«اول المنهاج»

اعلام عصر العولمة: اين نحن من مقوماته وتحدياته؟
 
بقلم رئيس التحرير

لا جدال في ان للاعلام، بوسائله المتاحة في كل عصر، دورا وتاثيرا كبيرين في تشكيل ثقافة الناس وقيمهم، وصياغة وجدانهم وحسهم المشترك، وتوجيههم في حياتهم العملية الوجهة المناسبة لمضمونه.

ولقد اولى الاسلام، منذ ظهوره، الاعلام العناية التي يستحقها، سوا في الدعوة اليه وابلاغ رسالته، ام في عملية البنا والتغيير الاجتماعي التي اطلقها في المجتمع الجاهلي لجهة صياغته وفقا لتعاليمه واهدافه، ام في ادارته للحواروالصراع مع الاتجاهات المخالفة والقوى المتحجرة المضادة.

وهناك حديث شريف معروف تحدث فيه النبي (ص) عما فضل به على سائر الانبيا من قبله، فذكر ستة امور، اثنان منها لهما صلة وثيقة بالاعلام، وهما ما عبر عنهما بقوله (ص): «نصرت بالرعب واعطيت جوامع الكلم».

والمقصود ب«الرعب»، هنا، حالة الذعر والخوف الشديدين التي كان يستشعرها المشركون من مقاتلة المسلمين حينماكانوا يسمعون بمسيرهم اليهم للقتال. وهذه الحالة كان لها نوعان من العوامل والاسباب: اسباب غيبية، اشار اليها قوله تعالى في القرآن الكريم: (وقذف في قلوبهم الرعب)، واسباب طبيعية، تتمثل في ما كان يتخذه النبي (ص) من تدابيراعلامية لتخذيل العدو واخافته ينطبق عليها ما يعرف اليوم باساليب الحرب النفسية.

اما «جوامع الكلم» فالمقصودبها فن القول البليغ، وهو يتمثل عند النبي (ص) في نوعين من القول او الكلام البليغ،اولهما:

كلام الهي معجز كان يتنزل عليه من السما فيتلوه على الناس (قرآنا عربيا غير ذي عوج)، وثانيهما: كلام من انشائه (ص) ضمنه هدى الاسلام، وبين فيه مفاهيمه وشرائعه واخلاقه، وما اوصاه اللّه تعالى به من حكمة.

ولقد كان فن القول، في عصر ظهور الاسلام، يمثل الوسيلة الاعلامية الرئيسة، وكان يتمثل في نوعين، هما: فن الخطابة،وفن الشعر. ويمكننا ان نتصور المستوى المدهش الذي وصل اليه الاسلام في اهتمامه بهذين الفنين الاعلاميين وقت ظهوره حينما نعرف انه لم يكتف بتوظيفهما والافادة منهما في تحقيق اغراضه ضمن الحدود والامكانات التي بلغاهامن التطور فحسب، وانما طورهما وهذبهما وارتقى بهما شكلا ومضمونا الى مستوى رفيع لم يبلغاه من قبل.

اما الخطابة فلقد ارتقى بها من شكلها البدائي ومضمونها الفقير المحدود اللذين عرفتهما على ايدي الكهان السجاعين وخطبا المنافرات الى شكل فني مبتكر طليق، ومضمون غني واسع الابعاد، كما رسم لها في نظامه التشريعي العام الاطر والمجالات التي تتحرك فيها وتمارس دورها وتاثيرها من خلالها، كما نلحظ ذلك في تشريع الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تشريع الخطبة في صلاة الجمعة وغيرها من المناسبات والاحوال الخاصة.

اما الشعر فهو، وان لم يؤثر في شكله وفنياته بنحو ملحوظ على المدى القريب، ولكنه اثر في مضمونه فنفث فيه من روحه، واشاع فيه قيمه، وهذب معانيه واغراضه ودعا الشعرا الى الكف عن اتخاذه وسيلة لهتك الحرمات واشاعة المنكرات واثارة الاحقاد والعصبيات وكل ما يدعو الى الفتنة بين الناس، كما اشارت الى ذلك سورة «الشعرا».

ان هذا الموقف المدهش الذي وقفه الاسلام حين مجيئه من قضية الاعلام يدعونا، بوصفنا مسلمين ملتزمين بالاسلام وبمشروعه الحضاري العالمي، الى اتخاذ الموقف المناسب مما تطرحه هذه القضية علينا من مشكلات وتحديات في هذا المنعطف من عصرنا الراهن الذي دخلت فيه البشرية بفضل وسائل الاعلام والاتصال الفضائية المتطورة عصرعولمة الثقافة.

ان الثقافة التي تقوم بعولمتها هذه الوسائل الاعلامية القادرة على تجاوز الحدود المحلية والاقليمية ومخاطبة الانسان مباشرة بالصوت والصورة عبر الفضا اينما كان هي، بطبيعة الحال، ثقافة القادرين على صناعة الاعلام والمنتجين لمادته ومكوناته.

فهل نحن من بين هؤلا؟ او بالاحرى اين نحن من هؤلا؟ اين نحن من تقنيات الاتصالات المتطورة واقمارها الصناعية ومحطاتها الفضائية؟ اين نحن من ثورة المعلوماتية وشبكاتها الدولية؟ اين نحن من وكالات الانبا وصناعة الاخبار العالمية؟ اين نحن من شركات الانتاج والتوزيع السينمائي العالمية؟ اين نحن من قنوات التلفزة الفضائية؟ اين نحن من معاهد تاهيل التقنيين والفنيين اللازمين لتشغيل جميع هذه المرافق والمؤسسات الاعلامية وادارتها؟ اين نحن من معاهد اعداد الاعلاميين المتخصصين والفنانين الموهوبين القادرين على التعبير بلغة فنية مشوقة قوامهاالصورة والصوت، وليس بلغة تقريرية جافة قوامها الخطاب المباشر المعتمد في صفوف الدراسة ومنابر المساجد؟ ان العملية الاعلامية الحديثة، بعناصرها وانماطها المتطورة السابقة، تدخل في سياق مركب حضاري معقد يعيش المسلمون، الان، على هامشه وفي اطرافه، وليس في عمقه ومركزه.

وبتعبير آخر، ان قضية تخلف الاعلام الاسلامي هي جزء من قضية التخلف الحضاري الشامل الذي تعيشه الان الامة الاسلامية في جميع جوانب حياتها. ولكن هذه قضية تتحمل مسؤوليتها الامة كلها، وتتطلب معالجتها فسحة مفتوحة من الزمن لا يسوغ طولها وامتدادها الانتظار بعملية تطوير الاعلام الاسلامي حتى تستكمل جميع شروطها الحضارية العامة، لان معنى ذلك اننا نبقى طوال هذه الفسحة الزمنية المفتوحة الطرف القابل والمتلقي في معادلة عولمة الثقافة التي تقوم بها وسائل الاعلام المتطورة وتضخ من خلالها سيولا متدفقة من ثقافة اصحابها وقيمهم الهابطة.. ثقافة الالحادوالجنس، وقيم راس المال.

وفضلا عن ذلك، فان لدى الامة الاسلامية رسالة دينية ومسؤولية حضارية تفرضان عليها ان تتواصل مع الامم الاخرى،وتنفتح عليها لتبلغها هذه الرسالة، وتقوم بالدور الحضاري المسؤولة عن القيام به، وهذا ما لا يمكن ان يتحقق الا من خلال اعلام اسلامي يمتلك الوسائل والخبرات التقنية والفنية المتطورة ذاتها التي يمتلكها الاعلام غير الاسلامي،ويخاطب المتلقين باللغة وادوات التعبير الفنية الجذابة والمشوقة ذاتها التي يخاطبهم بها ذلك الاعلام.

والحقيقة ان هذه المهمة الصعبة لا يتحمل همومها ولا يدفع تكاليفها الا اصحاب التوجه الجاد في خدمة الاسلام ونشرثقافته وقيمه، وهم يتمثلون اساسا في المرجعيات والمؤسسات الدينية العامة للمسلمين المدركة لمسؤولياتها والواعية لعصرها، الى جانب قلة من المؤسسات الاعلامية الرسمية في بعض البلدان الاسلامية وبعض الهيئات والمؤسسات الاهلية الناشطة في مجال الدعوة والاعلام الاسلامي والتي لديها بالفعل مشاريع وتجارب رائدة في مجال الاعلام المرئي.

والمهم ان يدرك هؤلا الذين ينعقد عليهم الامل في القيام بهذه المهمة، وفي طليعتهم المرجعيات والمؤسسات الدينية العامة ان اولى خطوات تحقيقها واكثرها اهمية هي اعادة النظر في اساليب الدعوة وبرامج الاعلام والتبليغ الديني بحيث لا يقتصر فيها على اعداد الخطبا والوعاظ والمعلمين الذين يتخرجون في المعاهد والحوزات الدينية آعلى اهمية الدور الخاص المنوط بهؤلا وانما تشمل ايضا اعداد كتاب وفنانين وفنيين ملتزمين بالاسلام ومتشبعين بقيمه وثقافته ومتمثلين لمخزونه الفكري وتراثه الحضاري، وقادرين على صياغة ما تشبعوا به وتمثلوه من ذلك كله وافراغهفي اطر وقوالب الفنون السمعية والبصرية التي تعرضهاوسائل الاعلام.

واذا كان من العسير، وغير العملي، على مرجعيات المسلمين الدينية ان تعد هؤلا في جامعاتها وحوزاتها العلمية،فبامكانها ان توفد قسما من طلبة هذه الجامعات والحوزات، ممن لديهم المواهب والاستعدادات الكافية لتعلم تلك الفنون، في الجامعات والمعاهد المختصة، ليتخصصوا فيها ويلبوا حاجة الاعلام الاسلامي منها.

هذه رؤية مراقب غير متخصص في شؤون الاعلام لاشكالية العلاقة ما بين الاعلام المرئي والمسموع، وبخاصة الفضائي منه، وبين الثقافة ومنظومة الاخلاق والقيم الاسلامية، ولا شك في ان القارى سيجد رؤى اخرى اكثردقة وتفصيلا للسادة المختصين الذي شاركوا في ندوة هذا العدد من المنهاج التي خصصت لمناقشة هذه الاشكالية.

خالد العطية

«دراسات»

استبداد بعض الاوليا بالقصاص

 
السيد محمود الهاشمي

 
اذا كان اوليا الدم جماعة ، واراد بعضهم القصاص، فهل له ذلك مستقلا او لا؟ وقع هذا موقع البحث عند فقهائنا ضمن مسالتين:

اولاهما: جواز استبداد بعضهم بالقصاص لو اختار بعضهم الاخر العفو او الدية وعدم جوازه بمعنى سقوط حق القصاص بذلك.

وقد نسب الى الجميع في هذا الفرع عدم السقوط وجواز الاقتصاص بعد دفع حصة الاخرين من الدية.

ثانيتهما: جواز استيفا بعضهم للقصاص من دون حضور الاخرين ولا اذنهم وعدم جوازه، والمشهور عند فقهائنا في هذاالفرع هو العكس اي عدم الجواز، وقد صرح بذلك كثير من الاصحاب في كتبهم.

ولا شك في ان المسالتين متلازمتان في طرف النفي وعدم الجواز، اي اذا قلنا بعدم الجواز في المسالة الاولى وسقوط حق القصاص بالعفو او اخذ الدية من قبل بعض الورثة فعدم جواز الاستبداد بالاستيفا من قبل بعضهم مترتب عليه لامحالة، لان الحق اذا لم يكن ثابتا لكل وارث بل لمجموعهم فلا يحق لواحد ان يستقل بالاستيفا ما لم يطلبه المجموع.وانما ينفتح مجال للبحث عن المسالة الثانية بعد ثبوت حق القصاص في المسالة الاولى لكل وارث مستقلا وعدم سقوطه بعفو البعض، وان كان قد يستظهر من الجواهر وغيره على ما سياتي التلازم بين المسالتين في الاثبات والنفي معا، وانه لو كان الحق لكل وارث مستقلا في المسالة الاولى جاز له الاستقلال بالاستيفا في الثانية ايضا.

ولعله لذلك، ايضا، عقد في مباني تكملة المنهاج مسالة واحدة في المقام لا مسالتين. حيث قال في المتن: «مسالة 135: اذا كان للمقتول اوليا متعددون، فهل يجوز لكل واحد منهم الاقتصاص من القاتل مستقلا وبدون اذن الباقين او لا؟ فيه وجهان الاظهر هو الاول» ((1)). وفي الشرح بحث المسالة الاولى وان القصاص هل يسقط بعفو بعضهم او اخذه للدية اولا وجعل جواز الاستقلال من نتائج القول بعدم السقوط. الا ان الثابت في المتون الفقهية لفقهائنا عقد مسالتين مستقلتين كما ذكرنا، بل لعل في كتب العامة ايضا كذلك رغم ان اكثرهم يرون سقوط القصاص بعفو بعضهم او اخذ الدية.

وفي ما يلي نبحث كلا من المسالتين بحثا مستقلا، ومن خلال ذلك يتضح مدى ابتنا احداهما على الاخرى.

المسالة الاولى: في سقوط القصاص بعفو بعض الاوليا او اخذه الدية وعدمه.

وعبارات فقهائنا، في هذه المسالة، صريحة بعدم السقوط، كما يظهر من مراجعة كتبهم، ولم ينقل خلاف فيه عدا ما جافي كتابين:

احدهما: ما جا في الفقيه من الاقتصار على ذكر رواية السقوط، حيث قال: «روي انه اذا عفا واحد من اوليا الدم ارتفع القود».

الثاني: ما في الشرايع بالنسبة لفرض اخذ بعض الاوليا الدية من دون فرض العفو، حيث قال: «اذا زادوا على الواحدفلهم القصاص. ولو اختار بعضهم الدية واجاب القاتل جاز، فاذا سل م سقط القود على رواية، والمشهور انه لا يسقط وللاخرين القصاص بعد ان يردوا عليه نصيب من فاداه، ولو امتنع من بذل نصيب من يريد الدية جاز لمن اراد القود ان يقتص بعد رد نصيب شريكه، ولو عفا البعض لم يسقط القصاص، وللباقين ان يقتصوا بعد رد نصيب من عفا على القاتل».

واستند جملة من المتاخرين، كصاحب الرياض ومفتاح الكرامة والجواهر، وغيرهم، الى هذا الاجماع او عدم الخلاف،بل ذكر في الجواهر ان المسالة مفروغ منها.

الا ان الانصاف ان تحصيل الاجماع التعبدي الكاشف عن قول المعصوم (ع) في مثل هذه المسالة التي فيها روايات عديدة وللقائلين بالجواز فيها استدلالات ووجوه صناعية مختلفة، مشكل جدا. هذا مضافا الى تعبير صاحب الشرايع عن القائلين بهذا القول بالمشهور، بل ذكر في كتابه الاخر المختصر النافع انه الاشبه، وعبر بعضهم عن هذا القول بانه الاشهر، الامر الذي يعني ان القول الاخر ايضا مشهور او ليس بشاذ على الاقل.

فاثبات هذا الحكم بالاجماع المزعوم محل اشكال صغرى وكبرى. وانما المهم ملاحظة الادلة الاخرى. فنقول:

لا شك في ان مقتضى الاصل الاولي، اللفظ ي والعملي، هو حرمة قتل النفس المحترمة الا بالحق، فاذا لم يثبت بدليل في مورد جواز القتل قصاصا كان المرجع عمومات حرمة القتل من قبيل قوله (ص): «دم المسلم على المسلم حرام»ونحوه، كما ان مقتضى الاصل العملي العقلي والشرعي حرمة قتله، وقد يقال:

ان مقتضى الاستصحاب بقا حق القصاص لكل ولي بعد عفو بعضهم او قبولهم الدية، فيكون مقتضى الاصل جواز القصاص كما لعله ظاهر الشيخ منه في الخلاف والجواب: ان الاستصحاب المذكور غير جار لان الحالة السابقة المتيقنة ليست هي جواز الاقتصاص لكل ولي بل لمجموعهم، وهو بالعفو ساقط. واما ثبوته للواحد فهو مشكوك الحدوث مسبوق بالعدم، فالاستصحاب ينفيه ولا يثبته كما هو واضح. نعم، لو فرض احراز الحق ثابت حدوثا لكل ولي مستقلا وشك في سقوطه تعبدا بعفو بعضهم،كان مقتضى الاستصحاب بقاه عند الشك كما لا يخفى، وهذا يعني ان القائل بجواز قصاص بعض الاوليا مع عفوبعضهم الاخر او اخذه الدية، عليه ان يثبت ذلك بدليل مخرج عن هذا الاصل، وقد استدل على ذلك في كلماتهم بعدالاجماع الذي عرفت حاله بدليلين اساسيين:

الاول: ظهور آية جعل السلطنة للولي على القصاص (ومن قتل مظلومافقد جعلنا لوليه سلطانا)، حيث ادعي ظهورها من الانحلالية وان حق الاقتصاص ثابت لكل وارث مستقلا، قال في مباني تكملة المنهاج في توضيح هذا الاستدلال وتفصيله:

«والوجه في ما ذكرناه هو ان حق الاقتصاص لا يخلو من ان يكون قائما بالمجموع كحق الخيار او بالجامع على نحوصرف الوجود او بالجامع على نحو الانحلال، اما الاول فهو مضافا الى ان لا دليل عليه بل هو خلاف ظاهر الاية الكريمة كما سنشير اليه ينافي حكمة وضع القصاص، حيث انه يمكن للقائل ان يتوسل الى عفو احد الاوليا مجانا اومع اخذ الدية ومعه يسقط حق الاقتصاص من الاخرين، فلو قتل واحد منهم الجاني والحال هذه كان قتله ظلما فعليه القصاص وهو مما لا يمكن الالتزام به، واما الثاني فهو ايضا كذلك، حيث ان لازمه هو سقوط القصاص باسقاط واحدمنهم، واما الثالث فهو الاظهر فان الظاهر من الاية المباركة (ومن قتل مظلوما...) بتقريب ان الحكم المجعول الطبيعي للولي ينحل بانحلاله، فيثبت لكل فرد من افراده حق مستقل كما هو الحال في سائر موارد انحلال الحكم بانحلال موضوعه، ولا يقاس ذلك بحق الخيار فانه حق واحد ثابت للمورث على الفرض والوارث يتلقى منه هذا الحق الواحد فلا محالة يكون ذلك لمجموع الورثة بما هو مجموع، وهذا بخلاف حق الاقتصاص فانه مجعول للولي ابتداوكونه حقا واحدا او متعددا بتعدد موضوعه تابع لدلالة دليله» ((2)).

ونتيجة هذا الاستدلال هو التفصيل بين حق قصاص النفس للورثة وحق قصاص الاطراف، كما اذا مات المجني عليه في قصاص الطرف قبل ان يقتص فورث الاوليا حق القصاص فانه يكون حقا واحدا للمجموع، لانه لو كان حقا واحداللمجني عليه انتقل الى مجموع الورثة، ومن هنا استدرك في مباني التكملة ذيل هذا البحث بقوله: «بقي شي ء: وهو ان ماذكرناه من الانحلال انما هو فيما اذا كان حق الاقتصاص مجعولا ابتدا للاوليا واما اذا كان مجعولا لهم من جهة الارث والانتقال من الميت كما اذا قطع الجاني يد احد متعمدا فمات المجني عليه قبل الاقتصاص اتفاقا، فان حق القصاص ينتقل الى ورثته لا محالة، وبما انه حق واحد فيثبت لمجموع الورثة كحق الخيار، ويترتب على ذلك سقوط حق الاقتصاص باسقاط واحد منهم كما انه يترتب عليه عدم جواز اقتصاصه بدون اذن الاخرين ثم انه اذا سقط حق الاقتصاص باسقاط البعض، فللباقين مطالبة الدية من الجاني فان حق المسلم لا يذهب هدرا» ((3)).

ويمكن ان يلاحظ على هذا الاستدلال بما يلي:

1 ان ما جا في صدر كلامه وكانه وجه مستقل عن الاية من ان حق الاقتصاص لا يمكن ان يكون قائما بالمجموع كحق الخيار لانه لا دليل عليه وينافي حكمة الوضع مما لا يمكن المساعدة عليه لانه يرد عليه:

اولا: يكفي عدم الدليل لعدم جواز الاقتصاص كما تقدم، لان النسبة بين قيام الحق بالمجموع او بكل فرد فرد من الورثة مستقلا نسبة الاقل الى الاكثر، فيكون الزائد على المتيقن وهو جواز القصاص عند ارادة المجموع فقط مشمولا لادلة حرمة القتل فلا يجوز استقلال كل وارث بالقصاص ولا يحق له عند عفو الاخر او اخذه الدية.

وثانيا: ان ما ذكر من منافاة هذا الاحتمال مع حكمة وضع القصاص غريب جدا، اذ كيف عرف ان الحكمة في القصاص استقلال كل وارث به؟ بل لعل جعله للمجموع هو المناسب لحكمة التحفظ على الدما، وهو المناسب لباب الارث كمافي الحقوق الاخرى المنتقلة اليهم من المورث، وهذا الحق ولو فرض جعله للورثة ابتدا الا انه لا اشكال في انه جعل لهم بعنوان الارث.

على ان ما ذكره من انه يلزم من فرض قيامه بالمجموع ان يحكم بالقصاص على من استقل من الورثة بذلك وهذا مما لايمكن الالتزام به، غير تام. فانه ربما يحكم بعدم القصاص حتى على القول بعدم جواز الاستبداد بالقصاص. قال الشهيدفي غاية المراد: «ويتفرع على القولين التعزير لو قتل وعدمه، اما القتل فالاقرب عندنا انه لا يقتل لانه مهدور بالنسبة اليه في بعضه ولانه شبهة لتجويز علما المدينة والشيخ استبداد كل وارث والخلاف في اباحة السبب شبهة». ولو فرض عدم تمامية ما ذكره الشهيد وشمول ادلة القصاص له يلزم به ولا محذور كما اذا قتله بعد العفو عنه.

2 ان ما افيد من دلالة الاية على الانحلالية وثبوت الحق لكل وارث مستقلا محل اشكال بل منع اما بدعوى: ان الاية ليست في مقام البيان من هذه الناحية ليتمسك باطلاق الولي لكل وارث مستقلا، وانما هي بصدد بيان جعل السلطنة له بمقدار الجناية لا اكثر ولهذا فرع عليه بقوله تعالى: (فلا يسرف في القتل).

واما بدعوى: ان الحق المجعول في الاية لم يجعل على عنوان الوارث بل الولي، وهو بمعنى من يجعل له الولاية والسلطنة، فاذا احتمل ان يكون الحق المجعول واحدا للمجموع فعنوان الولي لا يصدق عندئذ الا على المجموع لا كل واحد من الورثة فلا يحرز الانحلال.

واما بدعوى: ان التعبير بالولي بمعنى الوارث يستظهر منه ان هذا الحق، وان لم يكن للميت في حال حياته، الا انه مجعول له في طول موته، ومنه ينتقل الى الورثة لانه يثبت لهم بعنوان الارث، وهو يعني الانتقال منه اليهم. وقد ورد في بعض الروايات ان الميت المقتول اذا كان عليه الدين ولم يكن له مال قضي من ديته ((4)) وورد ان من اوصى بثلث ماله ثم قتل دخل ثلث ديته فيه (5)). بل ورد في رواية انه احق بديته من غيره ((6)) وهذا يعني ان دية القتل ايضا مجعولة اولاللميت ومنه تنتقل الى الوارث، فليكن حق القصاص كذلك بمقتضى الاستظهار المذكور. ولا اقل من ان هذه النكتة تصلح للقرينة او الاجمال وعدم دلالة الاية على خلاف ذلك.

وهكذا يتضح ان الاستدلال بالاية المباركة على القول المشهور غير تام، لانه ان لم يدع ظهورها في انتقال حق القصاص من الميت الى الاوليا، فلا اقل من انه لا ظهور فيها على خلاف ذلك، ومعه يكون المرجع ادلة حرمة القتل كما اشرنا.

3 ان ما ذكر من التوجيه والتقريب للاستدلال من ان الحق في قصاص النفس يكون مجعولا ابتدا للولي، بمعنى الوارث، فيكون لكل واحد مستقلا وليس منتقلا من الميت الى الوارث كحق الخيار ليكون حقا واحدا للمجموع يلزم منه نتائج ومفارقات لا يمكن الالتزام بها فقهيا.

منها: ما تفطن له هذا العلم منه بنفسه واستدركه في ذيل كلامه من الفرق بين باب قصاص النفس، فيكون للاوليا مستقلاوباب قصاص الطرف فيكون لمجموعهم.

ومنها: ان حق قصاص النفس ايضا لابد فيه من التفصيل بين ما اذا كان الولي هو الوارث الاول المباشر للمقتول، فيكون له حق الاقتصاص مستقلا وبين ما اذا توفي الوارث الاول اتفاقا قبل الاقتصاص، فانتقل حقه الى وارثه كاولاده مثلا وكانوامتعددين فيكون حق القصاص لمجموعهم لا لكل واحد منهم مستقلا.

ومنها: لزوم اختلاف الورثة في قصاص نفس واحدة من حيث الاستقلالية وعدمها بحيث يكون بعضهم مستقلا وبعضهم الاخر غير مستقل، كما اذا كان للمقتول وليان، فتوفي احدهما او كلاهما قبل الاقتصاص، وكان لاحدهما وارث واحدوللاخر ورثة متعددون فيكون وارث الاول مستقلا في القصاص بخلاف وارث الثاني.

ومثل هذه التفصيلات لم يلتزم بها الفقها بل لا يمكن الالتزام بها لانها على خلاف الارتكاز الفقهي والمتشرعي، وعلى خلاف السيرة العملية الخارجية، فان استيفا القصاص والابتلا به لم يكن امرا نادرا في الخارج، فلو كان شي ء من هذه التفاصيل ثابتا فقهيا لكان منعكسا واضحا لدى المتشرعة. بل قد يقال ان مقتضى الاطلاق اللفظ ي او المقامي لصحيح جميل عن بعض اصحابنا عن احدهما (ع) «قال: اذا مات ولي المقتول قام ولده من بعده مقامه بالدم» ((7)) ان كل واحدمن اولاده يقوم مقامه فيما كان له من الحق فاذا كان المجعول له حق القصاص على نحو الاستقلال كان كذلك لكل ولدايضا.

فالحاصل: الالتزام بمثل هذه التفصيلات مشكل جدا حتى في المورد الاول، اي في قصاص النفس والطرف، فضلا عن التفصيل في قصاص النفس بين الاوليا.

الدليل الثاني: التمسك بالروايات الخاصة. وهي:

صحيحة ابي ولاد الحناط قال: «سالت ابا عبداللّه (ع) عن رجل قتل وله ام واب وابن؟ فقال الابن: انا اريد ان اقتل قاتل ابي، وقال الاب: انا اريد ان اعفو، وقالت الام: انا اريد ان آخذ الدية.

قال فقال: فليعط الابن ام المقتول السدس من الدية،ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حق الاب الذي عفا، وليقتله».

ورواية جميل بن دراج عن بعض اصحابه يرفعه الى امير المؤمنين (ع) «في رجل قتل وله وليان فعفا احدهما وابى الاخران يعفو. فقال: ان الذي لم يعف ان اراد ان يقتله قتله ورد نصف الدية على اوليا المقاد منه» ((8)).

ودلالتهما على القول المشهور واضحة، وان نوقش في ما استفاده المشهور من ذيل الصحيحة من وجوب تقديم دفع الدية على القصاص، فذهب بعضهم الى ان له الاقتصاص قبل الدفع. غاية الامر يضمن الحصة من الدية.

وهناك رواية ثالثة يمكن الاستدلال بها ايضا على المشهور وان لم اجد من استدل بها وهي صحيحة زرارة: «قال:سالت ابا جعفر (ع) عن رجل قتل وله اخ في دار الهجرة وله اخ في دار البدو لم يهاجر، ارايت ان عفا المهاجري وارادالبدوي ان يقتل، اله ذلك؟ فقال: ليس للبدوي ان يقتل مهاجريا حتى يهاجر.

قال: واذا عفا المهاجري فان عفوه جائز،قلت: فللبدوي من الميراث شي ء؟ قال: اما الميراث فله حظه من دية اخيه ان اخذت» ((9)).

وتقريب الاستدلال بها ان المستفاد من سؤال زرارة رحمه اللّه انه كان يرى عدم سقوط حق القصاص بعفو بعض الاوليا وهو الاخ المهاجري في مورد السؤال، وانما استشكل في المقام من جهة كون الاخ الاخر بدويا بعيدا عن المقتول او خارجا عن دار الهجرة والاسلام، والا فلو كان يسقط الحق بمجرد عفو بعض الاوليا لم يكن وجه لتوهم عدم السقوط في المقام بعد فرض عفو الولي المهاجري. والامام (ع) في مقام الجواب اقره على ذلك، وانما نفى الولاية على القصاص للبدوي حتى يهاجر، بل لعل ظاهر هذا التعبير ان هذا الاخ البدوي لو هاجر الى دار الاسلام كان له ان يقتل حتى مع عفو الاخ المهاجري لان هذا مقتضى التطابق بين السؤال والجواب، فتدل الرواية على عدم سقوط القصاص بعفو بعض الاوليا.

الا ان الانصاف يقضي بان هذا الاستدلال قابل للمناقشة، لان سؤال زرارة يمكن ان يكون عن كلتا الجهتين والحيثيتين،والامام (ع) ايضا اجابه عنهما معا، حيث اجاب اولا عن ان البدوي لا حق له في القصاص ما لم يهاجر، وثانيابان المهاجري اذا عفا فعفوه جائز اي نافذ فيسقط القصاص، ولا اقل من اجمال الرواية وعدم وضوح دلالتها على ذلك،على ان مضمونه وهو التفصيل في حق القصاص بين البدوي والمهاجري غريب لم يقل به احد من الفقها وقد علق عليه العلامة المجلسي في المرآة بقوله: «لم ار من قال بمضمونه».

وفي قبال ما تقد م روايات اخرى عديدة ومعتبرة تصرح بسقوط القصاص بعفو بعض الاوليا، وهي كما يلي((10)):

1 صحيح عبد الرحمن قال: قلت لابي عبداللّه (ع): رجلان قتلا رجلا عمدا وله وليان فعفا احد الوليين، قال: فقال: اذاعفا بعض الاوليا درى عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا واديا الباقي من اموالهما الى الذين لم يعفوا.

2 معتبرة ابي مريم عن ابي جعفر (ع) قال: قضى امير المؤمنين (ع) في من عفا من ذي سهم فان عفوه جائز، وقضى في اربعة اخوة عفا احدهم قال: يعط ى بقيتهم الدية ويرفع عنهم بحصة الذي عفا.

3 معتبرة زرارة عن ابي جعفر (ع) في رجلين قتلا رجلا عمدا وله وليان، فعفا احد الوليين، فقال: اذا عفا عنهما بعض الاوليا درى عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا واديا الباقي من اموالهما الى الذي لم يعف، وقال:عفو كل ذي سهم جائز.

4 معتبرة اسحاق بن عمار عن جعفر (ع) عن ابيه (ع) ان عليا (ع) كان يقول: «من عفا عن الدم، من ذي سهم له فيه،فعفوه جائز، وسقط الدم، وتصير دية، ويرفع عنه حصة الذي عفا».

5 صحيحة ابي ولاد الاخرى قال: سالت ابا عبداللّه (ع) عن رجل قتل وله اولاد صغار وكبار، ارايت ان عفا الاولادالكبار؟ قال: فقال: لا يقتل ويجوز عفو الاولاد الكبار في حصصهم، فاذا كبر الصغار كان لهم ان يطلبوا حصصهم من الدية.

والظاهر من قوله: «لا يقتل» في الابتدا والاقتصار على ذكر استحقاق طلب الدية عندما يكبر الصغار ان عفو الاولادالكبار عن القصاص كان نافذا ومسقطا للقصاص وانه لا يبقى الا الدية.

6 مرسلة الصدوق المتقدمة حيث قال: «قد روي انه اذا عفا واحد من الاوليا ارتفع القود».

7 ورواية الدعائم عن الصادق (ع): «اذا عفا بعض الاوليا زال القتل، فان قبل الباقون من الاوليا الدية وكان الاخرون قدعفوا من القتل والدية زال عنه مقدار ما عفوا عنه من حصصهم، وان قبلوا الدية جميعا ولم يعف احد منهم عن شي ءمنها نص لهم جميعا» ((11)).

وهذه الروايات واضحة الدلالة بل صريحة في سقوط القصاص بعفو بعض الاوليا، وهي وان كانت في مورد عفو بعض الاوليا الا انه يستفاد منها ايضا حكم ما اذا طالب بعضهم بالدية ووافق عليه القاتل بعدم احتمال الفرق فقهيا ولا عرفابل لعله اولى من فرض العفو عرفا من سقوط القصاص لانه وفى شيئا عن المقتول بمقدار سهم بعض الاوليا، بل اخذالدية على المبنى المختار عند فقهائنا في تعلق الحق بالقصاص لا بالجامع بينه وبين الدية مشتمل لا محالة على العفوعن القصاص فما فيه عفو مشروط بالعوض، فهو لا يستحق الدية الا بعد ان يعفو وليس العفو عن القصاص بيعا لمال لكي يتوهم ان يكون للشريك وهو الولي الاخر حق الشفعة بدفع العوض للاول فيستقل بالقصاص مثلا.

وكيفما كان، فهذه الروايات تعارض صحيحة ابي ولاد ومرفوعة جميل المتقدمتين لاشتمالهما على فرض عفو بعض الورثة وحكمهما بعدم سقوط القصاص بذلك. فلابد من حل هذا التعارض بجمع دلالي او ترجيح سندي، والا كانت النتيجة التساقط والرجوع الى الاصل الاولي الذي قد عرفت انه يقتضي عدم جواز الاقتصاص الا للمجموع.

وفي مقام علاج هذا التعارض يتصور احد مواقف ثلاثة:

الموقف الاول: ان يقال بانه من تعارض الحجة باللاحجة، لان الطائفة الدالة على السقوط قد اعرض عنها الاصحاب ولم يفتوا بمضمونها، واعراض الاصحاب يوجب الوهن وسقوط الخبر عن الحجية فلا يمكن ان يعارض ما هو حجة.

وهذا العلاج يتوقف على قبول كبرى وهن الخبر وسقوطه عن الحجية بالاعراض، وعلى احراز صغراها بان يحرزاعراض مشهور قدما الاصحاب عن العمل بها وهذا لا يمكن استكشافه من مجرد ذهاب الاكثر او الجميع الى القول بعدم السقوط، اذ لعلهم ذهبوا الى ذلك لوجوه اخرى خصوصا مع اهتمامهم بنقل هذه الاخبار في كتبهم وذكر توجيهات ومحامل لها في قبال الطائفة الاخرى وفيها جموع دلالية او ترجيحات سندية على ما سنذكر بل عبارة الشيخ في الاستبصار صريحة في عمله بهذه الاخبار وعدم الاعراض عنها، حيث عمل بما ورد فيها من ان سهم كل ذي عفو جائز،وغاية الامر قيد اطلاقه بما دل على ان النسا ليس لهن عفو ولا قود. بل وعمل بمضمونها في السقوط بعفو بعضهم من الاوليا غاية الامر قيدها بما اذا لم يؤد من يريد القود الى اوليا الحق ومنه مقدار ما عفا عنه فهذا منه كالصريح في عدم الاعراض عنها سندا.

هذا مضافا الى ان هذه الطائفة من الروايات ونقاوة اسانيدها وصدورها عن معصومين متعددين قد يوجب القطع اوالاطمئنان اجمالا بصدور بعضها، فيكون السند قطعيا ولو اجمالا ومعه لا موضوع لمسالة سقوط السند عن الحجية بالاعراض كما هو واضح.

الموقف الثاني: الجمع الدلالي في ما بين الطائفتين، وقد ذكر في كلمات الفقها وجوه من الجمع منها: حمل الطائفة الدالة على السقوط بالعفو على الندب والاستحباب.

وفيه: ان هذا الحمل انما يصح في باب الاوامر والتكاليف لا المقام الذي مفاد الدليل فيه حكم وضعي، وهو ثبوت حق الاقتصاص او سقوطه. على ان التعبير بقوله: «سقط الدم وتصير دية» صريح في سقوط الحق، فكيف يمكن ان يحمل على الاستحباب واي معنى لحمل السقوط على الاستحباب، فانه ليس فعلا للمكلف فمثل هذا الجمع واضح البطلان.

ومنها: حملها على فرض عدم رد من يريد القصاص نصيب العافي من الدية الى اوليا المقتص منه، او رضاهم بالدية بمجرد عفو بعضهم.

وفيه: مضافا الى انه تاويل لا شاهد عليه، انه خلاف ظهورها في النظر الى الحق نفسه وانه يسقط، او القصاص وانه يدرا،وينتقل الى الدية، وليس النظر فيها الى ما يعمله الباقون في مقام الاستيفا من حيث الرضا بالدية او برد نصيب العافي بوجه اصلا.

ومنها: حملها على الدرء بمقدار حصة العافي لا الاخرين، فلا تجوز له المطالبة بالقصاص بعده.

وفيه: ان الوارد فيها عنوان درء القتل او سقوط الدم وصيرورته دية، وهذا كالصريح في سقوط حق القصاص، على ان القصاص والدم لا يقبلان التبعض وانما الذي يقبل التحصيص والتبعض انما هو الدية، فلا يقال: سهم هذا الولي من القصاص او القتل وانما يقال: سهمه من الدية، فهذه الوجوه للجمع المذكورة من كلمات الفقها على ما في الجواهر لاترجع الى محصل.

ولعل اوجه جمع دلالي يمكن ان يذكر ما اشار اليه الشهيد الصدر(قده) في تعليقته على منهاج الصالحين، من تخصيص الطائفة الدالة على السقوط بصحيحة ابي ولاد وهي المعتبرة في الطائفة الاخرى لان هذه الصحيحة مخصوصة بفرض عفو الاب ومطالبة الام بالدية مع طلب الابن للقصاص، بينما الطائفة الاخرى مطلقة وردت بعنوان عفو بعض الاوليامن دون بعض، سوا كانوا في مرتبة واحدة من النسبة الى المقتول او في مرتبتين، فيقال بالتفصيل بين ان يكون الولي الذي عفا غير الولد والولد يطلب القصاص فلا يسقط وبين ان يكون العافي وغيره في رتبة واحدة كما اذا عفا احدالاولاد او كان الاقرب عافيا والابعد يطالب بالقصاص، فانه يوجب السقوط وسياتي ان مثل هذا التفصيل كان فتوى فقها المدينة عند العامة.

فالحاصل حيث ان صحيح ابي ولاد لم يرد بعنوان عفو بعض الاوليا من دون بعض وانما ورد في خصوص مورد عفوالاب ومطالبة الام بالدية مع طلب الولد بالخصوص للقصاص من قاتل ابيه، فالنسبة بينها وبين الطائفة الاخرى نسبة العام الى الخاص او التباين، لان ما ورد بعنوان عفو بعض الاوليا من دون بعض يكون اعم، وما ورد بعنوان عفو بعض الاخوة من دون بعض يكون مباينا.

ثم ناقش الشهيد الصدر (قده) في هذا الوجه بان العموم في الطائفة الدالة على السقوط غير قابل للتخصيص عرفا.

ولعل نكتة ان المستظهر منها ولو عرفا وبمناسبات الحكم والموضوع ان سبب السقوط ونكتة العرفية انما هو عدم تبعض القصاص، فلو ملك الجاني بعض نفسه سقط الدم ودرى عنه القتل لا محالة، وهذا لا ربط له بقرب نسبة الولي اليه او بعده، فاذا جزمنا بهذه النكتة عرفا او فقهيا استقر التعارض بينهما لا محالة.

الموقف الثالث: الترجيح السندي بعد فرض حجية كل منهما في نفسه وعدم تمامية شي ء من وجوه الجمع الدلالي المتقدمة.

وعدم قطعية سند الطائفة الدالة على السقوط لعدم بلوغها حد الاستفاضة والتواتر حتى اجمالا.

وما ثبت في محله، في موارد التعارض المستقر بين خبرين مرجحين طوليين احدهما قبل الاخر ومقدم عليه، الترجيح بموافقة الكتاب والترجيح بمخالفة العامة، الا انه في المقام كلاهما منطبقان على صحيح ابي ولاد، فيقال بتقديمه على روايات السقوط لموافقته اطلاق آية جعل السلطنة لكل ولي بنا على الانحلال ولمخالفته مع مشهور العامة القائلين بالسقوط.

ويلاحظ على هذا الموقف:

اولا: انه مبني على عدم حصول القطع او الاطمئنان بصدور بعض روايات الطائفة الدالة على السقوط لكثرتها وصدورهاعن ائمة متعددين ونقاوة اسانيدها، الامر الذي قد يوجب الاطمئنان على الاقل بصدور بعضها اجمالا. وعندئذ لاموضوع للترجيح السندي بل يكون الخبر المعارض لها ساقطا عن الحجية لمخالفته مع الدليل القطعي الصدور. نعم، لوعلم بصدور هذه الروايات، او بعضها على الاقل على وجه التقية، لم يتم ما ذكر، ولكن انى لنا بمثل هذا القطع.

وثانيا: انتفا صغرى كلا المرجحين. اما الاول منهما فلما تقدم من المناقشة في دلالة الاية الكريمة على استقلالية حق القصاص لكل وارث.

واما الثاني منهما وهم المهم عند المحققين المتاخرين، حيث استندوا في رفع اليد عن الطائفة المعارضة، وهي روايات عديدة واضحة سندا ودلالة الى كونها موافقة للعامة فلان اكثر مذاهب العامة، وان كانت ترى ذلك، اعني سقوط حق القصاص بعفو بعضهم بل في المبسوط ان العامة ادعوا عليه اجماع الصحابة. قال: «اذا وجب القصاص لاثنين، فعفا احدهما عن القصاص لم يسقط حق اخيه عندنا، وله ان يقتص اذا رد على اوليا القاتل قدر ما عفا عنه ويسقط حقه فقط. وقال بعضهم: يسقط حقه وحق اخيه وادعوا انه اجماع الصحابة. وقد بينا انا نخالف فيه. قالوا: اذا ثبت ذلك فان حق الذي لم يعف ثبت في الدية واما حق العافي سقط من القصاص ويثبت له المال ان عفا على مال او مطلقاوان عفا على غير مال سقط المال» ((12)).

الا ان مذهب مالك وغيره من فقها المدينة، وفي عصر الامام الصادق (ع)، كان يرى عدم سقوط القصاص بالعفو امامطلقا او فيما اذا كان الولي الاقرب يطلب القصاص والابعد يعفو.

قال في المغني: «وذهب بعض اهل المدينة الى ان القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركا وقيل: هو رواية عن مالك لان حق غير العافي لا يرضى باسقاطه وقد تؤخذ النفس ببعض النفس بدليل قتل الجماعة بالواحد» ((13)).

وقال في الفقه على المذاهب الاربعة تحت عنوان: «اختلاف ورثة الدم في العفو»:

«المالكية رحمهم اللّه تعالى قالوا: يسقط القصاص ان عفا رجل من المستحقين حيث كان العافي مساويا في درجة الباقي من الورثة والاستحقاق، كابنين او عمين او اخوين، واولى ان كان العافي اعلى درجة كعفو ابن مع اخ، فان كان العافي انزل درجة من الباقين لم يعتبر عفوه كعفو اخ مع ابن للمقتول وكذا ان كان العافي لم يساو الباقي في الاستحقاق كاخوة لام مع اخوة لاب لان الاستيفا حق للعاصب الذكر فلا دخل فيه لزوج ولا لاخ لام او جد لها. ويقدم الاقرب فالاقرب فيتقدم ابن فابنه الا الجد الادنى والاخوة فسيان في القتل والعفو، ولا كلام للجد الاعلى مع الاخوة» ((14)).

وقال الحطاب وهو امام المالكية في عصره في كتابه:

«مواهب الجليل»:

«ان عفا بعض الورثة سقط القود ان كان العافي مساويا لمن بقي في الدرجة او اعلى منه، فان كان انزل درجة لم يسقط القود بعفوه، فان انضاف الى الدرجة العليا الانوثة كالبنات مع الاب او الجد فلا عفو الا باجتماع الجميع، فان انفردالابوان فلا حق للام في عفو ولا قتل وكذلك الاخوة والاخوات، واما الام والاخوة فلا عفو الا باجتماعهم»((15)).

ويلاحظ ان هذه الفتوى متطابقة جدا مع مضمون صحيح ابي ولاد الذي استند اليه مشهور فقهائنا، حيث ان الوارد فيه عفو الاب وطلب الام الدية مع طلب الابن. وهو الاقرب الى المقتول القصاص.

ولا يخفى ان المذهب الذي كان رائجا في عصر الامام الصادق (ع)، الصادر عنه هذه الصحيحة، انما هو مذهب مالك في المدينة، وبعده مذهب ابي حنيفة في العراق، واما مذهب الشافعي واحمد بن حنبل فمتاخران عن زمن الصادق(ع) كثيرا، فلا يحتمل ان تكون الروايات الكثيرة الصادرة عن الامامين: الباقر والصادق (ع) فضلا عما صدر عن علي (ع)،مما يدل على سقوط حق القصاص بعفو بعض منهم صادرة تقية من اجل مذهبهما. بل الميزان ان نلاحظ المذهب الذي كان رائجا للعامة في عصر الامام الصادق (ع)، وخصوصا في المدينة المنورة التي كان يسكن فيها الامام الصادق (ع)،وهو مذهب مالك والذي كان يرى عدم سقوط حق القصاص اذا كان العافي انزل درجة او استحقاقا من غير العافي وعندئذ تنقلب النتيجة، فيكون صحيح ابي ولاد هو الاكثر مطابقة مع العامة والروايات الدالة على السقوط مطلقا هي المخالفة معهم.

كما ان هناك عبارات منقولة عن ابي حنيفة ومذهبه تدل على انه ايضا كان يرى استقلالية حق القصاص لكل وارث في الجملة.

قال في الموسوعة الكويتية نقلا عن الاحناف:

«وقال ابو حنيفة: المقصود من القصاص هو التشفي، وانه لا يحصل للميت ويحصل لورثته، فكان حقا لهم ابتدا وثبت لكل واحد منهم على الكمال لا على الشركة. ولا يمنع ذلك ان للميت فيه حقا حتى يسقط بعفوه» ((16)).

فترى انه يعد القصاص حقا ثابتا للوارث ابتدا لا بالانتقال اليه من الميت، وانه ثابت له على وجه الكمال والاستقلال لاعلى وجه الشركة، وهذا متطابق مع ما استظهره بعض فقهائنا من الاية المباركة على ما تقدم.

كما ان كلا من مالك وابي حنيفة كان يفتي باستقلالية الولي الكبير بالقصاص مع وجود الصغير او المجنون في الاوليا.ففي المدونة الكبرى لمالك:

«قلت: ارايت ان قتل رجل وله اوليا، اولاد صغار وكبار، ايكون للكبار ان يقتلوا ولا ينتظروا الصغار في قول مالك؟ قال:نعم...

قلت: ارايت ان قتل رجل عمدا، وله وليان احدهما صحيح والاخر مجنون، ايكون لهذا الصحيح ان يقتص في قول مالك؟ قال: نعم»     ((17)).

وفي كتاب «الاختيار لتحليل المختار»، تاليف عبداللّه الموصلي الحنفي: «واذا كان القصاص بين كبار وصغار فللكبارالاستيفا».      ((18)) وهذا يعني ان القول بالاستقلال في الجملة كان معهودا عند العامة حتى غير المالكية بل ظاهر بعضهم الاستدلال عليه بمثل ما استدل به على استقلالية كل ولي مطلقا عندنا، ففي كتاب الحاوي الكبير وهو في فقه مذهب الشافعي آللماوردي البصري: «وقال ابو حنيفة ومالك في ما اذا كان ضمن الاوليا صغير او مجنون يجوز للرشيد منهم ان ينفردباستيفا القود ولا ينتظر بلوغ الصغير وافاقة المجنون. ولو كان مستحقه صغيرا او مجنونا جاز لوليه ان ينوب عنه في استيفائه استدلالا بقول اللّه تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف...) فذكره بلفظ الواحد، فدل على جواز ان يستوفيه الولي الواحد. ولان ابن ملجم قتل عليا (ع) فاقتص منه ابنه الحسن (ع) وقد شاركه من اخوته صغار لم يبلغواولم يقف القود على بلوغهم، ولم يخالفه احد من الصحابة رضي اللّه عنهم فصار اجماعا على جواز تفرده به»((19)).

وايضا في الكتاب نفسه: «وقال مالك: يجوز لمن لم يعف ان يقتص ولو كان واحد من جماعة استدلالا بقول اللّه تعالى:(ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) فلو سقط حقه بعفو غيره لكان السلطان عليه ولم يكن له، ولان القود موضوع لنفي المعرة كحد القذف ثم ثبت ان حد القذف لا يسقط بعفو بعض الورثة كذلك القود يجب ان يكون بمثابتهم ولانه لما لم يكن عفو بعضهم عن الدية مؤثرا في حق غيره وجب ان يكون عفوه عن القود غير مؤثر في حق غيره»((20)).

وممن قال من العامة باستقلال كل ولي بالقصاص مطلقا المذهب الظاهري. قال في المحلى بعد مناقشة ادلة المذاهب والارا الاخرى مفصلا: «قال ابو محمد: فصح بقول النبي (ص) ان من قتل نفسا فقد خرج دمه من التحريم الى التحليل بنفس قتله من قتل، فاذا صح هذا فالقاتل متيقن تحليل دمه والداعي الى اخذ القود داع الى ما قد صح بيقين، وذلك له،والعافي مريد تحريم دم قد صح تحليله بيقين، فليس له ذلك الا بنص او اجماع، ومريد اخذ الدية دون من معه مريداباحة اخذ مال والاموال محرمة بقول رسول اللّه (ص):

«ان دماكم واموالكم عليكم حرام»، والنص قد جا باباحة دم القاتل كما قلنا بيقين قتله ولم يات نص باباحة الدية الا باخذ الاهل لها. وهذا لفظ يقضي اجماعهم على اخذها،فالدية ما لم يجمع الاهل على اخذها لا يحل اخذها اذ لم يبحها نص ولا اجماع فبطل بيقين وصح ان من دعا الى القودفهو له وهو قول مالك في البنات مع العصبة الا انه ناقض في ذلك مع البنين والبنات وفي بعض البنين مع البعض. قال ابومحمد: والذي نقول به ان كل ذلك سوا وان الحكم للاهل وهم الذين يعرف المقتول بالانتما اليهم كما كان يعرف عبداللّه بن سهل بالانتما الى بني حارثة وهم الذين امرهم النبي (ص) بان يقسم منهم خمسون ويستحقون القود اوالدية وان من اراد منهم القود سوا كان ولدا او ابن عم او ابنة او اختا او غير ذلك من ام او زوج او زوجة او بنت عم اوعمة فالقود واجب ولا يلتفت الى عفو من عفا ممن هو اقرب او ابعد او اكثر في العدد لما ذكرنا. فان اتفق الورثة كلهم على العفو فلهم الدية حينئذ ويحرم الدم، فان اراد احد الورثة العفو عن الدية فله ذلك في حصته خاصة اذ هو مال من ماله وباللّه تعالى التوفيق» ((21)).

الموقف نفسه له في ما اذا كان في الاوليا صغير او مجنون فانه بعد ان شنع على المذاهب الاخرى خصوصا الاحناف قال: «قال ابو محمد: والذي نقول به قد قدمنا في الباب الذي قبل هذا ان القول قول من دعا الى القود، فللكبير وللحاضرالعاقل ان يقتل ولا يستاني بلوغ الصغير ولا افاقة المجنون ولا قدوم الغائب، فان عفا الحاضرون البالغون لم يجز ذلك على الصغير ولا على الغائب ولا على المجنون، بل هم على حقهم في القود حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، فاذا كان ذلك فان طلب احدهم القود قضي له به وان اتفقوا كلهم على العفو جاز ذلك حينئذ لما ذكرنا في الباب الذي قبل هذا،وباللّه تعالى التوفيق» ((22)).

ومراده من الباب الذي قبل هذا المسالة السابقة التي نقلنا عن ذيلها كلامه السابق وقد عنونها بعنوان: «مسالة: في من له العفو عن الدم ومن لا عفو له: اختلف الناس في هذا، فقالت طائفة:

العفو جائز لكل احد ممن يرث وللزوجة والزوج وغيرهما، فان عفا احد ممن ذكرنا فقد حرم القصاص ووجبت الدية لمن لم يعف. وقال آخرون: العفو للرجال خاصة دون النسا. وقالت طائفة: من اراد القصاص فذلك له ولا يلتفت الى من اراد الدية او العفو ما لم يتفقوا على ذلك»((23)).

هذا حال فتاوى العامة. واما رواياتهم فليس لهم في هذا الباب الا رواية واحدة عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب بسندمنقطع. قال محمد بن الحسن الشيباني في كتابه «الحجة على اهل المدينة»:

«اخبرنا ابو حنيفة عن حماد عن ابراهيم ان عمر بن الخطاب اتي برجل قد قتل عمدا فامر بقتله، فعفا بعض الاوليا فامربقتله، فقال ابن مسعود: كانت لهم النفس فلما عفا هذا احيا النفس فلا يستطيع ان ياخذ حقه حتى ياخذ غيره. قال:

فماترى؟ قال: ارى ان تجعل الدية عليه في ماله وترفع عنه حصة الذي عفا، فقال عمر: وانا ارى ذلك» ((24)) وابراهيم هذاهو النخعي، وهو ممن لم يدرك عمر وابن مسعود ومن هنا قالوا فيه ان السند منقطع.

نعم، هناك رواية اخرى ينقلها البيهقي ايضا في الباب نفسه عن زيد بن وهب الجهني «قال: وجد رجل عند امراته رجلافقتلها فرفع ذلك الى عمر بن الخطاب فوجد عليها بعض اخوتها، فتصدق عليه بنصيبه فامر عمر لسائرهم بالدية».