ويروى: «لا تصلوا علي الصلاة البترا»، فقالوا: ما الصلاة البترا؟ قال: «تقولون: اللهم صل على محمد وتمسكون، بل قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد». واخرج الديلمي انه (ص) قال: «الدعا محجوب حتى يصلى على محمد واهل بيته، اللهم صل على محمد وآله »، وللشافعي رضي اللّه عنه:
يا اهل بيت رسول اللّه حبكم
فرض من اللّه في القرآن انزله
يكفيكم من عظيم القدر انكم
من لم يصل عليكم لا صلاة له
فيحتمل: لا صلاة له صحيحة، فيكون موافقا لقوله
بوجوب
الصلاة على الال. ويحتمل: لا صلاة كاملة، فيوافق
اظهرقوليه.
اقول: والغريب في الامر ان ابن حجر هذا وغيره ايضا
يروون هذه
الروايات، ويقرون بصحتها، ويقولون بوجوب الصلاة
على الال
وذكرهم مقترنا بذكر النبي (ص)، وانه (ص) نهى عن
الصلاة
البترا، وامر بوجوب الصلاة عليهم بقوله:«قولوا»
وعلى الرغم
من ذلك كله، فانهم عند ذكر النبي يبترون صلاتهم كما
فعل
ابن حجر في النص السابق وهويستشهد باقوال كبار
العلما
كالديلمي والامام الشافعي، فهل هذا الا عناد
ومكابرة، ومعصية
لرسول اللّه (ص) ومخالفة لامر اللّه، وبالتالي فان
بتر الصلاة يعد
معصية ومخالفة لامر اللّه في قوله: (يا ايها الذين
آمنوا صلوا
عليه وسلموا تسليما)الاية.
ام ان المسالة لا تعدو كونها عادة وليست عبادة، جرت
منذ ان
امر معاوية بسب علي واهل بيته على المنابر،
والبراة منهم.
ولكن اما آن لهذه المخالفة الصريحة، ان يقضي عليها
كتاب اللّه
وسنة نبيه (ص) وان يطاع اللّه ورسوله في ذلك.
وهل العادة
عند علما الدين كما هي عند العامة اقوى من
العبادة؟! قال
تعالى: (كبر مقتا عند اللّه ان تقولوا ما لا
تفعلون)[الصف:3].
2 الامام الشعراني في كتابه «كشف الغمة »((103)):
قال: كان رسول اللّه (ص) يقول: «من قال: اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد، صلاة تكون لك رضا ولحقه
ادا،واعطه الوسيلة والمقام الذي وعدته، وجبت له
شفاعتي ».
وجا رجل الى رسول اللّه (ص) وهو جالس في المسجدفقال:
«السلام عليكم يا اهل العز الشامخ، والكرم الباذخ،
فاجلسه النبي
(ص) بينه وبين ابي بكر رضي اللّه عنه،
فعجب الحاضرون من
تقديم رسول اللّه (ص) له، فقال رسول اللّه (ص): «ان
جبريل
اخبرني انه يصلي علي صلاة لم يصلها احدقبله »،
فقال ابو بكر:
كيف يصلي يا رسول اللّه؟ قال: «يقول اللهم صل على
محمد
وعلى آل محمد في الاولين والاخرين وفي الملا
الاعلى الى يوم
الدين ».
3 الشيخ محمد حسن المظفر في كتابه: «دلائل
الصدق »((104)):
قال: وانت تعلم دلالة هذه الاية على افضلية آل محمد،
لانها
اوجبت الصلاة على النبي (ص) وارادت بها الصلاة
عليه وعلى
آله معا، مشيرة بالاكتفا بذكره الى انه واياهم
كنفس واحدة
وانه منهم وهم منه، فلابد ان يكونوا افضل من
سائرالامة. على
ان مجرد وجوب الصلاة عليهم كالنبي (ص) دليل على ان
لهم
فضلا ومنزلة يستحقون بها الصلاة، وايجابهاعلى
الامة كالنبي
(ص)، وكفى بذلك فضلا باذخا.
والمراد بل محمد (علي وفاطمة والحسن والحسين) كما
نطقت به الاخبار المتواترة، كحديث الكسا وغيره.
وقال: ففيه انه ليس الكلام في فضلهم، بل افضليتهم
وامامتهم،
والقوم كما ترى اجتهدوا في انكارهما مراغمة
للادلة الواضحة،
بل اجتهدوا في درس فضائلهم بكل ما تناله اوهامهم
وجدوا في
الازرا بهم والغض من شانهم.
كما يشهد له انهم مع وجود هذه الاية الشريفة وتلك
الاخبار
المستفيضة، وهي بمراى منهم ومسمع، تراهم اذا
ذكروارسول
اللّه (ص) افردوه عن آله بالصلاة، واذا ذكروا واحدا
من آله
الطاهرين لم يصلوا ولم يسلموا عليه، كما امر
اللّهورسوله، بل
يترضون عليه كسائر المسلمين، مع انه قد ورد عندهم
ان
النبي (ص) نهى عن الصلاة البترا فقيل له: وماالصلاة
البترا؟
قال: تقولون اللهم صل على محمد وتمسكون، بل قولوا:
اللهم
صل على محمد وآل محمد، كما ذكره ابن حجر.
نعم ربما يصلون على آله معه في اوائل مصنفاتهم او
اواخرها،
ولكن يضيفون اليه صحبه، كراهة لافرادهم
وتمييزهم على
صحبه بالاقتران مع النبي (ص) كما ميزهم اللّه
ورسوله. وقال
في موضع آخر: لانهم منه وهو منهم،
وتعظيمهم تعظيمه، وما
بالهم جعلوها شعارا لذكره (ص) دونهم، وهم شركاؤه في
امر
اللّه بالصلاة عليهم.
ومن طريق اهل البيت
1 الطبرسي في تفسيره «مجمع البيان »((105))
في تفسير الاية من سورة الاحزاب: «لما صدر سبحانه
وتعالى
هذه السورة بذكر النبي (ص)، وقرر في اثنا السورة
ذكرتعظيمه، ختم ذلك بالتعظيم الذي ليس يقاربه
تعظيم ولا
يدانيه، فقال: (ان اللّه وملائكته يصلون على النبي)
معناه: ان
اللّهيصلي على النبي (ص) ويثني عليه بالثنا
الجميل، ويبجله
باعظم التبجيل، وملائكته يصلون عليه، يثنون عليه
باحسن الثنا، ويدعون له بازكى الدعا.
(يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) قال
ابو حمزة
الثمالي: حدثني السدي وحميد بن سعد الانصاري
ويزيدبن ابي
زياد عن عبد الرحمن بن ابي ليلى، عن كعب بن عجرة،
قال:
لما نزلت هذه الاية قلنا: يا رسول اللّه هذا
السلام عليك قد
عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال:
«قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على
ابراهيم وآل ابراهيم، انك حميد مجيد، وبارك على
محمدوآل
محمد، كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد
مجيد».
عن عبداللّه بن مسعود قال: اذا صليتم على النبي (ص)
فاحسنوا الصلاة عليه، فانكم لا تدرون لعل ذلك يعرض
عليه،قالوا: فعلمنا، قال: «قولوا: اللهم اجعل
صلواتك ورحمتك
وبركاتك على سيد المرسلين وامام المتقين، وخاتم
النبيين،محمد عبدك ورسولك، امام الدين وقائد الخير
ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به
الاولون
والاخرون،اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على
ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد».
حدث عن ابي بصير، قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عن هذه
الاية.
فقلت: كيف صلاة اللّه على رسوله؟ فقال: «يا ابا
محمدتزكيته له
في السماوات العلى »، فقلت: قد عرفت صلواتنا عليه،
فكيف
التسليم؟ فقال: «هو التسليم له في الامور».
فعلى هذا يكون
معنى قوله: (وسلموا تسليما): انقادوا لاوامره،
وابذلوا الجهد في
طاعته، وفي جميع ما يامركم به. وقيل:سلموا عليه
بالدعا، اي
قولوا: السلام عليك يا رسول اللّه. اقول: ولما قرن (ص)
ذكره
في الصلاة بذكر الال معه، وفي التسليم كذلك. وهذا
مفهوم
عطف الاية: (صلوا عليه وسلموا تسليما) فقد دلت الاية
والامر
الالهي، وكذلك النبوي في تاويلها على وجوب انقياد
الامة
لرسول اللّه (ص) ولاهل بيته، وتنفيذ اوامرهم. وكذلك
وجوب
بذل الجهد في طاعتهم،وفي سلوك منهجهم ومدرستهم،
وان
هذا الالتزام بالال هو التزام برسول اللّه (ص) دون
فارق بينهم.
2 الشيخ الجليل ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في
تفسيره «التبيان في تفسير القرآن »((106)):
اكد هذا المعنى في تفسيره لسورة الاحزاب، والاية،
قال: يقول
اللّه تعالى مخبرا انه يصلي وملائكته على النبي
(ص)،وصلاة اللّه
تعالى هو ما فعله من كراماته وتفضيله، واعلا
درجاته، ورفع
منازله، وثنائه عليه، وغير ذلك من انواع
اكرامه،وصلاة الملائكة
عليه مسالتهم اللّه تعالى ان يفعل به مثل ذلك. ثم
امر تعالى
المؤمنين المصدقين بوحدانيته، المقرين بنبوة
نبيه ان يصلوا
ايضا عليه. وهو ان يقولوا: «اللهم صل على محمد وآل
محمد،
كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم »في قول ابن
عباس. ثم امر
المؤمنين ايضا ان يسلموا لامره تعالى، وامر رسوله
تسليما في
جميع ما يامرهم به.
الصلاة على الال خاصة
هل صلى النبي (ص) او امر بالصلاة على الال خاصة؟
لو لم يذكر ذلك اي مصدر فهو صحيح ومطلوب، لاسباب
عدة،
منها نزول الايات الصريحة بفضائل اهل البيت
(ع)وافضليتهم
على الامة وعلى اهل بيوت الانبيا الذين سبقوهم،
ك آية
التطهير وآية المودة، وآية الاصطفا..
وغيرها،وللاحاديث النبوية
الكثيرة، كحديث الثقلين، وحديث المنزلة، وحديث
سيدي
شباب اهل الجنة وحديث علي مني وانا من علي.. وغيرها.
وكذلك لما اثبتناه في الصفحات السابقة بوجوب
الصلاة على
محمد وآل محمد دون الفصل بينه وبينهم، وما جا
في ذلك
من كتب الاحاديث والتفاسير واقوال العلما، ولما
كان الال
داخلين معه (ص) في الصلاة العبادية، ولا
تصح الصلاة اذا لم
يقترن ذكرهم بذكره، كانت الصلاة عليهم منفردين
صحيحة
ومطلوبة، ولا التفات لقول متعصب او ناصبي
يخالف ذلك، فهو
من جوهر ما اجمعت الامة على وجوبه، او استحسانه.
قال العلامة ابراهيم بن محمد الجويني الشافعي في
كتابه
«فرائد السمطين »((107)): قال العلامة فخر الدين
الرازي:
جعل اللّه اهل بيت نبيه محمد (ص) مساوين له في خمسة
اشيا: الاول: في المحبة، قال اللّه تعالى:
(فاتبعوني يحببكم
اللّه)[آل عمران:31] وقال لاهل بيته: (قل لا اسالكم
عليه اجرا
الا المودة في القربى) [الشورى:23].
الثاني: في تحريم الصدقة، قال (ص): «حرمت الصدقة علي
وعلى اهل بيتي ». الثالث: في الطهارة، قال تعالى:
(طه ماانزلنا
عليك القرآن لتشقى الا تذكرة لمن يخشى) وقال لاهل
بيته:
(ويطهركم تطهيرا). الرابع: في السلام، قال
للنبي:(السلام
عليك ايها النبي) وقال في اهل بيته: (سلام على آل
ياسين).
الخامس: في الصلاة على الرسول وعلى الال: كما في آخر
التشه د.
قال الرازي في تفسيره الكبير: تفسير قوله تعالى:
(فمن حاجك
فيه من بعدما جاك من العلم فقل تعالوا ندع
ابناناوابناكم
ونسانا ونساكم وانفسنا وانفسكم) [آل عمران:61].
والذي يدل عليه قوله تعالى: (وانفسنا وانفسكم) ليس
المراد
بقوله (وانفسنا) نفس محمد (ص)، لان الانسان لا
يدعونفسه
بل المراد غيره، واجمعوا على ان ذلك الغير كان علي
بن ابي
طالب رضي اللّه عنه، فدلت الاية على ان نفس علي هي
نفس
محمد، ولا يمكن ان يكون المراد منه ان هذه النفس هي
عين
تلك النفس، فالمراد ان هذه النفس مثل تلك النفس،
وذلك
يقتضي الاستوا في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا
العموم في
حق النبوة، وفي حق الفضل لقيام الدلائل على ان
محمدا (ع)
كان نبيا، وما كان علي كذلك »((108)).
ويؤيده الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو
قوله (ع):
«من اراد ان يرى آدم في علمه، ونوحا في
طاعته،وابراهيم في
خلته، وموسى في هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر الى
علي
بن ابي طالب رضي اللّه عنه ». فالحديث دل على انه
اجتمع فيه
ما كان متفرقا فيهم((109)).
ويدل ذلك كله على اجتماع كثير من خصائص النبي (ص)
وشمائله وفضائله في اهل بيته (ع) وانهم منه كنفسه،
فافرادالصلاة عليهم كاجتماعها مع رسول اللّه (ص)،
وقد
وردت احاديث صحيحة تؤيد هذا الراي، منها:
ما رواه الامام اسماعيل بن اسحق الجهضمي القاضي
المالكي
(199 282ه) في كتابه «فضل الصلاة على النبي » (ص):
1 روى بسنده عن سليمان بن حرب، قال حدثنا السري بن
يحيى، قال سمعت الحسن، قال: لما نزلت: (ان اللّه
وملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا
صلوا عليه
وسلموا تسليما) قالوا: يا رسول اللّه هذا السلام قد
علمنا كيف
هو،فكيف تامرنا ان نصلي عليك؟ قال، تقولون: «اللهم
اجعل
صلواتك وبركاتك على آل محمد، كما جعلتها على
آل ابراهيم،
انك حميد مجيد».
قال الشيخ ناصر الدين الالباني المحقق المعروف:
اسناده
مرسل صحيح، والحسن هو ابن ابي الحسن البصري.
واخرجه ابن ابي شيبة (2: 508) من طرق اخرى عنه((110)).
2 روى بسنده ايضا عن نصر بن علي عن عبد الاعلى عن
هشام عن محمد بن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود قال:
قلناللنبي (ص) او قيل: امرنا ان نصلي عليك ونسلم
عليك،
فاما السلام فقد عرفناه، ولكنه كيف نصلي عليك؟ قال
تقولون:«اللهم صل على محمد، كما صليت على آل
ابراهيم،
اللهم بارك على محمد كما باركت على آل ابراهيم ».
قال الشيخ الالباني: اسناده صحيح، لكن رواه النسائي
من
طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد.. ورد الحديث من
طريق اخرى عن ابي مسعود مسندا((111)).
3 روى بسنده ايضا عن سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد
بن زيد عن ايوب عن محمد عن عبد الرحمن بن بشر
بن مسعود، قال: وساق الحديث بلفظه: «اللهم صل على
آل
محمد كما صليت على آل ابراهيم..». قال الشيخ
الالباني
بعده:اسناده مرسل صحيح، رجاله كلهم رجال مسلم.
يضاف الى ذلك ما ذكره ابن كثير في تفسيره بعد ذكر
الروايات
الدالة على اقتران النبي بالال في الصلاة من
تفسيره(تفسير
القرآن العظيم) وقد مر ذكره: «وحتى ان بعض اصحابنا
اوجب
الصلاة على آله، وممن حكاه: البندينجي،
وسليم الرازي،
وصاحبه نصر بن ابراهيم المقدسي، ونقله امام
الحرمين،
وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي ».
السلام على الال خاصة
اقترن الال مع النبي (ص) في الصلاة والسلام
والتسليم، وتبين
لنا عدم صحة صلاة المسلم الا بالصلاة عليهم مع
النبي(ص)
من دون تفريق بينه وبينهم سوى ذكره قبلهم لتفضيله
عليهم، والسلام من البشر امن وطمانينة ومن اللّه
سبحانه وتعالى تفخيم وتعظيم. وقد بشر عز وجل اهل
البيت
بالرحمة وانزال بركاته عليهم، كما في حديث
الملائكة مع
زوجة ابراهيم (ع) في سورة هود عندما بشروها بغلام
وهي
عجوز وبعلها شيخ كبير، قال تعالى: (قالوا اتعجبين من
امر
اللّهرحمة اللّه وبركاته عليكم اهل البيت انه حميد
مجيد)
[هود:73] ولا شك ان آل محمد (ص) هم آل ابراهيم (ع).
وقد خص اللّه عز وجل عباده الصالحين بالسلام
والتحية اكراما
لهم ورفعا لمكانتهم وبين انهم من اهل الصفوة. قال
تعالى:(قل
الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى) [النمل:59].
كما اختص سبحانه وتعالى الانبيا والمرسلين
بالسلام
والتفخيم مبينا عظيم منزلتهم عنده ليقتدي به الناس
فيوقرونهم ويتبعونهم، لان في ذلك خلاص الناس
ونجاتهم.
قال تعالى: (وسلام على المرسلين والحمد للّه رب
العالمين)[الصافات:181].
واختص اهل بيت المصطفى (ص) بالتحية والسلام مقترنين
مع رسول اللّه (ص) في آية الصلاة وامر عباده
بالصلاة عليهم
والتسليم كما مر معنا في تفسير الاية من سورة
الاحزاب وما
ورد فيها من التاويل الذي اوجب فيه رسول
اللّهالصلاة والسلام
عليه وعلى اهل بيته معا بقوله: «قولوا: اللهم صل على
محمد
وآل محمد...».
وسلم اللّه تعالى عليهم خاصة في سورة الصافات في
قوله
تعالى: (سلام على ال ياسين) [الصافات:130] ويا سيد هو
اسم من اسما سيدنا محمد (ص) قال تعالى: (يس والقرآن
الحكيم انك لمن المرسلين).
وقد روى الكثير من المفسرين والرواة ان هذا السلام
من اللّه هو
على اهل البيت خاصة تعظيما لهم واهتماما
بشانهم ومكانتهم،
ليبين للناس وجوب مودتهم وطاعتهم والتمسك بنهجهم
واتباع طريقتهم، كما في قوله تعالى: (قل لا
اسالكم عليه اجرا
الا المودة في القربى) [الشورى:23].
وممن رواه:
1 السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره
«الميزان »((112)) قال:
وفي المعاني باسناده الى قادح عن الصادق جعفر بن
محمد عن
ابيه عن آبائه عن علي (ع) في قول اللّه عز وجل:
(سلام على آل
ياسين) قال: «يس محمد (ص)، ونحن آل ياسين ». وعن
العيون
عن الرضا (ع) مثله، وهو مبني على قراة آل يس، كما
قراه نافع
وابن عامر ويعقوب وزيد.
2 العلامة عبد روس الاندونيسي (ابن رويش)، في كتابه
«شواهد التنزيل »((113)) ذكر نزولها باهل البيت (ع).
ونقل
ذلك عن جملة من المقرين من امثال: الطبري في تفسيره
«جامع البيان 10: 529 وقرا ذلك عامة قرا المدينة: سلام
على
آل ياسين: سلام على آل محمد. النيسابوري في تفسيره
«غرائب
القرآن المطبوع بهامش الطبري 23: 72. الطبرسي في
تفسيره مجمع البيان (4: 589) قال ابن عباس: آل ياسين آل
محمد (ص) وياسين من اسمائه. الشوكاني في تفسيره (فتح
القدير 3:409) قرا نافع وابن عامر والاعرج وشيبة: «على
آل
ياسين ». ابن كثير في تفسيره «تفسير القرآن العظيم
4: 20
22.
وذكر جملة من الاعلام الذين رووا ذلك((114)) من
امثال: ابن
المغازلي الشافعي في كتابه «المناقب » الزرندي في
كتابه «نظم
درر السمطين ». المحلي في كتاب «الحدائق
الوردية » النويري
في كتابه «نهاية الارب ». السيد محمد صديق حسن خان
في
«فتح البيان » الحافظ ابن مردويه في «مفتاح
النجاة » الرازي في
تفسيره «التفسير الكبير» القرطبي في
تفسيره «الجامع لاحكام
القرآن » السيوط ي في تفسيره «الدر المنثور»
الالوسي في
تفسيره «روح المعاني » العسقلاني في
«لسان الميزان » الهيثمي
في «مجمع الزوائد» القندوزي الحنفي في «ينابيع
المودة » ابو
بكر شهاب الدين في «رشفة الصاوي ».
3 فخر الدين الرازي في تفسيره «التفسير الكبير»((115))
ذكر
فيها عدة تفاسير، وقال: قرا نافع وابن عامر ويعقوب:
آل ياسين
على اضافة لفظ آل الى لفظ ياسين والباقون بالكسر.
الثاني: آل
ياسين آل محمد (ص).
4 شواهد التنزيل للعلامة الحسكاني الحنفي في
تفسيراته: من
«شواهده »((116)) قال: «سلام على آل ياسين »
وهو قراة نافع
وابن عامر ورويش، وشيبة. رواها من عدة طرق، على انها
في
آل محمد (ص) وعن عدد من الصحابة. في سبع روايات وطرق.
5 ابن حجر الهيتمي الشافعي المكي في كتابه «الصواعق
المحرقة »((117)) في الاية الثالثة قال: نقل
جماعة من
المفسرين عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ان المراد
بذلك،
سلام على آل محمد، وكذا قاله الكلبي.
6 ابو بكر شهاب الدين الحضرمي في كتابه «رشفة
الصادي »((118)) قال: نقل جماعة من المفسرين
عن ابن
عباس رضي اللّه عنهما انه قال في قوله تعالى: (سلام
على آل
ياسين): سلام على آل محمد (ص)، ونقله النقاش عن
الكلبي،
فقال:على آل ياسين: على آل محمد (ص)، اذ سماه اللّه
تعالى
يس، مثل يعقوب واسرائيل واحمد ومحمد. وذهب
بعضهم الى
ان المراد به الياس (ع) وهو قضية السياق.
وقال العلما: وحيث قام الدليل على مشروعية اصل
الصلاة
عليهم، كفى كذلك عن اقامة الدليل على مشروعية
السلام،لما
تقرر من كراهة افراد الصلاة عن السلام.
وقد صرح الامام النووي ومن تبعه بذلك. وقال: حيث
شرعت
الصلاة شرع السلام معها وقد عده علماؤنا رضي
اللّهعنهم من
ابعاض الصلاة في القنوت، يسن لتاركه سجود السهو
جبرا
للخلل.
بعض من قال بوجوب الصلاة
1 سنن النسائي، باب الامر بالصلاة على النبي (ص) بشرح
السيوط ي وحاشية السندي((119)):
قال النووي: اختلف العلما في الحكمة في قوله كما
صليت
على ابراهيم مع ان محمدا (ص) افضل من ابراهيم (ع)،قال
القاضي عياض: اظهر الاقوال ان نبينا (ص) سال ذلك
لنفسه
ولاهل بيته، ليتم النعمة عليهم كما اتمها على
ابراهيم وآله.
وقال النووي: والمختار في ذلك احد ثلاثة اقوال
احدها: حكاه
بعض اصحابنا عن الشافعي، ان معناه: اللهم صل
على محمد،
وتم الكلام، ثم استانف وعلى آل محمد، اي وصل على
محمد
كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم،والمسؤول له مثل
ابراهيم
وآله هم آل محمد (ص) لا نفسه. القول الثاني معناه:
اجعل
لمحمد وآله صلاة منك، كماجعلتها لابراهيم وآله،
والمسؤول
المشاركة في اصل الصلاة التي لابراهيم وآله.
القول الثالث معناه: المسؤول مقابلة الجملة
بالجملة، ويدخل
في آل ابراهيم خلائق لا يحصون من الانبيا ولا يدخل
في آل
محمد نبي، وطلب الحاق هذه الجملة التي فيها نبي
واحد،
بتلك الجملة التي فيها خلائق من الانبيا.
وقال السندي: وعموم الصلاة المطلوبة له ولاهل بيته
(ع) اي
شارك اهل بيته معه في الصلاة واجعل الصلاة عليه
عامة ولاهل
بيته، كما صليت على ابراهيم كذلك.
اقول: وفي راي النووي (رحمه اللّه) خاصة ان آل محمد
(ص)
قد جعلت الصلاة عليهم كالصلاة على ابراهيم
وآل ابراهيم،
الذين دخل فيهم خلائق لا يحصون من الانبيا. اي ان
النبي
(ص) وبوحي من اللّه قد ضاهى بهم الانبيا من ذرية
ابراهيم
وقرنهم بهم في الصلاة، وهذا لاظهار تشريفهم، ووجوب
مودتهم واتباعهم ونصرتهم.
2 ابو بكر شهاب الدين العلوي الحضرمي في كتاب «رشفة
الصادي »((120)) قال:
قال العلامة ابن حجر الهيتمي وغيره: وكان قضية
الاحاديث
السابقة وجوب الصلاة على الال في التشهد الاخير،
كما هوقول
الشافعي.
وقال البيهقي في «شعب الايمان »:
سمعت ابا بكر الطرسوسي يقول: سمعت ابا اسحق المروزي
يقول: انا اعتقد ان الصلاة على آل النبي (ص) واجبة
في التشهد
الاخير من الصلاة. قال: وفي الاحاديث التي وردت في
كيفية
الصلاة الدلالة على ما قاله ابو اسحق.
وممن جرى على الوجوب من الشافعية العلامة الترنجي،
والسيد السمهودي، لظاهر الامر في قوله (ص): «قولوا:
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد».
وقال شارح العمريطية: ذكرهم في الجواب الواقع بيانا
للاية
يدل على وجوبها عليهم ايضا، ولا سيما حيث
اقترن الجواب
ايضا بالامر الموضوع للوجوب.
3 السيد علي عاشور، في حاشيته وتحقيقه بهامش «رشفة
الصادي للحضرمي »((121)) قال: ذكر من قال بوجوب
الصلاة على الال: الشافعي واتباعه، والكوفيون،
والشعبي،
واسحق بن راهويه، واحمد، ومالك، من التابعين، وابن
مسعود،وابن عمر وجابر، وابي سعيد من الصحابة. راجع
الصواعق المحرقة (197) ط مصر. الباب (11) الاية الثانية،
وجلا الافهام(276 277) الباب السادس. وممن جرى على
الوجوب ابن كثير، وذكره في تفسيره (3: 588) مورد آية 56
من سورة الاحزاب:
ذهاب الشعبي والباقر ومقاتل والامام احمد، كما
حكاه ابو زرعة
واسحق بن راهويه والفقيه محمد بن المواز
المالكي،قال:
وبعض اصحابنا اوجب الصلاة على آله في ما حكاه
البندنيجي
وسليم الرازي وصاحبه، ونصر بن ابراهيم المقدسي،
ونقله امام
الحرمين، وصاحبه الغزالي قولا عن الشافعي، وممن
انتصر
للشافعي الفيروزآبادي وابو امامة ابن النقاش،
والسمهودي وابن
القيم. راجع: الصلات والبشر (110 111) والمواهب اللدنية
(2:
509) الفصل الثاني من المقصدالسابع. وجواهر العقدين
(222)
واحكام القرآن لابن العربي (3: 1584) والشفا (2: 62) الباب
الرابع وتفسير آية المودة:(136).
وروايات الصلاة على النبي المتضمنة للصلاة على
الال
مستفيضة تصل الى حد التواتر على بعض المباني، رويت
عن كل من:
ابي مسعود، والحديث صحيح رواه احمد ومسلم والنسائي
والترمذي وصححه.
وكعب بن عجرة، وهو لا مغمز فيه.
وابي سعيد الخدري، رواه البخاري في الصحيح.
وابي هريرة في حديث صحيح على شرط الشيخين.
وبريدة بن الحصيب، وابن مسعود وصححه الحاكم، وعبد
الرحمن بن بشر بن مسعود. وعبداللّه بن عمر، وابي
معشرعن
ابراهيم، وموسى بن طلحة عن ابيه.
4 ابن حجر العسقلاني في «ارشاد الساري لشرح صحيح
البخاري »((122)) في تفسير قوله تعالى: (ان
اللّه وملائكته
يصلون على النبي. ..) من سورة الاحزاب وقول رسول
اللّه (ص):
«قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد» قال:
«واضيفت الصلاة
الى اللّه وملائكته دون السلام، وامر المؤمنون
بهما». وقال:
«والامر للوجوب في الجملة او كلما ذكر الحديث
رغم انف رجل
ذكرت عنده فلم يصل علي » وقال: «وفي القعود الاخير
آخر
الصلاة بين التشهد والسلام، قاله امامنا
الشافعي والامام احمد
في احدى الروايتين عنه وهي الاخيرة، واسحق بن
راهويه،
ونصه: اذا تركهما عمدا بطلت صلاته ».
5 العلامة الاميني في كتابه «الغدير في الكتاب
والسنة
والادب »((123)) ذكر جملة ممن روى وجوب
الصلاة على الال
مع النبي (ص) ، كابن حجر في الصواعق، والرازي في
تفسيره
والنيسابوري في تفسيره، ومحب الدين الطبري في
ذخائره.وقال: واخرج القاضي عياض في الشفا عن ابن
مسعود
مرفوعا: «من صلى صلاة لم يصل علي فيها وعلى اهل بيتي
لم تقبل منه، وللقاضي الخفاجي الحنفي في شرح الشفا
(3 ص
500 و505) فوائد جمة حول المسالة. وصور
الصلوات الماثورة
على النبي وآله مذكورة في (شفا الاسقام) لتقي الدين
السبكي
ص 181 187 واورد جملة منها الحافظ الهيثمي في مجمع
الزوائد (10: 163) واول لفظ ذكره عن بريدة قال: قلنا: يا
رسول
اللّه قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟!
قال: «قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على
محمد وآل محمد كما جعلتها على آل ابراهيم انك
حميدمجيد».
وقوله: «ولا يزكو الدعا» اشارة الى ما اخرجه
الديلمي انه (ص)
قال: «الدعا محجوب حتى يصلى على محمد واهل
بيته:اللهم
صل على محمد وآله »، ورواه عنه ابن حجر.
قال: واخرج الطبراني في الاوسط عن علي امير
المؤمنين (ع):
«كل دعا محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد» وذكره
الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (10 ص 160) وقال:رجاله
ثقات.
قال: واخرج البيهقي وابن عساكر وغيرهما عن علي (ع)
مرفوعا
ما معناه: «الدعا والصلاة معلق بين السما والارض،
لايصعد الى
اللّه منه شي ء حتى يصلى عليه (ص) وعلى آل محمد» شرح
الشفا للخفاجي (3 ص 506) ومن قصيدة لسفيان بن مصعب
العبدي الكوفي:
محمد وصنوه وابنته
وابناه خير من تحفى واحتذا
صلى عليهم ربنا باري الورى
ومنشى الخلق على وجه الثرى
صفاهم اللّه تعالى وارتضى
واختارهم من الانام واجتبى
لا يقبل اللّه لعبد عملا
حتى يواليهم باخلاص الولا
ولا يتم لامرى ء صلاته
الا بذكراهم ولا يزكو الدعا
لو لم يكونوا خير من وط ى الحصا
ما قال جبريل بهم تحت العبا:
هل انا منكم شرفا ثم علا!؟
يفاخر الاملاك اذ قالوا: بلى
خاتمة المطاف
قال تعالى: (ولا تبخسوا الناس اشياهم) [الاعراف:85].
بعد ان تبين لنا تواتر الروايات التي اوضح فيها
رسول اللّه (ص)
كيفية الصلاة عليه وعلى آل بيته وصحتها بامر من
اللّه في قوله
تعالى: (يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا
تسليما)، وامرنا
بعدم فصل الال عنه في الصلاة قائلا: «قولوا:
اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد»، وسمى الصلاة التي لا يذكر فيها
الال
بالبترا ونهى عنها في قوله «لا تصلوا علي الصلاة
البترا».
بعد هذا اقول: لابد من انه تجلى لكل ذي عينين، وتاكد
لكل
ذي لب ان الصلاة والتسليم على اهل البيت ولهم هو
امرالهي
وحكم رباني، ياثم من يبخسهم اياه لانه من حقوقهم
التي
افترضها اللّه على عباده، كما افترض طاعتهم
ومودتهم،وجعلها
عهدا منه سبحانه في قوله تعالى: (قل لا اسالكم عليه
اجرا الا
المودة في القربى) ، اضافة الى ان عدم ذكرهم
في الصلاة هو
معصية للّه ولرسوله، معصية للّه في قوله: (صلوا عليه
وسلموا
تسليما) وهو فعل امر تاركه آثم. ومعصية لرسول اللّه
في قوله:
«قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد» وغيره من
الاحاديث
الامرة بالصلاة عليهم، والناهية عن بترالصلاة بعدم
ذكرهم،
وان الدعا محجوب حتى يصلى عليهم، ولنا ان نتسال:
هل
علما الامة وفقهاؤها وكتابهاومثقفوها.. يجهلون
هذا الامر؟ من
قرا البخاري ومسلم والترمذي واحمد.. وغيرها. الم
يمروا بهذه
الاحاديث المستفيضة والمتواترة؟
لماذا اذا نغمض العين على حقيقة ارادها اللّه
ورسوله ان تكون
في اعظم عبادة واكثرها تكرارا، واهمها قطرا،
واجمعت الامة
على ان تاركها كافر، وهي عمود الدين ومعراج روح
المؤمن الى
ربه.
لماذا يعصي اللّه ورسوله اولئك الذين يبخلون على
اهل بيت
المصطفى (ص) الذي ارسله اللّه رحمة للعالمين،
فيصلون عليه
ويهملون ذكر الال، حتى اذا سالتهم تجد جوابهم: نعم،
يجب
ان نقول: اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله واصحابه
اجمعين.
انهم لا يضنون بالصلاة على الال فقط، بل يقللون من
اهميتها
عليهم باضافة ما لم يامر به اللّه ورسوله، واكبر
دليل
على ان الصلاة على غير الال في التشهد الاخير
تبطل الصلاة
انها زيادة مبتدعة، وهي محدثة بعد عصر النبوة
والخلفاالراشدين، وان كان الاصحاب ذوي شان كبير
في حفظ
الدين والدفاع عنه، لكنهم لم يصلوا الى درجة
التطهير
والمودة واولي الارحام ووراثة الكتاب والاصطفا...
التي اثبتها
عز وجل في محكم كتابه العزيز بحق اهل البيت (ع) واجمع
الامة عليها في تفاسيرها وكتب الحديث عندها.
ولعل من الانصاف ان تقول: ان الصحابة لم يكونوا كلهم
على
سوية واحدة من حيث العدالة والتقوى والايمان،
وهذه امور لا
يتحكم فيها الا اللّه عز وجل. والتاريخ يخبرنا ان
بعضهم عصى
اللّه ورسوله، وبعضهم اقيم عليه حد السرقة،
وحدالزنى وغيرها،
ولا نقول في من بقي على التقوى والصلاح الا خيرا
ونترضى
عنهم ونسال اللّه لهم المغفرة والرحمة، فهم اصحاب
رسول اللّه
(ص) اتبعوه وآزروه في ساعة العسرة وعلى ايديهم بني
صلاح
الاسلام، وترعرع ونما حتى صاردولة برعاية رسول
اللّه (ص)
وارادة اللّه سبحانه وتعالى. غير ان الصلاة على
الال اوجبها
القرآن وسنة رسول اللّه (ص) ولم يوجباها على
الاصحاب.
ولما كان التلازم واجبا في اقتران الال معه (ص) في
الصلاة
وفي التسليم، فقد تبين من هذا القول ان الصلاة
عليه وعليهم،
والتسليم له ولهم هو لاظهار تعظيمهم، ولا شك في ان
تعظيمهم فيه دلالة واضحة على وجوب اتباعهم،وانتهاج
سبيلهم، والامتثال لاوامرهم (ع) ونصرتهم واخذ الدين
عنهم.
وجعل اللّه التسليم لرسول اللّه (ص) بكل ما جا به
شرطا اساسيا
للايمان وقبوله لدى المسلمين، فلا يصح
ايمان امرى ءالا بعد ان
يقبل ويؤمن بكل ما جا به الرسول امتثالا لقوله
تعالى:
(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
[الحشر:7].
وهذا الايمان لا يكتمل الا بالتسليم للنبي بكل ما
جا به او سنه
او شرعه عن اللّه عز وجل قال تعالى: (فلا وربك
لايؤمنون حتى
يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا
مما
قضيت ويسلموا تسليما) [النسا:65].
والتسليم هنا مطلق بكل شي ء، ويعني ان امر رسول
اللّه (ص)
هو امر اللّه عز وجل فهو لا يحكم بهواه او من تلقا
نفسه،بل بما
علمه اللّه واوحاه اليه. قال تعالى: (لتحكم بين
الناس بما اراك
اللّه) [النسا:105].
ولا شك في ان التسليم لال البيت (ع) من ائمة الهدى،
هو
تسليم لرسول اللّه (ص)، كما ان الصلاة عليهم هي
صلاة عليه،
لاشتراكهم معه في الصلاة والتسليم، وعدم الفصل
بينهم في
ما امر اللّه به، وفق مضمون الايات
والروايات المتعددة
والمتواترة التي اثبتناها في هذا البحث، مما اراده
اللّه من
اجماعيات الامة واستمرار رسالية اهل البيت بعدرسول
اللّه
(ص).
وفي هذه الارادة الالهية والاجماع لدى الامة، في
ذلك كله
كفاية وعبرة لراب الصدع الذي افتعله اعدا الدين من
اليهودوالمنافقين، والعودة الى المحبة والتعاون
والبحث عن
نقاط الالتقا بين المسلمين واظهارها للامة. لكي
تلتف حولها
في زمن التكتلات العالمية والاستعمارية، ولتعي
الامة ذاتها.
وتقف في وجه اعدائها الذين يتربصون بها الدوائر
ليقتلعوهامن
جذورها، وها هم يحضرون في فلسطين وفي جنوب لبنان
والاردن ومصر والجزيرة العربية والخليج، ليقوضوا
اركان ما بناه
الاسلام، للقضا على امة العرب والاسلام واجتثاثها
من اصولها
الضاربة في اعماق الارض. وكما قال شيخ
الازهرالشريف، الشيخ
جاد الحق علي جاد الحق (رحمه اللّه) في رد نشرته مجلة
الازهر (عام 1995 اغسطس): «لا ينبغي اتخاذ المذاهب الفقهية الاسلامية وسيلة لكسب سياسي، او تاييد لدولة او فئة من الناس، واولى بالمسلم بدل ان يدعو اخاه المسلم الى مذهبه والمذاهب الصحيحة كلها من رسول اللّه ملتمسة ان ينشروا الاسلام وفضائله، عقيدة وشريعة ». دولة «الداعي الى
الحق » في طبرستان
السيد حسن الامين
الحسن بن زيد بن محمد بن
اسماعيل بن الحسن بن زيد بن
الحسن بن علي بن ابي طالب هو الملقب بالداعي الى
الحق وبالداعي الكبير وبالداعي الاول.
ولد في المدينة المنورة ونشا بها، وتوفي سنة 270ه في
مدينة
آمل، وكانت قصبة طبرستان في العصر العباسي.
وقبل الحديث
عنه وعن قيام دولته، نتحدث عن طبرستان التي قامت
فيها
دولته.
طبرستان
«طبرستان » هو الاسم التاريخي للمنطقة التي اقام
فيها
«الداعي الى الحق » دولته. اما اليوم، فهذه
المنطقة تعرف
باسم «مازندران ».
كانت منطقة الجبال العالية ويتالف معظمها مما يعرف
اليوم
بجبال «البرز» الممتدة في حذا الساحل الجنوبي
لبحرقزوين،
مما في شرق قومس وشمالها تعرف، لدى البلدانيين
العرب
الاولين، بطبرستان. و«طبر»، في لغة تلك
البلاد،معناها
«الجبل »، فطبرستان تعني: «بلاد الجبل ».
وفي المئة السابعة الهجرية (الثالثة عشرة ميلادية)،
اي في نحو
من زمن الفتوحات المغولية، بطل استعمال
اسم طبرستان
على ما يظهر وحل محله اسم «مازندران » . ومنذ ذلك
الحين،
اصبح اسم «مازندران » الاسم الشائع لهذاالاقليم.
وربما شمل
ايضا، اقليم جرجان المجاور له.
ونوه ياقوت الحموي، صاحب كتاب «معجم البلدان » وهو
اول
من ذكر اسم «مازندران » بانه لا يدري متى اخذ
بهذاالاسم.
ومع انه لم يعثر عليه في الكتب السالفة فانه كان
شائع
الاستعمال في جميع انحا البلاد. وقد كان
الاسمان:«طبرستان » و«مازندران »، في تلك
الايام، مترادفين
في واقع الامر. ولكن بينما كان الاسم الاول يطلق على
الجبال
العالية بوجه خاص، ويشمل بصورة ثانوية الرقعة
الضيقة من
الارض المنخفضة المحاذية للبحر، الممتدة من دلتا
«سفيدرود»الى جنوب شرقي بحر قزوين، ظهر اسم
«مازندران »، اول مرة، دالا، في بادى الامر، على
هذه الاراضي
المنخفضة فقط،ثم شمل المنطقة الجبلية ايضا.
ولا يستعمل اليوم اسم «طبرستان ». على انه استعمل
لمدة
قصيرة، من سنة 1250 الى 1290ه، بسبب ضرب
بعض المسكوكات في مدينة «ساري ».
وقد كان آخر جزء، من اجزا الدولة الساسانية، اعتنق
اهله
الاسلام، وظل ملوكه من اهل البلاد ويعرفون باصفهبذ
اواصبهبذ طبرستان نيفا وقرنا من الزمان بعد فتح
المسلمين
بقية بلاد فارس مستقلين في بلادهم الجبلية،
يضربون نقودهم
وعليها الرموز الفهلوية حتى منتصف المئة الثانية
هجرية
(الثامنة ميلادية).
كما ظلت المجوسية تهيمن على قاطني غابات الجبال
العظيمة وغياضها.
وكانت قصبة طبرستان، في العصر العباسي الاخير،
مدينة
«آمل »، وان اقام الطاهريون في المئة الثالثة
هجرية
(التاسعة ميلادية) في مدينة (سارية). وكانت «آمل »
على ما ذكر
ابن حوقل اكبر من قزوين وليس في نواحيها اعمر منها.
وقد خرب تيمور مدينة «آمل » في ختام المئة الثامنة
هجرية
(الرابعة عشرة ميلادية) وامر بنقض قلاع «ماهانة سر»
الثلاث،وكانت هذه القلاع على اربعة فراسخ من
المدينة بازا
ساحل البحر.
وكانت قصبة طبرستان الثانية وهي القديمة مدينة
«سارية »،
ويقال لها اليوم «ساري »، وتقع في شرق «آمل ». ولم
ينته اليناالا
القليل عن «سارية » في اواخر ايامها، لقد عانت
كثيرا من الاذى
في المئة السابعة هجرية (الثالثة عشرة ميلادية)
خلال الفتح
المغولي. وكانت حين كتب حمداللّه المستوفي كتابه
«نزهة
القلوب » خرابا يبابا.
يهيمن جبل «دماوند» العظيم على انحا طبرستان
كلها، وترى
قممه التي لا يفارقها الثلج من سهول بلاد ايران
التي تبعدمئة
ميل او اكثر عن جنوب طهران. وقال المستوفي انها ترى
من
مسافة مئة فرسخ، واشار الى ان الثلوج لا تفارقها.
وقال ابن
حوقل: ان هذا الجبل العظيم يرى من قرب «ساوه »، وهو
وسط
جبال يعلو فوقها كالقبة، ولم اسمع ان احدا ارتقاه
الى اعلاه.
وزاد على ذلك: «ويرتفع من قلته دخان دائم الدهر
كله ».
وسميت باسم «دماوند» بلدة تقوم على قلله الجنوبية،
وقال
المستوفي انها تعرف بپستيان، كما سميت به
الناحية الخصبة
العريضة الشقة الممتدة حول سفوحه.
وكان منوچهر قد قرر حدود طبرستان كما يلي:
من الشرق: النهر، ومن الغرب: بلدة «ملاط » التي تقع
جنوب
«هوسم ». ومن الجنوب: سهول الجبال التي تصب مياهها
في آبسكون «الخزر» التي تعد في حد ذاتها الحد
الشمالي لهذه
الولاية.
اذا فان طبرستان كانت تشتمل على جرجان (گرگان)
و«استر آباد» و«مازندران » و«رستمدار». وكانوا
يضمون اليها
«بسطام »و«دامغان » و«فيروزكوه » و«خرقان »
ايضا.
ويذكر حمد اللّه المستوفي ان هناك فرقا بين ولايتي
«مازندران » و«طبرستان »، ويقول: كانت مازندران
سبع
تومونات((124))هي:
جرجان، موروستاق، استرآباد، آمل،
رستمدار، دهستان، روغد، سياه روستاق (سارستان).
وكانت
طبرستان تشمل: سمنان، دامغان، فيروزكوه، دماوند،
فريم((125)).
الفتح الاسلامي لهذه المناطق
سنة 22ه هي السنة التي وصلت فيها طلائع الفاتحين
المسلمين الى هذه المنطقة. وكان نعيم بن مقرن قد بقي
في
همذان بامر عمر بن الخطاب، وارسل اخاه سويد الى
المناطق
الشمالية من ايران عن طريق بسطام. وقام سويد بن
مقرن،
لدى وصوله، بمصالحة (مصمغان) ديناوند (دماوند)،
واصبهبذ
طبرستان((126))
فصالحهما على شي ء من المال. وفي
سنة 29ه لم يحقق سعيد بن العاص نصرا عسكريا ساحقا
على ما
يبدو، لهذا اضطر لمصالحة حاكمي «ديناوند»
و«درويان ».وهكذا
وجد المسلمون موط ى قدم لهم في الاجزا الشمالية
من ايران.
وفي عهد معاوية، ارسل مصقلة بن هبيرة(المتوفى سنة
50ه)
الى طبرستان. وعلى ما يقول البلاذري في «فتوح
البلدان » انه
سحق وجميع افراد جيشه.
وفي سنة 78 79ه رحل قطري بن الفجاة (من الخوارج
الازارقة) الى تلك المناطق فارا من الحجاج، فلم تصف
له
الامور،وكانت علاقته باصپهبذ طبرستان سيئة فعاد
عنها.
وتوجه يزيد بن المهلب هو الاخر، اواخر سني القرن
الاول
الهجري،لكنه هو الاخر اندحر في مواجهة اصپهبذ
فرخان.
ومهما يكن من امر، فان توالي الحروب، هناك، بين
الكر والفر،
مهدت طريق وصول المسلمين، وعد اصپهبذة
طبرستان انفسهم مطيعين للامويين على النحو الظاهر
من
خلال ارسال الهدايا واحيانا الجزية، مع انه لم
يتوافر ما يدل على
تلك الطاعة من الناحية العملية.
وفي زمن المنصور العباسي، في سنة 141ه، كان ابنه
المهدي
يخمد فتنة في خراسان، فارسل اليه ابوه ان يغزو
طبرستان،وينزل الري، ويوجه ابا الخصيب وخازم بن
خزيمة
الى الاصپهبذ، وكان الاصپهبذ يومئذ محاربا
للمصمغان
ملك «ديناوند»، معسكرا بازائه، فلما بلغه دخول
الجنود بلاده
ودخول ابي الخصيب «سارية »، قال المصمغان
للاصپهبذ:
متى قهروك صاروا الي، فاجتمعا على حرب المسلمين،
وطالت
تلك الحروب، فوجه المنصور عمرو بن العلا
الى طبرستان،
ففتح رويان واخذ قلعة الطاق. وطالت الحرب، ثم تم فتح
طبرستان. وفي سنة 142ه نكث الاصپهبذ العهد بينه وبين
المسلمين، وقتل من ببلاده منهم، فسير المنصور اليه
ابا
الخصيب وخازم بن خزيمة وروح بن حاتم فاحتال
ابوالخصيب
على الاصپهبذ حتى تم فتح الحصن وانتحر الاصپهبذ
بالسم
عندئذ.
ولم يخل الامر، بعد ذلك، من تمرد الى ان استتب الامر
للعباسيين وتولى الطاهريون امرة تلك البلاد.
طبرستان قبل الحسن بن زيد
للمؤرخ «اوليا اللّه الاملي »، صاحب كتاب «تاريخ
رويان »، راي
في ما مهد الامر للحسن بن زيد في طبرستان ننقله هنا.
قال الاملي:
«لما بويع الرضا (ع) بولاية العهد، وكان له احد
وعشرون اخا، مع
عدة من اولاد اخوته وبني عمه الحسنيين
والحسينيين،توجهت انظارهم الى ذلك، ووصلوا الى
الري
ونواحي العراق وقومس.
وبعد وفاة الرضا، وتطور الامور، خابت آمالهم،
فالتجاوا الى
جبال الديلم وطبرستان والى الري ونهاوند،
فبعضهم استشهد
هناك، وبقي مزاره الى الان، وبعضهم توطن هناك الى
ان آل
الامر الى المتوكل الذي كان ظلمه للسادات متجاوزا
الحد،
فهربوا منه واتخذوا مساكن في الجبال وفي طبرستان.
وحيث
ان اصپهبذ «مازندران » وملوك باوند الذين اسلموا
من قديم
الزمان كانوا يتشيعون ولهم عقيدة حسنة في السادات،
راى
هؤلا السادات ان مقامهم بتلك البلاداحسن من كل
مكان.
ثم ان المتوكل قتل ووقع الاختلاف بين اولاده، وخرج
عليهم
السادات من الاطراف مثل يحيى بن عمر الحسيني
الذي خرج
بالكوفة وقتل. فتوجه السادات الذين كانوا معه الى
الديلم
وطبرستان...».
الحسن بن زيد في طبرستان ينشى دولته
فساد الحكم واستغلال الشعب والاستئثار بالمال...
هذه بعض
المظالم التي عانت منها الشعوب الاسلامية ما
عانت،وهي التي
ادت الى وصول الحسن بن زيد الى طبرستان وانشائه
دولة في
تلك النواحي.
كان الخليفة العباسي «المستعين » قد اقطع محمد بن
عبداللّه
بن طاهر قطائع في طبرستان، منها قطيعة قرب
«كلار»و«شالوس »، وكان بحذائها ارض يحتطب منها
اهل تلك
الناحية وترعى فيها مواشيهم ليس لاحد عليها ملك
وانما
هي موات، وهي ذات غياض واشجار وكلا. فوجه محمد بن
عبداللّه بن طاهر نائبه جابر بن هارون لحيازة ما
اقطع.
وكان عامل «المستعين » على خراسان وطبرستان والري
والمشرق كله، يومئذ، محمد بن طاهر بن عبداللّه بن
طاهر
بن عبداللّه بن طاهر بن الحسين. وعامل طبرستان،
يومئذ،
سليمان بن عبداللّه بن طاهر بن الحسين، خليفة محمد
بن
طاهرالمذكور (العامل العام). وهو ايضا عم محمد بن
طاهر
المذكور واخو محمد بن عبداللّه بن طاهر والي
العراق.
وكان الغالب على امر سليمان رجل اسمه محمد بن اوس
البلخي، وقد فرق محمد هذا اولاده في مدن
طبرستان،وجعل
كل واحد منهم واليا على مدينة، وهم احداث سفها،
فتاذى
بهم الناس وشكوا منهم ومن ابيهم ومن سليمان سوء
السيرة.
ثم ان محمد بن اوس دخل بلاد الديلم، وهم مسالمون
لاهل
طبرستان، فسبى منهم وقتل، فسا ذلك اهل
طبرستان،فلما
جا جابر بن هارون لحيازة ما اقطعه محمد بن
عبداللّه، عمد
فحاز فيه ما اتصل به من ارض موات يرتفق بها
الناس،وفي ما
حاز الموات الذي بقرب كلار وشالوس. وكان في تلك
الناحية
يومئذ اخوان مطاعان فيها لهما باس ونجدة يضبطانها
ممن
رامها من الديلم، مذكوران باطعام الطعام بالافضال،
وهما
محمد وجعفر ابنا رستم، فانكرا ما فعل جابرمن حيازة
الموات
الذي هو مرفق لاهل تلك الناحية وغير داخل في ما
اقطعه
محمد بن عبداللّه، فاستنهضا من اطاعهمالمنع جابرمن
حيازة
ذلك الموات، فخافهما جابر فهرب منهما فلحق بسليمان
بن
عبداللّه. وخاف محمد وجعفر من عامل طبرستان،
فراسلا
جيرانهما من الديلم يذكرانهم العهد الذي بينهم،
ويذكرانهم ما
فعله محمد بن اوس بهم من السبي والقتل. فاتفقوا على
المعاونة والمساعدة على حرب سليمان وابن اوس
وغيرهما.
ثم ارسل ابنا رستم، ومن وافقهما، الى رجل من
الطالبيين
المقيمين، يومئذ، بطبرستان اسمه محمد بن ابراهيم
يدعونه الى البيعة له، فامتنع عليهم، وقال: لكنني
ادلكم على
رجل منا هو اقوم بهذا الامر مني، فدلهم على الحسن بن
زيد
وهوبالري، فوجهوا اليه عن رسالة محمد بن ابراهيم
اليه من
يدعوه الى طبرستان، فشخص اليها، فاتاهم. وصارت
كلمة الديلم واهل «كلار» و«شالوس » و«رويان »
على بيعة واحدة،
فبايعوه جميعهم، وطردوا عمال ابن اوس عنهم،
فلحقوابسليمان وابن اويس وهما بمدينة «سارية »،
وانضم الى
الحسن بن زيد ايضا حوزية جبال طبرستان وجماعة من
اهل السفح خلا ما كان من سكان جبل «فريم »، فان
رئيسهم
«فارن بن شهريار» كان ممتنعا بجبله واصحابه، فلم
ينقد
للحسن بن زيد حتى مات حتف انفه مع موادعة كانت
بينهما
في بعض الاحوال محاببة ومصاهرة((127)).
الحسن يمد سلطانه
فلما تجمع للحسن ما تجمع من قوى كان لابد من ان
يتقدم
ليمد سلطانه، ولما كانت مدينة آمل((128)) هي اقرب
المدن اليه فقد زحف بقواته اليها، فجا ابن اوس من
«سارية »
لمنعه عنها، فاشتبك معه في معركة ضارية، فترك الحسن
جيشه لقتال ابن اوس واقتطع قطعة منه تقدم بها الى
«آمل »
ودخلها، بينما ابن اوس مشغول بالقتال، ولما علم
باحتلال
«آمل »التجا الى «سارية ».
وباحتلال «آمل » توطد امر الحسن وتكاثر جيشه،
وتقدم نحو
«سارية » فدافعه عنها عامل طبرستان سليمان بن
عبداللّه
بن طاهر وابن اوس، ووقعت الحرب بين الفريقين خارج
«سارية »، وطبق الحسن الخطة التي طبقها في احتلال
«آمل »،
واحتل «سارية »، ففر سليمان الى جرجان، وبذلك تمت
سيطرة
الحسن على جرجان كلها.
ويرى بعض المؤرخين ان سليمان انهزم اختيارا لان
الطاهرية
كلها كانت تتشيع، فلما اقبل الحسن بن زيد الى
طبرستان تاثم
سليمان من قتاله لشدته في التشيع، وقال:
نبئت خيل ابن زيد اقبلت حينا
تريدنا لتحسينا الامرينا
يا قوم ان كانت الانبا صادقة
فالويل لي ولجمع الطاهرينا
اما انا فاذا اصطفت كتائبنا
اكون من بينهم راس المولينا
فالعذر عند رسول اللّه منبسط
اذا احتسبت دما الفاطمينا
فلما التقوا انهزم سليمان.
ثم تقدم من طبرستان الى الري فاستولى عليها، وبهذا
الاستيلا امتدت حدوده الى حدود همذان. واستخلف على
الري رجلا من الطالبيين اسمه محمد بن جعفر. وبلغت اخبار هذه الاحداث الى الخليفة (المستعين) في بغداد، ومدبره يومئذ وصيف التركي، وكاتبه احمد بن صالح بن شيرزاد واليه خاتم المستعين ووزارته، فعهد بامر الدفاع عن همذان الى اسماعيل بن فراشة ووجه معه قوة للدفاع.
|
|---|