5- ان الخطر الذي
وصلت اليه حال البيئة الانسانية الطبيعية
منها والحضارية يستدعي الحزم والسرعة في حماية
البيئة.والتشريع دون غيره هو الكفيل بتوفير عاملي
الحزم
والسرعة المطلوبين.
ان وضع تشريع بيئي يجسد تلك الارادة الدولية في
الحفاظ
على بيئة سليمة من جهة، وتامين الشروط الفضلى
للانسان في
محيط بيئي نظيف من جهة ثانية، هو احد اهداف قمة
الارض
التي عقدت في الريو عام 1992.
كما ان التشريع يحدد المسؤوليات والعقوبات
المترتبة على
انتهاك البيئة، لان الجرم البيئي يشكل جرما يمكن ان
يكون اشد واخطر من الجرائم الفردية بنتائجه
ومفاعيله.
ه اهم المؤتمرات الدولية في مجال حماية البيئة
لقد كان لبروز العديد من المشكلات البيئية الخطيرة
في
مختلف بلدان العالم اثرا كبيرا في نمو الوعي البيئي
على المستوى الدولي، ما جعل الامم المتحدة تنظم
مؤتمرا
دوليا حول البيئة عقد في السويد استوكهولم عام 1972
وبعده توالت المؤتمرات والحلقات الدراسية من
بلغراد عام
1975 الى تبليسي في الاتحاد السوفياتي السابق عام 1977.
وقد انشى، بنتيجة مؤتمر استوكهولم، برنامج الامم
المتحدة
للبيئة بغية تنسيق الجهود على الصعيد الدولي في
مجال البيئة
وتدعيمها، كما قام بين الاونسكو وبرنامج الامم
المتحدة للبيئة
برنامج دولي خاص بالتربية البيئية مهمته
انماالوعي البيئي
داخل المدرسة وخارجها، وذلك لايجاد الحلول
للمشكلات
المطروحة على المدى القريب والبعيد،وذلك عن طريق
اعداد
الانسان الواعي والمدرك والقادر على فهم هذه
المشكلات
وتوقيها وايجاد الحلول المناسبة لها((409))..
ويعد الوعي الجماهيري حيويا في معالجة المشاكل
البيئية.
وقد تزايد بسرعة كبيرة عدد المنظمات والجمعيات
المهتمة بالبيئة، عالميا. ويضم مركز الاتصال
البيئي الذي يديره
برنامج الامم المتحدة للبيئة ما يربو على 250 عضوا من
المنظمات غير الحكومية، ويحتفظ باتصالات مع 7000 من
المنظمات الاخرى.
وتبقى الامم المتحدة هي المركز الاساسي لجميع
اشكال
التعاون الدولي الخاص بحماية البيئة.
وتهتم بقضايا البيئة والمحافظة عليها منظمات
اقليمية
ودولية منها المنظمة الاقليمية لحماية البيئة
البحرية
(اتفاقية الكويت عام 1978) ومنظمة «غرين بيس green
peace والاتحاد العالمي لحماية الطبيعة (IUCN )
وغيرها.
وكذلك عدد من الوكالات المتخصصة في الامم
المتحدة، منها
منظمة الصحة العالمية، الفاو، اليونسكو، المنظمة
البحرية
الدولية،المنظمة الدولية الجوية، والوكالة
الدولية للطاقة
الذرية وغيرها.
ويهدف برنامج الامم المتحدة للبيئة الى:
1- حماية البيئة البحرية وحماية التربة وحماية
المياه العذبة.
2 -مواجهة التصحر والتلوث.
3 -انشا مركز دولي لمراقبة حالة البيئة.
4 -التنمية المستديمة والسليمة بيئيا في جميع الدول.
5 -وضع قواعد قانونية لنشاطات حماية البيئة.
وكان التنسيق الفعال بين الدول، في مجال البيئة،
احدى
النتائج المهمة لمؤتمر استوكهولم، والمبادرة الى
ادارة
افضل للبيئة، وذلك عبر الاتفاقيات الدولية، ومن
خلال
المساعدات التقنية والتدريب المتخصص وتنمية الوعي
البيئي والاعلام البيئي.
وفي الذكرى السنوية العشرين لافتتاح مؤتمر
استوكهولم عقد
اول مؤتمر قمة معني بالارض، وهو مؤتمر الامم
المتحدة للبيئة
والتنمية الذي عقد في الريو عام 1992 وقد تطرق
المؤتمر الى
الامور التالية:
1- حماية الغلاف الجوي (تغير المناخ، استنفاد طبقة
الاوزون،
تلوث الهوا).
2 -حماية موارد الاراضي (مكافحة ازالة الغابات،
وفقدان التربة،
والتصحر، والجفاف).
3 -حفظ التنوع البيولوجي.
4- حماية موارد المياه العذبة.
5- حماية المحيطات والبحار والمناطق الساحلية
وترشيد
استخدام مواردها الحية وتنميتها.
6- الادارة السليمة بيئيا للتكنولوجيا الحيوية
والنفايات
الخطرة.
7- منع الاتجار غير المشروع بالمنتجات والنفايات
السامة.
8 تحسين نوعية الحياة وصحة البشر.
9- تحسين ظروف العيش والعمل للفقرا عن طريق وقف
التدهور البيئي واستئصاله.
اما اهم اهداف قمة الارض، فكان وضع ميثاق للارض
يجسد
المبادى الاساسية التي يجب ان تنظم السلوك
الاقتصادي والبيئي للشعوب والدول لضمان مستقبلنا
المشترك((410)).
و اهم الاتفاقيات الدولية في مجال البيئة
اولا: في التنوع البيولوجي
1- اتفاقية خاصة بضبط، او منع، الاتجار الدولي
بانواع معرضة
للانقراض من الحيوانات والنباتات البرية لعام 1973
ولقد دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ عام 1975 وهي
تنظم
تجارة الانواع والاصناف المهددة بالانقراض من
الحيوانات والنباتات والتي تصبح حتما معرضة لخطر
الانقراض
اذا تمت التجارة بها من دون تنظيم، ويوجد (500) نوع
من الحيوانات وعدد كبير من النباتات التي اعلن عن
حمايتها
اما بمنع الاتجار بها او بضبط التجارة فيها((411)).
2- اتفاقية التنوع البيولوجي
فتح باب التوقيع على اتفاقية التنوع البيولوجي عام
1992
وذلك اثنا قمة الارض في الريو، وتعد الاهداف
الرئيسية للاتفاقية هي الحفاظ على مصادر التنوع
البيولوجي
على الارض، والتزام الاطراف بتطوير استراتيجياتها
الوطنية
للحفاظ على التنوع البيولوجي، واقامة المحميات
الوطنية
الطبيعية، وتعزيز حماية الانظمة الايكولوجية
والاحيا
الطبيعية.
ثانيا: طبقة الاوزون
1- اتفاقية فيينا لحماية طبقة الاوزون لعام 1985
وقعت اتفاقية فيينا لحماية طبقة الاوزون لعام
1985وذلك من
اجل حماية طبقة الاوزون من الاستنفاد بفعل
الكيميائيات المصنعة بوساطة الانسان. وطبقة
الاوزون تحمي
سطح الارض من الاشعاع فوق البنفسجي، والاستنفاد
يمكن ان
تكون له آثار معاكسة مثل زيادة سرطان الجلد، ونقص
المحاصيل الزراعية في الحقول.
وقد هدفت هذه الاتفاقية الى زيادة الابحاث
والتعاون وتطوير
السياسات الخاصة بضبط النشاطات التي يمكن ان
تكون لها آثار
معاكسة على طبقة الاوزون وتحديدها ومنعها((412)).
2- بروتوكول منتريال الخاص بالمواد المسببة
لاستنفاد طبقة
الاوزون لعام 1987
ويشمل البروتوكول التحكم في انتاج المركبات
الكلورية
الفلورية الكربونية عند المستوى السنوي لعام 1986
ودعاالحكومات الى خفض انتاجها الى 50% بحلول عام 1989.
وتمثل الدول الاطراف فيه 90% من استهلاك المركبات
الكلورية الفلورية الكربونية.
وقد دعا البروتوكول الدول الاطراف الى ملامة
قوانينها
الوطنية مع هذا البروتوكول، كما طالب الشركات
الكيميائية الكبيرة لايجاد بدائل آمنة للمركبات
الكلورية
الفلورية الكربونية وتطوير هذه البدائل.
ثالثا: النفايات الخطرة
1- اتفاقية بازل بشان التحكم في حركة النفايات
الخطرة عبر
الحدود والتخلص منها لعام 1989
وتهدف هذه الاتفاقية الى ما يلي:
«لكل دولة الحق السيادي في حظر دخول النفايات
الخطرة الى
اقليمها»، و«وجوب التخلص من النفايات
الخطرة بالمقدار الذي
يتفق مع الادارة الفعالة والسليمة بيئيا في الدولة
التي جرى
توليدها فيها».
ومن احكام الاتفاقية «ان الاطراف تعتبر ان الاتجار
غير
المشروع بالنفايات الخطرة فعل اجرامي».
رابعا: تغيير المناخ
1- الاتفاقية الخاصة بتغير المناخ لعام 1992
فتح باب التوقيع على هذه الاتفاقية في الريو، وذلك
اثنا قمة
الارض عام 1992 واسست هذه الاتفاقية
لالتزامات اتخذتها
الدول على نفسها لتخفيض انتاج غازات الاحتباس
الحراري
وثاني اوكسيد الكربون.
خامسا: تلوث المحيطات
1- الاتفاقية الخاصة بمنع التلوث من السفن لعام 1973
تهدف هدف الاتفاقية الى منع التلوث المتاتي من
السفن ومن
غيرها من المصادر.
ولقد ادخلت على هذه الاتفاقية عدة تعديلات، وذلك من
خلال عدة ملاحق يتعامل كل منها مع نوع معين من
التلوث:فالملحق رقم (1) خاص بالزيوت،
والملحق رقم (2) خاص بالسوائل المضرة الصادرة عن
السفن.
والملحق رقم (3) خاص بشحن النفايات الخطرة.
والملحق رقم (4) خاص بالصرف الصحي والمجارير.
والملحق رقم (5) خاص بالنفايات والفضلات((413)).
2- اتفاقية لندن الخاصة بمنع تلوث البحار
منعت اتفاقية لندن الدول من التخلص من بعض النفايات
التي
تتضمن اشعاعات عالية المستوى والنفايات
الكيميائية،والنفايات الكيميائية ذات الاهداف
العسكرية،
وتحدد الاتفاقية طرق التخلص من بعض المواد وذلك من
خلال النظام المسموح به.
سادسا: مخزون الثروة السمكية
1- اتفاقية البحار لعام 1982 والخاصة بحماية مخزون
الثروة
السمكية وادارته
تهدف هذه الاتفاقية الى حماية مخزون الثروة
السمكية وادارته
عبر تحديد المسافة لصيدها ولمهاجرتها في
منطقة البحر العام
والتي هي خارج الولاية الوطنية للدول. وقد فتح باب
التوقيع
على هذه الاتفاقية في 4 كانون الاول من عام 1995((414)).
2- الاتفاقية الدولية الخاصة بتنظيم صيد الحيتان
لعام 1946
تهدف هذه الاتفاقية الى حماية كافة انواع الحيتان
من الصيد
المفرط، والى المحافظة على الموارد الطبيعية
الكبرى
التي تمثلها سلالات الحيتان لصالح الاجيال
المقبلة. وانشا
نظام لكي تنظم مصائد الحيتان، وذلك من اجل ضمان
سلالات الحيتان وحفظها وتنميتها((415)).
سابعا: التصحر
1- الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر لعام 1994
تهدف هذه الاتفاقية الى تعزيز المحاولات الرامية
الى الحد من
مشكلة التصحر وتكاملها (والتصحر هو انتشار
الصحراوتناقص
الموارد الطبيعية). وتهدف ايضا الى تشجيع البرامج
والخطط
الوطنية لمكافحة التصحر في جميع البلدان
مع مساعدة خاصة
للدول النامية والفقيرة((416)).
ثامنا: معاهدة حظر وضع الاسلحة النووية وغيرها من
اسلحة
الدمار الشامل في قاع المحيطات وفي باطن ارضها
لعام 1971
تتعهد الاطراف الموقعة على هذه المعاهدة (وهي روسيا
واميركا وبريطانيا) بالا تضع في قاع المحيطات، او
في
باطن الارض، اسلحة نووية او غيرها من اسلحة الدمار
الشامل او
منش آت اطلاق هذه الاسلحة او تخزينها او اختبارها
اواستخدامها.
ويجوز ان يقوم مراقبون من اي طرف بالتفتيش والتحقيق
من
انشطة الاطراف الاخرى، وعلى الاطراف في حالة
الشك،ان
تتشاور وتتعاون لازالة هذا الشك وذلك بالقيام
بالتفتيش او
باي اجرا آخر يتفق عليه، واذا لم يبت في مسالة
خطيرة تتعلق
بالوفا بالالتزامات التي تفرضها المعاهدة يجوز
لاي طرف ان
يحيل الامر الى مجلس الامن((417)).
تاسعا: اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في
البيئة لاغراض
عسكرية.. لعام 1976
تهدف هذه الاتفاقية الى حظر الاستخدام العسكري او
اي
استخدام عدائي آخر لهذه التقنيات، وذلك بغية تعزيز
السلم الدولي والثقة في ما بين الامم.
ومن احكامها: «على الاطراف الا تستخدم تقنيات
التغيير
البيئي ذات التاثيرات الواسعة او التي تدوم مدة
طويلة
اوالشديدة كوسيلة لتدمير اطراف اخرى او اتلافها
والاضرار بها
والا تساعد او تشجع او تحض اية دولة اخرى او
مجموعة من
الدول او منظمة دولية على ان تفعل ذلك»((418)).
عاشرا: اما اهم ما جا في اعلان الريو لعام 1992
وبخاصة في
مجال التعاون الدولي لحماية البيئة، فهو:
المبدا (5): تتعاون جميع الدول في المهمة الاساسية
المتمثلة
في استئصال شافة الفقر، باعتبار ذلك شرطا لا غنى
عنه للتنمية الدائمة.
المبدا (7): تتعاون الدول بروح من المشاركة الدولية
في حفظ
النظام الايكولوجي للارض وحمايته واستعادة
صحته وسلامته.
المبدا (9): ينبغي ان تتعاون الدول في تعزيز بنا
القدرة الذاتية
على التنمية الدائمة بتحسين التفاهم العلمي عن
طريق تبادل
المعارف العلمية والتكنولوجية.
المبدا (12): ينبغي ان تتعاون الدول على تشجيع قيام
نظام
اقتصادي دولي دائم ومنفتح يؤدي الى النمو
الاقتصادي والتنمية الدائمة، في جميع البلدان،
وتحسين
معالجة مشاكل تدهور البيئة.
المبدا (14): ينبغي ان تتعاون الدول بفعالية في الثني
عن
تحول ونقل اي انشطة ومواد تسبب تدهورا شديدا
للبيئة،
اويتبين انها ضارة بصحة الانسان في دول اخرى، او
منع هذا
التحويل والنقل.
المبدا (18): تقوم الدول باخطار الدول الاخرى على
الفور باية
كوارث طبيعية او غيرها من حالات الطوارى التي
يحتمل ان
تسفر عن آثار ضارة مفاجئة على بيئة تلك الدول. ويبذل
المجتمع الدولي كل جهد ممكن لمساعدة الدول
المنكوبة على هذا النحو.
المبدا (19): تقدم الدول اخطارا مسبقا وفي حينه،
وتقدم
المعلومات ذات الصلة بشان الانشطة التي قد تخلف
اثرا
بيئياسلبيا كبيرا عبر الحدود الى الدول التي يحتمل
ان تتاثر
بهذه الانشطة، وتتشاور مع تلك الدول في مرحلة مبكرة
وبحسن نية.
المبدا (24): ان الحرب بحكم طبيعتها تدمر التنمية
الدائمة،
ولذلك يجب ان تحترم الدول القانون الدولي العام،
الذي يوفر
الحماية البيئية في وقت النزاع المسلح، وان تتعاون
الدول في
زيادة تطوير القانون الدولي العام عند اللزوم.
المبدا (26): على الدول ان تفض جميع منازعاتها
البيئية
بالطرق السلمية وبالوسائل الملائمة وفقا لميثاق
الامم
المتحدة(419)).
مثال على التعاون الدولي في مجال البيئة
اولا: التعاون الدولي في مجال انشا المحميات
الوطنية في
لبنان
انطلاقا من الطابع المتكامل والمترابط للارض تم
حصول لبنان
على المساعدة المالية من الامم المتحدة، والتي
تقدرقيمتها
بمليونين وخمسمئة الف دولار اميركي، وذلك لمدة خمس
سنوات، ولصالح المحميات الثلاث في لبنان،
وهي محمية ارز
الشوف، جذر النخيل، وحرش اهدن.
وجات هذه المساعدة المالية من الصندوق الدولي
للبيئة (
بب ب ) بعد منافسة قوية اشتركت بها مجموعة كبيرة
من الدول، وذلك للاستفادة من هذا الدعم الدولي،
ولحسن
الحظ فاز به لبنان.
ان اختيار المجتمع الدولي لهذه المواقع الطبيعية
في لبنان،
جا نتيجة لاهميتها الطبيعية والبيئية في المقام
الاول،ولالتزام لبنان ببعض المعايير البيئية التي
تشترط قيامها
الجهات الدولية المانحة، ومن بينها على سبيل
المثال
(منع الصيد) (وقيام الجمعيات الاهلية البيئية التي
تعنى
بحماية البيئة) والاهم انضمام الدولة الممنوحة
للاتفاقيات
البيئية الدولية.
والمحميات، بالتعريف العالمي، هي «مساحة في يابسة
او بحر
مخصصة لحماية وصيانة التنوع البيولوجي
والمواردالطبيعية
والثقافية، وتتم ادارتها بالطرق القانونية، ومن
اهدافها البحث
العلمي وحماية الحياة البرية والحفاظ على
الانواع والتنوع
الوراثي الجيني، وحماية المواقع الطبيعية
والسياحية البيئية
وتعزيز وتطوير التربية البيئية والتوعية
البيئية والاستعمال
المستديم لموارد الانظمة الايكولوجية الطبيعية،
اضافة الى
الحفاظ على التقاليد والعادات المحلية» (420)).
وقد بوشر العمل بمشروع المحميات الطبيعية في لبنان
بتاريخ
15 تشرين الثاني سنة 1996وذلك بالتنسيق مع وزارة
البيئة،وبالتعاون مع الجمعيات الاهلية والمؤسسات
العلمية في
لبنان، وبتمويل من بب ب . ويقضي المشروع باقامة
ثلاث محميات نموذجية، وهي: محمية ارز الشوف ومحمية
حرج اهدن ومحمية جزر النخل لانها تحظ ى بتكريس
القانون لها.
وبالنسبة لمحمية ارز الشوف التي تاسست بموجب
القانون رقم
532/1996 فهي تمتاز بموقعها المطل على البحر وعلى سهل
البقاع، وبغاباتها الثلاث التي ينمو فيها الارز
اللبناني تلقائيا
وطبيعيا، وتعد المحمية الحد الجنوبي العالمي
لانبات شجر
الارز.
والمحمية تشكل آخر موطن للثدييات الكبرى مثل الذئب
والخنزير، كما ان مساحتها الواسعة (5% من مساحة
لبنان)تسمح باعادة توطين الوعول والغزلان الجبلية
فيها.
وهناك ما يزيد على 200 نوع من الطيور يعشش 22 نوعا منها
في المحمية، وتحتوي ايضا على اكثر من 520 نوعا من
النباتات
البرية التي تحتوي على عدد لا يستهان به من
النباتات الطبية.
وبالنسبة لمحمية حرج اهدن التي تاسست بموجب
القانون
رقم 121/1992 فانها تمثل منطقة جبلية تحتوي على اكثر
من 1030 نوعا من النبات المؤصل وعلى 39 نوعا من
الاشجار،
ويعد حرج اهدن الحد الجنوبي العالمي لانبات شجر
الشوح ويحتوي الحرج على 10 نباتات لاتوجد عالميا
الا فيه،
مثل العفص الارزي، ومخلب عقاب اهدن، وهو ايضا
موطن للذئب والضبع والخنزير البري والهر البري
والثعلب،
وفي المحمية اكثر من 150 نوعا من الطيور، وتنوع
بيولوجي
فريد.
محمية جزر النخل، وهي معلنة بالقانون رقم 121/1992
وتمثل
المحمية نظاما بيئيا بحريا خاصا في شرق البحر
الابيض المتوسط، وتتكون من جزر النخل وسنني
ورامكين.
وتعد المحمية ملجا للطيور، ولتفريخ السلاحف
البحرية، كما
انها مشهورة بازهارها البرية وبنباتاتها الساحلية
النادرة
اوالفريدة. وتضم المحمية سحالي وافاعي وخفافيش
نادرة ذات
جينات وراثية خاصة، كما تحتوي على بعض الاثارات من
كنيسة صليبية، اضافة الى ملاحة وفنار.
وتتمحور اهداف مشروع المحميات في لبنان في الامور
الاتية:
انشا ثلاث محميات نموذجية، وتاهيل العاملين
في المشروع
وتدريبهم، وانتاج الافلام البيئية والكتب البيئية
الخاصة
بالتوعية. اما النشاطات المنوي تنفيذها في
المحميات الثلاث
فهي:
1- تعديل قوانين المحميات وتطويرها واظهار حدودها
وتحضير خطط العمل لها.
2- تحديد الدراسات والبحوث الواجب القيام بها من قبل
المؤسسات العلمية.
3- وضع برنامج مراقبة فعلية لاحصا الاحيا البرية
في كل
محمية ووضع الخرائط الخاصة بها.
4- وضع هيكلية لوزارة البيئة وانشا ادارة تهتم
بشؤون
المحميات والمحافظة على التنوع البيولوجي.
5 تنظيم دورات تدريبية للمهتمين بالمشروع من كافة
القطاعات.
6- اطلاق حملات توعية داخل القرى والمدن المجاورة
للمحميات الثلاث.
7- ترسيخ الوفاق الوطني انطلاقا من العمل المشترك
للشباب
وجمعه تحت لوا المحافظة على الطبيعة((421)).
ثانيا: التعاون الدولي في مجال مكافحة آثار حادث
تشرنوبيل
النووي
تمثل الكوارث البيئية تحديا حقيقيا امام البشرية،
وبالتالي تجب
مواجهتها، وذلك عبر التعاون الدولي
والمساهمة الجدية من
قبل الجميع.
فالبيئة تمثل بوتقة متكاملة، واي خطر بيئي لا يتوقف
امام
الحدود السياسية للدول، وبالتالي لا يعترف
بالجغرافياالسياسية
بل يتخطاها ليصيب الجميع. وخير مثال على ذلك حادث
تشيرنوبيل الذي وقع في 26 نيسان 1986 في اوكرانيا،بسبب
انفجار منشاة توليد الطاقة النووية التي تقدر
قوتها ب 10 مرات
انفجار القنبلة النووية في اليابان عام 1945م.
اما اهم نتائجه فكانت:
1- اجبر 400 الف شخص على ترك منازلهم.
2- تاثر بالحادث حوالى 9 ملايين شخص بشكل مباشر او
غير
مباشر.
3- معدل الاصابة بسرطان الغدة الدرقية، ارتفع بصورة
كبيرة،
وسيستمر بالارتفاع، ويبلغ حده بين 2005 و 2010.
4- تبلغ مساحة المنطقة التي اصابها التلوث 160 الف كلم
اي
مساوية لمساحة بريطانيا وويلز وايرلندا الشمالية.
5 لن يسمح للاشخاص الذين غادروا موقع الحادث،
وبحدود
(30 كلم) بالعودة الى ديارهم، لان عمر النويدات
المشعة يبلغ
30 سنة تقريبا.
6- تعرض حوالى 800 الف شخص للاشعاعات ومعظمهم من
الذين ساهموا بتنظيف مبنى المفاعل المدمر
والمناطق القريبة
التي تلوثت، واغلبهم من الجنود.
7- الاعراض التي ظهرت عليهم هي: السرطان، امراض
الاوعية القلبية، امراض القلب، وسرطان الرئة
والالتهابات المعدية والاورام، وسرطان الدم،
والارهاق العصبي.
8- ان الاطفال الذين ولدوا ما بين 1986 و1987 هم الاكثر
عرضة للاصابة بالامراض ذات الصلة بحادثة تشيرنوبيل
مثل امراض «نقصان المناعة، فقر الدم، الجهاز
العصبي، الجهاز
التنفسي، القلب، سرطان الدم».
9- وقد لوحظ في منطقة «تشيرنوبيل»، مثلا، وبعد مضي
5
سنوات على الحادثة، ظهور اعداد كبيرة جدا من
حالات التشوهات الخلقية في الحيوانات الاليفة،
المولودة
حديثا، مثل ظهور حيوان بثماني ارجل، او تشوهات في
عظام
الفك والمفاصل وتركيبة العمود الفقري وشكله. وكان
لبعض
الحيوانات تشوهات اخرى مثل ولادتها من دون عيون،
وتغيرموضع الفم. وفي مزرعة صغيرة في منطقة
«مالينوفكا»
القريبة من منطقة الحادث، حدث ما يزيد على 100 حالة
من
ولادة الخنازير غير الطبيعية((422)).
10- ان الدول المجاورة التي تاثرت اكثر من غيرها هي
الاتحاد
الروسي وبيلاروسيا بالاضافة الى اوكرانيا. وبسبب
هذاالامر فقد
خصصت كل دولة من الدول الثلاث قسما من موازنتها من
اجل
معالجة آثار تشرنوبيل عليها، فمثلا اوكرانياخصصت
(4%) من
موازنتها، وبيلاروسيا (20%) والاتحاد الروسي (1%)وذلك
بالرغم
من الصعوبات المالية التي تمر بهاهذه البلدان.
11- تعد (30%) من مساحة بيلاروسيا البالغة (208 آلاف كلم)
ملوثة، و(7%) من مساحة اوكرانيا البالغة (600 الف كلم)
وهي تعادل مساحة هولندا، ملوثة و (6/1%) من اراضي
الاتحاد
الروسي الاوربية اي (57 الف كلم) تعد بدورها
ملوثة بالاشعاعات والتي تزيد عن (1) كوري من
السيزيوم
للمتر((423)).
اما المساعدات الدولية فقد اندرجت عبر الفئات
الخمس
التالية:
ا الصحة،
ب البحوث العلمية،
ج التنمية الاقتصادية،
د المساعدة البيئية.
ه المساعدات المالية.
وكان لكل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية،
والاتحاد
الاوروبي، ومنظمة الامم المتحدة للاغذية والزراعة
(الفاو)،ومنظمة الصحة العالمية، وبرنامج الامم
المتحدة
للبيئة، نشاطه الخاص به والمندرج تحت سقف الامم
المتحدة،والتعاون الدولي بالاجمال، في بداية
الحادثة كانت
الالية الرئيسية للتنسيق الدولي تمر عبر اللجنة
الرباعية
الاطراف والتي تتالف من الدول المتضررة مباشرة
بالاضافة الى
الامم المتحدة.
اما بعد ذلك، فقد توسعت لتشمل الاتحاد الاوروبي،
والوكالات
المتخصصة في الامم المتحدة مثل (اليونيسف،
الفاو،البرنامج
الانمائي للامم المتحدة، وبرنامج الامم المتحدة
للبيئة،
ومنظمة العمل الدولية، واليونسكو، والصحة
العالمية،والمنظمة العالمية للارصاد الجوية،
ووكالة الطاقة
الذرية، واللجنة الاقتصادية لاوروبا، ومركز الامم
المتحدة للمستوطنات البشرية وغيرها) لان كارثة
بهذا الحجم
تتخط ى قدرات الدول المعنية، الامر الذي يفرض على
المجتمع الدولي تقديم المساعدة انطلاقا من مبدا
التعاون
الدولي الذي يعد احد المبادى الرئيسية في القانون
البيئي
الدولي. اخيرا نقول: ان العالم اليوم اصبح جد مترابط وجد متداخل، واصبحت البشرية كانها محشورة كلها في مركب واحدتتقاذفه الامواج في البحر، فاما يتعاون الجميع لمواجهة الريح فتتم النجاة والوصول الى الشاط ى، واما يحدث العكس فيكون الغرق. قراة في كتاب: محنة
التراث الاخر النزعات العقلانية في
الموروث الامامي
ا. محمد دكير
«البحث عن المهمش
هو بلا شك مهمة صعبة للغاية، واصعب
من ذلك البحث عن المعقول في الممنوع..».
المؤلف ادريس هاني
اشكالية المنهج في القراات التراثية الجديدة
عرف حقل التراث العربي والاسلامي، خلال العقود
الثلاثة
الاخيرة، انجاز مجموعة من القراات استنجدت،
في مجملها،
بمناهج وآليات للبحث انطلقت من خلفيات ايديولوجية
متعددة ومتباينة، لذلك لم تتمكن هذه القراات
من تشكيل
رؤية حقيقية لفهم التراث، بمعزل عن مؤثرات النزعات
الايديولوجية والتيارات الفكرية الحداثية.
فقد صدرت تباعا مجموعة من القراات، او التفاسير،
اذا صح
التعبير: التفسير الماركسي، الوجودي الوضعي،
البنيوي،التفكيكي.. الخ، فاي منهج او تيار فلسفي او
فكري
نقدي، يكشف عنه التطور الغربي، نجد من يهرع مسرعا
للبحث داخل التراث العربي والاسلامي، لاعادة
قراته من خلال
هذه المناهج ولتاصيلها في الوقت نفسه، بغية الوصول
الى:ماركسية عربية، وجودية عربية، او شخصانية
اسلامية..!؟
ان اختيار المنهج، لدى عدد من اصحاب هذه القراات
رالمشاريع، كان قد سبق اطلاعهم على الموضوع
(التراث)،وذلك لكون المنهج «المنتخب» قد اقترن
لدى
بعضهم بانتمائه المذهبي (الماركسي خصوصا)، او بمجرد
الاطلاع والتشبع بالفلسفات والمناهج الغربية،
ومن ثم الرجوع
بقناعة منهجية (علمية؟) متميزة لقراة التراث.
وقد اسفرت هذه الطريقة، في التعاط ي مع التراث، عن
اجتزا
المنهج او المذهب الغربي خارج اطاره
الحضاري،وظروفه
التاريخية، ومحددات نشاته، ثم اسقاطه على حضارة
اخرى
مختلفة. كما يقول الدكتور حسن حنفي، وهذه المزاوجة
القسرية بين منهج (غربي)، وموضوع (شرقي)، كشفت عن
ازمة
جديدة، زادت من تمنع التراث عن الظهورالتام بكافة
كوامنه
وخفاياه كما يؤكد المؤلف.
ان اكبر خطا منهجي سقطت فيه مجمل هذه المشاريع
رالقراات، هو عدم الالتفات للعلاقة التي تربط
المنهج
بالموضوع والموضوع بالمنهج، وهذه قضية شائكة لها
علاقة
باشكالية «المنهج العلمي» في مجال العلوم
الانسانية. كما ان
الشعوربالدونية انطلاقا من تقزيم الانا المتجلي في
الماضي
(التراث) وكذلك الحاضر (الواقع المتخلف)، في مواجهة
الغرب،حيث الاخر يعني التقدم والتطور والتفوق على
جميع
الاصعدة، هذا الشعور ربما جعل بعض الباحثين يغفل او
يتناسى ان للتراث مناهجه الخاصة به، فالانساق
الفكرية التي
بنيت في علم الكلام والحكمة والتصوف والتشريع، لم
تكن
دون منهج، لذلك فمعرفة مناهج التراث ستؤدي، اولا وقبل كل شي ء، الى فهمه وقراته من الداخل، ومن ثم الى
استيعاب معطياته بشكل علمي موضوعي، هذا الاستيعاب
الذي
سيمكن من الكشف عن الخيوط او الشرايين
«المقطوعة؟»،والتي يمكن ربطها ووصلها مع مراحل
التطور
التي بلغتها المناهج العلمية المعاصرة، وبالتالي
ربما ادى ذلك
الى اكتشاف منهج او مناهج علمية متميزة (خاصة)،
اكثر تلاؤما
مع التراث، لانها لن تكون غريبة عنه، يمكنه ان
يلفظها في اي
لحظة، وانما ستمثل الاستمرارية في اطار التجديد
والتطور،
الذي يراعي المعطيات العلمية الجديدة.
وسنكون بالتالي امام
محاولة علمية رمنهجية، لمعالجة الثنائيات التي
خضنا فيها
طويلا وما زلنا. اي: التراثر الحداثة،
الاصالة رالمعاصرة وغيرها
من الثنائيات الاخرى.
مازق النظرة التجزيئية
من جهة اخرى، لابد من الحديث عن المازق الكبير الذي
عانت
منه هذه المشاريعر القراات، حيث سادت
النظرة التجزيئية
والتشطيرية، اثنا معالجة هذا التراث، وبذلك غاب
ما يسميه
المؤلف «التراث الاخر»، اي التراث الشيعي الامامي
خصوصا!؟
هذا القسم من التراث الذي عانى من المنع الشديد
والمحاربة،
ما دفع به نحو العزلة والانطوا. واذاكان هذا القسم
او الجزء
المهم من التراث العربي والاسلامي قد اغفل واهمل،
او عولج
من خلال «مصادر وسيطة» غيرمحايدة، وتنقصها
الموضوعية،
فهل يمكن لهذه المشاريع رالقراات، الادعا بانها
كونت رؤية
شمولية حول التراث،وبالتالي هل تستطيع ان تقدم
استنتاجات
متكاملة وموضوعية حوله؟!
لكن مهما قيل عن المناهج المستخدمة والاسقاطات
الايديولوجية التي حدثت بسبب هذه الاختيارات
المنهجية،
الاان الاهداف ربما كانت مشروعة الى حد بعيد، فهذه
المشاريعر القراات، انطلقت من فكرة مهمة، وهي
اهمية النظر
في التراث، لجعله منطلقا من اجل ربط الحاضر
بالماضي في
محاولة للعثور على زر اعادة تشغيل العقل الاسلامي،
وبعث الحياة فيه وتفعيله، لعله يتحرك مثلا، فنكون
امام نهضة
جديدة تشبه مثلا النهضة التي حصلت في القرن الرابع
الهجري.وهذا المنطلق والشعور باهمية التراث، يجسد
بحد
ذاته مرحلة من الوعي العربي والاسلامي لا يمكن
اغفال
اهميتها.
كما ان النتائج التي اسفرت عنها هذه المشاريع
رالقراات، لا
يمكن فهمها، او تسويغها، من دون الرجوع الى
الملابسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية
والحضارية
بشكل عام، التي كانت تلقي بثقلها على كاهل الباحث
(صاحب المشروع)، الذي انطلق محملا بهموم وقضايا
وآمال
واحلام، بل ببرامج حزبية، يريد تحقيقها على ارض
الواقع.
لقد جا هذا الكتاب مساهمة للتعريف اولا بهذا
التراث،
و«محاولة لفهمه وذلك انطلاقا من اختيار ابستمولوجي
يراعي التداخل الكلي لمكونات العقل التراثي،
تجاوبا مع
المعط ى كما يقول المؤلف، كما انه يتيح الرؤية من
داخل
حقل التراث الاخر..».
لكن هذا الهاجس التعريفي سيواكبه بحث او محاولة
اخرى
تكشف عن النزعات العقلانية داخل هذا الموروث
الامامي الذي
اتهم بالهرمسية والباطنية واللاعقلانية، وذلك من
خلال
مقاربات في الكتابة التاريخية، علم الكلام،
الحكمة،واخيرا
اصول التشريع.
الكتابة التاريخية العربية: استمرار محنة التراث
الاخر
ان اهم ما يمكن ملاحظته، بخصوص ازمة الخطاب
التاريخي
العربي، هو ذلك «الفقر العلمي الشديد» الذي يعاني
منه هذا
الخطاب، فالتاريخ والعقيدة ممتزجان ومتماهيان لدى
المؤرخ
القديم الذي وظف هذا المزج في الدفاع
عن ايديولوجية
السلطة الحاكمة، لذلك فقد وجد هذا المؤرخ نفسه في
ظل
الصراع السياسي والمذهبي فاقدا لاستقلاليته،ما
جعلنا نرث
كما يقول المؤلف «تاريخا عربيا متناقضا ومتمذهبا
ومنمطا».
ومن خلال النماذج المعروضة، باعتبارها تمثل بوضوح
ذلك
«الاختلاف المنهجي في الكتابة التاريخية
العربية»،
استطاع المؤلف ان يكشف عن مكانة «الاخر» المخالف
والمناهض للسلطة وموقعه، وكيف تمكنت الرؤية
المللية
والمذهبية،التي ينطلق منها المؤرخ من تقديم
«الاخر»،
وبالتالي صياغة الحقيقة التاريخية التي سوف
يتلقفها الخلف
بعد ذلك.
اختار المؤلف مؤرخين للحديث عن ملابسات الكتابة
التاريخية
العربية، الاول ابن جرير الطبري، الذي استطاع في
نظرالمؤلف ان يحدث «تجديدا في صميم الكتابة
التاريخية
عند العرب» عندما اهتم باسلوب «الاسناد» وتوثيق
الرجال وتنظيم الاخبار وتضعيفها.
في الوهلة الاولى، يظهر كتاب الطبري: «تاريخ الرسل
والملوك»، تاريخا شاملا لجميع المواقف والتيارات
السياسية والمذهبية التي دخلت بها الساحة العربية
والاسلامية،
لكن الباحث المدقق سرعان ما يكتشف عكس ذلك،
لانه سيلاحظ ميلا واضحا للعباسيين، ومجارات
لقناعات
الاغلبية، مع ان الطبري كان عالما بجميع ما تدعو
اليه
الفرق والتيارات السياسية والمذهبية. قد يكون
حاول ارضا
جميع التيارات، كما يرى المؤلف، لكن الموضوعية
العلمية
تظل مفتوحة على مخاطر جمة، من طرف الاغلبية من
جهة،
والسلطة الحاكمة من جهة اخرى. لذلك فقد تميزت
كتابته بانتقا للاخبار والسكوت عن عدد من
التفاصيل التي قد
تدعم موقف المعارضة (الاخر)، مع ان الطبري كما
يدعي المؤلف كان قد حاول ارضا الشيعة، عندما عرض
لاخبارهم بنوع من الحياد، لكنه في نهاية المطاف
تجنب ذكر
اخبارمهمة تنتصر لعقيدتهم اي الشيعة في الامامة،
وتصرف
في غيرها وان كنا نشك في من قام بهذا التصرف، وهل
عبثت به الايادي الحنبلية (السلفية)، كما فعلت مع
غيره من
الكتب؟! كما غض الطرف عن اخبار تقلل من شان خصومهم.
وعليه، فلم يكن الطبري محايدا ابدا، وهذا ما جعل
التاريخ
للاخر الامامي، لا يحضر بالموضوعية الكافية في
تاريخه،فما
نحصل عليه هو رؤية ملتبسة، متناقضة ومختلفة، تحتاج
الى
الكثير من الغربلة والتدقيق، واستدعا
المصادروالمراجع
الاخرى، لمعالجة الحلقات الضائعة، والمحطات
المسكوت
عنها، وهذا ما نجده مثلا عند اليعقوبي اوالمسعودي..
اما مع ابن كثير، وهو المؤرخ الثاني الذي اختاره
المؤلف، فنحن
امام محدث اولا ثم مؤرخ ثانيا، فالتاريخ هنا
سيتماشى بوضوح
مع الدفاع والانتصار للمذهب، ونقض آرا «الاخر»
الامامي
وغيره، من دون مواربة، ومن اجل صياغة الموقف لدى
التيار
الذي يمثله كما يقول المؤلف فهو مستعد لتصحيح او
تكذيب اي خبر او رواية تصله وتمس بقداسة السلف؟!
والخلاصة التي يتوصل اليها المؤلف، بخصوص منهج كل
من
الطبري وابن كثير، ان كلاهما قد ضحى بالحقيقة،
الاول ضحى
«بالنص من اجل الوصول الى الوفاق» والثاني ضحى
«بالوفاق من
اجل تحديد موقف السلف».
ان تجليات هذه الازمة في الكتابة التاريخية
العربية ونتائجها،
تظهر جلية بعد ذلك، خصوصا اذا اضفنا لها الكتابات
التي تولاها
عدد من المنتمين للمدارس الكلامية واهتموا
بالتاريخ للافكار
في اطار علمي خاص تعلق بالمجال الكلامي والعقائدي
فقط.
لقد غابت الموضوعية العلمية، في عرض افكار الخصوم
وعقائدهم، في ما كتبه الشهرستاني والبغدادي
وغيرهما من
المنتسبين للمدرسة الكلامية الاشعرية خصوصا، هناك
تساهل
كبير في نقل الاخبار لدرجة تمرير الخرافات
والاساطير من
دون الشعور بتهافتها، وهذا قد يكون مرده الى
الايمان
والاعتقاد بحديث الفرقة الناجية،فما دامت
الاشعرية هي الفرقة
الحق والناجية، فما دونها الباطل، وبالتالي فلا
حاجة للتدقيق
في ما ينقل عن اصحاب الاهوا والباطل. والنتيجة ان
صورة
الاخر الامامي ستشوه وتحرف بما يكفي لطرحها خارج
الدائرة
الاسلامية جملة وتفصيلا.
ومن تجليات استمرار هذه الازمة التاريخية ما كتبه
المؤرخون
المعاصرون، المصريون على وجه التحديد، وهم
يعيدون كتابة
التاريخ العربي والاسلامي، لتقديمه في حلل لغوية
جديدة، لكن
بمضامين تحليلية قديمة، كترجمة شبه حرفية،يتخللها
في
الكثير من الاحيان دفاع عما روي، والبحث عن ادلة
جديدة
تدين «الاخر المخالف للاجماع».
لقد عوتب المؤرخ احمد امين من طرف علما الامامية
عندما
زار العراق، لما كتبه حولهم من «اباطيل»، لكنه
اعتذر بعذراقبح
كما يقال، اعتذر بعدم اطلاعه على المصادر
الامامية؟! وهذا ما
وقع فيه كذلك اصحاب المشاريعر القراات، كماقلنا
سابقا.
وهذا قد يجعلنا نتحدث عن «ظاهرة» تكاد تشمل مجمل
ما
يكتب في مجالات التاريخ العقائد والفقه، او
الانتاج الفكري
الاسلامي بصفة عامة. هناك اقصا مستمر للفكر الشيعي
الامامي، القديم والحديث والمعاصر، والنماذج
كثيرة نذكر منها،
على سبيل المثال، ولاهمية موضوع الكتاب: «اسس
التقدم عند
مفكري الاسلام في العالم العربي» للدكتورفهمي
جدعان، هذا
الكتاب لم يتعرض للمساهمة المتميزة لعلما
الامامية في
النجف، وعلى راسهم السيد محمد باقرالصدر مثلا،
هناك غياب
شبه كامل لما تنتجه النجف في العراق او قم في ايران.
وهذه
«الظاهرة» تجعلنا نؤكد ما ذهب اليه الدكتور حنفي
من وجود
«دوائر حضارية متمايزة»، تعمل الكتابات
التاريخية المعاصرة
على ابقائها بل وتوسيعهاانطلاقا من استثمار
الخصومة
التاريخية الطويلة، وظهور معطيات جديدة، مثل
الحواجز
اللغوية. فالعالم السني المتحدث بالعربية، لا
يكاد يعلم شيئا عن
الانتاج الفكري الشيعي الفارسي الا ما ندر، حيث
تترجم بعض
الكتابات القليلة بين الحين والاخر، وهنا يمكن ان
نتحدث عن
دائرة اوسع، لان الفكر العربي مقصر جدا في اطلاعه
وتواصله
مع الفكر والانتاج الفكري الاسلامي الاسيوي بشكل
عام. في
المقابل تتقلص مساحة الجهل بالاخر السني رالعربي،
لدى علما الامامية، سوا في العراق او ايران،
لانهم يتقنون اللغة
العربية سوا اكانوا فرسا ام تركا..
ان نتائج هذه الازمة التاريخية ظهرت واضحة في مجمل
هذه
المشاريع، وخصوصا عند الباحث المغربي محمد
عابدالجابري،
الذي وجه له المؤلف نقدا لاذعا، وهو يرد على
«هرمسية التشيع
المفترضة؟» التي اخذها الجابري عن هنري كوربان
والتي «تعود
في الاصل الى ماسينيون». كما انتقد اهماله او عدم
اطلاعه
على المصادر الاساسية لهذا الفكر،واقتصاره على كتب
الملل
والنحل الاشعرية، وما اقتبسه من المستشرقين؟! لذلك
يمكن
القول: ان الفصول الثلاثة التي جات، بعد هذا
الفصل، تعد ردا
مفصلا على الجابري، لبيان تهافت دعوى الهرمسية
والباطنية
اولا، والكشف عن النزعات او مظاهر العقلانية في
التراث
الامامي، وقبل ذلك عرضه انطلاقا من مصادره الاصلية
والاساسية، واستنطاق نصوص ائمته واقوال علمائه
ومجتهديه..
علم الكلام: موقف تميزه الوسطية
ينطلق المؤلف، في هذا الفصل، من مقدمة يعدها مسلمة
ونتيجة مستخلصة، يستدل عليها بعد ذلك من خلال
بحوثه في
علم الكلام والحكمة. هذه المسلمة تؤكد على ضرورة
معرفة
مجموعة من المقدمات العقلانية والعرفانية، لمن
ارادان تتيسر
له «معرفة احوال الاعتقاد عند الامامية»، وذلك
بسبب
المحتوى الفلسفي والعرفاني الذي تزخر به
نصوص التشيع
الامامي واقوال ائمته وعلمائه. لكن ما يميز هذه
المدرسة على
المستوى العقائدي، هو تنوع خطابها العقائدي،حيث
يجد فيه
العامي والفيلسوف معا احتياجاتهما المعرفية
والعلمية.
هذا من جهة، ومن جهة اخرى، ومع ان هذه المدرسة نشات
وترعرعت في خضم صراع كلامي وفلسفي عميق ومتشعب،
الا
انها استطاعت ان تحافظ على خصوصيتها، انطلاقا من
ايمانها
بالاصول الخمسة، خلافا للمعتزلة والاشاعرة، فهي
وان شاركت
هاتين المدرستين في التوحيد والعدل والنبوة
والمعاد، لكنها
اضافت اليهما اصل الامامة الذي رفعته «من مستوى
الفرع الى
درجة الاصل».
لم يقدم المؤلف عرضا مفصلا لارا هذه المدارس
المتصارعة
حول الاصول الخمسة، لان ذلك يخرج عن اهداف بحثه،
وانما
ركز معالجته حول «الجدل الكلامي الذي دار حول
التوحيد
والعدل» من خلال بعض المباحث الاساسية فقط. وعبر
ذلك
حاول ابراز المنظور العقائدي وآليات النظر فيه لكل
مدرسة
على حدة، مبتدئا باهم اشكالية عرفهاوعالجها علم
الكلام
الاسلامي، وهي قضية الحسن والقبح القوليين.
فالنقاش في
هذه القضية سيتمحور حول العقل بوصفه موضوعا،
متجاوزا
بعض المنطلقات الاخرى المهمة، ليصل الى محاولة
«تحديد
الموقف من العقل». الموقف الذي سيؤثر في بنا
النسق الكلامي
لكل مدرسة، وما سيتفرع عنه من التزام على المستويين
العقائدي والتشريعي،سيكون محورا لجدل طويل وعقيم
في
بعض جوانبه.
ومن خلال الموقف من العقل يظهر اهم ما تميزت به
المدرسة
الكلامية الامامية، ونقصد به «الوسطية»، فهم لم
يقولواباستغلال العقل مطلقا، لان «العقل يحتاج في
علمه
ونتائجه الى السمع»، وخلاصة موقفهم في معالجة
جميع
القضاياالمتفرعة في التوحيد والصفات الالهية
واشكاليات
التنزيه والتشبيه، وكذا العدل الالهي، تتجلى في
قول الامام
الصادق الذي لخص مذهبهم بقوله: «اما التوحيد فان
لا تجوز
على ربك ما جاز عليك، واما العدل بان لا تنسب الى
خالقك
مالامك عليه»، او كما قال الامام علي بن ابي طالب:
«التوحيد
ان لا تتوهمه، والعدل ان لا تتهمه». وليس المذهب
الامامي الكلامي سوى شرح لهذه النصوص والاستدلال
عليها
بليات النظر العقلي، لذلك قيل: «التوحيد والعدل
علويان والتشبيه والجبر امويان».
كما تظهر هذه الوسطية والتميز عن باقي المدارس
الكلامية،
في نظريتهم حول الجبر والاختيار، فالامامية قالوا
بالاختيارخلافا للجبرية، او اصحاب الكسب من
الاشاعرة،
لكنهم لم يقولوا بالاختيار المطلق كما ذهبت اليه
المعتزلة، بل
قالوا:«لا جبر ولا تفويض ولكن امر بين امرين»،
وبذلك جمعوا،
حسب قول المؤلف: «بين القول بالارادة المطلقة
للخالق
وبين الاختيار الممنوح للمخلوق على الوجه الذي
يغدو فيه
الوعد والوعيد واقعيين في نطاق عدله باعتبار حرية
المكلف ومسؤوليته». وهذا الموقف الوسط ي هو
الذي ميز
الامامية بشكل عام، سوا اكانوا فقها ام علما
كلام ام فلاسفة..
الحكمة الامامية: التمهيد للثورة العلمية المعاصرة
اهم ملاحظة يفتتح بها المؤلف حديثه عن التفكير
الفلسفي
لدى الامامية، تمثلت في ظاهرة احتضان الشيعة
للفلسفة،لكن
فلاسفة الشيعة الامامية، وان ذهبوا بعيدا في البحث
والاستنتاج بحرية كبيرة، الا ان صلتهم بالوحي
والنص (احاديث
الرسول والائمة) ظلت مستمرة وماخوذة بعين
الاعتبار، ما
جعل الفلسفة الامامية «حقا رائدة فلسفة
اسلامية خالصة» ، كما
يقول المؤلف، او كما قال عنها المستشرق هنري كوربان
«فلسفة النبوة».
ان مساهمة فلاسفة الامامية تجاوزت الموروث الفلسفي
اليوناني، لتنتقل من الشرح والاستيعاب الى
التطوير، ليس
على مستوى النقد فقط، وانما على مستوى الابتكار
والكشف
عن مفاهيم وموضوعات جديدة. خصوصا «تطوير
النظرالفلسفي
لاشكالية الوجود»، حيث سيظهر الفارق الجوهري بين
المدرستين اليونانيتين (الاشراقية والمشائية)
بشكل واضح مع
الفيلسوف الامامي صدر المتالهين الشيرازي بخصوص
«موضوع الماهية وعلاقتها بالوجود». وهذا ماسينعكس
ايجابا
على التفكير الفلسفي المعاصر، ولاهمية ما توصل
اليه هذا
الفيلسوف الامامي الذي يصفه المستشرق الالماني
ماكس
هورتن ب «واحد من عظام الرجال المجهولين في تاريخ
البشرية»، فقد حاول المؤلف بصورة موجزة عرض
مباحث
الوجود ونظرية المعرفة انطلاقا من كتب هذا
الفيلسوف،
وتقديمه انموذجا عاما يفيد «في بلورة موقف من
طبيعة المنزع
العقلاني للامامية» في مجال الحكمة. لكن من دون
اهمال بقية
الاسما اللامعة في هذا المجال، لان الضرورة
المنهجية تقتضي
ان يوضع فكر صدر المتالهين في سياقة التاريخ. فيتم
التعرض
بنوع من التفصيل لما يسميه المؤلف ب «مرحلة
الازدهار
والنشاط».
وفي خضم هذه المعالجة وهذا العرض يتوصل المؤلف، بين
الحين والاخر، لمجموعة من الاستنتاجات
والملاحظات القيمة، تصب جميعها في الكشف عن
النزعات
العقلانية داخل هذا الموروث الفلسفي «المجهول»
وغير
المعروف بمافيه الكفاية. وبالتالي غير المكتشف لدى
شريحة
واسعة من الباحثين والنقاد والمؤرخين العرب
والمسلمين.
من خلال هذه الملاحظات، او الاستنتاجات المهمة،
نكتشف
الجوانب العقلانية في هذا التراث «المجهول»،
«اسلوب الاستدماج المبدع» كما يقول المؤلف،
الذي قام به عدد
من الفلاسفة الاماميين، فالاطلاع الواسع على
الاتجاهات الفكرية المختلفة ادى الى صبها «في
قالب دقيق
يجعل من الفلسفة كما يقول المؤلف ذاتها وسيلة
لتعقيل
الشريعة لطموح جعل المعرفة ممكنة..»، وهذه التجربة
قادتهم
الى الخوض في قضية مهمة عالجها عدد من الفلاسفة
المسلمين من قبل، وهي قضية التوفيق بين الحكمة
والشريعة،
وبما انهم لم ينفصلوا عن الوحي ولقربهم من النص
الامامي،
الذي يختزن ما يمكن ان نسميه عناصر عقلانية
وفلسفية
عميقة، فقد «كانوا الاقدر على تحقيق ذلك الحلم
الكبير الذي
راودرموز الفلسفة الاسلامية منذ الفارابي حتى ابن
رشد، الا
وهو التوفيق بين الفلسفة والشريعة».
وهذه القدرة جات مشفوعة بابتكارات جديدة غير
مسبوقة في
كثير من جوانبها، خصوصا مع الملا صدرا
ونظريته المتعلقة
ب «الحركة الجوهرية»، لقد كرس هذا الفيلسوف
الامامي جهدا
كبيرا من تفكيره وانشغاله المعرفي، في
محاولة للتوفيق بين
الحكمة والشريعة، مستفيدا من تعمقه الكبير في
كليهما،
فجات بحوثه او «كتبه الفلسفية كما يقول
الشيخ المظفر
تفسير الدين، كما ان كتبه الدينية تفسيرا
للفلسفة». على ان
الاهتمام بالتوفيق بين الحكمة والشريعة لم
يكن ليستحوذ على
مجمل انشغالات الملا صدرا، لان ابتكاراته الجديدة،
انما جات
بعد اطلاع واسع على التراث الفلسفي الذي سبقه، حيث
تجاوز
اهتمامه به التهذيب وتصحيح المطالب، بل عرف بنقده
العلمي
الدقيق لعدد من الاراوالافكار، ومن ثم انطلق نحو
التجديد او
بنا صرح فلسفي «على اسس جديدة من الوعي»، او كما
يقول
المؤلف، اعاد«نظم نظرية الوجود، وفق رؤية شمولية
وبنا
فلسفي متكامل ومحكم».
لقد توصل المؤلف من خلال عرضه لفلسفة الملا صدرا
ومعالجتها وخصوصا في ابتكاراته الجديدة الى كون
هذه الفلسفة قد كشفت عن «مضامين علمية غزيرة، تمثل
اساسا لما ستشهده الثورة الثقافية والمعرفية في
تاريخنا
المعاصر،فكان ان اصل ملا صدرا مفهوم الوجود قبل كل
من
هيدغر وسارتر، حينما قال بحقيقة الموجود وظهوره
وزمانيته. كمافجر مفهوم الحركة الشاملة قبل الدياليكتيك الهيغلي والماركسي بقرون عديدة. بالاضافة الى ابتكارات اخرى كنظريته في النشوء والتطور، والميكانيكا.. كل هذا يجعل من فيلسوفنا بحق احد اكبر الممهدين المجهولين للثورة العلمية المعاصرة...
|
|---|