الصفحة السابقة

الصفحة التالية

الا انها ((25)) غير ظاهرة في محل الكلام لقوة احتمال ان موردها ما اذا وجد الرجل امراته تفجر وفي مثله يجوز له قتلها، والتعبير بالتصدق عليه بنصيبه ظاهر في التصد ق بالدية لا العفو عن القصاص. ومن هنا نرى ان القائلين من العامة بالسقوط استدلوا عليه بوجوه استحسانية وتمسك بعضهم بما ورد عن النبي (ص) من الامر بالعفو في القصاص وانه يقتضي تغليب العفو على القود. او ان القصاص لا يقبل التجزئة او انه شبهة يدرا به القتل ونحو ذلك من الاستدلالات.وما ذكره الشيخ (قده) من دعواهم اجماع الصحابة لم اجده في كتبهم، وانما الموجود فيها استظهار الاجماع على اعطامن لم يعف نصيبه من الدية من عدم انكار احد من الصحابة على ما فعله عمر.

قال في البدايع: «فاما اذا كان حق اثنين او اكثر فعفا احدهما سقط القصاص عن القاتل لانه سقط نصيب العافي بالعفو،فيسقط نصيب الاخر ضرورة انه لا يتجزا اذ القصاص قصاص واحد، فلا يتصور استيفا بعضه دون بعض.

وينقلب نصيب الاخر مالا باجماع الصحابة الكرام فانه روي عن عمر وابن مسعود وابن عباس انهم اوجبوا في عفو بعض الاولياللذين لم يعفوا نصيبهم من الدية، وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينقل انه انكر احد عليهم فيكون اجماعا» .

وقد تقدم ((26)) عن الماوردي استظهار اجماع الصحابة على جواز تفرد الولي الكبير مع وجود الصغير بالقصاص من فعل الامام الحسن (ع) مع ابن ملجم، عليه اللعنة والعذاب، وعدم انكار الصحابة عليه.

والمتحصل من مجموع ما تقدم ان القول بان القصاص حق واحد لمجموع الورثة وانه لا يستقل به كل واحد منهم لم يكن موقفا فقهيا واحدا وواضحا عند العامة لا على مستوى فتاوى فقهائهم ومذاهبهم ولا على مستوى رواياتهم واحاديثهم لم يكن عليه عمل من الصحابة واضح ايضا، بل الامر بالعكس بمعنى ان القول باستقلالية حق القصاص لمن يريده من الاوليا، مطلقا او في الجملة، هو المشهور في المذاهب الرائجة في عصر الامام الصادق (ع) وفي المدينة بالخصوص. فكيف يمكن ان تحمل جميع تلك الروايات العديدة الصحيحة الصادرة من ائمة متعددين على انها صادرة تقية للعامة خصوصا في مسالة ليست سياسية ولا منشا فيها للتقية، بل لعل موقف بعض المذاهب العامة متاثر برواياتناخصوصا ما صدر منها عن الامام علي (ع) كما في معتبرتي ابي مريم واسحاق بن عمار المتقدمتين، ولعل ابن عباس وابن مسعود اللذين اسند اليهما هذا الحكم في عصر عمر بن الخطاب قد اخذاه وتعلماه من الامام (ع) وانه لولاه كان يحكم عمر بالقصاص في ذلك المورد.

فالحاصل اصالة هذا الموقف في رواياتنا الصادرة عن ائمتنا المعصومين (ع) بنحو اكثر تاكيدا واوضح مما كان عندالعامة امر بين، فلماذا تحمل جميع هذه الروايات على التقية؟ فانه ان كان من جهة ان موقف العامة كان ذلك فيستظهرلمجرد ذلك الجزم بصدورها تقية، فقد عرفت ان هذا الموقف لم يكن واضحا عندهم في ذلك العصر لا على مستوى الفتاوى ولا الاحاديث ولا عمل الصحابة. وان كان من جهة التعارض مع صحيح ابي ولاد الاول، والترجيح بمخالفة العامة فقد اتضح ان هذا المرجح الى جانب هذه الروايات لا صحيح ابي ولاد لانه الموافق والمتطابق مع المذهب العامي الذي كان رائجا في المدينة في عصر صدور هذا الحديث. ولعمري هذه المسالة من الغرائب ولا ادري كيف اتفقت فتاوى فقهائنا على عدم السقوط، والاخذ بهذه الصحيحة في قبال تلك الصحاح لمجرد ذهاب مشهورالمتاخرين من مذاهب العامة الى السقوط! والمظنون قويا ان الاصحاب، قدس اللّه اسرارهم، انما رجحوا العمل بصحيح ابي ولاد في قبال تلك الطائفة من الروايات على اساس احدى نكتتين على سبيل منع الخلو:

1- انه يتضمن الجمع بين الحقين: حق العافي وحق المطالب بالقصاص حيث انه يلزم الذي يريد القصاص بدفع حصة العافي الى ورثة القاتل وكذلك حصة من يريد سهمه من الدية ثم يقتل، وهذا فيه نحو جمع بين الحقين نظير ما ثبت عندنا في قتل جماعة لواحد وانه يحق لولي المقتول ان يقتلهم جميعا ولكن يدفع دية ما زاد على الواحد الى ورثتهم اويقتل واحدا منهم ويعطي الاخرون لورثة من قتل بقية الدية بنسبة الباقين.

ومن هنا جمع الشيخ في الاستبصار بينهمابحمل روايات السقوط بعفو بعض الاوليا على فرض عدم ادا شيء الى ورثة المقتص منه، فكان الصحيحة فيهاتفصيل وتفسير لابد من ان تحمل عليه تلك الطائفة من الروايات او تقيد به.

2- ذهاب ثلاثة من المذاهب الاربعة للعامة، في زمان تدوين الفقه الاستدلالي عند الشيعة، الى القول بالسقوط، الامرالذي جعل هذا القول هو الاشهر في ما بينهم عند تدوين فقهائنا لكتبهم الاستدلالية، فوجدوا ان الروايات الدالة على السقوط رغم تعددها وصحة اسانيدها هي الموافقة مع اكثر العامة والمشهور عندهم فحملوها على التقية تقديما لمايعارضها ويخالف اكثرهم وهو صحيح ابي ولاد.

الا ان كلتا النكتتين مما لا يمكن المساعدة عليهما في ضوء ما تقدم.

اما الاولى فلما لاحظناه من صراحة روايات السقوط بحيث لا تقبل المحامل المذكورة، حيث عبر فيها بسقوط الدم اودرء القتل ونحو ذلك وكيف يمكن ان يحمل هذا اللسان على عدم سقوط القصاص، غاية الامر يضمن سهم العافي لورثة المقتص منه او سهم المطالب للدية او انه لا يجوز له استيفا حقه الا بعد رد سهم العافي او المطالب بالدية!؟ كما ان الثانية، اعني حمل كل تلك الروايات على التقية، بعيد جدا مع تعددها ونقا اسانيدها وصدورها عن معصومين متعددين وبعضها ينقل فيه الامام الصادق (ع) الحكم بالسقوط والانتقال الى الدية عن امير المؤمنين (ع). ومثل هذاالحكم في باب القصاص ليس من الاحكام السياسية الراجعة الى الحكام والساسة ولا من الاحكام العبادية العامة التي قد تصبح شعارا وعنوانا لمذهب او طائفة من المسلمين مما قد يستوجب التقية فلا منشا واضحا للتقية فيه. كيف ومن يراجع روايات العامة وكتبهم في ابواب القصاص والديات والحدود يجد ان فتاواهم ورواياتهم متاثرة جدا باقضية اميرالمؤمنين (ع) واحكامه وسيرته وما صدر عنه فيها، وقد راينا انهم نقلوا واستندوا في مسالة وجود بعض الاوليا الصغارمع الكبار الى عمل الامام الحسن (ع) مع ابن ملجم (عليه اللعنة) بل الخلفا والصحابة كانوا يرجعون غالبا في هذه الاحكام والابواب الدقيقة من الفقه الى امير المؤمنين (ع) ويروون عنه او ياخذون عن تلامذته كابن عباس وابن مسعود،فافتراض ان كل هذه الروايات المعتبرة والصادرة عن ائمة متعددين في مسالة لا منشا في امثالها للتقية وليست للعامة فيها روايات غير ما نقلناه عن ابن مسعود في قبال راي عمر بعدم السقوط صادرة تقية بعيد غايته. بل المظنون قويا ان الموقف المتبلور لدى العامة في هذه المسالة كان بتاثير الروايات الصادرة عن ائمة اهل البيت (ع) وعن امير المؤمنين(ع) بصورة خاصة، ولو بواسطة رواتهم كابن عباس وابن مسعود، والا فالذوق العرفي الاولي لعله يقتضي ما افتى به عمروذهب اليه باصرار وتاكيد امثال ابن حزم من عدم سقوط القصاص لمن يريده من الاوليا ولو عفا بعضهم.

هذا مضافا الى ما تقدم من ان صحيح ابي ولاد لم يرد في مطلق عفو الولي بل ورد في عفو الاب مع مطالبة الابن بالقصاص والذي هو مورد فتوى مالك بعدم السقوط، فيكون الموافق مع المذهب العامي الذي كان رائجا في المدينة في عهد الامام الصادق (ع)، فمقتضى صناعة الترجيح بمخالفة العامة ان لم يكن ترجح ما يعارض عليه بمخالفة العامة فلا اقل من انه لا موجب للعكس لان كل واحد من المتعارضين في عصر الصدور يخالف مذهبا ويوافق آخر، فتكون النتيجة التعارض والتساقط والرجوع الى الاصل الاولي القاضي بعدم جواز القصاص اذا عفا بعض الاوليا مجانا اوبعوض.

هذا اذا لم نطمئن بصدور بعض روايات عدم السقوط لتعددها ونقا اسانيدها وتوفر قرائن على صحتها. والا كان صحيح ابي ولاد معارضا مع الدليل القطعي الصدور، فيسقط عن الحجية لان الدليل الظني اذا عارض الدليل القطعي سقط عن الحجية.

هذا كله اذا لم نحتمل التفصيل بين مورد صحيح ابي ولاد وسائر موارد عفو بعض الاوليا اي بين عفو الابعد او الاقل استحقاقا من الاوليا وغيره والا بان كان هذا محتملا عرفا وفقهيا كما ذهب اليه بعض مذاهب العامة كان المتعين التخصيص والاخذ بكلا الطرفين لان النسبة بينهما نسبة الخاص الى العام، فلا يستقر التعارض ولا يسري الى السند كماهو واضح ومقرر في محله.

والنتيجة ان الحكم بسقوط القصاص من مورد عفو بعض الاوليا خصوصا اذا كان العافي اقرب للميت او مساويا من غيره هو المتعين عملا بروايات الطائفة الدالة على عدم السقوط، او من باب القاعدة الاولية بعد فرض تعارضها مع صحيح ابي ولاد وتساقطهما والرجوع الى ما هو مقتضى الاصل اللفظ ي والعملي المقتضيين للسقوط كما تقدم. وماذهب اليه جل الاصحاب او كلهم من القول بعدم السقوط لا يشكل اجماعا تعبديا في المسالة بعدما عرفت.

وقد وجدت ذهاب بعض الاعلام ممن عاصرناه قدس اللّه اسرارهم الى مخالفة المشهور في المسالة، منهم السيدالحكيم(قده) في منهاجه حيث ذكر في المسالة (14) من مسائل الفصل الثاني من كتاب الارث: «ولو عفا بعض الورثة عن القصاص قيل لم يجز لغيره الاستيفا، وقيل يجوز له مع ضمان حصة من لم ياذن، والاظهر الاول».

وعلق عليه السيد الشهيد الصدر(قده): «ويمكن التفصيل بين ان يكون من عفي غير الولد، ومن يطلب القصاص الولد،كما في شخص مات عن اب وابن فعفا الاب دون الابن وبين ما اذا عفا احد الاولاد جمعا بين الروايات. ولكن مع هذافالاحوط وجوبا ما في المتن لقوة احتمال ان يكون العموم في الروايات الموافقة له غير قابل عرفا للتخصيص» ((27)) فهوايضا وافق السيد الحكيم في الحكم بالسقوط وان كان من باب الاحتياط في فرض عفو غير الولد ومطالبة الولد بالقصاص.

ومنهم السيد الخوانساري (قده) في جامع المدارك، حيث علق على قول الماتن بعدم سقوط القصاص بعفو بعض الاوليا او اخذهم الدية بقوله:

«مقتضى ما ذكر من وحدة الحق وعدم جواز استيفا الحق الواحد بالنسبة الى الاوليا بدون توافقهم عدم جواز استقلال بعض الاوليا في القصاص الا ما دل عليه النص.

والاخبار الواردة منها صحيحة ابي ولاد»... وذكر الطائفتين المتعارضتين للروايات. ثم قال: «ولا يخفى عدم امكان الجمع ومجرد اشهرية ما دل على جواز الاقتصاص لا يوجب رفع اليد عما دل على عدم القصاص مع ان عدم القصاص موافق للقاعدة لانه حق واحد واستيفاؤه بدون اجازة غيرالمستوفي على خلاف القاعدة وعفو بعض الاوليا يوجب الدرء كما في بعض اخبار المقام» ((28)). ثم انه ممن استشكل في المسالة العلامة المجلسي في مرآته فانه بعد ان نقل حمل الشيخ (قده) للروايات على صورة عدم رد سهم العافي وكذلك الحمل على التقية قال: «والمسالة لا تخلو من اشكال».

وبنا على القول بالسقوطيتعين على الجاني دفع حصة من لم يعف من الاوليا اليهم من الدية عملا بما ورد في ذيل روايات الطائفة الدالة على سقوط القصاص بالعفو بنا على العمل بها او من باب قاعدة ان دم المسلم لا يذهب هدراوانه كلما سقط القصاص عن الجاني في مورد ثبتت الدية عليه.

وبهذا يثبت فرق بين القولين في استحقاق الباقين للدية فانه على القول بعدم سقوط القصاص بعفو بعض الاوليا ليس للاخرين المطالبة بحصصهم من الدية الا في طول رضا الجاني بدفعها بنا على ما هو المشهور من ان الحق في قتل العمد متعلق بالقصاص لا بالجامع بينه وبين الدية، فلو امتنع الجاني عن دفعها لم يكن للاوليا اجباره عليه، بخلافه على القول بالسقوط فانه يثبت للباقين حصصهم من الدية ولا يحق للجاني الامتناع عن دفعها كلا او بعضا، وهذا يعني ان لكل من القولين جهة الزام زائد على الجاني كما لا يخفى.

ثم ان حكم فرض مطالبة بعض الاوليا بالدية وموافقة الجاني عليها ودفع حصته اليه يظهر ايضا ما تقدم لانه عفومشروط بحسب الحقيقة، فيكون مشمولا او مفهوما بالفحوى من روايات سقوط القصاص بعفو بعض الورثة وان كان ظاهر عبارات الشرائع التفصيل بين المسالتين والحكم بعدم السقوط في صورة العفو والسقوط على رواية في صورة اخذ الدية كما تقدم عند نقل الاقوال. ولهذا وقع محل الاشكال خصوصا وان الروايات الدالة على السقوط واردة في العفو.

قال صاحب المسالك في تعليقاته على باب القصاص من كتاب كشف اللثام: «انه مذهب الاصحاب، والمسالتان من سنخ واحد كما نص عليه جماعة. وفي مجمع البرهان ان الحكم في المسالتين ظاهر. والحاصل: اني لم اجد احداخالف او تامل او احتمل السقوط قبل الصدوق حيث قال: وروى انه اذا عفا بعض الاوليا ارتفع القود وهذا قد يشعرا شعارا ما بالتامل. وفي الشرائع: اذا اختار بعضهم الدية واجاب القاتل جاز، فاذا سلم سقط القود على رواية المشهور انه لا يسقط، وابو العباس احتمل السقوط في المهذب والمقتصر وايده في المهذب حتى كانه اعتمده مسكنه في المقتصر،قال: المعتمد عدم السقوط كما حكينا عنه ويظهر من النافع واللمعة حيث قيل فيهما الاشهر ان هناك مخالفا كما انه قد يظهر ذلك من الكتب الستة التي قيل فيها انه المشهور وشيء من ذلك لم يكن واعتذر في الروضة عن الشهيد، فقال:وانما نسبه المصنف رحمه اللّه الى الشهرة لورود روايات بسقوط القود ويظهر من جماعة ان مسالة العفو لا خلاف فيها وانما الشبهة او الخلاف فيما اذا اختار احدهما الدية، واول من فتح ذلك المحقق في الشرايع فانه قال ما اسمعناكه فيمااذا اختار احدهما الدية وجزم فيما اذا عفا البعض بعدم السقوط من غير تامل ولا نسبة الى رواية وتبعه على ذلك المصنف في المنتهى والشهيد الثاني في المسالك والروضة وغيرهما، فنسب في المسالك مسالة العفو الى الاصحاب ومسالة اختيار الدية الى المشهور. والحاصل ان المحقق في الشرايع في مسالة ما اذا اختار بعضهم الدية واجاب القاتل نسب سقوط القود الى الرواية وتبعه على ذلك المصنف في المنتهى والشهيد الثاني في المسالك والروضة. ونحن قدتتبعنا اخبار الباب فوجدنا الاخبار الدالة على سقوط القود انما هي في صورة ما اذا عفا بعضهم وليس في الباب خبر ولااثر يدل على سقوط القود اذا اختار بعضهم الدية بمنطوقه ولا بمفهومه، فكان الواجب على المحقق وغيره ان يعكسواالامر كما هو واضح واخبار الباب الواردة في سقوط القود خمسة... ثم ذكر الاخبار، قال: وهذه الاخبار قد اعرض عنهاالاصحاب وفيها الصحيح وحملها جماعة على التقية قال في ملاذ الاخيار: هو الاظهر لاشتهار ذلك بين العامة وحملت ايضا على الاستحباب وحملها الشيخ في الاستبصار على ما اذا لم يرد من يريد القود الى اوليا المقاد منه مقدار ما عفاعنه لانه متى لم يؤد ذلك لم يكن له القود على حال وستسمع حمل الشارح (وهو الفاضل الهندي في كشف اللثام وقدحملها على سقوط القود بالنسبة للعافي بالخصوص فلا يحق له القود) وهو جيد جدا وقد يعتذر عن المحقق ومن وافقه بان طلب الدية عفو عن القود سوا دفع له العوض او عفا مطلقا. وفيه على بعده انه لعله لا ينطبق الا على القول بان الواجب احد الامرين ولا يقولون به، وان اخبار الباب اربعة منها صريحة في العفو مجانا وانه يطرح عن القاتل ويرفع عنه بقدر حصة من عفا والخامس ظاهر في ذلك. نعم، يمكن ان يقال كما هو الحق ان المسالتين من سنخ فدليل احداهمادليل الاخرى لكنه لا وجه حينئذ للتفرقة بينهما». ((29)) وما استظهره من الاجماع في المسالة قد عرفت حاله. واما دعوى اعراض الاصحاب عن العمل بروايات السقوط فهوممنوع كيف وقد تقدم عن الشيخ في الاستبصار الجمع بينها وبين صحيح ابي ولاد بل صريح الاستبصار العمل بها من ناحيتين:

من ناحية ما ورد في بعضها من ان عفو كل ذي سهم جائز حيث استند اليها غاية الامر قيدها في النسا برواية ابي العباس الدالة على انه ليس للنسا عفو ولا قود. ومن ناحية سقوط القصاص بعفو بعض الاوليا ايضا، غاية الامرقيده بصحيح ابي ولاد بما اذا لم يرد من يريد القصاص سهم العافي من الدية الى ورثة المقتص منه. قال بعد ذكر الاخبار:«فلا تنافي بين هذه الاخبار والخبر الاول يقصد خبر ابي العباس انه ليس للنسا عفو ولا قود من وجهين.

احدهما: انه يجوز لنا ان نخص هذه الاخبار بان نقول يجوز عفو من كان له حظ من الدية الا ان يكون امراة فانه لا يجوزلها عفو ولا قود.

والثاني: ان هذه الاخبار انما تضمنت جواز عفو الاوليا والمراة ليست بولي المقتول لان الولي هو الذي له المطالبة بالقود او الدية وليس للمراة ذلك، واذا لم يكن وليا لم يناف ما قدمناه.

فاما ما تضمنته هذه الروايات من انه اذا عفا بعض الاوليا درى عن القتل وانتقل ذلك الى الدية فالوجه فيها انه انما ينقل الى الدية اذا لم يؤد من يريد القود الى اوليا المقاد منه مقدار ما عفا عنه لانه متى لم يؤد ذلك لم يكن له القود على حال»((30)).

فمع صراحة كلام الشيخ (قده) في العمل بهذه الروايات كيف يمكن ان يحرز اعراض الاصحاب عنها؟! واما الجموع المذكورة فقد عرفت عدم امكان المساعدة على شيء منها، وكذلك الحمل على التقية.

واما ما نقله عن بعضهم في توجيه كلام المحقق في الشرايع ومن وافقه بان طلب الدية عفو عن القود، فهذا وان كان صحيحا في نفسه اذ المطالبة بالدية خصوصا بعد اجابة القاتل ودفعه لها متضمن لا محالة للعفو عن القصاص او مستلزم له فيكون مشمولا لروايات العفو ولو بالفحوى، الا انه لا يمكن ان يكون هو مقصود المحقق لوضوح ان الروايات لايمكن تخصيصها بمورد المطالبة بالدية، بل بعضها كما افاد صاحب مفتاح الكرامة كالصريح في العفو المجاني، فكيف خص الرواية بفرض اخذ بعض الاوليا للدية من دون العفو مجانا.

واما ما افاده من الاشكال في هذا الحمل والتفسير لمرام المحقق من انه لا ينطبق الا على القول بان الواجب احد الامرين ولا يقولون به. فلم افهم وجهه اذ على القول الاخر المشهور عند فقهائنا من تعلق الحق في القتل العمدي بالقصاص تعيينا ايضا يكون طلب الدية مستلزما او متضمنا للعفو عن القصاص غايته في قبال عوض وهو الدية او اقل او اكثر، نعم هو مبني على موافقة الجاني بخلافه على القول بالتخيير، الا ان الماخوذ في كلام المحقق ومن وافقه اجابة القاتل له بل تسليمه لحصته من الدية، فلعله لهذا اخذ هذان القيدان في الحكم بالسقوط من قبل من قال به في صورة مطالبة بعض الاوليا بالدية.

ثم ان ما في مورد صحيح ابي ولاد وافتى به المشهور مطلقا وفي تمام الموارد على خلاف القاعدة من ناحيتين:

اولاهما: ان الحق في قتل العمد متعلق عند المشهور بالقصاص لا بالجامع منه ومن الدية، فلا يكون الولي مخيرا بينهماوانما ينتقل اليها في طول رضا الجاني بها، وعندئذ فكيف يحكم للمطالب بالدية ابتدا بان له ذلك وان من يريدالقصاص يقتل ولكنه يدفع للمطالب سهمه من الدية كما هو ظاهر الصحيحة وهو الغالب ايضا، حيث ان الجاني اذ راى انه يقتل بحق بعض الاوليا على كل حال فلا يرضى عادة بدفع شيء الى سائر الورثة بل حتى بنا على ان الحق هوالتخيير بين القصاص والدية لا وجه لضمان من له حق القصاص من الاوليا سهم الولي الاخر.

ثانيتهما: ان الصحيحة لم ترد في من يستحق القصاص ويطالب بالدية وانما وردت في مطالبة الام بالدية وهي لاتستحق القصاص بنا على قبول ما دل على ان النسا ليس لهن عفو ولا قود، فكيف يكون لها حق المطالبة بالدية، ثم كيف يمكن استفادة الحكم في غير مورد الرواية بنحو عام؟ وقد قرب الاستدلال بها على التعميم في مباني التكملة باحد تقريبين. قال:

«الاول: انه قد صرح فيها باعطا حق من عفا لورثة الجاني فانه يدل على ان الحق حقه، غاية الامر انه يعط ى في فرض العفو الى ورثة الجاني، ففي صورة المطالبة لابد من اعطائه له.

الثاني: ان ضمان حصة الام مع ان حق الاقتصاص غير ثابت لها يدل بالاولوية القطعية على ضمان حصة من له حق الاقتصاص، فلابد من اعطائه له اذا طالب به.

بقي شيء، وهو انه لا يمكن التعدي عن مورد الصحيحة وهو الام الى غيرها من النسا من الموارد، بل لابد من الاقتصار على موردها، فلو كان للمقتول اخ واخت فليس للاخت مطالبة الدية اذا اقتص الاخ من القاتل لما ثبت من انه ليس للنسا حق الاقتصاص ولا العفو ولهم الحق من الدية في فرض عدم الاقتصاص والتراضي بها» ((31)).

ويلاحظ على التقريب الاول: بانه لا وجه له اذ لعل العافي ليس له في فرض عدم قبول الجاني بدفع سهمه من الدية كماهو الغالب في ما اذا علم ان بعض الاوليا يريد القصاص على كل حال الا القصاص او العفو مجانا، بل هذا هو المتعين على المبنى المشهور، واما الحكم بدفع المقتص لورثة المقاد منه سهمه الذي عفا مجانا فلا يدل بوجه اصلا على ان العافي كان يستحق ذلك السهم وانما وجهه ان المقاد منه ملك نفسه بهذا المقدار في طول العفو عنه مجانا من قبل العافي، فيكون قتله قصاصا من قبل الولي الاخر اكثر من حقه من حيث الحالية ومقدار الدية نظير قتل الرجل بالمراة قصاصا حيث يجب فيه رد نصف الدية الى ورثة المقاد منه لكون دية الرجل اكثر من المراة، فالحاصل لا تلازم بين الامرين ولا وجه لهذه الاستفادة خصوصا على المبنى المشهور من ان الحق متعلق بالقصاص تعينا وان ما يدفع في قباله وعوضا عنه لا يكون مستحقا للولي الا في طول التوافق مع الجاني، ولهذا قد يتفقان على ما هو اكثر من ذلك مع انه لااشكال في عدم استحقاق المطالب بالدية ولا ورثة الجاني لو عفي عنه مجانا اكثر من الدية.

وعلى التقريب الثاني: بان الرواية اذا كانت على خلاف القاعدة في موردها وهو مطالبة الام بالدية لانها لا تستحقها آفتكون دالة على حكم تعبدي محض، فكيف يمكن ان يحرز المناط فيه ليتعدى الى سائر الموارد بالاولوية القطعية، بل كما لم يتعد هو ايضا الى سائر النسا ممن ليس لهن حق الاقتصاص كالاخت كذلك لا يمكن التعدي منها الى من له حق الاقتصاص، اذ لعل هذا حكم تعبدي خاص بمورد الام، لاحترام او خصوصية لها، ولو اريد التعدي كان اللازم التعدي الى كل من يصيبه سهم من الدية بلا فرق سوا كان له حق في القصاص ام لا، واللّه العالم.

وبهذا ننهي البحث عن المسالة الاولى مستخلصين فيها النتائج التالية:

1- ان مقتضى صناعة الجمع بين الروايات المتعارضة في المقام هو الحكم بتخصيص اطلاق روايات سقوط القود بعفوبعض الاوليا بصحيحة ابي ولاد الواردة في طلب الابن للقصاص وعفو الاب او الام. فاما ان يحكم بعدم السقوط في خصوص هذا المورد فقط او يعمم الى كل مورد كان الطالب للقصاص اقرب الى المقتول من العافي الا ان ارتكازية عدم احتمال الفرق فقهيا وان الحق اما مجعول لمجموع الورثة او لكل وارث مستقلا ولا احتمال ثالثا يمنع عن مثل هذاالجمع بل يكون من التعارض.

هذا ويمكن ان يقال: ان المراد بالولي في باب القصاص ليس مطلق الوارث بل الوارث المتولي شرعا شؤون الميت والذي هو الولد بالدرجة الاولى، ثم الاب والجد، ثم سائر طبقات الارث.

فمع وجود الولد لا يكون سائر الورثة اولياوان كانوا يرثون سهما من الدية وهذا قد يمكن استفادته من الارتكاز العرفي والمتشرعي ومن مجموع ما دل في باب القصاص من التعبير تارة بان النسا ليس لهن عفو ولا قود وما ورد من انه اذا مات من له القصاص قام ولده مقامه مع ان الوارث لا ينحصر بالولد عادة الى غير ذلك من التعبيرات، وبنا عليه لا تكون صحيحة ابي ولاد متعارضة اصلا مع روايات سقوط القود بعفو بعض الاوليا لان العافي في موردها وهو الاب والام ليس وليا مع وجود الابن وان كانا وارثين للدية معه، وبنا على هذا يكون مفاد الصحيحة مطلبا آخر هو ان الولي اذا اراد القصاص فعليه ان يضمن سهم سائرالورثة ان كان من يرث معه الدية اما له او للمقاد منه اذا عفا عنه مجانا، فكانه روعي حقهم في الارث من الدية على تقدير ثبوتها واخذها وجعل ذلك مضمونا على الولي الذي يطلب الاقتصاص، وهذا لا ربط له بعفو بعض الاوليا كما اذاكان له اولاد، فعفا بعضهم.

2- لو فرض التعارض وعدم امكان جمع عرفي فقد ترجح صحيحة ابي ولاد باعتبارها موافقة للكتاب الكريم، وهواطلاق قوله تعالى (فقد جعلنا لوليه سلطانا.. ) والترجيح بموافقة الكتاب مقدم على الترجيح بمخالفة العامة كما هو مقررفي محله فيثبت ما هو المشهور.

الا ان هذا العلاج مبني على تمامية دلالة الاية على استقلال كل ولي بالقصاص وقد تقدم الاشكال فيها، هذا مضافا الى الاشكال في اصل الترجيح بمجرد الموافقة مع دلالة اطلاقية للكتاب لو تمت الدلالة، على ما حقق في محله. 3- بعد التعارض يحكم بتقديم روايات السقوط على صحيحة ابي ولاد وحملها على التقية لموافقتها مع الفتوى الفقهية المعاصرة زمانا ومكانا مع الصحيحة، وهي فتوى مالك في المدينة، فان الميزان في الترجيح بمخالفة العامة وحمل الموافق على التقية بملاحظة زمان الصدور وما يقرب منه لا فتاوى العامة في الازمنة المتاخرة عن صدور النص.

4- مع التنزل عما تقدم في النقطة السابقة يكون كل من الطرفين موافقا لمذهب من العامة، فلا ترجيح لاحدهما على الاخر فيتساقطان، ويرجع الى مقتضى الاصل الاولي وهو حرمة القتل ما لم يثبت جوازه بدليل. هذا لو لم يطمئن بصدوربعض روايات الحكم بالسقوط لتعددها ونقا سند اكثرها وكون ابي ولاد نفسه ينقل عن الامام الصادق (ع) ايضا رواية دالة على السقوط، فهو ينقل كلا الطرفين عن نفي الامام مما قد يضعف كاشفية نقله وخبره في مقام المعارضة، او يجعله معارضا مع الدليل قطعي الصدور، فيسقط عن الحجية.

المسالة الثانية: في استيفا بعض الاوليا للقصاص مع غياب الاخرين وعدم اذنهم ونسب الى المشهور في المقام عدم جواز استيفا القصاص الا باجتماعهم على التوكيل او الاذن، وفي قباله قول بالجوازلكن مع ضمان حصص من لم ياذن من الدية اختاره الشيخ (قده) وجملة من القدما، قال المحقق في الشرايع: «وان كانواجماعة لم يجز الاستيفا الا بعد الاجتماع اما بالوكالة او بالاذن لواحد، وقال الشيخ: يجوز لكل منهم المبادرة ولا يتوقف على اذن الاخر لكن يضمن حصص من لم ياذن».

وقال في الجواهر معلقا على القول الاول: «عند الفاضل والشهيدين والمقداد والاردبيلي والكاشاني، بل في غاية المرام،انه المشهور على معنى استيفائهم اياه اجمع اما بالوكالة لاحد خارج عنهم او بالاذن لواحد منهم لا ان المراد ضرب كل واحد منهم اياه. نعم قد يتصور في بعض الافراد ضرب الجميع اياه بالسيف ضربة واحدة، فان وقعت المنازعة في الاذن لمن يستوفيه منهم وكانوا كلهم من القادرين على استيفائه اقرع، ولو كان فيهم من لا يحسنه كالامراة والمريض والضعيف، فالاقرب ادخاله في القرعة ايضا ولو بان يوكل في استيفائه».

وعلق على القول الثاني بقوله: و«هو المحكي عن ابي علي وعلم الهدى والقاضي والكيدري وابني حمزة وزهرة، بل في مجمع البرهان نسبته الى الاكثر، بل عن المرتضى والخلاف والغنية وظاهر المبسوط الاجماع عليه، بل عن الخلاف نسبته الى اخبار الفرقة ايضا. وهو الحجة بعد تاييده ببنا القصاص على التغليب، ولذا اذا عفا الاوليا الا واحدا كان له القصاص مع ان القاتل قد احرز بعض نفسه. وبانه اذا جاز القصاص مع عفو الباقين واحراز القاتل بعض نفسه فمع السكوت او الجهل وعدم الاحراز اولى، وبان ثبوت السلطان للولي يقتضي تسلط كل واحد منهم على ذلك منفردا، كماهو مقتضى الاضافة والا لم يتم له السلطان، وبان الباقين اما ان يريدوا قتله او الدية او العفو، والفرض ان الاول قد حصل والدية مبذولة من القاتل، والعفو باق في محله فان المقصود به المثوبة وهي موجودة، وبانه مخالف لما اجمع عليه العامة او معظمهم الذين جعل اللّه الرشد في خلافهم، وبان اشتراك الحق المزبور ليس على حسب غيره من الاموال التي لا يجوز التصرف فيها بدون اذن الشريك، بل المراد من اشتراكه ان لكل واحد منهم استيفاه لا كونه بينهم على الحصص ولا انه حق للمجموع من حيث كونه كذلك ضرورة عدم تعقل الاول ومنافاة الثاني لبقائه مع عفو البعض وغرم الدية انما هو لدليله لا لاشتراكه، بل لعل ذلك ظاهر كل ما يستفاد من كون القصاص لاوليائه من كتاب او سنة بعد العلم بعدم ارادة المجموع من حيث كونه كذلك، ولعله لذا نسبه في ما سمعته من الخلاف الى اخبار الفرقة.

ومن ذلك يعلم ما في دليل الاول الذي هو الاشتراك في حق لا يقبل التبعيض، فلابد من اتفاق الجميع على استيفائه، بل لا دليل لهم غيره. اذ قد عرفت ان ذلك يقتضي استبداد كل واحد منهم نحو الخيار والشفعة الموروثين لا اعتبارالاجتماع في استيفائه الذي قد يترتب عليه ضرر لو كان الشريك غائبا او قاصرا، ولذا حكي عن ظاهر المبسوط الاجماع ايضا على عدم اعتبار الاذن فيه، بل هو مندرج في معقد اجماع الغنية بل عن الخلاف دعوى اجماع الفرقة واخبارهم عليه ايضا، وستسمع الكلام فيه ان شا اللّه.

ومن الغريب، بعد ذلك كله، معارضة ما سمعت بما عن غاية المرام من الشهرة التي ان لم تحتمل ارادة المتاخرة كانت خطا قطعا. مضافا الى معارضتها بما سمعته من الاردبيلي من دعواها على خلافه، بل والى ما يظهر من كلمات القدماواجماعاتهم من كون ذلك معلوما من مذهبهم في مقابلة العامة، وانه مفروغ منه عندهم حتى ردوهم بكونه مجمعا عليه عندنا، فلو سلم اقتضا قاعدة الشركة ذلك كان المتجه الخروج عنها ببعض ما عرفت فضلا عن جميعه» . ((32)) ولا ينبغي الشك في انه على القول في المسالة السابقة بسقوط حق القصاص بعفو بعض الاوليا وانه حق واحد قائم بمجموعهم كارث الخيار، فلا وجه لتوهم استقلال كل ولي باستيفا القصاص من دون اذن الاخرين، لان اصل الحق غيرثابت له بالخصوص، بل لمجموعهم فلا يكون وحده وليا، وهذا واضح، ولعله لهذا كان المشهور او المتفق عليه عندالعامة عدم استبداد كل ولي بالاستيفا لان الاشهر عندهم في المسالة السابقة سقوط القصاص. واما اذا قلنا هناك بالسقوط تصبرا لا لقيام الحق بالمجموع او بنا على القول الاخر المشهور او المتفق عليه عند فقهائنا ما عدا بعض المتاخرين من عدم سقوط القصاص بعفو البعض من الاوليا وان لكل ولي حق الاقتصاص مستقلا، فيتجه البحث عندئذ في كيفية الاستيفا وانه هل له الاستبداد بالاستيفا من دون حضور سائر الاوليا ولا اذنهم ام ليس له ذلك. وقدعرفت نسبة كل من القولين الى المشهور عند فقهائنا وذهاب جملة من كبار الاصحاب الى كل من القولين، خلافاللمسالة السابقة. وان اصر جملة من المتاخرين كالسيد العاملي في مفتاحه وصاحب الجواهر(قده) على ان المشهور اوالمجمع عليه عند المتقدمين هو القول بالاستقلال ايضا وان القول باستقلال الولي في المسالة السابقة يستلزم بالفحوى والاولوية استقلاله في هذه المسالة ايضا، بل استدلوا على الاستقلالية في المسالتين معا بالاية المباركة (فقد جعلنا لوليه سلطانا...).

وتحقيق الكلام في هذه المسالة يقتضي الحديث في جهتين:

الجهة الاولى: في ما تقتضيه القاعدة الاولية عند الشك وعدم قيام دليل على الاستقلالية في مقام الاستيفا.

الجهة الثانية: في ما ذكر او يمكن ان يذكر من الوجوه لاثبات استقلال كل ولي في مقام الاستيفا.

اما الجهة الاولى فربما يقال فيها بان مقتضى الاصل بنا على ثبوت حق الاقتصاص لكل ولي مستقلا جواز الاستيفالكل واحد منهم وعدم اشتراط الاستئذان من الاخرين، لان لزوم الاستئذان اما ان يرجع الى حكم تكليفي في حق كل منهم بحرمة المبادرة الى الاستيفا من دون مشاركة الاخرين او الى ثبوت حق وضعي لكل منهم في المنع عن مبادرة الاخر، ومع الشك في ثبوت شيء منهما يكون مقتضى الاصل عدمه ومرجعه الى اصالة البراة عن التكليف المشكوك ثبوته او استصحاب عدم حق المنع. فيكون مقتضى الاصل هنا على العكس من المسالة السابقة تغليب القصاص.

الا ان هذا الكلام غير تام، بل الصحيح ان مقتضى الاصل هنا ايضا هو المنع عن جواز المبادرة والاستقلالية في الاستيفالاحتمال ان يكون الحق الثابت لكل ولي من اول الامر هو الاقتصاص غير المفوت على الاخرين حقهم فيرجع الشك الى مقدار الحق الثابت في اول الامر لكل ولي وانه مطلق وفي تمام الحالات، او مقيد بمشاركة الاخرين وعدم فوات حقهم في الاستيفا. وحيث ان اصل هذا الحق على خلاف الاصل الاولي، فمع الشك في حدوده ومقداره لابد من الاقتصار على القدر المتيقن ثبوته واما المقدار الزائد عليه فهو منفي بالاصل اللفظ ي او العملي.

وان شئت قلت: ان الحرمة كانت ثابتة من اول الامر مطلقا ودليل جواز الاقتصاص مخصص له، فاذا شك في مقداره وحدوده كان المرجع في الزائد على المتيقن جوازه عموم العام، كما ان مقتضى الاستصحاب بقا الحرمة.

لا يقال: ان دليل حرمة دم المسلم يعلم في المقام بسقوطه حيث لا شك في ثبوت حق القصاص للولي مستقلا وان الجاني مهدور الدم في قباله على كل حال، اي رضي الاخرون بالقصاص ام لا، وانما الشك في شرائط الاستيفا لا في اصل حق القصاص، وبنا عليه لا يمكن التمسك بعموم دليل الحرمة للعلم بسقوطها، وانما الشك في ثبوت حرمة اخرى من جهة حق سائر الاوليا في القصاص ايضا، وهذا على تقدير ثبوته تكليف آخر غير تلك الحرمة التي كانت ثابتة اولا، فيكون منفيا بالاصل.

فانه يقال: ان دليل حرمة القتل ،او قطع العضو، يدل على حرمة شرعية من غير ان يقيدها بكونها من جهة حق الغير فقط،او حق اللّه، او الحق العام، او اي جهة اخرى، فان هذه حيثيات وملاكات للحكم ولا يتقيد الحكم بها ولا يتخصص. وهذاالدليل اطلاقه محكم لا يخرج عنه الا بما يدل على الجواز، وهو دليل القصاص، فاذا دار امر المخصص او المقيد بين الاقل والاكثر، سوا كان من ناحية احتمال دخل عدم عفو بعض الاوليا فيه كما في المسالة السابقة ام من ناحية دخل اذن من يريد القصاص منهم فيه كما في هذه المسالة. كان المرجع عموم العام في مورد الشك لا محالة كما ان مقتضى الاستصحاب بقا الحرمة، وعدم جعل حق مطلق كما اشرنا اليه آنفا.

وان شئت قلت: ان رجع الشك في المقام الى ان حق القصاص بعد ان لم يكن مجعولا لمجموع الورثة كحق واحد، بل لمن لم يعف منهم ايضا حق القصاص، فهل هو مجعول لمجموع من لم يعف عن القصاص فلا يمكن ان ينفرد، وليقل به احدهم او لكل واحد منهم مستقلا، ولا شك في ان الثاني فيه تقييد وتخصيص اكثر لدليل حرمة دم المسلم فيكون منفياباطلاقه ما لم يثبت التخصيص كما هو في سائر موارد الرجوع الى عموم العام عند دوران المخصص بين الاقل والاكثر.فلا فرق بين المسالتين من ناحية ان مقتضى الاصل اللفظ ي والعملي فيهما معا عدم الجواز.

واما الجهة الثانية ففي ما استدل به على الاستقلالية في الاستيفا، وهو امور:

منها: ما ذكره جملة من الفقها كصاحب الجواهر ومفتاح الكرامة وغيرهما من الاجماع المدعى في كلمات بعض،وذهاب جل القدما او كلهم الى القول بالاستقلال، غاية الامر يضمن سهم من لم يحضر اذا حضر وطالب بالدية.

وفيه: مضافا الى انه لم يرد ذكر الاجماع الا في كتابي الغنية والخلاف ولا يراد بالاجماع فيهما المعنى المصطلح، كماان اكثر كتب القدما لا تعرض فيها لهذه المسالة اصلا. ان مثل هذا الاجماع لو سلم ثبوته فهو محتمل المدركية لان من ادعاه كابن زهرة في الغنية عطف عليها الاستدلال بظاهر الاية المباركة وقال: ان من ذهب الى الخلاف خالف الظاهر،فالمسالة اجتهادية وليس فيها اجماع تعبدي كما لا يخفى ويشهد له ذهاب مشهور المتاخرين الى خلافه.

ومنها: التمسك بظاهر الاية المباركة (ومن قتل مظلوما...) بدعوى ظهورها في الانحلالية وان ثبوت السلطان للولي يقتضي تسلط كل واحد منهم على ذلك منفردا والا لم يتم له السلطان.

وهذا الاستدلال قد تقدم ايضا في المسالة السابقة وتقدم الاشكال فيه. ونضيف هنا بانه لو فرض دلالة الاية على الانحلالية وجعل الدلالة على القصاص لكل وارث مستقلا، فغايته ثبوت اصل حق القصاص لكل منهم مستقلا عن الاخر، اي عدم قيامه بالمجموع بل بكل وارث وارث. اما كيفية الاستيفا وانه هل يشترط فيه الاستئذان من الاخرين وعدم تفويت حقهم في القصاص ايضا او لا؟ فهو امر آخر اجنبي عن مفاد الاية لان ظاهرها بيان اصل جعل حق القصاص للورثة وانه مجعول لكل وارث وولي. واما مقام الاستيفا وشروطه فهو اجنبي عن هذه الجهة ولهذا لا يمكن ان ننفي بالاية مثلا اشتراط ان يكون الاستيفا باذن الامام او مع حضوره او ان يكون بالسيف لا بنحو آخر او اي شرط آخرمن شروط الاستيفا. ومنها: ما ذكره في الجواهر من ان بنا القصاص على التغليب، ولذا اذا عفا الاوليا الا واحد كان له القصاص مع ان القاتل قد احرز بعض نفسه.

وفيه: ان اريد به ان مقتضى الاصل عند الشك، فقد عرفت ما فيه، وان مقتضاه عدم جواز الانفراد بالاستيفا وان اريد به قاعدة خاصة في باب القصاص نظير ما يقال في باب العتق من ان البنا على تغليب العتق، فهذا بحاجة الى اثبات بدليل خاص او من مجموع ادلة الباب ولو بالفحوى والملازمة، وليس لنا مثل ذلك في المقام بل لعل الامر على العكس من ذلك لابتنا باب الدما والحدود على الاحتياط.

ومنها: استفادة ذلك بالملازمة مما تقدم عن المشهور في المسالة السابقة، فانه اذا كان حق القصاص ثابتا لكل ولي مستقلا ولا يسقط بعفو الاخرين او مطالبتهم بالدية، بل غايته ان من يريد القصاص يضمن سهم العافي او المطالب بالدية فلا محالة يحق لكل ولي الانفراد بالاستيفا في هذه المسالة، لان الباقين على حد تعبير صاحب الجواهر اما ان يريدواقتله او الدية او العفو، والفرض ان الاول قد حصل والدية مبذولة من القاتل والعفو باق في محله فان المقصود به المثوبة وهي موجودة.

وفيه:

اولا: ما تقدم من احتمال ان يكون المجعول حق القصاص لمجموع من يريد القتل لا لكل واحد.

وثانيا: لو فرض ثبوت الحق لكل واحد مع ذلك لا يتم ما ذكره، لان الحق المجعول للولي انما هو ان يقتص من الجاني آمباشرة او بالتسبيب لا ان يرى الجاني مقتولا ولو بسبب آخر كما اذا قتل ب آفة سماوية او قتله غير الولي عدوانا.وبعبارة اخرى: ان حيثية انتساب القتل الى الولي وكونه قصاصا من قبله وما يترتب على ذلك من الاثر كالتشفي وغيره ملحوظ للولي ومجعول له في باب القصاص. والاستبداد بالاستيفا مفوت لهذا الحق عليه لا محالة.

وهكذا يتضح ان لا ملازمة بين المسالتين. نعم، في فرض كون بعض الاوليا صغيرا او مجنونا او غائبا لا يمكن الاستئذان منه ولا يعلم قدومه في وقت قريب، يكون لزوم الانتظار على الولي الرشيد الحاضر تفويتا لحصة في القصاص، فقدينفي لزوم ذلك حينئذ باطلاق الاية المباركة على القول به او بحديث لا ضرر، بل قد يقال بعدم صدق ولي الميت على الصغير والمجنون وان كانا وارثين. وهذه جهة اخرى من البحث تقع خارج ما نحن فيه.

والنتيجة انه على كلا المبنيين في المسالة السابقة لا يجوز الاستبداد بالقصاص في مقام الاستيفا من قبل كل ولي مع وجود سائر الاوليا ورشدهم وامكان الاستئذان منهم، اذ لا اقل من ان هذا خلاف مقتضى الاصل الاولي كماذكرناه.

هذا حاصل ما اردنا ايراده في هاتين المسالتين، والحمد للّه اولا وآخرا، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

بيع العربون د. عبد الهادي الفضلي التسمية قال ابن منظور في (لسان العرب): «والعربان والعربون والعربون: كله ما عقد به البيعة من الثمن، اعجمي اعرب».

وفي (المصباح المنير): «والعربون بفتح العين والرا.. والعربون وزان عصفور لغة فيه، والعربان بالضم لغة ثالثة».

ونسب الفيومي فيه، وغيره في غيره، القول باعجميته الى الاصمعي، قال: «وقال الاصمعي: العربون اعجمي معرب».

ويبدو من قول المطرزي في (المغرب): «والعربان والعربون والاربان والاربون...» ان الاصل فيه الهمزة، وقلبت عيناللتعريب.

كما قد يظهر من سبب التسمية الذي ذكره ابن الاثير في (النهاية) بقوله: «قيل: سمي بذلك لان فيه اعرابا لعقد البيع، اي اصلاحا وازالة فساد لئلا يملكه غيره باشترائه» ان لفظه عربي اصيل.

وادرجه استاذنا الدكتور ابراهيم السامرائي في قائمة الفارسي المعرب في كتابه (الدخيل في الفارسية والعربية والتركية:معجم ودراسة) ص: ج، رقم 2 وهو في معرض ذكر الالفاظ الفارسية الدخيلة في العربية، قال: «والاربون بفتح الهمزة وضمها وكذلك الاربان، لما نعرفه في عربيتنا المعاصرة بالعربون» .

واشتقوا منه فقالوا: اعرب وعرب وعربن: اذا دفع العربون.

التعريف والعربون لا يختلف في معناه لغة عنه فقها، ولعل اللغويين اخذوا معناه من المصطلح الفقهي.

وممن افاد هذا من المعاصرين الدكتور نزيه حماد، قال في كتابه (معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقها):

«بيع العربون او العربان في اللغة واستعمال الفقها: هو ان يشتري الرجل السلعة ويدفع للبائع مبلغا من المال، على انه ان تم البيع حسب ذلك المبلغ من الثمن، وان لم يتم كان للبائع».

وفي (النهاية) لابن الاثير: «وفيه (انه نهى عن بيع العربان): هو ان يشتري السلعة ويدفع الى صاحبها شيئا على انه ان امضى البيع حسب من الثمن، وان لم يمض البيع كان لصاحب السلعة، ولم يرتجعه المشتري».

وفي (المصباح المنير): «قال بعضهم: هو ان يشتري الرجل شيئا او يستاجره، ويعطي بعض الثمن او الاجرة، ثم يقول: ان تم العقد احتسبناه، والا فهو لك ولا آخذه منك».

وفي (المغرب): «وفي الحديث (نهى عن بيع العربان)، قال ابو داود: قال مالك: هو ان يشتري الرجل العبد او يتكارى الدابة، ثم يقول: اعطيك دينارا على اني ان تركت السلعة او الدابة فما اعطيتك فلك».

وهو المعنى نفسه تحمله الكلمة اقتصاديا، ففي (معجم مصطلحات الاقتصاد والمال وادارة الاعمال) للمحامي نبيه غطاس ص 189 : عربون ژژحذزچح : مال يدفعه فريق في اتفاقية تعقد مع فريق آخر اثباتا لصفقة تمت بينهما.

مثال على ذلك: المال الذي يدفعه مشتر الى البائع بهدف ربط او حجز البضائع المشتراة لحسابه، وحمل البائع على الاحتفاظ بها لمدة معقولة وعدم بيعها للغير.

ويدفع العربون كذلك بهدف ربط المشتري وحمله على قبول البضائع المشتراة ودفع ثمنها.

ومتى تمت صفقة البيع بينهما اعتبر العربون جزءا من ثمن البضائع المشتراة.

اما اذا لم يتم البيع لسبب ما فيتوجب عندئذ على دافع العربون ان يتنازل عنه ويخسره».

والتقا هذه التعريفات، على اختلاف حقولها المعرفية من لغوية وفقهية واقتصادية، عند معنى واحد هو المعنى العرفي للعربون في المعاملات المالية، يفهم منه انه افيد من الواقع الاجتماعي.

مشروعيته قال ابن قدامة في (المغني: 4/160): والعربون في البيع: هو ان يشتري السلعة فيدفع الى البائع درهما او غيره على انه ان اخذ السلعة احتسب به من الثمن، وان لم ياخذها فذلك للبائع.

قال احمد: لا باس به، وفعله عمر (رض).

وعن ابن عمر: انه اجازه.

وقال ابن سيرين: لا باس به.

وقال سعيد بن المسيب وابن سيرين: لا باس اذا كره السلعة ان يردها ويرد معها شيئا.

وقال احمد هذا في معناه.

واختار ابو الخطاب: انه لا يصح، وهو قول مالك والشافعي واصحاب الراي.

ويروى ذلك عن ابن عباس والحسن:

لان النبي (ص) نهى عن بيع العربون.

ولانه شرط للبائع شيئا بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لاجنبي.

ولانه بمنزلة الخيار المجهول، فانه اشترط ان له رد المبيع من غير ذكر مدة فلم يصح، كما لو قال: ولي الخيار متى شئت رددت السلعة ومعها درهما، وهذا هو القياس.

وانما صار احمد فيه الى ما روي فيه عن نافع بن عبد الحارث انه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن امية فان رضي عمر، والا فله كذا وكذا.

قال الاثرم: «قلت لاحمد: تذهب اليه؟.. قال: اي شيء اقول! هذا عمر (رض)، وضعف الحديث المروي.

روى هذه القصة الاثرم باسناده.

فاما ان دفع اليه قبل البيع درهما، وقال: (لا تبع هذه السلعة لغيري، وان لم اشترها منك فهذا الدرهم لك)، ثم اشتراهامنه بعد ذلك بعقد مبتدا وحسب الدرهم من الثمن صح، لان البيع خلا عن الشرط المفسد.

ويحتمل ان الشرا الذي اشترى لعمر كان على هذا الوجه، فيحمل عليه جمعا بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس.

والائمة القائلون بفساد العربون وان لم يشتر السلعة في هذه الصورة لم يستحق البائع الدرهم لانه ياخذه بغير عوض،ولصاحبه الرجوع فيه، ولا يصح جعله عوضا عن انتظاره وتاخير بيعه من اجله، لانه لو كان عوضا عن ذلك لما جاز جعله من الثمن، في حال الشرا، ولان الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه، ولو جازت لوجب ان يكون معلوم المقدار كما في الاجارة».

الصفحة السابقة

الصفحة التالية