ويبدو ان ابا تمام
كان مشغولا بامر المختارات، وكان لديه
استعداد لصنعها، ولما حانت الفرصة اغتنمها، والف
كتابالحماسة. هذا ان استبعدنا تاليفه خمسة كتب.
وابو تمام،
في مختاراته، لا يتعصب لمذهبه في الشعر، وانما
يختار
الجيدمن الشعر، ايا تكن خصائصه، وقد لاحظ القدماء
اختلاف ما
اختاره عن شعره، فقالوا: «ان ابا تمام في اختياره
اشعر منهفي
شعره»، وفسروا ذلك بقولهم: «كان يختار ما يختار
لجودته لا
غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهوته، والفرق بين
مايشتهى
ويستجاد ظاهر» . ويقول المرزوقي: «وتراه ينتهي الى
البيت
الجيد فيه لفظة تشينه فيجبر نقيصته من عنده»((181)).
12 وبعد عودة ابي تمام من خراسان الى بغداد وسامراء
توطدت علاقته برجالات الدولة، ابتداء من الخليفة
المعتصم،فقد سجل انتصاراته بقصائد خالدة، واشهر
هذه
القصائد قصيدته في فتح عمورية سنة 220ه، ومرورا
بالوزراء
والقادة،وكان هؤلاء يجلونه، ومن نماذج هذا الاجلال
ان الحسن
بن رجاء قال لما سمع جزءا من مدحيته: «واللّه لا
اتممتها الا
واناقائم... ما احسن ما جلوت هذه العروس...». ومن
الوقائع الدالة
على الموقع الذي اتخذه ابو تمام لدى السلطان
انشادهثلاث
قصائد تسجل الانتصار على بابك الخرمي، الذي تجلى
باسره
والقدوم به الى بغداد عام 223ه، ومطالعها: «آلتامور
الشرك
شر مآل»، «غدا الملك معمور الحمى والمنازل»،
«بذ الجلاد البذ
فهو دفين»((182)).
وتوثقت صلات ابي تمام باحمد بن ابي دؤاد واحمد بن
المعتصم، ويروح الشاعر يواكب الاحداث، ويصوغها
شعرابديعا،
فعندما يقبض على الافشين بتهمة الغدر والزندقة، ثم
يصلب
بجانب بابك، ويحرق، يقول ابو تمامقصيدته:
الحق ابلج والسيوف عواري
فحذار من اسد العرين حذارو
تتوثق صلته بمحمد بن عبد الملك الزيات منذ وزارته
للمعتصم سنة 225ه، وبكاتبه الحسن بن وهب... وقد قال
فيمديح محمد بن عبد الملك الزيات، من دون ان يبدا
بمقدمه:
لهان علينا ان نقول وتفعلا
ونذكر بعض الفضل منك فتفضلا
ابا جعفر اجريت في كل تلعة
لنا جعفرا من سيب كفيك سلسلا
... فواللّه ما آتيك الا فريضة
وآتي جميع الناس الا تنفلا
وقال يمدحه مبتدئا المديح بمقدمة غزلية طللية:
متى انت عن ذهلية الحي ذاهل
وقلبك منها مدة الدهر آهل
تطل الطلول الدمع في كل موقف
وتمثل بالصبر الديار المواثل
دوارس لم يجف الربيع ربوعها
ولا مر في اغفالها وهو غافل
فقد سحبت فيها السحائب ذيلها
وقد اخملت بالنور منها الخمائل((183)).
وعندما يتوفى المعتصم ويخلفه الواثق يهنى الخليفة
الجديد
ويعزيه بقصيدته الجميلة: «ما للدموع تروم كل
مرام».
13 ويرغب الشاعر في الاستقرار، وفي التخلص من
«حرفة»
طالما شكا من ذل السؤال الذي تقتضيه، فحقق له
صديقهالحسن بن وهب رغبته، وعينه على بريد الموصل.
وبقي
هناك يقول الشعر كما تمليه عليه تجربته، الى ان
توفي
فيالموصل عام 231ه، على الارجح((184))، ودفن هناك.
وبنى على قبره ابن حميد الطوسي قبة، ورثاه الحسن بن
وهب
بقوله:
فجع القريض بخاتم الشعراء
وغدير روضتها حبيب الطائي
ماتا معا فتجاورا في حفرة
وكذلك كانا قبل في الاحياء((185))
ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات، بقوله:
نبا اتى من اعظم الانباء
لما الم مقلقل الاحشاء
قالوا: حبيب قد ثوى، فاجبتهم:
ناشدتكم لا تجعلوه الطائي((186))
وسئل شرف الدين ابو المحاسن، محمد بن عنين، عن معنى
قوله:
سقى اللّه روح الغوطتين، ولا ارتوت
من الموصل الحدباء الا قبورها
لم حرمها وخص قبورها بالارتواء؟ فقال: لاجل ابي
تمام.
ثانيا شخصيته، واهم العوامل المكونة
1 كان ابو تمام اسمر طويلا، حلو الحديث، ظريفا،
انيقا، لطيف
المعاشرة، كريما، مترفعا عالي الهمة، لفظه
لفظالاعراب، في
صوته الاجش تمتمة يسيرة، ما جعله يصطحب غلاما لينشد
شعره.
وفي ذلك يقول عبد الصمد بن المعذل، او ابو العميثل:
يا نبي اللّه في الشع
ر، ويا عيسى بن مريم
انت من اشعر خلق الل
ه ما لم تتكلم
وتفيد قراءة شعره انه كان يجد في الادب نسبا اقوى من
النسب
القبلي، فنراه يخاطب علي بن الجهم بقوله:
ان يكد مطرف الاخاء فاننا
نغدو ونسري في اخاء تالد
او يختلف ماء الوصال فماؤنا
عذب تحدر من غمام واحد
او يفترق نسب، يؤلف بيننا
ادب اقمناه مقام الوالد((187))
وينسب للبحتري قوله: لو رايت ابا تمام لرايت اكمل
الناس عقلا
وادبا، وعلمت ان اقل شيء فيه شعره.
كان ابو تمام حاد الذكاء متوقد الفطنة، نافذ
البصيرة، سريع
الحفظ منذ حداثته. ومن الاخبار التي تفيد ذلك نذكر
انه
وقفعلى وراق عنده كتاب اراد شراءه، فساومه، فلم
يتفقا على
ثمنه، فاخذه، وقراه، ثم رده وذهب، فناداه الوراق،
فقال:خذه
بالثمن الذي اردت، فقال: لا حاجة لي فيه. ولما الح
عليه، قال
له ابو تمام: خذ الكتاب واضبط، وضبط الوراق فاذاهو
قد حفظه.
وجاء في «اخبار متفرقة» عنه، ما رواه صديق له قال:
«ما رايت
اذكى من ابي تمام، خرجنا جميعا الى شاطى النيل،
ودفعناثيابنا الى قبطية لتغسلها، ونمت انا، وجلس
هو ومعه
شعر الطرماح، فما فرغ من دق ثيابه حتى حفظ له خمس
عشرةقصيدة»((188)).
واثمرت رغبته في المعرفة وقوة ذاكرته ثروة شعرية
حفظها،
ومن الاشارات الدالة على عظم هذه الثروة انه «كان
يحفظاربعة عشر الف ارجوزة للعرب غير القصائد
والمقاطع»((189)).
وكان حاضر البديهة «اذا كلمه انسان اجابه قبل
انقضاء كلامه
كانه كان علم ما يقول فاعد له جوابه...»((190)).
ولعل قصته في مجلس احمد بن المعتصم تعد مثلا شديد
الدلالة على حدة ذكائه وحضور بديهته. كان ابو تمام
ينشدالامير سينيته، ولما وصل الى قوله:
اقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم احنف في ذكاء اياس
قاطعه ابو يوسف يعقوب الكندي، الفيلسوف، قائلا:
الامير فوق
من وصفت، فاطرق ابو تمام قليلا، ثم مضى قائلا:
لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلا شرودا في الندى والباس
فاللّه قد ضرب الاقل لنوره
مثلا من المشكاة والنبراس
فتعجب الحاضرون، وبخاصة لما اخذت القصيدة منه، ولم
يوجد فيها هذان البيتان((191)).
2 يعد ابو تمام شاعرا مثقفا ثقافة واسعة عميقة، وقد
مر بنا
تاكيده على انه ما انفك يطلب العلم منذ ان قدم دمشق،
منقريته... وقد مر بنا قبل قليل ان البحتري قال: ان
اقل شيء
فيه شعره، فان كان شعره على هذا المستوى الرفيع،
فكيفتكون مكونات شخصيته الاخرى؟! وهو، اي
البحتري،
يرى نفسه تلميذا له ويعده الرئيس والاستاذ.
ويروي المبرد عن الحسن بن رجاء انه قال: «ما رايت
احدا قط
اعلم بجيد الشعر قديمه وحديثه من ابي تمام».
ومنالاخبار
الدالة على علمه بالشعر ونقده، وعدم تعصبه لمذهبه
ما يرويه
الصولي عن ابن الدقاق الذي قال: «حضرنا مع
ابيتمام، وهو
ينتخب اشعار المحدثين فمر به شعر محمد بن ابي عيينة
المطبوع... الذي يهجو به خالدا، فنظر فيه، ورمىبه،
وقال: هذا
كله مختار، وهذا اول دليل على علم ابي تمام بالشعر»((192)).
وتدل اختياراته على عنايته بالشعر من ناحية اولى،
وعلى
ثقافته الشعرية من ناحية ثانية، يقول الامدي: «...
انه
اشتغلبالشعر وجعله وكده وغرضه وانه ما فاته كبير
شيء من
شعر جاهلي ولا اسلامي ولا محدث الا وقراه وطالع
فيه»((193)).
ويذكر ابن النديم كتب ابي تمام وهي: 1 الحماسة. 2
الاختيارات من شعر الشعراء، 3 كتاب اختيار اشعار
القبائل، 4
آكتاب الفحول((194)). وقد يكون في اختيار اسم
«الحماسة» ما
يدل على القضية التي تشغل ابا تمام، وهي البسالة
فيالذود عن
الكرامة والتضحية من اجلها.
وبلغ من احسانه الشعر ان ابراهيم بن العباس قال له:
«انت
تحسن قائلا وراويا ومتمثلا».
وكان ابو تمام قارئا يواظب على القراءة اينما حل،
ويصطحب
معه كتبا، ومنها ديوانا مسلم بن الوليد وابي نواس،
وقدسئل
عنهما، وكانا في شكل حزمتين من الاوراق: واحدة عن
يمينه
وواحدة عن شماله، فاجاب: اما التي عن
يمينيفاللات، واما
التي عن يساري فالعزى، وانا اعبدهما منذ عشرين سنة،
وفي
رواية الصولي انه «يعبدهما من دون اللّه منذثلاثين
سنة»((195)).
ولم تقتصر ثقافته على الشعر وانما شملت مختلف صنوف
الثقافة في عصره، من عربية قديمة تتمثل بالشعر
والاخباروالحكم والامثال والانساب، وعربية
اسلامية جديدة
تتمثل في علوم العربية من تفسير وحديث وفقه وعلم
كلام..ووافدة من هندية وفارسية ويونانية، ويروى انه
كان
محدثا، هذا علاوة على افادته من خبرته في الحياة،
وقد مر بنا
قولهانه، على الرغم من حداثته، خبر الدنيا وعرف
امورها، وكان
يفيد من خبرته هذه، ومن اخبار الناس التي تروى له
اويلتقطها، ومن نماذج ذلك ما يذكر عن حفظه اخبارا
تتضمن
عناصر شعرية مثل الخبر التالي: «سمعت اعرابيا يصف
قومالبسوا النعمة، ثم عروا منها فقال: ما كانت نعمة
آل فلان الا
طيفا ولى مع انتباههم» . ومثل نظمه ما يلتقطه من
اقوال
الناس.يروى انه سمع رجلا يقول لاخر: «جئتك امس
فاحتجبت
عني»، فاجابه: «السماء اذا احتجبت بالغيم رجي
خيرها».
فنظمهذا القول، وضمنه احدى قصائده، فقال:
ليس الحجاب بمقص عنك لي املا
ان السماء ترجى حين تحتجب((196))
وهذا يفيد ان ابا تمام كان يبحث عن المعرفة،
ويحصلها
ويتمثلها، ويتحول بها الى شعر متميز بخصائصه.
3 وتتخذ ثقافة ابي تمام مظاهر كثيرة في شعره، اوضحها
المظهر المباشر المتمثل في حضور معان ووقائع
ومصطلحاتولغة... مستقاة من مصادر ثقافية متنوعة،
كما في
النماذج الاتية:
معاني القرآن الكريم والفاظه، عندما خاطب، على
سبيل
المثال، عبداللّه بن طاهر بعدما تباطا في اعطاء
الاذن له:
ايهذا العزيز قد مسنا الضر
جميعا واهلنا اشتات...
وقد مر بنا ذكر هذه المقطوعة.
احداث التاريخ: يقول في قصيدة يمدح بها مالك بن طوق:
لا تجعلوا البغي ظهرا انه جمل
من القطيعة يرعى وادي النقم
نظرت في السير اللاتي خلت فاذا
ايامه اكلت باكورة الامم
افنى جديسا وطسما كلها وسطا
بالانجم الزهر من عاد ومن ارم
اردى كليبا وهماما وهاج به
يوم الذنائب والتحلاق للمم
سقى شرحبيلا السم الذعاف على
ايديكم غير رعديد ولا برم
بز التحية من لخم فلا ملك
متوج في نمارات ولا عمم
لا توقظوا الشر من نوم فقد غنيت
دياركم، وهي تدعى زهرة النعم...((197))
يبدو الشاعر، في هذه الابيات، قارىء تاريخ يتامل
الاحداث
ويخلص الى سنن، تتيح للناس ان يبقوا في «زهرة
النعم»
ماداموا متجنبين البغي والشر. ويصوغ هذه السنن لغة
شعرية
فريدة ترسم صورا محسوسة ناطقة، كذلك «البغي»
الذييتمثل
جملا يرعى وادي النقم:
افكار الفلاسفة والفاظهم:
صاغهم ذو الجلال من جوهر ال
مجد، وصاغ الانام من عرضه
لن ينال العلا خصوصا من الفت
يان من لم يكن نداه عموما
عمري عظم الدين جهمي الندى
ينفي القوى ويثبت التكليفا((198))
(عمري نسبة الى عمرو بن عبيد المعتزلي، جهمي: نسبة
الى
جهم بن صفوان، وكان متناقضا، فهو من ناحية ينفي
قدرةالانسان على التصرف، ومن ناحية ثانية يثبت له
التكليف.
اي ان ممدوح الشاعر، كما يقول التبريزي، متدين عفيف
مثلعمرو بن عبيد، وسخي على مذهب جهم بن صفوان، اي
«مجبر على البذل فلا يمكنه تركه» ).
احكام النحو ولغته:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها
كتلاعب الافعال بالاسماء
معطيات علم الفلك:
له كبرياء المشتري وسعوده
وسورة بهرام وظرف عطارد((199))
4 ذكر ابو العباس احمد بن علي النجاشي (372 450ه) ابا
تمام في كتابه المعروف باسم «رجال النجاشي»،
فقال:
«كاناماميا، وله شعر في اهل البيت كثير»((200))
وذكره
محمد بن الحسن، الحر العاملي، في كتابه «امل الامل
في علماء
جبلعامل»، فقال: «كان شيعيا فاضلا...»، ووصفه
بالعاملي، كما
يقول السيد محسن الامين، فيه توسع((201)).
ويرى السيد الامين ان ابا تمام اظهر تشيعه لال
البيت بمدحه
لهم، ومن ذلك قصيدته الدالية التي مدح بها المامون،
وقدمر
بنا ذكرها. ويرد السيد الامين على من يتخذ قوله
الاتي:
فلو صح قول الجعفرية في الذي
تنص من الالهام خلناك ملهما
دليلا على عدم تشيعه بالقول: «ان ذلك لا ينافي تشيعه
لانه
ليس من لوازم التشيع القول بان الامام ملهم»((202)).
ويرى د. شوقي ضيف «انه لم يكن متشيعا»، ويظن انه نظم
رائيته التي يمدح بها اهل البيت (ع) «حين كتب
المامون
الىالافاق في سنة 212 للهجرة بتفضيل علي بن ابي
طالب...»،
ويرى ان شغفه بحب آل محمد الذي اظهره في داليته
التيمدح بها المامون انما كان «تقربا اليه وزلفى
حتى يزعم انه
من شيعة الكوفة...»، ويخلص د. ضيف، بعد ان
يستشهدبالابيات
الثلاثة التي تبدا بقوله:
ووسيلتي فيها اليك طريفة
شام يدين بحب آل محمد
الى القول: «ومعنى ذلك ان تشيعه في القصيدتين جميعا
انما
كان في سبيل المامون، يحاول ان يمت اليه بما
يعطفهعليه»((203)).
يستند د. ضيف، في تقريره «معنى» القصيدتين جميعا،
الى
الظن، والمفروض ان يستند الباحث، في تقريره مثل
هذاالامر،
الى ما يفيده الشعر فلم ترك النص الموجود بين
ايدينا واللجوء
الى الظن!؟ ففي القصيدة الدالية، يقول الشاعر
انه«شامي يدين
بحب آل محمد». وهو، في هذا، يفارق السائد في بلاده،
ولعله
بسبب ذلك كان يعاني سوء صنيع الدهروالناس، وفي
الرائية
يعلن انه يعتقد ليس تفضيل الامام علي (ع) فحسب،
وانما
معتقدات الشيعة الامامية، فالامام علي(ع) هو الوصي،
واخو
النبي (ص) الذي شد ازره به كما شد ازر موسى بهارون،...
ثم
يتحدث عن دور الامام علي (ع) فينصرة الاسلام في بدر
واحد
وخيبر والنضير الخ.. ثم يقرر حقه بالولاية الذي بلغه
النبي
(ص) للناس في «يوم الغدير»،ويبين اهمية ذلك، ويعلن
بعد
حديث عن دم السبطين الذي اريق انه جعل هواه
الفاطميين
ما دام له عمر، وهذا كله لميكن ليرضي المامون الذي
ارسل
الى عبداللّه بن طاهر، كما مر بنا، من يخدعه ليعرف
موقفه من
آل ابي طالب، يقول ابوتمام:
... فعلتم بابناء النبي ورهطه
افاعيل ادناها الخيانة والغدر
ومن قبله اخلفتم لوصيه
بداهية دهياء ليس لها قدر
... اخوه اذا عد الفخار وصهره
فلا مثله اخ ولا مثله صهر
وشد به ازر النبي محمد
كما شد من موسى بهارونه الازر
... ويوم الغدير استوضح الحق اهله
بفيحاء لا فيها حجاب ولا سر
اقام رسول اللّه يدعوهم بها
ليقربهم عرف وينآهم نكر
... فكان لهم جهر باثبات حقه
وكان لهم في برهم حقه جهر
... لكم ذخركم ان النبي ورهطه
وجيلهم ذخري اذا التمس الذخر
جعلت هداي الفاطميين زلفة
الى خالقي ما دمت او دام لي عمر((204))
ونسب الى ابي تمام انه لم يكن متدينا ولا يؤدي
واجباته
الدينية، وبالغ بعضهم فنسب اليه الكفر والالحاد،
بدليل
قولهآنف الذكر عن ديواني مسلم وابي نواس، وتروى
اخبار عن
عدم ادائه الصلاة، وعن انه كان يصلي صلاة خفيفة،
محتجابالسفر، ما يعني انه كان يقصر في سفره، وهذه
الروايات
تكذب احداها الاخرى، فكونه يصلي يعني انه مؤمن، وقد
مربنا
شعره في بيان معتقده الديني، ونقرا في ديوانه قصيدة
يصف
فيها حجة حجها، وجاء فيها:
وقد اممت بيت اللّه نضوا
على عيرانة حرف سعوم((205))
ويبدو ان ابا تمام كان مثله مثل اي شاعر آخر، او اي
انسان، فهو
غير معصوم، يمر بالتجربة فيخطى احيانا، ثم يثوب
الىنفسه
فيحاسبها، ويرجو المغفرة من ربه. ولما كان خصومه
وحساده
كثرا، فقد رصدوا اخطاءه وضخموها، ونسبوا اليه مالم
يقع منه.
وفي الابيات الاتية نقرا بوضوح انه يخاف اللّه
ويرجو نواله وان
كان بعض الليالي عاصيا، فانه يدخر التقوىويرجو
المغفرة، ولم
يشرك:
... اخاف الهي، ثم ارجو نواله
ولكن خوفي قاهر لرجائيا
ولولا رجائي واتكالي على الذي
توحد لي بالصنع كهلا وناشيا
لما ساغ لي عذب من الماء بارد
ولا طاب لي عيش، ولا زلت باكيا
وادخر التقوى بمجهود طاقتي
واركب، في رشدي، خلاف هوائيا
على اثر ما قد كان مني صبابة
ليالي فيها كنت للّه عاصيا
واني جدير ان اخاف واتقي
وان كنت لم اشرك بذي العرش ثانيا((206)) 5 ويمكن تركيز
ابرز العوامل التي اسهمت في تكوين شخصية الشاعر
بماياتي:
قدرات شخصية، مواهب، مثلت استعدادا للنبوغ، وبخاصة
القدرات العقلية: ذكاء حاد، ذاكرة قوية وبديهة
حاضرة...
طموح الى تحقيق الذات والتميز وسعي الى تلبية نداء
هذا
الطموح على الرغم من الصعوبات.
الحرص على الكرامة والعمل على صون ماء الوجه على
الرغم
من صعوبة ذلك على من تدركه «حرفة الادب».
العيش في الحواضر، واكتساب اللغة تعلما، وليس
سليقة، ولعل
هذا اسهم في بلورة اختلافه وخروجه على
مذهبالاوائل.
المثاقفة، فابو تمام شاعر مثقف ثقافة واسعة
وعميقة، وقد افاد
من ثقافته كما ينبغي.
الاتصال بالتراث والواقع والثقافة الوافدة، وجعل
معطى هذا
الاتصال مكون التجربة التي يصدر عنها الشعر وليس
مكونالشعر نفسه.
وعي قدرات الذات والاتكاء عليها، وعدم الاستكانة
لذوي
السلطان.
البحث عن موقع، ما افضى الى سفر دائم، تمثل سفرا
دائما في
اللغة الشعرية، فالخيبة تحفز الكشف الشعري في
غالبالاحوال.
وجود المكان الحضن الذي ينبت فيه الشعر، المتمثل
بالشخصيات والاحداث التاريخية. السعي الحثيث الى التفرد بمذهب شعري يتكى فيه الشاعر على نفسه. «محور» الامام الخميني (رضوان
اللّه عليه) رؤيته الاحبائية وخطابه
الاستنهاضي
يخاطب اللّه، سبحانه
وتعالى، المؤمنين بقوله: (يا ايها الذين
آمنوا استجيبوا للّه وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم)
(الانفال:34).
وفي كل عصر يستجيب المؤمنون للّه والرسول، ويشهد
العالم
نهضة الاسلامية تسعى الى تحقيق مشروع الاحياء
التغييري...
وفي هذا العصر الذي يجهد فيه الاستكبار الغربي
للسيطرة
على العالم واستغلاله مستعينا بادوات محلية
مستبدة،
كانالمشروع الاسلامي الاهم والاكثر اكتمالا
وتحققا هو
المشروع الذي نهض المسلمون في ايران، بقيادة
الامام
الخميني(رض)، لتحقيقه، على مختلف صعد الحياة.
وقد تم لهم، بعون اللّه وتوفيقه، النجاح المؤزر،
وهو نجاح مطرد
باذن اللّه تعالى، على الرغم من مؤامرات
الاعداءوكيدهم. وبمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل الامام الخميني (قده)، تخصص مجلة «المنهاج» محور هذا العدد للبحث فيمشروع النهضة الاسلامية الذي جاهد الامام الخميني (رض) ، من اجل تحقيقه فيبحث الاستاذ صائب عبدالحميد فيآفاق هذا المشروع ومعالمه ويبحث د. رفعت سيد احمد في رؤية الامام الخميني (رض) الى شروط النهضة الاسلاميةالمعاصرة وسبل تحقيقتها وانتصارها، ويعقد الدكتور محمد طي مقارنة بين ثورة الامام الخميني (رض) وثورة الامامالحسين (ع)، مبينا اصول هذا المشروع. مشروع الاحياء الديني
عند الامام الخميني (قده) آفاق ومعالم
صائب عبد الحميد
المشروع هو
غايتنا دون المصطلح، اهو احياء ام تجديد ام اصلاح
ام ثورة ام نهضة ام قيام؟
والوعي دائما هو المفتاح، هذه ملايين الناس تعيش
المكان
والزمان، لكن الذين يعون الحياة، والمحاولات التي
يجدران
تاخذ بها نحو الافضل والاصلح، هم القلة، ومن بين
هذه القلة
نوادر معدودون تتكامل فيهم الارادة الى جانب
الوعيليستثمروا اقصى القدرات باتجاه التغيير
والاصلاح
والاحياء، قدرات كانت ضائعة ومبعثرة تحت ركام من
الجهلوالتمزق وفقدان الامل، والركون الى الواقع
ايا كان.
ومن خصائص الاسلام انه دين حي، يبعث في النفوس
الحياة
والامل والقدرة على التقدم والخلق والابداع، وليس
بينهوبين
البلوغ بالناس الى هذا المدى، وهو مدى متحرك لا
ركود فيه،
الا ان تعيه الناس حقيقة الوعي: (يا ايها الذين
آمنوااستجيبوا للّه
وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم) [الانفال:34].
وفي زمن يخيم فيه الجهل، وتغيب معالم التواصل بين
اجزاء
الكيان الاسلامي الكبير، ويتغلغل الاستعمار
الغربي محتلاالبلاد
ومستثمرا خيراتها لصالحه، مستعينا بحكام مستبدين
من ابناء
البلاد نفسها يعملون على ترسيخ التجزئة،
وابعادالجماهير عن
هويتها الحقيقية، نحو التبعية الفكرية والثقافية..
في اجواء
كهذه، لابد من ان تنهض دعوة هنا واخرى هناكتستنهض
الناس وتبث فيهم الوعي، متخذة من رسالة الاسلام
مادة
دعوتها وجوهر حركتها.
ولقد تم ذلك بالفعل وعلى مدى قرن من الزمن، وحتى
ايامنا
هذه، ففي اواخر القرن التاسع عشر الميلادي شهد
العالمنهضة
السيد جمال الدين الافغاني التي تلاشت امامها
الحدود
الجغرافية، فامتد اثرها في معظم بلاد المسلمين.
وهينهضة
كانت اهم اهدافها: التحرر من هيمنة الاستعمار
الغربي، والعمل
على تحقيق وحدة اسلامية سياسية على هديالقرآن
الكريم.
وفي اتجاه آخر تحرك الشيخ محمد عبده، تلميذ
الافغاني
وصاحبه، حيث كرس جهده للتغيير في مناهج
التعليمالديني،
اذ راى ان الدين يعرف للناس على نحو خاطىء كان هو
السبب
المباشر في غيبة الوعي عند الطليعة وعندعموم
الناس، فمن
الفكر والثقافة تنبعث الحركة التغييرية الشاملة..
وعاود، بعده، نهج الافغاني في مكافحة الاستعمار
والاستبداد
عبد الرحمن الكواكبي، وكثير من القادة الثوريين في
انحاء متعددة من العالم الاسلامي.. ثم كان لحركة
الشهيد
حسن البنا الواسعة احسن الاثر في عودة الوعي الى
المسلمين،وخصوصا وقد سبقتها وواكبتها حركات تحرر
ومشاريع نهضة متعددة، منها: ثورة العشرين في
العراق، وعمر
المختاروعبد القادر الجزائري وابن باديس في المغرب
العربي،
ومحمد اقبال ومحمد علي جناح والمودودي في
الهند وباكستان.
هذه مشاريع في النهضة والاحياء جديرة بالدراسة
والاهتمام،
فهي دالة الحياة في هذه الامة، غير انه سيبقى
المشروعالاكثر
كمالا والاكبر اثرا هو الذي استطاع ان يحقق اهدافه
الكبرى
على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وهو
المشروعالذي قاده
وخطط له الامام الخميني الراحل مشروع عاشه صاحبه
منذ
ايام شبابه، ثم تابع خطواته ومراحله حتى حققنجاحه
الكبير
في اقامة دولة اسلامية قوية، ثم واصل قيادتها حتى
آخر ايام
حياته، عشر سنين اخرى بعدانتصاره.
وحري بهذا المشروع المظفر، الكبير،ان يحظى بقدر
اكبر من
الاهتمام والتعريف والدراسة. وبالتاكيد فان
الدراسةالشاملة
لهذا المشروع يجب ان تبتدى بدراسة الظروف التي كونت
تلك
الروح عند صاحب هذا المشروع، ثم مواكبةمراحل
المشروع في
نموه واتساعه وحركته الفكرية والجهادية حتى
الانتصار، وهي
مسيرة طويلة بلغت نصف قرن، ثمعهد الدولة بقيادته
الذي بلغ
عقدا من السنين.
والذي ستختص به هذه الوقفة هو التعريف بابرز آفاق
هذا
المشروع ومعالمه، وهو موضوع ينبغي ان يعطي
تصورااجماليا
مناسبا، راجين ان تكون لنا فرصة مماثلة في دراسة
البعد
التاريخي لهذا المشروع الكبير.
الافاق والمعالم
اين كان الامام الخميني ينظر؟ وماذا اراد؟
ما هي الاشياء والظواهر التي اججت في قلبه روح
الثورة منذ
ايام شبابه، ثم لم تخمد وعلى راسه هرم الشيخوخة؟
ماالذي
كان يريد تغييره؟ وعلى اي نحو سيكون هذا التغيير؟
ما هي
نقاط الفراغ والثغرات التي مكنت لذلك؟ وباي
شيءسيملا
الفراغ ويسد الثغرات؟
هذه هي الاسئلة التي ستشكل آفاق مشروعه ومعالمه
الاساسية، وقد راينا ان اهمها يتوزع على ثلاثة
ابعاد رئيسةهي:
البعد الاول: مواجهة الاستكبار والاستبداد
في البدء يؤسس الخميني الاصطلاح، فياخذ بالمرء الى
افق آخر
من آفاق المعرفة والوعي، فليس هو استعمار اولا آهذا
الذي
يسمى بهذه التسمية، بل هو استكبار، المنهج الوحيد
الذي
يتعامل به القوي المتكبر المتعالي مع الضعيفالذي
لا يملك
القدرة على مقاومته ودفعه. وهو ثانيا المصطلح ذو
الدائرة
الاوسع، ليشمل القوى الاجنبية
المتنفذةوالمهيمنة على
البلاد واهلها، وعلى الحكام المستبدين الدائرين في
افلاك تلك
القوى، دائرة الصراع التاريخي الذيكشف القرآن
حقيقته
وعرف بطرفيه: مستكبرين، ومستضعفين.
فكيف سيعرف الامام بنهجه ازاء ظاهرة الاستكبار
وهيمنته؟
«في كل الاحوال شعارنا قطع ايدي الاجانب الشرقيين
والغربيين عن البلاد. وذلك لان توقع تحقق التطور
والاستقلالوالحرية مع دخالة الاجنبي لا يعدو ان
يكون مجرد
حلم وخيال.. وكل شخص، في اي مقام كان، وباية صورة
كانت،يفسح المجال لتدخل الاجنبي في شؤون وطننا
العزيز،
سواء بشكل صريح، ام من خلال الاطروحات التي
تستلزماستمرار تسلطه الاجنبي، او تعطي امكانية
تجديد
تسلط، فان مثل هذا الشخص يعتبر خائنا للاسلام
والوطن،
ومنالضروري الحذر منه»((207)).
ففي الوقت الذي يتوجه فيه هذا الكلام، بشكله
المباشر، الى
المتنفذ الاجنبي الاستكبار العالمي فهو بالدرجة
نفسهامن
الوضوح يتوجه الى الحاكم المستبد، شاه ايران، الذي
يمكن
للنفوذ الاجنبي من التغلغل في البلاد والهيمنة
عليها،وهذا
الوصف بالخيانة انما يوجه اليه والى حكومته.
ومن زاوية اخرى، نقرا في هذا الخطاب شعارات ثلاثة
كبيرة
يرفعها الامام ويسعى الى تحقيقها، وهي:
التطور،والاستقلال،
والحرية.
والافق في ذهن الامام يتجاوز ايران، فهو تماما على
سعة الدائرة
التي استوعبت الصراع التاريخي بين
الاستكباروالاستضعاف،
فالهم هم هذه الشريعة الواسعة من ابناء العالم،
والتي مثلها في
عصرنا هذا ابناء الشرق عموما، حيثتحكمت القوى
الغربية
وفرضت سيطرتها.
«ان على الشرق ان يستيقظ.. ان عليه ان يستقل عن الغرب
بقدر ما يستطيع، فاذا كان يستطيع ان يفعل ذلك حتى
النهاية فليفعل، واذا كان بالفعل غير قادر على ذلك
فليفعل
المقدور، وليحاول على اقل تقدير ان ينقذ ثقافته»((208)).
وهنا يبرز دور الثقافة في الرؤية الخمينية لحركة
الشعوب، فاذا
استطاعت الشعوب ان تحافظ على ثقافتها تكون قدصانت
هويتها وحصنت نفسها من الذوبان في المشروع
الاستكباري،
وبهذا ستبقى ممسكة بمصدر قوتها الذي يبعثفيها على
الدوام
روح التحرر والاستقلال من الهيمنة، اجنبية كانت ام
وطنية.
«ان اسقاط الطاغوت، اي السلطات غير الشرعية
القائمة في
مختلف انحاء الوطن الاسلامي هو مسؤوليتنا جميعا.
يجبان
نستبدل الاجهزة الحكومية الجائرة والمعادية للشعب
بمؤسسات خدمات عامة تدار وفقا للقانون الاسلامي،
وشيئافشيئا تستقر الحكومة الاسلامية»((209)).
ويعيش الامام الخميني نصف قرن من حياته، في ايران
وخارجها، في مواجهة الحاكم المستبد واستنهاض الناس
ضده،حتى يشكل خطا اسلاميا ثوريا لا يرضخ للسلطان
وسياسته الجائرة، ويحث على اضرابات وتظاهرات
ويقودها
بنفسه،في حركة جماهيرية آخذة بالتوسع والانتشار،
ويذهب
المئات ثم الالوف شهداء في طريق الحرية والكرامة،
وامثالهمفي السجون، ويسجن الامام نفسه والمقربون
اليه، ثم
ينفى من البلاد في مهجر له مسلسل طويل ينتهي
بباريس،
ومنهايعود الى طهران بعد ان طردت جماهيره الشاه،
وتسقط
الحكومة المستبدة، وتمتلك الجماهير الثائرة
شؤونها،
وتعطيصوتها الحر للامام الخميني الذي فجر فيها
الثورة
وقادها، ثم لاطروحته في الجمهورية الاسلامية.
البعد الثاني: مواجهة التخلف والجمود والتبعية
«لقد بينا المخطط التخريبي المفسد للاستعمار،
والان يجب ان
نضيف عليه التاثيرات الداخلية لبعض افراد
مجتمعناوانهزاميتهم امام التقدم المادي
للمستعمرين»((210)).
وهنا يرى الامام ان الامة تنقسم الى ثلاث فئات،
يمثل الاولى
جمهور الامة، وهو وان كان يمثل القوة الحقيقية التي
لاتستطيع حركة او دولة ان تنهض من دونها، الا انه في
الاغلب
الاعم يدين بالتبعية، على نحو ما، الى الفئتين
الاخريين،وهما:
فئة المتعلمين والمثقفين بما يمتلكون من وسائل،
وهي الفئة
التي يمكن التعبير عنها بالمؤسسة
التعليميةوالثقافية، ثم فئة
رجال الدين او ما يمكن التعبير عنه بالمؤسسة
الدينية..
وعلى هذا فهو يخوض نضاله مع المؤسستين بما تمثلانه
من
رؤى واتجاهات، قاصدا التغيير الجذري الفاعل
فيهما،مستنهضا
الجمهور من حوله.
فعلى صعيد المؤسسة الاولى، يشخص الامام الخميني
اولا
خطورة الدور الذي تلعبه، فيقول «كلنا نعلم ان مصير
اي
بلدواي شعب واي نظام هو بعد عامة الجماهير بيد
الطبقة
المتعلمة، والهدف الكبير للاستعمار الجديد هو وضع
يدهعلى
مواضع هذه الطبقة، وكل ما لاقاه بلدنا في العقود
الاخيرة من
صدمة، او تحمله من عذاب كان على ايدي الخائنينمن
هذه
الطبقة، لقد كان الارتباط بالشرق والغرب من قبل
المتغربين
والمتشرقين ومن يصطلح عليهم بالمتنورين،والذين
انطلقوا
من الجامعات رغم ان قواعدهم الفكرية كانت قد تاسست
من
قبل في المدارس الابتدائية والمتوسطة،سببا في
توجيه
الضربات اللامعدودة الى ثقافتنا وديننا وبلدنا،
وذلك لان هؤلاء
الافراد قاموا من اجل استكمال ارتمائهمفي احضان
الشرق
والغرب، وفي الاخير امريكا، بتنفيذ كل ما استطاعوا
عليه مما
يعود نفعه على الاجانب»((211)).
لقد مني هؤلاء بالهزيمة النفسية امام الغرب،
فعاشوا التبعية
الفكرية والثقافية له بحذافيرها.. ولقد احس هؤلاء
بالانهزامعندما راوا البلاد الاستعمارية، او
بالاحرى ناهبي
الشعوب الاسيوية والافريقية، قد حققوا التقدم
العلمي
والصناعيوجنوا الثروات وانتخبوا الكماليات
المختلفة، فظن
هؤلاء ان الطريق للتقدم الصناعي هو التخلي عن
عقائدهموقوانينهم»((212)).
وستكون الخطورة اكبر حين يستولي هؤلاء على
المؤسسات
التعليمية والتربوية والاعلامية بشكل كامل،
فينفذون
منخلالها مشاريعهم في طمس هوية الجماهير، وجرها
في
قطار التبعية الزائفة.. «تعلمون ان العالم اليوم
يدور حول
محورالاعلام، ومن المؤسف ان من يسمون بالكتاب
المثقفين،
الذين تتجه ميولهم الى احد القطبين، بدل ان يفكروا
فياستقلال وحرية بلدهم وشعبهم، لا تسمح لهم الروح
الاستعلائية والانتهازية والاحتكارية لان يفكروا
لحظة وان
ياخذوابنظر الاعتبار مصالح بلدهم وشعبهم»((213)).
وهذا الاحساس المفتعل بالخواء والتخلف العقلي ادى
الى ان لا
نعتمد في اي امر من الامور على فكرنا وعلمنا،
واننقلد الشرق
والغرب تقليدا اعمى، بل ان الكتاب والخطباء
المهزومين امام
الشرق والغرب راحوا يسخرون ويستهزئونبما عندنا
من ثقافة
وآداب وصناعة وابتكار، وبذلك استاصلوا اصالة فكرنا
وقدرتنا
ودفعونا ويدفعوننا الى الياس،وروجوا بالفعل
والقول والقلم
العادات والتقاليد الاجنبية على ابتذالها
وفضاحتها، وقدموها
الى الشعوب بالمدحوالثناء»((214)).
وهذا تشخيص دقيق لظاهرة الاختراق الثقافي، القضية
الاكثر
خطورة على واقع الامة ومصيرها ومستقبلها،
ومصدرهاالاول
هو الشعور بالخواء والهزيمة امام القوي، شعور يدفع
الى التخلي
ولو بنسبة كبيرة عن الثقافة الذاتية، عن
الهوية،واتهامها بانها
مصدر الضعف والهزيمة، من دون التمييز بين نوعين من
اسباب التطور والرقي والتقدم، احدهما مستقل،ليس له
هوية
معينة، ولا وطن محدد، وهو التقدم العلمي التقني
والتجريبي،
اما الاخر فهو ابن الهوية، وصورتها الظاهرةفي
الحياة، وهو ما
تمثله المعارف والافكار والفلسفات والاداب وسائر
العلوم
الانسانية، فلا يمكن لهذه العلوم ان تستقلعن
هويتها التي
تنتمي اليها. وهذا ما ينبغي تحويله الى ثقافة عامة،
فالمطلوب
منا تطوير مناهج البحث في سائر العلومالانسانية
بما يتلاءم مع
طبيعة العصر وحاجاته، من دون ان نجتث جذورها
ونستعير لها
جذورا ليس لها مكان في بيئتنا.فان اجتثاث الجذور
الاصلية
واستعارة الجذور الدخيلة سيترك الامة لا محالة
شاعرة
بضياعها، لا تمثل ثقلا حقيقيا فيالواقع، اكثر من
كونها ذيلا
تابعا يجره المتبوع وراءه حيث شاء.
واصلاح الامر يبدا من ركنين اساسين: المناهج
الدراسية، ولا
سيما الجامعية، والاعلام، وكلا الركنين كان محل
تاكيدالامام
الخميني في مشروعه التغييري الاصلاحي.
«فالمطبوعات ينبغي ان تكون صوت الامة، وصوت
الاسلام،
وداعية الى احكام الاسلام، ومفعلة لهذه الاحكام،
ويلزمان تكون
مهذبة للمجتمع، وان تشيع الاخلاق الالهية في
المجتمع... ان
الضربة التي وجهت للاسلام من قبل مطبوعاتووسائل
اعلام
الطاغوت جاءت من جميعها حتى اصغرها واقلها شانا.
ولقد
جرت المطبوعات الفاسدة وتلكالمجلات الافسد،
وذانك
الراديو والتلفزيون الاشد فسادا، شبابنا الى مستوى
من الفساد
والانحطاط ليس من المعلوم انمراكز الفساد
والدعارة قد
حققته.. تلك المجلات وتلك المطبوعات وذانك الراديو
والتلفزيون وكل وسائل الاعلام هذهبدل ان تستجذب
شبابنا
الى الجامعة والى العلم والادب، جذبتهم الى جهة
الفساد»((215)).
وعلى الصعيد الجامعي، لابد من اسلمة الجامعة،
والاسلمة انما
تعني احياء المعارف والعلوم الانسانية بما يحفظ
لهاهويتها
الاسلامية، واحياء الشعور بالمسؤولية ازاء الدين
والشعب
والوطن. هذا من جانب، ومن جانب آخر، احداثتغييرات
جذرية
في مناهج تعاطي هذه العلوم لتكون على نحو بناء
وخلاق،
واحداث تغييرات مماثلة في طبيعةالتعامل مع
الثقافات
الاخرى، غربية او شرقية، حيث كانت تعتبر هي الاصول
التي
ينبغي ان تتبع وان تحتل موقعالصدارة في ثقافة
الفرد في
مجتمعاتنا.
هذا هو التصور الواضح للاسلمة في رؤية الامام
الخميني، وقد
اثار استغرابه بعض الافهام الساذجة التي
اعتبرتالاسلمة
مساوية للوقوف عند علوم الشريعة الاسلامية وتعطيل
سائر
العلوم الاخرى من رياضيات وفيزياء وكيمياءوعلوم
حيوان
ونبات وفلك وطبقات الارض وغيرها!! او انها تعني
الاتيان بعلم
فيزياء اسلامي، وعلم كيمياء اسلامي،وهكذا، بدلا من
هذه
العلوم التي تطورت في الغرب! الامر الذي دعاه الى
استنكار
هذا الفهم الساذج قائلا: «يلزمني اناذكركم بشيء
من خلاله
يتبين ما هو مقصودنا من اصلاح الجامعات، فالبعض يظن
ان
من يريد اصلاح الجامعات،ويبتغي اسلمتها، فمعنى ذلك
ان
هؤلاء يعتقدون ان العلوم على قسمين، فكل علم له
قسمان،
فعلم الهندسة قسم منهاسلامي وقسم غير اسلامي،
وعلم
الفيزياء قسم اسلامي وقسم غير اسلامي، ومن ثم
يعترضون من
هذه الجهة، وهي انهلا يوجد عندنا علم اسلامي وعلم
غير
اسلامي.. والبعض يتوهم ان هؤلاء القائلين بضرورة
جعل
الجامعات اسلاميةيعنون انه يدرس في الجامعات علم
الفقه
والتفسير والاصول فقط!! ان هذه اخطاء يفتعلها البعض
او يلقي
بنفسه فيها، انما نريد قوله هو ان جامعاتنا
جامعات مرتبطة
بالاجنبي، جامعات استعمارية، الكثير من المعلمين
متغربون،
وشبابنايحملون التغرب.. ان جامعاتنا ليست جامعات
مفيدة
للامة، نحن لدينا جامعات منذ خمسين عاما بميزانيات
ضخمةتقصم الظهر، وهي حاصل عناء هذه الامة، ومع
ذلك لم
نستطع خلال هذه الخمسين عاما ان نصل الى حد
الاكتفاء
فيالعلوم التي تدرس في جامعاتنا»((216)).
ولكن الامام لا يفوته التمييز بين واقع الجامعيين
عامة طلبة
وشبابا، وبين الطبقة الاخرى من المثقفين
المتغربين،
فيؤكد«ان الجامعيين معارضون للاستبداد وللحكومات
العميلة، ومعارضون للتسلط ونهب الاملاك العامة
والسرقة
والكذب».
كل ما في الامر انهم لم يسمعوا باسلام يعرض عرضا
صميما
يلفت انظارهم، فهذه مسؤولية ملقاة على عاتق من
ينتميالى
المؤسسة الدينية: «نحن مكلفون بازالة الابهام الذي
الصقوه
بالاسلام.. وان نبين الرؤى الاسلامية للكون
والنظمالاجتماعية
والحكومة الاسلامية.. واطمئنوا انكم لو بينتم هذا
المذهب كما
هو في الواقع، والحكومة الاسلامية علىواقعها فان
هؤلاء سوف
يتقبلونها، اذ ان الجامعيين معارضون للاستبداد...»((217)).
وعلى صعيد المؤسسة الدينية، الحوزة العلمية
للمؤسسة الدينية دورها الخطير واثرها الكبير في
المجتمع
والثقافة، ففي الوقت الذي يمكن لها ان تكون محورا
للحركةوالتطور والرقي والتحضر والازدهار
والاتحاد، فانها ايضا
قد تكون واحدا من اهم عوامل الضعف والتخلف
والتمزقوالضياع. وذلك من خلال برامجها في التعامل
مع
العلوم التي تتبناها ومع المجتمع والواقع.
والامام الخميني هو ابن هذه المؤسسة الفطن النبيه،
المتمرد
على جميع انواع الامراض الفكرية والاجتماعية،
الباحثعن
جذورها وعللها، قد ابدى جدارة فائقة وشجاعة فريدة
في نقد
هذه المؤسسة، وفي تحديد المحاور
الاساسيةلاصلاحها من
خلال وعيه الدقيق لدورها في المجتمع:
«ان نشر الاسلام وبيان مفاهيمه وتوضيح معالمه
يحتاج الى
اصلاح الحوزات العلمية، وذلك: بتكامل برامج
الدراسةواسلوب
التبليغ والتعليم، وتبديل التراخي والاهمال وعدم
الثقة
بالنفس بالجد والسعي والامل والثقة بالنفس...
وازالة الاثار الحاصلة في روحية البعض بسبب دعايات
الاجانب
وتلقيناتهم..
واصلاح افكار جماعة المتظاهرين بالقداسة الذين
يعيقون
عملية الاصلاح في الحوزات والمجتمع.
ونزع عمائم معممي البلاط، الذين يبيعون الدين
بالدنيا،
وطردهم من الحوزات»((218)).
فهو هنا يضع اربعة محاور لاصلاح المؤسسة الدينية:
المحور الاول: المناهج وآفاق التفكير
فما زالت الحوزات الدينية تتبنى مناهج تقليدية في
التعليم،
وتدور حول مديات محدودة، ومباحث قليلة الجدوى
فيعالمنا
المعاصر، فيما تغيب او تكاد عن الاهتمامات الجادة
التي ينبغي
ان يكون لها فيها الدور الرئيسي.
فيوجه الامام نداءه الى جيل الشباب في الحوزة
قائلا: «انتم
جيل الشباب في الحوزات العلمية يجب ان تكونوا
احياء،وان
تقوموا بحفظ استمرارية امر اللّه حيا..
وانتم جيل الشباب تحركوا باتجاه النضج والتكامل
الفكري،
ودعوا التفكير الهامشي الذي التصق بكثير من
العلوم، لانهذه
النظرة الضيقة تعيق الكثير منا عن القيام
بمسؤولياته
المهمة»((219)).
وياتي بالامثلة على محدودية التفكير السائد وضيق
الافق،
فيقول: «بما ان محور تفكير البعض لا يتجاوز محيط
المسجد،اذ انهم لا يمتلكون سعة الافق، فتراهم عند
الحديث
عن اكل السحت مثلا لا يخطر ببالهم سوى البقال
القريب
منالمسجد الذي يطفف في البيع مثلا، والعياذ
باللّه. فلا
يلتفتون الى التطبيقات الواسعة والكبيرة لاكل
السحت والنهب
التيتتمثل ببعض الراسماليين الكبار، او من
يختلسون بيت
المال، وينهبون نفطنا، ويحولون بلادنا الى سوق
لبيع
المنتوجاتالاجنبية غير الضرورية والغالية
الثمن، لكونهم
يمتلكون وكالات الشركات الاجنبية، ويملاون جيوبهم
وجيوبالمتمولين الاجانب من اموال الشعب عبر هذا
السبيل...
هذا اكل السحت على مستوى واسع ودولي، انه منكر
مخيف،واخطر المنكرات... ادرسوا اوضاع المجتمع،
واعمال
الدولة والجهاز الحاكم بشكل دقيق لتروا اي اكل
للسحت
مرعبيجري عندنا...»((220)).
انها ليست معالجة للمناهج وحدها، بل لافاق الفقه
ايضا، وحوار
جاد للانتقال بالفقه من دائرته الفردية، الضيقة
الى
دائرةالمجتمع الواسع، ليعالج مشاكل الحياة
والمجتمع ويقدم
حلوله المطلوبة لمشكلاتها الحقيقية المعاصرة. فهذا
الانحراففي الدائرة الضيقة عزل الفقه عن الحياة
واضفى عليه
صبغة الجمود والعزلة، حتى اصبح خصوم الاسلام
والجاهلين
به«يبثون ان الاسلام ليس فيه شيء، وانه مجموعة
من احكام
الحيض والنفاس، وان على الملالي رجال الدين
انيدرسوا
الحيض والنفاس»!
يقول الامام ضمن تشخيصه لهذه الحالة: «وهذا صحيح
ايضا، اذ
ان الملالي الذين هم ليسوا في وارد التفكير في
بياننظريات
الاسلام وانظمته ونظراته للكون، ويصرفون اغلب
اوقاتهم في ما
يقوله هؤلاء، وقد نسوا سائر كتب الفقه
وابوابه،يستحقون
التعرض لاشكالات وهجمات كهذه، فهم ايضا
مقصرون»((221)).
المحور الثاني: التظاهر بالقداسة
ظاهرة سلبية انطوائية، هي من صنف الحالات الصوفية
المتطرفة في السلبية والانطوائية، تجر المجتمع الى
الوراء،
وتعداي محاولة لاقتحام الحياة وفق مبادى الاسلام
عبثا وخرابا
ومضيعة للوقت الذي ينبغي ان يصرف في مواضع
العزلةوالانقطاع.
هذه الظاهرة من اكثر الظواهر التي تحمس ضدها الامام
وكشف عن سطحيتها، بل واقعها المزيف، وجابهها في
وقتمبكر بكل قوة وشجاعة، في الوقت الذي يشكل فيه
هؤلاء
تيارا خطيرا قادرا على اسقاط خصومه بشتى الاساليب.
يقولالامام الخميني: «هناك نمط من الافكار
البلهاء موجود في
اذهان البعض، حيث يرون مساعدة المستعمرين
والدولالجائرة
للمحافظة على وضع البلاد الاسلامية بهذه الصورة،
ومنع
النهضة الاسلامية. هذه افكار جماعة مشهورين
باسم«المقدسين» بينما هم في الحقيقة متصنعو
القداسة، لا
مقدسون. ويجب علينا ان نصلح افكار هؤلاء، ونوضح
موقفنامنهم، لانهم يعيقون نهضتنا وعملنا
الاصلاحي، وقد
كبلوا ايدينا».
ثم ينقل لنا موقفه المبكر ورؤيته الواضحة ازاء هذا
النمط من
رجال الدين فيقول: «اجتمع في منزلي يوما آية
اللّهالبروجردي،
وآية اللّه حجت وآية اللّه صدر الدين الصدر، وآية
اللّه الخوانساري
(رضوان اللّه عليهم اجمعين) لاجلالبحث في امر
سياسي،
فقلت لهم: قبل كل شيء احسموا وضع هؤلاء المتقدسين،
فان
وجود هؤلاء بمثابة تقييد لكممن الداخل، مع هجوم
العدو من
الخارج. ان هؤلاء اسمهم مقدسون، لا انهم مقدسون
واقعا،
وليسوا مدركين للمصالحوالمفاسد، وقد كبلوا
ايديكم... فعليكم
ايجاد حل لهؤلاء قبل كل شيء»((222)).
المحور الثالث: التاثير الاستعماري
لقد عمل الاستعمار وعملاؤه في الاجهزة التربوية
والاعلامية
والسياسية للحكومات العميلة لمدة قرون على
بثالسموم
وافساد افكار الناس واخلاقهم. والاشخاص الذين
يلتحقون
بالحوزة انما هم من بين افراد الشعب، ويحملونمعهم
التاثيرات الفكرية والاخلاقية السيئة ولا شك، اذ
الحوزات
العلمية جزء من الشعب والمجتمع((223)).
وهذا تفسير منطقي يفهم من هو قريب من المجتمع، واع
بالحياة ومعادلاتها، فهو في منجاة من تقديس غير
مبررللمؤسسة الدينية بحذافيرها ولكل من انتسب
اليها، وكان
من ولج ابوابها قد اجتثت جذوره من ماضيه وحاضره
واجتثتصلاته بكل ما حوله ليعيش وسطا مقدسا يغذيه
بالاخلاق والقيم مثلما يغذيه بالعلم والمعرفة..
فرجال الاصلاح
وحملةالوعي لا تعنيهم المظاهر الخارجية والمعاني
الاعتبارية
بقدر ما يعنيهم الواقع بسلبه وايجابه، «ان هذه
الاثار
ملحوظةبشكل واضح، اذ نجد ان البعض منا في الحوزات
يتهامسون باننا عاجزون عن القيام بمثل هذه الامور
(العمل
السياسيمن اجل اقامة حكومة اسلامية) مالنا ولهذه
الامور؟
نحن علينا ان ندعو ونجيب على الاستفتاءات فقط.. هذه
الافكار
منآثار تلقينات الاجانب، وهي من نتائج وصايات
السوء التي
كان يبثها المستعمرون خلال هذه القرون المتاخرة،
تغلغلتفي اعماق القلوب في النجف وقم ومشهد وسائر
الحوزات، وسببت الضعف والوهن، وهي لا تسمح
لحامليها
بالرشدوالنمو الفكري»((224)).
لقد اشاعت المؤسسات التبليغية للاستعمار بان الدين
منفصل
عن السياسة، وان علماء الدين لا ينبغي لهم ان
يتدخلوافي اي
امر اجتماعي.. وقد صدقهم البعض مع الاسف، ووقعوا تحت
تاثيرهم، وكانت النتيجة ما نراه الان.. انها
امنيةالاستعمار في
الماضي والحاضر والمستقبل»((225)).
المحور الرابع: علماء البلاط
طبقة انتهازية وضيعة مني بها الاسلام والمسلمون في
كل
زمن منذ ايام معاوية وحتى اليوم، همهم التقرب الى
السلطانوجلب مرضاته، فيحرفون الدين بالتاويلات
الباطلة،
وفي ما يسمونه احيانا بالحيل الشرعية، وبالالاعيب
المختلفة،حماية للسلطان وتسويغا لسياساته
واعماله، مكثرين
من الدعاء له والدفاع عنه بشتى الاساليب.
طبقة منافقة مزيفة لابد من فضحها وطردها من
المجتمع، او
تتوب وتعود اليه بوصفها جزءا منه لها ما له وعليها
ما عليه..وهذا
ما حدده الامام منذ البداية، حين جعل احد اهم
الواجبات
الضرورية لاحياء المجتمع ونشر التعليم
الاسلاميالصحيح، احد
اهم هذه الواجبات هو «نزع عمائم معممي البلاط..
وطردهم
من الحوزات»((226)).
وهكذا تعد المحاور لتستوعب هذه القضية من جميع
جوانبها،
انها الركن المهم الذي يجب ان يلعب دوره المباشر
فيعملية
التغيير والاصلاح، ومن هنا تكثرت النداءات البليغة
لهذه
الطبقة من قبل الامام وفي مختلف المناسبات:
«ابعدوا هذا الجمود عنكم.. اكملوا وانضجوا برامجكم
واساليبكم التوجيهية.. وابذلوا الجهود في نشر
الاسلام
وتعريفه..وصمموا على اقامة الحكومة الاسلامية..
وبادروا
للتقدم في هذا الطريق..».
«ضعوا ايديكم بايدي الشعب المناضل والباحث عن
الحرية..
ثقوا بانفسكم، فانتم تمتلكون القدرة والجراة
والتدبيرللنضال
في سبيل تحرير الامة واستقلالها..».
«فالفقيه هو الذي لا يخضع لنفوذ الاجانب، ولا يركع
للاخرين.. ويدافع الى آخر نفس عن حقوق الشعب، وعن
الحريةوالاستقلال، واراضي الوطن الاسلامي،
والفقيه هو الذي
لا ينحرف يمينا وشمالا»((227)). البعد الثالث: التاسيس والتنظير
|
|---|