تعكسه هذه المرآة.

اسلوبان في الدعوة هناك فرق واضح بين اسلوب الشهيد في الدعوة الى اللّه، والاسلوب الذي يتخذه غير الشهدا من عامة الناس.

فمن الدعاة من يدعو الناس الى الموقع الوسط ويرشدهم اليه.

اما الشهيد (القدوة) فلما كان يجسد باقواله وافعاله الموقع الوسط، فهو ياخذ الناس معه الى الموقع الوسط. والناس على طريق اللّه ينجذبون الى من يقول لهم: هلموامعي الى اللّه، اكثر مما ينجذبون الى من يقول لهم اذهبوا الى اللّه.

وكانت دعوة الامام الحسين (ع) من النوع الاول، يدعو الناس الى مواجهة الظالمين، ويتقدمهم واهل بيته وذراريه، فكان يقول لهم: «نفسي مع انفسكم، واهلي مع اهليكم».

يقول الكاشاني في كتابه: «الصافي في تفسير القرآن»:

«اما اصحاب الحسين (ع) فكانوا اذا ارادوا الخروج استاذنوا الحسين (ع) وقالوا: السلام عليك يابن رسول اللّه، فيردعليهم السلام، ويقول لهم: نحن على الاثر قادمون، ثم يقرا قوله تعالى:

(فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلواتبديلا).

ويقول امير المؤمنين (ع) عن حروبه مع رسول اللّه (ص): «كنا اذا احمر الباس، اتقينا برسول اللّه (ص)، فلم يكن احد منااقرب الى العدو منه»((15)).

وفي حرب الاحزاب كان رسول اللّه (ص) بنفسه يحفر ويحمل التراب من الخندق ويقول: «لا عيش الا عيش الاخرة».

واذا كان (ص) مع اصحابه في سفر، وكانوا يوزعون الاعمال في ما بينهم قال: «وعلي لم الحطب».

وهذا هو الفرق بين الشهيد وغيره، ان الشهدا من الانبيا والاوصيا والعلما والدعاة الى اللّه يجسدون الموقع الوسط،ياخذون الناس معهم الى هذا الموقع، اما غير الشهيد من العلما والدعاة، فيدلون الناس على الطريق، ويدعون الناس الى الاعمال الصالحة.

ولذلك دعوة الشهيد لا تضاهيها دعوة، ولا حركة، ولا يكون لغير الشهيد من التاثير والنفوذ في حياة الناس، ومن القدرة على تغيير مجرى التاريخ، ما يكون للشهدا. وفي سير علمائنا الشهدا نجد نماذج كثيرة من امثال هؤلا، ممن كانوايجسدون المقاومة والثبات والصبر في الباسا والضرا، قبل ان يدعو الناس اليها. وقد كان شيخ الشريعة الاصفهاني (ع)يحضر بنفسه القتال ضد الانكليز، وهو في سن متقدمة من الشيخوخة، وكان يعسكر مع عساكر المجاهدين ويسيرمعهم، وكان القائد العثماني التركي يقول: كلما ارى خيمة شيخ الشريعة المتواضعة في وسط المعسكر ازداد قوة وطمانينة وثقة.

وقد انقلب به القارب في النهر، وكاد ان يغرق، لولا ان انقذه بعض المجاهدين من الغرق.

اهتمام القرآن بالقدوة وللقرآن اهتمام بليغ في طرح القدوة للناس من الانبيا والشهدا.

يقول تعالى عن رسول اللّه (ص): (لقد كان لكم في رسول اللّه اسوة حسنة) [الاحزاب:21]. ويقول تعالى عن ابراهيم الخليل (ع): (قد كانت لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه) [الممتحنة:4].

ويقول تعالى: (لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الاخر ومن يتول فان اللّه هو الغني الحميد)[الممتحنة:6].

وبعكس ذلك، يشجب القرآن الحالات التي ينفصل فيها الفعل عن القول، ولا يكون الكلام نابعا من ايمان وتفاعل وعمل.

يقول تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند اللّه ان تقولوا ما لا تفعلون).

التاهيل للشهادة (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداواللّه لا يحب الظالمين) [آل عمران:140].

وكل انسان يمكن ان يكون شهيدا، لكن الشهادة ليست بالاماني.

وان التاهيل للشهادة من اشق الامور، ذلك ان الشهادة ليست هي رؤية الموقع الوسط فقط، وانما هي الحضور في الموقع الوسط.

وحضور الموقع الوسط يتطلب من الشهيد الثبات والمقاومة، ومن دون الثبات لا يتمكن الانسان من مواصلة حضورالموقع الوسط، لان الموقع الوسط بطبيعته يضع الانسان في ضغوط كثيرة ومتعاكسة، ولا يتمكن الانسان من البقا في هذا الموقع، الا اذا كان يملك ويمارس درجة عالية من المقاومة والثبات.

ولا يمتلك الشهيد هذه الدرجة العالية من المقاومة والثبات الا بعد المرور بدورة شاقة وعسيرة من الابتلا والمعاناة.

فان الابتلا والمعاناة والصبر عليها يؤهلان الانسان لهذه الرسالة.

ولامر ما نجد ان اللّه تعالى يعرض الامة الشاهدة، والشهدا من الدعاة، لمحن وابتلاات وعذاب طويل، فاذا اتمواكلمات الابتلا اولاهم مهمة الشهادة في الناس، واتخذ منهم شهدا.

يقول تعالى: (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنواويتخذمنكم شهدا واللّه لا يحب الظالمين).

ان الامة الشاهدة لا تثبت على طريق الدعوة، ولا تستطيع ان تقاوم عواصف المواجهة، والوان المكر والكيد، الا عبرمعاناة صعبة، ورحلة عذاب طويلة. وهذه المعاناة للعذاب تؤهلها للشهادة على الناس، وتدخلها الجنة.

يقول تعالى: (ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم الباسا والضرا وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر اللّه الا ان نصر اللّه قريب) [البقرة:214].

المقاومة والرؤية ان المعاناة تمنح الانسان المقاومة، والمقاومة تمنح الانسان الرؤية. يقول تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا،وان اللّه لمع المحسنين) .

والاية الكريمة صريحة في ان الجهاد يمنح الانسان الهداية والرؤية، كما يمنحه معية اللّه تعالى في الحركة على طريق ذات الشوكة: (وان اللّه لمع المحسنين) .

استحفاظ كتاب اللّه المهمة الثالثة للشهيد استحفاظ كتاب اللّه وشريعته، يقول تعالى: (انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهدا) [المائدة:44].

وهذه هي المهمة الثالثة للشهيد، لان تحريف الكتاب، وتحريف حدود اللّه وشريعته، من الوسائل التي تتبعها الجهة المعادية للدعوة، في احباط دور الدين، ومسخه، وتفريغه من محتواه الحركي... بعد ان تفشل هذه الجبهة من استئصال الدعوة من حيث الاساس.

ولذلك نظائر في الشرائع الالهية السابقة في تاريخ الدعوة والرسالة. وقد اولى اللّه تعالى الشهدا مهمة المحافظة على الكتاب والشريعة من التحريف والتشويه، واستحفظهم كتابه وحدوده.

واولى الناس بان يوليهم اللّه تعالى هذه المهمة هم الشهدا، فان الشهدا اكثر الناس وعيا لشريعة اللّه وحرصا على سلامته.

شروط الشهادة ان المهمة التي يكلف اللّه تعالى بها الشهيد مهمة ضخمة.

فهو من جانب، مذكر ومعلم، ومن جانب آخر، قدوة ونموذج، ومن جانب ثالث، مسؤول عن حفظ الكتاب والشريعة.

وهذه المهام الثلاثة ترتبط بالكتاب والشريعة من جانب، ومن جانب آخر بحياة الناس، ومهمة الشهيد تطبيق حياة الناس على هدى الكتاب والشريعة. وهذه المهمة الصعبة تتطلب من الشهيد ان يكون على درجة عالية من الاستقامة والاعتدال والالتزام.

وقد تحدثنا عن ذلك من قبل في البحث عن القدوة وتجسيد الموقع الوسط.

وهذه الاستقامة في الانبيا بمعنى العصمة، وفي الامة الشاهدة، والدعاة، والعلما الشهدا بمعنى العدالة، وهي الالتزام بحدود اللّه تعالى في الحلال والحرام.

وهذا الشرط في الحقيقة ملحوظ في صلب معنى الشهادة، فلا نحتاج الى ان نطيل الحديث عنه.

مرتكزات العمارة الروحية في التعبد الاسلامي د. محمد البشير الهاشمي مغلي الهندسة الروحية اذا كانت الخلقية الاسلامية تتسم بالطابع المقدس، وهي تستند الى اسس ميتافيزيقية وتتكى الى استيحا ايماني، فضلاعن احتفائها بالقيمة التعبدية كما نعلم، فلا جرم ان ذلك يسهم اسهاما كبيرا في صقل عنصرين حيويين متلازمين في ايقاع التغيير الاجتماعي، وهما: الوحدة المعنوية من جهة والارادة الجماعية من جهة اخرى.

ويقيم الاسلام لهذين الغرضين هندسة روحية رائعة في ادا دورها التجنيدي والتحفيزي في آن واحد، وعلى الصعيدين:

النفسي والروحي، للعلاقات البينية والاجتماعية. بحيث لا يالو في انتخاب انجع الاساليب التربوية لبناصلابة تلك الوحدة وضمان ديمومتها، الى جانب انتهاجه اقوم السبل لتمكين فعالية هذه الارادة وتعهد حركيتها.

ولعل ابرز ما يتجلى هذا الاسهام، المخطط له بوسائل شتى كما سياتي، في مجال دعم الاجماع الاخلاقي للمجتمع على الاخص.

ومعلوم، بداهة، ان مجتمعا فقد اجماعه هذا، لا مطمع له في تقرير معايير سلوكية يتبناها الجميع، بل يصبح على هذاالنحو عاجزا عن توحيد ردود فعل افراده، وغير قادر على تناغم تصرفاتهم، لا يملك مقاومة اللامبالاة فيهم ولا امكانية تداركها او علاجها، فضلا عن نمذجة((16)) سلوكهم العام وانفعاليتهم المشتركة.

هذه العمارة الروحية يمكن التمعن فيها، في راينا، عبر ثلاثة مفهومات رئيسية هي على التوالي: الارتباط بالمطلق.

الوعي بالدور. الروحانية الايجابية.

ا الارتباط بالمطلق وتحرير ذلك ان المفهوم الاول يتمثل في وصل الانسان بغير منته، بحيث تصبح العبادة قاعدة الحياة كلها بلا منافس.ومن ثم تجد العابد سوا اكان في محراب مصلاه ام في محراب الكون الكبير، يستشعر، وعيا بعبديته ووفا بعبوديته،وهو في طريق الحياة الذي هو كله عبادة، حقيقة الوجود الالهي من دون انقطاع. ثم تراه على امتداد ذلك السيرالموقوت بوجوده المحدود في الدنيا، لا يفتر ولا يني في اقتفا منهج رباني كامل يهب الاستعلا((17)) على الكون كله بكماله وشموله. فلا ينفك المسلم موصول القلب باللّه تعالى، موصول العقل والضمير والمشاعر، يسري في روعه عميق التعلق به. وسوا ما نجم عنه في ليله ونهاره ام في سره وعلانيته من قول او فعل او نسك، فان ذلك سوف لايخلو، بنحو او بخر، من وشائج واصلة تحمي الانسان من نفسه وتقي الاخرين منه.

بل تدفعه بالشحن التعبدي الروحي المستمر وفق مخطط عبادي شامل الى نجدة ضمير غيره وانتشاله من وهدة السقوط او انحراف الطريق.

ابتدا من عقد الشهادتين لنفي الالوهية ومتعلقاتها، على الاطلاق، عما سوى اللّه تعالى، والاقرار تبعا لذلك حتمابمنهاج النبوة سبيلا اقوم الى خوض معترك الحياة برمتها واسلمة جميع جوانبها ومقوماتها وانظمتها في الانفس والمجتمعات والدولة، وعلى كافة الاصعدة من دون استثنا، بحيث تتشرب جميعها بروح التوحيد فتوسم بميسمة العلوي (بضم العين) الحيوي المخصوص.

ولتركيز حقائق التوحيد الاسلامي ورمزيته الثرية المتميزة، في شتى مظاهر السلوك البشري، واحكاما لشده بقوة الى الملا الاعلى، الى افق يتجاوز الذات، وحرصا على وصل لا ينبت في الانسان بين عالمي الغيب والشهادة، انتدبت مجندات روحية في ما ارتسمته خريطة العبادات من انظمة ابدعت في استيعاب فسيفسا اوجه النشاط الانساني وتغطية جميع صور التعامل البشري وصبغها بصبغة العبادة((18)).

من ذلك نظام العبادات الدورية المتلاحقة في نسق من التنوع الذي تهفو اليه الروح في غير ما كلل ولا ملل، والترابط الملتحم، الشبيه بالتواصل الكهرمغناطيسي، لسد الثغرات النفسية والزمنية في حياة المسلم حيثما كان، وفي اي حال من الاحوال وقع.

بهذه المثابة تعد العبادات، على غير معهود النظرة السلبية اللااجتماعية لها، محطات للشحن الدوري والتزويد الوظيفي المتواصل بالروحانيات الايجابية وبرنامج السير السني((19)) الذي انعقد تبنيه باقتضا عهد الشهادتين اللتين لا يسام المسلم من استعذاب النطق الواعي بهما، تهليلا في ادا عبادة او رغبة في تنفل وذكر، او ابتغا القربة بالتعبد عموما.

وحين نتامل في تصميم العبادات نجدها مبنية على اساس عقلي وحسي، معا، روعي فيه تكوين الانسان وجوانب الضعف في طبيعته من الس آمة والغفلة والنسيان والتلهي وتحكم الالف والعادة واعترا صوارف دنيوية شتى، بحيث تتداركه العناية الالهية بالطاف من التدابير الوقائية والتنشيطية لتغذية قوة الدفع فيه من الداخل وتثبيت ديمومة الالتزام تخليقا، وروحنة الاجوا وتطهير البواعث وانواع كثيرة من الاشباعات المطابقة فيه...

ولا محيد عن الاشارة الى بعضها من خلال:

1- آليات الارتقا الروحي.

2- ووسائل التجنيد المستمر.

3- ودواعي التحفيز الاخروي.

4- وتجييش نفسية الادا المرغوب وتصعيد الشعور بالتكريم((20)).

5- وتتويج هدفية التطلع الى العبادة وتلوين مطامح اسباغ التعبد، بمرضاة اللّه سبحانه.

وبالامكان ان نستشف هذه الشبكة النورانية المنسجمة من التدابير المروحنة مثلا في فهرست تفصيلي دقيق لاصناف الصلوات او لمختلف ضروب الادعية، التي لا اقل من ان يبرز المدان عليها والمداومة، مدى انشداد هذا المخلوق الناسوتي النسي الى العليا ومدى امكانية ارتقا النفخة الربانية((21)) في هذه النسمة المفطورة من ما مهين((22)) الى ارجا السما.

وقمين بمسرد الاحاديث النبوية الشريفة التالية، تصوير فلسفة الشمول والتكامل والاتساق في مجالات التعبد، وجعل ابوابها مشرعة على جميع وجوه التعامل والفعل والحركة، ومراعيها في كل ميادين السلوك والتعاط ي في الحياة مترعة.من ذلك:

1- ما روي عن ابي ذر جندب بن جنادة (رضي اللّه عنه) انه قال: قال لي النبي (ص):

«لا تحقرن من المعروف شيئا ولو ان تلقى اخاك بوجه طلق»((23)).

هذا عن الحد الادنى من الخيط الرهيف وان رق في باب المعاملة، فلتجمل به الغاية التعبدية، ولتبد في صيانة العلاقات البينية بمبادرة ود التبسم استهلالا لاستقبال حسن، تفجيرا لخيرية اللقا، واستفتاحا لتعامل اخوي واعد وانشراح نفسي مثمر...

2- وعن ابي ذر ايضا (رضي اللّه عنه) ان رسول اللّه (ص)، قال:

«يصبح على كل سلامى من احدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تسليمة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وامر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، ويجزى من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»((24)).

فكان كل مفصل من مفاصل الانسان يجب ان يتعبد بوجه من الوجوه التي يظهر اثرها بالاخص في النفس والمجتمع.وحتى ان بدا في النفس خاصة، فمردوده لن يعدم، باعتبارها دخيلة واجهة من واجهات المجتمع. وفي ذلك ما لا يخلومن تعمير محتوى الضمير المسلم وبنا المضمون الداخلي للمتعبد وشد الوثاق باللّه.

3- وفي الصحيح: ان اناسا قالوا: يا رسول اللّه، ذهب اهل الدثور بالاجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم،ويتصدقون بفضول اموالهم. قال:

«اوليس قد جعل اللّه لكم ما تصدقون به، ان بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تسليمة صدقة، وامر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع احدكم صدقة».

قالوا: يا رسول اللّه اياتي احدنا شهوته، ويكون له فيها اجر؟! قال:

«ارايتم لو وضعها في حرام اكان عليه وزر؟ فكذلك اذاوضعها في الحلال كان له اجر»((25)).

لا شك في ان التنافس مشروع، بل ومحثوث عليه في ابتغا الاجر. بيد ان الاعمال المخولة ليست سوا مع قصور اليد.حينئذ تجيء نجدة الارشاد النبوي لترتفع بالصدقة من مفهومها المادي الضيق المعتاد، وان تعلق الامر بالذروة في كثافة خضم الوقاع واشده مادية، الى آفاق المدرك الروحي الرحب، على معنى اخصاب الفعل التعبدي((26)) وتوسيع مساحات البذل الاسمى.

والصدقة في ارقى معانيها دليل الصدق على الايمان الذي استدرها، فهي مصداقه. ولذلك عدد التوجيه النبوي للتمثيل امورا في طوعهم يصدق بها معتقدهم، ويرتاح الى ادائها على هذا النحو التصديقي وعي يتمثله الضمير ويدخره الوازع.

4- وعن ابي موسى الاشعري قال: قال رسول اللّه (ص): «اذا مرض العبد او سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماصحيحا»((27)).

انما تكتب له هذه المثلية لطمانته على موصول الاجر وان انبت عن العمل لعوارض طارئة، تحفيزا له على المداومة والمعاطاة عند العودة الى الوضع الطبيعي: اقامة وابلالا، ثم لاشعاره بمخيم العبادة الملازم كي يعيش في اجوائها من دون افلات او انفصال داخل الضمير وفي وعي العقل وواقع السلوك، وحتى لا يحرم من مدرور المثوبة حالة العجز اوالانقطاع القهري.

5- وجا في الصحيح ايضا قوله (ص):

«ما من مسلم يغرس غرسا الا كان ما اكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما اكل السبع منه فهو له صدقة وما اكلته الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه احد الا كان له صدقة»((28)).

فالعبرة ليست بنوعية الغراس ولا بكثرة المغروس، وانما تتحقق بقصدية الغارس المتجه الى اللّه. وعليه فالاجر الممدوديلحق العامل في اي زرع محدود في ذاته ما دامت القيمة التعبدية كامنة في انبعاث النفس اليه لوجه اللّه. ولا يتره بحال عدوان الانتقاص بالسلب والاختلاس:

(وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الارض ولا في السما) [يونس:61].

6- كذلك صح ان رسول اللّه (ص) قال:

«اربعون خصلة اعلاها منيحة((29)) العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجا ثوابها وتصديق موعودها الا ادخله اللّه بهاالجنة»((30)).

تتعدد الخصال الخيرة بدءا بالاعلى الذي ترغبه النفس ويعز على العطا «منيحة»، وانتها بادناها من المحقرات..

لكن التعليق على اهميتها جميعا منصب بالكلية على نوعية الرجا ومصاديق الموعود فيها: الا وهو دخول الجنة.

فغمامة التعبد بالمقاصد محومة على واجهات الاعمال كلها وشمس القربة مشعة على فجاج البر مهما دقت. وفي ذلك اذكا قوي لحكومة الضمير وحاكمية الوازع((31)).

7- وفي الصحيحين انه (ص) قال:

«على كل مسلم صدقة». قال: ارايته ان لم يجد؟ قال: «يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق». قال: ارايته ان لم يستطع؟.

قال:«يامر بالمعروف او الخير». قال: ارايته ان لم يفعل؟ قال:

«يمسك عن الشر فانها صدقة»((32)).

يورد الحديث تفصيلا تعليميا لحقائق صور الاعمال المتعبد بها وكلها تبرع ايجابي مباشر ومبادرة بالفعل. الا ان خاتمته تجعل حدا للتعلل بغير المقدور وعدم المستطاع او بالكلل. وذلك بالتجزيء على العمل دائما والتحفيز على الفعل وان كان من الداخل في نطاق مقاومة النفس للايذا وحملها على الامساك عن الشر. ذلك ان في وزعها صدقة. والملاحظ ان هذا الفعل بعينه ينعكس تلقائيا على الذات. فالمهم في الامر كله هو سريان سنة الحراك من القوة الى الفعل ولا فصل،ومن المبدا الى الموقف ولا ارجا، ومن الايمان الى العمل دون نسيئة.

8- كذلك في الصحيحين، قال رسول اللّه (ص):

«ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم، وينظر اشام منه فلا يرى الاما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقا وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» .((33))

تتضافر على شحذ المراقبة الوقائية في الحديث جملة روادع تتميز بصدق التصوير الفني وواقعية الخبر في الحمل على فورية الزجر في تضاعيف النفس بحيث تسري فيها الهزة تلو الرعشة حذو الرهبة. والذي يستدعي حالة الطوارى في الذات، ان تكليم الرب للتبكيت والصعق بالوجوم من العبد، ونفي الترجمان عنه لعدم الامهال والارباك واشعارابخطورة الموقف الفردي وايقانا بتاريخ المواجهة والمحاكمة.. وان افتقاد النصير ميمنة وغياب النظير في الوخامة ميسرة وسوء المصير الى النار مقتحما، كل ذلك يتقى بوظائف الخوف والانزجار والتورع وبادنى المنجيات وان تقالتهاالموازين: شق تمرة! لان الابلغ فيها الاعطا عند المكنة، ولا يجبر العجز بالاستعطال مهما كان. ولا مناص من توقي المهالك المحتمة، باطلاق النفس من عقال الشح وتسخيتها عند خلو الوفاض بطيب الكلام دفعا للمشامة.

وينتج عن هذه النماذج من المرويات وغيرها، فضلا عما ينضاف اليها من نظائر جمة وقطوف قرآنية دانية:

منزع الاسلام في انما روحية الارتباط الفطري باللّه، بتعليق جميع البواعث على استرضائه.

ومسلكه في تربية الوعي بالاشداد الدائم اليه عبر اخلاقيات تشريع الالزام والرقابة.

ومنهجه في ارتسام غائية التعبد وتوظيفها في اثرا واقعية استشعار الوجود الفعلي للمهيمن الاعلى سبحانه في كل حين وفي كل حال، ديمة((34)) بما يجعل معطاة المطلق اداة فنية عقلية في تحقيق مطامح التكريم والتسامي بقدر ماتكون وسيلة تربوية عملية في الاتقا والارتقا.

واما عن الدلالات الاجتماعية لهذا الارتباط، فايقان بامثلية السنن الالهية في صوغ المجتمعات الانسانية الفاضلة،وترسيخ للثقة في معالم التصور الاسلامي لشبكة العلاقات الاجتماعية، واشهاد على افضلية انماط النظم والاسس والقيم التي تتدخل السما في هندسة تركيبتها الارضية، واقرار بالتفوق التاريخي للطراز النبوي في تشييد الحضارة المثلى لاسعاد البشرية قاطبة، وامل مستميت في غد مشرق لتجدد النموذج وانبعاث الصنو المرتقب. فبهذا الوازع ليعمل العاملون! ولهذا التغيير الهادف ليسع السعاة وينهض الدعاة والمصلحون! ب الوعي بالدور لا ادل عليه بعد عقد الايمان من ادا العبادات، بالمفهوم الشمولي الحيوي العام الذي يعطيه الاسلام ويحصر فيه الوظيفة الاصلية للخلق وغاية الوجود كله.

واليه الاشارة في الاية الكريمة:

(وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) [الذاريات:56].

وتعززه الاية الكريمة الاخرى واخواتها بهذا الاطلاق:

(ان كل من في السماوات والارض الا آتي الرحمن عبدا) [مريم:93].

بيد ان الاوعى في العباد بعبديته وعبوديته والاحظ ى منهم بالاختيار والارادة يظل الانسان بلا تنازع.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية