والواقع ان الامصار انطوت حينذاك على غليان شديد، من دون ان تكون المدينة بعيدة عما يجري من حولها، علىالرغم من محاولة اركان السلطة التقليل من الخطر، وبالتالي تمويه صورة الواقع لدى عثمان. اما الصحابة، لا سيما النخبة، فقد عانوا قلقا عظيما ازاء تلك التطورات وتعبيراتها، وحاولوا بكل ثقلهم المعنوي، منع هبوب الرياح المتجهة صوبعاصمة الاسلام
ولكن الازمة، وقد اخذت في الاقتراب، قبل ان تتحول
المدينة
الى ساحة ثورة حقيقية، افقدتالصحابة تماسكهم،
فاعتزل
بعضهم، وتثاقل آخر، وثالث اغرته الازمة، فغرق في
تفاصيلها
طمعا بدور او مارب وسطتلك الاحداث العاصفة((201)).
وكان
علي بن ابي طالب الذي طالما توحدت مواقف المهاجرين
(قريش)، او غالبيتهم،لابعاده عن الخلافة، لا يعنى
في صخب
الازمة سوى بانقاذ الخلافة من السقوط، فيما عثمان
وهو الرمز
يجب انقاذه ايضا، لتفادى الفتنة المهددة لوحدة
الاسلام. من
هذا المنظور، لم يشكل اسقاطه اية مصلحة للثائرين من
الامصار، بقدرما يخدم المتربصين من حوله، والذين
بدوا
بصورة او باخرى يدفعون بالازمة نحو منعطفها
الخطير((202)).
كانت تلك هواجس علي عندما تصدى للازمة، محاولا ما
استطاع الوصول الى تسوية تنقذ الخلافة عمليا وليس
الخليفة الذي تورط في اخطاء من حملهم على «رقاب
المسلمين»، كما تقول الرواية التاريخية
المعروفة. وقد عانى
في سبيلذلك ما عاناه، من تقلب عثمان، وتردده،
وجفائه،
وصولا الى رفض التدخل في شؤونه، ولعل هذه المعاناة
التي
جمعتسابقا بين علي والانصار في جبهة واحدة، هي
نفسها
التي جمعت بين الاول وقادة الثائرين من الامصار،
وقبل ذلك
بينهوبين تلك النخبة التي رفضت السكوت على
الانحراف
وهيمنة الاقلية واستئثار ذوي القربى بالاموال
والمناصب،
منامثال ابي ذر وابن مسعود والمقداد، وليس اخيرا
عمار، احد
كبار الصامدين على جبهة المعاناة، والذي نستطيع في
ضوء ذلك تفسير انحيازه المطلق الى علي، وانخراطه
بالمطلق
في تياره، ومن ثم الاستشهاد مقاتلا في صفوفه.
وهكذا فان المدافعين الحقيقيين عن عثمان، كانوا
بحكم
موقعهم السياسي الاصلاحي من معارضيه، فيما كان
يحرضعليه، ضمنا او جهرا، من اصابتهم خيرات عهده،
من
السلطة، الى الاموال، الى الضياع.. والذين نفذوا
القتل في
النهاية،كانوا يبحثون عن الغنائم، و«بيت المال» ((203))
كان
من ابرز حوافزهم الى تنفيذ عملية لم تكن بالضرورة
من
تخطيطهم.والقتلة معروفون (سودان بن حمران والغافقي
بن
حرب وكنانة بن بشر النجيبي)((204)) واسماؤهم مثبتة في
الروايات،ولكن ثمة من حاول الزج بمحمد بن ابي بكر
بين
هؤلاء، وذلك لتوريط علي في هذه العملية، كما سيحدث
بعد
ذلكمن جانب معاوية الطامح الى وراثة عثمان من
خلال
علاقة الدم، مستغلا «القميص» الملوث به، ليصنع
منه عباءة
علىقياسه.
موقع عمار ابان احداث المدينة الخطيرة
ولو تساءلنا عن مكان عمار في تلك الاحداث الخطيرة،
فلن
نتردد في الاجابة بانه كان من الناقمين على
عثمانوالرافضين
لنهج حكمه، ولكنه لن يكون موضع شبهة بصدد اغتياله،
وربما
كان بعيدا عن مسرح العملية.. هذا ما تؤكدهالروايات
التاريخية
لا سيما الرواية المنسوبة للواقدي، بان عمارا كان
في عداد
مجموعة من اهل مصر، فارتاب بهمعثمان وشكا مخاوفه
لعلي
الذي اقنعهم بالعودة الى قطرهم((205)) كما يبدو مستاء ممن
حرضوا على الخليفة منالصحابة، واظهروا حزنا عليه
بعد
مقتله((206))
اولئك الذين كانوا اول من بايعوا عليا، ثم
«اعتزلوا» و«نكثوا» بعيد ذلك.ولكن عمارا في رواية
للمدائني،
لن ينجو من تهمة الضلوع في الاغتيال، وهي تهمة
اسقطت
على جميع اصحاب علي، وفي طليعتهم محمد بن ابي بكر
كما
سلفت الاشارة.
وقد جاء في الرواية ان «نائلة بنت الفرافصة امراة
عثمان
(ارسلت) كتابا الى معاوية تخبره فيه بامر عثمان
ومقتله،
وتعلمه ان اهل مصر اسندوا امرهم الى علي بن ابي طالب
وابن
ابي بكر وعمار بن ياسر فامروهم بقتله..» ((207)).
بين كبار مساعدي الخليفة الجديد
وفي سياق المقارنة بين رواية الواقدي ورواية
المدائني التي بدا
من خلالها ارتباك نائلة عندما جوبهت بصدد
تهمتهالمحمد بن
ابي بكر، ثم تراجعها عن ذلك((208)) لتبين ان مسؤولية
الاغتيال القيت او جرى القاؤها على «اهل
مصر»،لتصيب في
النهاية المقربين من علي، وهي تهمة سياسية في مطلق
الاحوال. ولكن ما يعنينا من رواية المدائني ان
عمارايرد اسمه
بين كبار مساعدي الخليفة الجديد، الذي عمل بداية
على
تشكيل ادارة نخبوية، معظم عناصرها من الانصار،وممن
«تحزبوا» له منذ البداية من «اهل السابقة» في
الاسلام. وسيكون
واضحا ان قريشا باستثناء محمد بن ابي بكر وقلة
قليلة جدا
ستناصبه العداء، وستحاربه بكل امكاناتها لاسقاطه،
الامر الذي
ترك في نفسه مرارة تلحظ في ثنايا كتابهالشهير
«نهج البلاغة».
ولم تتاخر قريش، التي تكتلت ثلاث مرات لمنع وصوله
الى
السلطة، في اعلان حربها على الخليفة الجديد،
فكانت«معركة»
الجمل اول حرب بين المسلمين، تلك التي فتحت بابا
واسعا
للفتنة. وكان عمار ممن رافقوا عليا في خروجه
منالمدينة،
والذي شكل مغامرة لم يجد الخليفة بدا من ركوبها،
دون ان
يرافقه حينذاك، سوى القليل من المقاتلين.
ولذلككانت
المراهنة على الكوفة التي سبق للخليفة ان طرق بابها
من
خلال احد زعمائها المتحمسين له، وهو مالك
بنالحارث
(الاشتر النخعي)، قائد مجموعة الكوفيين التي ثارت
على
الخليفة السابق.
توقف علي حينذاك في «ذي قار»، بانتظار نتائج
المفاوضات مع
«اهل الكوفة» حيث كان آخر ولاتها في عهد
عثمان(الاشعري)،
يعمل على تسويقها لمصلحة معاونيه، وكان عمار الى
جانب
الحسن بن علي((209)) عضوي الوفد الذيسار الى
الكوفة واتم
الاتفاق مع رؤساء قبائلها، بعد ان مهد لذلك في وقت
سابق
الاشتر النخعي.
وهكذا رجحت كفه علي في البصرة التي خاض معركتها
بغير
صعوبة، بفضل دعم القبائل الكوفية واستبسال
اصحابه،ممن
خرجوا معه او انضموا اليه من البؤرة الثائرة عليه.
وهؤلاء لا
نعرف الكثير عن حركتهم داخل «المعركة»، فيما
تحملالينا
الاخبار بعض التفاصيل عن عمار، المقاتل الشجاع،
حيث يندفع
باتجاه الزبير، احد اقطاب «الفتنة الجديدة»،
ويكاديجهز عليه،
ولولا ان كبح جماح نفسه ازاء الصحابي الكبير((210)).
ويروي
ابن خياط في هذا السياق عن البكائي قوله:«اني لفي
الصف مع
علي اذ عقر بام المؤمنين جملها، فرايت محمد بن ابي
بكر
وعمار بن ياسر يشتدان بين الصفين، ايهما يسبق
اليها، فقطعا
عرضة الرحل فاحتملاها في هودجها»((211)).
وفي ضوء ما سلف نتعرف اكثر الى شخصية عمار المناضل
الصلب والجذري، من دون ان تحيد به الحماسة عن
القيمالتي
رسخت في ذاته وتاصلت في سلوكه. وعمار، الى ذلك، ليس
مجرد داعية ينهمك في التنظير لمبدا او يتحزبلقضية
فحسب، وانما هو محارب شديد المراس وقائد بارز في
الطلائع
المتقدمة. اما الخوف فلا يعرف طريقا اليه،
وهوالمتحدر من
بيت كان اول شهداء الاسلام منه، واكثر من حلت عليه
النقمة
من عتاة الشرك، فاضطهد وعذب، واهينتانسانيته. وقد
روى
ابن سعد عن معاصر لعمار قولا فيه: «رايت... يوم صفين
شيخا
آدم في يده الحربة، وانها لترعد، فنظر الى عمرو بن
العاص
ومعه الراية فقال: ان هذه راية قاتلت بها مع رسول
اللّه (ص)
ثلاث مرات وهذه الرابعة، واللّه لوضربونا حتى
يبلغونا سعفات
هجر لعرفت ان مصلحتنا على الحق وانهم على
الضلالة»((212)).
هذه الرواية التي وردت مختلفة الصياغة ومنسوبة الى
عدة
مصادر، تختصر شخصية عمار، مجاهدا عنيدا في
الحق،مقاتلا
لا يستكين على هذا الطريق الذي يعرف جيدا نهايته،
شان
صاحبه الامام (علي) وبقية المنضوين تحت
راياتهم«النبوية»،
منعا للانحراف، ورفضا لمصادرة الاسلام من جانب
الذين
حاربوه. ولقد كان خيارا صعبا وقاتلا، ذلك الذي
سارهؤلاء فيه،
حيث الخلافة منهارة و«الجماعة» ممزقة، الا من بؤر
تحتدم
بالعصبية، خصوصا في الشام التي اعدت للمعركةمنذ
وقت غير
قصير، متذرعة بالخطر الخارجي (البيزنطي) لبناء
قوتها
العسكرية، الامر الذي جعل منها عصبيةمتماسكة.
وعلى العكس
من ذلك كانت الكوفة، عاصمة الامام وساحته، يكتنفها
غموض،
وتعج بقبائل ليست موحدة،ان لم نقل متنافرة في بعض
اطرافها. وكان مجرد تجميع قوة مشتركة من هذه
القبائل، هو
انجاز بحد ذاته، لما لبته هذهالعملية من جهود
ليست عادية
في مطلق الاحوال.
ولم تكن الحرب التي بدت حتمية بين علي ومعاوية،
خاضعة
لتوازن القوى المفقود اساسا، لان الاكثرية العددية
اذا سلمنا
بصحة الرواية في هذا السبيل لم تكن مصدر قوة
بالنسبة
للامام، بقدر ما كانت مصدر ضعف في تشكيلة
تجمعهاوحدات
قتالية غير ملتحمة باكثريتها في القضية محور
الصراع. وفي
ضوء ذلك يمكن تفسير ابعاد الامام لشخصياتقبلية
كبيرة عن
القيادة المركزية (الاشعث بن قيس الكندي وشبث بن
ربعي
التميمي...)، وايثاره شخصيات ليس لهاذلك الغطاء
القبلي
الواسع، ولكنها تحظى بثقته وتقديره. وسنجد
التشكيلة
القيادية مؤلفة من التالية اسماؤهم: الاشترالنخعي
(خيل
الكوفة)، عمار بن ياسر (رجالة الكوفة)((213))
سهل بن حنيف
الانصاري (خيل البصرة)، قيس بن سعدالانصاري وهاشم
بن
عتبة بن ابي وقاص (رجالة البصرة)((214)).
هؤلاء هم اركان علي في صفين، ولم يكن منهم من قريش
سوى حكم بن عتبة (زهرة)، فيما هناك اثنان من
«الانصار»
تبوآمهمة لم يعهد بمثلها لواحد منهم منذ وفاة
الرسول. وفي
المقابل ضمت تشكيلة معاوية كبار قادة القبائل
الشامية،
بمنفيهم عمرو بن العاص احد مشاهير قادة الفتوح
وهو الذي
انقلب على عثمان بعد عزله عن ولاية مصر، وغادر
المدينةالى
احدى قرى فلسطين، محرضا حيث مر وحيث اقام
عليه((217))
وذلك قبل ان يستدعيه معاوية لقاء صفقة
اعادتهمجددا الى الضوء. واذا صح تولي عمار قيادة
الفرسان
(الخيالة) وفقا لرواية المنقري السالفة((216))
فان ذلك يعني
انهخاض الحرب، او جزءا منها على الاقل، في مواجهة
مقاتل
متمرس (عمرو بن العاص)، كان قائد «خيول الشام
كلها»،حسب
الرواية المسندة الى ابي مخنف في تاريخ الطبري((217)).
وقد
جاء فيها ايضا ما يؤكد ذلك في سياق التعرضلاحد
مشاهد
الحرب: «وخرج في اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج
اليه عمرو
من «يطفىء نور اللّه ويظاهر اعداء اللّه عزوجل»((218)).
ويتضمن
وفي هذه الرواية نتعرف الى عمار خطيبا، يتقن فن
الكلام
ويختار من مفرداته ما يشحن النفوس ويعزز الروح
المعنوية،فضلا عن توعية المقاتلين، وهم لا يزالون
حينئذ على
جهل بحقيقة الصراع واسبابه الموضوعية. ومما نسب له
في
هذاالاتجاه، الخطبة المندرجة في مرويات نصر بن
مزاحم
(المنقري)، وفيها يتهم معاوية واصحابه باستغلال دم
عثمان وتضليل الناس:
«واللّه ما اظنهم يطلبون دمه.. ولكن القوم ذاقوا
الدنيا
فاستحبوها واستمرؤوها، وعلموا لو انه جصاحبج
الحق
لزمهملحال بينهم وبين ما جياكلونج ويرعون فيه
منها. ولم
يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقون بها الطاعة
والولاية، فخدعوا اتباعهم، بان قالوا: قتل امامنا
مظلوما، ليكونوا
بذلك جبابرة وملوكا، وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما
ترون...»((220)).
الشيخ المجاهد يمضي في طريقه...
كان عمار، الشيخ المجاهد، يعرف تماما طريقه، وليس
في
جعبته غير ذلك الموروث المتنقل ما بين «بيت
النبوة»
و«بيتالشهادة»، فيتتطابق كلاهما باحكام في
المسيرة المجللة
بالضباب. ولم يعد في الوقت متسع، والشيخ المتحرك
باعوامهالتسعين على الجبهة المشتعلة، لا يهدا او
يتثاقل، او
يتخفف من هواجس القلق. ولقد احس «المكيدة» وعبر
عنها
قبل انتستكمل خطوطها في مشروع «التحكيم»، وكان
قد
لحق بالقافلة من شهداء الاسلام الكبار. وبلغت
معاناته الذروة،
وهويرى تهدم البناء الذي كان له دور بارز في ارتفاع
صرحه
على انقاض الشرك والظلم والاستغلال، ولم يعد في
جعبتهسوى خيار النهاية، وفقا لتقاليد البيت الذي
نشا فيه،
واستجابة للمبادىء التي قاتل من اجلها حتى آخر
الرمق.
ولعلهاستشرف تلك اللحظة، فخرج الى الناس فيما
يرويه ابو
مخنف مستغرقا في مناجاة مع الخالق، وكانه يشكو اليه
مايحدث من «فتن»، وما يتهدد الاسلام من شر
الاخطار:
«اللهم انك تعلم اني لو اعلم ان رضاك في ان اقذف
بنفسي في
هذا البحر لفعلته، اللهم انك تعلم اني لو اعلم ان
رضاكفي ان
اضع ظبية سيفي في صدري ثم انحني عليها حتى تخرج من
ظهري لفعلت، واني لا اعلم اليوم عملا هو ارضىلك من
جهاد
هؤلاء الفاسقين، ولو اعلم ان عملا من الاعمال هو
ارضى لك
منه لفعلته»((221)).
لقد ضاق صدر عمار، ولم يعد في وسعه الانتظار، فتوجه
الى
صاحب اللواء((223))
الجنة تحت ظلال السيوف والموت في اطراف الاسل، وقد
فتحت ابواب السماء...»((224)). وتتابع الرواية فتقول:ان
الاثنين خرجا ولم يرجعا((225)). ولكن مقتل عمار كان له
دوي لم يكن لصاحبه، خصوصا وان حديثا كان لا يزال
يروىعن
الرسول، بان عمارا تقتله الفئة الباغية((226))
وسواء كان ذلك
فعلا من «الاحاديث»، او مما تردد بالتواتر، فان
موتعمار لم
ينفصل عن تلك «المقولة»، لما احدثه من صدمة حتى في
صفوف اعدائه((227)).
كانت الشمس قد خيمت الى الغروب، كما في رواية
الواقدي،
حين خرج عمار الى ساحة القتال، فخاض
معركتهالاخيرة
وصوته المتهدج يخترق جلبة السلاح، قبل ان يسقط
مخضبا
بدمائه. وكان المتربص به استنادا الى
روايةالواقدي رجلا
يدعى «ابا غادية المزني»، وقد طعنه برمح، حتى اذا
وقع «اكب
عليه رجل آخر فاحتز راسه»((228)).
وفي احدى الروايات ان عمرو بن العاص احتج على قتله
لدى
معاوية الذي سوغ ذلك بما نسب له: «انما قتل عمارا
منجاء
به»((229)).
وهو تسويغ لا يختلف عما سبقه بشان مقتل
عثمان، ودائما هناك متسع لمثل هذا التلفيق، او
محاربةالاخر
بسلاحه. ونتيجة لذلك، فان مقتل عمار لم يحرج
معاوية، وربما
كان في حينه يهيء لمقتل صحابي آخر، او ايرجل
يعترض
طريقه او يحول دون تحقيق اهدافه.
ولكن مقتل عمار كان له وقعه الاليم جدا لدى الامام
الذي
تراءت له صورة اكثر وضوحا للواقع الصعب،
والاسلامحينذاك
تتم مصادرته ليصبح مجرد اداة للحكم، بعدما كان
الاخير جزءا
من حركة الرسالة ووسيلة تعبير عما يحمله مشروعها من
قيم
الحق والعدالة والحرية والتسامح. وليست سوى شهور
حتى
اغتيل قطب آخر كبير من اصحاب علي وهو الاشتر
النخعي،
وكان معاوية وراء ذلك((230)). لم يكن هذا من الصحابة او
من
الرواد في الاسلام، ولكنه انخرط فيهبعمق، وبرزت
له مواقف
مبكرة تتناقض مع الانحراف منذ مطلع الثلاثينات. ثم
اصبح
متاثرا بافكار علي بعد الثورة علىعثمان، وملازما
له حتى مقتله
وهو ذاهب الى تنفيذ مهمة في مصر.
كان معاوية منتظرا خبر الاشتر، الاكثر خطورة آنذاك
بين
اصحاب علي، فلما بلغه ذلك، سارع الى القول، وقد
اخذت
بهنشوة الظفر: «كانت لعلي بن ابي طالب يدان
يمينان، قطعت
احداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر وقطعت
الاخرىاليوم يعني الاشتر»((231)). ويوم قتل عمار كان في الواحدة والتسعين، او في الرابعة والتسعين من عمره((232)). «عيد الغدير» لبولس
سلامة ملحمة الواقع والرؤيا في التاريخ
العقدي
د. حسام الضيقة
تقع هذه الدراسة في ثلاثة اقسام، تناول الاول منها
حياة
الشاعر، والعوامل التي غذت فيه الميل الى الشعر
الملحمي،وعالج القسم الثاني الفن الملحمي، ومعرفة
العرب
به، اقسام الغدير ومضمونه.
وهذا القسمان نشرا في العدد الماضي، الثاني عشر من
هذه
المجلة. وفي ما ياتي القسم الثالث الاخير، وهو يدور
حولالقضايا المضمونية والفنية التي حفلت بها هذه
الملحمة.
القسم الثالث
قضايا ملحمة الغدير المضمونية والفنية
لا يكتمل البحث، في هذا العمل الشعري، دون التعرض
للقضايا
المضمونية والفنية التي يثيرها. فجدتها كامنة في
تلكالمسائل
التي تطرحها.
وهذا العمل، وان لم يات، كما راينا، بجديد في مجال
المضمون
الذي لا يجهله من الناس الا من يجهل التاريخ
الاسلامياو
يجحده، الا انه يطرح على نحو منهجي مسائل بارزة
تتصل
بالصراع بين الجاهلية والاسلام ويوم الغدير
والطبيعة الملحمية
والمظلومية الخالدة والالتزام.
اما المسائل الفنية التي استوقفتني فتدور حول
الحقيقة
والشعر والسرد واللغة والخيال والموسيقى.
وهذه القضايا جميعا علامات جدة لا يمكن نكرانها.
وستكون
لذلك مدار البحث في هذا القسم.
اولا: القضايا المضمونية
ابرز ما تثيره هذه الملحمة القضايا التالية:
1 عيد الغدير.
2 الاسلام والجاهلية.
3 البطولات الملحمية.
4 الطبيعة والعادات.
5 المظلومية الخالدة والالتزام.
1 عيد الغدير:
هذه الملحمة هي ملحمة آل البيت، لان الغدير، وان
كان عيد
المسلمين قاطبة، فهو عيدهم على وجه الخصوص، لانه
نزل
فيهم تاكيدا لولايتهم على المسلمين.
هو عيد المسلمين لانه متصل بامر الهي وفعل نبوي: (يا
ايها
الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك، وان لم تفعل فما
بلغترسالته، واللّه يعصمك من الناس)((233)).
فقام النبي
(ص) خطيبا وسط القوم على اقتاب الابل ليسمع الجميع،
في
مكانيدعى بغدير خم على طريق العودة الى المدينة
في عام
الحج الاخير. فكان يوم تبليغ واتمام وتخصيص وحذر.
بلغ الرسول (ص) [موع الحجيج ما انزل عليه من ربه،
فاكتمل
بناء الاسلام عندما خص عليا (ع) بالولاية من بعده،
اذ قال(ص):
«من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد
من عاداه
وانصر من نصره واخذل من خذله»((234)). فعلي(ع) اذن هو
الوصي الذي نصبه اللّه لامته بعد الرسول (ص)، وهو
خليفته.
وقد صار يوم الغدير لذلك عيدا وموسما للمسلمين
ولعلي
بالذات، لكونه كان وقتا نصبه اللّه بلسان رسوله
بهذه
المنزلة العلية دون الناس كلهم.
وهو عيد آل البيت (ع)، اذ ادركوا ما من اللّه عليهم
من
الكرامات والفضائل، فصاروا بها اهلا للبيعة
والامانة، فهم
عترةرسول اللّه (ص) وثاني الثقلين بعد الكتاب
العزيز... ودور
علي في مجد الاسلام لا ينكر، والافعال خير اختبار.
يمهد صاحب الملحمة لهذا اليوم بذكر آل البيت (ع)،
فهم
«عترة الطهر» والفضائل والانوار المشرقة بالعلم
والايمان.
وهمعلى ما ذكره رسول اللّه (ص) فيهم، وما يكون من
اعتداء
اهل البغي عليهم. اما علي فهو من الرسول (ص) كهارون
منموسى، باب العلم «ولده هدى امتي». وها الرسول
الاكرم
(ص) يحضن طفلي علي الحسن والحسين (ع)
ويداعبهما،فهما سيدا اهل الجنة، وينظر الى امرهما
مستقبلا
بحزن، ويخبر فاطمة ما يكون:
سوف تروي الكبير جرعة سم
يجتنيها من كف ارقم داغل
ويموت الحسين نحرا بنصل....((235))
ان اهل البيت (ع) حلقات موصولة برسول اللّه (ص)،
سيضطهدون. وفي يوم الغدير، يصف الشاعر المناسبة
والمكانوجحافل الحجيج يلتفون حول نبيهم (ص) بلهفة
يسمعون نعيه لنفسه وبشراه، حين يدعو الى مبايعة علي
(ع).ويستعين الشاعر باقتباسات من التاريخ والكتاب
فينظمها
شعرا، ثم يصف الحوض وعب الناس منه، واقبال
المسلمينعلى
علي (ع) لتهنئته، من دون ان يلغي ذلك الحسد والاهواء
التي
تكاد تظهر. فتم بعيد الغدير تبليغ الدين: «اليوم
اكملت لكم
دينكم». وهكذا صار الغدير محطة اساسية من محطات
التاريخ
الاسلامي:
انزل اللّه آية عقب ذاك اليوم ختما لدينه المبرور
كان وهج الشروق يوم حراء
وجلال المغيب يوم الغدير((236))
2 الاسلام والجاهلية:
جاء الاسلام ليخرج الناس من الظلمات الى النور. وما
الظلمات
سوى حياة الجاهلية التي تردى اهلها في
مهاويالضلالة،
تدفعهم الشهوات الى المنكر، وطلب الربح الى
الاخلاق
الفاسدة.
لكن خيط نور يتسلل في ظلمة الجاهلية خجولا يمثله
قريش
بهاشم وبنيه:
ما قريش في غمرة البدر الا
نجمة الصبح في الزمان القاتم((237))
لكن يابى امية وبنوه الا تاصيل مفاسد العهد البائد.
لذلك كانت
تشهد مكة من وقت لاخر صراعا مبدئيا بين
هذينالفرعين:
واحد يتطلع الى المستقبل المنير، وآخر يتشبث
بموروث
الماضي ويحيا للحظة الحاضرة.
الا ان الجاهلية لم تمت بالاسلام، فاذا بها تتوالد
في الاعراب
وعقب امية ويؤججها اليهود، فينهضون لحرب
الدعوةيقودهم
سفه جاهلي. وعندما قضى الرسول (ص) سعوا الى
الارتداد،
واسلموا الامر الى عثمان واحاطوا به يعيثون
فيالارض فسادا.
وكان علي يناصحه دون جدوى، وابو ذر ينهاه حتى انتهى
الخليفة صريع ضعفه وفساد قومه.
ولما آل الامر الى علي (ع) ناواه معاوية المشبع بزهو
الجاهلية
والملك، على امر الخلافة وحوله من يشير عليه
بمفاتنالفساد.
فغلب علي (ع) على امره، غلبة الدنيا على الدين. حتى
اذا نهض
الحسين، كان يزيد، وهو رمز جاهلي آخر،
لهبالمرصاد. فصدقت
رؤيا النبي، فجندل الحسين (ع) صريعا في كربلاء وسط
قوم ما
دانوا بالاسلام الا لسانا، فكادتتنتهي بموته
دولة الاسلام
الفاضلة ليحولها الطغاة الى ملك عضود يدين بالابهة
والمال
وكل ما يكون عليه الملك الخارج على تعاليم العقيدة
او العقائد.
الجاهلية تتوالد، ولا تزال. والاسلام لا يزال فتيا
يدعو الى اللّه
سيفا مشرعا مسلطا على رقاب الوثنيين.
3 البطولة ووصف المعارك:
يمثل هذا الجانب، في ملحمة الغدير، ابرز عناصرها.
وهو،
كذلك، اهم ما تتميز به الملاحم الشهيرة. الا ان هذا
الجانبجاء
في الملاحم العالمية على شكل مغامرات او معارك
طاحنة
تقودها نوازع فردية في الغالب. اما البطولة فرائدها
فيهذا
العمل، موضوع البحث، هدف جليل. وهل اجل من عقيدة
الاسلام يتدافع اهله لتقديم انفسهم ودمائهم
قرابينعلى
مذبحه لتوطيد دعائمه على الارض!
(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللّه امواتا بل
احياء عند ربهم
يرزقون)((238)) (فمنهم من قضى
نحبه ومنهم من ينتظروما
بدلوا تبديلا)((239)).
وتتجلى هذه البطولة بمواقف فردية تارة وجماعية
تارة اخرى.
وكلا النوعين لا يخرج على الاطار الملحمي الذي
يثيرمشاعر
الدهشة والاكبار بشكل يفوق التصور والخيال. وليس
امامنا
سوى ان نعرض نماذج بطولية عمرت بها هذهالملحمة:
وقف الرسول (ص)، في بداية امره وحيدا يدعو الاقربين
الى
الاسلام، ويرفض وعودهم ويسب آلهتهم. وطالما كانسب
الالهة يجر على صاحبه الويل (ابراهيم النبي (ص) ).
فانبرى
المعاندون يكيدون بصاحب الدعوة، يعلنون العداء
اويتوعدون:
يا ابا طالب يقولون افسح
بين اسيافنا وعنق المريد
سب اصنامنا وتاه ضلالا
فهو يدعو لواحد في الوجود...
كلهم غير واحد يتشظى
بين جنبيه جمرة الصهيود((240))
وكان ابو لهب عم الرسول الد الاعداء. فقد جمع حوله
عصبة
السوء. فنال المسلمون الاوائل القلائل، صابرين
مسالمين،منهم
اقسى الوان العذاب. ثم يسعون الى قتل الرسول (ص).
ويسجل
هنا احد اصحابه: علي (ع) بطولة اخرى حينمايرمي بنفسه
في
فم الذئاب، وينام في فراش نبيه:
رقد الليل ناعما بفراش
حشوه الموت فالوساد مخاطر
بات فوق الخناجر الزرق ليث
دون اظفاره رهيف الخناجر...
يستطيب الردى فداء ابن عم
فهو يسعى الى المنية حاسر((241))
ثم تكون الهجرة حلا مؤقتا. والطريق طويل الى يثرب
يفوق
الاربعمئة وخمسين ميلا وهو محفوف بهول المخاطر
منملاحقة الكافرين ولهيب الصحراء والعطش وقلة
الزاد، اذ
كان المسلمون يهاجرون خفافا على عجل، حتى لا
ينكشفامرهم.
والهجير اللهاب يكوي السحايا
والرياح الهوجاء تعمي المحاجر
يا لهاة الظمن تحلم بالابار
بالنبع والسحاب الهادر
فهجير الصحراء للظامى الخرثان
موت فيا نزاع الحناجر((242))
والبطولات السلمية والحربية لاصحاب الرسول (ص)
فرادى
وجماعات، لا تنقطع، وهي وقفات بطولة في وجه
الظلموالظالمين من اجل العقيدة الاسلامية.
اولاها وقفة ابي ذر في وجه عثمان وآله يستنكر البذخ
والاسراف والتبذير لاموال المسلمين ويحذرهم من
ثورة
الجياع.فما استطابوا صوته ولا ارعووا، فنفاه عثمان
الى الصحراء
يكتوي بنارها:
ضاق صدر الولي فارفض حقدا
فجزاه بالنفي عن امصاره
قال: فاذهب الى الفلاة طريدا
والزم الفقر لاهبا في حراره((243))
لكن دولة الظلم كانت تتنامى. فيزيد يعيث فسادا،
فيتصدى له
الحسين (ع) ويعلن الثورة عليه. وفي الكوفة يقع
رسولهابن
عقيل فريسة الغدر والدهاء. ولم ينجه قتاله فاقتيد
بجراحه الى
دار «عبيداللّه بن زياد» الوالي الاموي الذي ضرب
عنقهورماه
من على اعلى القصر، وارسل راسه الى يزيد:
كبل الليث بالحديد وقادوه
الى السطح ذاهلا وسنانا
واطاح البتار راس هصور
شرف السيف زنده والسنانا
ورموه الى الجماهير ارهابا
ففرت كما تفر السمانى((244))
اما وقفة الحسين (ع) في كربلاء، فهي علم التاريخ
الذي لم
يسجل ما يضاهيها بطولة وسموا. وهي وقفة الحق الذي
سطعفاذا هو يصبر على مصرع اصحابه الواحد تلو
الاخر. ثم
يقدم نفسه قربانا شريفا على مذبح العزة والاسلام.
يناضلالاعداء
بالمقالة والسيف وقد جلجلت فيه «نخوة النبوة»
و«نفس
حيدرة»، حتى اوقعوا به. وقام «الشمر» بذبحه،
وانبرىالطغاة
يمثلون بجسده، وينهبون ثيابه، ليحمل راسه الشريف
هديه
للخليع يزيد، ويزيد ينتشي بهذه الرؤوس الطاهرة.
اما البطولات الجماعية فاكثر ما تتجلى في ساح الوغى
والمعارك. وهي كثيرة لان الاسلام لم يقو بنيانه الا
بتضحياتاهله. ولم يثبت الا بحد السيف. فاعداء
الاسلام من
مشركي قريش والاعراب واليهود والمرتدين كانوا
يستنفرون
قواهمفي كل وقت في وجه صاحب الدعوة وآله (ع) في بدر
واحد وخيبر ووقعة الاحزاب والنهروان وكربلاء. فما
وجدالمسلمون سبيلا سوى التصدي لهم يدافعون عن
دينهم
وايمانهم وحقهم. ويستبسلون في القتال، وفي طليعتهم
آلالبيت واصحابهم علي والحمزة وعمار والحسين
وابن عقيل
وغيرهم.
اما وصف المعارك فيتناول العناصر التالية:
ا الدعوة الى الحرب.
ب الزحف وخططه، وعناصر الجيش وعدته وحركته.
ج الحرب والمبارزة وتالق الابطال.
د النتائج.
ا الدعوة الى الحرب:
وهي من المقدمات. اما اشكالها فمتعددة ومرهونة
باسبابها.
وقد جاءت هذه الدعوة في بدر على لسان ابي سفيان صاحب
العير يستنجد بقريش لرد خطر المسلمين عن اموالهم:
ادركوا العير فاللطيمة باتت
كالغرانيق بين سرب نسار
جيشوا جيشكم فان ابا سفيان
يدعوكم بدار بدار
ان يفز احمد تموتوا جياعا
ذلة الفقر بعد عز اليسار
فاشحذوا كل مخزم عبشمي
وهلموا الى القنا الخطار((245))
والنبي (ص) ينفر المسلمين الى جهاد اليهود في خيبر
بعدما
ظهرت دسائسهم وانكشف غدرهم وعداؤهم للاسلام:
اذ يقول النبي للصحب هيوا
لجهاد فالدين فوق الغنائم
ان تعيشوا فالقادر الحي راض
او تموتوا فالقادر الحي دائم((246))
وفي حنين تنادت الاحلاف:
تنادت «هوازن» و«ثقيف»
وبنو «السعد» يرفعون البنودا
جمعوا جيشهم يعدون
للاسلام قبرا يضمه موؤودا((247))
وفي حرب الجمل كانت الفتنة سببا في نهوض طلحة
والزبير
في وجه علي (ع). اما في صفين، فينهض معاوية
بالفتنةيحتج
بقميص عثمان، وعينه على الخلافة:
وقف الطامع الحريص ابن هند
يرسل الطرف من ذرى «قاسيونا»
ايخلي هذه الرياض وينحو
جانب البيد حاسرا محزونا
فليثرها خلافة ويذر التبر
ذرا، فالمال يعمي العيونا
وليطالب بدم عثمان
ولينشر قميصا به يثير الشؤونا
واطلب الثار من علي
ولا تند جبينا فقد وقحت جبينا((248))
وفي النهروان تنادت الخوارج «يفسدون التحليل
والتحريما»((249)).
وينهض الحسين (ع) في كربلاء تستدعيه كتب العراق،
ليؤماهلها في الحرب ضد يزيد:
كتبوا للحسين اقدم علينا
ان حكم النعمان مر مزاقا
يابن بنت الرسول اقدم
وفي صحبك تمشي ملائك اجواقا
واغثنا فان جور يزيد
بث فينا الشقاء والاملاقا
ان تجئنا فاننا ليزيد
قد شحذنا المهند الفلاقا((250))
ب الزحف وخططه وعناصر الجيش وعدته وحركته:
يقف الشاعر مطولا على وصف زحف الجيوش والفرق
وتحركها،
ويسهب في وصف عناصره وعدده وعدته.
يلبي الكفار في بدر نداء ابي سفيان ويقبلون بالخيل
والفرسان
والرماة.. والقيان:
جلجل الجيش فوق كل ذلول
وكميت وادهم طيار
بينهم كل فارس قرشي
لا يبالي بالضيغم الزآار
ضجت الارض بالمناسم وطا
فقطار يعج خلف قطار
والكنانات والدروع الضوامي
والسيوف الحدباء بيض شفار
ورماح لها ذم وقسي
تتدلى من جانب الاكوار
سادر جاء بالقيان تغني
ناقرات الدفوف والقيثار((251))
اما المسلمون فكانوا قلة، يدفعهم الايمان الى ساح
الوغى:
سارت العصبة الضئيلة عدا
وعتادا وضمرا ومهاري((252))
وفي احد يزحف ابو سفيان مرة اخرى بجيش مكة المؤلف من
عناصر مختلفة والمجهز بافضل عدة، وعلى
الاسلوبالمعهود
في بدر.
وفي الخندق يزحف جيش المشركين كثيفا كالغمائم
يقوده ابو
سفيان نفسه، متحالفا مع اليهود، وقبائل «فزارة»
و«سليم»و«نضير» و«اشجع» وغيرها:
جمع المشركين رحب فنائه
حاقد ظل سادرا في عدائه
سار بالجيش زاخرا كاندفاع
اليم هد السدود في كبريائه
سد رحب الفضاء بالهبوات
السود تجري غمائم في سمائه((253))
وفي وقعة الرمل يتقدم علي (ع) بجيش المسلمين لمواجهة
اعدائه في الوادي الوعر، وقد استظل جناح الليل:
ركب النصل في الرديني عسالا
كعسل الشراع فوق الصاري
واعتلى الاشقر الذي ترك
الافراس خلف الهباء في المضمار
سائرا بالوعور في الجيش ليلا
كامنا في النهارعبر القفار((254))
وفي حنين يقبل جيش الكفار على الصورة نفسها عددا
وتباعدا
في الانتماء.
وفي حرب الجمل يتمر الضالون على علي، وقد استجابوا
للفتنة
وجمعوا حشدهم الكبير.
اما في صفين فيسير معاوية بجنده «ثمانين الفا»، وهم
طوع
امره «كالدمن في انامل اللاعبينا»((255)). فحط رحاله
علىشاطىء الفرات ليكون قريبا من الماء وليقطع
الطريق على
خصومه من الوصول اليه.
اما جيش علي (ع) فكان من الصحابة وشيوخ الايمان:
واتاهم للحرب اقطع خلق اللّه
سيفا واصدق الناس دينا
بشيوخ المهاجرين وانصار
صحاب واهل بدر مئينا
وخليط من الحجاز ومصر
والعراقين رحلا وقطينا((256))
اما زحف الحسين الى العراق فكان زحفا سلميا متميزا
ينتظر
النصرة والالتفاف. فووجه بالعقوق والتخلي. فوقع
صاحبالزحف (ع) ضحية التوهم والظلم.
ج الحرب وتالق الابطال:
لم تكن الحرب تقع فورالتقاء الجيوش، فهناك وقت غير
محدد
لتعيين المكان وحط الرحال والاستراحة واعتماد
الخططالحربية التي تضمن النصر.
ففي بدر يتسابق الجيشان للحصول على القليب، اذ ان
عنصر
الماء اساسي للمتحاربين في الصحراء اللاهبة،
والنبي(ص)
يشير على اصحابه بالدفاع ويصطفي عليا (ع) لحمل
لوائه((257)). وفي غزوة
الخندق ينهى النبي (ص) اتباعه
عنالبدء بالقتال، وياخذ بنصيحة الفارسي بحفر
الخندق حول
الجيش لاعاقة الخيل في تحركها((258)). وفي خيبر
يعتصماليهود بحصونهم المنيعة((259)). وفي يوم الجمل،
يصبر علي (ع) على اذى المتمردين علهم يتبينون الحق
من
الضلالةفيرعووا، الا انهم اشاحوا عن نصحه وابوا
الا
قتاله((260)). وينهج علي (ع)
في النهروان اسلوب المحاورة
لاقناع الخوارجبخدعة التحكيم، ويحذرهم من مغبة
القتال،
ويدعوهم الى تقوى اللّه والانسحاب ويعدهم بالصفح،
فما اخذوا
بكلامه.وفي صفين يحتل معاوية، كما راينا، ضفاف
الماء،
فيذكره علي (ع) بشرف الحرب والتخلي عن حجب الماء عن
رجاله.فكان عناد معاوية سببا في بدء القتال.
وتشهد كربلاء قوى غير متكافئة في اعدادها، حيث يحيق
جيش
يزيد بالحسين (ع) وركبه. ويلزمه النزول في
كربلاء.ويحاول
الامام (ع) ان يهدي الاذان الصماء الى الحق، ويذكر
خصومه
بمسيرته السلمية وامله بان يعينوه على امره
اويخلوا بينه وبين
العودة الى الحجاز. فيرعوي الحر ويعتزل جيش يزيد
وينضم
الى الحسين (ع)، ويضطر السبط الزكي (ع)الى مصارعة هذه
الحشود العدوة بقلة من فرسان آل علي((261)).
بعد هذه المقدمات القصيرة، يدخلنا الشاعر الى
حومات الوغى،
فيصف المعارك ويحشد لها كل ما يضفي عليها
اجواءالرهبة
والخطورة. واذا ما كانت اسبابها مختلفة واساليبها
متعددة.
فانها متشابهة تقريبا في وقائعها من اعتماد
المبارزة اولالتكون
استهلالا لبدء الالتحام بين الجماعات المتحاربة.
وفي مثل هذه
المواقف تتالق الابطال.
لذلك كان لابد من ان يضفي الشاعر على ابطاله
المميزات
الجسدية والمعنوية المناسبة لكل فرد او فريق منهم.
فعلي(ع)،
وهو رمز ابطال الدعوة، «لا يدانيه في الصيال كمي»((262))
وهو «كالنخل قامة وانطلاقا»((263)). وفي ساح الوغى
نراه«يسحب السيف ذا الفقار»((264)) و«يدوي بالضربة
العصماء»((265)). وهو في العادة «صامت في
الطعان»((266)).
يعرف الكرلاالفر» (267)). وسلامة لايني يلاحق ابطاله
الرئيسيين، ولا سيما علي والحمزة وابن عقيل والحسن
والحسين وغيرهمويعطيهم الحيز الاكبر في قصائده
الملحمية. فالبطل هو الرمز الذي يختصر المعركة
بفوزه او
سقوطه.
اما ابطال الكفار، فان الشاعر يسمهم بالخيلاء
والقوة والاعتداد
بالنفس والهزء بالعدو كحال طلحة ومرحب وعمرو بن
ودوغيرهم، معتمدين في الغالب على تاريخ لهم مجيد في
ميادين الحرب والبراز، واذ بهم يجندلون ارضا،
سريعا،
تحتضربات ابطال الدعوة البسطاء والذين يقاتلون
بصمت.
بعد صور المبارزة التي نشهدها في غير مشهد، تندفع
الفرق
الى القتال تحت مثار النقع ووسط قعقعة السلاح
وصهيلالخيل
ووقع النبال والنصال والرماح. وقد يترك الشاعر
مجالا لبعض
الاحداث التي تتخلل المعركة كغدر هند بالبطلحمزة
في احد.
والشاعر، بشكل عام، يقف على المعارك بحد ذاتها
وقفات
قصيرة مصورا حركتها الجماعية واساليبها، كما في
خيبر،حيث
يصور اسلوب اقتحام الحصون. وفي وادي الرمل حيث يركز
على اسلوب التمويه الذي اعتمده المسلمونللانقضاض
على
الاعداء.
د النتائج:
اما النتائج فمتضمنة في ابيات قليلات الحقها سلامة
بتلك
الاناشيد، بغاية استخلاص العبر والمعاني التي
تمثلها
تلكالمعارك والاحداث الخطيرة التي واكبت الدعوة
الاسلامية
او بغاية التعبير عن حالات وجدانية عكستها تلك
الاحداثعلى
نفسه.
فالشاعر، في قصيدة بدر، يشيد بتلك المعركة ويعدها
فجر امة
تمرغت طويلا في ظلمات الجاهلية، ويراها ايضا
فاتحهعصر
الجهاد. اما في احد، فلا تثنيه الهزيمة عن طلب الامل
والمستقبل الزاهر للمسلمين. وتعد المراثي بمثابة
قصائدوجدانية يضمنها الشاعر مدائح تختصر منجزات
ابطال
العقيدة، وابرزها رثاء النبي (ص) وامير المؤمنين (ع)
ومصرعمسلم والحسين (ع).
وهو بقدر ما يمدح ابطال الدعوة، يهجو اعداءهم من
المشركين
والمعاندين، وفي طليعتهم بنو امية الذين حشد لهم
ماهم اهل
له من الاوصاف السلبية الخبيثة.
4 الطبيعة في الملحمة:
الطبيعة، في الملحمة، ذات وجهين: طبيعة جغرافية هي
طبيعة الحجاز والعراق والشام، وطبيعة بشرية هي
طبيعة
الحياةالعربية، العادات والاعراف.
والطبيعة، بوجهيها، تشكل الاطار الذي تدور الاحداث
فيه. لكن
الشاعر لا يعطي المحيط الجغرافي من الاهتمام الا
بقدرما
يحتاجه الموضوع او الخيال. فمن الطبيعي اذن ان
يتناول
عناصر البيئة الصحراوية ويتطرق الى وصف
الحواضركيثرب
ومكة ودمر والشام والعراق.
والشاعر، حين يتحدث عن البادية، ياتي على ذكر
القفار والبيد
والبطاح والرمال المتحركة ولهيبها وسرابها
الخادع،وجبال
الحجاز الجرد وسيولها وجفافها الا من آبار مبعثرة
على
مسافات متباعدة. اما شعبها فيسعى وراء الماء
دائماويحلم
بالمطر.
قد يهب الاعصار فيها فتغدو
هضبات الرمال قعر حفائر
وتفيض الكثبان فالدو بحر
مبهم الشط والمسافر حائر
ف..يا لهاة الظمن تحلم بالابار
بالنبع، بالسحاب الهادر((268))
كما ياتي على ذكر حيوانها الداجن كالجمال والماشية
والخيول
العراب، وحيوانها البري كالظباء والذئاب
والخنافسوالاسد
والنمور والارانب والضب، وعلى زواحفها كالعقارب
والافاعي
والصلال، وعلى طيورها كالديوك
والحمائموالعصافير
والحبارى والنعام والنسور والصقور والخفافيش..
اما جفافها فيحرمها من خضرة النبات، الا ما تناثر
من المراعي
في واحاتها وبعض الرياض والنخيل. فطبيعة مكة
الجبليةالصخرية لا تسمح بالزراعة، وشعابها لا
تعرف الامطار الا
مواسم، لذلك:
حرم الزرع والمنابت واد
قلما افتر للغيوث السواجم((269))
وعلى عكسها يثرب «فدار عز»((270)) وارضها بساتين
نخيل
واهلها خبراء في هذا المجال. والمهاجر علي (ع)
فيها«يغرس
النخل عاملا»((271)).
اما اذا انتقلنا الى حواضر اخرى كدمر والشام،
واجهتنا طبيعة
مختلفة خضرة ومياها:
نورت دمر فماست فتونا
وجرى النهر نغمة وحنينا
يتثنى في رفقة الحور حينا
ويميد الصفصاف يسكر حينا((272))
وقد يقف الشاعر وقفات قصيرة على بعض المواقع
الجغرافية
المتعلقة باحداث معينة لوصف طبيعتها الشاذة،
كواديالرمل
وهو مكان محجوب عن الانظار، كثير الحجارة والشجر
يكاد
يكون قلعة طبيعية عصية على الحصار. وهو
الذياقتحمه علي
(ع) على عصابة بني سليم بعد محاولات اسلامية كثيرة
غير
ناجحة((273)).
كما يصف غدير خم، وهو المكان الذي شهد الحدث العظيم:
تسليم الامانة الى علي (ع). وهو مستنقع تفوح منه
روائحكريهة، كان ماءه غضارة من قير((274)).
الا ان الشاعر يولي اهتماما كبيرا بشعب الجزيرة
وطبيعة
حياتهم وعاداتهم. وهم في غالبيتهم بدو رعاة يتتبعون
مساقطالغيث، تجار او مزارعون في الحواضر التي
تتوفر فيها
المياه.
اما التجارة فرائدتها قريش. وان حرمت مكة الزرع فقد
توجه
اهلها الى التجارة حتى اشتهرت برحلتي الشتاء
والصيف.والتجارة مهنة عرفها محمد (ص) صغيرا وعمل
فيها
شابا. وكانت القوافل لا تكاد تنقطع على الطرق الى
الشام او
العراقاو اليمن او البحرين، وقد اصابت قريش منها
اموالا وفيرة.
وها هي «عير قريش» في الاسلام في خطر، فيستنجد ابو
سفيان
بقومه: «ادركوا العير». والعير كما نعلم قوافل
التجارة التيكانت
قريش تقودها لاهل مكة. وكان المسلمون، من ناحيتهم،
يعلمون اثر اعتراضها على المشركين الذين هالهم
انيقطع
طريق التجارة الى الشام امام قوافلهم، فتجهزوا
للقتال ولقاء
المسلمين في بدر.
وثمة اشارات كثيرة الى جوانب مختلفة من حياة العرب،
كصلاة الاستسقاء((275)) وواد البنات((276)).
اما من حيث العقيدة، فاهل الجزيرة، قبل الاسلام،
كانوا عبدة
اصنام الا قليلا منهم. وكانت الكعبة مركز عبادتهم،
وكانتمعروفة «بالحطيم» و«البيت العتيق».
وكانت قريش
تتولى امر رعاية الاصنام والحجيج:
هاشم يرفد الحجيج ويهدي
فضلة الرزق للنسور القشاعم
يحرز المجد بكرة واصيلا
كلما طاف بالحطيم شراذم((277))
لكن الاسلام حطم اصنامهم، مناة واللات وود وسواع
وغيرها:
واستفاقت جزيرة العرب حيرى
فمناة واللات في الرقعاء
اخرس الناس خطبها فتباروا
في استلام الالهة الصماء
اين «ود» واين بطش «سواع»
كان ذلك النذير بدء انتهاء((278))
وقلب كل هذه المفاهيم ووضع قواعد جديدة، وابدل
الوثنية
بعبادة اله واحد يحج الناس اليه بقلوب مفعمة
بالايمانوالتقوى.
ومن حيث الاخلاق، فاننا نلمح بوضوح نوعين منها:
اخلاق
جاهلية واخلاق اسلامية. اما الاخلاق الجاهلية فقد
حشدالشاعر
صورها في قصيدة «الجاهلية»((279)) حيث يطالعنا الوجه
الكالح لذلك «الزمان القاتم». والمتمثل بشعب
غلبتهالضلالة
والجهل والمثم كواد البنات وتبادل الثارات والنهب
وشرب
الخمر واتباع الشهوات ورايات البغي.
لكن الجاهلية لم تكن تعدم بعض الصور الايجابية.
فقريش،
وجيه مكة، كان رمز الجود والكرم:
واحة الخير في القفار الكسالى
بسطة الكف في الزمان الازم((280))
وكان هاشم «يرفد الحجيج» و«كفه تسكب الندى»،
وعبد
المطلب، بيته الرحب مشرع للايامى واليتامى، وهو
«شيبة الحمد».
وما لبث ان اقبل موكب النور يقوده محمد (ص) ليرفع عن
الجزيرة ضلال الجهل والمفاسد، ويزرع في ارضها
قيماجديدة،
ويدعو الناس الى الحياة الكريمة:
ودعاهم للّه للنور للجنات
خضرا على الزمان الابيد
قال:
قد جئتكم بايمان ابراهيم،
بالوحي، بالضياء الرشيد((281))
لكن هذه الدعوة، ككل دعوة، لابد من ان تصطدم بواقع
الحياة
وينقسم الناس حولها الى فريقين: كافر ومسلم.
وقدانضوى
الفريقان في احلاف خطيرة قوضت النظام القبلي،
لتعلن قيام
عصبية جديدة هي عصبية الدين. وان ظلتالاحاسيس
القبلية
متاججة تحت الرماد، يثيرها، في الاسلام، كل من سولت
له
نفسه امرا.
ومن مظاهر الحياة ان يتوزع الناس بين غني وفقير.
فعلي (ع)
في الهجرة الى يثرب، كان زاده:
في الجراب العتيق صاع سويق
او قديد او بعض تمرات تامر((282))
وها هو ايضا يبيع الدرع صداقا لفاطمة((283)).
اما تجار مكة واحلافهم فكانوا يحيون في يسار، وهذا
ابو سفيان
يذكرهم ويحذرهم:
ان يفز احمد تموتوا جياعا
ذلة الفقر بعد عز اليسار((284))
وتلك صورة يزيد في الشام ينهل من ترف فاسد.
وتبقى القوة، من ناحية اخرى، عماد الحياة في
الصحراء. فهي
التي تخرج الابطال وتجعلهم اسياد اقوامهم. لذلك
كانتالحروب تبدا بعروض فردية يؤديها هؤلاء
فيتبارزون
ويثبت القوي فيقوى قومه بقوته ويزدادون حماسة
وشجاعة.
وكانعلي (ع) بطل الاسلام بلا منازع. وتصور الملحمة
هذه
الناحية بوضوح، وتعرض الاساليب المتبعة في الحروب
منمبارزة الابطال والتحام الجيوش واستخدام الطرق
المتاحة
كالحصار والتسلل وحفر الخنادق واختيار الموقع
المناسبقرب
الابار والانهار وعلى السفوح وانقسام الجيوش الى
سرايا وفرق
من المشاة والنبالة والخيالة، واصطحاب
الاهلوالقيان لبث
روح الحماسة في المتحاربين. كما تعرض ادوات القتال
المختلفة من سيوف ورماح وسهام وخناجروتروس ودروع..
مما
عرضنا له قبلا في هذا البحث.
ونقع في الملحمة على بعض مشاهد الاحتفال بنصر او
عرس او
لقاء، كماجرى في عرس علي (ع) الذي:
سار خلف النبي غير حفي
بالرياحين في اكف الاماء
قادمات من يثرب بالمثاني
بالزغاريد طلقة بالغناء
ناقرات الدفوف بالراح حمرا
فالعذارى في موسم الحناء((285))
فالملحمة تصور الحياة العربية وحدة متكاملة بكل
وجوهها.
وقد يتناول الشاعر بعض هذه الجوانب بشيء من
الاختصاراو
العجلة. ولكن يكفي انه يسجله او يشير اليه.
كما تعكس الملحمة ايمان الناس بالاحلام وصدق بعض
التنبؤات، منها موقف الراهب «بحيرى» من الطفل
الذياصطحبه ابو طالب معه في تجارة، فاقبل يكرم
الوفد لما
راى في الطفل علامات النبوة. وافضى الى ابي طالب ما
يكونلهذا الصبي من شان عظيم((286)). ومنها حلم
الموبذان
الذي شاهد ملك الفرس يهوي((287)) وحلم عاتكة بوقعة
بدروهزيمة المشركين((288)). ورؤيا النبي بماساة الحسين
(ع)((289)).
وفي الملحمة اشارات الى اهتمام الدول المجاورة
بامور
الجزيرة. كحملة الاحباش على الحجاز، الحدث الذي
عرفبعام
الفيل، وهو العام الذي ولد فيه النبي الاكرم (ص).
وكان عبد
المطلب بطل ذلك العام((290)) ومن هذه الاشارات
قلقالفرس لولادة هذا الدين الجديد((291)).
5 المظلومية الخالدة والالتزام:
وقبل الانتقال الى دراسة الملحمة بجوانبها الفنية،
وجدت لزاما
علي ان اعالج قضيتين تواجهاننا باطراد في هذا
العملالملحمي الكبير. الاولى تتصل بمضمون
الملحمة الا
وهي المظلومية الخالدة، والثانية تتعلق بالشاعر
الا وهي
الالتزامبالخط العلوي.
ا المظلومية الخالدة:
الملحمة معرض بطولة في المقام الاول، وهي بطولة
عادلة
وهادفة لانها تجلت منذ البداية حتى النهاية بمواقف
الدفاععن
نظام سام من القيم تمثل بالاسلام. فالجاهلية لم
تقبل طوعا
بهذا النظام الذي جاء يدمر حياتها ويلغي
وجودها،لذلك نراها
تنهض بالعدوان تستخدم كل وسيلة متاحة. وقد صبر صاحب
الدعوة (ص) واتباعه الضعفاء على اذاهاحتى امروا
بالهجرة اولا
فالجهاد، لتبدا مرحلة ثانية تمثلت بخوض غمار
الحروب
لتوطيد دعائم الدين الجديد.والمسلمون، في هذه
المرحلة
ايضا، كانوا في مواقف دفاعية عن انفسهم ودينهم.
واستمرت
الحال كذلك حتى نهايةالملحمة مع علي والحسين (ع)
واتباعهما.
لكن البطولات التي سجلها هؤلاء كانت من نوع آخر.
فبعض
النفوس التي روضها الاسلام بتعاليمه ونفحها بروحه،
لمتخل
كليا من طبائع الجاهلية. واكثر من تمثلت بهم هذه
الحالة هم
بنو امية الذين ما تخلوا يوما عن طباعهم القبلية.
وقدقادهم
هذا التخلف الى الارتداد فعلا عن الاسلام ومناهضة
الدين
وبقية النبوة المتمثلة من علي (ع) وبنيه (ع) وصحبه. ان الظلم الذي حاق بهؤلاء يفوق التصور. والمظلومية التي عايشوها تكتسي كل عظمة. فاذا كان التاريخ قد سحق الظلم،فما خلفه وراءه يبقى خالدا، بقاء النزعة الى الخير والحرية، وبقاء الثورة في النفوس الابية. |
|---|