الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ب- ان اللّه سبحانه خلق الانسان واودع فيه غرائز ثابتة لا تتغير عبر الدهور، وفطر اللّه سبحانه الانسان على مبادى وقيم ومثل تكفل سعادته، وفيها كل الخير اذا التزم بها الانسان، وهذه المثل والقيم يؤمن بها كل انسان، ويعتقدها بعقله،ويطمئن لها قلبه، شريطة ان تظل النفس نقية وصافية لا يشوبها شيء، وكيف لا يكون ذلك وهو سبحانه خالق الانسان وبارئه ومصوره، ولذلك نرى كثيرا من الفلاسفة والمفكرين وعلما الحضارة يتفقون على كثير من الحقائق والمبادى في ما يخص سعادة البشرية وصلاحها، نعرف ذلك من خلال افكارهم المبثوثة في كتاباتهم، وهذا دليل ساطع على ثبات الحقائق والقيم في النفس البشرية، مهما اختلفت جذورها الاجتماعية ومذاهبها السياسية، ان التغيرات المادية والابتكارات في الوسائل من اجهزة ومعدات، لا يمكن ان تجعل من الحق باطلا، ولا من الصدق كذبا، ويبقى الانسان في خضم الاجهزة والالات المتطورة هو الانسان بنفسه ولحمه ودمه، واذا تغيرت نفسيته، فهذا يعني تلوثه بالمحيط الذي يعيش فيه، ولا يعني ابدا تغيرا جوهريا وحقيقيا في حياته.

هذه الحقيقة الثابتة والواضحة، اكد عليها الاسلام وثبتها في قلوب المسلمين، وذلك من خلال الايات القرآنية والحديث الشريف، يقول سبحانه: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته) [الانعام:115] ويقول سبحانه: (فلن تجد لسنة اللّه تبديلا ولن تجد لسنة اللّه تحويلا) [فاطر:21] ويقول تعالى: (لا تبديل لكلمات اللّه ذلك هو الفوز العظيم) [يونس:64].

ويقول النبي محمد (ص): «حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة ».

ولا يقدح، في هذا الكلام، ما يستنبطه المجتهدون من احكام يختلفون في ما بينهم في حرمتها او حليتها او وجوبها اواستحبابها، فان فتاواهم هذه تخص الفروع والجزئيات التي لا نص واضحا فيها، اذ لا اجتهاد في موضع النص، وهذه الاحكام هي آراؤهم الاجتهادية، وقد يصيبون وقد يخطئون فيها، مثلهم مثل القاضي ان اصاب فله اجران وان اخطا فله اجر واحد.

ومع هذا كله، فان الاسلام حينما ظهر على الكرة الارضية بوصفه رسالة سماوية، اخذ بنظر الاعتبار واقع الانسانية وما قديطرا عليها من تغيرات وتحولات، فوضع مبادى واحكاما ثابتة، وترك للانسان اختيار الوسيلة والطريقة شريطة ان تكون الوسيلة شريفة ليس فيها حرمة شرعية، فاستخدام الالات واختيار الطرق الكفيلة بتطبيق الشريعة الاسلامية وسعادة الانسانية متروك امرها للناس وللتطورات والتغيرات المستقبلية.

ثم وضع الاسلام استثناات للتشريعات الاسلامية تستخدم عند الضرورة وفي الحالات الطارئة فقط، لكي لا يقع الانسان المسلم في عسر وحرج حينما يمر بظروف قاهرة يضعه فيها الانسان المنحرف ويظلمه بها، او قد يقع المسلم تحت ظروف طبيعية او اجتماعية قاهرة، وهذه الحالات موجودة او قد تستجد في المستقبل، يمر بها الانسان اثناحياته اليومية او خلال تاديته لواجباته الدينية كالصوم والصلاة وغيرها من الاحكام الشرعية.

وهكذا نرى الاسلام قد جا بما يلائم الفطرة البشرية من مفاهيم واحكام، وترك للمسلمين مساحات واسعة في الحياة يتصرفون بها حسب علمهم، وحسب ما يستجد في العالم من تغيرات وتطورات، شريطة مراعاة الاخلاق والاداب الاسلامية.

6- الشمول والتكامل والتوازن اذا القينا نظرة سريعة على احد الفهارس الموضوعية للقرآن الكريم، او الحديث الشريف، او راجعنا ابواب الفقه الاسلامي وفصوله، في الكتب الفقهية، فاننا سنخرج بنتيجة مؤكدة مفادها ان الاسلام عقيدة الهية ينبثق عنها نظام شامل وكامل للحياة، ففيه العقائد، وفيه الاخلاق، وفيه السياسة، وفيه الاقتصاد، وفيه العبادة، ونرى الاسلام يولي اهتماما كبيرالتنظيم العلاقات الاجتماعية كنظام الاسرة، وكيفية التعامل مع الناس، ويهتم بالتربية الشخصية للمسلم ويرشده الى الاداب الرائعة، كآداب المشي والجلوس والاكل والشرب وغيرها.

هذا الاستنتاج المستند الى الاستقرا الصحيح للتشريع الاسلامي يؤكد صحة المقولة السابقة بشمول الاسلام لجميع جوانب الحياة، واذا اردنا ان نعرف على راي الاسلام الصريح في هذه المسالة فاول ما نطالع القرآن الكريم نجد ان الايات القرآنية تتوالى لتؤكد شمولية الاسلام وكماله وتوازنه.

يقول سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه الكريم محمدا (ص):

(مافرطنا في الكتاب من شيء) [الانعام:38] ويقول سبحانه:

(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) [النحل:89] وفي الحديث الشريف: «ما من حادثة الا وللّه حكمه فيها». هذه النصوص الاسلامية تؤكد، بما لا يقبل الشك، ان الاسلام يحيط بالحياة بجميع تفاصيلها، وهو على اتم الاستعداد ليعط ي رايه بكل ما يستجد في الحياة من وقائع واحداث ومبتكرات ياتي بها التطور المادي.

ومع هذا الشمول في الاسلام، هناك توازن وتكامل لجميع المبادى والاحكام الاسلامية، اما التكامل، فان الاسلام يشمل بتشريعاته جميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية، فهو دين يعط ي حق الدنيا وحق الاخرة ويشبع حاجات الروح والجسد في آن واحد، ليس هناك شيء لا يعط ي الاسلام فيه رايا واضحا. وخلاصة الامران الاسلام دين كامل ومتكامل، وقد اشارت الاية القرآنية الى كمال الدين الاسلامي بقوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) [المائدة:3]. ان المفاهيم والتشريعات الاسلامية مترابطة في ما بينها ويكمل احدها الاخر، فالصلاة تتاثر بالزكاة، والزكاة تتاثر بالصلاة، اذ لا يمكن ان يدفع المسلم الخمس او الزكاة وهو لا يصلي، ولا يمكن للمصلي ان يؤدي صلاته بخشوع وهو خالي المعدة يتالم جوعا، ولا يمكن للجيش الاسلامي ان يخوض المعارك بنجاح من دون تربية جهادية وفكرية تدفع بالانسان المسلم الى التضحية والايثار وطلب الشهادة.

ان نجاح التشريعات الاسلامية في تغيير حياة الفرد والمجتمع منوط بتطبيق تشريعات الاسلام جميعها من دون استثنا،والا فلا يمكن ان يؤدي المسلم دور الفاعل في الحياة في وسط مجتمع منحل فاسد بعيد كل البعد عن القيم الاسلامية.ولا يمكن ان تنجح التشريعات الاقتصادية والمالية من دون تغيير المحتوى الداخلي للافراد عقليا وروحيا ونفسيا، لان تطبيق الاحكام الاسلامية لا يتم ولا ياخذ مجراه الى حيز التطبيق اذاكان الناس غير مقتنعين بالاسلام، ولم يتغيروابمفاهيمه واخلاقه. ولا يعني ذلك العجز عن تطبيق بعض مفردات الشريعة الاسلامية على واقع الحياة، بل يمكن ذلك،ولكنه لا يعط ي الثمار نفسها فيما لو طبق الاسلام بصورة كاملة وشاملة لجميع جوانب الحياة.

اما التوازن فيتجلى لنا من اول نظرة الى الكون وكيف يسير في نظام دقيق والى جسم الانسان، ثم نظرة فاحصة الى النظم والمبادى الاسلامية، يقول سبحانه: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الايعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب متبين) [الانعام:59].

كل شيء بمقدار وحسب دوره وقدره لا يزيد ولا ينقص شيئا.

هكذا هي التعاليم الاسلامية وضعت وفق نظام دقيق ومحسوب بما يؤدي الى تحقيق دورها كاملا، فالمسلم الحقيقي لا يوغل في الماديات فتنتزع الانسانية والرحمة من قلبه، ولا يسرف في التصوف والزهد في الحياة فيصبح انسانا مشلول الحركة لا يستطيع التعامل مع الحياة بفاعلية وايجابية ولا يتمكن من ادراك ما يجري حوله من اشيا واحداث. شرع اللّه الاسلام ووضع مفاهيمه ونظمه وفق هيكلية فريدة وتخطيط منقطع النظير، لكل شيء دوره المحدد ووجهته المعلومة، فالصلاة لها اوقاتها وحدودها المعروفة،والزكاة لها موازينها المعروفة ايضا وللحاكم في الاسلام شروطه وواجباته، وللكدح في الحياة والسعي الى الرزق وكيفية الانفاق مجالاتها المحددة والموضحة في الشريعة الاسلامية، ليس هناك افراط او تفريط، ولا يجوز للمسلم ان يتعدى الحدود المرسومة له في الشريعة الاسلامية فيزل عن جادة الطريق، ويخرج عن الهدى والصواب، ان معرفة هذه الاموربدقة والسير على توازناتها في الحياة يجعلنا نسير على الطريق الاسلامي الصحيح، ويجنبنا كثيرا من الانحرافات الشخصية والاجتماعية، لان السير على هذا المنهاج يقودنا الى الفوز والنجاح وان الخطا او الانحراف في الالتزام بهذه الامور، اكثر او اقل مما طلبه اللّه سبحانه منا، يقودنا الى التخبط والانحراف، وقد يخرجنا عن الدين الاسلامي الحنيف.

ان اللّه سبحانه وتعالى يؤكد على هذا التوازن الدقيق في الشريعة الاسلامية ويامرنا سبحانه بعدم الطغيان في هذا النظام الالهي البديع، يطالبنا اللّه سبحانه ان نتعامل مع هذا الدين بكل حذر ودقة وتنظيم، ان يكون هناك توازن في التطبيق كالميزان يقول سبحانه(والسما رفعها ووضع الميزان الا تطغوا في الميزان) [الرحمن:6 و8] ويقول تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) [الفرقان:2] ويقول سبحانه: (انا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر:49] ويقول عز من قائل (وكل شيءعنده بمقدار) [الرعد:8].

7 الربانية ان اهم ميزة تتصف بها الحضارة الاسلامية هي الالوهية والربانية، اي ان مصدر جميع الافكار والتصورات والتشريعات الاسلامية هو اللّه سبحانه المهيمن على العالم كله، وله الاسما الحسنى، وهو سبحانه يشع من عظمته ونوره وجلاله على الانسان وعلى الكون كله، والحضارة الاسلامية هي منحة من منح اللّه سبحانه للانسان المسلم وللبشرية قاطبة، فيتخلق المسلم باخلاق القرآن الكريم، ويستلهم منه الافاق الحضارية، فيسير على نهج اللّه القويم، وتاخذ التشريعات الاسلامية طريقها الى الناس بيسر وسهولة، وتغمر الحضارة الاسلامية المجتمع الاسلامي برونقها وجمالها وابداعاتهاالتي تظهر الاهداف العظمى للاسلام بتحقيق عالم مثالي سعيد لا آلام فيه ولا اوجاع ولا حزن ولا نحيب بسبب متاع الحياة الدنيا، ان اللّه سبحانه يامرنا ان نتعامل مع الحياة بخلق رباني عظيم (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) [آل عمران:79].

هذه الربانية تحقق للحضارة الاسلامية ميزتين رئيسيتين تتفوق بهما على جميع المبادى والنظم والافكار الاخرى.الاولى: هي الهية المصدر التي تضمن سلامة المبدا الاسلامي من الخطا والزيغ والانحراف. الثانية: ضمان تطبيق التشريعات الاسلامية جميعها على الناس، لانهم آمنوا بها، واعتقدوا اعتقادا جازما بصحتها وافضليتها على جميع المبادى والمذاهب الاخرى، لان الاسلام يهتم بتربية الافراد تربية روحية وخلقية، وبذلك يتركز جانب الاندفاع الذاتي للانسان المسلم فيطبق تشريعات الاسلام لوحده من دون رقيب عليه.

ان الحضارة الاسلامية تقوم على «رد هذا الوجود كله الى ارادة الذات الالهية السرمدية الازلية الابدية.... ان هذا التصوريقوم ابتدا على تعريف الناس بربهم تعريفا كاملا شاملا، يعرفهم بذاته سبحانه، ويعرفهم بصفاته، ويعرفهم بخصائص الالوهية المتفردة، التي ت فرقها تماما من خصائص العبودية. كما يعرفهم باثر هذه الالوهية في الكون، وفي الناس، وفي جميع العوالم والامم الحية، ويتم هذا التعريف على نطاق واسع جدا في القرآن الكريم، يصبح معه الوجود الالهي في النفس البشرية، وجودا اكيدا، واضحا، موحيا، مؤثرا، ياخذ النفس من اقطارها جميعا، وتعيش معه النفس مشدودة اليه،لا تملك التفلت منه، ولا نسيانه، ولا اغفاله، لانه من القوة والوضوح والفاعلية، بحيث يواجه النفس دائما، ويتراى لهادائما ويؤثر فيها دائما»((370)). يقول الشاعر التيجاني احمد يوسف بشير في قصيدة «الصوفي المعذب »:

الوجود الحق ما اوسع في النفس مداه والسكون المحض ما اوثق بالروح عراه كل ما في الكون يمشي في حناياه الاله هذه النملة في رقتها رجع صداه هو يحيا في حواشيها وتحيا في ثراه وهي ان اسلمت الروح تلقتها يداه لم تمت فيها حياة اللّه ان كنت تراه هكذا هو الوجود الالهي الذي يحيط بالكون كله، ويتحرك هذا الكون وفق هداه سبحانه، يقول تعالى: (ان اللّهيمسك السموات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعد انه كان حليما غفورا) [فاطر:41]. ويستمرالوجود الالهي يتابع الانسان ويرعاه حتى بعد مماته: (يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية)[الفجر:27].

ان نجاح الحضارة الاسلامية وديمومتها وبقاها راجع الى مصدرها الالهي، وان فشل جميع المبادى والنظم الاخرى وانهيارها راجع الى مصدرها الانساني الذي يعتريه النقص والخطا والقصور في الاحاطة بجميع جوانب الحياة.

خاتمة هذه هي اهم الصفات والخصائص التي تميز الحضارة الاسلامية عن باقي المبادى والمذاهب والتصورات. ويصفها احدالكتاب فيقول: ان الحضارة الاسلامية هي «الهية المصدر، عربية اللغة، خلقية المبنى، مثالية القيم، انسانية النزعة،متوازنة العناصر، واقعية التطبيق، تقويمية المنهج، ثابتة الاصول، عالمية المجال، فطرية الطبيعة والخصائص، ضرورية المقاصد والاهداف »((371)). ويصفها كاتب آخر فيقول: «الحضارة الاسلامية تتحصن بالوحدة والتوحد، وتتسم بالكمال والشمول والذوق والاناقة، وتستعلي بالالفة والمحبة والانسجام والوئام والطهر والنظافة والصدق والقوة، وتزهو بالتحرروالحركة والانطلاق الاجتماعي الخير في وجهته، يقودها الى اللّه التزام بطاعته واخذ بشريعته »((372)).

الواقع الحضاري الاسلامي الراهن، (تحديات الواقع وآفاق المستقبل) الاستاذ نبيل علي صالح نواجه، في لحظتنا الراهنة، حضارة عملاقة غالبة وقاهرة هي الحضارة الغربية بكل ما فيها من منظومات تفكيرية وانساق معرفية، تريد اظهار جدارتها (استعلائيتها) على النماذج الحضارية المستضعفة الاخرى..

في هذا السياق نتسال: كيف يمكن لمجتمعاتنا العربية والاسلامية ان تستنهض ذاتها في ظل الخلافات السياسية والازمات الاجتماعية والثقافية القهرية السائدة التي تحكم العالم من خلال ما اصطلح على تسميته ب «النظام العالمي الجديد»؟ ما هو الدور الهام الذي يجب ان تضطلع به ثقافتنا الاسلامية في مواجهة ازمة القيم الحادة التي بدات تنشر روائحها عبرانظمة الاعلام وشبكات الاتصالات الحديثة التي تحاول وقد نجحت الى حد ما في محاولتها هذه تعميم نظام قيم غربي (عصري) يتخذ من غرائز الانسان وشهواته الدنيئة هدفا له في حجم الحياة كلها؟ ! في الواقع قدم الغرب((373)) في هيئته الجديدة، الى البشرية رؤية ونظرة كونية جديدة للعالم، ونمطا للحياة حديثا..

ولقدظهر ذلك على هيئة مذاهب وتيارات فلسفية واجتماعية واقتصادية كالليبرالية والاشتراكية.. لقد حفلت ظروف الغرب واحواله، خلال الحقبة التاريخية الممتدة من القرن السادس حتى الثامن عشر((374)) بالكثير من الصور والتغيرات والمشاهد التي تستحق الوقوف عندها والتامل بها ودراسة بعض مواقعها التاريخية:

1 تم التخلص من قيود الكنيسة الدينية وتسلطها على حياة الناس الاجتماعية، وبنتيجة ذلك بويع العقل الانساني مصدرا وحيدا لتشخيص المعرفة والقيمة والحقيقة. ..

2 حل العلم التجريبي محل الدين في اذهان الناس، وبات هو الاساس في تفكيرهم وحل مشاكلهم المادية وحتى النفسية، فاصبحت اللذة والترف المادي مصدر السعادة والمنى للانسان وهدفه الاساسي في هذه الحياة.

3 ونتيجة طبيعية لذلك اصبح اللّه تعالى فكرة مجردة وخالية من اي معنى في اذهان الناس وحياتهم، واصبح التمتع بالملذات الحسية والثروات المادية، من اقصاها الى اقصاها، اهم حافز وباعث للنشاط والحراك البشري.

لقد وصل الانسان الى درجة من الاعتقاد هي انه، وبفضل جهده واعتماده المطلق على عقله، يستطيع ان يبني جنة ارضية فيها ما لذ وطاب من الرفاه والمتع واللذات. ومن الطبيعي ان تقدم، في مثل هذه الاجوا النفسية والمادية،الاحتياجات المادية على غيرها، وان تكون هي الاصل وغيرها الفرع. وبتعبير ادق ان تصبح رغبات الانسان اساس الافكار والاخلاق والقيم في الغرب الحديث.

في مثل هذا المناخ نشات فكرة الليبرالية الغربية، حيث اتاحت الظروف المادية الجديدة بروز علاقات اجتماعية حديثة كان من امرها على حد تعبير احد الباحثين الغربيين انتاج فلسفة جديدة اخذت على نفسها مهمة تحسين الدنيا الجديدة، وكانت الليبرالية هي تلك الفلسفة((375)) التي تحاول الان جاهدة ان يكون لها واقع حضاري فكري وسياسي عالمي يفرض نفسه بقوة على المجتمعات الاسلامية في سياستها وثقافتها واقتصادها واعلامها، بما يتعارض آكليا وجوهريا مع الاصول والمباني الاعتقادية والفكرية والقيمية الاسلامية..

ان هذا التعارض القائم ليس مشكلة بحد ذاته، لكن هناك مجموعة عناصر وعوامل جانبية تعمل على اذكا الصراع وتصعيد التضاد، نشير اليها كما يلي:

العامل الاول: يتمتع العالم الغربي بنظام فكري وسياسي عريق ومستحكم البنى والعلائق كما ذكرنا سابقا وقد اكتسب هذه البنى.. عبر ممارسة تجريبية دقيقة امتدت قرونا طويلة، وتم عرضها ونقدها واظهارها واختبارها بجوانبها المختلفة  من قبل مئات العلما والمفكرين..

العامل الثاني: يعرض النظام الفكري والقيمي السياسي الغربي بطريقة يساير، من خلالها، الرغبات الاولية للبشر.. اي الميول التي تجعل الانسان يدافع عنها ويسعى الى تحقيقها بكل قوة وعزيمة، وبخاصة ميل الانسان بطبعه الذاتي نحو«الحرية » التي يزعم الغرب انها اساس نظامه السياسي والفكري.. وما لها من هالة وسحر مقدسين عند اي انسان.

وبمقابل ذلك، نجد ان الفكر الاسلامي يدعو الناس الى اقامة نظام اساسه الاخلاق والفضائل التي يحصلها الانسان بالمجاهدة والمثابرة والكدح الارتقائي نحو اللّه.

بنا على ذلك، فان ما يقترحه الغرب صاحب القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاعلامية الطاغية يماشي رغبات البشر الاولى وامانيهم وطموحاتهم.. وهنا تكمن الازمة، حيث اننا ندعو الى قيمنا ونظامنا الاخلاقي العام الذي يقوم على الزهد وضبط النفس وتقوية الملكات الروحية والاخلاقية عن طريق الجهاد الاكبر (جهاد النفس) في ظل اجوا التحلل من الاخلاق والمبادى والاصول العامة، يمتلك فيها (في تلك الاجوا) عدونا القدرة على السيطرة والتحكم بميزان القوى في جميع الاحوال((376)) الامر الذي جعلنا نعيش، حضاريا وانسانيا، على هامش الحضارة الغربية التي تريد تعميم ذاتها الحضارية على الشعوب المقهورة والمستضعفة جميعها لتمارس، من خلال ذلك، غريزتها «القديمة الجديدة »، وهي غريزة السيطرة والاستحواذ التي تمظهرت منذ عصر الاكتشافات الكبرى في عهد البرتغال والاسبان.. والان تتمظهر مرة اخرى، بلباس جديد، في الامبريالية العالمية بشعاراتها الخادعة والمزيفة (رسالة الرجل الابيض) التي دمرت((377)) [ميع الانجازات الثمينة للفكر الانساني وللروح الانسانية خلال حروبها((378)) من حقيقة تلك الشعارات وتلك القاعدة التي ترتكز عليها مصالح الغرب وشعاراته الحضارية والاخلاقية النفعية..

نعم، ان الغرب ونعني به الادارات السياسية الغربية استعماري وحاقد ولا يفهم بغير لغة المصلحة والمنفعة المادية،ولا مكان للاخلاق والقيم في قاموسه السياسي والفكري، لكن المشكلة، بالدرجة الاولى، ليست في الغرب، بل عندنا نحن.. لماذا؟! لاننا نحن الذين سمحنا، من خلال عقدة النقص في داخل ذاتنا ونسيجنا الحضاري الراهن، ان يمتد الغرب في جميع اوضاعنا ومواقعنا.

صحيح انه (الغرب) يمتلك امكانات وطاقات هائلة، لكنني لا افهم كيف نسمح للغربيين ونمضي على اوراقهم (في سياستنا واقتصادنا) بان يفرضوا ارادتهم على ارادتنا. . وان يقهروا وجودنا ويستغلوا ثرواتنا وينهبوا خيراتنا.

نحن قد نفهم ان مصالح الغرب تقضي ببنا استثمارات اعمارية وانشائية مختلفة في بلداننا (فنادق خمس نجوم)،لكنني لا يمكن ان افهم، ولا اوافق ابدا، ان يتحمل المجتمع كل المظاهر السلبية التي تترتب على هذا العمل.. لانهم يريدون ان يجعلوا، من تلك الفنادق والاستراحات، محطات لهو وترف لهم.. الغرب يلغي لهونا الخاص الذي يعبر عن فكرنا، يلغي موسيقانا الخاصة ونحتنا وتصويرنا واناشيدنا وشعرنا وحتى العاب اطفالنا.. ويريد تقديم نموذجه لنا..وليس ذلك ان نكون مثل الغربيين وانما من اجل ان نكون اداة لاستمتاعهم او لاستثمارهم((380)).. انهم يعممون نموذجهم الذي يلغي الاخر ولا يسمحون للاخر بان ينمو ويمتد من خلال ايجابيات نموذجهم نفسه، بمقدار ما يدفعون الاخر الى الضمور من خلال سلبيات نموذجهم..

والان يقوم هذا الغرب مع بعض «ممثليه؟!»((381)) في منطقتنا العربية والاسلامية بالتسويق لنغمة «قديمة جديدة » تقول بانه لا يمكن اللحاق بركب التقدم الغربي الا بالمحاكاة والتماهي.. سوا في الحياة السياسية او الاجتماعية او الفكرية.ونحن نرى ان اصرار الغرب على ضرورة محاكاته (دون التماثل معه وعدم الانسياق خلفه في كل شيء) يعني ان نقلده ونبقى في حاجة ماسة له.. لانه لا يريدنا ان نحقق استقلالنا طالما ان التماثل يعني الاستقلالية، والمحاكاة تفرض التبعية والاستلحاق. والسؤال المطروح في ظل نمو مشاريع السيطرة الاقتصادية والسياسية جمشروع التسوية (السلام المنتظر) وسوق الشرق الاوسط والمتوسط.. وما الى ذلك((382)) هو: كيف نحتفظ بذاتنا الحضارية ونستعيد ونطورحقيقتنا الخاصة التي تجعلنا متماثلين ونديين اذا صح التعبير في سلوكنا ووعينا للاخر.. في علاقات المجتمع وفي انظمته السياسية وعلاقاته الاقتصادية؟! انه سؤال اشكالي مركب وليس بسيطا.. نواجهه جميعا مثقفين ونخبة واعية وملتزمة... تحتاج، في ما تحتاج، الى مراجعة ذاتها..

وتغيير كثير من حساباتها الفكرية والعملية... وبخاصة اننا نعيش حالة ضياع وغربة كاملة لاننا خسرناالمشروع التحديثي برمته وبكل مواقعه وتفاصيله.. وافلسنا فيه بالكامل((383))..

في الحقيقة نريد ان نؤكد، بداية، على اننا، نحن المسلمين، اصحاب مشروع واطروحة ربانية، نتطلع الى ممارسة دورحضاري فاعل في الحياة الانسانية المعاصرة. . في ان نكون منفتحين على الاخر لا لافتراسه او لاستغلاله وانما للتكامل به ومعه، ان نحافظ على هذا وفي الوقت نفسه نعمل على تطوير نموذجنا الخاص في الاجتماع والاقتصاد والسياسة في ذاتنا وفي العلاقة مع الاخرين.. حتى مع هؤلا الذين يحملون هذه النزعة او الطبيعة الافتراسية الفاوستية((384))..

نحن لم (ولن) نسعى حسب وعينا لحركة الاسلام الروحي والمفاهيمي الى الاستحواذ على الاخر والغائه، بل الى الانفتاح عليه والتعاون معه واحترام خصوصيته الحضارية. والشاهد الحي على ذلك هو بقا اليهودية وكذلك المسيحية وازدهارها في ديارنا الاسلامية.. في مقابل ان الغرب التاريخي المعاصر ينظر الى الاسلام نظرة الشك والريبة والعدا..ويمارس ضده حربا سياسية واعلامية لا هوادة فيها.. ينزع فيها الى ارادة الاستحواذ وغريزة السيطرة وليس الى ارادة المشاركة والمساهمة والتعاون. .

اننا ومن خلال مراقبتنا وملاحظتنا لواقع الحال العربي والاسلامي والعالمي، نقترح في اطار حركية الصراع واللقا بين الاسلام والغرب كواقع قائم وافق يستشرف بعض معالم مستقبل الحوار لا الصراع نقترح بعض المبادى العامة لاجرااي حوار لاحق بين الاسلام والغرب، مع تشكيكنا مسبقا بحدوث اي حوار صادق معه((385)):

1 في المجال السياسي والاقتصادي عدم استخدام القوة لفرض الارادة والراي السياسي او الاقتصادي، والسعي باتجاه ايجاد حلول جذرية لقضية فلسطين والقدس، والغا الخطاب العدائي والاستعدائي((386)) اذا صح التعبير الذي يمارسه الغرب اعلاميا ونفسيا ضدالاسلام والمسلمين((387)).. وبنا شراكة عملية في المجال الاقتصادي والاستثماري تقوم على اساس التكافؤ والعدل والندية وتلغي التبعية والتماهي والاستلحاق..

2 في المجال الحضاري والثقافي من المعروف ان الغرب يلتزم ثقافته ونمطه السلوكي الحضاري معيارا حقيقيا في اي مجال من مجالات العمل والابداع،وبذلك فهو يلغي دور الثقافات الاخرى ومنها الثقافة الاسلامية ولا يفسح لها المجال للانفتاح والتفاعل والتواصل مع الاخر((388)) بثقافته ونظامه المعرفي على قاعدة التماثل، ووفقا لقوانين التكامل الخاصة بحضارة الاسلام وثقافته..

الامرالذي يمكن ان يفتح سبلا للتعاون مختلفة اذا ما اثمرت جهود التفاعل والتلاقح الفكري في مجال تصحيح الوضع الانساني والاخلاقي بخاصة وان الحضارة الغربية تنطلق من جذور مادية في ثقافتها وليس من جذور مسيحية..

وذلك بالعودة الى الفطرة الانسانية النقية والطاهرة في مسالة الايمان الديني.. في اعادة الاعتبار للقيم الاخلاقية في مجال الاسرة والمجتمع والاقتصاد والعلاقة مع الذات ومع الطبيعة.

ولا شك في ان هناك صعوبات كبيرة تقف عائقا امام البدء بحركة حوار حضاري مع الغرب، وبخاصة على الصعيدين التاريخي والواقعي (العصري)..

فعلى الصعيد الاول (التاريخي): نلاحظ ان هناك تاريخا تصادميا مروعا بيننا وبين العالم المسيحي لا سيما في اعقاب الحروب الصليبية حيث نشات، بعدها، ونمت حالة من الشك وعدم الثقة بين المسيحيين والمسلمين، تحولت عبرالزمن الى ترسبات وكتل جامدة سادت الاذهان في كلا العالمين (الاسلامي والمسيحي) ساهم حشد كبير من المستشرقين في تعميقها وترسيخها في حركة الواقع آنذاك..

اما المعوق الثاني (العصري الراهن): فيتمثل كما ذكرنا في الاستعمار الجديد الذي انطلقت جحافله لتغزو العالم كله،تحقيقا لمصالحها الاقتصادية والسياسية، ولبلوغ ذلك الهدف اباحوا لانفسهم استخدام جميع السبل والوسائل والادوات، ومنها اثارة تعقيدات التاريخ في الاذهان، ليس فقط للابقا على الخلافات والاحقاد بين المسلمين، بل ايضالاثارة هذه الخلافات من زوايا عدة على نطاق واسع ليتمكن المستعمرون، في ظل الخلافات والنزاعات، من الوصول الى مصالحهم غير المشروعة((389)). ولا ننسى، ونحن نتحدث عن معوقات حوار الحضارات، ان نمر بالحرب العالمية التي تقودها دول الاستكبار العالمي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية ودول اوروبا الغربية، ضد الاسلام الحركي التحرري.. حيث تعمل (تلك الدول) على محاصرة معتنقيه في مواقعهم ومواقفهم بمختلف السبل، المباشرة وغير المباشرة، من اجل اضعافهم وتقييد حركتهم واسقاط مصداقيتهم.. ومصادرة حرياتهم وتشويه معالم والثقافية والدينية((390)) بمختلف الاساليب الاعلامية والامنية ازا هذه التحولات السريعة والمتلاحقة في واقع الحياة المعاصرة نتسال: كيف يجب ان يتعامل الفكر العربي والاسلامي الراهن مع هذا الواقع الموضوعي؟ وما هي آليات تطويره كي يصبح قادرا على مواكبة قضايا العصرومسايرتها؟! مما لا شك فيه ان العالم يشهد تحولات جذرية بدات تاخذ، منذ مدة، ابعادها السياسية الواقعية.. على صعيد الاسس التي تتحرك من خلالها القضايا والامور في مختلف الدول، وخصوصا دول العالم الثالث، ومنها بلداننا العربية والاسلامية.

يجب ان نعترف، اول الامر، ان واقعنا الحالي هو واقع الهزيمة..

وان آخر تجليات هذه الهزيمة يتجسد في ما يفرض على الامة من مسارات تفاوضية استسلامية مع عدوها التاريخي اللدود ضمن موازين قوى ذاتية واقليمية ودولية تميل لصالح العدو الصهيوني وستنتهي حكما الى الاستسلام والاذعان لهذا العدو..

لا على النحو الذي تكون حصيلته خسارة معركة واحدة مع العدو.. ثم ينتهي الامر «وكفى اللّه المؤمنين شر القتال ».. بل على النحو الذي يفتح مسارا جديدا ولايتوقف في تقديم التنازلات والتراجعات التي ستمكن هذا العدو من التحكم، مستقبلا، بكل موازين القوى الضامنة لاستمرار الخلل في مشروعه، وبما يضع عقبات وعراقيل حقيقية في مواجهة اي مشروع نهوض للامة((392)) قد ينطلق لمواجهة هذا المشروع وغيره من مشاريع التفتيت والهيمنة المؤطرة بزخارف الانسانية وحقوق الانسان والحداثة والتحضر والعصرنة والكوننة والعولمة الخ.. وطالما اننا نقر جميعا، تيارات ونخبا فكرية وسياسية متعددة المشارب والانتماات، بوقوع تلك الخسارة..

واننا نعيش الان في قلب الهزيمة الفعلية.. فالسؤال المطروح هو: هل يمثل هذاالواقع الانهزامي القضا والقدر الذي يجب ان نسلم بنتائجه وانتهى الامر؟ اي هل ما يجري على الصعيد الاقليمي والدولي من حقائق ومتغيرات، وما انتهت اليه موازين القوى السياسية الراهنة، قد اغلق علينا باب التغيير التاريخي بعدان توزعت الاقدار على الشعوب والامم؟! وهل، حقا، ان هذه المصائر التي آلت اليها امورنا واوضاعنا قد جات كلهامن الخارج ومن دون ارادة منا، ولا يد او مسؤولية لنا في ملها؟! نؤكد في سياق اجابتنا، ان ما يحصل ليس قضا وقدرا مفروضا على امتنا.. اننا نتفق على ذلك مع الجميع.. ونتفق اكثرعلى ان الهزيمة واقع مفروض.. لكن هذا الاتفاق لا يكفي وحده.. لانه، ومن اجل الخروج من وادي الهزيمة، لابد من ان يكون لدينا قدر مشترك وارادة واعية من الاتفاق على عناوين رئيسية تقع في صلب الاسباب التي ادت الى الحاق الهزيمة بنا.. سنختلف، منذ البداية، في توزيع الاتهامات والقا مسؤوليات الهزيمة على هذا الطرف او ذاك.. اكثرنا قديحمل الانظمة السياسية غير الشرعية القائمة والتابعة للغرب، المسؤولية عن كل هذا التفسخ السياسي والاقتصادي والتاريخي.. وبعضنا الاخر قد يلقي اسباب الخسارة والهزيمة على الامة نفسها في بنية تفكيرها وارادة شعوبها.

اننا نتحمل جميعا المسؤولية التاريخية عن واقعنا المفكك...

وحتى نستطيع امتلاك الارادة القوية الواعية التي تمنحناالفرصة الاكبر للسير في عملية التغيير النوعي والنهوض بواقع الامة.. علينا ان نعي الحقائق الثلاث التالية:

الحقيقة الاولى: يشكل الاسلام، ببعديه الروحي والمفاهيمي، منظومة عقائدية تشريعية تلزم المؤمنين بها العمل في اطار الضوابط والموازين الشرعية الربانية، لذلك يجب فهم طبيعة المشاعر الحية للانسان المسلم، ونفسيته العامة،ونسيجه العقائدي الاسلامي، وتركيبته التاريخية والمعرفية، لان المقاصد والغايات الاصلاحية للتنوير والنهوض قائمة،اساسا، في عقيدة الامة.. والتاسيس (البنا) العملي على هذه العقيدة اكثر انسجاما مع الفطرة البشرية عموما والهوية الحضارية والفكرية للامة خصوصا واكثر ضمانا لتشكيل الشرط الضروري لحشد طاقات مثقفي الامة وجماهيرها من اجل المساهمة في تحمل مسؤولية العمل الاستنهاضي، وكسر حلقة التبعية التي لا نزال ندور حولها.. ولا تزال تحول دون انجاز الاولويات الضرورية للتحرر والتقدم والبنا واطلاق مواهب وطاقات الابداع الاصيل الحكومة الايرانية القادمة((393)) والتجربة الاسلامية في ايران خير التحدي ورد التحدي.

اذا لا يمكن للامة الاسلامية ان تحول مخزونها الحضاري والثقافي المتراكم الى فعل وتاثير في واقعها المضطرب، وواقع العصر القلق الذي تعيش فيه((395)) بعيدا عن التوازن النفسي والمادي الذي لا يتوفر الا ثمرة لتحقيق الحد الادنى من هذاالكيان... اي بان يكون كيان الامة السياسي والتنظيمي انعكاسا وتجليا لعقيدة التوحيد التي تشكل اساس البنيان العقيدي للمسلمين((396)).

صحيح ان صلة الامة عموما والمؤمنين بتلك العقيدة خصوصا قد تراخت نسبيا مع الانفتاح على الغرب، ومع سيادة انماط حياته السياسية والتربوية والتنظيمية والادارية والحقوقية، الا ان هذه الصلة عادت من جديد لتقوى بعدما لمست جماهير الامة كلها نتائج مسيرتها الطويلة نسبيا في هذا المجال، والتي احالتها الى مزيد من الخوف والبؤس والشعوربالضعف والحرمان في الحاضر والاحساس المتزايد بالخوف من المستقبل..

الحقيقة الثانية: استكمالا لما ورد في الحقيقة الاولى، وفي ظل الانشطار الكامل في البنى المختلفة لمجتمعاتنا العربية والاسلامية بين ما هو سياسي وثقافي ومؤسسات قائمة تحكم، وبين ما هي عليه هذه المجتمعات من هوية ومعاييرمغايرة لواقع الحال السائد.. تداعت الازمات ورا الازمات، وضعفت روح المبادرة والمقاومة((397)) والابداع وخاضت شعوب المنطقة حروبا متعددة، حيث دفعت، تلك النتائج، الامة باتجاه المفصل الخطير الراهن المتمثل كما تحدثناسابقا في مسيرة التسوية المزعومة بهدف ادخال ذلك الكيان في هيكلية المنطقة، واعطائه المزيد من الفرص في الهيمنة والتوسع والنفوذ عبر مشاريع اقتصادية وثقافية وامنية في مقابل الغا شبه كامل للمنطقة، وتجاهل حتى لهويتهاالقومية وما تنشئه هذه الهوية من حقوق فضلا عن هويتها الاسلامية الاصيلة..

في هذه الاجوا الملبدة بالغيوم السودا يجب ان يتحمل المثقف العربي مسؤوليته، ويراجع تعبيراته ومشاريعه والتزاماته في ان لا ينهمك في السجال والميدان السياسي اليومي للحدث فقط.. فيما تكمن الازمة جوهريا في كيان الامة الثقافي. اذا على المثقف ان يحول عمله وانتاجه الى قرار وسلوك وعمل واخلاقيات تعامل.. في ممارسته لسلوكية الحوار الشامل والسجال الموضوعي في جدية طرحه لاسئلة النهضة، يبرز اكثر من اي وقت مضى محتوى الهوية الاسلامية للمنطقة ومضمونها بصورة اكثر فاعلية واصالة وواقعية.. وهل الهوية الاسلامية لمجتمعاتنا، في جوهرها،سوى التطلع الدائم للبنا المستمر والمتواصل للشخصية الثقافية الاسلامية؟ ! الحقيقة الثالثة: علينا ان نفهم في اطار علاقتنا مع الاخر ان الغرب بالنسبة الينا هو جزء من العالم، وطرف من اطراف البشرية الاكثر تطورا من الناحية التكنولوجية والاقتصادية، وحتى الثقافية والعلمية (في طبيعة التنظيم والنظام القائم وليس في البنية والمحتوى والمخزون)، وهو الطرف الذي يسيطر الى حد كبير على مصير البشرية، ولكن هذا لا يعني سيطرة ابدية، كما لا يعني ان هناك فوارق وقطيعة مطلقة بين الغرب والبلدان الاخرى، فنحن جزء من عالم انساني كبيريشهد تحولات جذرية، والصراع القائم بين الشرق والغرب على شيء واحد هو الراسمال الحضاري اي التراث الحضاري المعنوي والمادي، والتحدي الحقيقي الذي يواجهنا هو كيف يمكن لنا ان نسيطر على وسائل هذه الحضارة ونستوعبها حتى يكون لنا مكان الى جانب الغرب، لا خاضعين له ولا مسيطرين عليه، وانما نعيش الى جانبه، وان ننجح بالسيطرة على التكنولوجيا، وان نكون فاعلين ومبدعين ومساهمين ايضا في انتاج هذه الحضارة وصنعها، شركا غيرمتساوين في اطار او بعد او دائرة حضارية واحدة.

«منتدى المنهاج »

البيئة ومشكلاتها الراهنة في المنظور الاسلامي المشاركون: العلامة السيد علي الامين، الدكتور كمال حماد، الدكتور نزار دندش تقديم وادارة: الدكتور عبدالمجيد زراقط عقد منتدى المنهاج ندوته الثالثة عشرة، وموضوعها «البيئة ومشكلاتها الراهنة في المنظور الاسلامي »، يوم الاثنين الواقع فيه 26 من ذي القعدة، 1419ه، الموافق 15/3/1999م.

قدم للندوة وادارها د. عبد المجيد زراقط، وشارك فيها السيد علي الامين ود. نزار دندش ود. كمال حماد.

رحب د. زراقط بالمشاركين والحضور، واعتذر عن عدم حضور السيد علي الامين لاسباب طارئة، وذكر ان السيدسيرسل كلمته مكتوبة لتنشر في المجلة، وقدم موضوع البحث، فقال:

خصصت مجلة المنهاج ندوات دورتها السنوية السابقة لقضية حقوق الانسان. وهي تتابع، في هذا العدد، في مطلع سنتها الجديدة، بحث مسائل هذه القضية، فتعقد هذه الندوة تحت عنوان: «البيئة ومشكلاتها الراهنة في المنظورالاسلامي ».

يعد هذا الموضوع، كما نعلم، من اخطر الموضوعات في حياة الانسان المعاصر، وذلك لان هذا الانسان يمتلك قدرات تمكنه من استغلال البيئة وتدميرها في آن، الامر الذي يقتضي حمايتها من كارثة ممكنة الحدوث. وهذه الحماية تقتضي، اولا، وضع تشريعات محددة وحزما في تنفيذها، وثانيا وعيا بالمخاطر، وسلوكا يمليه هذا الوعي، فلا تكون هناك ازدواجية بين القول والعمل، وفردية في الحفاظ على البيئة، كان يعنى الانسان ببيته ونظافته، وبطهارته هو ليؤدي الصلاة...، ثم يرمي ما الوضوء او المهملات او...، في الطريق العام او في الساحة العامة، وهو يعلم ان من القواعد الكلية في الاسلام ان «لا ضرر ولا ضرار» وان «دفع المضرة اولى من جلب المنفعة » .. ويعلم، ايضا، او لا يعلم، ان اللّه سبحانه وتعالى يقول: (هو انشاكم من الارض واستعمركم فيها، فاستغفروه ثم توبوا اليه،ان ربي قريب مجيب) [هود:61].

وتفيد هذه الاية الكريمة، في ما تفيده، كما يقول السيد محمد حسين الطباطبائي، في تفسير الميزان، انه تعالى هو الذي اوجد على المواد الارضية هذه الحقيقة المسماة بالانسان، ثم كملها بالتربية شيئا فشيئا، وافطره على ان يتصرف في الارض بتحويلها الى حال ينتفع بها في حياته، اي افطره على ان يسعى في طلب اعمارها، فعمارة الارض هي فطرة اللّهفي خلقه. ومن الاحاديث الشريفة التي تحث على عمارة الارض قول رسول اللّه (ص): «اكرموا النخلة فانها عمتكم...».واعمار الارض يقتضي حمايتها. وفي سبيل تحقيق هذا السعي وترشيده بتعاليم الدين الحنيف كانت هذه الندوة، التي يتفرع موضوعها الى ثلاث قضايا محاور:

اولها: «الدين والبيئة » المنظور الاسلامي الى البيئة ومشكلاتها يبحث فيه سماحة العلامة السيد علي الامين.

وثانيها: مفهوم البيئة ومشكلاتها يبحث فيه د. نزار دندش، وهو استاذ في كلية العلوم الفرع الاول ورئيس رابطة الاساتذة الجامعيين لحماية البيئة.

وثالثها: التعاون الدولي في مجال البيئة، يبحث فيه د. كمال حماد، وهو استاذ القانون الدولي العام في كلية الحقوق آالجامعة اللبنانية، وعضو الهيئة الادارية في جمعية ارز الشوف.

وجا في كلمة سماحة العلامة السيد علي الامين التي ارسلها مكتوبة ما ياتي:

اشتمال الدين على احكام البيئة ان الكلام عن موقف الدين من البيئة قد يبدو غريبا على الاذهان، لجريان العادة، في علم الفقه، على ان نسمع احسكاماللدين في العبادات والاخلاقيات وبعض المعاملات والعلاقات الاجتماعية والسياسية وعلاقات السلم والحرب، امااحكام البيئة فلم تجر العادة لدى الفقها على ذكر احكامها، ولعل عدم الابتلا بها كان سببا لعدم جعل بحث مستقل عنوانه احكام البيئة والا فلابد من ان تكون هناك احكام لها في الشريعة، لانها من الامور التي تشكل طرفا في العلاقات مع الانسان الذي يشكل محور التشريعات الدينية.

ولعل سائلا يسال: ما علاقة الدين بالبيئة، فهي ليست كائنا عاقلا حتى يشملها الخطاب الديني الذي يتمحور حول الانسان؟! ولكن نظرة واعية الى الدين واهدافه تجعلنا على يقين من اشتمال الدين على احكام البيئة، لان الدين من خلال اهتمامه بالانسان وجعله محورا لاحكامه وتوجهاته لابد من ان ينعكس هذا الاهتمام على كل ما له علاقة بالانسان بشكل مباشر،والبيئة في هذه العلاقة مع الانسان شانها شان العلاقات التي يحدثها الانسان في مجتمعه، كالزواج والطلاق والبيع والشرا والسلم والحرب وما شاكل ذلك من موضوعات.

وعلى كل حال فان شمولية الهدف تستدعي الشمولية لكل الموضوعات التي تصب في خدمة الهدف، وقد ورد في الشريعة الاسلامية ما يؤكد هذا المعنى كما في قوله تعالى:

(مافرطنا في الكتاب من شيء)، (وفيه تبيان كل شيء). وفي هذا المعنى وردت الاخبار الكثيرة في السنة الشريفة، ومنها:«ما من شيء الا وفيه كتاب او سنة »، «كل شيء فيه كتاب او سنة ».

ومما تقدم نعلم، بشكل اجمالي، ان الاسلام يشتمل على احكام للبيئة التي تؤثر بشكل مباشر على حياة الانسان الذي استخلفه اللّه تعالى في الارض لاعمارها كما جا في قوله تعالى: (وهو انشاكم من الارض واستعمركم فيها)، وكما جافي كلام الامام علي (ع) في نهج البلاغة: «فاهبطه بعد التوبة ليعمر ارضه بنسله »، وفي كلام آخر له (ع): «وامره باستصلاح اهلها وعمارة بلادها».

وفي قوله تعالى: (هو الذي خلق لكم في الارض جميعا) وايضا قوله تعالى: (والارض فرشناها فنعم الماهدون) فان تمهيد الارض واستعمار الانسان فيها من قبل اللّه تعالى يستدعي اصلاح الارض وتطويرها، ونستكشف من هذا المعنى طلب حماية الارض والمحافظة عليها مكانا يعيش فيه الانسان مع الموجودات الاخرى.

تحديد معنى البيئة وعلى كل حال، فان البحث عن توقف الدين عند البيئة يستدعي ان نتعرف، اولا، على معنى البيئة تمهيدا لمعرفة الموضوع الذي نحاول التعرف على احكامه، فنقول:

البيئة اسم مشتق من فعل با يبوء، ومنه قوله تعالى: (وباؤوا بغضب من اللّه)، وهي بمعنى حملهم للغضب والانصراف به.

ومنه قوله تعالى حكاية عن ابن آدم: (وتبوا باثمي واثمك)، اي بقتلي تحمل اثمي واثمك وتنصرف بهما.

وتاتي بمعنى الانزال والاسكان، كما في قوله تعالى: (وكذلك مكنا ليوسف في الارض يتبوا منها حيث يشا)، اي ينزل فيها حيث يريد ويسكن حيث يشا.

ومثله قوله تعالى: (نتبوا من الجنة حيث نشا).

ومنه معنى الحديث: «من طلب علما ليباهي به العلما فليتبوا مقعده من النار»، اي فلينزل مقعده في النار ويسكن فيه.

ومنه الحديث عن النبي (ص): «من كذب علي متعمدا فليتبوا مقعده من النار».

وقد ياتي فعل «با» بمعنى رجع، وقد سمي البيت مباة للرجوع اليه.

وجا في القاموس المحيط: «بواه منزلا: بمعنى انزله كاباة، والاسم (البيئة)، وهي تعني المنزل، وقد تاتي بمعنى الحال،فيقال: البيئة السياسية والبيئة الجغرافية وقد تاتي بمعنى المحيط.

وهي، بهذا المعنى الاخير، تكون اقرب الى محل البحث، فان المعنى المبحوث عنه للبيئة يشمل جميع الموجودات التي تحيط بالانسان من ما وهوا وتراب وحيوانات ونبات.

وقد كثر الحديث في عصرنا عن البيئة، واصبح لها الكثير من الانصار في مختلف انحا العالم، وغدت المحافظة عليها،بعنوانها الشامل، عنوانا للرقي والتمدن والانسانية الواعية التي تجاوزت بوعيها حدود الوطن والدولة، ليصبح الاهتمام بها عالميا، لان البيئة بمعناها المذكور لا تعرف الحدود والسدود، لكونها وحدة مترابطة، فلا فرق بين بيئة واخرى وبين نوع وآخر، فالارض بجميع موجوداتها هي بيئة الانسان، وليس مهما ان يحصل الانسان على لقمة عيشه كيفما كان، بل المهم ان يحصل الانسان عل

ى مصادر لعيشه خالية من التلوث والامراض تؤمن له حياة مستقرة وتساعده على مواصلة معركة الحياة من اجل التقدم والازدهار، والبيئة هي ارض هذه المعركة التي تتدخل في تحديد نتائجها.

وعلى كل حال، فان الدين هو من اهم مصادر المعرفة والعلم والثقافة، وتشكل احكامه قوانين صارمة يتبعها الكثير من الناس، وتتحول الى سلوك في حياتهم، ولذلك لابد لانصار البيئة من الاستفادة من الدين في هذا المجال الحيوي للانسان. والمتتبع لاحكام الشريعة الاسلامية يمكنه العثور على الكثير من القرائن والاحكام التي تدل، بالتلميح والتصريح، على حماية البيئة والمحافظة عليها، وهي لو جمعت ونظمت لاصبحت بابا فقهيا كسائر ابواب علم الفقه، كباب الطهارات والعبادات وامثالها.

لفت نظر: قاعدتان لا يصح الاستدلال بهما وبعد الذي ذكرناه من تحديد لمعنى البيئة، موضوع البحث، يظهر ان معنى البيئة المبحوث عنها شيء ومعنى ايذا«الغير» او النفس شيء آخر، ولذلك لا يصح الاستدلال بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار في الاسلام » في احكام البيئة التي غالباما يكون فيها الضرر نوعيا، بينما المقصود في الضرر الوارد في القاعدة هو الضرر الشخصي، وهو امر يختلف بين شخص وآخر، فرب امر يكون مضرا بشخص ولا يكون مضرا بخر، فلا يحكم بشمول القاعدة له على نحو العموم.

اما قاعدة «من كان له الغنم فعليه الغرم » فهي ابعد من القاعدة السابقة في الاستفادة منها في احكام البيئة لوضوح اختصاصها بالارباح والخسائر الشخصية، مضافا الى انها ليست من النصوص الشرعية، وانما هي من القواعد المتصيدة من موارد عديدة ذات طابع استقرائي ناقص. وفي كل الاحوال، لا يصح الاستدلال بها في مقامنا هذا. وتمام الكلام في ذلك، وبشكل اوسع، يخرجنا عن الغرض المقصود. وقد اردت بهذا المقدار لفت نظر بعض الاساتذة الذين تعرضوا لهذه المسالة وارسلوا الاستدلال بالقاعدتين ارسال المسلمات.

مجال واسع للاستدلالر مبدا التوازن بين مجموعات الخلق

الصفحة السابقة  

الصفحة التالية