الصفحة السابقة

الصفحة التالية

لعل من اهم الاشكاليات التي ظلت تلاحق حركات التحرر ومشاريع النهضة الاسلامية غياب النظرية الواضحة في طبيعة نظام الحكم الاسلامي وشكله، ففيما تتسع مساحة النقد وتشخيص الاخطا التي ينبغي تغييرها وتصحيحها، يغيب، اويكاد، الاطار العام لنظرية واضحة المعالم تعتمد في الاصلاح والتغيير، وفي فتح الابواب الجديدة لحركة متطورة، لاتتوقف ولا تتلكا. وما يقدم عادة من طروحات لا يتجاوز الخط العام الذي اصبح في هذا الزمن بحاجة الى مزيد من التفصيل والمعالجة لنواحيه وشعبه وتقسيماته والاسلوب الذي ينبغي اعتماده خلال ذلك كله.

لقد قام الكثير من الجهات الاسلامية بحركات سياسية كبيرة، واقتربت من الحسم لصالحها، لكنها تعثرت في هذه النقطة، اذ لم تتوفر على الرؤية الواضحة في طبيعة النظام الذي تريده وشكله، فثورة العشرين في العراق، وبعد ان خاضت معارك واسعة مع الاستعمار البريطاني واتسع جمهورها في ارجا العراق كله، وبعد ان اصبحت قيادتها قادرة على فرض شروطها على الانكليز، اكتفت بمطالب ضعيفة لا تتناسب مع ضخامة تضحياتها وسعة جمهورها، اذاختزلت الامر بالمطالبة بحاكم عربي، لا غير، واجرا تعديلات محدودة على الدستور.

والى هذا المستوى، او الى مستوى قريب منه، انتهت الحركة الدستورية في ايران (المشروطة)، فبعد ان حققت الانتصاروطردت الشاه تنحت جانبا واختزلت الامر ببعض الاصلاحات الدستورية، الامر الذي انقلب بعد عام واحد او اكثربقليل ليعود الشاه الى سلطانه وجبروته.

من هنا يتميز مشروع الامام الخميني بانه المشروع الاكمل، فبعد ان حدد ما يريد طرده وتغييره، وضع البديل الواضح المحدد المعالم في اطار نظري متكامل، ثم اضاف ما يضمن قدرة هذه النظرية على استيعاب مستجدات الحياة وتطوراتها..

وهنا نقف على قضيتين اساسيتين مثلتا الاطار النظري للحكم الجديد، وقابليته للانفتاح على الحياة.

الاولى: التاسيس في الفقه السياسي الاسلامي اذا كان الامام الخميني قد عرف ما لا يريده، فجاهد من اجل تغييره، فهو في الوقت نفسه قد عرف ما يريده، فاسس له ونظر، ووضع اطروحة متكاملة لمشروع الحكومة الاسلامية التي يدعو اليها ويطالب بها.. فهو لم يكن يريد تغييرات دستورية محدودة يعود الحاكم ليلتف عليها من جديد بمجرد احساسه بالقوة..

ولم يكن يريد تغيير هذا الحاكم والمجي ء بخر قد يتحول بعد قليل الى طاغية جديد.. لم يكن يكتفي باجرا بعض التغييرات على النظام الداخلي والامني، او على العلاقات الخارجية. . انه كان يريد، وبكل وضوح، اجرا التغيير الشامل لشكل النظام وطبيعته،واحداث نظام اسلامي يؤسس نظامه الداخلي وعلاقاته الخارجية على اساس مبادى الاسلام والمصالح الاسلامية العالية.

ولكي يتحول هذا الفهم من الحالة الشعاراتية الى المستوى العملي المعقول، فلابد من ان يجيب على اسئلة متعددة: اولها: هل للدين علاقة بالسياسة؟ ولقد اجاب الامام بكل جدارة عن هذا السؤال، واثبت ان هذه الاثارة ان هي الا من دسائس الغربيين الذين ارادوا ان يتعاملوا مع الاسلام كما تعاملوا مع المسيحية، وقد روج لها ضحايا الاختراق الثقافي الغربي او الشرقي، وصدقها بعض رجال الحوزة.. وقد تابعنا قبل قليل فقرات من اجابات الامام الخميني على هذه الشبهة.

وثانيها: ما هي علاقة الفقيه بذلك كله؟ وهذا ايضا قد اكثر الامام في الاجابة عليه وتوضيحه، مبينا انه من بنات الشبهة الاولى التي فصلت السياسة عن الدين،فهي لابد من ان تكتمل، لابد من ان تبعد الفقيه والمثقف الديني عن السياسة، وليشتغل بالاطار الديني الذي حددوه هم من عند انفسهم.. وبعد ما قدمناه مما يفيد في بيان جوانب هذه القضية من كلمات الامام، نورد هنا قوله: «اذا انتم استطعتم ان تعوا وتفهموا معنى الدين في ثقافتنا الاسلامية، فانكم ستشاهدون بكل وضوح ان لا تناقض بين القيادة الدينية والقيادة السياسية، بل كما ان الكفاح السياسي جزء من الوظائف والواجبات الدينية، فان القيادة وتوجيه الكفاح السياسي بعض من وظائف ومسؤوليات القيادة الدينية»((228)).

ان احكام الاسلام المقدسة تتعرض للامور السياسية والاجتماعية اكثر من تعرضها للامور العبادية.. ومنهج نبي الاسلام،بالنسبة الى شؤون المسلمين الداخلية والخارجية، يدلل على ان احدى اهم المسؤوليات الكبرى التي كان يتحملهاشخص الرسول الاكرم (ص) هي مهمة الكفاح السياسي»((229)).

- وثالثها: ما هو الدليل على ضرورة قيام حكومة اسلامية بعد الرسول (ص)؟ وجواب الامام على هذا السؤال جواب تاريخي، ومنطقي، وفقهي مفصل وواسع، ننتخب بعض ما يشير الى ابعاده المختلفة: 1 نحن نعتقد بالولاية، ونعتقد بلزوم تعيين النبي (ص) لخليفة، وانه قد عين كذلك، فهل تعيين الخليفة هو لاجل بيان الاحكام؟ فبيان الاحكام لا يحتاج لخليفة، اذ كان قد بينها الرسول (ص) بنفسه، او كتبها جميعا في كتاب واعطاه للناس ليعملوابه.

وكون تعيين الخليفة لازما عقلا انما هو لاجل الحكومة، فنحن نحتاج الى خليفة لكي ينفذ القوانين»((230)).

علما ان «لزوم تعيين الخليفة» كلمة اجماع عند المسلمين، وانما الخلاف في اصل هذا الوجوب هل هو العقل ام الشرع،فقد اسنده بعضهم الى العقل، وبعضهم الى الشرع»((231)).

2 وضع القوانين بمجرده لا فائدة فيه، ولا يؤمن سعادة البشر، فبعد تشريع القانون يجب ايجاد سلطة تنفيذية، ففي التشريع او الحكومة اذا لم يكن ثمة سلطة تنفيذية يكون هناك نقص، ولذا فالاسلام قام بوضع القوانين وعين سلطة تنفيذية ايضا، فولي الامر هو المتصدي لتنفيذ القوانين ايضا»((232)).

ويلتقي مع هذا الاستدلال استدلال الغزالي، بان نظام امر الدين مقصود لصاحب الشرع قطعا، وهذا لا يتم الا بامام مطاع((233)). ومع استدلال الماوردي بان طاعة اولي الامر التي اوجبها اللّه تعالى في القرآن تقتضي نصبهم وامامتهم، فاولوالامر هم الائمة المتامرون((234)).

3 ان ضرورة تنفيذ الاحكام التي استلزمت تشكيل حكومة الرسول الاكرم (ص) ليست منحصرة ومحدودة بزمانه(ص)، فهي مستمرة ايضا بعد رحيله. وفقا للايات القرآنية الكريمة. فان احكام الاسلام ليست محدودة بزمان ومكان خاصين، بل هي باقية وواجبة التنفيذ الى الابد، فلم تات لاجل زمان الرسول الاكرم (ص) لتترك بعده، فلا تنفذ احكام القصاص، اي القانون الجزائي الاسلامي، او لا تؤخذ الضرائب المقررة، او يتعطل الدفاع عن الاراضي والامة الاسلاميتين.

والقول بان قوانين الاسلام قابلة للتعطيل، او انها منحصرة بزمان او مكان محددين، خلاف الضروريات العقائدية في الاسلام.

وعليه، فبما ان تنفيذ الاحكام ضروري بعد الرسول الاكرم (ص) والى الابد، فان تشكيل الحكومة واقامة السلطة التنفيذية الادارية يصبح ضروريا»((235)).

4 لم يتردد احد من المسلمين في لزوم الحكومة بعد رحلة الرسول الاكرم (ص)، فلم يقل احد لا حاجة لنا بالحكومة.اذ لم يسمع كلام كهذا من احد على الاطلاق، بل كان الجميع متفقون على ضرورة تشكيل الحكومة، وانما كان الاختلاف حول من يتولى الامر ويكون رئيسا للدولة فحسب. لذا شكلت الحكومة بعد رحيل الرسول الاكرم (ص) في زمن الذين تصدوا للخلافة بعده، وفي زمن امير المؤمنين (ع)، وكان هناك نظام حكومي تجري من خلاله عملية الادارة والتنفيذ»((236)).

وليس في هذا الكلام خلاف بين علما الاسلام المتقدمين، بل حتى المتاخرين الى ان تضافر عاملان اثنان على توليدالراي المخالف لدى علي عبد الرازق في كتابه: «الاسلام واصول الحكم».. والعاملان هما: نقل السلطة العثمانية في ضبط الادارة وتطبيق الاحكام وتجديد الفقه بما يتلام ومتطلبات العصر.. ثم تفشي التاثير الغربي ثقافيا وسياسيا وظهورحركات الانفصال بين الدولة العثمانية، حركات قومية او وطنية، راى فيها الناس خلاصا من التخلف العثماني على مختلف الاصعدة.

5 هناك ضرورات داعية الى اقامة الحكومة الاسلامية، من بينها: ا «ماهية القوانين الاسلامية احكام الشرع وكيفيتها، فماهية هذه القوانين تفيد انها قد شرعت لاجل تكوين دولة،ولاجل الادارة السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع» ومن هذه القوانين «الاحكام المالية» و«احكام الدفاع الوطني»و«احكام احقاق الحقوق والاحكام الجزائية» و«ضرورة الوحدة الاسلامية»((237)).

6 بعد الادلة العقلية والتاريخية، وضرورات الدين والواقع، ياتي الاستدلال بالنصوص الحديثية الكثيرة التي تقضي بلزوم تاسيس حكومة اسلامية عادلة تحفظ نظام الاسلام وحقوق الناس ونظام الامة((238)).

التاسيس النظري للحكومة الاسلامية والسؤال الرابع والمهم، والذي سيميز مشروع الامام الخميني من غيره، هو: ما هي طبيعة الحكومة الاسلامية؟ وهل لدينا اطروحة لنظام حكم اسلامي؟ هنا قدم الامام اطروحته المتمثلة بنظرية «ولاية الفقيه».

ولم تكن هذه النظرية عند الامام اجابة اضطرارية تحت ضغط الواقع والحاحه، فهو لم يقدم هذه النظرية بعد ان اسقط النظام الملكي واصبحت ادارة الدولة وشؤونها مسؤوليته التي لا مفر منها، ليست «ولاية الفقيه» عند الامام من افرازات ظروف كهذه، بل كانت اطروحته التي اعدها في ايام مواجهته الطويلة للنظام، وبالتحديد في ايام هجرته في العراق. ففي العراق طرح هذه النظرية بشكلها الواسع والمتكامل والمفصل، والقاها على طلابه في الاونة الواقعة ما بين 13 ذي القعدة و 3 ذي الحجة من سنة 1389ه.ق. 1968م. ثم طبعت في كتاب لاول مرة في بيروت سنة 1970م. فيما كان انتصار الثورة الاسلامية بقيادته قد تحقق سنة 1979م.

وهذه الصفة تمنحها درجة اضافية من القوة، مع العلم انها ليست النظرية الوحيدة التي يمكن من خلالها اقامة حكومة اسلامية، لكنها نظرية قد اعدها صاحبها بجدارة ودعمها بالادلة، مقدما بذلك فعلا ايجابيا كبير الاهمية، بل قد كان له الفضل الاكبر في خلاص الدولة بعد انتصار الثورة من الحيرة والتخبط في البحث عن شكل للحكومة والنظام((239)).

التجديد في الاجتهاد الاهم، بعد قيام الحكومة الاسلامية، هو المشروع الذي يضمن لها الاستمرار الطبيعي، اي الذي تحافظ خلاله على مبادئها واهدافها التي قامت لاجلها، والذي يجعل وجودها وبقاها امرا طبيعيا، لا تناقض فيه.

وهي، لاجل ذلك، لابد من ان تتسلح بما يؤهلها للانفتاح على الحياة، والاستجابة لمتطلباتها، وتقديم الحلول الناضجة لاسئلتها المتجددة.

ومما لا شك فيه ان وجود ذهنية فقهية تقليدية، تتحرك ضمن آفاق محدودة، سوف يعرض الحكومة الى سلسلة لاتنتهي من الاحراجات، نهايتها الفشل الذي سيحول السلطة الى سلطة مستبدة بعد ان تكون قد شعرت بان وجودها لم يعد يمثل الحالة الطبيعية، وانها لم تعد تمثل الاستجابة المطلوبة لاحتياجات الواقع والمجتمع في هذه المرحلة.

وهنا ياتي دور التجربة في الخلق والابداع والابتكار، فالاستجابة لا تكون سابقة على التحدي، واذا كنا نؤمن بان الاسلام صالح لكل زمان ومكان، فهذا يعني انه يمتلك القدرة على الاستجابة لجميع التحديات الزمكانية.. وهذا يقتضي التجديد في ادوات التعامل مع التحديات المستجدة ولغته، الامر الذي يضيق به الافق التقليدي الذي توقف عند اطرمعينة نظر اليها نظرته الى ثوابت الشريعة.

وهنا تظهر جدارة الفقيه في التمييز بين ما هو ثابت وما هو متحول، وجدارته في اكتشاف الضوابط العامة التي تستوعب المزيد من التفريعات اللازمة لمتابعة حركة الحياة الدائبة والمتطورة.

فلابد للفقيه من ان ينتقل من وعي النص الى وعي الموضوع، فالحكم الذي يحمله النص انما هو بازا موضوع معين،والموضوع ستدخل فيه عوامل الزمان والمكان، وعندئذ لا معنى للتمسك الحرفي بالنص، وقد تغير موضوعه، فالفقه هو البحث عن الاحكام للموضوعات المتغيرة، وليس هو الجمود عند النص واهمال الموضوع، موضوع الحكم.

من هنا اطلق الامام نظريته الشهيرة في «تبدل الاحكام بتبدل الزمان والمكان»، وهو لا يريد بهذا ان الاحكام الشرعية في ذاتها سوف تتبدل، وانما يريد ان الزمان والمكان سيكونان سببا في تغير الموضوع لبعض الاحكام الشرعية، فاذا تغيرالموضوع اصبح ضروريا تغير الحكم بحسب الموضوع.

يقول الامام: «الزمان والمكان عنصران اساسيان مصيريان في الاجتهاد، فظاهر القضية التي كان لها حكم معين في السابق قد ينطبق على قضية اخرى، ولكن هذه القضية الثانية ذات الظاهر نفسه قد تستلزم حكما جديدا لوقوعها في ظل المحاولات الحاكمة على سياسات نظام ما واقتصاده ونظمه الاجتماعية.

اي ان المعرفة الدقيقة للعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تجعل نفس موضوع القضية الاولى الذي ينطبق في الظاهر على موضوع القضية الثانية يستلزم حتما حكما جديدا.

فالمجتهد ينبغي ان يكون محيطا بالقضايا المعاصرة.. ولا تستسيغ الجماهير والشباب، وحتى العامة، ان يقول مرجعهاالديني ليس لي راي في القضايا السياسية»((240)).

ويقول في موضوع آخر: «نصيحة ابوية اذكر بها الاعزة اعضا مجلس حماية الدستور.. فان واحدة من القضايا المهمة للغاية التي تقتضيها طبيعة العالم المعاصر المتخم بالاضطرابات هي ملاحظة دور الخصائص الزمانية والمكانية في الاجتهاد ونوعية القرارات المتخذة»((241)).

ولقد كانت هذه الحاجة في اطارها العام واضحة لديه تماما قبل ان يحتك بتجربة الحكم، فلقد كان على احتكاك مباشربالحياة الاجتماعية وتطوراتها، مختلفا تماما عن النمط التقليدي من الفقها الذين توقفوا عند حدود الموروث الفقهي وان قالوا بفتح باب الاجتهاد.

هو صريح في ان الاجتهاد بالحدود المعروفة والمالوفة غير كاف، فلابد من نظرة اوسع في الظروف التي تدخل في استنباط الاحكام، فليس المهم ان يكون باب الاجتهاد مفتوحا، كما هو مالوف، «لكن المهم المعرفة الصحيحة للحكم والمجتمع التي على اساسها يستطيع النظام الاسلامي ان يخطط لصالح المسلمين، فوحدة الرؤية والعمل ضرورية، ومن هنا فان الاجتهاد المصطلح عليه في الحوزات غير كاف..

وما لم يكن لعلما الاسلام حضورهم الفاعل في جميع القضاياوالمشاكل فلن يستطيعوا ادراك حقيقة عدم كفاية الاجتهاد الاصطلاحي»((242)).

وهكذا تتكامل الابعاد الاساسية في مشروع نهضة حضارية شاملة، لم تقف عند حدود التحرر الشكلي من الهيمنة الاجنبية كما فعلت حركات التحرر الاسلامية المتعددة، كحركة عمر المختار وعبد القادر الجزائري وثورة العشرين والمشروطة.. كما تعدت حدود الاصلاح السياسي الاوسع الدائرة التي ناضل من اجلها السيد الافغاني والكواكبي. . ثم هي اكبر بكثير من دائرة الاصلاح الديني التي اسس لها الشيخ محمد عبده. واوسع من دائرة الاصلاح السياسي والاجتماعي والتربوي التي قادها الشهيد حسن البنا، فهي نهضة شاملة في هذه الميادين جميعها.. يحق للامة المسلمة ان تفتخر بها بوصفها مشروعا اسلاميا حضاريا معاصرا، اثبت وجوده الفعلي على الواقع في خضم صراعات الحضارات، وخاض المعادلات الصعبة منفتحا على خصائص الحياة المتغيرة وشروطها، جامعا لشرائط المشروع المتكامل الذي يجيب عن اسئلتها، ويقدم الاستجابات المبدعة والخلاقة على تحدياتها.

الامام الخميني والنهضة د. رفعت سيد احمد (بحث في رؤية الامام الخميني لشروط البعث الاسلامي المعاصر وللمنظومة الاسلامية الاساسية) مدخل كان الامام الخميني (رحمة اللّه عليه) علامة فارقة في تاريخ الاسلام المعاصر، ليس بما قدمه من قيادة فذة لواحدة من ابرز ثورات القرن العشرين، وليس بما احدثه من خلال الثورة من تغيير هائل في موازين القوى وصراعاتها على امتدادالشرق الاسلامي وعالم المستضعفين فحسب، بل، وهذا هو الاهم، بما حمله وقدمه من رؤى اسلامية متجاوزة مهدت لهذه الثورة وما يليها من ثورات قادمة، رؤى قدمت «الاسلام المحمدي» في ثوبه الصحيح مع نهايات القرن العشرين الميلادي، بعد ان طال هذا الثوب العديد من الادران والامراض، بفعل حكومات الاستبداد والعدوان الخارجي وفقهاالسلطة المزيفين.

جا الامام الذي نحتفل اليوم بالذكرى المئوية لميلاده المجيد ليعيد للاسلام وجهه النقي، الطاهر، الثائر، وليقدم للامة الاسلام الرسالي، الاسلام المحمدي، في مواجهة «الاسلام الذي زيف».

ان الاضافة الكبرى للامام الخميني هي في رؤاه وفلسفته المتعددة الابعاد والتي نتناول منها هنا بعدا واحدا فقط، وهوالبعد الخاص بشروط النهضة والاحيا الاسلاميين ومكوناتهما، علاوة على اركان المنظومة الاسلامية الاساسية كماادركها الامام، وهي رؤية تكتسب اهميتها البالغة من كونها بمثابة «قوة دفع» ثابتة ودائمة لجميع الحركات والتيارات والافراض في عالم الاسلام الراغبين في الثورة والنهضة والاحيا، وانها ستمثل خلال القرن الحادي والعشرين (نستقبله بعد ايام) والذي يليه، زادا وهاديا ونبراسا لكل راغب في الانعتاق والنهضة، ومن هنا تاتي اهمية استشراف ملامح هذه الرؤية.

وبداية، يهمنا التاكيد ان الزعامة الدينية كان لها، ولا يزال، دورها المؤثر في قضايا الاحيا الاسلامي، بل في كافة قضاياالمجتمع الايراني((243)). ولقد ساعد في تبوى المعارضة الدينية لزعامة الجماهير بايران، على عكس بلدان كثيرة في العالم الاسلامي، عوامل عدة تاتي طبيعة المذهب الشيعي، وخصوصيته، بوصفه مذهبا ظل طوال التاريخ الاسلامي في جانب المعارضة السياسية للحكام، في المقدمة، تعقبها ضعف البدائل العلمانية من قيادة حركة الجماهير المسلمة،فحزب «توده» تعرض لضربات شديدة افقدته معظم قوته، ابتدا من عام 1953 عندما القي القبض على ثلاثة آلاف من اعضائه، وفي عام 1954 كشفت شبكته بالجيش ذات الخمسمئة ضابط.

ومرورا بعام 1963، عندما ادت الاوضاع الى تحويل المعارضة الدينية الى قوة سياسية مستقلة، ومع الثورة الاخيرة المعارضة ل «ديكتاتورية» الشاه، وضع الزعما الدينيون، وبخاصة الامام الخميني، والذي كان اكثر اتساقا في معارضة الشاه، على راس الحركة الجماهيرية، ولم يكن امام الجماهير الايرانية اي بديل للتطبيق سواه. واثبت الخميني في مايتعلق بالمهمة الاساسية للثورة في لحظات تصاعدها، اي مهمة الاطاحة بنظام الشاه انه اكثر «راديكالية» من اية قوة اخرى حتى بشهادة الكتاب العلمانيين المعادين للثورة((244)).

ان هذه القيادة «الراديكالية» لاية اللّه الخميني تتطلب التعرض للملامح العامة لرؤيته السياسية وللمنظومة الاسلامية وشروط النهضة والاحيا الاسلامي لديه، والتي يمكن تلمسها في تسعة عناصر على النحو التالي: 1 علاقة الاسلام بالثورة عن رايه في علاقة الاسلام بالثورة، يقرر الخميني ان جوهر الاسلام ثورة، وانه لا يوجد اسلام بغير ثورة: «فالاسلام هودين المجاهدين الذين يريدون الحق والعدل، دين الذين يطالبون بالحرية والاستقلال والذين يريدون الا يجعلواللكافرين على المؤمنين سبيلا»((245)) وهو يرى ان الاسلام يرفض النظام الملكي من اساسه، ومن ثم يلفت الانظار الى الاثم الذي يقع فيه المسلمون عندما لا يرفضون الحياة في مجتمعات يحكمها ملوك. وهو يقرر انه لا سبيل امام المسلم حقا الا طريق التمرد والثورة وشن الحرب على النظم الجائرة، واقامة العدل الاسلامي بالثورة ضد الطغاة: «ففي ظل حكم فرعوني، يتحكم في المجتمع ويفسده ولا يصلحه، لا يستطيع مؤمن يتقي اللّه ان يعيش ملتزما ومحتفظا بايمانه وهديه،وامامه سبيلان لا ثالث لهما: اما ان يقسر على ارتكاب اعمال مردية او يتمرد على حكم الطاغوت ويحاربه، ويحاول ازالته، او يقلل من آثاره على الاقل».

ولا سبيل لنا وفقا للامام الا السبيل الثاني: «لا سبيل لنا الا ان نعمل على هدم الانظمة الفاسدة المفسدة، وتحطيم زمر الخائنين والجائرين من حكام الشعوب، هذاواجب يكلف به المسلمون جميعا، واينما كانوا، من اجل خلق ثورة سياسية اسلامية ظافرة منتصرة»((246)).

والامام الخميني يذكر المسلمين بعامة، والشيعة بخاصة، بماثورات الائمة التي تجعل الثورة على الظلم اولى مهام المسلم في هذه الحياة. وهو يعلن بوضوح شديد: «اننا لا نخاف من شي ء. ان النبي (ص)، هزم في بعض الغزوات، اننانحارب بسيف اللّه وستستمر الحركة»((247)).

2 وظيفة العلما تنبغي الاشارة، بداية، الى ان وظيفة العلما داخل حركات الاحيا الاسلامي في السبعينات كان لها اهمية خاصة، على وجه التحديد داخل مصر وايران، ففي الوقت الذي كان فيه اغلب العلما الدينيين، في مصر، داخل اطار السلطة السياسية، كان للعلما الدينيين بايران استقلاليتهم الواضحة. هذا، ويلاحظ ان وظيفة العلما الاساسية، من وجهة نظرالامام، هي «التصدي للاستعمار والسيطرة الخارجية والظلم والتسلط الداخلي، فالاستعمار عدو المسلمين الاول الذي يمنعهم حريتهم، ويقضي على استقلالهم، وينهب ثرواتهم، ويمحو شخصيتهم بمحاولته اماتة دينهم في قلوب علماالامة»((248)).

يحلل الامام الخميني الاسباب الاقتصادية والاجتماعية والحضارية لظواهر الاستعمار، من سلب وسيطرة وعنصرية ومحو للثقافات الوطنية للشعوب المستعمرة. ويحلل، ايضا، الاساليب المختلفة لمقاومته عسكريا وسياسيا واقتصادياوثقافيا. وفي مجال مواجهة هذا الاستعمار يقتصر فقط على موضوع واحد، وهو اعادة تربية علما الامة واعداد فقهائهالهذه المسؤولية الجسيمة، ويتركز هذا الاعداد على نزع حب الدنيا من القلوب والتربية الخلقية وتزكية النفس وتهذيب السلوك وتنظيم المناهج وتربية الانسان، فالثورة الاخلاقية عند الامام الخميني شرط الثورة السياسية ومقدمة لها((249)).

3 رؤية الامام للمشكلات الاقتصادية التي تواجه عالم الاسلام يؤمن الامام بان النظام الاقتصادي الذي يصبو اليه لا يرتكز الى قوانين السوق والمزاحمة((250)) ولا الى التخطيط ورقابة الانشطة الاقتصادية من قبل الدولة، وانما الى الاخلاق: اخلاقية في الدوافع واخلاقية في المبادلات، وهو يطلب من شعبه احتقار المال والربح، وبعض وزرا حكومة بازركان لم ياخذوا من رواتبهم التي خفضت في وقت سابق، الا مايحتاجونه، ان حاجة كل فرد والقيمة الاستعمالية لسلعة ما ستعود وتتغلب على قيمتها التجارية((251)).

وهذه الرؤية البسيطة لقوانين السوق الاقتصادية، توازيها رؤية متكاملة للعالم ولقضاياه المختلفة: سياسية واقتصادية واجتماعية، وكان ما يحركه بشكل اساسي هو الاطار المفاهيمي للاسلام، من ثم كان منظوره دائما منظورا متجدداواخلاقيا، فهو يرى ان اكثر القضايا الاقتصادية تعقيدا يمكنها من وجهة نظره ان تحل بالاخلاق الاسلامية الحقة.

كان من الطبيعي، والحال كذلك، ان يختصر بعضهم جميع اسباب الثورة الاسلامية وما صاحبها، من احيا اسلامي فريدفي احداثه ودلالاته، لتصبح لديهم «ثورة خمينية» ، او «شيعية»، وهم ينظرون اليها نظرة المعادي الذي يؤلمه ان يكون لمثل هذه الزعامات الدينية دور في بلاده((252))، ويحرك هؤلا احيانا تعصب مذهبي ضيق الافق، او قوى سياسية اخرى لها اغراض محددة في ايران، الا انه، وفي الوقت الذي يقف فيه بعض الاسلاميين من قيادة الخميني لحركة الاحيا الاسلامي بايران موقف المعادي، والاتهام في النزاهة السياسية والعلمية، نجد في الغرب من يقرر هذه الحقيقة:«لا يستطيع حتى اعدا الخميني ان ينكروا عليه نزاهته، فقد كان يرد على بذخ الشاه بحياته المتقشفة، وعلى حفلات الاستقبال الصاخبة التي يقيمها «ملك الملوك» ببساطة الاستقبال الذي كان يبديه، وهو منفي في نوفل لوشاتو. لقدوهب الامام حياته لشعبه بالمعنى الاعمق للكلمة: «ما همي ان اقتل شرط ان تنتصر الثورة»((253)).

4 الغرب ضد الاسلام تتصف رؤية الامام الخميني للغرب والولايات المتحدة بالوضوح الشديد وبالادانة المستمرة، فقوى الاستعمار لديه مثلت، وفقا لقوله، «اصل كل المصائب»((254)). ويمكن تلخيص هذه الرؤية في العناصر الاتية: (ا) الغرب استعماري بطبعه (ب) الغرب هو الذي يبث الفرقة بين المسلمين (ج) ارتباط مصير المسلم بالنضال ضدالغرب (د) الغرب لدى الخميني تجسده، في هذه المرحلة، وبحق، الولايات المتحدة الاميركية.

وبتفصيل هذه النواحي يتبين الاتي: (ا) الغرب استعماري بطبعه ان الغرب استعماري بطبعه ومعاد للاسلام ولحركة الاحيا الاسلامي منذ قرون مضت. وفي هذا المعنى يقول الخميني،مخاطبا الحجاج بمكة المكرمة عام 1399ه: «قفوا في وجه اعدائكم المتمثلين في امريكا والصهيونية العالمية والقوى الكبرى سوا الشرقية منها او الغربية دون خوف او وجل». ثم يرى الخميني ان «الهدف الاصلي للدول الاستعمارية هوالقضا على القرآن ومحوه، والقضا على الاسلام وعلما الاسلام، ومن اجل الوصول الى هذا الهدف فهم يعزفون على كل نغمة يستطيعونها وبوسيلة عملائهم، وهم يبدون وجههم المعادي للاسلام القومي اكثر فاكثر»((255)).

وعداؤهم من وجهة نظره قديم»، فمنذ ثلاثمئة عام، حين وجد المستعمرون طريقهم الى العالم الاسلامي، وهم يهيئون الظروف للقضا على الاسلام، وهم لا يهدفون الى هذا لكي تسيطر المسيحية، فهم لا يؤمنون بالنصرانية كما لا يؤمنون بالاسلام، ولكنهم ومنذ الحروب الصليبية احسوا ان ما يقف حائلا دون منافعهم المادية وان الخطر الوحيد على هذه المنافع هو الاسلام وتعاليم الاسلام، وبنا على ذلك فان المستعمر وضع في راي الخميني «خطة محو الاسلام واحكام القرآن المقدسة»((256)) وجهازه الجبار هو الاداة لتنفيذ هذه الخطة المشؤومة، والخطة هي ان يتركوا الوطن متاخرا، وباسم تشجيع العلم و«كتائب التعليم يقمعون المدارس الدينية، والجامعات، وباسم الاسلام تهان احكامه المقدسة».

ان الاستعمار عند الخميني واحد، سوا كان يسارا ام يمينا، فقد اتفقا معا على القضا على الاسلام، وهما يسعيان للقضا على الدول الاسلامية واقتسامها ونهب خيراتها وثرواتها الطبيعية، وهما متفقان تماما على ذلك((257)).

(ب) الغرب الاستعماري هو الذي بث الفرقة بين المسلمين ولدى الخميني ان الغرب لا يبث الفرقة فقط، بل يوظف لصالحه كل شي ء حتى الصحافة والتلفاز والمدارس، ولقداثبتت احداث الثورة هذه الحقيقة((258)). وفي هذا المعنى يرى الخميني ان الايدي التي تبث الفرقة بين المسلمين هي ايد قذرة: «ان الايدي القذرة التي تبث الفرقة بين الشيعي والسني في العالم الاسلامي لا هي من الشيعة ولا من السنة، انهاايدي الاستعمار التي تريد ان تستولي على البلاد الاسلامية من ايدينا، والدول الاستعمارية والدول التي تريد نهب ثرواتنا بوسائل مختلفة وحيل متعددة هي التي توجد الفرقة باسم التشيع والتسنن»((259)).

(ج) ارتباط مصير المسلمين بالنضال ضد الاستعمار الغربي الخاصية الثالثة من خصائص رؤية الامام الخميني تتمثل في ان ماضي المسلمين وحاضرهم ارتبطا بالنضال ضدالاستعمار الغربي، بمعنى ان النضال مثل صفة اصيلة للاسلام في مواجهة المستعمر حتى في اضعف لحظات العالم الاسلامي. ان اكتشاف هذه الخاصية تطلب من الامام استيعاب كل الخبرة الاسلامية الاولى التي وجدت ايام الرسول،ثم الخروج بتصور متكامل لظرفيتها والواقع الذي كانت عليه. وهنا نجد الخميني ملما بكافة جوانب الجغرافية الاسلامية تاريخيا، باعتبارها جزءا من الخبرة التاريخية. فالدولة العثمانية، على سبيل المثال، كان ينقص رجالها الكفاة والجدارة والاهلية، وبعضهم كان مليئا بالفساد، وكثير منهم كانوا يحكمون الناس حكما ملكيا مطلقا، ومع ذلك كان المستعمرون يخشون ان يتسلم بعض ذوي الصلاح والاهلية من الناس، وبمعونة الناس، قيادة الدولة العثمانية، على وحدتها وقدرتها وقوتها وثرواتها، فتتبدد جميع آمال الاستعماريين واحلامهم، لهذا السبب، وما ان انتهت الحرب العالمية الاولى، حتى قسموا البلاد الى دويلات كثيرة وجعلوا على كل دويلة عميلا لهم((260)).

وبعد ان نجح الاستعمار في السيطرة على بلاد الاسلام، وفي تجزئتها، ركز جهوده الى جانب النهب الاقتصادي والسيطرة العسكرية على محو الطابع الحضاري المتميز وتزييف هويتها الفكرية الخاصة، وهو «الطابع والهوية النابعان من الاسلام» وفقا لقول الخميني بهدف الاحتوا الحضاري للامة، ومستهدفا تكريس سيطرته وتاييد نهبه واستغلاله...وعلى هذا الدرب، وفي هذا الميدان، كانت مدارسه ومراكز تبشيره والوان فكره وثقافته التي اخذت تتلقف ابنا الامة الاسلامية وتتعهد عقولهم منذ الطفولة.. ففي البدء اسسوا مدرسة في مكان ما، ولم نحرك ساكنا، وغفلنا، وغفل امثالناعن منع ذلك. ثم يخاطب الخميني المسلمين محذرا: «انا اقول لكم: انه اذا كان همنا الوحيد ان نصلي وندعو ربناونذكره، ولا نتجاوز ذلك، فالاستعمار واجهزة العدوان كلها لا تعارضنا، ما شئت فصل، ما شئت فاذن، وليذهبوا بما اتاك اللّه. .. هم يريدون نفطك... هم يريدون معاداتنا، يريدون ان يفتحوا اسواقنا لبضائعهم ورؤوس اموالهم»((261))... يريدون ابقانا على تخلفنا وضعفنا وبؤسنا، ليستفيدوا هم من ثرواتنا ومعادننا واراضينا وقوانا البشرية((262)). (د) الغرب يتجسد في الولايات المتحدة الاميركية الصفة الرابعة للغرب، عند الامام الخميني، هي انه يتلخص في «الولايات المتحدة الاميركية»، وهي تعد لديه راس الفساد و«الشيطان الاكبر»، اذ ان جميع «المصائب التي حاقت بنا وكل مشاكلنا من امريكا، كل المصائب التي حاقت بناوكل مشاكلنا مع اسرائيل، هؤلا النواب من امريكا، هؤلا الوزرا من امريكا، كلهم معينون من قبلها لقمع هذه الامة المظلومة، واقتصاد ايران والتجار في الفقر والافلاس، اما اصلاحات السادة فقد فتحت سوقا سودا لامريكا واسرائيل».ان امريكا اسوا من بريطانيا عند الخميني والسوفييت اسوا منهما معا، «والكل اسوا من الكل واكثر قذارة من الكل،لكن صدامنا في هذه المرحلة مع امريكا»((263)). وهو يرى، في تجسيده لحجم العلاقة التي اقيمت بين رجال الشاه وامريكا ونوعيتها، «انهم جعلوا الشعب الايراني اكثرذلة من كلاب امريكا، اذا داس احدهم كلبا امريكيا بعربته لن يسلم من العقاب، حتى شاه ايران لو داس كلبا امريكيا لن يسلم من المسالة، لكن لو ان طباخا امريكيا داس الشاهنشاه، فليس لاحد الحق في التعرض له، لماذا؟». يجيب الامام:«لان الحصانة واجبة للطباخين الامريكيين والميكانيكيين الامريكيين والعمال الفنيين الامريكيين، ولكن علماالمسلمين ووعاظ الاسلام وخدام الاسلام ينبغي عليهم ان يكونوا في السجون والمنافي»((264)).

ويؤكد الامام الخميني في موضع آخر: «نحن لا نتوقع شيئا من امريكا، وخصوصا ان حكومة ايران قد قطعت النفط عن اسرائيل والى الابد، واسرائيل من اقرب اصدقا امريكا».

ويؤكد الامام ان السيف هو عمل المسلمين، وذلك لان الامريكيين، قالوا: «ان الدين شي ء والسياسة شي ء آخر، ولاينبغي ان يتدخل رجال الدين في امر قط، ونحن ايضا صدقنا، والنتيجة هي ما ترى، هذه امانيهم، وكانت كائنة وستظل،يلعن اللّه الاستعماريين الذين جعلوا «الدعا» مسؤولية لنا فحسب، متى كان الدعا وظيفة لنا؟ عملنا هو السيف، عملناهو الحكم»((265)). 5 الامام وفلسطين تميزت رؤية الامام الخميني للقضية الفلسطينية بعدة خصائص يمكن استخلاصها من خلال تناول هذه الرؤية لمسالتين: (ا) مدركات الامام الخميني لطبيعة الصراع مع اسرائيل.

(ب) مستويات ادارة الصراع مع اسرائيل عند الامام.

(ا) مدركات الامام الخميني لطبيعة الصراع مع اسرائيل: يلاحظ الباحث ان الامام ادرك طبيعة الصراع مع اسرائيل بثلاثة معان: المعنى الاول: انه صراع مصيري، اي لابد من تدمير احد طرفيه. المعنى الثاني: انه صراع ديني بين المسلمين واليهود. المعنى الثالث: انه صراع متعدد الاطراف، والشاه وامريكا يمثلان اهم اطرافه. وقد تتداخل المعاني معا،ويصعب الفصل بينها، وبالرغم من ذلك فبالنسبة لمصيرية الصراع: نجد الامام يرى انه «مما لا ريب فيه ان واجب الشعب الفلسطيني، المسلم، هو واجب كل مسلم في اقاصي البلاد، فالمسلمون يد واحدة على من سواهم يسعى بذمتهم ادناهم»((266)). وهو دائما يكرر على قطع الايدي الاجنبية، وفي اغلب خطبه يؤكد على الاجتثاث من الجذور((267)).

ولان الصراع مصيري فهو يعد اتفاقات «كامب ديفيد» خيانة للاسلام والمسلمين والعرب((268)).

وبالنسبة للمعنى الثاني، اي المحتوى الديني للصراع، فان الامام لم يقل فقط، بل كان يفعل ايضا، فلقد حدد فور انتصارالثورة عام 1979 آخر جمعة في شهر رمضان من كل عام باعتبارها «يوم القدس»، وجعله احتفالا عالميا للقدس، وارسل الدعم المادي من اسلحة وافراد الى المقاومة اللبنانية في الجنوب والتي في طليعتها «حزب اللّه». وياتي ذلك من قناعته ان المعركة اساسا بين المسلمين واليهود وانه لا ينبغي على المسلمين، مثلا، تجديد بنا المسجد الاقصى، «ليترك كماهو تجسيدا لجرائم الصهيونية دائما امام انظار الامة الاسلامية، وكنقطة انطلاق شاملة نحو استرداد الاراضي الاسلامية الفلسطينية»((269)).

وبالنسبة لاطراف الصراع، وهو المعنى الثالث من معاني ادراك الامام لطبيعة الصراع مع اسرائيل، نجد الخميني يدرك انها متعددة سوا من حيث النشاة ام من حيث التطور، فهو يرى «ان اسرائيل وليدة التواط ى والاتفاق» بين الدول الاستعمارية في الشرق والغرب، وخلقت لقمع الدول الاسلامية واستعمارها.

وهي اليوم تحت حماية جميع المستعمرين ومجال تاييدهم، وليس هدف الدول الاستعمارية الكبرى من خلق اسرائيل هو «احتلال فلسطين فحسب»،«لكن لو اعطيت لهم الفرصة فسوف يكون لكل الدول العربية نفس مصير فلسطين اي الاحتلال المستمر» .

((270)) (ب) مستويات ادارة الصراع مع اسرائيل عند الامام الخميني: اما بالنسبة لمستويات ادارة الصراع مع اسرائيل،عند الامام، فالباحث يلاحظ انه لا يوجد سوى مستوى واحد فقط، وهو مستوى الكفاح المسلح (الجهاد) «المليوني»،بمعنى الحرب الشعبية طويلة الامد، ويتضح ذلك لدى تحليل جميع خطب الامام تجاه «اسرائيل»، فالباحث لم يجدلديه اي محاولة لادخال مستوى جديد على مستوى الكفاح المسلح، او الجهاد بمعنى ادق..، مثل مستوى الاداة الدبلوماسية، او الصراع السياسي، او توزيع الادوار بين السياسة والحرب. ان اللغة السائدة في الخطاب السياسي للامام هي لغة الحرب، ولا توجد لغة اخرى يمكن استشرافها. فهو مثلا في الندا الذي وجهه بمناسبة مرور 25 عاما على الثورة الجزائرية في 2/10/1979يقول: «ونحن ندين بشدة المؤامرة المصرية الامريكية الاسرائيلية الهادفة الى ضرب حركة الشعب الفلسطيني الكبرى، ايها الرؤسا والممثلون للدول الاسلامية المجتمعون في الجزائر العزيزة،تعالوا لنتحد ونقطع ايدي الجناة الشرقيين والغربيين وعلى راسهم امريكا واسرائيل وان نجتثها من جذورها لارجاع حقوق الشعب الفلسطيني»((271)).

وفي ندائه الى حركات التحرير العالمية، في 15/11/1979، يقول لهم: «انهضوا ودافعوا عن كيان الاسلام وعن شعوبكم واوطانكم، فاسرائيل قد اخذت بيت المقدس من المسلمين». وهو يدعو المسلمين الى «ان ينهضوا ويدافعوا عن الاسلام وعن مركز الوحي بالكفاح المسلح»((272)).

6 خصائص رؤية الامام للنظم المستبدة (نظام الشاه انموذجا) كثرت، في خطب الامام الخميني، توصيفاته للنظم المستبدة، وتمثل نظام الشاه انموذجا لها، فقد كثرت ادانته المستمرة له منذ عام 1963 على اقل تقدير وحتى انتصار الثورة الاسلامية عام 1979م.، بل ان الخطاب السياسي لاية اللّهالخميني استمر في ادانة هذا النظام بعد اسقاطه، ولعل ذلك من قبيل تاكيد شرعية الثورة على الحكم السابق، ولترسيخ قيم الثورة في الاجيال الجديدة التي تفتحت على احداث الثورة.

وباستعراض اهم اقوال الامام بشان الشاه والحزب الواحد الذي انشاه «حزب رستاخيز»، نلاحظ ان الخميني يبدا بادانته صراحة مستندا الى اقوال الرسول (ص) قال: «ان ملك الملوك، اي الشاهنشاه، من اكثر الالقاب بغضا الى اللّه تعالى. ان الاسلام لا يتفق في الاصل مع نظام الشاهنشاه، وكل من يمعن النظر في نظام الحكم يدرك ان الاسلام جا ليحطم كل قصور الظلم الشاهنشاهية، والشاهنشاهية من اكثر النظم عارا ورجعية»((273)).

ويؤكد الامام على «ان القرآن في غاية الجدية في الثورة على السلاطين، وهناك روايات عديدة رويت في مجال القيام ضد السلاطين والظلمة واولئك الذين يعتدون على الدين، وانه، منذ بداية تاريخ البشر، والانبيا والعلما مكلفون دائمابالقيام ضد الجبابرة والظلمة والنضال ضدهم». وهذا يدفع الخميني الى القول: «ان حب الملك يعني الاعتدا على احكام الاسلام وتحريف القرآن الكريم، حب الملك يعني قمع رجال الدين ومحو آثار الرسالة واضعافها وذلك من وجهة نظره لانه منذ ان وجد النظام الشاهنشاهي في ايران وحتى الان، ويعلم اللّه كم من المصائب اصابنا بها، وكم من الجرائم ارتكبها: ان جرائم ملوك ايران تسود وجه التاريخ، ملوك ايران المجرمون هؤلا هم الذين كانوا يامرون بارتكاب المذابح العامة واقامة م آذن من رؤوس الضحايا»((274)). وبنا على هذا التصور المحدد الاركان كان طبيعيا ان يقضي الامام على نظام الشاه، وذلك لاتصاف منهجه بعدد من الامور، حيث نجد ان حجر الزاوية الاول في منهجه هوالمعارضة التامة للشاه «بهلوى» وللملكية، انه كان يصف حكم هذه الاسرة، بثبات واستمرار لا ينقطعان، بانه غير قانوني وغير شرعي. ولم يتزحزح عن هذه الفكرة طوال مدة معارضته للحكم. وحجر الزاوية الثاني هو كشفه من دون كلل آعن ان هذا النظام مجرد دمية في ايدي امريكا واسرائيل، وان الدور الاسرائيلي في ايران كان عميقا جدا ولم يكن يسبقه الا دور الامريكيين، حيث كان الامريكيون والاسرائيليون هم الحكام الفعليون لايران. وحجر الزاوية الثالث في منهج الامام هو اصراره من دون هوادة كذلك على ان اي قدر من «الاصلاح الدستوري» لن يجعل من الشاه شخصا مقبولا.واخيرا، رفض الامام معالجة «الجبهة الوطنية» التي كان يقودها «محمد مصدق» للموقف، وهي المعالجة القائمة على «الاصلاح»، لقد كانت «الجبهة الوطنية» مستعدة للتعامل مع اسرة «بهلوي» الملكية، فلقد ظن زعما الجبهة انه من المستحيل ازاحة الاسرة الملكية، وانه لا سبيل الى احراز التقدم الا بقبول الاسرة الملكية لمدة من الزمن، ولا يمانعون في استمرار الشاه متربعا على العرش، فقالوا: «نتركه يملك دون ان يحكم»، ولكن الامام الخميني رفض هذه المعالجة للموقف، واصر على انه «لن يحكم بل عليه الخروج لا غير»((275)). 7 خصائص رؤية الامام الخميني للبديل الاسلامي الذي ينشده بتحليل احاديث الامام واقواله يتبدى للباحث ان الاسلام حكومة وعقيدة هو البديل الذي ينشده آية اللّه الخميني،فهو يريد حكومة اسلامية، وهو يريد عبادة اللّه في الارض، وعند بعض المخالفين له في الراي، هو يريد ولاية الفقيه بمعناها السياسي الواسع وليس فقط حكومة اسلامية. وهو، في راي هؤلا، يناهض مفهوم الخلافة الاسلامية العدا،غير ان تتبع رؤية الامام الخميني من واقع اقواله وخطابه السياسي يساعد في بلورة التصور الامثل للبديل الاسلامي الذي ينشده ويحدد خصائصه بدقة. وهذه الخصائص تنحصر في ما ياتي: (ا) الهدف هو الاسلام (ب) انشا الحكومة الاسلامية (ج) تدعيم مفهوم الدولة المحمدية (د) تصفية جميع اركان النظام السابق.

(ا) الهدف هو الاسلام: بداية، يرى الامام الخميني ان الهدف لديه هو الاسلام، وان البرنامج ايضا هو الاسلام، وهذه الخاصية تظهر واضحة في اعلانه الواضح ان الهدف هو: «الاسلام واستقلال الوطن وطرد عملا اسرائيل والوحدة مع الدول الاسلامية، نحن مسؤولون عن حفظ الاسلام، وهذا تكليف اهم من كل التكاليف الشرعية حتى الصلاة، هذا هوالتكليف الذي ينبغي ان تسيل في سبيله الدما، ليس دمنا اغلى من دم الامام الحسين الذي سال في سبيل الاسلام،هذه هي قيمة الاسلام التي ينبغي ان نعيها ونعلمها للاخرين»((276)).

(ب) البديل انشا الحكومة الاسلامية: ومن جهة اخرى، فان الامام يهدف الى انشا حكومة اسلامية يخرج رئيسها من المسجد، اي من العلما، ولتلك الحكومة خصائص محددة، حيث انه لا احد يحكم فيها، فالحكومة الاسلامية حكومة الشريعة، «لا احد يحكم، الشريعة هي التي تحكم، الشريعة هي القانون الالهي بين البشر وبين الدول الاسلامية، اخذا عن الرسول (ص) وسائر الخلفا (رضوان اللّه عليهم) وسائر الافراد، اولئك الذين اتبعوا القانون الذي نزل من اللّه تبارك وتعالى وعلى لسان نبيه». ورئيس تلك الحكومة من وجهة نظر الخميني لابد من ان ياتي من المسجد، «رئيسنا المسلم هو ذلك الشخص الذي كان يجلس في المسجد ويصدر الاحكام، وينفذ الجيوش، او كما يروى اذا دخل احد المسجدولم يكن يعرف رسول اللّه فانه لا يستطيع ان يميزه عن غيره، وكانت الدولة تدار ببساطة وبعدل تام»((277)). وفي راي بعضهم ان الامام يريد ولاية الفقيه واعادة نظرية الامامة بوصفها بديلا اسلاميا، وانه لا يملك اي اضافة جديدة ولاغيره من فقها الشيعة بشان نظرية «الامامة» فهم شيعة اثنا عشرية تقليديون، يخلو فكرهم من اية نظرة نقدية لتراث الشيعة القائل «بالنص والوصية من اللّه للائمة الاثني عشر بالامامة» .

ثم يؤكد اصحاب الرؤية السابقة ان الامام، رغم ذلك، استطاع الاجتهاد على الاقل في العناصر الاتية: اولا: تشخيص الواقع البائس الذي يحيا فيه المسلمون.

ثانيا: ابراز تناقض هذا الواقع مع الاسلام، نهجا وفكرا.

ثالثا: التركيز على «عموم ولاية الفقيه»، بوصفها موقفا عمليا مدعما بالفكر النظري، يتجاوز به الشيعة الجمود الذي شل حركتهم الثورية منذ غيبة الامام الثاني عشر((278)).

وفي راي بعض آخر من المعارضين لفكر الامام الخميني بشان البديل الاسلامي، ان الشيعة، وعلى راسهم الخميني،يعتقدون ان الاسلام لم يتمثل في دولة الا في عهد الرسول (ص) وعهد علي كرم اللّه وجهه، وقد استمر كلام الامام الخميني في تجاهله للخلافة الراشدة وفقا لزعم هؤلا الكتاب((279)) لانهم يرون انها خلافة مغتصبة وغير شرعية وشؤون الحكم عندهم مقصورة على الائمة «الاثني عشر» ونوابهم، ولهذا فالشيعة يهاجمون الخلافة الاسلامية في حقب التاريخ الاسلامي المختلفة، ويعمد «الرافضة»، كما يضيف هؤلا المعارضون، قديما وحديثا، الى تشويه التاريخ الاسلامي بكل وسيلة((280)). من اجل هذا هاجم الخميني وفقا لهؤلا الكتاب الخلافة في تاريخنا الاسلامي وكان يلمح تارة ويصرح اخرى.

ونحن نختلف مع وجهات النظر السابقة، وذلك لان الامام الخميني قد تجاوز هذه الخلافات نسبيا بعد الثورة، ففي خطابه الاول الشامل، يوم 1/4/1979، ارسى الامام نظريا دعائم البديل الاسلامي الحركي الذي ينشده، وهو يريدحكومة اسلامية لا تستند الى قوانين غربية، فيها وزارة واجهزة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لها علم اسلامي لدولة محمدية.

وهو يريد تصفية جميع وزارات العهد السابق. ثم اخيرا هو يريد ما يطلبه الشعب: «الجمهورية الاسلامية»بقوانينها وصحفها واجهزة البحث والوزارات الاسلامية فيها. وهو لذلك يرفض مفهوم ولاية الفقيه بالمعنى الضيق.

ان هذه الرؤية الشاملة ما لبثت ان تجسدت في تطبيقات عملية حين اقر دستور اسلامي شامل، واجريت انتخابات برلمانية لمجلس الشورى، واقيمت الجمهورية الاسلامية واسس الحزب الجمهوري الاسلامي((281)).

(ج) تدعيم مفهوم الدولة المحمدية: والامام يلفت الانتباه بمقولة «الدولة المحمدية»، وهي المقولة التي تدحض راي المخالفين له: «فنحن نسعى لبنا دولة محمدية، يجب الا يكون العلم الايراني علما شاهنشاهيا، الشعارات والعلامات يجب الا تكون شاهنشاهيه، يجب ان تكون الشعارات اسلامية، يجب ان يزال شعار «الاسد والشمس» المشؤوم من جميع الوزارات والادارات، يجب ان تكون رايتنا الراية الاسلامية، يجب ان ترحل آثار الطاغوت، هذا من آثار الطاغوت،يجب ان تكون الاثار اسلامية»((282)).

(د) تصفية كافة اركان النظام السابق: والامام يدعو، في بديله الاسلامي، الى تصفية كافة اركان النظام السابق، حيث يرى انه لابد من التصفية في جميع الادارات((283))... في الوزارات اللصوص يخرجون، الخونة يطردون، ولكن الجميع ليسواخونة، الشرفا (في الجيش) يبقون اعزا، انتم ابنا الشعب الايراني صبرتم على جميع المصائب طيلة خمس وخمسين سنة، فاذا رايتم خطا فنبهوا المسؤولين»((284)).

الصفحة السابقة

الصفحة التالية