الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وكان ما ورا همذان في حكم محمد بن طاهر بن عبداللّه بن طاهر، وعليه الدفاع عنه، فوجه محمد هذا قوة تغلبت على محمد بن جعفر واسرته ودخلت الري. ولكن الحسن بن زيد عاد فاستردها.

وتتابعت الاحداث، فعاد سليمان بن عبداللّه بن طاهر موفدا من محمد بن طاهر بجمع كثير وخيل وسلاح، ما لم يكن للحسن بن زيد قوة على مقابلته، فانسحب من طبرستان الى الديلم.

وبعد احداث، عاود الحسن بن زيد احتلال الري سنة 256ه.

و في سنة 257 استولى على جرجان. وفي سنة 259 غلب على قومس.

وفي سنة 260ه استطاع يعقوب بن ليث الصفار ان يهزم الحسن بن زيد ويدخل طبرستان، فمضى الحسن الى الديلم،فتعقبه يعقوب، ولكن تساقط المطر في الجبال ودوام ذلك اربعين يوما شتت امر يعقوب ومزق جيشه الكثيف، وتشتت منه اربعون الفا، وذهب اكثر ما كان معه من الخيل والابل والبغال والاثقال.

وقال الطبري وابن الاثير في حوادث سنة 261ه: فيها رجع الحسن بن زيد من ارض الديلم الى طبرستان.

ودام ملكه في طبرستان عشرين سنة الا قليلا. ومات سنة 270ه وخلفه اخوه محمد بن زيد.

وقد استقر حكم الطالبيين في طبرستان، وتعاقب منهم على الحكم فيها اربعة عشر حاكما، ثمانية منهم من احفاد الامام الحسن (ع) والستة الباقون من احفاد الامام الحسين (ع).

وكان حكمهم فيهاالعامل الاول في نشر الاسلام في تلك المناطق التي لم تدخل في الاسلام الا على ايديهم.

وصارت مقصدا لاهل العلم والادب، وقامت فيها نهضات علمية واسعة.

ويصف الاملي الذي كان حيا سنة 805ه في «تاريخ رويان» الحسن بن زيد بانه «كان متفردا بانواع الفضائل النفسية،مولده في مدينة الرسول، ونشا ونما هناك، عديم المثيل في الشجاعة والثبات وقوة القلب وتدبير الحرب، جواداكريما».

وقال ابن الاثير: «كان عالما بالفقه والعربية».

عمار بن ياسر، شهيد من اهل بيت الشهادة

 
ا. د. ابراهيم بيضون

 
(الى استاذي العلامة المؤرخ السيد حسن الامين) صحابي ملتزم بصدقية الايمان لم يكن عمار بن ياسر، من قريش، ولكنه حليف احد بطونها (مخزوم) الذي لم يكن بدوره قطبا في القبيلة الكبرى المهيمنة على قبائل شبه الجزيرة، من خلال عنصرين اساسيين: الدين والتجارة. ومكة، وهي مركز الضوء، ما انفكت تتالق مواسمها، ويفد عليها الطامحون الى اي دور...

فسوقها تتسع للجميع، وحكومتها (دار الندوة) لا تقتصر مهمتهاعلى ادارة شؤون الحاضرة المزدحمة فحسب، بل تتحول في المواسم الى منبر، يحتشدون من حوله، فيشكون ظلامة،او يعقدون صلحا، او يصفقون لشاعر، وما الى ذلك من تفاصيل تتعلق بالموقع الذي تبواته مكة عن جدارة في محيطهاوفي حياة القبائل العربية.

من هذا الباب المفتوح على تراث الحاضرة الشهيرة قبل الاسلام، نصبح على وشك التعرف الى شخصية «الحليف»والى ظروف ارتباطه بقريش، تلك التي جعلته، في قلب حركة الاسلام، فكانت لاسرته فرادة في نضالاتها الاولى، بمثل ما كانت له فرادته في الصمود على مساحة المبدا الذي اخذ «يتطبع» لمصلحة القوى الرافضة، لاكثر من عشرين عاما لهذاالدين.

قليلون هم «الصحابة»، وهذه الكلمة الاخيرة اختلطت حالتها بصفات قدسية، ليس اقلها ان بعضهم من «الحواريين» و«المبشرين بالجنة»، والرواد الاصفيا، واصحاب «السابقة»، الى آخر ذلك من صفات يعتقد ان بعضها على الاقل، تمت صياغته في وقت متاخر، ولم يكن من نتاج المرحلة الاولى، حين غادر عدد منهم هذه الهالة، واخذ يصارع على الملك والمال، او يساوم على الموقف، او يعتزل ورا الاحداث. فالصحابة، وان استمدوا مصطلحهم من الاسبقية والمعاناة مع الرسول، وربما انسلت الكلمة لتشمل المعاصرين له فقط، ليسوا اي الصحابة بالضرورة من «طبقة» ذلك العصر، وانما يصح ان يكونوا في اي زمن، عندما يتشبثون بالقيم، ولا يساومون على مبدا، او ينكثون عهدا او يرضخون لطغيان.

ولم يكن عمار بن ياسر غير واحد من هؤلا: «صحابة» كل الازمنة، عندما تقترن «الصحبة»، ليس بالمواكبة او المعاصرة،وانما بصدقية الايمان والفكر والقضية، مهما كان ثمن الالتزام باهظا، ومهما كانت التحديات محفوفة بالاخطار.

موقع متميز في الدعوة يتحدر عمار من «عنس» التي تنتهي الى مذحج((129)) او مراد ((130)) من عرب اليمن، وكان اخوان له، قدما الى مكة «يطلبون اخا لهم» بصحبة ابيهما (ياسر). فرجع الاولان فيما بقي الاخير مقيما فيها، حسب رواية ابن سعد((131)).

ولكي يحصن موقعه الاجتماعي في مكة، تحالف ياسر مع ابي حذيفة المخزومي الذي احتضنه وزوجه من امة (سمية)،ولدت له ابنه، موضوع دراستنا، عمار بن ياسر. ويبدو ان التحالف، وفقا للتقاليد القبلية، يتخذ عادة معنى الولا اوالالتحاق، فيصبح نوعا من الاسترقاق، بدليل وحسب الرواية عينها ان ابا حذيفة اعتق ياسرا بعد وقت، الا ان هذا ظل وفيا لسيده المخزومي حتى وفاته((132)).

كان ذلك عشية ظهور الاسلام الذي بدات دعوته سرا لنحو ثلاثة اعوام. وفي حينها انضم ياسر واسرته (سمية وابناها:عمار وعبداللّه) الى الدين الجديد((133)). ولكن الرواية التاريخية لا تحمل الينا تفاصيل عن دور الاب (ياسر) في تلك المرحلة المبكرة، ربما لانه غادر الحياة بعيد اسلامه، خصوصا وان الرواية في سياقها، تشير الى زواج ثان لسمية من احدموالي ثقيف بالطائف((134)). وخلافا لذلك، فان رواية في طبقات ابن سعد تتحدث بشيء من التفصيل عن اسلام الابن،الذي كان بين الثلاثين او الاربعين الاوائل من المسلمين. ومن هذه التفاصيل ان الرسول كان يجتمع مع اصحابه في دارالارقم، فالتقى عمار عند بابها صهيبا بن سنان، فدخلا معا على الرسول الذي اقنعهما بالدخول في الاسلام((135)). وقد لايكون الامر مجرد مصادفة، اذ ان عمارا، المختلف نشاة وخيارات، قد تعرف قبل الدعوة الى محمد وغدا من اصحابه المقربين اليه. وفي هذا يروي اليعقوبي قولا عنه: «كنت صديقا له (محمد)، فانا لنمشي بين الصفا والمروة، اذا بخديجة بنت خويلد واختها هالة. فلما رات رسول اللّه جاتني هالة اختها فقالت: يا عمار! ما لصاحبك حاجة في خديجة؟فقلت: واللّه ما ادري. فرجعت فذكرت ذلك له، فقال: ارجع فواضعها وعدها يوما ناتيها فيه...». ثم جا رسول اللّه في نفرمن اعمامه تقدمهم ابو طالب «لخطبتها من ابيها خويلد بن اسد بن عبد العزى»((136))ع 82.

كان عمار اذا من طلائع الدعوة الاسلامية في عهدها السري، على انها ليست «الاسبقية» التي منحته الموقع المتميز في الدعوة، وانما الالتزام على ذلك النحو من العمق والاندفاع.

فقد عرف جيدا (وامه ايضا) حجم التضحية التي عليه تقديمها، خصوصا انه كان فاقدا الحصانة (القبلية)، حيث المجتمع آنئذ في تكوينه الاجتماعي لا يحمي الضعفاالخارجين على التقاليد، وغير المنضوين تحت راية احد البطون فيه.

فكان على عمار، من هذا المنظور، ان يدفع ثمنا باهظا، وان يكابد من المعاناة مكابدة الكثيرين من اقرانه. وفي ذلك يروي ابن الاثير: «كان (الرسول) مستترا بدعوته لا يظهرها الا لمن يثق به، فكان اصحابه اذا ارادوا الصلاة ذهبوا الى الشعاب فاستخفوا. فبينما سعد بن ابي وقاص وعمار وابن مسعود وخباب وسعيد بن زيد يصلون في شعب، اطلع عليهم نفر من المشركين منهم: ابو سفيان بن حرب والاخنس بن شريف وغيرهما، فسبوهم وعابوهم حتى قاتلوهم،فضرب سعد رجلا من المشركين... فشجه، فكان اول دم اريق في الاسلام»((137)).

واذا كان سعد وهو من وجوه «زهرة» من قريش قد نجا من العقاب متحصنا بالعصبية، لا سيما وان الرواية لم تذكرعشيرة الرجل الذي سال دمه، فان عمارا واصحابه من «المستضعفين» الذين وصفهم ابن سعد بانهم «قوم لا عشائر لهم بمكة وليست لهم منعة ولا قوة»((138)) تعرضوا للتعذيب، سجنا وضربا وجوعا وعطشا، لارغامهم على العودة عن الاسلام. كان هؤلا طليعة الدين وقافلته الاولى على طريق النضال الصعب، وقد واجهوا من التحدي ما لم تواجهه الطلائع الاخرى من قريش، هذه الطليعة يتقدم صفوفها عمار، ومعه صهيب بن سنان، وبلال بن رباح الحبشي، وخباب بن الارت التميمي، وعامر بن فهيرة، وافلح ابو فكيهة (حليف بني جمح) ، وغيرهم((139)) وربما كثيرون من امثالهم عانواوطاة التعذيب الذي بلغ ذروته، بارغامهم على الوقوف وقتا طويلا في العرا، تكوي رؤوسهم وجسومهم الشمس الحارقة. بعضهم «ف تن» وهو مصطلح العودة عن الاسلام او عاد مهاجرا في اللّه((140)) وبعضهم صمد على البلا وقاوم حتى الموت.

فرادة في الجهاد كثيرون من اولئك المناضلين الاوائل، عانوا المحنة الشديدة وواجهوا بشجاعة فائقة تنكيل المشركين بهم. غير ان عماراكان المناضل بامتياز، وكان الاكثر تحملا لتبعات الالتزام في تلك المرحلة التي ما كانت الدعوة لتجتازها وتخرج سالمة منها، لولا صمود هذه النخبة وتضحياتها وعطااتها المطلقة. فلم يكن عمار مجرد فرد كالاخرين ممن اتت على ذكرهم الرواية التاريخية، او ممن طواهم النسيان، وانما كان يناضل بوصفه فردا من اسرة دخل الاسلام اليها بالصفا عينه، فلم تدخر وسيلة لنصرته وبذل اقصى ما يستطيعه انسان في سبيله. وهي حالة لا نجد مثيلا لها في تاريخ المرحلة، اذ كان الاب والام والابن على الوتيرة نفسها من الاندفاع والمجاهرة بالموقف الشجاع، لنظام تشتبك معه المصالح الحيوية لقبائل الحجاز وشبه جزيرة العرب.

وقبل التوقف عند الرؤية التاريخية وما حملته من بعض معاناة هذه الاسرة، ربما تجدر بنا الاشارة الى معنى ان يكون في ذلك الزمن «شيخ» مثل ياسر في صميم حركة الاسلام، مخترقا مالوف التقاليد التي تجعل «الشيوخ» يترددون على الاقل في مغادرة مواقعهم الراسخة، مصالح والتزامات اجتماعية، في وقت لم يغادر هذه المواقع سوى القليلين جدا الى الاسلام.

كذلك من فرادة الاسرة ان تكون الام (سمية) متميزة بنضالها امراة تخرج الى ساحة المواجهة المباشرة، فيماكان الرجال (المسلمون) ، او غالبيتهم، يتخذون الحيطة في التصدي للنظام الوثني. فلم تقاتل سمية على هذه الجبهة، الابوصفها واحدا من المسلمين. ولم تصنف امراة عندما قضت في سبيل المبدا، ووصفت بانها «اول شهيد في الاسلام»،وان كان المقصود هنا، انها اول الشهدا من النسا والرجال، مع العلم ان زوجها سبقها الى الموت تحت وطاة تعذيب المشركين، كما سنرى لاحقا في الرواية.

يروي ابن الاثير((141)) في هذا الصدد، عن بني ياسر العنسي:

«كانوا يخرجون عمارا واباه وامه الى الابطح اذا حميت الرمضا، يعذبونهم بحر الرمضا، فمر بهم النبي (ص)، فقال: صبرا آل ياسر فان موعدكم الجنة. فمات ياسر في العذاب،واغلظت امراته سمية القول لابي جهل، فطعنها في قبلها بحربة في يديه، فماتت، وهي اول شهيد في الاسلام، وشددواالعذاب على عمار بالحر تارة وبوضع الصخر على صدره اخرى، وبالتفريق اخرى، فقالوا: لا نتركك حتى تسب محمداوتقول في اللات والعزى خيرا، ففعل، فتركوه، فاتى النبي يبكي، فقال: ما وراك؟ قال ياسر: شر يا رسول اللّه، كان الامركذا وكذا. قال:

فكيف تجد قلبك؟ قال: اجده مطمئنا بالايمان. فقال: يا عمار ان عادوا فعد، فانزل اللّه تعالى (الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان) [النحل: 206].

لقد استحقت سمية هذا التوصيف الريادي في الرواية التاريخية التي قدمتها على زوجها في الشهادة، ليس من باب الاسبقية، ولكن انطلاقا من شجاعتها في الاعلان عن التزامها بالاسلام في الموقف الصعب. فهي تتحدى، وبجراة، شيخ بني مخزوم، وهي واسرتها من مواليهم، قبل ان يحررها بصورة كاملة الاسلام. من هنا كانت شراسة ابي جهل(المخزومي) في الرد عليها طعنا حاقدا، عندما اغلظت له القول، وفقا للرواية السالفة.

وهكذا عمار الرائد دائما، وحين تصل الامور الى مستوى التضحية، يكون في المقدمة. فهو شاهد لاول دم اريق،ومواكب لاول الشهدا في الاسلام، ومثقل بمختلف انواع التعذيب على يد عتاة الشرك. ورضوخه في النهاية لامرهؤلا، باعلانه التخلي عن الاسلام، لم يكن هربا من مصير الاب والام، ولكن لان مثل عمار ما تحتاج اليه حينئذ الدعوة الطرية العود، ممن تعمر قلوبهم بالايمان، ولا يمس قناعاتهم اي ريب. وعمار في معاناته يتجلى واحدا من رموزالمرحلة الكبار، وهو دائما على طريق الشهادة، وان تاخر عن موكب ابويه الرائدين.

للفقرا والمراة دور ريادي في نصرة الدعوة ولابد للمؤرخ هنا من ان يسجل ملاحظتين: الاولى تتعلق باستجابة الفقرا للدعوة الاسلامية، وهو امر طبيعي، اذا توقفناعند الخلل الذي اصاب معادلة «التكافل» في مكة، وادى الى توسيع الثغرة بين شريحتين في المجتمع: اقلية فاحشة الثرا، واكثرية معظمها من موالي قريش، او البطون الصغيرة من الاخيرة، وقد تدهورت اوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، الامر الذي شجعها على الانخراط في الدعوة، حيث وجدت القناعة الدينية موقعا يضمن لها العدالة والمساواة.

والملاحظة الثانية لها علاقة بحجم الدور الذي اتخذته المراة في ذلك الشوط من المسيرة. فهي اول المؤمنين بالاسلام(خديجة)، واول شهدائه (سمية)، وهي حاضرة بين الرواد (فاطمة بنت الخطاب)، كذلك هي مناضلة في مقدمة الصفوف، ونالها من التعذيب والاضطهاد، ما نال كبار المجاهدين من الرجال. وقد ذكر ابن الاثير عددا من هؤلا النسا،ومنهن من فقدت البصر((142)) لارغامهن على الرجوع عن الاسلام، وهن في الغالب جاريات لبني عبد الدار وعدي وزهرة من بطون قريش((143)) اي من الشريحة التي ينتمي اليها عمار بن ياسر ورفاقه. هذه التي اسست لقاعدة الاسلام وعبرت عن وعي مبكر بالتاريخ، وبحتمية انتصار التوحيد على الشرك، وانهيار الفكر الوثني امام قيم الدين الجديدومشروعه الانساني المتكامل.

ريادة تقصيها الرؤية المنحازة في ظل هذا الواقع التصارعي نشا عمار، وساقته قدماه الى حيث يجتمع الرسول سرا باصحابه وكانه يبحث عن ذاته التي وجدها في الاسلام، فيذهب فيها بعيدا، ويتجذر بعمق، وبالتالي يصبح لشدة التصاقه بصاحب الدعوة، الحاضر دائمافي المسار الخطر للاخيرة، وفي تحدياتها لقوى الشرك، يتجلى ذلك في مؤشرين مهمين:

1 ان آية قرآنية نزلت فيه، بنا على رواية ابن سعد عن وكيع بن الجراح((144)) عندما اشتدت وطاة التعذيب عليه كماسلف القول.

2 ان اول مسجد في الاسلام، واستنادا الى رواية عن قبيصة بن عقبة، اقامه عمار بن ياسر في داره، وكان يصلي سرافيه((145)). وهكذا فان عمارا الذي اعتنق الاسلام وكان قد تقدم في الكهولة، طوى صفحة الماضي وتطهرت نفسه من رواسب الوثنية، لينخرط في الدعوة وكانه لم يعبر تلك المسافة البعيدة عنها. من هذا المنظور يكتسب دوره تلك الاهمية، على مستوى الريادة والتضحية والمعاناة، مما لا نجد مثيلا لذلك لدى النخب باستثنا قلة قليلة الذين اقترنت اسماؤهم بتوصيفات شبه قدسية، او احيطت هذه بهالة تفوق ما قدمته من تضحيات في سبيل الاسلام. لعل الرؤية التاريخية المنحازة اصلا، تدخلت لمصلحة هؤلا النخب المنتمين الى قريش، القبيلة التي كان لها امتيازها لدى علما الانساب. فتراجع نتيجة لذلك حضور مناضلين كبار، وبعضهم تتوجت مسيرته بالشهادة، ليس في المواقع السياسية فحسب، ولكن ايضا في المصنفات التاريخية، المشدودة الى مراكز النفوذ.

والمؤرخ، بشكل عام، وان اخذته التفاصيل، تظل تبهره المنجزات، ولا تكاد تتعدى انظاره الصفوف الاولى من مواكب النصر، فيما صانعو الاخير حقيقة، وهم يؤثرون بطبيعتهم الابتعاد عن الضجيج، تسقط اسماؤهم من اللوائح، او تقبع في الهوامش من اوراقها.

وعمار لا يهتم لمثل ذلك، وهو يعرف ايضا ان موقعه، بوصفه حليفا لعشيرة ثانوية في قريش، لا يتيح له التقدم فوق المراحل.

فما طمح حينذاك اليه، هو ان تنتصر الدعوة التي وجد فيها ما افتقده في المجتمع المكي الوثني، وهو ماينفك بالتالي يخوض معركتها بكل ما يملكه من ارادة وصبر وايمان. كان الى جانب الرسول دائما، ولم يفترق عنه الا في الهجرة الثانية الى الحبشة((146)). وعندما قدر للاسلام ان يخرج من حصار قريش، ومن عزلته في مكة بعد ذلك الاتفاق التاريخي بين الرسول وبين الاوس والخزرج((147)) كان عمار بن ياسر، وقد انهكته التجربة، تواقا الى مغادرة مكة، فاذا به من اوائل «المهاجرين» الى يثرب (المدينة)، حيث نزل في بيت رجل مغمور من «الانصار»، هو مبشر بن عبد المنذر (148))ثم اكتمل عقد الهجرة مع الرسول، ومعه ابو بكر، قبل ان يلتحق بهما علي بن ابي طالب الذي عهدت اليه مهمة خطرة في مكة، وهي تضليل قريش واحباط خطتها لقتل الرسول، بنا على قرار اتخذته في «دار الندوة».

نبوة النبي (ص): تقتلك الفئة الباغية وهكذا اصبح للاسلام ملجا، بانتقاله من «دار الاضطهاد» الى «دار الهجرة»، حيث كانت الخطوة الاولى الملحة، توحيدالمجتمع في اطار ما سمي بالجماعة الاسلامية التي يمكن ان تقترن مفهوما سياسيا بالامة. وقد وردت هذه في مطلع «الكتاب» الذي جا بمثابة دستور للجماعة، مخاطبا فيه المسلمين «الاخوة»، بانهم «امة واحدة من دون الناس»((149)).وكان الرسول اول ما نزل في «قبا»، حيث بنى المسجد الاول في دار الهجرة، ثم انتقل الى منزل ابي ايوب الانصاري في المدينة، فاشترى ارضا بجواره وانشا عليها المسجد والدار التي اقام فيها((150)). ويروي ابن اسحق كيف تظاهرالمسلمون على العمل في بنا المسجد، ويخص عمارا بالذكر، كاول اشارة الى احد المهاجرين في مستقرهم الجديد،وهو لا يزال في اتم انخراط مع الجماعة وتحمل لمسؤولية الدور بكافة ظروفه ومستوياته. يقول ابن اسحاق:

«دخل عماربن ياسر وقد اثقلوه باللبن، فقال: يا رسول اللّه قتلوني، يحملون علي ما لا يحملون. قالت ام سلمة، زوج النبي (ص) :فرايت رسول اللّه (ص) ينفض وفرته((151)) بيده وكان رجلا جعدا... ليسوا بالذين يقتلونك، انما تقتلك الفئة الباغية»(152)).

هذه اذا مناسبة العبارة الشهيرة التي خاطب بها الرسول صاحبه المناضل، المتفاني في عطائه وتضحياته، وقد تخرج هذه بصورة ما المؤرخ الذي يتعقب عادة الحدث بعد وقوعه، ولا يبني افتراضا على غير ذلك في شتى الاحوال، على ان الرسول، وهو ما انفك في نهجه يخاطب العقل، لم يكن في صدد الافتراض خارج اطار القاعدة، وانما كان يرى،واستنادا الى المنطق والواقع، ان مثل عمار بوصفه داعية لا يساوم على ايمانه لا يموت كالاخرين على فراشه.فالحرب لا تزال في بدايتها، والصراع ضد قوى الباطل ليس محددا بوقت، كذلك الهجرة بمعناها النبوي مستمرة «ماقوتل الكفار»، كما اكد الرسول في «حديثه». هذا قدر عمار وآخرين من اولئك النخب الذين ساروا الى مصيرهم المحتوم من دون تردد، ولو نقل قول للرسول عنها، لكان مطابقا لقوله في عمار الذي لم يخالف «النبوءة»، او تخذله الارادة امام خياراته الصعبة.

ان قراة شفافة لتلك المرحلة، تجعلنا نقارب مقولة الرسول الشهيرة في «صاحبه»، والتي تنم عن معرفة بتفاصيل شخصيته، بما في ذلك فرادة الادا وتوهج الدور، فضلا عن العلاقة الاثيرة معه. وفي هذا السياق بنا على رواية الزهري يقطع الرسول عمارا «موضع داره»((153)). وعندما قام باعلان الجماعة (الامة) مؤاخيا بين افرادها في اطارالعقيدة، كان اخا عمار في هذه المنظومة، واحد من نخب الانصار، هو الصحابي الشهير حذيفة بن اليمان((154)).

انموذج الصحابي الحقيقي هكذا اصبح مولى بني مخزوم، المضطهد في المجتمع المكي، والمناضل الشديد المراس الذي عانى صنوف العذاب،وكان ابواه اول شهدا الاسلام، واحدا من قادة الجماعة في الامة الصاعدة. واتخذ كل دوره بما يتوام مع صدقيته وكفاته واندفاعه. وبقدر ما اسهم به هذا الواقع في تصليب موقع المدينة وتمتين جبهتها، بقدر ما اثار نقمة قريش التي حاربت، ليس فقط العقيدة، ولكن هذا التحول الذي بدا يحدثه على مستوى المفاهيم والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، فقد فرضت قريش في الماضي قيادتها على العرب، انطلاقا من عصبيتها المتحدة مع الدين (الكعبة)، تلك التي بنى عليها ابن خلدون نظريته الشهيرة عن العصبية والملك والمثل الاعلى الديني، بعد عدة قرون. ولكن قادتهاالذين عملوا على تسخير الدين لمصلحة التجارة، كان عليهم، ومن المنظور الخلدوني نفسه، ان يواجهوا صعوبة في المحافظة لوقت طويل على هذه المعادلة. وبالفعل ما كاد الاسلام يتخذ موقعه في المدينة، وبفضل تلك الدينامية التي اظهرها في مواجهة القوى المهددة له، حتى كانت مكة، كنظام، تنتقل سريعا الى موقع الدفاع، وتعجز في النهاية عن الخروج من الحصار الذي فرض عليها منذ وقت مبكر (السرايا).

واذا كان عمار، شان كثيرين من نخب الهجرة، يتوقف اسمه حينئذ عن التردد في المصنفات التاريخية، فلا يعني ذلك انه لم يشارك في انشطة المدينة، لا سيما في الصراع ضد قريش. وهي مسالة خاضعة لمنهج هذه المصنفات التي اهتمت عموما بالقادة، سوا الذين يتولون السرايا، او ينتدبون للقيام مكان الرسول ابان خروجه في احدى غزواته.

ولكن،انطلاقا من وجوب الالتزام بالجهاد عندما يدعى المسلمون اليه، فان عمارا كان في صميم هذا «الفرض»، متصديا لكافة تحديات المرحلة. ولعل الواقدي، هو اكثر الاخباريين الذين نجد لديهم تفاصيل عن عمار، خصوصا وان طبيعة مصنفه(المغازي) تجعل فيه متسعا لتفاصيل في هذا المجال، لم تاخذ حيزها في المصنفات الاخرى. فثمة رواية ذكرها ابن سعد عن الواقدي، بشان المؤاخاة بين عمار وحذيفة، يستنتج منها ان الاول كان ممن شهد «بدرا»، وذلك في معرض النفي عن شهود الثاني لهذه الغزوة، على الرغم من قدم اسلامه((155)). وفي رواية اخرى، يؤكد الواقدي في «مغازيه» هذه المعلومة، فيذكر عددا من اصحاب الرسول ممن شاركوا في بدر، كان بينهم عمار بن ياسر((156)) كما يذكر ايضا تفاصيل اخرى عن شجاعة هذا الصحابي بقتله ثلاثة من المشركين (الحارث بن الحضرمي ويزيد بن تميم وعلي بن امية بن خلف)، واسره واحدا من كبارهم (ابو العاص بن نوفل بن عبد شمس)((157)). كما شارك عمار في غزوة «احد»، وفي اعقابها ارتبط اسمه بقتل احد رجالات قريش من بني امية، وهو معاوية بن المغيرة بن ابي العاص، وكانت اخبار قد وصلت الى الرسول الذي استجاب لطلب عثمان بالعفو عن معاوية هذا، على ان يعودالى مكة خلال ايام ثلاثة ان معاوية لا يزال كامنا في «العقيق». واذ خرج الرسول في غزوة «حمرا الاسد»، حث المسلمين على طلبه، فادركه زيد بن حارثة وعمار وقتلاه((158)).

وفي غزوة «ذات الرقاع»، رافق عمار الرسول((159)) وكانت معه راية المهاجرين ابان غزوة المريسيع((160)). واذا توقفناعند رواية وهب بن جرير، فان هذه تؤكد على مشاركة عمار في كافة العمليات الحربية، خصوصا الغزوات منها. وقد جافي الرواية على لسانه: «قاتلت مع رسول اللّه (ص) الانس والجن»((161)). وكان الى ذلك بين مجموعة الذين تولوا نقل كتب الرسول الى خارج شبه الجزيرة العربية او اطرافها، حاملة الدعوة الى الاسلام، حيث تولى ايصال الكتاب الى الايهم بن النعمان الغساني في الشام((162)).

والواقع ان عمارا، بصدقيته واندفاعه وايمانه الراسخ، يمثل انموذج الصحابي الحقيقي في زمانه وفي جميع الازمنة. فهولا ينفك مع الرسول مقاتلا، وعلى كافة الجبهات كما عبر عن ذلك بنفسه، وسيرته على ضحالة ما روي عنها ليست منفصلة عن سيرة الرسول الذي رعى عن كثب اولئك النخب وقدر اهمية تضحياتهم في سبيل الاسلام. وفي ضوءذلك، فان مصنفات السيرة هي المصدر لاخبار «ابي اليقظان» اذ كان الرسول يؤثر مخاطبته بذلك من دون ان يلتبس الموقف يوما بان الحق ليس في المكان الذي يكون فيه الصحابي الجليل. ولعل آخر المشاهد مما يجسد هذه العلاقة في حياة الرسول، عندما وقع خلاف بين عمار وخالد بن الوليد، اثر سرية الاخير الى بني جذيمة، واخذه كما اتهمه عمر بن الخطاب بالذي «كان من امر الجاهلية»((163)). ولما شكا عمار ذلك الى الرسول، غضب من خالد وقال له آحسب رواية الواقدي: «لا تقع بابي اليقظان، فان من يعاده يعاده اللّه ومن يبغضه يبغضه اللّه...»((164)).

المرحلة الانتقالية وتبدل المواقع ولكن صورة عمار، في الروايات التاريخية، يلفها بعد الرسول ضباب كثيف، وتكاد اخباره تنقطع تماما في تلك المرحلة الانتقالية بتطوراتها الخطيرة. ولن يجدينا التساؤل هنا عن دوره في بيعة «السقيفة»، او موقفه منها، لان احدا من النخب الذين ينتمي الى «طبقتهم»، لم تحمل الروايات شيئا من اخباره في هذه المسالة. فالخلافة بمعنى السلطة، وبدءا من ظروف تكونها، هي شان قرشي، وان كان الخطاب المعلن يحصرها في المهاجرين، بما لهم من «امتيازات» لا يتمتع بهاالاخرون، لا سيما الانصار. ولكن بنا على تصارع الاتجاهات على السلطة في ذلك الوقت، يرجح ان عمارا، شان بعض النخب، خذلتهم المرحلة الجديدة، فجا تصنيفهم غير مبني على موقعهم الاسلامي، وانما كان للموقع الاجتماعي، ان لم نقل القبلي، تاثير اساسي في مواقع النفوذ.

ومن هذا المنظور، ليس من قبيل المصادفة ان ينضم الانصار الى علي بعد اسقاط محاولتهم لتحقيق موقع ما على مستوى السلطة. ولعل تحولهم السريع، من المطالبة بالخلافة الى تاييد «حق» علي فيها((165)) حيث وحد «الحرمان المشترك» بين الطرفين، وفقا لراي احد المستشرقين((166)) كان اي التحول نابعا من قناعة، بان نهج «مرشحهم»، يشكل حصانة لهم في مواجهة «فوقية» المهاجرين، تلك التي عانوا شيئا منها خلال عهد الرسول. كذلك عمار بن ياسرواصحابه، لم يختلف وضعهم عن الانصار، اذ كانوا بدورهم يؤثرون حكم من يعتقدون انه الاكثر كفاة لمتابعة المسيرة وحماية تراثهم النضالي، فضلا عن مواقعهم التي تراجعت بصورة ملحوظة منذ وفاة الرسول، وفي ضوء ذلك ينحازعمار مبكرا الى التيار المؤيد لعلي، ويصبح من المقربين اليه، فكان احد ثلاثة حضروا تشييع فاطمة (الزهرا)، الى جانب سلمان وابي ذر الغفاري، هؤلا الذين امتنعوا مع آخرين عن البيعة لابي بكر، انطلاقا من هذا الموقف، حسب رؤية اليعقوبي((167)).

على ان هذه المسالة تبقى خاضعة للنقاش، على الرغم من المعطيات التاريخية التي تدعم هذا التفسير، خصوصا بعداغتيال الخليفة عمر بن الخطاب، وبروز قوى تتقنع بالاسلام، في وقت اخذت تعيد تركيب مواقعها السياسية على اساس قبلي. فقد بدا حينذاك يتبلور الفرز في هذا الاتجاه، وبعض النخب، خصوصا غير المتحدر من اصول «ارستقراطية» ، حدد مواقعه بشكل ثابت لمصلحة التيار الذي يمثله علي (نذكر هنا المقداد وعمار بن ياسر وابا ذرالغفاري وعبداللّه بن مسعود على سبيل المثال) اما النخب «القرشية» ، فقد خرجت من تراثها الى دائرة التطاحن على السلطة، او التوافق عليها، او في احسن الاحوال «الاعتزال» عنها.

ولكن عمار بن ياسر، لم يكن في وسعه الخروج من دوره، سوا كانت السلطة تمثله بالمطلق ام على مسافة منه، وفي المقابل لن يكون في وسع الخلافة تجاهل شخصية صحابي مثله، وان لم تكن على تطابق معه في النهج والاسلوب. كان ذلك شانه مع ابي بكر الذي نفتقد الى معطيات كافية بشان العلاقة بين الاثنين، لا سيما وان قصر عهد هذا الخليفة، لايتيح للمؤرخ معرفة الكثير عنه. ويكاد دوره، اي عمار، يقتصر حينذاك على ما اورده الواقدي عن تحريضه للمسلمين في يوم اليمامة، احد اعظم «ايام» الردة، تلك الحركة التي دفعت الاتجاهات السياسية في المدينة الى التخلي عن «صراعاتها» والتوحد حول الخليفة لانقاذ الاسلام من الخطر. وقد ورد في الرواية ان عمارا اعتلى صخرة، «واشرف يصيح:امن الجنة تفرون؟ انا عمار بن ياسر هلموا الي». وقد قطعت اذنه «وهو يقاتل اشد القتال»((168)).

امارة الكوفة: تولية وعزلا عمار المقاتل لا يهدا، وهو مستمر في هذا الدور وعلى نطاق اوسع في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي قدر لعمارجهاده في الاسلام، فكانت للصحابي الكبير مكانة عالية في نفسه. وهذا ما يعبر عنه قرار تعيينه واليا على الكوفة، وقدجا فيه: «بعثت اليكم عمار بن ياسر اميرا وابن مسعود معلما ووزيرا، وقد جعلت ابن مسعود على بيت مالكم، وانهمالمن النجبا من اصحاب محمد من اهل بدر، فاسمعوا لهما واطيعوا وامتدوا بهما»((169)). ولعل ما يستوقفنا في هذه الرواية، هو ان الخليفة عمر، بما عرف عنه من اتجاه الى تقوية سلطة الخلافة على حساب مراكز النفوذ التي اصطدم بها، من امثال سعد بن ابي وقاص وخالد بن الوليد، حرص على الافادة ممن اسماهم اصحاب محمد في قيادة الامصار، بهدف تسريع اندماج الاخيرة في اطارالخلافة المؤسسة. وبنا على ذلك، فان تعريف النخبة من الاوائل بهذه الصفة، كان متداولا في عهد عمر، وليس بعد ذلك كما يقول المؤرخ هشام جعيط: «لئن بان المصطلح المستعمل في عهد عمر للدلالة على الصحابة، يشدد على مفردتي المهاجرين والانصار، فقد ساد في عهد عثمان مصطلح اصحاب محمد»((170)). ولعل ما يهمنا من التاكيد على ربط هذه الصفة بعهد عمر، هو ان الخليفة الثاني، على الرغم من خوضه الصراع السياسي على قاعدة الاولوية القرشية، وتوليه السلطة بطريقة تكرس «ملكية» القبيلة التي ينتمي اليها، فان سياسته بعد ان آلت الخلافة اليه، خرجت عن هذا النطاق الضيق، الى الاطار الاوسع، وذلك بما يعبر، وبصوراكثر موضوعية عن طبيعة الاسلام وشموليته.

وفي ضوء ذلك، فان الخليفة عمر لم يلتزم بقاعدة «السيادة القرشية» التي تجلت عموما في عهد سلفه (قادة الفتوح على سبيل المثال كانوا جميعا من قريش). فكانت ادارته متنوعة على مستوى العشيرة او القبيلة((171)) وكان يولي الاهمية للكفاة والنزاهة والانضباط. هذا عدا المراقبة لسلوك العمال والقضاة والقائمين باية مهمة، والزامهم بتقديم كشف عن ثرواتهم بعد انتها ولايتهم((172)). على ان الخليفة لم تكن كل ادارته بهذا المستوى من القيادات النخبوية، فقد كان فيهارجال لا تنطبق عليهم اطلاقا هذه المواصفات، مثل معاوية بن ابي سفيان والمغيرة بن شعبة. وقد يسوقنا ذلك الى البحث في اسباب عزل عمار عن ولاية الكوفة، فماذا بشانه، ولماذا عزل بهذه السرعة من منصبه؟ ينبغي، اولا، ان ندرك خطورة المهمة التي كانت في جزء منها تكريما من الخليفة للدور الريادي لهذا الصحابي في الاسلام.

وقد عين له مساعدين من المستوى عينه: ابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف على السواد((173)) اوعلى الارض وفقا لرواية ابن خياط((174)) اي ان الثلاثة توزعوا السلطة على هذا النحو: «الامارة» لعمار، وبيت المال لابن مسعود والخراج (السواد) لابن حنيف. ولكن عمارا، وانطلاقا من تكوينه الفكري الجذري، وطريقة حياته، وجد صعوبة في ادارة ولاية تعج بقبائل لها اصولها العريقة وهي لا تزال حينئذ اشد ارتباطا بها من الاسلام. ويحاول المؤرخ محمدعبد الحي شعبان القا الضوء على هذه المسالة من منظوره الخاص، فيرد تعيين عمار على الكوفة الى ان الخليفة عمرهدف الى توطيد سلطته وسلطة الوالي معا، «ولكن التجربة فشلت والكلام لشعبان لان عمار كان جديدا في فن الحكم كما هو واضح، مما اضطر عمر الى العودة الى سياسيين متمرسين كالمغيرة بن شعبة، برغم سمعته المشبوهة في ممارسته للدين الاسلامي»((175)).

ولا شك في ان تعليل المؤرخ شعبان برغم التباس العبارة الاخيرة وعلى ذلك النحو الاشكالي يستحق الاهتمام،ولكن مسالة العزل تبقى غير محسومة، اذا اخذنا في الاعتبار تضارب الروايات، بدءا من اقدمها لدى ابن خياط الذي تعاني روايته شيئا من الاضطراب بشان طبيعة المهمة وزمانها، فيذكر ان الخليفة ولاه على الصلاة((176)) وفي مكان آخريرد اسمه قاضيا على الكوفة((177)). ولكن روايته، من جانب آخر، توحي بان عمارا كان واليا على الكوفة منذ العام العشرين للهجرة، وذلك ابان وقعة ستر عندما «كتب عمر الى عمار ان يمد ابا موسى بالجند»، قبل ان يكتب اليه ثانية للسير بنفسه الى هذه المعركة((178)) وفي مكان آخر ايضا، وفي سياق العام الثاني والعشرين، يقوم عمار على راس مددمن اهل الكوفة الى البصرة التي تعرضت لغزوة من احد القادة الفرس((179)).

اما ابن سعد فيتوقف عند زهد عمار وتقشفه ابان ولايته على الكوفة((180)) ولا يتعرض الى اسباب عزله، مكتفيا بذكرعبارة منسوبة للخليفة (عمر)، وكانه يطيب خاطره او يعتذر اليه((181)). واما الطبري((182)) فيذكر تفاصيل تعيدنا الى تفسير المؤرخ شعبان السالف، والذي اختصر المسالة باخفاق عمار في المهمة الموكولة اليه. ولكن قراة غير متسرعة في رواية الطبري عن سيف (والاخير هو الاقل دقة بين الاخباريين الذين اعتمد عليهم هذا المؤرخ) تفيد ان من بين اهم اسباب عزله، تبرم بعض زعامات الكوفة من سياسته المتشددة، التي حالت دون تحقيق ما يطمحون اليه من النفوذ،«فنزل به اهل الكوفة» كما جا في الرواية وشكوه الى الخليفة الذي استدعاه للنظر في امره((183)).

كان عمار يمارس السلطة من منطلق وعيه بالاسلام، فلا يحيد عن مقتضيات المبدا، وعما تعلمه من «صحبته» للرسول ومعايشته للتجربة الرائدة في المدينة، والتي كان من ابرز عناوينها العدالة والمساواة. ولكن مجتمعا يرتكز على عصبيات لا تزال ساخنة، كان من الصعب اقناعه بشخصية تجد تراثها الاساسي في الاسلام، الامر الذي حال دون تكيف زعامات القبائل مع افكاره المثالية، فتمردت عليه او «نزت» به وفقا لمفردة سيف في روايته السالفة. من هذا المنظور كان الاخفاق الحقيقي لمهمة عمار الذي رفضته القبائل، وهو المتحدر اليها من اصول متواضعة، فعجز عن اختراقها بنهجه المتناقض مع تقاليدها ومفاهيمها. ولعل ما افجعه في التجربة، ان رجالات كان يعدها في صفه ويراهن على دورها في الانتقال من مجتمع القبائل الى «جماعة» الاسلام، كانت في مقدمة الذين خذلوه ودفعوا به الى مواجهة العزل او الاستعفا((184)) من المهمة. واستنادا الى الرواية عينها لدى الطبري، فان عمارا وجه وفدا الى الخليفة، على راسه كل من سعد بن مسعودالثقفي وجرير بن عبداللّه البجلي، وكلاهما كان من المقربين اليه، وقد ظن انهما سيدافعان عن سياسته، فاذا بهما «اشدعليه» من الاخرين، بل انهما «سعيا به واخبرا عمر باشيا يكرهها»، ووصل الامر الى التصريح امام الخليفة، ان عمارا «غيركاف ولا مجز ولا عالم بالسياسة»((185)).

بمثل هذه التهم، او على الاقل التشكيك بكفاته، واجه عمار تلك الصدمة الكبيرة التي كانت اشد صعوبة عليه من تجربة المعاناة والاضطهاد القرشي في مكة. ولقد بدا حينذاك ان الاسلام لما يخرج بعد من صراعه مع القبائل التي غيرت فقط طريقة المواجهة، من التصادم الى الاحتوا، فيكون موقف صحابي من قبيلة ضعيفة (جرير بن عبداللّهالبجلي)، احد تعبيرات المرحلة التي اخذت تختلط فيها الاوراق، والتي سرعان ما انكشفت عن تطورات خطيرة، بدات في العام التالي باغتيال عمر، ولم تنته باغتيال عثمان، وقيام جرير نفسه بدور لم يختلف كثيرا عما سبق له القيام به في ذلك الوقت.

ان ثمة معادلة كان لا يزال ينسج خيوطها اولئك الذين وجدوا في الاسلام عائقا دون العودة الى مواقع نفوذهم السابقة،وهي معادلة اخذت تتاسس اعتمادا على القبائل، المرتبكة على الاقل، في النظام الجديد، والطامحة الى تعزيز مواقعهافيه، وليس خارجه، وهو ما شكل قاسما مشتركا بين اطراف المعادلة التي اصبحت شبه معروفة منذ اغتيال عمر ومجيءعثمان الى الخلافة، من دون تسويغ مقنع للحالتين. وينتهي الامر بان يصبح المغيرة بن شعبة ممن ينظرون حينذاك للسلطة، بعد ان قطف ثمار الحملة التي تظافرت لعزل عمار، فصرح مخاطبا الخليفة بما يشكل ايذانا بظهور تلك المعادلة، او الصيغة الجديدة للسلطة: «اما الضعيف المسلم، فان اسلامه لنفسه وضعفه عليك، واما القوي المشدد، فان شداده لنفسه وقوته للمسلمين»((186)).

موقع عمار في الصيغة الجديدة للسلطة تراجع عمار الى حيث موقعه الطبيعي، مناضلا يحسن استخدام دوره خارج السلطة اكثر من داخلها. ولكن التجربة ظلت مرارتها في نفسه، ولم يخف ذلك في حواره مع الخليفة في اعقاب عزله((187)) فانزوى آنذاك في داره، «عائذا باللّه من فتنة»، كما ورد في «الطبقات» لابن سعد الذي يضيف في هذا السياق: «كان عمار بن ياسر من اطول الناس سكوتا واقله(اقلهم) كلاما»((188)). ولما توفي عبداللّه بن مسعود، ظهر لاول مرة من عزلته، وكان هذا الصحابي قد انزوى بدوره اثرخلاف شديد مع الخليفة عثمان، وترك وصية جا فيها ان «يصلي عليه عمار بن ياسر» حسب الرواية في انساب البلاذري((189)).

ولكن عمارا في سكوته، يبقى حاضرا، ولا يعدم تمردا على صمته، عندما يحتاج الموقف الى كلمة صادقة جريئة..حدث ذلك، لاول مرة على الاقل، في عهد عثمان الذي واجهت النخب امثال عمار في عهده اعظم تحدياتها، ونالهامنه الاضطهاد والنفي، وصولا الى العقاب الجسدي، من ابن مسعود، الى ابي ذر، الى عمار. هؤلا وغيرهم، حلت نقمة العهد بهم، لانهم رفضوا الانصياع للانحراف، يمارسه اعوان الخليفة الذي اصبح في النهاية تحت وصايتهم، ولم يعدقادرا على اتخاذ قرار بمعزل عنهم. ويروي البلاذري، في هذا المجال، «ان المقداد وعمار بن ياسر وطلحة والزبير في عدة اصحاب رسول اللّه (ص) كتبوا كتابا عددوا فيه احداث عثمان وخوفوه ربه واعلموه انهم مواثبوه ان لم يقلع» (190)).وكان عمار حسب الرواية عينها قد انتدبه اصحابه لتلاوة الكتاب «التحذيري»، فما كاد يبدا حتى «غشي عليه»، لكثرة ماتلقى من ضرب وركل، وذلك لانه اجترا بالنقد على الخليفة، خصوصا وان المتفوه به من خارج «الطبقة» المسموح لهابمثل هذا النقد، او على الاقل بهذه الوتيرة منه. ومرة اخرى تواجه النخب في هذا العهد الذي يتصل ببعض مفاهيمه بالسلطة التي تصدت للاسلام في مكة ما واجهته في الاخيرة من نظرة فوقية وعدم اعتراف بحقوقها السياسية، في السلطة او في المعارضة.

على ان الخليفة عثمان، وهو الذي ترك «طبقته» طوعا في الظروف الصعبة ليلتحق بالاسلام في بداياته، لم يكن في العمق من قرارة نفسه مقتنعا بهذا النهج الذي دفع الى السير فيه. هذا على الاقل ما تشير اليه بعض الروايات، واصفة مايختلج في نفس الخليفة من شعور بالاسف لما الحقه بصحابة الرسول.

نجد ذلك في محاولته الاعتذار من عبداللّه بن مسعود، وفي سعيه لاسترضا عمار وتكليفه بمهمة صعبة، وهي «الشخوص الى مصر»((191)) لتطويق الازمة التي فجرهامحمد بن ابي حذيفة، بتزعمه تيار المعارضة فيها. وكان قد اتهم الخليفة بانه «يخادعه على دينه» حين بعث اليه بمبلغ كبير من المال، للعمل على ايقاف الطعن عليه في هذا الاقليم((192)).

ولا يجد المؤرخ صعوبة في تعليل الاسباب التي حدت بالخليفة الى الاستعانة بعمار في مثل هذه المهمة. فهو قريب الى التيار المعارض في مصر، ان لم يكن في صميمه، وبالتالي فهو يملك، من هذا المنظور، مقومات التحاور مع ابن ابي حذيفة واصحابه.

ومن جانب عمار كان الامر مختلفا، فهو لن يستطيع اتخاذ موقف حيادي، بين نهج يعبر عن افكاره،وبين نهج تمادى في الانحراف بقيادة الوالي المتغطرس عبداللّه بن سعد بن ابي سرح. وثمة من ربط هذه المهمة بتفشي تيار «السبئية» في الاقاليم، خصوصا في مصر، ما اضطر الخليفة الى الاستعانة بعمار، لمعالجة ازمتها، فيما استعان بخرين، من خارج السلطة ايضا وهم: محمد بن مسلمة (الكوفة)، واسامة بن زيد (البصرة)، وعبداللّه بن عمر (الشام)((193)) اسطورة ابن سبا هذه الرواية المقتبسة عن الاخباري سيف بن عمر، وهو المتفرد بذكرها، يحيط بها لبس يصل الى حد الغموض، بشان الدور الذي قام به عبداللّه بن سبا، وما قيل عن استدراج بعض الصحابة الى حركته، ومنهم عمار بن ياسر وآخرون، ممن اصبحوا بعد ذلك من كبار معاوني علي بن ابي طالب ابان توليه الخلافة. هذا الدور يشكل في الحقيقة عنصر اللبس في الحركة التي هي في تكوينها وظروف نشاتها، غير مؤهلة لاستقطاب شخصيات على هذا المستوى النخبوي والقيادي((194)) ولعل تهمة السبئية لعمار، انما لفقت بسبب تاخره في مصر، حيث اقام كما يروي البلاذري «يحرض الناس على عثمان، ودعاهم الى خلعه واشعلها عليه، وقوى راي ابن ابي حذيفة وابن ابي بكر وشجعهما على المسيرالى المدينة»((195)). ولا يستبعد ان يكون والي مصر (ابن سعد) ورا هذه التهمة، عندما كتب حينذاك الى «رؤسائه»،يعلمهم ان «عمارا قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا اليه، منهم عبداللّه بن السودا (ابن سبا)، وخالد بن ملجم،وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر»، من رواية في تاريخ الطبري((196)). ومما يلفت الانتباه ان هؤلا الذين اتى على ذكرهم ابن سعد، سيتهمون او بعضهم بعد ذلك بقتل عثمان، من دون ان يجد المؤرخ ما يسوغ زج ابن سبا في الحركة المناوئة للخليفة في مصر، والتي كان وراها ابن ابي حذيفة ومحمد بن ابي بكر، وهي حركة وجدت مثيلا لها، ومن قبل هذا الوقت، في «انتفاضة» الكوفة بقيادة الاشتر النخعي وكميل بن زيادوآخرين((197)) ممن كان لهم بعيد ذلك دور في حركة الامصار ضد الخلافة، ويبقى ان نتسال عما اذا كان ابن سبا،يتحرك بمثل هذه السرعة في كافة الولايات؟ واذا كان حقا قد التقاه عمار في مصر؟ هذا اذا سلمنا بوجود هذه الشخصية التي شكك فيهااو رفضها عدد من كبار الباحثين منذ ثلاثينات هذا القرن.

ان نقمة، باجماع الروايات، بدات تجتاح الامصار في السنوات الاخيرة من عهد عثمان، وكانت الفسطاط اكثرها سخطا،واستعدادا للقيام بحركة ما ضد نهج الخليفة. ولقد انبهر عمار، الثوري النزعة، بهذه الحركة في مصر، خصوصا الحماسة الطاغية على سلوك قادتها الشبان، والذين يكنون بدورهم تقديرا للصحابي الكبير. وفي ضوء ذلك، كان عمار على اتم الانسجام مع ذاته، عندما حرض هؤلا «المتمردين» وفقا لمروية البلاذري السالفة على الخليفة، بدل المحاورة معهم للعودة الى طاعته. بالاضافة الى ذلك، وجد الصحابي من بين اسباب النقمة لدى القوم على الخلافة، سوء تصرفها معه،وهو ما عبر عنه موقف «المصريين»، بعيد ذلك في المدينة، اذ قال وفدهم لعثمان ردا على التساؤل عن اسباب نقمتهم عليه: «اول ذلك ضربك عمارا»((198)) الامر الذي حاول الخليفة التنصل منه، بالقا مسؤوليته على مساعديه((199)). لم يكن لعمار بن ياسر اذا دور سوى ذلك ابان خلافة عثمان، شان الاخرين من كبار الصحابة الذين فقدتهم ادارته بعدشحنها بالاقارب والمقربين، مما اسقط عليها صبغة، ان لم تكن قبلية في المطلق، فقد مهد هذا العهد من دون شك لطغيانها بعد وقت غير بعيد. واذا كان الخليفة قد حاول بداية تطعيم ادارته بوجوه صحابية قليلة، متاثرا ربمابالعلاقة الشخصية، مثل ابن مسعود (صاحب بيت المال في الكوفة)، وابن ابي الارقم (صاحب بيت المال في المدينة)،فان التصادم سرعان ما ظهر بينها وبين الخلافة، بعد اصرار هذه على فرض سياستها التي تصدى لها بجراة كلاالصحابيين، فنالهما بسبب ذلك عقاب لم يكن اقله العزل((200)).

عوامل النقمة على نهج السلطة كان ذلك من عوامل النقمة على سياسة عثمان، الذي اخذت الازمة المحيطة به تتفاقم وتشتد عزلته يوما بعد آخر عن جمهور المسلمين. فقد توحدت الاسباب، ما بين النخب المعترضة على نهج اخذ في التعرج، بما يتوام ومصالح الفئة الحاكمة، وبين اهل الامصار، ممن شكلوا مادة الفتوح الاساسية، قادة وجنودا، والذين اخذ يستبد بهم القلق على مصيرهم في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ العرب المسلمين.

الصفحة السابقة

 

الصفحة التالية