وكما قلنا سابقا
فالملا صدرا الذي تحدث عنه المؤلف، باعتباره
انموذجا للاشتغال الفلسفي الامامي، يمثل قمة
نضجالبحث في
المجال الوجودي، من دون ان ننسى المساهمات
التمهيدية
لكل من الخواجة نصير الدين الطوسي والحليوغيرهما
ممن
جاء بعدهما مثل الميرداماد استاذ الملا صدرا، لان
صدر
المتالهين يعد حلقة مهمة واساسية ضمنالمدرسة
الفلسفية
الامامية، التي يكشف انتاجها عن منحى عقلي عميق، لا
يمكن
الاستهانة به او التقليل من شانه، بليمكن اعتماده
والانطلاق
منه ليس فقط للتجديد، وانما لبناء رؤية متكاملة نحو
التراث
الاسلامي في كليته، بعيدا عن ايتقييم ايديولوجي
او مللي
رطائفي ضيق. ان الانتاج او الموروث الفلسفي الامامي
يشكل
افقا وامتدادا طبيعيا للفكرالفلسفي الاسلامي بشكل
عام، يمكن
الاستفادة من عناصره الايجابية لربط التراث
بالعقلانية
المعاصرة.
اصول التشريع: النزوع نحو اليقين
يتابع المؤلف رصده «لمواقع تجلي او كمون النزعة
العقلانية
في الموروث الثقافي الامامي»، وهذه المرة
سيرصدها منخلال
تتبعه لعملية تاصيل الشريعة واحوال الاجتهاد
الفقهي. لكن هذا
الرصد لم يكن متيسرا من دون التمهيد له تاريخيا،اي
محاولة
وضعه في اطاره التاريخي. وهذا يتطلب بدوره البحث في
التاريخ العام والرجوع لملابسات التدوين
للعلومالاسلامية،
والحديث عن ظهور مفهوم الاجتهاد، وحاجة المسلمين
له بعد
وفاة الرسول (ص)، خصوصا بالنسبة لاهلالسنة
والسلفية، ثم
بعد ذلك حاجة المجتمع الشيعي الامامي للاجتهاد،
بعد انتهاء
عصر الائمة وحلول زمن الغيبة.فالملابسات التاريخية
(السياسية والاجتماعية والدينية)، كان لها الدور
الكبير ليس
فقط في نشاة الاجتهاد، ولكن فيتحديد جملة من
ضوابطه
وآلياته وتوجيهه لخدمة اغراض من دون اخرى. لذلك لا
يمكن
الحديث عن ظهور الاجتهادفي الاسلام وتطوره، من دون
الاهتمام بملابسات ما سمي بعصر التدوين.
بدا التوجه الحثيث نحو الاجتهاد لدى الامامية
مباشرة بعد
غيبة الامام الثاني عشر محمد بن الحسن (المهدي
المنتظر)،لان المستجدات الكثيرة هجمت على المجتمع
الشيعي الذي كان قد تعود الرجوع الى الامام وانتظار
الفتوى
(النص)،لكن اقتحام مجال الاجتهاد والتاصيل لم يكن
بدافع
التاسيس لمراحل ما بعد النص فقط، كما يرى المؤلف،
وانما
«بدافعملا فراغ الغيبة وتوفير الحد الادنى من
الاحكام الظنية
للمكلفين في انتظار عودة الحكم الواقعي مع نهاية
زمن
الغيبة».
ومع ان حركة التاصيل وممارسة الاجتهاد جاءت متاخرة
لدى
الامامية، الا انهم سرعان ما سيبلغون به قمة اوجه،
فيالوقت
الذي اغلق فيه باب الاجتهاد لدى اهل السنة والسلفية
بامر
سياسي، ودخل المجتمع السني عصور التقليدوالجمود.
ان اهم ما يميز المدرسة الامامية في مجال التشريع،
ويعطى
للاجتهاد بعدا شرعيا متميزا، هو النزوع نحو
اليقين،ومحاولة
تجنيب الشريعة الوقوع في الخطا. فالاجتهاد هنا هو
منطق
عقلي تتم الاستفادة منه في محاولة للوصول
الى«اليقين»
التشريعي، وقد استفاد مفهوم الاجتهاد لدى الامامية
من
نظرتهم المتميزة للعقل، لان «مجال الشريعة
والعقلمتماهيان
في المنظور الامامي» كما يقول المؤلف، لذلك فنحن
امام
مدرسة اجتهادية جديدة تلتقي مع المدارس
الفقهيةوالاصولية
الاخرى في عدد من المنطلقات والنتائج، لكنها تتميز
عنها
كذلك في عدد من التفريعات والابتكاراتالجديدة،
انطلاقا من
مكانة العقل عند الامامية وعدم توجسهم من آليات
النظر
العقلي، اثناء عملية استنباط الحكمالشرعي، لان
الدليل العقلي
سيوضع في اطار «مسوغات امامية خالصة».
وعليه، فاقحام النظر في مجال التشريع، لم يعد حكرا
على
المدارس السنية، الا ان مغامرة الاجتهاد القاسية
التي
خاضهاالامامية، بحثا عن اليقين وسد الفراغ النصي،
جعلتهم
يطورون مباحث الاجتهاد بشكل كبير، مستفيدين من
منجزاتالمدارس السنية التي كانت قد خلدت الى
النوم بسبب
الخطر السياسي. وبالتالي ومن خلال تتبع المؤلف لهذه
التجربة،استطاع ان يكشف عن «احد اهم العناصر
المحددة
للنزعة العقلانية في هذه التجربة الامامية ومن
خلال
آلياتالاشتغال الاجتهادي الامامي الا وهي النزعة
الى
اليقين».
لقد استشعر علماء الامامية بان آليات الاجتهاد
«عاجزة عن
احراز اليقين» فاستعاضوا عنها بالمصلحة السلوكية
«القاضية برفع الحرج عن المكلف»، وهذا الاختيار
لا ينفي ازمة
اليقين او يحسمها، لكنه يدفع باتجاه «الاطمئنان
الى حقيقة
نسبية في اطار رؤية براغماتية» كما
يرى المؤلف.
واخيرا: ان التصور الامامي المتجلي في مباحث الكلام
والحكمة
واصول التشريع يظهر كيف استطاع الامامية
بلورة«عقل
برهاني جبار»، كما يكشف كما توصل الى ذلك المؤلف عن
رؤية شمولية يتداخل ويتعايش فيها
المعقولوالروحي، بحيث
من الصعب على الباحث ان يقوم بمجازفة للتفكيك
بينهما
لمعرفة النشاط العقلي وتمظهره في هذهالمجالات
المعرفية،
لذلك يتحدث المؤلف عن مقاربة يصفها
ب«المغامرة»،
فالباحث هنا لا تعترضه اشكالات منهجيةفقط، وانما
يجد نفسه
امام اشكالات موضوعية داخلية، فهذا التراث ظل
مهمشا
وممنوعا، وبالتالي فالبحث عن مظاهراو نزعات
عقلانية فيه،
هو نوع من البحث عن «المعقول في الممنوع» كما يقول
المؤلف.
ليس باستطاعتنا الاحاطة بكل ما جاء في الكتاب، ولو
رمنا
الاختصار والايجاز، لان المباحث التي عالجها
متداخلةومتفرعة، وتمتد في حقب زمنية طويلة، اي
قرابة
(1000 سنة). ولم يكن غرضنا كذلك ان نعرض محتويات
الكتاببشكل كامل، لكننا حرصنا على فتح مجموعة من
النوافذ، تجعل القارى يطل من خلالها على اهم ما
عالجه
المؤلفخلال هذه المقاربات المختلفة، علنا نوجد
لديه رغبة ما
للاطلاع المتكامل، ليس فقط على محتويات الكتاب،
وانمامحاولة الاطلاع والبحث عن هذا التراث
«الممنوع»
و«المجهول»؟! والذي ظل محاربا بشتى الطرق، ومن
بينها
الحديثعنه بوساطة خصومه واعدائه، ما ادى الى
تحريفه، ومن
ثم انتشرت حوله تصورات مغلوطة، لا علاقة لها
بالحقيقةوالواقع. وقد ادرك المؤلف هذه الحقيقة، ولعلها كانت السبب وراء كتابه، للمساهمة في رفع الظلم التاريخي عن هذا القسم منالتراث الاسلامي الذي من دونه لا يمكن لاصحاب المشاريع النهضوية العربية والاسلامية، الادعاء بانهم ينطلقون منارضية تراثية شاملة للتاسيس لعقلانية معاصرة تدفق الحياة في شراييننا الحضارية من جديد، وتخرجنا مما نحن فيه منتخلف وانحطاط حضاري شامل. قراءة في كتاب: «المذاهب
الاسلامية الخمسة، تاريخ وتوثيق»
المهندس: نبيل علي صالح
المذاهب الاسلامية الخمسة
(الامامي، الحنفي، المالكي،
الشافعي، الحنبلي)
تحظى مسالة التقريب بين المذاهب الاسلامية، التي
تشكلت
عبر عهود طويلة من الممارسة التاريخية
الفكريةوالاجتماعية
والسياسية، باهتمام بالغ بين مختلف الاوساط والنخب
الفكرية
والثقافية العربية والاسلامية، ولا تزال
هذهالقضية، وستبقى،
حارة وساخنة بامتداد الايام وتقادم الزمن... ونحن
نشعر بان
مسالة التقريب المطلوبة هي خيارالمسلمين الذي يفرض
على
الفعاليات المختلفة، في العالم الاسلامي، ان
تتوافر على
دراسته ووعيه بعمق ومسؤوليةلتضع ركائزه الثابتة
والصلبة.
ضمن هذا السياق ياتي هذا الكتاب محاولة فكرية جادة
على
طريق بناء اجواء الثقة والتقريب الواقعية، وهو
مؤلف منخمسة
اقسام، خصص كل قسم منه للحديث الفكري والتاريخي عن
مذهب من المذاهب الاسلامية. لذلك ستكونالبداية
استعراضا
سريعا ومكثفا لمختلف اقسامه وبحوثه، ثم سنحاول
تقديم رؤية
تحليلية نقدية عامة موجزة لبعضطروحاته وافكاره.
القسم الاول: المذهب الامامي
كتب هذا القسم د. عبد الهادي الفضلي، وهو استاذ في
جامعتي
الملك عبد العزيز بجدة، والجامعة الاسلامية بلندن
يستعرض المؤلف، في بحثه هذا عن المذهب الامامي،
الارهاصات الاولى لبداية نشوء مذهب اهل البيت (ع)،
وتكونهوتطوره، محاولا اثبات اقدمية هذا المذهب
الفقهي
والعقائدي، ومؤكدا على ان التاريخ لنشاته بعامة،
يعني، في
الوقتنفسه، التاريخ لنشوء مذهب السنة. وهذا يعني
وجود
اتجاهين تشريعيين اطلق على الاول منهما، وهو منهج
الامام
علي(ع)، «منهج النص»، وعلى الثاني منهما، وهو منهج
عمر،
«منهج الراي». ومعنى هذا كما ذهب اليه الدكتور
الفضلي
انالمفكرين المسلمين وقفوا من نصوص الكتاب
والسنة،
بوصفهما مصدرين للتشريع الفقهي، موقفين هما:
1 راى بعضهم ان آيات القرآن الكثيرة، واحاديث
الرسول (ص)
الواردة في مجال التشريع وبيان الاحكام الفقهية،
وافيةبذلك،
ولا تحتاج معها لاضافة مصدر آخر اليها (مدرسة النص).
2 ذهب آخرون الى عدم وفائها، والى حاجة الفقيه
للرجوع الى
مصدر آخر يضاف اليها (مدرسة الراي) (ص 17).
بعد ذلك، يقوم الكاتب باجراء مقارنة فكرية (عملية)
بين
المنهجين الفقهيين السابقين، فيعرض في البداية
بعضالمسائل (حوالى 20 مسالة) التي اخضعها بعض
الصحابة
لاجتهاد الراي، حسما للخلاف والجدل القائم في فهم
معنىالراي، وتحديد مفهومه، واطاره الخاص والعام.
وفي مرحلة تالية ينتقل الكاتب الى بسط ادلة مدرسة
الراي،
ومناقشتها، ونقد ركائزها وقواعدها (ص 49 63).
ويخلص المؤلف، بعد ذلك، الى نتيجة مفادها ان
الاختلاف في
الدراسات الفكرية بين العلماء المسلمين بدا في
اطارالطابع
العلمي في النقاش والحوار، ثم تحول الى منهج علمي،
فمدرسة علمية، فكان ما عرف بمدرسة اهل البيت
(ع)ومدرسة
الصحابة.. واستمر الوضع على هذه الحال حتى عهد
معاوية
الذي كان مسؤولا، بشكل مباشر، عن تحويلالمدرستين
الفكريتين السابقتين الى طائفتين: طائفة السنة
وطائفة
الشيعة (ص 64 و65).
ينطلق الكاتب، بعد هذا، الى الاجابة عن تساؤل هام
يتعلق
باعتماد الامام زيد بن علي في الكتاب المنسوب
اليه(مجموع
الفقه) على مدرسة الحديث والراي، وهو من فقهاء
وعلماء آل
البيت.. حيث يقف المؤلف موقفا سلبيا منالكتاب
المذكور،
بسبب منهجه الفقهي القائم على قواعد مدرسة الراي
والحديث، معتبرا ان راوي الكتاب (ابو خالدعمرو بن
خالد
الواسطي) لم تثبت وثاقته (ص 66).
ويعرض المؤلف، بعد اجابته تلك، عاملين اساسيين
ساهما
مساهمة فاعلة: احدهما في رفض الراي، والاخر في
قبولالراي،
هما: تدوين الحديث وروايته، والمنع من تدوين الحديث
وروايته.
حجية المذهب الامامي
يعتمد الدكتور الفضلي، في فهمه لادلة الاعتقاد
بصحة
المذهب الامامي، على ركيزتين اساسيتين هما: القرآن
الكريم،والسنة الشريفة المروية عن طريق اهل البيت
(ع)،
وادلتهم هنا كثيرة.. وقد اكتفى الكاتب باستعراض
ابرز تلك
الاحاديثواهمها: (الثقلين، الغدير، سفينة
النجاة، الاثني
عشر..) ولا ينسى الباحث «د. الفضلي» ان يلفت نظر
القارى الى
ضرورةمطالعة بعض المدونات والكتب الاساسية
السنية
والشيعية التي اوردت بحوثا كثيرة في صحة وحجية
اسانيد
الاحاديثالسابقة (ص 77 106).
معتقدات المذهب الامامي
يقوم المذهب الامامي في المشهور العام على اصول
عقائدية
اربعة: ثلاثة منها يعتدونها اصول دين، وهي
التوحيدوالنبوة
والمعاد. وواحد اصل مذهب، وهو الامامة بمعناها
الخاص، الذي
يعني الاعتقاد بامامة الائمة الاثني عشر.
ويمر الكاتب، بشكل سريع، ببعض ما عرفت به الامامية
مما له
ارتباط معين بعقيدة التوحيد كنظرية البداء في علم
اللّهتعالى،
ونظرية الاختيار في ارادة الانسان، او مما له علاقة
بقضية
الامامة في امتدادها الرسالي في حركة الحياة،
كفكرةعقيدة
المهدي المنتظر (عج)، وكذلك فكرة التقية وضرورة
استعمالها في بعض الظروف التاريخية السياسية
الضاغطة(ص
114 138).
يشير الدكتور الفضلي، في نهاية بحثه، الى مسائل
اساسية يراها
مكملة لعناصر الدراسة، بل وضرورية لاظهار
حقيقةالمذهب
الامامي، وهي:
1 موقف الامامية الايجابي المثمر من الفرق
الاسلامية (ص
138 و139).
2 المراكز الرئيسية للمذهب الامامي، واهم مدارسه
الفقهية
والتشريعية والعلمية (ص 139 155).
3 اهم مدونات البحث الفقهي والكلامي والعقائدي في
الاسلام عند كبار الفقهاء والمحدثين والاصوليين
الشيعة
(ص155 179).
ويخلص المؤلف الى تقديم تبويب عام ومشهور لموضوعات
الفقه الاسلامي الامامي لدى معظم علماء
الشيعة،ويعرض، في
الوقت نفسه، لتجديد هذا التبويب وتطويره على يد
الامام
الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض) الذيقدم تبويبا
جديدا
مغايرا لمنهجية التبويب الفقهي القديمة المعروفة،
من خلال
تصنيفه لموضوعات التشريع والفقه الىاربعة اقسام:
1 عبادات، 2 اموال (خاصة وعامة)، 3 سلوك خاص، 4
سلوك عام. لكن، وبكل اسف، لم تمتد الايام بشهيدنا
السعيد(قدس سره) لاكمال مؤلفه القيم «الفتاوى
الواضحة»
الذي تضمن التبويب السابق، حيث هوى (رض) من على
منبرهشهيدا كريما وعظيما.
القسم الثاني: المذهب الحنفي
كتب هذا القسم د. محمد وفاريشي، وهو استاذ في كلية
الشريعة، جامعة دمشق في سوريا.
قسم الباحث موضوعه عن تاريخ المذهب الحنفي الى ستة
مباحث، يعطي في الاول منها لمحة موجزة عامة عن
حياةمؤسس المذهب «النعمان بن ثابت بن
المرزبان»، وطبيعة
ظروف عصره، واهم شيوخه وتلامذته، ومكانته
العلميةوالتاريخية، وابرز آرائه العلمية
والفقهية (ص 197
248).
وفي المبحث الثاني يستعرض المؤلف اصول المذهب
الحنفي
التي يراها قائمة تاريخيا على الاسس
والمعطياتالتالية:
1 القرآن الكريم، 2 السنة النبوية، 3 الاجماع، 4 قول
الصحابي، 5 القياس، 6 الاستحسان، 7 العرف (ص 249
300).
اما في المبحث الثالث الذي حمل العنوان التالي:
«خصائص
المذهب الحنفي وما تفرد به» فيرى الكاتب ان
للمذهبالمذكور خصائص نوعية تميزه من غيره، وهي
حسب
رايه:
1 شوروية المذهب، 2 امتزاج الحديث بالراي، 3
استقلاليته
بمنهج خاص في اصول الفقه، 4 اعتداده
بالفقهالافتراضي
(محاولة التعرف على حكم الشيء او الواقعة قبل
الوقوع، للعمل
بهذا الحكم عند اللزوم) (ص 301 310).
وفي المبحث الرابع اراد المؤلف ان يعرض لامر يصفه
بالهام
وهو ان المذاهب الفقهية الاسلامية ليست مجرد
آراءوافكار
ونظريات ظهرت في يوم من الايام على لسان آحاد
الناس، كما
هو الشان في كثير من المذاهب القانونية
اوالاقتصادية او
السياسية او الاجتماعية او الفلسفية او غيرها من
المذاهب
البشرية الوضعية (ص: 311 312).
بعد ذلك يحاول الدكتور محمد اعطاءنا اشارات
وتلميحات
سريعة عن اهم ما كان في المذهب الحنفي بعد وفاة
ابيحنيفة،
نافيا ان يكون هذا الامتداد والتوسع في المذهب
الحنفي، وفي
كثير من مفرداته وعناوينه، هو ذاته ما كان
تركهابو حنيفة عند
موته. وهذا ما حدا بالمؤلف ان يمنهج مبحثه الرابع
كما يلي:
اولا: امتحان اصول المذهب الحنفي وفروعه عمليا.
ثانيا: ظهور الفقهاء المجتهدين في المذهب.
ثالثا: ظهور الفقهاء المرجحين في المذهب.
رابعا: نشاة القواعد الفقهية الكلية في المذهب
وتطورها.
وهنا يطرح المؤلف امامنا اكثر من مئة وخمسين قاعدة
فقهية
وردت في كتاب «الفرائد البهية في القواعد
والفوائدالفقهية»
للشيخ محمود حمزة (مفتي دمشق في عهد السلطان عبد
الحميد)، وذلك للدلالة العملية على تطور
القواعدوالابنية
الفقهية الحنفية، معتبرا انها تشكل عماد الفقه
واساسه (ص
316 326).
خامسا: صياغة الفقه الحنفي وفق التقنيات الحديثة.
سادسا: تطور منهج الاستدلال والعرض الفقهي في العصر
الحالي.
سابعا: نماذج من تطور المذهب الحنفي مراعاة لاختلاف
البينات وظروف الحال (ص 330 333).
وفي المبحث الخامس الذي يتضمن لمحة سريعة عن انتشار
هذا المذهب وذيوعه، يتعرض المؤلف الى العوامل
التيساعدت
وساهمت بحسب رايه في انتشار المذهب (ص 335 341).
اما المبحث السادس والاخير فقد افرده المؤلف
للاشارة الى
اهم المصادر الفقهية الاصولية المعتمدة في
المذهبالحنفي
(ص 343 360) وبيان قواعد الترجيح ومصطلحاته عند
الاختلاف في الروايات (ص 361 363).
القسم الثالث: المذهب المالكي
كتب هذا القسم الاستاذ محمد سكحال الجزائري، وهو
عالم
من علماء دمشق، وراجعه واشرف عليه: د. بديع
السيداللحام.
قسم المؤلف بحثه الى ستة فصول رئيسية، وبنى كل واحد
منها على مباحث عدة. والفصل الاول يقدم لنا نبذة
سريعةومختصرة عن حياة مؤسس المذهب «الامام مالك
بن
انس» ، وعصره، وشيوخه، وتلامذته، ويشير الى اشهر
آرائهالفقهية (ص 371 380).
وفي الفصل الثاني (وهو بمثابة مركز البحث وقلبه)
يتعرض
الكاتب للاصول الفقهية العامة التي يتقوم بها
المذهبالمالكي،
ممهدا لذلك باستعراض تاريخي مقتضب عن كيفية نشاة
هذا
المذهب. ويرى الباحث ان الاصول العامة
للفقهالاسلامي لا
تختلف بين المذاهب المتبعة بالنسبة لمصادر التشريع
الاربعة
(الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس) وانماوقع
الخلاف برايه
في كيفية الاستثمار والاستفادة من هذه الاصول، وفي
الادلة
التبعية الاخرى.
ويعتقد المؤلف هنا ان مذهب مالك يمتاز عن غيره من
المذاهب بخصيب قواعده الفقهية العامة والخاصة التي
ضمنتفي مصنفات، وعبرت عن الخطط الاجمالية لفقه
المذاهب. . واما الادلة التي بنى عليها مالك مذهبه
واجتهاده
الفقهيفهي، كما يقول المؤلف: 1 القرآن الكريم، 2
السنة
وشروط العمل بها عند المالكية، 3 الاجماع او
التحقيق في
مسالة«اجماع اهل المدينة»، 4 القياس، 5
الاستحسان، 6
عمل اهل المدينة، 7 المصالح المرسلة، 8 سد الذرائع، 9
مذهبالصحابي، 10 مراعاة الخلاف (ص 381 422).
اما في الفصل الثالث فقد سجل الكاتب اهم خصائص
المذهب
المالكي ومميزاته، عارضا فيه بشكل عام
للترتيبالفقهي
للموضوعات والمصطلحات الاصولية المستخدمة، وعلم
التوثيق المالكي، والقرائن الموجودة عند
المالكية(ص 423
434).
وفي الفصل الرابع يتناول المؤلف تطور هذا المذهب من
خلال
الادوار التي دخل فيها (نشاته، تدوينه،
الاختصاراتالفقهية،
دور الجمود والضعف) (ص 435 466).
وفي الفصل الخامس يسجل الكاتب اسماء اهم المراجع
والمظان الفقهية التاريخية المعتبرة في المذهب
والخاصةبيات الاحكام (احكام القرآن، واحاديث
الاحكام،
ومراجع الفقه المجرد) (ص 467 473).
وطالما ان البحث، اساسا، ذو بعد تاريخي لا ينسى
المؤلف، في
الفصل السادس والاخير، ان يعرض لانتشار
المذهبالمالكي
وامتداده الى بعض البلدان العربية والاسلامية (ص 475
482).
القسم الرابع: المذهب الشافعي
كتب هذا القسم د. وهبة الزحيلي، وهو رئيس قسم الفقه
الاسلامي ومذاهبه في كلية الشريعة، جامعة دمشق.
في هذا القسم من الكتاب، الخاص بالامام الشافعي
ومذهبه
الفقهي، يقدم لنا الدكتور الزحيلي اضاءات تاريخية
مكثفةوغنية
عن مؤسس المذهب، وخصائص المرحلة الزمنية التي
عاصرها،
وطبيعة مذهبه الجديد في مصر. ويطلعنا علىمجموعة
من
آرائه الفقهية المستحدثة، ويعدد في السياق نفسه
اسماء
بعض شيوخه، واساتذته، وتلامذته، مظهراتاثيره في
نهج التفكير
الاسلامي، في مقاومته للفكر الاعتزالي قديما،
والفكر العلماني
حديثا، وتبيانه منهج البحث عنالمعرفة عند
العلماء المسلمين،
واعتباره اساسا لاصول الفكر العلمي بصورة عامة (ص 491
506). بعد ذلك يتناولالكاتب الاصول العامة للفقه
الاسلامي
وفق التصور والرؤية الفكرية الشافعية (الكتاب،
والسنة،
والاجماع، وقولالصحابي، والقياس..) معتبرا ان
الامام الشافعي
قد اسس علم اصول الفقه على قواعد واضحة، ومنهج
معروف
يتميز بهمن غيره بالجدة، والاستقلالية، والوضوح،
(ص 510
521) وشدة التزامه بالضوابط الفقهية والقواعد
الكلية،
والاحتياطفي الدين، وتمحيص الاحكام الشرعية،
والتدقيق في
جميع الاراء والاقوال الفقهية.. الخ (ص 522).
اما الخصائص الاساسية لهذا المذهب، وما انفرد به،
فقد اوضحها
المؤلف في النقاط التالية:
1 بناء الفقه على الاصول (ص 522 525).
2 الجمع بين فقه الحجاز وفقه العراق، او بين مدرسة
الحديث
ومدرسة الراي (ص 526 528).
3 التزام القياس ورفض الاجتهاد بالراي (ص 528 530).
4 العمل بظواهر الشريعة (ص 530 532).
اما ماتبقى من هذا البحث الموجز، في استعراضه
«التاريخي
الفقهي»، فقد خصصه المؤلف للحديث عن الامور
الاتية:
1 تطور المذهب الشافعي بعد وفاة الامام الشافعي (ص 533
536).
2 المراجع الفقهية المعتبرة في المذهب (ص 536 541).
3 انتشار المذهب الشافعي في العالم الاسلامي، مع
اظهار
الاسباب الموضوعية والشخصية الموجبة براي الكاتب
طبعا
التي ساعدت على انتشاره وتوسعه (ص 541 545).
4 صفات الشافعي العقلية والعلمية والدينية
والاخلاقية (ص
549 557).
5 الشافعي مجدد القرن الثاني (ص 557 558).
القسم الخامس: المذهب الحنبلي
كتب هذا القسم د. اسامة الحموي، وهو استاذ في كلية
الشريعة،
جامعة دمشق.
اعد الكاتب بحثه التاريخي هذا ضمن ستة مباحث
رئيسية، اتبع
فيها كما يظهر الاسلوب المنهجي نفسه الذي سارعليه
الباحثون في الاقسام السابقة.
ففي المبحث الاول يتحدث الدكتور الحموي عن المذهب
الحنبلي معرفا بمؤسسه الامام احمد بن حنبل
(مولده،نشاته،
معيشته)، واسماء بعض اساتذته، وتلامذته، ومستعرضا
بعض
آرائه في العقائد، والسياسية، ومكانته في
الفقهوالحديث (ص
569 588).
في المبحث الثاني يتعرض الكاتب لاصول الفقه عند
الامام
احمد من خلال اعطاء وصف تمهيدي عام وشامل
للفقهالحنبلي، مع ذكر اهم اصول الاستنباط الفقهي
عنده
وخصائصه، وهي كما يوردها المؤلف:
1 الكتاب والسنة (النصوص)، 2 السنة، 3 فتوى الصحابي، 4
فتوى التابعي، 5 الاجماع، 6 القياس، 7 الاستصحاب، -8
الصالح، 9 الذرائع (ص 589 604).
اما المبحث الثالث فيدور حول خصائص المذهب الحنبلي
وما
تفرد به من مزايا خاصة. وعن تطور المذهب
الحنبليحدثنا
المؤلف، في مبحثه الرابع، معتبرا ان هذا المذهب
الذي اخذ
بالمصالح المرسلة وبذرائع الاستصحاب وعملبها،
فكان ذلك
احد اسباب نجاحه وتطوره وخصوبته من اوسع المذاهب
الفقهية في اطلاقه الحرية التعاقدية بسبباخذه
بمبدا
الاستصحاب، واصل الحل العام في الاشياء، ما لم يرد
دليل من
النصوص على المنع (ص 605 606).
اما المبحث الخامس فقد خصصه الكاتب للحديث عن
الانتشار
القليل للمذهب الحنبلي بسبب تشدد اصحابه
فيالتطبيق،
وابتعادهم عن السلطان والولاة، ايثارا لجانب
التعلم والتدريس،
وبعدا عن مواطن الفتن (ص 611). وينهيالمؤلف عرضه
التاريخي السابق بذكر سريع لاهم المؤلفات والمراجع
والكتب
المعتمدة في هذا المذهب (ص - 618).613
رؤية نقدية تحليلية عامة
يمثل هذا الكتاب بادرة فكرية طيبة لها اثر روحي
بالغ وكبير.
واراني، بغيه بلوغ الافضل، مضطرا الى تسجيل
بعضالملاحظات النقدية الضرورية تعليقا على جملة
الافكار
التي طرحت في سياق البحث ككل.
1- يمثل الكتاب في عقيدتي محاولة اولية جادة وجريئة
في
البحث الفكري التاريخي، واضافة معرفية نوعية
للفكرالاسلامي
الاصيل الخاص بالتقريب بين المذاهب الاسلامية، كما
انه
يؤسس رغم التحفظات الفكرية والتاريخية التييمكن
ان
تسجل عليه لمرحلة جديدة من النشاط والفعالية
الثقافية
المطلوب العمل عليها حاليا ومستقبلا في مايتصل
بضرورة
تقليص الهوة الواسعة والتباعد القائم بين مفكري
المذاهب
الاسلامية ومثقفيها وعلمائها، ومحاولة
ازالةالالتباس وسوء
الفهم التاريخي والمعرفي الراسخ والقابع بقوة في
داخل
الذهنية الفكرية الاسلامية، شيعيا وسنيا علىحد
سواء. ونعتقد
ان اللقاءات العامة والخاصة (في ندوة فكرية، او في
تاليف
كتاب.. الخ) بين القيادات والفعاليات وبقيةافراد
الامة من
المذاهب المختلفة يمكن ان تساهم مساهمة فاعلة
وكبيرة في
تذويب الجليد، وتوضيح بعض معالمالصورة الحسنة
والايجابية،
وازالة الغموض القائم، وتقريب وجهات النظر، وتاليف
القلوب،
ومد جسور الثقة، وقيامالاحترام المتبادل بين
المدارس
والمذاهب الفقهية الاسلامية.
وقد استفاد الاستكبار العالمي وبعض مواقعه الحليفة
له في
المنطقة من الواقع اللاوحدوي الماساوي المرير
الذييزداد
انقساما وتفسخا يوما بعد يوم في طبيعة التمزق
الوجداني
المذهبي، او عقلية النزاع المتجذرة في العمق
اللاواعيمن
ذهنيتنا، والتخلف الثقافي والسياسي والاجتماعي في
التصور
والحركة والامتداد ونسيج العلاقات الخاصة
والعامة،فعمل على
اثارة القلاقل، والمشاكل، والخلافات المذهبية حتى
بين اتباع
المذهب الواحد الى درجة التقاتل والتذابح آكما
يحدث الان في
افغانستان وتعقيد العلاقات الحركية وايصالها الى
مستوى
القطيعة ونقطة اللاعودة، حتى لم يعدلدينا عالم
اسلامي
متكامل بالمعنى السياسي او الفكري الذي يمكن ان
يلتقي
عليه المسلمون من شتى المذاهب آعلى قضاياهم
الحيوية،
وتطلعاتهم الثقافية، واوضاعهم السياسية في كل
علاقاتهم
الواقعية ببعضهم. ولعل البيتالشعري التالي يعبر
اصدق تعبير
عن الواقع الاسلامي ماضيا وحاضرا، واخشى ان اقول
مستقبلا.
وتفرقوا شيعا فكل قبيلة
فيها امير مؤمنين ومنبر
2 لقد لاحظت، من خلال متابعتي للكتاب، وجود اتجاه
سائد
لدى العلماء الباحثين الخمسة جميعهم، في اظهار
نصاعةمبادى التاريخ الفقهي للمذاهب الاسلامية
واشخاصها
الذين تسمت المذاهب باسمهم، مع تغافل شبه كامل
عدابعض المحاولات الجريئة عن البعد التاريخي
الاجرائي
الواقعي في طبيعة المعالجات النظرية والمبدئية
التاريخيةالموضوعية. وقد يصل الامر، في بعض
الاحيان، الى
حد تغييب كامل للواقع بكل اثقاله، وقيوده،
وعوائقه،
ووزنه،الامرالذي يؤدي الى تضييع الامكانيات، وهدر
الطاقات
والمواهب.
ان امتلاك الباحث قدرة وارادة فكرية وعملية واعية
على
التعاطي الايجابي مع واقعه التاريخي الذي يعمل
علىدراسته
وتحليله والتنقيب فيه يكسب دراسته وعيا وامتدادا
وتجذرا
في ساحة الواقع، من خلال الربط المنطقيالموضوعي
المنتج
بين المثال والواقع، والتعامل مع التاريخ
بواقعيته، وجدلياته،
وقوانينه وارتباطاته العلية
والمعلولية،ومتطلباته فكرا ومسلكا
والا فان الافق مغلق والطريق مسدود، او ربما تقودنا
ان
فتحناها بقوة الى الفصل البائنوالخطير بين مثل
اعلى
منتظر لا نملك بلوغه لانه خارج ارادتنا البشرية
المحدودة،
وخارج التاريخ، وبين واقع نسبيشائك لا نملك
القدرة الكافية
للتحكم بمساراته، لان فكرنا المستقبلي يجد حرجا في
التعامل
مع آلياته الواقعية، فنبقىنعيش على هامش التاريخ
ليحتله
الاخرون.
اننا نريد لكتاباتنا التاريخية، خصوصا في مجال
الفقه العلمي، ان
لا تعمل على كتابة التاريخ من خلال الرؤية
الساذجةالتي تعتقد
ان بوسعها حل خلافات التاريخ بطريقة النوايا
الحسنة، والارادة
الطيبة، والبلاغة اللغوية الانشائية، كما اننا آفي
الوقت نفسه
نرغب في الا تكون تلك الكتابات، مجرد بيانات
تاريخية مثالية
تعيش خارج نطاق الزمان والمكان،تماما كما حدث مع
كثير
من الاخوة الباحثين في الكتاب المذكور، بل يجدر بنا
ان نفكر
بعقلية تاريخية قريبة الى واقعالانسان النسبي.
نفكر بان التاريخ
الثقافي والسياسي المعقد الذي عايشناه في تجاربنا
السابقة
ولا يزال قائما حتىاللحظة في طبيعة الجدل
التاريخي الدائر
بين علماء المسلمين في مذاهبهم المتعددة قد يكون
ناتجا
عن فقدانالروحية الحوارية الواقعية في فهم
التاريخ بفكره،
ومعارفه، واشخاصه، وتياراته.. لان هذه الروحية هي
من اهم
وسائلاكتشاف الحقيقة بالتعاون مع الاخر الذي هو
انت او انا،
وذلك بالاستماع لا السمع الى وجهة نظر التاريخ الذي
نريدمعالجته او نقده ودراسته، بفكر منفتح، وعقل
بارد.
وكذلك القيام من خلال هذه الروحية الحوارية باجراء
بحوثودراسات تاريخية وفقهية مقارنة جادة كمحاولة
علمية
عملية يمكن ان تساهم في احتواء آثار واخطار
الخصوماتوالنزاعات المذهبية التاريخية، وازالة
سوء الفهم،
كما قد تكشف عن سلامة القصد، وصحة المبنى، واستقامة
الادلة، وتصويب المسارات. وحينئذ يمكن اكتشاف مدى
اصالة
الدليل وصحته، وهذا بدوره يسهم بصورة واعية في
التلفوالاحترام الروحي والفكري المتبادل.
3- هناك حقيقة تاريخية موضوعية حاول بعض الباحثين في
الكتاب اغفالها، وبعضهم الاخر تقصد نفيها عن
مذهبه،وهي ان
مذاهب اهل السنة والجماعة عموما قد نمت وترعرعت في
ظل
نعيم السلطة السياسية، وتغذت بطعامهاوشربت من
مائها، كما
يقولون، وقد ادى ذلك الى سعة انتشارها، وفرضها على
الجماهير المسلمة من خلال توليرموزها، ودعاتها،
والمؤمنين
باجتهاد اصحابها، لمناصب سلطوية وحكومية كان اهمها
منصب الافتاء والقضاء. وفيهذا الصدد يؤكد شاه ولي
الدهلوي،
في كتابه «حجة اللّه البالغة، ج: 1 ص 151) ان اي مذهب
كان
اصحابه مشهورين،واسند اليهم القضاء والافتاء،
واشتهرت
تصانيفهم بين الناس، ودرسوا درسا ظاهرا انتشر في
اقطار
الارض، ولم يزلينتشر كل حين. واي مذهب كان اصحابه
خاملين، ولم يولوا القضاء والافتاء، ولم يرغب فيهم
الناس،
اندرس بعد حين».
وهناك ملاحظة هامة تتعلق بالحديث السابق حول
علاقات
السلطات السياسية الحاكمة بالمذاهب الاسلامية
لاهلالجماعة
وهي اننا عندما نتحدث عن العلاقة بين السياسة
والمذهب فاننا
لا نتحدث عن مسالة تسييس هذا المذهبضد المذهب
الاخر
او بالعكس، وانما نقصد عصبية هذا المذهب وتحكم
السياسة
به، وتوجيهه ضد المذهب الاخرليقمعه ويلغيه، وهذه
مشكلة
قائمة وموجودة على مستوى الواقع السياسي
والاجتماعي.
ونحن في هذا المجال لانقف موقفا سلبيا من حكم اية
جماعة تتبنى باقتناع ووعي كاملين مذهبا معينا
بذاته، لان
معنى ذلك هو حكم الاسلامفي هذا البلد ولو بطريقة
معينة،
ولكن علينا هنا ان ندخل في عملية توعية هذه الجماعة
وترشيدها، وتوجيهها بان تكونللمسلمين جميعا، ولا
تحاول
فرض عصبيتها المذهبية على الواقع الاسلامي كله.
4- من المعلوم بالنسبة للجميع ان للتاريخ في حياة كل
امة
دوره الحيوي والحركي الهام في نموها، وتقدمها،
وتطورها،وخلودها في مدى الزمان كله، كونه يمثل
نقطة
الانطلاق الاساسية في عملية البناء الحضاري لامتنا
الاسلامية
فيمعركتها الحاسمة ضد مواقع التخلف والانقسام
الروحي
والمفاهيمي. لكن التاريخ المعني بهذه الحقيقة هو
التاريخ
الذييجنب الامة كثيرا من المزالق، والمخاطر،
والاخطاء،
والتجارب المرة، بما يقدمه لها من تجاربها الماضية
في
مراحلنموها الاولى، وما تختزنه تلك التجارب في
داخلها
من دروس عملية كثيرة مفيدة، تستطيع ان تضع يديها من
خلالذلك بوعي على مواقع الضعف، ومراكز القوة في
شخصيتها، وفكرها، ورسالتها التي عاشتها في تلك
الادوار.
وهناك يكون الطريق اكثر وعيا، واشراقا، وارحب
آفاقا وامتدادا
في ساحة الحياة مما لو انطلقت تلك الامة فيه
علىغير
هدى التاريخ. لكن ذلك لا يمكن ان يتحقق او يتحرك
عمليا
على الطريق الصحيح ليكتب له النجاح والتوفيق
الاباجراء
دراسة واعية لتاريخنا الماضي برموزه، وعناوينه
وافكاره،
وشخصياته دراسة استقرائية غائية تؤمن
بضرورةتنقية اجوائنا
التاريخية من التراكمات الذاتية والشعاراتية في
اطار التعامل
معها بلغة المنطق والعقل (لكل ظاهرة سببهاالطبيعي). وهذه امنية موضوعية واقعية كنا نتمنى لكتابنا الموسوم لو انه اخذ بها والتزمها تاريخا وتوثيقا لا ان يكون مجرد بيانسردي تاريخي على طريقة قصص التاريخ الماضي ورواياته. حوار الحضارات، اول حوار
فكري بين مثقفين ومفكرين من
وفي هذا المجال، قامت المستشارية الثقافية
الايرانية في
دمشق بعقد مؤتمر حول الفكر السياسي الاسلامي في
ظلتجربة الثورة والدولة في ايران، برعاية وزيرة
الثقافة
السورية الدكتورة نجاح العطار ومشاركة عدد من
الباحثين
العربوالايرانيين والاوروبيين، ومراكز ثقافية
اوروبية، من
فرنسا والمانيا واسبانيا، ومن الوطن العربي، ومن
سورية
واتحادالادباء والكتاب العرب.
والمؤتمر الذي استمر ثلاثة ايام (9 11/3/1999) هو المؤتمر
الاول الذي يبحث في فكرة حوار الحضارات التي دعا
اليهاالرئيس الايراني محمد خاتمي.
تضمنت اعمال اليوم الاول منه مداخلات لعدد من
الباحثين.
فبعد افتتاح المؤتمر بكلمة للمستشار الثقافي
الدكتورمحمد
علي آذر شب دعا فيها الى الحوار البناء ومناقشة
الافكار بحرية
وموضوعية، راى مدير مركز الدراساتالاستراتيجية
في بيروت
الدكتور طلال عتريسي ان «الديمقراطية في جوهرها لا
تتنافى
مع الاسلام كما يرى البعض».وقال: ان الحركات
الاسلامية لم
تلجا الى العنف النظري والعملي الا عندما اضطرت
للرد على
عنف السلطة. واشار الىتجربة الحركة الاسلامية في
لبنان،
متناولا مثال حزب اللّه الذي «هو تنظيم مصالح مع
المؤسسات
السياسية في لبنان».
وتساءل البروفسور كلاوس روف، استاذ العلوم
السياسية في
جامعة هامبورغ، وفي مداخلته، عن الجدل المتصاعد
فيالغرب
حول الديمقراطية والاصولية في الشرق وعما اذا كانت
توجد
قوة اصولية تهدد امن الغرب واقتصاده؟ وراى
انالغرب قلق
على الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط اكثر من قلقه
على
تحقيق الديمقراطية.
وخلص الى القول: ان الاستقرار قريب المدى في منطقة
الشرق
الاوسط سوف يخدم الغرب ولكن على المدىالمتوسط،
والبعيد سوف يؤدي الى تحطيم الانظمة في هذه
المنطقة،
وبالنتيجة يظهر ان الشرقيين غير ديمقراطيين.
وفي اعمال اليوم الثاني من المؤتمر، تناول الدكتور
علي عقلة
عرسان، امين عام اتحاد الكتاب والادباء العرب،
فكرةالاصولية
والارهاب والمقاومة في قاموس خمسين عاما من الكفاح
الاسلامي العربي الصهيوني، حيث راى انامريكا،
بعد حرب
الخليج الثانية، قد سيطرت بوصفها قوة وحيدة الطرف،
على
مجلس الامن الدولي، وقد اختلت منجراء ذلك
المفاهيم
والمصطلحات حتى اصبحت اعمال الموساد والنازية
والتمييز
العنصري الصهيوني اعمالا نبيلة.
وخلص الى النتيجة التالية: ان الولايات المتحدة
الاميركية
ليست الراعي الاول للارهاب فحسب وانما هي
الممارسالاول
له.
اما الدكتور رضوان السيد، الاستاذ في الجامعة
اللبنانية، فقد
تكلم عن الفكر السياسي الاسلامي المعاصر في
المجالالعربي:
اصوله واتجاهاته وتحولاته، وربط فيها ظهور حركات
الاسلام
السياسي العنيفة بعنف الدولة تجاه المجتمعنتيجة
الفشل في
حل المشكلات التي اتت لحلها.
اما الدكتور انطونيو الورثا، من اسبانيا، فاعتبر
ان الاسلام يملك
اجابات عن كل شيء، لذلك فهو قادر ليس على
تحديدخلاص
الانسان فقط، بل ايضا على ان يحدد شكلا من الحضارة
هو فوق
جميع الاشكال الاخرى، غربية كانت امشيوعية.
اما الدكتور غيرنوت روثر، من المانيا، الاستاذ في
جامعة
هامبورغ، فقد قارن في مداخلته بين النظام
التيوقراطي
(حكماللّه) والنظام الديمقراطي (حكم الشعب)،
وخلص الى
القول ان المحاولة الايرانية للجمع بين الدين
الاسلامي
والنظام الديمقراطي، وراى ان هناك اشارات واضحة
الى ان
هذه التجربة قد تكون ناجحة.
وفي الجلسة المسائية، لليوم الثاني من المؤتمر،
تناول الدكتور
ماجد شدود، مدير معهد العلوم السياسية في
سورية،موضوع
الديمقراطية والمتغيرات الدولية، فناقش فكرة
الديمقراطية
وتطورها وموضوع صراع الحضارات، حسب رايصامويل
هانتغتون، وقضية استحضار عدو خارجي جديد لامريكا
والحضارة الغربية، بينما راى ان دعوة السيد
خاتميللحوار بين
الثقافات والحضارات هي الحل الانسب للمجتمع
البشري.
وتناول العلامة سيد هادي خسروشاهي، السفير
الايراني السابق
في الفاتيكان، موضوع اشكالية العلاقة بين
الديمقراطيةوالنظام
الاسلامي من خلال تجربة التطبيق في الجمهورية
الاسلامية
الايرانية.
واعتبر ان مشاركة الامة في النظام الاسلامي، او حجم
الدور
الذي تلعبه في الحياة السياسية والاجتماعية، في
اطارالدولة
الاسلامية، هو من القضايا اللافتة للنظر، ثم طرح
الاستاذ
خسروشاهي نماذج تطبيقية من المشاركة الشعبية
فيالجمهورية الاسلامية خلال العشرين عاما
الماضية.
ثم تحدث الاستاذ الدكتور احمد الموصللي، استاذ
العلوم
السياسية في الجامعة الاميركية في بيروت، عن
الاصوليةالاسلامية والارهاب تناول فيها تطور وعي
الامة
الاسلامية ونشوء الحركات الاسلامية التي هي خلاصة
تراكماتتاريخية وتراثية حركتها تحديات فكرية
وسياسية
وثقافية.
وخلص الى القول: ان خبراء السياسة الخارجية بداوا
باستعمال
مصطلحات الحرب الباردة لوصف الصراع الاتي
معالاسلام
عموما والنفوذ الايراني خصوصا.
وفي اعمال اليوم الثالث للمؤتمر، تناولت الدكتورة
فريبا عاد
لخواه، من فرنسا، ورات ان المجتمع المدني هو
مكانللحوار
والتفاوض، وخلصت الى القول: ان المجتمع الاسلامي لا
يتعارض مع المجتمع المدني.
اما الدكتور جورج جبور، من سورية، فقد ناقش موضوع
حقوق
الشعب في دستور الجمهورية الاسلامية
الايرانية،وخلص الى
القول: ان ثورة ايران هي اما اول ثورة قامت باسم
الاسلام في
العقود الاخيرة او اهمها او اولها واهمها معا.
ثم تحدث الاستاذ حميد حيدري، من ايران، عن الحرية
في
رؤية الفلسفة السياسية للامام الخميني، فركز على
فكرة
انالامام الخميني قد اولى الحرية اهمية بالغة،
فعدها من
الاسس الضرورية لايجاد مجتمع متمدن ومرفه وسعيد.
وفي الجلسة الختامية للمؤتمر، ذكر الدكتور اندرياس
ريك،
من المانيا ان موضوع التحولات الجديدة في ايران
دليلعلى
مستقبل الاصولية الاسلامية، ولفت النظر الى تمكن
النظام
الاسلامي في ايران من تقوية محتواه الديمقراطي
بمرور الزمان.
اما مداخلة الشيخ جودت سعيد، من سورية، فكانت عن
علاقة
الامة بمؤسسة السياسة والحكم، وتاكيده على
عودةملامح
الرشد الى الامة في بعض بقاع العالم الاسلامي.
وراى الاستاذ جودت سعيد ان الحدث الايراني افزع
العالم
وزلزله، وكان حدثا جديدا لم يحدث مثله في
التاريخالاسلامي
منذ صدر الاسلام.
واخيرا، تناول الدكتور نجفقلي حبيبي، من ايران،
موضوع آلية
المشاركة المباشرة للشعب في النظام
السياسيوالاسلامي،
استنادا الى تجربة الديمقراطية والشورى في ايران.
وخلص الى
القول: «وها نحن اليوم نجد الشعب الايرانييمتلك
في ميدان
العمل نظاما اسلاميا مبنيا على الديمقراطية فعرض
للعالم
نموذجا فذا للانسجام بين
الاسلاموالديمقراطية». واضافة الى ما اشرنا اليه من كلمات كان هناك العديد من المداخلات والاسئلة التي رافقت الجلسات الخمس في الايام الثلاثة من المؤتمر، الامر الذي اضفى جوا من التفاعل والحيوية بين الحضور الجماهيري والباحثين. الملتقى الدولي حول
الاسلام والدراسات المستقبلية، في
في ضوء ذلك، بحث الملتقى عدة قضايا تنتظم في
المحاور
الاتية:
المحور الاول المدخل: واقع الانسان في المجتمعات
الاسلامية
المعاصرة.
المحور الثاني: الاجتهاد الفقهي ومسايرة التطور.
المحور الثالث: استراتيجية التربية والتكوين.
المحور الرابع: استراتيجية البحث العلمي في العالم
الاسلامي.
المحور الخامس: آفاق مستقبل الاقتصاد الاسلامي.
المحور السادس: مستقبل الاعلام الاسلامي. المحور السابع: مستقبل اللغة العربية: التحديات والافاق. الملتقى الوطني حول
التراث: واقع وآفاق في المعهد الوطني
لكننا، وللاسف، نرى مدى الركود والضياع اللذين
تعرض لهما
تراثنا خلال الحقبة الاستعمارية، وما قامت به
الادارةالفرنسية
من عملية نهب وحرق واتلاف لتراثنا الموجود الان في
جميع
انحاء التراب الوطني.
وما تقوم به الجامعة الجزائرية والجهات المتخصصة
اليوم يدخل
ضمن اعادة احياء التراث الوطني، ليسهم في اعادة
مادمرته
المدرسة الغربية، ليكون مادة اولية في ايدي
الباحثين
والدارسين.
ولهذا كان لابد من خوض غمار البحث العلمي النزيه،
وذلك
بالتنقيب فيه وتصنيفه وتنظيمه وترتيبه، كي نستطيع
ان ندخل الالفية الثالثة التي تستخدم المعلوماتية
ونظام
الحاسوب والانترنيت.
ولن يكون ذلك الا بالجهد العلمي ومشاركة اهل العلم
والفن،
والتخصص، من خلال اقامة الملتقيات والايام
الدراسيةوتشجيع المجهودات الفردية وجميع الجهود
التي
بذلت، وما زالت تبذل. ويدخل هذا الملتقى «حول
التراث:
واقعوآفاق» ضمن هذا الاطار، وقد حددت محاوره
كالتالي:
المحور الاول: مفهوم التراث وانواعه.
المحور الثاني: تقييم التراث العلمي.
المحور الثالث: اعلام التراث الجزائري.
المحور الرابع: التعامل مع التراث.
المحور الخامس: الحماية القانونية للتراث.
المحور السادس: التراث بين التاثر والتاثير.
ومن اهم الاوراق العلمية التي تضمنها برنامج
الملتقى نذكر:
منهج تحقيق التراث عند علماء المسلمين ل. د. محمد بن
خالد
اسطنبولي.
فنيات الاستشراق في التعامل مع التراث ل. د. محمد
البشير
الهاشمي مغلي.
حماية التراث في القانون الدولي ل. ا. محمد بومدين.
التراث والعولمة، ل. ا. دحمان بن عبد الفتاح.
التراث بين الحداثة والجمود، ل. د. محمد عبد النبي.
وقد خلص الملتقى الى اصدار توصيات نذكر اهمها في ما
ياتي:
1- انشاء معهد عال لاحياء التراث الوطني والاسلامي.
2- تعميم فهرس مطبوع للمصورات المحفوظة على سائر
الجامعات ووضعها بين ايدي الباحثين وناشئة
المتخرجين
فيالعالم الاسلامي.
3- تشجيع رسائل الماجستير والدكتوراه وتوجيهها نحو
العناية
بالمخطوطات والتراث.
4- تنظيم مؤتمر دوري للتراث بقسميه: الوطني كل سنتين
والاسلامي كل ثلاث سنوات. 5- ربط الصلة الدائمة بمعهد احياء التراث والمخطوطات التابع لجامعة الدول العربية. السيد جمال الدين الافغاني
العطاء الفكري والجهد الاصلاحي،
تضمنت الندوة، اضافة الى جلسة الافتتاح التي القيت
فيها عدد
من الكلمات لمنظمي الندوة وبعض
المؤسساتوالجماعات
المشاركة، ثلاث جلسات قدمت في كل جلسة مجموعة اوراق
ودراسات تتعلق بالافغاني في مختلفجوانب حياته
العلمية
والعملية والفكرية.
كانت الورقة الاولى، للجلسة الاولى، بعنوان:
«الصورة الاخرى: قراءة تحليلية وحفريات معرفية في الصيرورة التاريخيةللافغاني» قدمها د. سيار الجميل استاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت بالاردن، اما الورقة الثانية: فكانت بعنوان:«عقيدة الافغاني» كتبها د. محسن عبد الحميد استاذ التفسير والدراسات الاسلامية في جامعة بغداد، وكانت الورقة الثالثةبعنوان: «الافغاني، ومنهجه في الاصلاح» قدمها د. احمد القضاة استاذ الدراسات القرآنية في جامعة الزرقاء الاهلية، اماالورقة الرابعة فحملت عنوان: «الافغاني، ومنهجه الاصلاحي من خلال مشروع الجامعة الاسلامية» اعدها وقدمهاالاستاذ خالد المهداوي من العراق.
|
|---|