لذلك نيطت به مسؤولية حمل الامانة التي تابت عن تقلدها السماوات والارض، والجبال اشفاقا... ولم يكن هذا الانسي بالضرورة دائما هو الارعى لها، وان وثق من نفسه وقت التحمل، فقد جهل ما يستجد له من اهواء وقت الاداء.
فكان في تهوره هذا كل الشطط الذي قصه الوحي بهذه
الاحرف الازلية:
(انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال
فابين ان
يحملنها واشفقن منها، وحملها الانسان انه كان
ظلوماجهولا)
[الاحزاب:72].
وواضح ان روح العبادة (ladoration) ليس وحده ذاك
الذي
ينحصر في حدود الشعائر الموقوتة وحسب (leculte)
وان كانت
بحق الفيصل بين الايمان والكفر. وانما المعني بها
اسلاميا تلك
«القاعدة التعبدية»
((35)) العريضة العامة اساسا،
التي
تنساح الى
جميع اوجه النشاط الانساني من دون استثناء، بحيث
تغمر
كافة ممارساته وتصبغها بصبغة التعبدالمنسجم مع
نواميس
الكون وسنن الحياة، وتحقق قصدية ذلك الارتباط
القدسي
الدائم.
وفضلا عن هذا، فان التكاليف الشرعية لا تلزم غير
العاقل
الراشد. وتسقط في حالات اللاوعي واللاعقل واللارشد.
ثم انها مشروطة بسبق ملابسة النية وهي «العلم
بالفعل والقول
مقرونا بهما ولا يكون الفكر جائلا في غيرهما»
والذي يساعد
عل((36))يه
حضور القلب بصرف الهمة اليه. وهي من ابلغ
جوامع الوعي ومن اقوى دواعي التيقظ.
واذا كانت النية تتمثل في تقصيد الفعل التعبدي
ووجوب
اخلاصه للّه تعالى بالاضافة التذللية، وهي عمل
نفسي
يقترن بالافعال العبادية باعتبار ان الباعث اليها
الهي والدافع
ابتغاء القربة
((37)) والتعظيم، استلزمت
الاستطراد
دون العدول
((38)) وكانت بهذه المعاني عامل
تجنيد دائم
وحافز تعبير قائم، يعبر عن ارادة امتثال امر اللّه
المؤثر في
وجودالفعل المتعبد به.
«فكيف لا تكون تصاريف من هذه سبيله عبادة كلها؟»
((39))
بهذه العناصر مجتمعة تتجسد فلسفة روحية الانشداد
الى المطلق في واقعية الشعور بمعية اللّه سبحانه،
لا لمجرد
تقرير منصوص الاية الكريمة:
(وهو معكم اينما كنتم واللّه بما تعملون بصير)
[الحديد:4].
ولكن لتاجيج الوعي الذاتي بالهدفية السامية التي
رسمها
المعبود الاعلى والتي لا يفتا يرددها العابد في
صلواته،ويستعرضها في تلاوته ويتمثلها في شعائره
المتكررة،
وهي كلها وسائل لاستدامة الوعي واستمرار الادراك
وتركيزالمفاهيم والتذكير بها، لئلا ينسى العبد
سيده وكيلا
يتلهى عن دوره المقدس في صوره المتعددة لمفهوم
الامانة
التي يقراها على مكث، في آيات اللّه التالية،
ليستخلص، بترتيب
منطق ترابط الحجة البالغة:
1-
دوره الاصلي في الاستخلاف
قال تعالى: (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض
خليفة) [البقرة:30].
وقال سبحانه: (هو الذي جعلكم خلائف في الارض فمن كفر
فعليه كفره) [فاطر:39].
فالردة عن القيام بدور الخليفة كفر باقتضاء الاية.
2 دوره الرسالي التبليغي
قال جل جلاله: (الذين يبلغون رسالات اللّه ويخشونه)
[الاحزاب:39].
وقال عز وجل: (يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من
ربك)
[المائدة:67].
وقال ايضا: (ما على الرسول الا البلاغ) [المائدة:99].
واضطلاع المسلم بوظيفة التبليغ في مجتمعه خاصة وفي
نطاق العالم عامة تمنحه رتبة المبلغ بالحجم المصغر
عن
بلاغ الرسول.
3 دوره النموذجي القدوة
قال جل في علاه: (كنتم خير امة اخرجت للناس تامرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه) [آل
عمران:110].
هذه الخيرية المؤهلة لهذا الدور النوعي الامثل
انما تخرج هذا
الاخراج الرباني بعد استقامة الذات على منهج
اللّه.فاعطاء
القدوة مقدم على التفرغ للدعوة.
4 دوره الانقاذي
قال عز من قائل: (وهذا كتاب انزلناه مبارك فاتبعوه
واتقوا
لعلكم ترحمون) [الانعام:155].
ولشد ما يتحتم دور المسلم كمنقذ، بعد تحصيل الادوار
الانفة،
في عصر تتنوع فيه اشكال الاستقالة من الحياة
بسبب فقدان
حضارة الصاروخ لبعد السماء((40)) وفي عالم بلغ فيه
التناقض
بين تضخم الامكان الحضاري وتضاؤل
الارادة الحضارية((41))
حدا كانت له اوخم الانعكاسات على واقع الانسان
ومصيره:
تدهورا وانحلالا وافلاسا حتى في مسوغات الوجود!
ولاكتمال
عرض الحال لابد من علقم الاقرار باننا في وضعنا
المتخلف
لسنا احسن حالا ممن هم في وضع المتحضر: من حيث ان
المنقذ في حاجة الى انقاذ!؟ وفي رده على سؤال: ما هي
رسالة
المسلم امام حالة تتطلب الانقاذ؟ اجاب الاستاذ
مالك بن نبي:
«انقاذ نفسه وانقاذ الاخرين..» وهو يعلم ان في
اذهاننا
مقدمات سلبية تتناقض مع هذا الزعم كاننا انجذبنا
الى شي ء
من الغرور، كيف يستطيع الانسان المسلم الذي لا
يتمتع
بالامكانيات الحضارية بالقدرالكافي حتى لتحقيق
لقمة عيشه،
كيف يستطيع انقاذ الاخرين؟ وكيف يتطلع الى هذه
الرسالة؟
اذا تساءلنا هذا السؤال يجب علينا ايضا ان نتساءل
بهذا المنطق
نفسه: لماذا استطاع ذلك، اولئك الاعراب في عهد محمد
(ص)؟ لماذا قام اولئك الاعراب الفقراء الاميون
بانقاذ الانسانية
وشعروا انهم جاؤوا من اجل انقاذها»؟((42)).
وشعارهم قولة
ربعي بن عامر المشهورة الى رستم((43)).
5 دوره في اقامة الشهادة
قال سبحانه: (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء
على
الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة:143] ومثلها
آ[الحج:78].
ودور الشاهد هو في الحقيقة خلاصة الادوار وخاتمتها:
استيعابا
واستلزاما. ولا اقل في الاشهاد، بهدف اقامة
الحجة البالغة((44)) على الناس، من الالتزام، في
حالتي
التمكن او الاستحالة، بالوسطية والوعي بالادوار
الكامنة عند
امتناع الاداء او افتقاد القدرة.
ان الوعي بالدور لجلي في منظومة التعبد المحكمة،
ليس في
محطاتها الشعائرية الشاحنة وما ينميه جانبها
الغيبي في روحية
المسلم من الشعور بالرقابة والمسؤولية والمحاسبة
وحسب، بل
في سائر حقول فاعلياته المختلفة النابعة
من اختياره العقائدي
الالزامي الحر. ولا شك في ان في ذلك خير ضمان لتحرك
غير
عشوائي في الحياة، ووقاية من التيه والضياع
واللامعيارية
واللامبالاة. ولعل في ما توخته حكمة التشريع من
تكرار العبادة
ومعاودتها سياسة لاكتساحهاومدافعتها حيثما حلت،
وتوعية
بمركز الانسان في الكون. «وكلما ازداد وعي الفرد
واستخدام
طاقته الخاصة في فهم الحقائق، كلما امكنه ان يرفع
مستوى
مشاركته في احقاق الحق»((45)).
ج الروحانية الايجابية
حين يقع المسلم تحت جاذبية الدين وقد وفى بالتعاليم
وتخلق على هذه الادوار بوعي ترسم فيه قدسية الغاية
الاسمى في استرضاء الخالق، فان العبادات بما
انطوت عليه من
رسائل المضامين الحيوية التي اشف عنها التحليل، لا
تبرح
ان تتقلب في كيانه الداخلي الى دافع حركي لتجاوز
وقائع الزلل
في مسلكه بل سوف لا تعدم سبيلا، بالابعاد التي
تاصلت آنفا،
الى ان تتحول وظيفيا الى صمام امان من اجتراح
الاخطاء
ودروع محصنة من مهاوي اللدغ المتكرر في الذاهلة»
((46))
«لانها صياقل الانفس الصدئة ومجالي وربه فان لها
دوراروحيا
في توجيه علاقة الانسان باخيه الانسان، وتربية
الضمير
الديني((48)).
ومن هنا فان الخلقية التي تسوس ماجريات النشاط
الاجتماعي
بتعبئة جوانية، لهي في الحقيقة ترجمة صادقة
لمدى قابلية
الانسان الروحية لان يتجاوز نفسه ودنياه.
فالايجابية ناشئة من
حقيقة الروح: لان قبضة الطين سلبية في
خضوعهاللقوانين
المادية خضوعا كاملا لا تملك معه التغيير ولا تفكر
فيه. ونفخة
الروح ايجابية في استمدادها من روح الخالق المنشى
المدبر
المبدع المريد.. تحمل الى الانسان دواعي الارادة
والابداع
والحرية والفعالية..((49)).
ان تفاعل الوعي الذاتي للمسلم مع المحيط الخارجي
وفق
برنامج القيم الاسلامية ليعكس فعاليات بناء اخلاقي
ايجابي تتعهده العبادات كما تقدم، لا باعتبارها
فروضا عينية
تؤدى وحسب، بل على اساس انها «عمليات بنائية
وتنقيات سلوكية للفرد»((50)) في بعديه الخاص والعام. ولا
نكاد نجازف ان خلعنا عليها مسمى التقنيات السلوكية
لانها
عمليا ومن حيث وظيفتها التكليفية توصلية اي ليست
غاية في
ذاتها، ومن حيث هدفها التكويني تقويمية ممحصة..
فالصوم
والحج والصلاة والجهاد والانفاق كلها شدائد
اوجدها الشرع.
والاصطبار((51)) عليها من مطلوباته،
والامتثال في حسن
ادائهايوجب تكميل النفوس وتربية الاستعدادات
الرفيعة
للانسان.
ان هذه القدرة على التسامي، وهي سلوك حضاري، وان
الوازع
الراقي وهو ينشا عنها، مميز حقيقي، ما كانا ليبلغا
هذه الرتبة
لولا التسامي مع الخالق وخشيته((52)).
وليس من ريب في ان هذا الترقي بعينه الى نماء الروح
هو
المفقود الاكبر لحضارة لم تصب اليه في الراهن،
بشهادة
من عبر بمرارة، من نقادها الذين لم تعرف المجاملة
طريقا الى
تشخيصهم لازمات عصر الفراغ الروحي، وتصوير
ماساة الضمير
الغربي، بقوله: ان هذا الشعور المعقد يحمل على
الاقرار في
انابة باننا لم نتسنم ابدا الذروة القصوى في
تنمية تصاعدية
ثابتة((53)).
ومرد ذلك الى فوضى روحية وضياع لليقينيات
الجوهرية وانهماك في القول بنسبية غير محدودة،من
السخف
عدها اتجاها وضعيا((54)). وكان الوقت قد آذن بتبني
وجهة
نظر نيتشة((55)) من انه قد آن الاوان لكي
ندفع ضريبة كوننا
مسيحيين طوال الفيتين. وكان الجرم على المسيحية
التي لم
تكن قادرة على ان تتعلق البشر طيلة الفيات عديدة.
انها
تتحمل الفراغ الذي تتركه وراءه((56)).
فمن قصرت به همة الارتقاء والنهود الى المعالي، لم
ينهض به
غزو الفضاء... ولقد ادرك توينبي، مؤرخ
الحضارات الشهير، هذا
المغزى العميق، حين اناط خلاص الغرب بالانتقال من
مرابض
الاقتصاد الى سناء الدين((57)). ولم يكن في استقراء هذه
القناعة((58))
يعظ من موقع كنسي بل كان يلوح تلويح النذير
من مخبره الى سنن التاريخ واشراط التغيير.ذلك العلم
الذي
«لا يعلوه الا العلم باللّه تعالى.(59))..» .
والمستخلص من آثار الهندسة الروحية ان لها اكثر من
يد في
توظيف تعبئة دائمة للمسلم في جميع احواله وكامل
صورنشاطه. من خلال الداب على الاداء الورع الواعي لانساق العبادة المفننة داخل نظام روحي جذاب يتدفق في نبض حيوي جارف لكل رتابة ومكتسح لعوارض الاكتمال الذاتي وخوارم الانسجام الجماعي، حتى اذا ما بدا في الوسط منكر اوشكل اي خرق لا اخلاقي تحديا سافرا للوحدة الخلقية العامة، انطلقت الروادع الاجتماعية واندلع الاستنكار والتنديدتلقائيا، وتحركت وازعية التغيير بليتها، في تسكاب وعي ذاتي مسؤول على واقع اعتراه طارى مخل. الخمسة في الصلوات الخمس
ا. مصطفى خميس
من اجماعيات الامة
لم تجتمع الامة الاسلامية على ضلالة قط، ولن تجتمع،
سواء
اصح الحديث المنسوب الى رسول اللّه (ص) ام لم
يصح،وهو: «لا
تجتمع امتي على ضلالة»، وفي ذلك دلالة قوية
وبرهان اكيد
على ان الامة يمكن ان تجتمع على الهداية
والخير،وعلى ما
صح نقله عن الرسول من سنة، وما شرعه عن اللّه من دين
واحكام.
والامة الاسلامية اجتمعت على كثير من القضايا
الاساسية، التي
تعد من صلب العقيدة، ومن اركانها، وعلى
قواسم مشتركة
كثيرة، كان فيها صلاحها وقوتها، وسر بقائها
وعزتها، كاجتماع
المسلمين عامة، وبكافة مذاهبهم
الفقهية والسياسية، على
حجية القرآن الكريم وتواتره، والتعبد بتلاوته
واحكامه، وانه
الموجود ما بين الدفتين اليوم من غيرزيادة ولا
نقصان،
وسيبقى كذلك حتى يرث اللّه الارض ومن عليها، لانه
تعالى
تكفل بحفظه وصيانته بنفسه في قوله: (انانحن نزلنا
الذكر وانا
له لحافظون) [الحجر:9].
واجتماعهم كذلك على اركان الدين والايمان التي جاء
بها
القرآن الكريم في قوله تعالى: (آمن الرسول بما انزل
اليه من ربه
والمؤمنون كل آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله)
[البقرة:285].
واجتماعهم على اصول الدين، وهي: (التوحيد، والنبوة،
والعدل، والمعاد، والامامة)، وان اختلف في معنى
الامامة وكيفية تعيين الامام، فان المجمع عليه،
عند الجميع
وجوب نصب قائم بالامر اماما او خليفة، يقوم مقام
رسول اللّه
(ص)في حفظ الدين وقيادة الامة، اي تعيين نائب عن
النبي
في امور الدنيا والدين.
كما اجمعوا على فروع الدين، وهي: (الصيام، والصلاة،
والحج،
والزكاة، واداء الخمس، والجهاد في سبيل اللّه،
والامربالمعروف
والنهي عن المنكر).
قال رسول اللّه (ص) لوفد عبد القيس، لما سالهم عن
الايمان
واجابوه، فقال: «شهادة ان لا اله الا اللّه، وان
محمدا رسول اللّه،
واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصيام رمضان، وان
تعطوا من
المغنم الخمس»((60)).
واجمعوا على غير ذلك من المسائل الهامة، والامور
التي تجعل
الكل في دائرة واحدة، لا يخرجهم منها سوى
الجحودبالرسالة
او بنبوة محمد (ص).
وهذه المسائل هي من كبرى القضايا التي تبنى عليها
العقيدة،
وتجتمع عليها الامة فتبني صرح وحدتها، وتعي ذاتها،
امة يجمعها دستور واحد، ونبي واحد، وقبلة واحدة
واركان
واحدة، وفرائض واحدة، آمنت بذلك كله، واقرت به،
جيلا
بعدجيل، وقرنا بعد قرن، بالنقل الصحيح عن رسول
اللّه (ص)
بدءا من اهل بيت النبي (ص) واصحابه الكرام،
وانتهاءبالتابعين،
وتابعيهم الى عصر التدوين، فعصرنا الراهن.
ولقد اوضح النبي الاكرم (ص) حرمة دماء المسلمين في
ما
بينهم، وعصمتها عن الهتك، وبين ان مفتاح دخولهم
هذاالحصن المنيع (الاسلام) وعصمة دمائهم، يكمن بنطق
الشهادتين والاقرار بدين الاسلام والهية مصدره.
وهذا الامر
يعدبحق من اكبر اسباب اجتماع الامة وتوحدها، وقد صح
عن
رسول اللّه (ص) قوله: «امرت ان اقاتل الناس حتى
يشهدوا ان لا
اله الا اللّه، وان محمدا رسول اللّه، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة،
فاذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم واموالهم، الابحق
الاسلام،
وحسابهم على اللّه»((61)).
قال ابن حجر في شرحه بعد هذا الحديث: «ويؤخذ منه ترك
تكفير اهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين
للشرائع،وقبول
توبة الكافر من كفره من دون تفضيل بين كفر ظاهر او
باطن».
واجتمعت الامة على ان كل المسلم على المسلم حرام:
«دمه
وماله وعرضه»((62)).
وتحقيق هذا التحريم يعد من اكبر اسباب حفظ النفس
وصيانة
العقيدة، ركز عليه القرآن الكريم في عدة آيات مؤكدا
على الرابط الاخوي الذي يلم شمل الامة ويجمع
شتاتها، محذرا
من جريمة قتل النفس التي حرم اللّه الا بالحق،
وبخاصة النفس
المؤمنة، قال تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه
جهنم
خالدا فيها وغضب اللّه عليه ولعنه واعد له
عذاباعظيما)
[النساء:93].
وبين ان المؤمنين اخوة، وهذه الاخوة اقوى من اخوة
النسب،
تتكافا بسببها اموالهم ودماؤهم، متمثلا ذلك في
قوله تعالى:
(انما المؤمنون اخوة).
وجاء رسول اللّه (ص) ليوضح لنا هذا التحريم، وهذه
الاخوة، في
خطبه وفي سنته الشريفة، روى مسلم في صحيحه عن ابي
الظبيان قال:
سمعت اسامة بن زيد بن حارثة يحدث، قال: بعثنا رسول
اللّه
(ص) الى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم،
فهزمناهم،ولحقت
انا ورجل من الانصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا
اله الا اللّه،
فكف عنه الانصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال:
فلما
قدمنا بلغ ذلك النبي (ص) فقال: «يا اسامة، اقتلته
بعدما قال:
لا اله الا اللّه؟»، قال: قلت: يا رسول اللّه،
انماكان متعوذا. قال:
فقال: «اقتلته بعدما قال: لا اله الا اللّه؟». قال:
فما زال يكررها
علي حتى تمنيت اني لم اكن اسلمت قبل ذلك اليوم.
وفي رواية قال: «افلا شققت عن قلبه حتى تعلم اقالها
ام لا؟».
وفي رواية جندب بن عبداللّه البجلي، قال رسول اللّه
(ص):«اقتلته؟» قال: نعم. قال: «فكيف تصنع بلا اله الا
اللّه اذا
جاءت يوم القيامة؟». قال: يا رسول اللّه استغفر لي.
قال: «وكيف تصنع بلا اله الا اللّه اذا جاءت يوم
القيامة؟»((63)).
وفي خطبة رسول اللّه (ص) في حجة الوداع الشهيرة، قال:
«ان
دماءكم واموالكم واعراضكم عليكم حرام، كحرمة
يومكم هذا في
بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسالكم عن
اعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب
بعض»((64)).
ومن الامور التي اجمعت عليها الامة ما علمناه رسول
اللّه (ص)
من المحبة والايثار، وانكار الذات امام الكل،
وتغليب مصلحة
الجماعة على مصلحة الفرد. قال: «لا يؤمن احدكم حتى
يحب
لاخيه ما يحب لنفسه»((65)).
ونهى الاسلام عن السباب والشتائم، واللعن والقذف،
وغير ذلك
من الكبائر، لان فيها هدم بناء الوحدة، وتحطيم
كيان الامة،
وبروز عوامل الفتنة، وفتح الابواب امام اعداء
الدين لزرع
الطائفية والعنصرية والتشرذم، وتشكيك
المسلمين بعقيدتهم
وتاريخهم، قال رسول اللّه (ص): «سباب المسلم فسوق
وقتاله
كفر»((66))
وقال: «اذا كفر الرجل اخاه، فقد باء
بهااحدهما»((67)).
ولو عددنا المسائل التي اجمعت عليها الامة سواء
منها العقائدية
او الفقهية او السنية الحديثية.. وغيرها لوجدنا
انفسناامام كم
هائل من المسائل المجمع عليها، ولاحتجنا الى
مدونات طويلة
لكي تستوعب مفاهيمها وعناوينها.
الصلاة
ومن القضايا الاساسية التي اجمعت عليها الامة
الصلوات، وقد
اخترتها محورا لهذا البحث، فقد بنيت عليها
العقيدة،وجعلت
عمودا للدين، فمن اقامها اقام الدين ومن هدمها هدم
الدين.
كما جاء في الحديث الصحيح، وهي معراج المؤمن الى
ربه،
وميزان ايمانه وكمال دينه، اجمعت الامة على ان من
تركها
جاحدا بحقها فهو كافر، واخبر عز وجل بذلك، في قوله
تعالى:
(ما سلككم في سقر × قالوا لم نك من المصلين) [المدثر:42
و43].
وفي قول رسول اللّه (ص): «ان بين الرجل وبين الشرك
والكفر
ترك الصلاة»((68)).
ومن لطف اللّه سبحانه وتعالى ورحمته بهذه الامة، ان
جعل
الصلاة على النبي (ص) مقترنا بله في الصلوات
العبادية
من فرائض وسنن ومستحبات. وفي الادعية المقربة الى
اللّه،
وفي كل امر عبادي، يبتغي فيه العبد وجه ربه عز وجل،
ليكون هذا سبيلا لهداية الامة ووقفة اعتبار لها،
وتنبيها على
اهمية اهل البيت بعد رسول اللّه (ص) ، ولفت نظر لكل
المسلمين لاعادة التفكير جديا بوضع اهل البيت في
الدين
واهميتهم في حفظ الشريعة، ووجوب التمسك بهم والاخذ
عنهم،وبالتالي وجوب اتباعهم ونصرتهم، امتثالا
لامر اللّه في
ذلك، وفي هذه الاية بالذات، وهذا ما سوف نستقرئه في
هذه العجالة، ونحن نستعرض اهم مصادر تاويلها وكيف
نظر
اليها علماء المسلمين. وهي قوله تعالى: (ان اللّه
وملائكته يصلون على النبي، يا ايها الذين آمنوا
صلوا عليه
وسلموا تسليما) [الاحزاب:56].
والصلاة على محمد (ص) وعلى آله معه، هو مما اجمع عليه
المسلمون، وما من مسلم في الارض يصلي ويعبد
اللّه،ويدعوه
ويتوسل اليه. الا ويتوجب عليه ان يقول: «اللهم صل
على محمد
وعلى آل محمد»، مبتدئا بالنبي (ص) ومثنيابله (ع)، من
دون
فصل بينهما، وهي الصلاة المعروفة بالصلاة
الابراهيمية في
الجلوس الاخير من الصلاة قبل التسليم.
وتعد هذه الصلاة «على محمد وآل محمد» من اكبر نقاط
التقاء
المسلمين في كل زمان ما بقي الاسلام واهله، سواء
المحب
منهم لال البيت، او الموالي والمتبع لطريقتهم او
المخالف
لهم، التارك لمدرستهم. كما يتوجب على غيرالمقرين
بفضلهم
الصلاة عليهم اذا صلوا على رسول اللّه (ص) في
صلواتهم، ولا
تصح صلاتهم بغير ذلك، وهذه الصلاة هي اهم محور
للتوحيد،
واقامة صرح الدين. لا يجوز تركه، ولا ينبغي بتره،
وفصل احد
اركانه عن الاخر. من هنا تبدااهمية البحث في هذه
المسالة
التوحيدية الاجماعية العقائدية لكافة المسلمين،
وبمذاهبهم
المتعددة، وهي استراتيجية هامة لراب الصدع، ولم
الشمل،
ووعي الامة لذاتها. وسوف نتعرف بعون اللّه الى مغزى
هذه
الصلة التوحيدية؟ ماذاتعني، وما هي مصادرها
ودلالاتها؟ وما
الغاية والفائدة منها؟
الخمسة في الصلوات الخمس
في الاية الكريمة: (ان اللّه وملائكته يصلون على
النبي، يا ايها
الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)، من
سورة الاحزاب، نجد
حكمة وفضيلة وتبصرة لاولي الالباب.
اما الحكمة، فهي ان اللّه عز وجل اراد ان يبقى اهل
بيت
المصطفى محمد (ص) على السنة المسلمين وقلوبهم في
كل وقت يتوجهون فيه الى اللّه سبحانه وتعالى في
صلواتهم
وعباداتهم وقربانهم الى اللّه، من فرائض وسنن
ومستحبات،وذلك لكي يدوم ذكر اهل البيت، ويبقى
اثرهم،
مهما بعد الزمن، ومهما حاول اعداؤهم طمس معالم
مدرستهم
ومحواخبارهم، فقرن اللّه عز وجل ذكرهم بذكر النبي
(ص) في
الاعمال المذكورة، بل انه سبحانه وتعالى قد جعل ذلك
فرضاملزما للامة، لا تقبل العبادة الا به، ولا
يستجاب دعاء او
تقبل صلاة بغير الصلاة على النبي وعلى آله معا من
غير
فصل،بينهما، وهذا ما ستبينه الاحاديث الاتية.
ومن الحكمة الباهرة ايضا، والحجج الظاهرة، ان يدوم
ذكرهم
على السنة اعدائهم واتباعهم معا، نواصب
وموالين،مبغضين
ومحبين، او تائهين بين هؤلاء وهؤلاء من الذين يدعون
حب
اهل البيت، ويتنكبون طريقة غيرهم، وعبثايفعلون،
وقد عبر
عن مواقف هؤلاء الامام علي الرضا (ع)، عندما خاطب
اهل
خراسان بمحضر الخليفة العباسي المامون، قائلا
لهم: «ايها
الناس، كذب واللّه، من يدعي حبنا ويتبع فرع غيرنا»،
واشار الى
المامون.
واما الفضيلة، فلعمري ما بعد هذه الصلاة من فضيلة،
فالصلاة
معراج المؤمن، وخلوته مع البارى عز وجل، ومناجاته
مع الحبيب، وفي هذا الموقف الروحي والجسدي
والعبادي
فرض اللّه على العبد ان يصلي على هؤلاء الصفوة
ويدعو اللّهلهم،
وفي ذلك اقرار روحي وجسدي وعقلي بوجوب اتباعهم
وتبجيلهم واخذ العلم والهدى والدين منهم. ولا
تقبل صلاة
بغير اقتران ذكرهم بالصلاة عليهم مع رسول اللّه (ص)
وصدق
الامام محمد بن ادريس الشافعي (رضي اللّه عنه)حين
قال:
يا اهل بيت رسول اللّه حبكم
فرض من اللّه في القرآن انزله
يكفيكم من عظيم القدر انكم
من لم يصل عليكم لا صلاة له((69))
يضاف الى ذلك ان الصلاة من اللّه رحمة، ومن
الملائكة
استغفار، ومن العبد دعاء. وهي امن وطمانينة،
والرحمة من
اللّهدرجة عالية، ورعاية منه عز وجل وحفظ ولا ينطوي
تحت هذه المقولة الا كل من خلص من الذنوب،
وشملته السكينة والرحمة، وبلغ مرتبة من العصمة
والتسديد،
وهذا كله شرف مؤبد وتاييد مسدد من اللّه.
واما التبصرة في هذه الاية العظيمة فهي جلية باهرة،
لان فيها
امرا الهيا توجه فيه سبحانه وتعالى الى كل مؤمن ان
يصلي على
النبي (ص) ويعظمه ويتبعه وينصره وان يسلم له الامر
ويصدق
ويؤمن بكل ما جاء به، وما سنه من قول او فعل اوتقرير
قال
تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا)
[الحشر:7].
واكد الرسول الاكرم هذه التبصرة وهذا الاتباع،
وبين كيفية
تنفيذ هذا الامر الالهي بقوله: «قولوا: اللهم صل على
محمدوعلى آل محمد، كما صليت على ابراهيم وعلى آل
ابراهيم» وهذا الامر يؤكد الامر الاول (الاية)
ويشرحه. وهذا
من عمل السنة ووظيفتها كما هومعروف ومتفق عليه
ايضا ومن
اجماعيات الامة كلها.
من هم الخمسة؟
ولرب سائل يتساءل: من هم اهل البيت هؤلاء الذين اوجب
اللّه
ورسوله الصلاة عليهم؟ مع ان كل مسلم يصلي عليهم في
كل
يوم وليلة عشرات المرات، وهو يعبد اللّه ويدعوه
ويتقرب اليه.
ولابد من ان يتساءل ايضا: كيف اصلي على اناس لا
اعرفهم،
وكيف اوالي طريقة غير هؤلاء المطهرين الذي لا تصلح
صلاة
عبد ولا عبادته الا بذكرهم والصلاة عليهم؟وجوابه:
ان رسول
اللّه (ص) دل على هؤلاء وسماهم في غير مناسبة، ونقل
عنه
جهابذة علماء الحديث ورواته عددا من الاحاديث
التي تعرفنا
بهم. فقد جاء عن طريق صحيح مسلم فقط اكثر من ثلاثة
احاديث، وهي:
1 ما رواه مسلم بسنده عن زيد بن ارقم في حديث
الثقلين:
«اني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه واهل بيتي»،
وجاء
فيه:«فقلنا: من اهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا وايم
اللّه، ان المراة
تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى
ابيهاوقومها، اهل بيته اصله وعصبته الذين حرموا
الصدقة
بعده»((70)).
2 وروى مسلم، بسنده عن عائشة (رضي اللّه عنها)، قالت:
«خرج النبي (ص) غداة وعليه مرط مرحل من شعر
اسود،فجاء
الحسن بن علي فادخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم
جاءت
فاطمة فادخلها، ثم جاء علي فادخله، ثم قال:(انما
يريد اللّه
ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)((71)).
3 وروى ايضا، بسنده عن سعد بن ابي وقاص، قال: «لما
نزلت
هذه الاية: (فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم
ونساءناونساءكم
وانفسنا وانفسكم) دعا رسول اللّه (ص) عليا وفاطمة
وحسنا
وحسينا، فقال: «اللهم هؤلاء اهلي»((72)).
وروى الامام احمد بن حنبل في مسنده عن ام سلمة (رضي
اللّه عنها)، قالت: ان رسول اللّه (ص) قال لفاطمة:
«ائتيني بزوجك وابنيك» فجاءت بهم، فالقى عليهم
كساء فدكيا،
ثم وضع يده عليهم، ثم قال:
«اللهم ان هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على
محمد وآل محمد انك حميد مجيد». قالت ام سلمة:
فرفعت الكساء لادخل معهم، فجذبه من يدي وقال: «انك
على
خير»((73)).
وروى ان اهل البيت المعنيين بالصلاة وآية التطهير
هم هؤلاء
الخمسة جم كبير من المفسرين، مثل الامام فخر
الدين الرازي
في تفسيره((74)) ومثل ابن كثير في تفسيره((75)) وقد
رواه
عن اثني عشر صحابيا ومن واحد وعشرين طريقا،وغيرهما.
فالاهل هم هؤلاء الخمسة الذين ذكرهم عز وجل في آية
التطهير في قوله تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم
الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) [الاحزاب:33] وهم
الذين
امرنا ايضا بمودتهم وطاعتهم في قوله سبحانه: (قل لا
اسالكم عليه اجرا الا المودة في القربى) [الشورى:23].
يضاف اليهم الائمة الطاهرون من ذريتهم لقوله تعالى:
(ان اللّه
اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على
العالمين ذرية
بعضها من بعض واللّه سميع عليم) [آل عمران:34]. وقوله
تعالى: (واولو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب
اللّه)[الانفال:75].
لانهم استمرار الذرية المصطفاة من اللّه بعضها من
بعض،
ووراثتهم الفضل والكرامة ومهمة التبليغ وحمل
القرآن
والعمل به، وهداية الناس في حوالك الفتن وظلمات
الضياع بعد
عصر النبوة (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من
عبادنا)[فاطر:32].
فمن اولى برسول اللّه وبوراثة القرآن من بعده، من
امير
المؤمنين علي بن ابي طالب والحسن والحسين؟ ومن اولى
بهؤلاءكلهم من الائمة المطهرين الذين جاؤوا بعدهم
كعلي بن
الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد.. صلوات اللّه
عليهم اجمعين، حتى تمام الاثني عشر كعدة نقباء بني
اسرائيل.
ومن هنا ندرك المغزى من اجماع علماء الامة
ومجتهديها على
ان الصلاة على النبي وعلى آل بيته في الصلوات
العبادية مفروضة، لا تصح الصلاة بغيرها، كما انه
لا يصح ذكر
الصحابة الكرام او الزوجات من امهات المؤمنين (رضي
اللّه
عنهم وعنهن)، ولا غيرهم وتفسد الصلاة به.
اما الصلاة اللفظية كقولنا: صلى اللّه عليه وآله،
فيمكن اضافة
الاصحاب والزوجات من قبيل الترحم، وذلك
لفضل الاصحاب
المخلصين المنتجبين، والزوجات امهات المؤمنين
(وازواجه
امهاتكم) وهذه الاضافة لا تدخل في
الصلاة العبادية، ولا تصح
الصلاة باضافتها، واختص بها الال فقط.
معنى الصلاة
ا الصلاة في اللغة
وردت لها عدة معان في اللغة، منها:
الدعاء، قال تعالى: (وصل عليهم ان صلاتك سكن لهم)
[التوبة:103].
الرحمة، قال تعالى: (اولئك عليهم صلوات من ربهم
ورحمة)
[البقرة:157] اي ترحم.
الدين، قال تعالى: (اصلاتك تامرك) [هود:87] وكان شعيب
كثير الصلاة، فقالوا له ذلك، اي ان دينك يامرك بذلك.
وفي مجمع البحرين للفخر الطريحي: قوله تعالى: (ان
اللّه
وملائكته يصلون على النبي): الصلاة وان كانت
بمعنى الرحمة،
لكن المراد بها هنا الاعتناء باظهار شرفه، ورفع
شانه، ومن هنا
قال بعضهم: تشريف اللّه محمدا (ص) بقوله: (ان اللّه
وملائكته
يصلون على النبي) ابلغ من تشريف آدم بالسجود.
وجاءت الصلاة بمعنى التعظيم، قيل: ومنه «اللهم صل
على
محمد وآل محمد»، اي عظمه في الدنيا باعلاء ذكره،
واظهاردعوته، وابقاء شريعته. وفي الاخرة بتشفيعه
في امته،
وتضعيف اجره ومثوبته.
قال: (والصلا): هو مغرز الذنب من الفرس. وقيل للفرس
الذي
بعد السابق (المصلى) لان راسه عند صلا السابق.
وعليه حمل
قوله تعالى: (لم نك من المصلين) اي لم نك من اتباع
السابقين. والصلوان: العظمان النابتان عن يمين
الذنب وشماله((76)).
وفي القاموس المنجد: صلى صلاة: دعا واقام الصلاة،
اللّه عليه:
بارك عليه، واحسن عليه الثناء. الصلاة: ارتفاع
العقل الى اللّه
لكي نسجد له ونشكره ونطلب معونته، ومن اللّه:
الرحمة والثناء
على عباده. صلى: تصلية الفرس: تلا السابق، فهومصل((77)).
ومن هنا نستخلص ان للصلاة معاني كثيرة تخدم هذا
البحث
وتؤكده، وهي انها تعني ارتفاع العقل الى اللّه
والاتصال الروحي
به، فهي كما قيل: معراج المؤمن ومحراب مناجاته، وهي
اتباع
السابقين والاتصال بهم وطاعتهم، وهذا يعني نصرتهم
والارتباط بهم، كما هي ارتباط باللّه سبحانه
وتعالى.
ومن هنا يمكن ان نقول: ان معنى الصلاة على محمد وآل
محمد (ص): «اتباع محمد وآل محمد ونصرتهم
وتاييدهم»،وهي: «ارتفاع العقل الى اللّه
والرابطة بين العبد
وخالقه» .
ب معنى الصلاة فقهيا
الصلاة، فقهيا، تعني من اللّه الرحمة والتشريف
والتعظيم، ومن
العبد الدعاء والعبادة للّه، وفي امر اللّه
للمسلمين في
الاية الكريمة: (يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه
وسلموا تسليما)
معنى: «انقادوا له واطيعوه وابذلوا الجهد في طاعته
وطاعة
اهل بيته وانصروهم، وسلموا لهم اموركم بكل رضا
وانقياد
وطاعة»، ويؤيده كذلك قوله: (وسلموا تسليما) فهم قد
عرفواكيف يسلمون عليه وكانوا يلقون عليه القول:
«السلام
عليكم»، لكن اللّه امرهم هنا بالتسليم له بكل ما
جاء به وطاعته.
ولما فسر النبي الاية بالصلاة والتسليم عليه وعلى
آل بيته فقد
انضوى آل البيت في هذا المعنى معه. ويؤيده ايضا
مااورده
الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان» قال في تفسير
الاية:
فعلى هذا يكون معنى قوله: (وسلموا تسليما):
«انقادوالاوامره،
وابذلوا الجهد في طاعته، وفي جميع ما يامركم به»((78)).
فيكون المراد من هذه الصلاة التي اوجبها اللّه
ورسوله هو:
الاتباع والنصرة والتاييد والتسليم تسليما تاما
بكل ما جاء
به،وهذا من اولى شروط العبادة والايمان الصحيح.
قال ابن حجر، في تفسير الاية من كتاب التفسير: «ان
السلام
لما كان له معنيان: التحية والانقياد، فامر به
المؤمنون لصحتهما منهم، واللّه وملائكته لا يجوز
منهم
الانقياد، فلم يضف اليهم دفعا للايهام، كذا اجاب
الحافظابن
حجر. والامرللوجوب في الجملة، او كلما ذكر (ص) لحديث
رغم انف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليه»((79))
فيتاكد
بذلك ان الصلاة فيها التسليم والانقياد، وهذا ما
اراد اللّه بيانه
للناس وجعله في صلواتهم فرضا، وصوتا سماويا خالدا
يذكر
المسلمين ويستثير عقولهم وحواسهم لاتباع اهل
البيت
واجتماعهم على ذلك في كل امر عبادي هام، وبخاصة
الصلوات الخمس وغيرها.
اقتران الال بالنبي (ص) في كتب الحديث
اجمع الاخباريون ومصنفو الحديث النبوي الشريف،
وبخاصة
الصحاح الستة، على وجوب اقتران الال بالنبي
في الصلاة،
ووجوب الصلاة عليه وعليهم معا في كل الصلوات من غير
فصل بينه وبينهم، ومن هؤلاء:
1 الامام البخاري في كتابه «صحيح البخاري»((80)) من
كتاب التفسير: روى بسنده عن كعب بن عجرة (رضي اللّه
عنه)،قال: قيل: يا رسول اللّه، اما السلام عليك فقد
عرفناه،
فكيف الصلاة؟ قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى
آل محمد، كما صليت على آل ابراهيم، انك حميد مجيد،
اللهم
بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على
آل ابراهيم،
انك حميد مجيد». ورواه كذلك عن ابي سعيد الخدري (رضي
اللّه عنه).
وقال السندي في الحاشية على الصحيح: «وجه الشبه هنا
كون
صلاة كل افضل من صلاة من تقدم، اي صل صلاة هي افضل
من صلاة من تقدم عليه، كما صليت على ابراهيم صلاة هي
افضل من صلاة من تقدم عليه، فعلى هذا صارت صلاته
افضل
من صلاة ابراهيم كما لا يخفى»، وقال: «وقد يجاب
بان التشبيه
في اشتراك الال معه في الصلاة، اي صل صلاة مشتركة
بينه
وبين اهل بيته، كما صليت على ابراهيم»((81)).
اقول: صلاة اللّه على محمد وآل محمد، افضل واعظم من
الصلاة على ابراهيم وآل ابراهيم، ولما كان آل
ابراهيم انبياء،وهو
اب للانبياء، فقد بلغ آل محمد (ص) منزلة لا تضاهى،
ونالوا
مكرمة لا يصل اليها احد. ولو لم يكونوا انبياء
لقول رسول اللّه
(ص): «لا نبي بعدي»، لكنهم حازوا السبق والفضل على
غيرهم.
وهذا الشرف لم ينله اي اهل بيت نبي آخر لامن ذريته،
ولا من
اوصيائه، فلم يقرن عز وجل الصلاة على اي نبي مع اهل
بيته
سوى ما كان من محمد (ص) واهل بيته،وسوى ما كان من
ابراهيم واهل بيته لانهم انبياء.
2 الامام مسلم القشيري في كتابه «صحيح مسلم»، باب
«الصلاة على النبي بعد التشهد»: روى بسنده عن ابي
مسعودالانصاري، قال: اتانا رسول اللّه (ص) ونحن في
مجلس
سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد:
امرنا اللّه تعالى ان نصلي عليك يا رسول اللّه،
فكيف نصلي
عليك؟ قال: فسكت رسول اللّه (ص) حتى تمنينا انه
لم يساله،
ثم قال رسول اللّه (ص): «قولوا: اللهم صل على محمد
وعلى آل
محمد، كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمد،
وعلى
آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم، في العالمين
انك حميد
مجيد، والسلام ما قد علمتم»((82)).
3 ابن ماجة في سننه، كتاب اقامة الصلاة، باب الصلاة
على
النبي (ص): رواه بسنده عن كعب بن عجرة بلفظه((83)).
4 سنن النسائي، كتاب السهو، باب كيفية الصلاة على
النبي
(ص) رواه بسنده عن زيد بن خارجة عن النبي (ص)
قال:«صلوا علي واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللهم
صل على
محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وآل محمد،
كماباركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم، انك حميد
مجيد»((84)).
5 سنن ابي داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي
بعد
التشهد، الرواية نفسه((85)).
6 سنن الترمذي، كتاب التفسير، وكتاب الصلاة، باب
صفة
الصلاة على النبي (ص) الرواية نفسها((86)).
7 موطا الامام مالك بن انس، كتاب قصر الصلاة في
السفر،
باب ما جاء في الصلاة على النبي (ص) الرواية نفسها
ايضا(87)).
8 الامام احمد بن حنبل عن عدة من الصحابة: عن ابي
طلحة
وابي سعيد الخدري، وابي مسعود الانصاري، وابي
بريدة الخزاعي((88)).
9 كنز العمال للمتقي الهندي: رواه باسناده عن كل من:
طلحة بن عبيداللّه عن النبي (ص)، وعن ام المؤمنين
عائشة قالت: قال اصحاب النبي (ص): يا رسول اللّه
امرنا ان نكثر
الصلاة عليك في الليلة الغراء، واليوم الازهر،
واحب ما
صليناعليك كما تحب. قال: «قولوا اللهم صل على محمد
وعلى
آل محمد، كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم،
وارحم محمدا
وآل محمد، كما رحمت ابراهيم وآل ابراهيم، وبارك على
محمد وآل محمد، كما باركت على ابراهيم
وآل ابراهيم، انك
حميد مجيد. واما السلام فقد عرفتم كيف هو»((89)).
اقتران الال في التفاسير
اجمع المفسرون على صحة الرواية المتواترة التي
ذكرناها في
كتب الحديث، ودونوها في تفاسيرهم التي تتحدث
عن الاية
المباركة من سورة الاحزاب، واقروا بوجوب الصلاة
على محمد
وآل محمد فيها، منهم:
1 تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير((90)):
نقل كيفية الصلاة على محمد وعلى آل محمد صلوات
اللّه
عليهم، عن البخاري بسنده عن كعب بن عجرة، محتجا
به على
اقتران الال بالنبي في الصلاة، ونقله عن الامام
احمد بن حنبل
في مسنده، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثناشعبة عن
الحكم، قال: سمعت ابن ابي ليلى قال: لقيني كعب بن
عجرة،
فقال: الا اهدي اليك هدية؟ خرج علينا رسول اللّه (ص)
فقلنا: يا
رسول اللّه، قد علمنا، او عرفنا كيف السلام عليك،
فكيف
الصلاة، فقال: «قولوا: اللهم صل على محمدوعلى آل
محمد،
كما صليت على آل ابراهيم، انك حميد مجيد. اللهم بارك
على
محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل ابراهيم، انك
حميد
مجيد». وهذا الحديث قد اخرجه الجماعة في كتبهم من
طرق
متعددة عن الحكم بن عيينة.زاد البخاري: وعبداللّه
بن عيسى،
كلاهما عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن كعب بن عجرة...
وساق الحديث. ورواه الترمذي والنسائي من حديث ابن
الهاد،
ورواه عن مسلم.
قال ابن كثير: وقد رواه ابو داود والترمذي والنسائي
وابن جرير
من حديث مالك، وقال الترمذي: حسن صحيح. وروى الامام
احمد بن حنبل وابو داود والنسائي وابن خزيمة وابن
حبان
والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن اسحق عن محمد
بن ابراهيم التيمي عن محمد بن عبداللّه بن زيد بن
عبد ربه
عن ابي مسعود البدري، انهم قالوا: يا رسول
اللّه،اما السلام فقد
عرفناه فكيف نصلي عليك اذا نحن صلينا في صلاتنا،
فقال:
«قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» وذكره.
ورواه الشافعي (رحمه اللّه) في مسنده عن ابي هريرة
بمثله.
ومن ههنا ذهب الشافعي (رحمه اللّه) الى انه يجب على
المصلي ان يصلي على رسول اللّه (ص) في التشهد
الاخير،
فان تركه لم تصح صلاته، فانا قد روينا وجوب ذلك،
والامر
بالصلاة على رسول اللّه (ص) في الصلاة كما هو ظاهر
الاية،ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة،
منهم: ابن
مسعود، وابو مسعود البدري، وجابر بن عبداللّه،
ومن التابعين:
الشعبي، وابو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان، واليه
ذهب
الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك، ولا بين اصحابه ايضا،
واليه ذهب الامام احمد اخيرا في ما رواه عنه ابو
زرعة الدمشقي
به. وبه قال الحنابلة، اوجب ان يقال في الصلاة عليه
(ص)كما
علمهم ان يقولوا لما سالوه. وحتى ان بعض اصحابنا
اوجب
الصلاة على آله، وممن حكاه البندينجي وسليم
الرازي،وصاحبه نصر بن ابراهيم المقدسي ونقله امام
الحرمين،
وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي.
اقول: بعد نقل ابن كثير لهذه الروايات، وهو المعروف
من هو
لدى ائمة التفسير من اهل السنة والمذاهب الاربعة،
فكيف يستغرب احد الجهلة او يستنكر الصلاة على آل
محمد
فليس هذا الا امتثالا لامر اللّه الذي صلى عليهم مع
سيد
البيت رسول اللّه (ص).
2 ابن رويش الاندونيسي في «شواهد التنزيل»((91)):
في المبحث الاربعين، وهو قوله تعالى: (ان اللّه
وملائكته
يصلون على النبي..) الاية، قال: لقد عد العلماء
المحققون،والائمة المجتهدون ان هذه الاية الكريمة
من الايات
الواردة في فضل النبي واهل بيته الميامين، بما دلت
على
ذلك اخبار كثيرة فوق حد الحصر بصياغات مختلفة
واساليب
بديعة. توجد في طيات كتب الفقه والتفسير والحديث،
وغيرذلك مما نقلها المؤرخون والمصنفون في كتبهم.
وفي سنن البيهقي((92)) روى بسنده عن ابي مسعود
الانصاري، قال: «لو صليت صلاة لا اصلي فيها على آل
محمد
لرايت ان صلاتي لا تتم» ، وفي رواية: «ما رايت
انها تتم»، ورواه
الدارقطني ايضا.
وفي سنن الدارقطني((93)) روى بسنده عن ابي مسعود
الانصاري، قال: قال رسول اللّه (ص): «من صلى صلاة لم
يصل فيها علي وعلى اهل بيتي، لم تقبل منه».
وفي ذخائر العقبى للطبري((94)) عن جابر انه كان يقوله: «لو
صليت صلاة لم اصل فيها على محمد وعلى آل محمد،
مارايت
انها تقبل».
وفي تفسير ابن جرير((95)) روى بسنده عن ابراهيم في
قوله
تعالى: (ان اللّه وملائكته يصلون على النبي) الاية.
قالوا: يارسول
اللّه، هذا السلام قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟
قال: «قولوا:
اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، واهل بيته، كما
صليت
على ابراهيم، انك حميد مجيد».
وقال ابن القيم في كتابه «القول القيم» (96)) (ص: 40):
فان
الصلاة على النبي (ص) حق له ولاله، دون سائر الامة،
ولهذاتجب عليه وعلى آله عند الشافعي وغيره.
واما الصلاة فلم يشرعها الا عليه وعلى آله فقط، فدل
ان آله هم
اهله واقاربه.
3 التفسير الكبير للامام فخر الدين الرازي((97)):
في تفسير الاية قال: سئل النبي (ص)، كيف نصلي عليك يا
رسول اللّه؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى
آل محمد، كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم..»
وقال
في المسالة الرابعة:
اذا صلى اللّه وملائكته عليه، فاي حاجة الى صلاتنا؟
نقول: الصلاة عليه ليس لحاجته اليها، والا فلا حاجة
الى صلاة
الملائكة مع صلاة اللّه عليه، وانما هو لاظهار
تعظيمه، كماان
اللّه تعالى اوجب علينا ذكر نفسه، ولا حاجة له
اليه، وانما هو
لاظهار تعظيمه منا، شفقة علينا ليثبتنا عليه،
ولهذا قال(ص):
«من صلى علي مرة، صلى اللّه عليه عشرا».
وفي كتب الفضائل
وردت عدة روايات في كتب الفضائل التي جاءت بذكر
مناقب
اهل البيت (ع)، وهي اكثر من ان تحصى، ومنها:
1 كتاب «اهل البيت في القرآن» لصادق الحسين
الشيرازي((98)):
اخرج في كتابه قال: قال الحافظ الامام ابو القاسم
محمد بن
احمد بن جزى الكلبي الغرناط ي في تفسيره
المسمى «التسهيل
لعلوم التنزيل» في تفسير الاية قال: «وروي ان
النبي (ص) قال:
نزلت هذه الاية في خمسة: في، وفي علي،وفاطمة،
والحسن،
والحسين».
2 كتاب «فضل الصلاة على النبي (ص)» للامام اسماعيل بن
اسحق الجهضمي القاضي المالكي (ت 282) ((99)):
روى بسنده عن عقبة بن عمرو، قال: اتى رسول اللّه رجل
حتى
جلس بين يديه، فقال: يا رسول اللّه: اما السلام عليك
فقدعرفناه، واما الصلاة فاخبرنا بها، كيف نصلي
عليك؟ قال:
فصمت رسول اللّه (ص) حتى وددنا ان الرجل الذي ساله
لم يساله، ثم قال: «اذا صليتم علي فقولوا: اللهم صل
على محمد
النبي الامي، وعلى آل محمد، كما صليت على
ابراهيم،وعلى
آل ابراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما
باركت
على ابراهيم وعلى آل ابراهيم، انك حميد مجيد».
قال الشيخ الالباني بعد ذكر الحديث: اسناده حسن،
وبه اخرجه
ابو داود في سننه (981) واخرجه ابن ابي شيبة(2 508)وابن
حبان (515) والدارقطني في سننه (ص 135 136) والحاكم
(1: 268) والبيهقي (2: 146 147) من طريق اخرى عن
محمدبن اسحق به. وقال الدارقطني: هذا اسناد حسن
متصل،
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
3 كتاب «رشفة الصادي»((100)) للشيخ ابي بكر شهاب الدين
الحضرمي: بعد ايراد الاية قال: قال العلماء: فسؤالهم
بعدنزول
الاية واجابتهم ب «اللهم صل على محمد وعلى آل
محمد.. الخ»
دليل على ان الامر بالصلاة على اهل بيته،
وبقية آله مراد من
هذه الاية. والا لم يسالوا عن الصلاة على اهل بيته
وآله عقب
نزولها، ولم يجابوا بما ذكره فلما اجيبوا به،
دل على ان الصلاة
عليهم من جملة المامور به، وانه (ص) اقامهم في ذلك
مقام
نفسه، لان القصد من الصلاة عليه مزيدتعظيمه ومنه
تعظيمهم.
قال: واخرج البيهقي عن شهر بن حوشب عن ام سلمة زوج
النبي (ص) قال: ان النبي (ص) قال لفاطمة: «ائتيني
بزوجك وابنيك»، فجاءت بهم، فالقى (ص) كساء كان
تحتي
اصبناه من خيبر، ثم قال: «اللهم هؤلاء آل محمد،
فاجعل
صلواتك وبركاتك على آل محمد، كما جعلتها على آل
ابراهيم،
انك حميد مجيد». وفي رواية: «اللهم انهم مني وانا
منهم،
فاجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي
وعليهم».
قالوا رضي اللّه عنهم: مقتضى استجابة هذا الدعاء،
ان
اللّهسبحانه وتعالى خصهم بالصلاة عليهم معه، فكذلك
شرعت
صلاة المؤمنين عليهم معه، ومنشا ذلك الحاقهم معه
في آية
التطهير، كما يقتضيه سياق الاية الكريمة((101)).
وعند علماء الامة
1 ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي في كتابه «الصواعق
المحرقة»((102)):
في ذكر الاية الثانية من الفصل الاول في الايات
الواردة في اهل
البيت (ع) قال: فسؤالهم بعد نزول الاية: (ان اللّه
وملائكته يصلون على النبي) واجابتهم ب «اللهم صل
على
محمد وآل محمد...» الى آخره، دليل ظاهر على ان الامر
بالصلاة على اهل بيته، وبقية آله مراد من هذه
الاية، والا لم
يسالوا عن الصلاة على اهل بيته وآله، عقب نزولها،
ولم يجابوا
بما ذكره،
فلما اجيبوا به دل على ان الصلاة عليهم من
جملة
المامور به، وانه (ص) اقامهم في ذلك مقام نفسه، لان
القصد
من الصلاة عليه مزيد تعظيمه ومنه تعظيمهم، ومن ثم
لما
ادخل من مر في الكساء. قال: «اللهم انهم مني، وانا
منهم،
فاجعل صلاتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك علي
وعليهم». وقضية استجابة هذا الدعاء ان اللّه صلى عليهم معه،فحينئذطلب من المؤمنين صلاتهم عليهم معه. |