فها علي (ع): «انما مجده يكبر بشقائه» ((292)) . اما مسلم فقد قتل وهو على يقين بالوعد الحق الذي ينتظره:
فلنا في القصاص فيض حياة
وخلود وجنة ماوانا
ونعيم لا يعرف الوقت والساع
ات حدا، ولا يعد الانا((293))
وهذي كربلاء منارة بطولة وفداء. فآل الحسين (ع)
وصحبه
يتدافعون الى الموت بعزة وكبرياء، عاصين على
الظلم، معانهم
لا ياملون نصرا:
ثبتوا في العراك لا ياملون
النصر، لكن ضحية وافتداء
علموا الدهر بعدهم كيف تفنى
اخوة تشرب الردى بسلاء
سطروا بالدماء صفحة مجد
غمروها محبة واخاء((294))
حتى لكان كربلاء تستحيل «ماتم للقاتلين لا ماتم
القتلى» ((295)).
تلك المظلومية الخالدة التي تسطع في الملحمة وتسطع
في
الزمان، فما تنفك الازمنة المتعاقبة تتوجع
لاوجاعها
وتاملبالثار من الظلم.
ب الالتزام بالخط العلوي:
بولس سلامة واحد من ابناء الرسالة العيسوية التي
بشرت بالخير
والمحبة واتباع الحق. فلا يمكنه لذلك الا ان يكون
امينامندفعا
وراء اشعاعاتها المتجسدة في كل رجل عظيم تعبق في
روحه
روحانية العقيدة السماوية وتتملكه عقلا
وروحاوممارسة.
فليست المظلومية نقيصة، فمثل هؤلاء الرجال يظلمون
في كل
زمان ومكان. ولكن تبقى سير جهادهم منارات
شامخةوشاهدة
على المبادى العظيمة التي ظلموا من اجلها، فيهواهم
كل من
عصى العصبية وطيب شعاع المحبة قلبه وعرفالالم.
لكن حب سلامة لهذا التيار حر جريء، يقع في زمن
تنهض فيه
الجاهلية من جديد، وتجتاح العصبية النفوس،
وتنهارالقيم
وتتراجع التعاليم السماوية. فكانما وجد الشاعر في
آل البيت
رموزا مسيحية فضلا عن كونها رموزا اسلامية.
ورؤيته تلك تقوم على فهم حضاري متقدم لدور الدين
ورجاله.
وهنا لا يمكن ان ننكر دور الثقافة العربية التي
تمثلهاجيدا. كما
لا يستطيع احد ان يتجاهل ما تتصف به الثقافة
العربية من
وحدة موسومة بطابعها العربي الاسلامي.
فالثقافةالعربية تراث
مجيد لكل عربي من المسلمين والمسيحيين، وقد جهدوا
في
بنائها معا، على رغم المعاندين المعادينلهذا
التراث من كلا
الفريقين.
لم يكن الشاعر اذن بمناى عن احداث ملحمته، فقد هزته
هذه
البطولات ومال مع المظلوم على الظالم، مع الخير
علىالشر.
فبقدر ما يمدح ابطال الاسلام يهجو اعداءهم. وهو
بهذا يهجو
الظلم سبب شقاء البشرية. وفي طليعة هؤلاء بنوامية.
وكان
دائما يذكر باصل عداوتهم الجاهلية لبني هاشم،
ويكنيهم
«بعصبة الشر»((296))و«اولاد الثعابين»((297))
و«ابناء هند»
: ((298))
عصبة الشر بتم سبة
الازمان ما دامت السماء سماء
انتم الخسة التي تطلع
الاقذار منها فتستحيل وباء
لست اهجوكم فان سهام
النقد تجري فتجرح الوجهاء
واراكم قذارة في يراعي
فانا عنكم اجل الهجاء((299))
ويستثني من هجائه ابن عبد العزيز، فهو في هجائه يخص
الظالمين الاشقياء.
لا يضير الاسلام اني هجوت
الامويين، قد وصفت شقيا:
ليس فيهم غير ابن عبد عزيز
مسلما كان، قانتا صوفيا((300))
فهو يذكر اسماءهم ويعدد مثالبهم في «خاتمة»
الملحمة.
ولا يخفي الشاعر اعجابه بعلي، وفي المقدمة يعلن
ذلك: «اما اذا
كان التشيع حبا لعلي واهل البيت الطيبين
الاكرمين،وثورة
على الظلم وتوجعا لما حل بالحسين وما نزل باولاده
من
النكبات في مطاوي التاريخ، فانني شيعي»((301)).
ولطالماتغنى شعراء النصرانية حديثا بعلي. فهو
الرجل الذي
تعالى عن موبقات الدنيا والتزم هدفا ساميا واخلاقا
عليا. ولم
يكبجواده يوما.
هو فخر التاريخ لا فخر شعب
يدعيه ويصطفيه وليا
لا تقل شيعة هواة علي
ان في كل منصف شيعيا((302))
ولا شك في ان الالم المحض الذي نزل بسلامة، زاد دفعه
الى
التاسي بكل العظماء المعذبين:
كدت اقضي لولا النهى والتاسي
ونعيم اصوغه وهميا
اتاسى بابن البتول فيوليني
عزاء وبلسما معنويا
اتاسى بهاجر يقطع الصح
راء قسرا عن بيته منفيا
اتاسى بالاكرمين خصالا
لم يسيغوا في العمر شربا مريا
جلجل الحق في المسيحي حتى
عد من فرط حبه علويا
انا من يعشق البطولة والالهام
والعدل والخلاق الرضيا((303))
ثم يعود الى بيت ختم به القصيدة الاولى التي يختم
بها
الملحمة
يا سماء اشهدي ويا ارض قري
واخشعي، انني ذكرت عليا((304))
ثانيا: القضايا الفنية
القضايا التي ساعالجها هنا، تتصل جوهريا بعيد
الغدير. وقد سبق
للشاعر ان بحثها في معرض ردوده على نقد فنه فيهذا
العمل
بالذات، في المقدمة المطولة لعيد الرياض.
وسلامة، كما هو معروف، شاعر مثقف يتقن فن الشعر
ويعرف
اصوله وقواعده، غير ان النهج الكلاسي الذي اعتمده
فيشعرنة
التاريخ قد اوقعه في مزالق لم تنجه من النقد.
وليست غايتنا هنا ان نبخس الشاعر فنه، وانما هي عرض
افكاره
ومناقشتها، وبيان مدى التزامه بها في هذا
العملالفني.
وتلك القضايا هي:
1 الحقيقة والشعر.
2 السرد.
3 اللغة.
4 الخيال.
5 الموسيقى.
1 الحقيقة والشعر:
الحقيقة لا خيال فيها، والشعر عماده الخيال، فهما
اذن على
النقيض. فكيف يتلفان؟ ولماذا الشعر في التاريخ؟
ملحمة الغدير، في الواقع، نصان: نص شعري ونص نثري
تاريخي. النص الاول هو متن الملحمة والنص الثاني
حواشيها،وقد الحقه الشاعر بالنص الاول، كما قال:
«ليسهل
للقراء وعلى الاخص غير المسلمين منهم تفهم
الكتاب»((305)). واتبعالحواشي بمراجع
«ليكون الكلام على
بينة»((306)).
وهذان النصان جاءا متلازمين متجانسين، بل هما
صورتان
متطابقتان. وكان بالامكان، لذلك، ان يتخلى عن
الحواشي،لان
المتن قام بمهمتها عند اكمل وجه. غير انه ذكرها
ليؤكد
التزامه الصدق في عرض الاحداث، وهذا ما يشير اليه
فيمقدمة
عيد الرياض حيث يقول: «يؤخذ علينا اعتمادنا على
التاريخ، كما
توكا عليه صاحب انشودة رولان، او كما اعتمدهفكتور
هيغو في
اسطورة العصور، اي ان عيبنا هو رجحان كفة الصدق
عندنا
على كفة الاختلاق عندهم» (307)). وهذاالقول يدل على
ان
سلامة استلهم التاريخ، حتى ليطغى هذا على شاعريته
ويقيدها
ويلزمها مجرى التاريخ بخطوطهالعامة والخاصة. وهو
لذلك
يضمن ملحمته كثيرا من الاشارات التاريخية
والاقتباسات.
لابد للملحمة، اية ملحمة، من نواة تاريخية تقوم
عليها، شريطة
ان تكون مغشاة بالوان الابداع، وهذا ما لم تحققه
هذهالملحمة.
فالملحمة عمل فني. وهي، وان اعتمدت التاريخ، فعلى
مبدا ان
يكون التاريخ في خدمتها لا ان تكون هي فيخدمة
التاريخ. والا
كانت المراجع التي ذكرها المؤلف اوفى واوثق في نقل
الحقائق
والاحداث.
ورب راي يقول: «ان المتحدث في التاريخ الاسلامي، لا
يمكنه
ان يسرح بعيدا عن الواقع، وان يتمادى في
التخيلالاسطوري.
فالوقائع معروفة لا يمكن تبديلها، والا سقط الشاعر
في خيانة
التاريخ. فسبيل الملحمة هنا ان تنقل هذاالواقع شعرا
منظوما،
وتصور المعارك والبطولات، وتركز على الفضائل التي
يتصف
بها البطل المميز في مرتبة اعلى منالبشر
العاديين»((308)).
ان هذا الراي يلغي دور الشاعر، او يجعله على الاقل
هامشيا. فاذا
كان شاهد الحدث التاريخيالموثوق مقيد به، فاين
يكمن
الابداع في هذه الحالة اذن؟ وهل فعل المتنبي فعل
شاعرنا في
وصف بطولات سيفالدولة، او ابو تمام في وصف فتح
عمورية؟
او غيرهما من شعراء البطولة العرب؟ ان الشاعر لا
يخون التاريخ
بابداعه.فليس الشعر وثيقة. ولا ينتظر القارى ان
يقرا التاريخ
في الشعر.
ان المنهجية المنطقية، على اية حال، تبدو جلية في
عرض
الاحداث وتسلسلها كما بينا. فجاءت الاحداث متطابقة
فيتضاعيف القصائد مع المفاصل الكبرى للحدث
الاسلامي.
2 السرد:
السرد، في الواقع، هو الاساس الذي يقوم عليه فن
القص. وهو،
في الملحمة، عنصر قوي من عناصرها. الا انه في
القصهو
السيد المطلق الذي يقدم نفسه للمتلقي دفعة واحدة((309))
وبصورة جلية لا لبس فيها، حتى ليوشك على
امتلاكه،بحيث
يصبح الشاهد، سامعا او قارئا، مجرد صدى له.
لكنه قد يقع في الشعر، ونموذجه هنا الملحمة. الا انه
لا يقوم
فيه بدور البطولة، بل يصبح عنصرا ثانويا يتحرك
خلفنقاب
يشف او يثقل، ويقوده التخييل. لان الشعر في جوهره
نقل حالة
بطريق الايحاء واللمح بحيث يفجر في
المتلقيالاحساس
بالخلق. اما نقل الحقائق والعلوم فتلك وظيفة النثر.
ان ما يواجهنا، في هذا العمل، ان العنصر السردي قد
تحول الى
عرض مقنع لشيء حدث. فالاحداث المختارة
والتيبنيت عليها
هذه الملحمة قد تعلقت بدورها الوظيفي المحض وهو
الاقناع
العاطفي. لهذا نرى ان السرد، في مواطنكثيرة من
الملحمة،
طغى الى حد الغى ابهة الشعر. وهو بهذا يستجيب لمبدا
الاحتمال في البلاغة التقليدية، التي تجد«القصة
محتملة ان
ظهرت فيها اشياء مما يبدو في الواقع والظروف التي
حدثت
فيها، زمانها ومكانها وكيفيتها بحيثيلتزم
الشيء المروي
بطبيعة ما يفترض من المؤلفين، او يشاع عند العامة،
او ما
ينطبق مع راي المستمعين»((310)). تصيرالقصة محتملة
اذن
اذا الزمنا انفسنا بالا نقول شيئا يتعارض مع المروي
والمتداول.
وهذا ما ذهب اليه ابن طباطبا حينعرض لاحتمال وجود
الشعر القصصي ووظيفته بقوله: «وليست تخلو الاشعار
من ان
يقتص فيها اشياء هي قائمة فيالنفوس والعقول،
فيحسن
العبارة عنها واظهار ما يكمن في الضمائر منها،
فيبتهج السامع
لما يرد عليه مما قد عرفه طبعهوقبله فهمه»((311)).
ان خطر السردية على الشاعرية امر اقر به صاحب
الملحمة
نفسه. ويعده في طليعة الصعاب التي تواجه الشاعر:
«فليساقتل منه للشاعرية»، وهو يسوغ كثافة السرد
في ملحمته
بتكاثر الحوادث وتعدد اسماء الاعلام وتعذر اغفالها
من
اجلالمحافظة على البنية الفنية: «ولكننا، يقول
ايضا، في صدد
وزن واحد وقواف لا تنال باليسير من الجهد، وفي
السرد ما
فيهمن جفاف، ولا سيما اذا كان الموضوع واحدا فدار
حول
معارك متشابهة وان تعددت، في بلاد معظمها
قاحلمتماثل»((312)).
وهو، في هذا القول، يتبنى مذهب الاقدمين في عرض
قضايا
السرد الشعري التي تقوم عندهم:
على الربط بين الوزن وما يقتضيه فن القص الشعري من
صيغ
واشكال.
والاهتمام بسرد النص باكمله، والعناية بدرجة
تجانسه
وتماسكه، اي كمال النص مضمونا وشكلا.
والاهتمام باقتصاد الكلام المتمثل في تلاؤمه مع
الشخصيات
والمواقف، وهو غير الايجاز المطلق في البلاغة.
ومراعاة الصدق في تصوير الواقع، وهو ما يسمى بالصدق
التاريخي((313)).
لكن الشاعر كان يعمل جاهدا لتجنب الوقوع في هذا
الجفاف
الناجم عن اتباع هذه الخصائص، بما اشاعه في
ملحمته،في
اماكن كثيرة، من اجواء شاعرية ان في تضاعيف القصائد
ام في
خواتمها وفي قصائد وجدانية ورثائية ووصفية.
فلقدنراه ياخذ
الحدث العادي من الواقع التاريخي ويطلق العنان
لخياله
مصورا البطولات، متغنيا بالمثالية الاخلاقية
لبطله(314)).
ان الالتزام بنظام اخلاقي متسام من وحي الاسلام
والمسيحية،
لابرز ما في الملحمة، فضلا عن التبشير بقوة
الحقوالتضحيات
التي تواكبه، حتى لتبدو البطولات في الملاحم
الاخرى، ازاءها،
سلبية، طالما انها لم تستطع ان تؤكد نفسها.بينما هي
هنا على
المستوى البشري بطولات خالدة خلود الخير والحق.
3 اللغة في الملحمة:
من الطبيعي ان تكون لغة السرد واضحة حتى لا ينصرف
الذهن
عن الاحداث اليها وتصبح غاية، وهي في العملالسردي
وسيلة،
و«اذا انتزعت الكلمة في السرد دور البطولة من بقية
العناصر،
واستقلت شعريتها عن شبكة العلاقاتالسردية، اخذ
العمل
الروائي يميل تجاه الغنائية ويصبح شعريا بالمعنى
المحدود
للكلمة»((315)).
اللغة، في ملحمة الغدير، تقع في منطقة وسطى بين
الشعر
والنثر. هي لغة توفيقية، وان غلبت عليها النثرية
لالتزام
الشاعرلغة الخطاب التاريخي يعيد ابداعه شعرا. وهو
امر يعيه
بولس سلامة جيدا اذ يقول: «توخيت الوضوح في
التعبير،فدانيت الطبيعة غير مقلد لها ولا منتقص من
قيمة
الفن او كافر بملكوته. فتركت البيان اقرب الى
البساطة منه الى
التعقيد،والبساطة غير السذاجة»((316)). ولغته على اية
حال،
هي اللغة الفصحى المتداولة بين المتادبين المحليين
في ما
بعد لغةالنهضويين السلفية.
الا ان عصر الموضوع الزم الشاعر ان يستدعي لغة
تجانس اجواءه
وتلائمها عن وعي تام بذلك، اذ يقول: «واذن لا مفر
منديباجة
تطل منها، على ندور، خشونة البادية والفاظ مصبوغة
باللون
المحلي»((317)). فلقد الم الشاعر بخصائص
الجزيرةالعربية،
موطن الاحداث، من خلال الموروث الشعري الضخم الذي
خلفه لنا الشعراء، غير انه يضفي عليها في
احيانكثيرة الوانا
حضارية خيالية لا تعرفها:
يا رمال الصحراء، هذا علي
فاملئي الدرب والضفاف ازاهر
تسرح الرئم حوله والعبارى
والنعامات والمها والجذر((318))
وابسطي حوله الرنابق فرشا..
وقد لجا الشاعر، كما فعل الاقدمون، الى حشد الالفاظ
والاسماء
لمسمى واحد، فالبادية هي الصحراء والرمال
والكثبانوالسيسب
والربداء والهجيرة والرمضاء.
والسيوف هي رهاف الضبى، والبيض. والسيف هو الحسام
والمهند والهندي والابتر والمشرفي والقرضاب.
والخيول هي السوابح الجرداء، والجياد، والضمر
المرسلات.
والاسود هي الاسد والضبارم، والاسد هو الرئبال
والصيهور
والليث. كما لم يعف عن مفردات مهجورة غريبة شرحها
فيالحواشي. فالضبع هو العضد، والاخشبان: الجبلان،
والغرثان:
الظامى، والصيهود: الشديد الحرارة، الغرين: الطين
الذييحمله
السيل، الخيم: الطبيعة والسجية، الفيح: الرسول،
الدقعاء:
الارض، والحفيش: المتاع الحقير. وهذه الالفاظ،
علىاية حال
قليلة، واكثر ما تقع في قصيدة «التطواف».
ولم يستطع الشاعر في ملحمته، نظرا لطولها
ولاسلوبها
الارتجالي، ان يتخلص من التكرار فوقع فيه توكيدا
لمعنى
اوحدث.
ففي قصيدة «علي في يثرب» يكرر لفظة «الكف»،
ويحملها
معاني القوة والبطولة والبيان:
تحمل الرفش كفه وهي كف
صاغها اللّه للشؤون الكبار
اي كف من جبهة الصخر قدت
هي اسطى من صولة الاقدار
تلك كف لم يعلق اللؤم فيها
فتسامت عن الهوى والصغار
تلكم الكف تسطر الوحي
فالقرطاس كون يشع بالانوار((319))
ويكثر هذا النسق في الابيات:
هو خير الازواج عفة ذيل
وهي خير الزوجات من حواء
فعلي وزوجه منه بعض
شيمة الكل شيمة الاجزاء((320))
وقد يحشر في البيت صفات تضفي على الصورة كمالا او
مترادفات يثقل بها:
قزما كان بين الرجال ذميما
وزنيما وقعودا مهزولا((321))
كان في الصحب فارسي اريب
يقطر الفهم سلسلا من ذكائه((322))
او في اكثر من بيت عندما يصف غدير خم:
بلغ العائدون بطحاء خم
فكان الركبان في التنور
عرفوه غدير خم وليس
الغور الا ثمالة من غدير
اي مستنقع وخيم كان
الماء فيه غضارة من قير((323))
ولغة سلامة، بوجه عام، لا تشكو من ضعف، فهو يحسن
اختيار
الالفاظ واستخدام مشتقاتها، اما تراكيبه فبسيطة
فعليةفي
غالبيتها لا يشوبها ابهام او اضطراب.
4 الخيال في الملحمة:
ان غلبة السرد والتاريخ على الملحمة كادت تلغي دور
الخيال.
واذا كانت الملحمة بوجه عام تسمح للشاعر بالتحليق
فياجواء
الخيال يتفنن في الابداع فيه حرا من كل قيد، فالامر
ليس
كذلك بالنسبة الى التاريخ، فهو قيد الشعر، وهو امر
يعرفهشاعرنا حق المعرفة بقوله: «ذلك ان الملاحم
تدور على
الاساطير، حيث يسبح الخيال ولا رقيب عليه الا ذوقه.
وكتابيهذا محوره التاريخ، والتاريخ حرام على
الخيال»((324)).
لقد اختار سلامة ان ينهج منهاج الصدق على حساب
العنصر
الخيالي. وهو، شان الكلاسيين من النقاد، يرى ان
الخيالوالوهم
شيء واحد، ويجب الحذر منه، والعمل المغلف بالوهم
يسير
على الابداع، وفي ذلك يقول: «لم يكن بالمتعذرعلينا
ان
نتخيل دنيا اوهام نبراها على هوانا فنخرج من العسر
الى
اليسر»((325)).
ولقد فرضت هذه الواقعية الصلبة على الشاعر ان يبقى
خياله
لصيقا بالواقع الذي ينسجه او قريبا منه في صنعة
متعمدة.ولان
الشاعر حضري من لبنان، فقد اكتسى خياله في بعض
المواضع
طابع الرقة والعذوبة وسهولة الالفاظ كما في
قصيدة«صلاة»((326)) وقد يدل ذلك، من ناحية
ثانية، على
الجهد المبذول في تناوله جوانب كثيرة من حياة العرب
تناولا
واقعيافيه استقصاء وشمولية، وفيه دقة وعمق.
والصور التي حفلت بها الملحمة لتدل على احساس مرهف
بمعاناة ابطال الدعوة، والتي ترتبط بمعان انسانية
ايمانيةسامية
يوحي بها الموضوع ويؤمن بها الشاعر فكان يميل الى
الانتقال
من الاحداث الى معانيها. الا ان ذلك لم يرتفعبصوره
الى
المجرد الا نادرا، وبذلك جاء خياله تقليديا يذكرنا
ببعض ما
ابدعه شعراء العرب، ففي قصيدة «الحلم الاخير»ينشد
سلامة:
ارق الليل لا يذوق المناما
غير ما تخطف العيون لماما
ليلة تصبغ النجوم بلون الهم
حتى الظلام يخشى الظلاما((327))
ويقول النابغة:
كليني لهم يا اميمة ناصب
وليل اقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض
وليس الذي يرعى النجوم بيب
وصدر اراح الليل عازب همه
تضاعف فيه الحزن من كل جانب((328))
يجمع الشاعران، كما نرى، بين ظلام الليل وطوله
والهم الذي
يثقل الكاهل. فهما يحولان الزمان، بذلك، الى زمان
نفسياستعار له سلامة الارق الذي يعانيه، واستعار
له «النابغة»
بطء الكواكب على نهج امرى القيس.
غير ان سلامة قد ابدع حين عكس على ليله لون الهم،
فارتفع
بذلك الى مصاف السورياليين من الشعراء. اما النابغة
فقدجمع
بين الهم والليل والحزن وترك لنا ان نشعر بعبء هذا
اللون في
النفس.
وسلامة، ان في وصفه رياض دمر ام قصر الخضراء في
الشام،
ينحو منحى البحتري في صوره. فتلك الغوطة في
شعرسلامة
تعكس اجواء الفرح والانس وسط القصور السوامق
والطبيعة
الغناء. وتكاد تكون معزولة عن سياق الاحداث، اوتبدو
كان
اصحابها ينكرون ما يجري حولهم، فهم يتنعمون بانواع
الفسق
والشرور.
فالوصف عند كليهما يعتمد الشكل اكثر من الجوهر،
ويعتمد
الزركشة اكثر من الفكرة. وقد انعكس هذا المظهر
الحضاريفي
ناحية الطبيعة والعمران، فالازاهير والاشجار
تتثنى وتميس
على ضفاف الانهار الدافقة التي تحيط بقصور تبدو
آيةفي الفن
والجمال. والشاعران لا يصفان طبيعة جامدة، بل
يعملان
لاخراجها من جمادها باضفاء اشكال الالفة
بينعناصرها.
ويهتمان بتزيين مظاهرها بالوان حضارية واعتماد
التشخيص:
نورت دمر فماست فتونا
وجرى النهر نغمة وحنينا
يتثنى في رفقه الحور حينا
ويميد الصفصاف يسكر حينا
يتحامى ان يصدع الورد
اذ يهوي حياء او يجرح الياسمينا
واطل الربيع في الغوطة الفيحاء
بحرا لو ان فيه سفينا
تستحم الابصار في بحره المخضر
حتى يكاد يطلي الجفونا((329))
ويقول في وصف قصر الخضراء:
حول قصر الخضراء جاشن خضيب
الارض وافتر للرياض الحدائق
مد ما تسمح النواظر او تنهد
سكرى على الجنان الفياهق
يستحم الغروب فيها ويرنو
برعم الورد للصباح الفاتق
كادت الشمس تستحم بحوض
فوقه اعين الشآم دوافق((330))
تحفل الملحمة باشكال مختلفة من الصور الشعرية:
الجزئية
والكلية والنفسية والفلسفية والسوريالية:
فالصور الجزئية هي التي تعتمد اصول البلاغة
العربية من
تشابيه واستعارات وكنايات تقليدية، حيث نراه
يستعين
بالبدرللوجه المضيء((331)) وطعم الحنظل للانسان
الفاسد((332))
وجبال الامواج للجيش الجرار((333))
والنجمة الغراء للجبين((334)) وطلعة الصبح لجمال فتاة
((335))،
والسيل لزحف الخيل((336))، وامتداد النور في
الظلمات للصيت الجيد((337))، اوكالصبح الدائم لاسم
علي(ع)((338)).
وهروب الخفافيش للهاربين من القتال
، اوكسر الزجاج للقتلى على الارض((340)). والليث ((339))
للفارس القوي((341)). . والسهام الهيف
للصخورالمسننة
واختيال الطاووس للفخور ((343)). ((342))
وقد يكرر بعض التشابيه:
حاسرا سار للصلاة كوجه الحق
والحق لا يطيق اللثاما((344))
اعزلا كالحقيقة البكر طلقا
بارز الصدر كالصباح السافر((345))
والاستعارات كثيرة: «اجفل القبر»((346)) يقود
المنايا»((347)) خجل السيف»((348)).
والكنايات كذلك: «عفة ذيل»((349)) امير البيان»((350))
و«امير الزهاد»((351)).
اما الصور الكلية فتتعلق بوصف المعارك، وهي كثيرة
كوصف
الخيل في ساحة المعركة، واستعداد الجيش، ونجدها
فيقصائد
بدر، واحد، والخندق، وخيبر، وحنين، وصفين، ويوم
الجمل،
وكربلاء، وغيرها من الوقائع الشديدة.
وقد يتوسل الوصف لدلالة نفسية: «ليلة تصبغ النجوم
بلون
الهم»((352))
او فلسفية:
كان شيئا مكوكبا في الهيولى
والبرايا غريقة في الاثير((353))
وقد تحلق صورة في اجواء سوريالية تكشف عن ابداع
كامن:
هدا الكون وامحى الصوت حتى
لتحس الاذان همس العطور((354))
واذا استثنينا هذه اللمحات الشعرية المتناثرة في
الملحمة،
وهي نادرة، امكننا ان نشير الى ان صور الشاعر
بغالبيتها يغلب
عليها الحس والتقليد. وهذا ما يجاري القواعد التي
رسمها لهذا
العمل.
5- الموسيقى
لابد لمن يتاهب لنظم عمل ملحمي، كهذا، من ان يقف
طويلا
قبل ان يعين اوزان منظومته وقوافيها. وما كان على
بولس سلامة، في هذا الصدد، الا ان يختار بين نهجين:
اما اتباع
طريقة تعداد الاوزان والقوافي، واما التزام بحر
واحد
وجعلالملحمة قصيدة متوحدة الموضوع والنغم.
وقد وجد سلامة ان طبعه اقرب الى النهج الثاني من حيث
اتباع
المنهج القديم في وحدة الوزن، لتاكيد النفس
الشعريالطويل
الذي يمتاز به، وعدم التخلي السريع عن الروي حتى
وان بلغ
مئات القوافي، كما المحنا سابقا، مع ما يظهره هذا
النهج من
العنت او لزوم ما لا يلزم، مما يصعب الامر عليه
فينزلق الى
ركوب المخاطر والتضييق على النفس. وهو مااعترف به:
«اجل
ولقد ضيقت على نفسي.. ولو كنت ممن يعتمدون البهارج
اللفظية، ويعيشون على الجرس والايقاعلقفزت من
بحر الى
بحر، وبدلت شطا بشط»((355)).
وقد اجرى سلامة موسيقاه في هذه الملحمة على «البحر
الخفيف»، وهو من بحور المرتبة الثانية في نسبة
الشيوع كما
يراه«ابراهيم انيس»((356)). والخفيف على حد قول معرب
الالياذة: «اخف البحور على الطبع، واطلاها للسمع،
يشبه
الوافرلينا، ولكنه اكثر سهولة واقرب انسجاما، واذا
جاد نظمه
رايته ممتنعا لقرب الكلام المنظوم فيه من القول
المنثور.
وليسفي جميع بحور الشعر نظيره يصح للتصرف بجميع
المعاني»((357)). فالمنثور يبقى في هذا
البحر منثورا، او
يتحول الىالشعر من دون اخلال بمعناه الحقيقي.
وهو، بذلك،
يلائم الشعر القصصي او شعر السرد الحافل. وقد
اختاره
الشاعرلصفاته الملائمة هذه.
اما وزن الخفيف فهو «فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن».
والتفعيلة
الاولى ترد كثيرا في صورة (فعلاتن). وترد الثانية في
صورة(مفاعلن)، وتمتاز الثالثة بانها لا تلتزم.
وهناك من يزيد
على المقياس الاخير صورة ثالثة هي (فاعلن) او رابعة
هي(مفعولن)((358)).
وقد استعمل الشاعر في ملحمته جميع هذه الصور، ومن
امثلتها:
يرمق الشمس لا يرف ويبدي
لذكاء جفونه والقوادم((359))
حيث اعتمد جواز فعلاتن لفاعلاتن، ومفاعلن
لمستفعلن.
افشهد الطف قسوة الاوغاد
وذئابا تختال في اجناد((360))
حيث التزم في القافية الصورة الرابعة (مفعولن).
ونظم الشاعر ملحمته على هذا البحر، على اية حال، لم
يشك
من خلل موسيقى. وقد امن للشاعر حرية الانتقال من
سردالى
وصف بطولة او معركة، او وجدانيات او رثاء او حكمة،
ما يدل
على ان الشاعر قد اتقن فن النظم اتقانا لا تقصير
فيه.
والنظم في حقيقته هو الكلام المقفى الموزون. ولا
يصلح
الشعر في العربية من دون قافية، لانها لغة قياسية
رنانة.
والقافيةلها اثر مميز في الاذن فقد يجود بعضها في
موضع
ويفضله غيره في موضع آخر((361)).
اما وقع الروي فدليله ذوق الناظم ومقدرته على
الملاءمة بينه
وبين المعاني المطروقة. وهو في الملحمة نوعان:
مطلقحينما
يكون متحركا، كما في القصائد: «البعثة» و«مولد
علي» و«علي
في يثرب» و«حلم عاتكة» و«يوم الغدير»
وغيرها،ومقيد حينما
يكون ساكنا، كما في قصائد «الجاهلية»، و«هجرة
علي»،
و«التطواف» وغيرها.
وقد يلحق الروي حرف وصل، الف ساكنة او هاء متحركة،
كما
في قصيدة «صلاة»، و«الخاتمة»، و«عثمان بن
عفان» و«ابوذر
الغفاري»، ويتعسف الشاعر احيانا في اختيار رويه
كما في
قصيدة «التطواف»، لقلة الكلام المالوف على روي
القاف،فيستنجد بالفاظ المعجم يفسرها في الحواشي:
الايانق،
الوسائق، البوائق، الخزانق، الفياهق.
ونلاحظ ان الشاعر احيانا يزاوج موسيقيا بين بعض
القصائد
المتقاربة بمضمونها. فيعتمد لها رويا واحدا، كما في
قصائد:«صلاة» و«الخاتمة» وهما بروي الياء
الملحقة بالالف
الساكنة، و«الجاهلية وانسابها» حيث يعتمد روي
الميم المقيدة.
«ابو طالب» و«البعثة» وهما بروي الراء
المكسورة. و«مولد علي»
و«فجر الاسلام» وهما بروي الدال المكسورة.
ان منظومة الغدير، على اية حال، ملونة بالوان
موسيقية اخاذة
تتعدى الوزن والقافية الى موسيقى داخلية يغلب
عليهاالاحساس باللطف والرقة في الشكوى والدعاء،
والحزن في
المراثي، والقوة في قصائد البطولة. والنغم القاسي
في
هجاءالظلم والظالمين.
الخاتمة
لم تلق ملحمة «عيد الغدير» الاهتمام الذي تستحقه في
الاوساط الثقافية المختلفة. ويعود ذلك في رايي الى
التزامهابنهج عادل يمثله الخط العلوي الذي ما زالت
تتجه اليه
اسنة المعاندين منذ كربلاء او قبل ذلك. والثقافة
الغالبة
اليومثقافة الارتداد التي انتجت طبقة سلطوية
تفرض ما يجب
ان يمر او ما يجب ان يقطع عليه الطريق، ويطمس اثره.
وهذا ما دفعني الى اعادة النظر في الملحمة، بل
اعادة الاعتبار
الى مضمونها السامي وفق الاقسام التي حددتها،
حيثقدمت
بداية نبذة عن حياة الشاعر الكبير وعن مشروعه
الاكبر في
بلورة فن جديد من فنون الادب يختص بالتاريخالعربي
الاسلامي. وقد وفق الشاعر، كما ارى، احسن توفيق في
اختياره
سيرة العلويين التي تتميز بملامح ملحمية
جليلةوجلية، لم
يكن الشاعر مضطرا معها الى التصنع والتكلف في ابراز
طابعها
الملحمي. وهذه الملحمة، وان كان «الغدير»محورها،
فالتاريخ
الاسلامي فضاؤها.
كما دحضت الاراء التي تنفي معرفة العرب بهذا اللون
الادبي،
مدعما دحضي لمزاعمهم بادلة وبراهين من
التراثالعربي
نفسه.
ثم انتقلت الى «الغدير» فبينت مضمونه وعالجت ما
يتصل به.
معتمدا الملحمة في الدرجة الاولى، فاظهرت
اقسامهاوفصلت
معانيها. وتحولت بعد ذلك الى دراسة القضايا
المضمونية
والفنية فوجدتها اكثر عناية بالسرد والقص
منهابالفن، من دون
ان يعني ذلك غياب العناصر الفنية كليا عنها. فقد
حفلت
بوجوه فنية مختلفة تتصل باللغة
والخيالوالموسيقى.
وقد لاحظت، في ما يتصل بالمضمون، ان هذه المظلومية
الخالدة التي لحقت بل البيت (ع) ستبقى سمتهم على
مرالزمان، هدى ومنارة للاحرار الذين يرفضون الظلم
والعبودية
الى اي جنس او اي دين انتموا.
اما الذين ظلموا آل البيت، فقد ظلموا، في الحقيقة،
انفسهم.
لان ظلمهم هذا قد انقلب عليهم:
(وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)((362)).
واخرجهم من دائرة الاسلام اذ لم يراعوا حرمة الدين
وحرمة
نبيه (ص). فقلوبهم غلف وقد صدوا عن كلام النبي (ص)في
خطبة الوداع:
«علي مني وانا من علي».
«فمن كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه،
وعاد من
عاداه».
«ايها الناس.. انكم واردون علي الحوض.. واني سائلكم
حين
تردون علي عن الثقلين كيف تخلفوني فيهما».
وتبقى المعادلة التالية، اخيرا، صحيحة: كل عادل
علوي، وكل
ظالم اموي.. او غير اموي..
محور
يتحدث بعض بعض مفكري الغرب عن «صدام الحضارات»
وعن
«نهاية التاريخ»، ويرون الي الحضارة الاسلامية
رؤيةمعادية،
ويدعون الي الحد من انتشارها، ان لم يكن الى القضاء
عليها.
هذا في الوقت الذي يدعو فيه المفكرونالاسلاميون
الى
التسامح المفضي الى «حوار الحضارات».
في هذا السياق من الدعوات رات مجلة «المنهاج» ان
تسهم في
بيان مقومات الحضارة الاسلامية، فخصصت محور
هذاالعدد
للبحث في المقومات على ان تواصل البحث في هذا
المجال
في الاعداد القادمة. ولهاذا فالدعوة موجهة الى السادة الباحثين ليزودونا بما يتوافر لديهم من دراسات تتناول هذا الموضوع بالبحثوالنقاش. «محور» العالمية الاسلامية:
المفهوم والخصائص
وهناك من انكر على هؤلاء فعلتهم وتفكيرهم، واعتقد
ان
الصواب هو في الانفصال عن المطلق والانقطاع الى
المحدود،بوصفه الواقع الملموس الذي ترتبط به حياة
الانسان،
ويستحق الحماسة والولاء، وانغمر هؤلاء في اتجاههم
هذا
مندون ان يشعروا بانهم قد حولوا المحدود الى
مطلق،
وبالتالي فانهم لم ينفصلوا عن المطلق الحقيقي الا
على
اساسالتبعية لمطلق زائف مصطنع.
وهكذا يقف الانسان عاجزا بين عملاقين، محدود يفرض
نفسه
على كل حال، ومطلق لا يمكن الفرار منه، فاذا
انكرناالمحدود
وقعنا في محدود اضيق، واذا انكرنا المطلق وقعنا في
الفراغ
واللاانتماء، واصبح المحدود محور الوجودواللاعب
الوحيد في
الساحة، وهذا هو معنى الاطلاق الذي انكرناه. انها
محنة
الانسان عندما يبتعد عن هدي السماء،فهو دائما يفر
من شيء
ويقع في اسوا منه، ينكر شيئا فيقوده انكاره هذا الى
ايمان
بمماثل زائف.
وهنا تاتي رسالة الدين السماوي الصحيح، لتنتشل
الانسان من
هذا العجز، وتفك بين يديه رموز هذه الجدلية، وتضع
كلشيء
في موضعه، المطلق في المحل الذي يستحقه، والمحدود
في
الدائرة التي خلق لها، فالمحدود صنيع
المطلقومخلوقه،
والايمان بالمطلق لابد من ان يقودنا الى الاعتراف
بالمحدود
الذي خلق من قبله وصار آية دالة عليه، وربيبايحنو
عليه
ويخلق الخلائق من اجله، ويعتني بسعادته ويرسم له
طريق
الحياة الرغيدة الكريمة. انها رسالة
المطلقالحقيقي الى
المخلوق المحدود جاءت لتنقذ الانسان من اسر
المحدودية
عن طريق شده بالمطلق اللامتناهي، ولترسمله من
خلال
ذلك علاقة متوازية مع الوجود المحيط به، ولتبين له
ان
المطلق الحقيقي لا تنشا بينه وبين المحدود
علاقةجدلية، انما
هذه العلاقة تظهر عندما يصطنع المحدود مطلقا
زائفا، او
عندما يزيف بعض خصوصيات المطلق الحقيقي.فتكون
العلاقة
بينهما جدلية صعبة. ولتثبت له، من خلال ذلك، ان
الحاجة
الى المطلق حاجة حقيقية ماسة، وانالانفصال عنه
امر متعذر.
ان ما يحصل، في المجال التجريدي والفلسفي، له ميدان
واسع
على الساحة الاجتماعية، فما لمسناه من العلاقة
الجدليةبين
المطلق والمحدود نلمسه على الساحة الاجتماعية من
خلال
صور شتى تاتي في مقدمتها العلاقة بين دائرتين
منالانتماء:
دائرة الانتماء الكوني والانساني الكبرى، ودائرة
الانتماء المحلي
الصغرى، فايهما الاصل وايهما الفرع؟
فهناك من اعطى كل شيء للدائرة الكبرى، وانكر
الدائرة
الصغرى معتبرا الروابط القبلية والقومية والوطنية
مظاهربرجوازية تنتمي لمرحلة تاريخية بائدة، او
انها في
طريقها الى الانقراض، وان البشرية ماضية قدما نحو
الاممية.
وكان هذاالسلوك طوباويا حالما لم يستطع ان يؤثر في
الواقع
شيئا، وسرعان ما اثبتت التجربة فشل هذه الرؤية،
وبينت
انغلواصحابها بالدائرة الكبرى لم ينقذهم من قبضة
الدائرة
الصغرى، اذ لم تكن الاممية السوفيتية الا اممية
الامة
الروسيةومحوريتها للاقمار السوفيتية الدائرة في
فلكها والتي
سرعان ما انفصلت عنها عند سنوح الفرصة التاريخية
المؤاتيةلذلك.
وهناك من سلك سلوكا عكسيا، فاعطى كل شيء للدائرة
الصغرى معتبرا الدائرة الكبرى امتدادا هامشيا لها.
وهذا ماجعل
الامم تباري في ان تكون القطب القائد للبشرية
والمحور الذي
تدور من حوله، فهتف الالمان للعرق الاري
الرفيع،ونادى
الانجليز نداءهم المعروف: «سودي يا بريطانيا
واحكمي»، ويد
عي الامريكان اليوم ان التاريخ قد انتهى
علىايديهم، وكان
المهدي قد ظهر من البيت الابيض وانتهى كل شيء، ولو
سالت
افرادا من اليونان او الهند او الصين اواليابان او
روما لوجدت في
انفسهم شعورا من هذا القبيل، وان كان شعورا كسيرا
يتشبث
بالماضي ويتاسف للحاضر،وينظر بعين الامل للمستقبل.
ولم
يعلم هؤلاء ان ما قاموا به ليس انكارا للدائرة
الكبرى، بل تكريس
لها ولكن بصورة زائفةعدوانية، حيث ادعوا ان
دائرتهم القومية
الصغرى هي نفسها الدائرة البشرية الكبرى، فلا
تاريخ ولا
حضارة ولا قيادة الاتلك الصادرة عنهم. فلم يحذف
المطلق،
وانما تم تحويل المحدود الى مطلق زائف، وهذا تكريس
لدائرة
المطلق وليسحذفا لها.
وهنا تاتي رسالة الدين الصحيح لترفع النزاع بين
الدائرتين،
امتدادا لدورها المنوه به آنفا في رفع النزاع بين
المحدودوالمطلق، ولتبين ان النزاع بين الدائرتين
انما هو نزاع
الاخوين الاكبر مع الاصغر عندما يفتقدان المحور
الابوي
الذييؤلف بينهما، فلم يخلق الاخوان للنزاع وانما
للمودة
والمحبة والتناصر، وما حصل من النزاع بينهما حالة
خاصة
ناشئةمن فقدان المحور الابوي بينهما، وكذلك
الامر بين
الدائرتين الانتمائيتين الكبرى والصغرى، فانهما
لم تخلقا
للصراعوانما خلقتا للتناصر والمحبة، وما حصل من
النزاع
بينهما كان بسبب غياب الدور السماوي الذي يؤلف
بينهما، ولو
انالانسان سار في ظلال السماء لوجد الدائرتين
متخيتين
متلفتين متناصرتين، ولم يجد نفسه متحيزا بايهما
ياخذ
وايهمايترك، فهما دائرة واحدة ذات وجهين، وليستا
دائرتين
جدليتين متصارعتين. قال تعالى: (يا ايها الناس انا
خلقناكم
منذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان
اكرمكم عند
اللّه اتقاكم) [الحجرات:13].
وهكذا نجد المبادرة السماوية هي وحدها القادرة
دائما على
انقاذ الانسان مما يتورط فيه من محن ومشاكل ناشئة
عنالمحدودية التي تضرب باطنابها عليه، فهي التي
تجعل
المحدود مطلقا تارة، وتزيف المطلق باضفاء خصائص
المحدودعليه تارة اخرى.
ولذا لا تكتفي السماء باسداء الحلول المباشرة فقط،
وانما تعمل
على معالجة حالة المحدودية من خلال
الوسائلالجذرية الاتية:
1 الارتباط بالمطلق سبحانه وتعالى
فان الارتباط بالمطلق اللامتناهي يفتح امام
الانسان نافذة يطل
من خلالها العالم المادي المحدود على العالم
المطلقاللامتناهي المجرد عن خصائص المادة لا
ليكونا عالما
واحدا، كما تقول فلسفة التناسخ والحلول، وانما لكي
ترتبطالساقية الصغيرة بالمحيط الكبير. ولولا هذا
الارتباط
لطغت هذه الساقية وتصورت نفسها هي المحيط الكبير
غروراوانتفاخا ولتضررت كثيرا من التقوقع في هذه
المحدودية
التي هي فيها، لكنها بالارتباط بالمحيط الكبير سوف
تعرفحجمها وتتوسع آفاقها وتسعى نحو الكمال الذي
تجده
في المحيط الكبير.
ان ارتباط الانسان باللّه، سبحانه وتعالى، هو
النافذة التي يطل
من خلالها هذا الكائن المحدود على العالم
اللامتناهي،فيتحفز
للحد من طغيان المادة ويتوق للخلاص من صندوق
المحدودية الذي يحل فيه بحثا عن مزيد من
المعنويةوالكمالات، وتتسع آفاقه الذهنية بحيث
تتجاوز عالم
المادة لتنهل من الفضاء اللامتناهي لما وراء
المادة، انها
الثورةالذهنية التي تحصل عند السجين عندما يقضي
حياته
في غرفة، فيتصور من شدة ارتباطه بها نهاية العالم،
ثم
تقودهلحظة سعيدة الى الاطلال من وراء شرفة لينظر
في
المحيط من دون ان تقف عينه على حد او حاجز، بل يجد
عينيهعاجزتين عن الاحاطة بالجزء اليسير منه،
واستيعاب اقل
القليل من مساحته، فيدرك حينئذ خطاه الفادح حينما
كان
يعدغرفته خلاصة الوجود، وتتجلى له الحقيقة بكامل
ابعادها
بعدما كان مخدوعا بجزء يسير منها.
2 الحث على الخروج من قوقعة الزمان والمكان الى ما
هو ابعد
منهما
ففي القرآن الكريم ثلاث عشرة آية تدعو الى السير في
الارض
والبحث عن احوال الامم السابقة، والتدبر في
المصائرالتي
وصلت اليها واكتشاف السنن التاريخية التي جرت
عليها،
كقوله تعالى: (اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف
كانعاقبة
الذين كانوا من قبلهم) [غافر:21].
فهذه الايات تحمل دعوة مزدوجة للخروج من قوقعة
الزمان
والمكان اللذين يحل الانسان فيهما الى الزمان
والمكانالبعيدين عنه، بحثا عن الحقيقة الانسانية
والكونية
التي لا يتم اكتشافها الا عندما يفك الانسان عن
نفسه
محدودية الزمانوالمكان اللذين يحل فيهما،
ويستشرف الافاق
البعيدة منهما. فالحقيقة لا تتضح الا بعد استيعاب
الزمان
بتمامه والمكانباكمل ابعاده.
3- التنبيه على حقائق وقوانين ما وراء الطبيعة
ويشتمل القرآن الكريم على منبهات كثيرة من شانها
الفات
نظر العقل البشري الى حقائق وقوانين كونية طبيعية
لم
يكنهذا العقل قد ادركها يوم هبوط الوحي، مثل
قانون الزوجية
العام القائل: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم
تذكرون)[الذاريات:49] والى حقائق وقوانين كونية اخرى
تنتمي الى عالم آخر لا نعيش فيه، او تمثل استثناءا
من العالم
الذينحياه، فهي حقائق وقوانين ما ورائية ليس
بامكان العقل
البشري ان يتوصل اليها بنفسه او ان يدرك كنهها يوما
ما،
كولادةعيسى (ع) من غير اب، وتكلمه وهو في المهد،
وقيامه
باحياء الموتى، وبعثه بالنبوة وهو لا يزال في مرحلة
الطفولة،وعدم احتراق ابراهيم (ع) بالنار، وتسخير
الريح
لسليمان، وتكلمه مع الحيوانات، والاسراء بالنبي
الاعظم (ص)
منالمسجد الحرام الى المسجد الاقصى ثم ارجاعه الى
محله
في ليلة واحدة، والاشارة الى وجود الجن والشيطان،
فجميعهذه الحقائق الماورائية تفتح امام الذهن
البشري نافذة
واسعة للاطلال على اكوان وعوالم وقوانين غير التي
يعيشهاالانسان في عالمه، ولتنصحه بعدم الاكتفاء
بالنظر الى
العالم الذي يعيش فيه، لان هذا العالم لا يمثل
الحقيقة
الكونيةالكاملة، بل هو الجانب المحسوس منها فقط،
وهناك
جوانب واعماق في هذه الحقيقة عليه ان ياخذها بنظر
الاعتبار،ويحسب لها ما تستحقه من الحساب.
ان العقل الذي يبحث وينقب في الارض بحثا عن حقائقها
اوسع
واكمل من العقل الذي يبحث وينقب في جزء محدودمنها،
والعقل الذي يتخذ من الكون مسرحا له اكمل وانشط من
العقل
الذي يكتفي بان تكون الارض مسرحه الوحيد،والعقل
الذي
ينظر الى ما وراء الطبيعة ارهف واحذق من العقل الذي
يقتصر
على ما هو طبيعي، والاهم من ذلك كله انالعقل الذي
يتحرك
في دائرة اوسع يكون قد ادرك مساحة اكبر من الحقيقة
الكونية، والعقل الذي يتحرك في دائرة اضيقلا
يستطيع ان
يجزم بالحقيقة التي ادركها لان ما ادركه هو جزء
الحقيقة
وليس الحقيقة الكاملة.
ومن هنا نجد القرآن ينبه على القوانين الكونية
الطبيعية التي
لم تكتشف بعد، كما ينبه على الحقائق والقوانين
الكونيةالماورائية، لكي يكشف الواقع الكوني
بتمام ابعاده
ومجالاته الطبيعية، وما فوق الطبيعية، حرصا على ان
يتحرك
العقلفي الساحة الكونية بتمامها من دون ان تحجب
زاوية منها
عنه، من اجل ان يتوصل الى الحقيقة بكاملها، ويكون
المعيافي
ادراكاته.
ويتاكد هذا الاتجاه حينما ننظر في القرآن الكريم
فنجده
يتحدث عن يوم سيشهد انهدام النظام الكوني القائم،
وذلك(يوم تمور السماء مورا × وتسير الجبال سيرا)
[الطور:9
و10] (فاذا النجوم طمست × واذا السماء فرجت × واذا
الجبالنسفت) [المرسلات:8 10] (واذا الشمس كورت × واذا
النجوم انكدرت × واذا الجبال سيرت × واذا العشار
عطلت ×واذا
الوحوش حشرت × واذا البحار سجرت) [التكوير:1 6] (واذا
السماء انفطرت × واذا الكواكب انتثرت × واذا
البحارفجرت)
[الانفطار:1 3].
وكل ذلك يدل على ان النظام الكوني القائم سوف ينهدم
وان
المصير النهائي للانسان يرتبط بنظام كوني آخر لا
نعرفحقائقه
وقوانينه وخصائصه، وهذا ما يحفز الذهن البشري على
عدم
الانحصار في اطار الكون الذي نحياه، والتطلع
الىالكون الاخر
الذي سيستضيفنا في نهاية المطاف، فيزداد الذهن
بذلك
اتساعا.
4 العالمية على الصعيد الانساني
فالدين رسالة اللّه الى العالم باسره وليس رسالة
الى اقليم بعينه
او قومية خاصة، وهذه العالمية تشكل رافدا آخر من
روافدالافق
الذهني الواسع الذي يسعى الاسلام لتحلية الانسان
به، ووسيلة
اخرى من وسائل اخراج الشخصية الانسانية منقمقمها
المحلي
الضيق الى الافق الانساني والكوني الرحيب، فان
الفة الانسان
لبيئته المحلية وانحصاره بها يجعله مفرطافي اعلاء
شانها
والمغالاة بها، ومتطرفا في التقليل من شان
الاخرين، ومخالفا
للحقيقة في الجهتين، والتاريخ الانسانيحافل
بالادعاءات
المتعصبة الصادرة عن قبائل وقوميات وشعوب مختلفة
ترى
نفسها بشرا دون باقي الناس، وان منعداها همج
وحيوانات او
في احسن الفروض بشرا من الدرجة الثانية او الثالثة،
بل ان
التاريخ الحديث شهد محاولاتفكرية عديدة نظرت
علميا الى
مثل هذه الادعاءات. الامر الذي يكشف عن مدى حاجة
الانسان،
مهما تقدم في مضمارالمدنية، الى هدي السماء الذي
يعرف
بينه وبين اخيه الانسان الاخر ويجمعهما في اطار
واحد، وان
التعصبوالانحصار في الافق المحلي الضيق مرض مزمن
اصيبت به البشرية منذ مطلع التاريخ وما زالت مصابة
به حتى
الان رغمالتقدم المحرز في العلوم والفنون، بل ان
هذا التقدم
ربما ساعد في رسوخ المرض وتجذره اكثر.
وعالمية الاسلام ليست خاصة بجيل من البشرية دون
آخر،
فالبشرية بجميع اجيالها مشمولة بهذه النظرة
العالمية،
وهيجميعا امة واحدة. قال تعالى مخاطبا انبياءه (ان
هذه
امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون) [الانبياء:92
وورد هذا
المعنىمرة اخرى في: المؤمنون/52].
وهكذا فعالمية الاسلام لا تقتصر على الامتداد
افقيا واستيعاب
المكان فحسب، بل تمتد في عمود الزمان
بصورهالثلاث:
الماضي والحاضر والمستقبل لتستوعب آخر فرد ظهر
ويظهر
على الارض، ولتكون من الجميع «امة واحدة»
فياطار واحد هو
(انا ربكم فاعبدون)، اي اطار العبودية للّه سبحانه
وتعالى، بل
هناك ما هو اعظم من ذلك، فاذا دققنا النظرفي الاطار
المذكور وجدنا القرآن الكريم يعبر عنه تعبيرا
واسعا بحيث لا
تكون الامة البشرية الواحدة على سعتها الاعالما من
عوالمها،
ذلك ان القرآن الكريم اطلق على اللّه سبحانه وتعالى
وصف
«رب العالمين»، وقد تكرر هذا الوصففي القرآن «40
من مرة
فالرب الذي يقول لانبيائه: (ان هذه امتكم امة واحدة
وانا ربكم
فاعبدون) لابد ومن ان ندرك سعةربوبيته، وهو حينما
يقول: (انا ربكم) فهذا لا يعني انحصار ربوبيته بالدائرة البشرية، وان اضاف ذاته الاحدية الى البشريةباعتبار انها المخاطب بهذا الخطاب. والا فالدائرة البشرية ليست الا عالما واحدا من عوالم هذه الربوبية المطلقة التي انكان الانسان قد ادرك بعض عوالمها فلعل العوالم التي ما زالت مجهولة عنده اعظم، وان كان بوسعه الوصول الى حقيقةبعض هذه العوالم فلعل العوالم الماورائية التي ليست بوسعه الوصول الى حقيقتها اعظم.
|
|---|