الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وقال الشيخ سيد سابق في (فقه السنة: 3/100): صفة بيع العربون: ان يشتري شيئا ويدفع جزءا من ثمنه الى البائع، فان نفذ البيع، احتسب من الثمن، وان لم ينفذ اخذه البائع على انه هبة له من المشتري.

وقد ذهب جمهور الفقها الى عدم صحة هذا البيع لما رواه ابن ماجة: ان النبي (ص) نهى عن بيع العربون.

وضعف الامام احمد هذا الحديث، واجاز بيع العربون لما رواه عن نافع بن عبد الحارث انه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن امية باربعة آلاف درهم، فان رضي عمر كان البيع نافذا، وان لم يرض فلصفوان اربعمائة درهم.

وقال ابن سيرين وابن المسيب: لا باس اذا كره السلعة ان يردها ويرد معها شيئا، واجازه ايضا ابن عمر».

وفي حدود اطلاعي وهو ذو مساحة صغيرة لم اقف على من تعرض له بالبحث والدراسة من اصحابنا الامامية،مستقلا او غير مستقل، سوى ما ذكره الحر العاملي في (الوسائل: ج 12 كتاب التجارة الباب 28، عنوان (باب وجوب احتساب العربون من الثمن)، وهو:

«1 محمد بن يعقوب عن عدة من اصحابنا عن احمد بن ابي عبداللّه عن ابيه عن وهب عن ابي عبداللّه (ع): قال: كان امير المؤمنين (ع) يقول: لا يجوز بيع العربون الا ان يكون نقدا، من الثمن.

ورواه الشيخ باسناده عن احمد بن ابي عبداللّه.

ورواه الصدوق باسناده عن وهب بن وهب.

ورواه الحميري في (قرب الاسناد) عن السندي بن محمد عن ابي البختري عن جعفر بن محمد عن ابيه(ع)..».

ونتوصل مما تقدم من تعريفات وادلة الى التالي:

ان نقطة الخلاف او محور البحث في المسالة هو ما اذا لم يتم البيع، فهل يحل للبائع العربون المدفوع اليه من قبل الطرف الاخر او انه لا يحل له، وعليه ان يرده للمشتري، وعلى المشتري ان يسترده.

ان هذا الشرط، وهو (ان لم يتم البيع فالعربون للبائع) لا يصح اذا كان ضمن العقد.

ان هذا الشرط قد يكون من المشتري وقد يكون من البائع.

ان جمهور الفقها من اهل السنة ذهبوا الى عدم صحة هذا البيع، وعمدة ما استدلوا به لذلك هو:

1- نهي النبي (ص) عن هذا البيع.

2- ان هذا الشرط ان كان من البائع فهو اخذ منه لمال العربون بدون مقابل.

3- ان اخذ مال العربون من قبل البائع في مقابل احتفاظه بالسلعة غير سليم لانه لو كان كذلك لا يصح جعله عند تمامية البيع جزءا من الثمن، وذلك لانه والحالة هذه صار من مال البائع، وليس للمشتري فيه حق حتى يحق له ان يجعله بعضا من الثمن.

4- ان هذا الشرط بمنزلة الخيار المجهول المدة.

ان هناك من ذهب الى جواز هذا البيع، وفي طليعة القائلين بذلك الامام احمد بن حنبل مستدلا بالتالي:

1- ضعف حديث النهي.

2- فعل عمر.

واستدل الشيخ سيد سابق على ان هذا العربون ان لم يتم البيع يحمل على انه هبة من المشتري للبائع.

وبالنسبة الى رواية الوسائل ففي طريقها ابو البختري وهب بن وهب، وهو ممن ضعفه الرجاليون ونصوا على انه كذاب،الا ان ابن الغضائري بعد نصه عليه بانه كذاب قال: «الا ان له عن جعفر بن محمد (ع) احاديث كلها يوثق بها» ((33)).

ولان هذا التوثيق من ابن الغضائري لا يعدو ان يكون اجتهادا منه، ولم نطلع على دليله، لا يحق لنا الاعتماد عليه. وفي هديه: تبقى الرواية على ضعفها وعدم صحة الركون اليها.

وعليه: يمكننا ان نقول:

ان كان الشرط من المشتري فان حمله على الهبة كما قال السيد سابق له وجه وجيه.

وان كان الشرط من البائع يحمل على انه في مقابل احتفاظه بالسلعة المدة المتفق عليها بين الطرفين، اي ان صاحب السلعة يبيع حقه في التصرف بهذه السلعة بالبيع او غيره خلال هذه المدة للمشتري في مقابل العربون عوضا لهذاالحق عند عدم تمامية البيع.

والحق كما تقدم في التمهيد مال يعاوض عليه.

وعند من لا يقول بمالية الحق يمكنه ان يدخل هذا تحت عنوان التصالح، لانه يقع في المعاملات الجارية في عصرناهذا قبل اجرا متطلبات البيع.

وعلى اساس من القول بالصحة لابد من تحديد مدة الاحتفاظ بالسلعة، واللّه تعالى هو العالم.

الاصر والاغلال

 
الشيخ محمد مهدي الاصفي

 
بسم اللّه الرحمن الرحيم (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم) [الاعراف:157].

تصف الاية الكريمة رسول اللّه (ص) باوصاف خمسة هي:

1- النبي الامي.

2- الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل.

3- يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

4- يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.

5- يضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم.

وفي ما ياتي توضيح لهذه النقاط الخمس:

1- النبي الامي المعروف، في تفسير الامي، انه الذي لا يقرا ولا يكتب، وقد كان رسول اللّه (ص) لا يقرا ولا يكتب.

يقول تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذا لارتاب المبطلون) [العنكبوت: 48].

وعلى هذا الاساس، يمكن تفسير النبي الامي بالذي لا يقرا ولا يكتب، وهو تفسير معروف، وتؤيده الاية الكريمة السابقة.

وقد وردت هذه الكلمة نفسها، في القرآن الكريم، وصفا للجماعة التي بعث اللّه تعالى منها رسوله (ص) يتلو عليهم آياته ويزكيهم.

يقول تعالى: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [الجمعة: 2].

ويفسر المفسرون كلمة (الاميين)، في هذه الاية، بالمعنى السابق نفسه، اي «من لا يقرا ولا يكتب».

الامية الفطرية غير اني لست استبعد ان يكون المقصود من الاميين الجماعة التي لم تتلوث فطرتهم بالثقافات الجاهلية السائدة في عصرهم.

وقد كان العرب في الجزيرة العربية في هذه الفترة يعيشون في بقعة نائية من الصحرا، وفي عزلة تامة عن الحضارات المعروفة يومذاك...

وهذه العزلة التي فرضتها عليهم طبيعة الصحرا يومئذ حفظتهم من التلوث الاخلاقي والثقافي الذي انتجته الحضارات الجاهلية المعروفة.

وقد اختار اللّه تعالى هذه الامة بالذات، من بين سائر الامم التي كانت تعيش على وجه الارض، لحمل رسالة التوحيد الى البشرية.

وقد كانت البشرية كلها، فضلا عن العرب، بحاجة الى هداية الوحي، وكان لابد من ان يختار اللّه تعالى شعبا من شعوب الارض ينزل عليه الوحي، لينهض في ما بعد برسالة اللّه الى شعوب الارض جميعا.

وقد اختار اللّه تعالى العرب لذلك، من دون سائر الشعوب، وكان بين شعوب الارض يومئذ من كان اقدم من العرب في الثقافة والعلم والحضارة، مثل اليونان والرومان والفرس والهند.

فما هو السبب في هذا الاختيار؟ واللّه يختار ما يشا، وله الخيرة.

اعتقد ان في آية البعث نفسها، في سورتي آل عمران والجمعة، اشارة دقيقة الى السبب، يقول تعالى: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [الجمعة : 2].

ان السبب، في هذا الاختيار، كامن واللّه العالم في كلمة (الاميين)، فقد كان العرب يومئذ وبحكم العزلة عن الحضارة الجاهلية، التي فرضتها عليهم طبيعة الحياة الصحراوية، اميين بالنسبة الى الثقافات الجاهلية، ولا اقصد بالاميين انهم كانوا لا يقراون ولا يكتبون انما اقصد بذلك ان فطرتهم لم تتلوث بعد بالثقافات الجاهلية السائدة يومئذ. وهي الفطرة القريبة من فطرة الانسان عندما يولد، ولست اريد ان اقول ان العرب لم يكونوا يومئذ جاهليين، فقد كانوا جاهليين قبل الاسلام بالتاكيد، وليس في ذلك شك، ولكن هذه الجاهلية كانت جاهلية بسيطة غير معقدة ولا مقننة بالتعقيدات والتنظيرات الثقافية المعروفة آنذاك، كالثقافة اليونانية والهندية والفارسية والرومانية... ولم تكن الذهنية الجاهلية العربية مشبعة بهذه الثقافات بعد، بحكم البيئة والوسط، لذلك كانت البيئة العربية في الصحرا انسب من سواها من البيئات الاخرى لهبوط الوحي. والجاهلية السائدة في الصحرا كانت اقل خطرا على نقاوة هذا الدين وصفائه وشفافيته من الجاهليات المعروفة يومذاك.

وهذه الامية مشتقة من لفظ «الام» لا «الامة»، كما يقول بعض المفسرين، ومناسبة هذه الحالة الحضارية البدائية ل «الامومة»، انها تكاد تشبه حالة الانسان الفطرية عند ولادته من امه.

وهي الامية الثقافية والحضارية التي تشير اليها الاية الكريمة:

(هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيه م ويعلمهم الكتاب والحكمة) [الجمعة: 2].

ورسول اللّه (ص) كان من هؤلا العرب، الذين لم يلتقوا بالثقافات الجاهلية، وقد حفظ اللّه له نقاوة الفطرة وسلامتها، تلوثها الجاهليات القائمة يومئذ، بما في ذلك الجاهلية فلم العربية، التي كانت اخفها وايسرها جميعا... فلم يلتق رسول اللّه(ص) بهذه الجاهليات قبل الاسلام، ولم يتلوث بها.

يقول تعالى: (ولقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين) [النحل:103].

وقد ورد في زيارة وارث: «لم تنجسك الجاهلية بانجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها».

ويبقى بعد ذلك ان نقول: ان رسول اللّه (ص) لم يكن يعرف القراة والكتابة قبل الاسلام وبعده بصريح القرآن.

2- الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل وهذه نقطة ثانية تصلح لان تكون وحدها امارة على صدق الانبيا.

ان الانبيا اسرة واحدة تجمعهم الدعوة الى اللّه تعالى، وتوحيده بالعبودية، وربط الناس به في كل شؤون حياتهم، وتاكيدقيم التوحيد وتعميقها في حياة الانسان، واعادة الانسان الى فطرته والى ذاته التي سلخته عنها الثقافات الجاهلية.

ومن يقرا دعوة الانبيا في القرآن الكريم يجد انها دعوة واحدة في اصولها وجذورها، والكثير من تفاصيلهاوفروعها.

والذي يستعرض مراحل حياة هذه الاسرة الربانية في التاريخ، ويلاحظ الوحدة والانسجام والتشابه بين هذه الرسالات،على اختلاف مراحلها وفتراتها، ليطمئن بان هذه الرسالات تنبع جميعها من مصدر واحد، وتحمل جميعها دعوة واحدة، وتواجه جميعها مصيرا واحدا، وتملك جميعها ولا واحدا وبراة واحدة.

ولا يمكن ان تلتقي هذه الرسالات جميعها على اختلاف ازمانها وتباعد مراحلها بهذه الصورة من الخط والدعوة والمنطلق والغاية والمسار والولا والبراة والعمل. ..

بصورة عفوية، ومصادفة.

ويتعمق لدينا هذا الاحساس بوحدة الرسالات وارتباطها جميعا بالمصدر الرباني الواحد، عندما نلاحظ ان هذا اللقابين الرسالات، يتجاوز حدود الانسجام والتناسق والتشابه الى التصديق والتبشير.

فالمتقدمة منها تبشر بالمتاخرة، والمتاخرة منها تصدق المتقدمة وتحترمها، ولم يصادف ان احداها ناقضت الاخرى، اوانتقصتها، او احصت عليها خطا او نقصا.

وبغض النظر عن اي اعتبار آخر، وعن الاعجاز، وعن الغيب، فان هذا اللقا والتناسق والانسجام والترابط ووحدة المنطلق والدعوة والغاية والمسار والمعاناة والحب والبغض، بين هذه المجموعة الكبيرة من الرسالات على امتدادالتاريخ الطويل، ليبعث الثقة والطمانينة في نفس الانسان، بارتباط هذه الرسالات جميعا وهي معروفة ومشخصة في التاريخ باللّه سبحانه وتعالى.

ولا يمكن ان تلتقي هذه الرسالات جميعها على خط واحد، ودعوة واحدة، ومنهج واحد، وحب واحد، وبغض واحد...

مصادفة، وبصورة عفوية.

والذي يستعرض آيات القرآن الكريم، في ما يقص من قصص الانبيا (ع)، يجد في ذلك بابا آخر للايمان بالانبيا (ع)ورسالاتهم وارتباطهم باللّه تعالى وصدقهم.

والامة الموحدة للّه تعالى هي اسرة واحدة مهما اختلفت مواقعها الزمنية ومواضعها من عمود التاريخ.

قال تعالى: (وان هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاتقون) [المؤمنون: 52].

وهذه الكلمات نفسها تتكرر في الاية 92 من سورة الانبيا.

امة واحدة من حيث المنطلق والمسار والغاية والاخلاق والحضارة... وان كان المؤمنون بتوحيد اللّه يختلفون بحكم اختلاف مواضعهم في التاريخ، واختلاف مراحلهم ومستوياتهم في النضج العقلي في جملة من التفاصيل الواردة في منهج التشريع... فان ذلك لا يعني الا يكونوا من غير تحريف واعوجاج اسرة واحدة.

والقرآن الكريم يسمي هذه الاسرة «الامة المسلمة»، ويسمي هذه الطريقة والمنهج «الاسلام»، وهو دين اللّه تعالى في حياة الانسان، فلن يقبل اللّه من الانسان غيره، ولم يبعث انبياه بغيره.

قال تعالى: (ان الدين عند اللّه الاسلام) [آل عمران: 19]، وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين) [آل عمران: 85]، وقال تعالى: (ومن احسن دينا ممن اسلم وجهه للّه وهو محسن) [النسا:125].

والاسلام، هو التسليم والانقياد للّه تعالى من دون العباد...

والعبودية له وحده.

وبهذه الدعوة يدعو القرآن الكريم اهل الكتاب الى ان يقفوا معنا نحن المسلمين على كلمة واحدة سوا بيننا وبينهم،وهي كلمة التوحيد والعبودية الخالصة للّه، ونبذ اي عبودية لغيره تعالى، ونبذ اي تسليم وطاعة لغير اللّه، ومن دون اذن من اللّه.

قال تعالى: (قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سوا بيننا وبينكم الا نعبد الا اللّه ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضااربابا من دون اللّه فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون) [آل عمران: 64].

وهذه الكلمة تجمع اطراف هذه الاسرة الواحدة مهما بعدت مواضعهم على عمود الزمان، واختلفت مناهجهم وشرائعهم . ((34)) وهذه الاسرة متضامنة ومتصادقة في ما بينها، يبشر السابق منهم باللاحق، ويصدق اللاحق منهم السابق.

وهذا التصديق والتبشير المتبادلان، بين اللاحقين منهم والسابقين، من امارات وحدة هذه الاسرة في الارتباط باللّه تعالى اولا، وفي الانتهال من معين وحي اللّه تعالى ثانيا، وفي وحدة المنهج العقائدي والتشريعي والاخلاقي ثالثا، وفي وحدة الارتباط باللّه، وعلاقة بعضهم ببعض.

يقول تعالى في تبشير عيسى بن مريم (ع) برسالة رسول اللّه (ص) من بعده، والتصديق برسالة موسى بن عمران (ع) من قبله: (وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقا لمابين ى ديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين) [المائدة:

46]، (واذ قال عيسى بن مريم يا بني اسرائيل اني رسول اللّهاليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه احمد فلما جاهم بالبينات قالوا هذاسحرمبين ) [الصف:6].

ويصدق رسول اللّه (ص) بالذين جاوا من قبله من الانبيا (ع)، يقول تعالى: (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ى ديه وانزل التوراة والانجيل) [آل عمران: 3]، (وهذا كتاب انزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر ام القرى ومن حولها) [الانعام:92]، (وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما انزل اللّه)[المائدة:48].

فالقرآن مصدق لما بين يديه من كتب اللّه ورسالاته، ومهيمن عليها، ولان القرآن مصدق لما بين يديه من الكتب، نؤمن بالانبيا جميعا، ولا نفرق بينهم، ولان القرآن يهيمن عليها جميعا ناخذ بالقرآن كلما وجدنا اختلافا في ما بين القرآن والكتب السماوية السابقة (آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين اح د من ر سله) [البقرة: 285].

3- يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر 4- ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث في حياة الناس طيبات وخبائث: طيبات وخبائث في افعالهم، وفي مكلهم، ومشاربهم، ومناكحهم، ومساكنهم.

فالصدق طيب والكذب خبيث، والامانة طيبة والخيانة خبيثة، والوفا طيب والحنث والخلف خبيث، والعطا والجودطيب والشح والبخل خبيث، والحب طيب والحقد في غير موقعه خبيث، والعدل طيب والظلم خبيث.

كما ان في ما ياكل الناس وما يشربون طيبات احلها اللّه، وخبائث حرمها اللّه، كذلك في مناكحهم طيبات وخبائث. وقد اودع اللّه تعالى في فطرة الانسان من المعرفة والتمييز ما يستطيع به ان يميز الطيب من الخبيث.

فيعرف الانسان الطيبات بالفطرة ويستجيب لها، ويتقبلها، ولذلك فكل طيب معروف، يعرفه الانسان ويتقبله بفطرته.

وبالدرجة نفسها التي يعرف بها الانسان الطيبات... ينكر الخبائث ويرفضها بالفطرة... فهي لذلك منكرات ترفضها الفطرة وتنكرها.

فالطيب والخبيث اذا هما «المعروف» و«المنكر».

والانسان قبل ان تتلوث فطرته يميز هذا من ذاك، بشكل واضح، ويقبل على المعروف ويانس به، وينفر من المنكرويرفضه، كما يعرف الطفل امه واباه، ويانس اليهما، ويقبل عليهما، وينكر الغريب ويستوحش منه ويرفضه.

والاقبال والاعراض حالتان طبيعيتان فطريتان في الانسان، كما يقبل الانسان على الطيبات من الاكل والشرب وينفر من الخبائث بصورة طبيعية.

كل ذلك قبل ان تتلوث فطرة الانسان، فاذا تلوثت وفقدت نقاوتها وشفافيتها وصفاها، اختل هذا الميزان وذلك المقياس الذي يميز به الطيب من الخبيث، والخير من الشر... فيتدخل الوحي عندئذ في تعريف الانسان بالمعروف والمنكر، والطيب والخبيث.

يقول تعالى: (كان الناس امة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه) [البقرة: 213].

ففي المراحل الاولى من حياة الانسان والتي سبقت بعثة النبيين، كان الناس يعيشون امة واحدة على الفطرة، وكانت تكفيهم، في هذه المرحلة من التاريخ، هداية الفطرة، فلما اختلفوا وفقدوا شفافية الفطرة ونقاها، بعث اللّه اليهم النبيين مبشرين ومنذرين ليعيدوا الناس الى فطرتهم، وكان دورهم يتجلى في مهمتين: تشريع الحلال والحرام، وتحليل الطيبات وتحريم الخبائث، والتعريف بهما في دائرة التشريع، وهذه هي المهمة الاولى التي يشير اليها قوله تعالى:

(يحل لهم الطيبات وى حرم عليهم الخبائث) [الاعراف: 157].

والمهمة الثانية: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في دائرة التنفيذ: ضبط سلوك الناس في المجتمع ومراقبته، وهذه المهمة الثانية يشير اليها قوله تعالى: (يامرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) [الاعراف: 157].

5- يضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم وهذه هي الرسالة الثالثة للانبيا في حياة الناس. والثلاثة هي:

1- تشريع الحلال والحرام.

2- الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3- وضع الاصار والاغلال عن الناس. وهذه الثالثة مهمة تربوية.

وفي ما ياتي شرح وتفصيل لهذه المهمة:

الاصر: بمعنى الثقل. والاغلال: حلقات الحديد التي توضع على ساق السجين او الاسير، لتكبله، وتمنعه من الحركة.

والاصر والاغلال، في الاية الكريمة، تعبير عن العوائق التي تعيق حركة الانسان الى اللّه.

فقد خلق اللّه تعالى الانسان ليسلك اليه في حركة صاعدة.

وهذه الحركة هي عروج الانسان الى اللّه تعالى، وفيها كماله وتحرره من «الانا» و«الهوى».

و«الاصر» و«الاغلال» يعيقان حركة الانسان الى اللّه.

ومهمة الانبيا (ع) في حياة الناس ازالة هذه العوائق من طريق الانسان، (ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت على هم) [الاعراف: 157]، كما ان مهمة الطغاة تثبيت هذه العوائق وتاكيدها في حياة الانسان، وابقاؤه في اسر «الانا»و«الهوى»، وحجزه عن الحركة الى اللّه، والتكامل. ولابد لهذه الخلاصة من شرح وتوضيح، واليك ذلك:

المنطلقات والعوائق في الحياة منطلقات، منها ينطلق الانسان في سيره الى اللّه تعالى، وقد زوده اللّه بها لتمكنه من الانطلاق اليه، كما ان في حياة الانسان عوائق تعيقه وتحجزه عن الحركة الى اللّه.

ولكي ينطلق الانسان، في الحياة الدنيا، الى اللّه، وهي المدة التي يتمكن فيها من الاقلاع من ذاته والهجرة اليه تعالى...لابد له من ان ياخذ بالمنطلقات التي اعدها اللّه تعالى لحركته وانطلاقته، ويزيل من امامه العوائق التي تعيقه عن هذه الحركة.

وفي ما ياتي توضيح وشرح لكل منهما:

1- المنطلقات اودع اللّه تعالى في فطرة الانسان وعقله وقلبه طائفة من «الحوافز» و«القيم» و«المعارف» التي منها ينطلق الانسان الى اللّه...ففي هذه الرحلة الشاقة والطويلة، لابد للانسان من العزم والقوة والارادة، والصبر، والصمود، والمقاومة والشجاعة،والمعرفة باللّه، والتوكل عليه، والثقة به، والاقبال عليه، واليقين به، وحبه، والشوق اليه، والانس به، والانقطاع اليه،والحب في اللّه، والبغض في اللّه، وحب اوليا اللّه والبراة من اعدائه، والرضا بقضائه وقدره، والاطمئنان الى ذكره تعالى.

ومن العدل، ورفض الظلم، والصدق، والامانة، والوفا، والعطا، والحيا، والايثار، والغيرة، والعفاف، والنزوع الى الحق، والعزوف عن الباطل، وابا الضيم.

وهذه القيم الانسانية وغيرها، وهي كثيرة، هي المنطلقات التي ينطلق منها الانسان في سلوكه الى اللّه تعالى...

وقد اودعها اللّه تعالى جميعا في فطرة الانسان، وضميره، وعقله، وفؤاده، ولابد له منها في هذه الرحلة الشاقة العسيرة الكادحة الى اللّه.

فكانت مهمة الانبيا (ع) تعريف الانسان بما اودعه اللّه تعالى في فطرته وعقله وفؤاده وضميره من كنوز (المعرفة والقيم والحوافز)، وتذكيره بان الذنوب والاهوا وما تتركه الجاهلية من رواسب في نفس الانسان تشكل حجبا تمنع من وصول انوار هذه القيم الى نفسه، وتعيق مسيرته الى اللّه تعالى.

2- العوائق وفي مقابل المنطلقات هناك العوائق، وهي طائفة من العوامل المعيقة لحركة الانسان الى اللّه، وهذه العوائق توجد في داخل النفس كما توجد داخل المجتمع.

ومن العوائق التي توجد داخل النفس: الجهل، والخوف، والشح، والطمع، وغريزة الجنس، وحب المال والموقع والمنصب، والبغض، والحقد، والحسد، والكسل، والتعب، والياس، والبطر، والانانية، والاستئثار، والريا، والميل الى الترف... الى غير ذلك من الصفات. والصفة الغالبة على هذه الطائفة من العوائق هي صفة «الهوى» ، والاهوا تكمن داخل النفس.

والى جانب «الاهوا» هناك «الفتن»، وهي طائفة واسعة من المعيقات، موجودة خارج النفس، مثل الجنس الاخر،والمال، والموقع، والدينار، والحروب، والباسا، والضرا، والسرا، والسلطان.

وهناك تفاعل بين الاهوا والفتن، فالفتن تجذب الاهوا، وتنجذب الاهوا للفتن، وفي هذا التفاعل بينهما تعطيل واعاقة لحركة الانسان ونموه وتكامله.

ومن هذه العوائق ما يعطل حركة الانسان بشكل كامل، وهي «الاغلال»، مثل: الهوى، والخوف، والياس، والتعب، والبطر،ومنها ما يثقلها، مثل: الترف، والميل الى الترف، والكسل، وحب العافية.

يقول تعالى في المترفين: (واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول) [الاسرا: 16].

فالترف والبذخ من حالات الترهل التي تعيق حركة الانسان.

سنة الطغاة ومن سنن الانبيا (ع) في حياة الناس تثبيت المنطلقات وازالة العوائق، وتحرير الانسان، وتحضيره للعروج الى اللّهتعالى.

اما نهج الطغاة وسنتهم في حياة الناس فهو هدم كل مراكز «القوى» و«المعرفة» و«القيم» في شخصية الانسان، وصرف الناس عن اللّه، وتثبيت العوائق في شخصية الانسان وتعميقها.

ولكن، لماذا يسعى الطاغوت الى هذا النهج المعاكس لنهج الانبيا، وما هو السر في ذلك؟ ان المعادلات الاتية تجيب عن هذا التساؤل:

1- ان الطاغوت لا يتمكن من ان يتحكم في رقاب الناس الا باذلالهم وتطويع ارادتهم واستضعافهم وترويضهم لارادته ونفوذه.

2- وهو لا يتمكن من تطويع الناس لارادته ونفوذه، واستضعافهم، الا اذا قام بهدم مراكز القوة والمعرفة والقيم في نفوسهم، وتثبيت العوائق وتعميقها في شخصيتهم.

3- ولا يمكن للطاغوت ان يحقق هذا الهدم والتثبيت الا بفساد «الانسان». واليك توضيح المعادلات الثلاث:

المعادلة الاولى.

ان الاستكبار ينطلق دائما من الاذلال والتطويع والاستضعاف للطرف الاخر، ولا يتيسر للطاغوت ان يفرض نفوذه وسلطانه على الناس الا بتطويعهم لارادته واذلالهم واستضعافهم.

وهذه الحقيقة يثبتها القرآن الكريم بقوله تعالى: (ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح اب ناهم ويستحيي نساهم انه كان من المفسدين) [القصص: 4].

فالقرآن يقر ان استضعاف الناس واذلالهم هما الاسلوبان اللذان اعتمدهما فرعون للوصول الى الاستعلا والاستكباراللذين لا يتحققان الا بالاستضعاف وتطويع الناس.

المعادلة الثانية ان تطويع ارادة الناس واستضعافهم لا يتم الا من خلال هدم مراكز القوة والقيم والمعرفة في شخصية الانسان. وما دامت هذه المراكز قوية وفاعلة فان الطاغوت لن يتمكن من استضعاف الانسان وتطويعه، لان هذه المراكز تمنح الانسان ثقلاووزنا، وتحميه، وتمنعه، وتحصنه من تطاول الطاغوت وعدوانه.

فاذا افرغ الطاغوت نفس الانسان من كل القيم والقوى والمعارف التي اودعها اللّه تعالى فيها، واستخفه، صار الانسان خفيفا، وفقد ثقله ووزنه، واصبح كالعائم على وجه الما، يوجهه الطاغوت كيفما يريد ويطوعه لارادته. وذلك قوله تعالى في فرعون: (فاستخف قومه فاطاعوه) [الزخرف:54].

وهذه خلاصة مركزة ووافية عن دور الطاغوت وعمله في حياة الانسان، فانه يستخف الناس، ويسلبهم ثقلهم، ووزنهم،وقيمهم، واخلاقهم، وشجاعتهم، وكفااتهم، وقدراتهم، وصمودهم، وصبرهم، ونزوعهم وميلهم الى الحق.

واذا استخفهم الطاغوت، وسلبهم هذه القيم، فخسروا ثقلهم ووزنهم، واصبحوا خفافا يعومون كالخشبة على وجه الما،فهي تجري حيث ياخذها الموج، عندئذ يطاوعون الطاغوت من غير ارادة، ويتحول كل منهم من كائن يفكر ويريد الى آلة تابعة، وامعة يتبع الطاغوت (فاستخف قومه فاطاعوه).

بل قد يزيد على ذلك، فيرى الاشيا لا كما اراده اللّه تعالى ان يراها، بل كما يريه اياها الطاغوت، فاذا كان الطاغوت يرى الصحيح خطا والخطا صحيحا رآه هو كذلك، واذا راى الطاغوت الاعوج مستقيما والمستقيم اعوج رآه هو كذلك، واذاراى الطاغوت المعروف منكرا والمنكر معروفا فانه يراه كما يراه الطاغوت.. وهذه هي حالة التبعية المطلقة.

تاملوا في خطاب فرعون للسحرة بعد ان آمنوا باللّه تعالى: (قال فرعون آمنتم به قبل ان آذن لكم ان هذا لمكرمكرتموه في المدينة لت خرجوا منها اهلها فسوف تعلمون × لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ثم لاصلبنكم اجمعين)[الاعراف: 123 و124].

ان فرعون كان يتوقع من الناس ان يستاذنوه في كل شيء، حتى في الايمان والعقيدة، فلا يحق لاحد ان يؤمن او يعتقدالاان ياذن له فرعون، وهذا اقصى ما يمكن ان نتصو ره من التبعية، وهو الذي يتوقعه الطغاة من الناس اذا امكنهم ذلك.

المعادلة الثالثة ان هدم مواقع القوة والقيمة والمعرفة في شخصية الانسان تساوي افساده، لان في اعاقة الانسان عن النمو والحركة الى اللّه افسادا له، وفي اعاقة المجتمع عن النمو والكمال افسادا للمجتمع، وفي هلاك الحرث والنسل افسادا للحرث والنسل والحياة، وفي الطغيان على اللّه تعالى والناس افسادا للمجتمع... والخلاصة: ان في كل تخريب وهدم افسادا.

والطاغوت، عندما يقوم بهدم مواقع الارادة والقيمة والمعرفة، في شخصية الانسان، فهو في الحقيقة يهدم الانسان،وهدم الانسان وتخريبه هو افساده.

ففي الاية الرابعة من سورة القصص، وبعد ان يذكر اللّه تعالى استعلا فرعون واذلاله للرجال وذبحه للاطفال، يحكم اللّهتعالى على فرعون ب (انه كان من المفسدين) ، وهذا حكم اللّه في حق فرعون من فوق سبع سماوات.

وهذا الافساد يتحقق بتجهيل الناس وتسفيههم واستعبادهم واذلالهم.

يقول تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد اللّه على ما في قلبه وهو الد الخصام × واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل واللّه لا يحب الفساد) [البقرة: 204 و205]، والاية الكريمة تبين ان هلاك الحرث والنسل من الافساد الذي يمقته اللّه.

كما ان الطغيان من الفساد، يقول تعالى: (الم تر كيف فعل ربك بعاد × ارم ذات العماد × التي لم يخلق مثلها في البلاد ×وثمود الذين جابوا الصخر بالواد × وفرعون ذي الاوتاد × الذين طغوا في البلاد × فاكثروا فيها الفساد × فصب عليهم ربك سو ط عذاب) [الفجر: 6 13].

والفساد الذي اكثروا منه هو اذلال الناس، وتجهيلهم، واستعبادهم، وتطويعهم لنفوذهم، واستضعافهم، وتسفيه عقولهم،والطغيان على اللّه وعلى الناس، وفي ذلك كله هدم مواقع القوة والمعرفة والقيم في شخصية الفرد والمجتمع، الامرالمؤدي الى افسادهما.

دور الاصر والاغلال في الافساد والسلاح الذي يستخدمه الطاغوت في افساد الناس هو «الاصر» و«الاغلال»، وهي مجموعة العوائق التي تعيق حركة الانسان الى اللّه، مثل: الخوف، والياس، والتعب، والحرص، وطول الامل، والحسد، وحب الدنيا، وحب المال، والطمع،والاستئثار، والميل الى الترف، والغريزة الجنسية، وغيرها، والوصف الجامع لها هو «الهوى»، وهو مجموعة العوائق الكامنة داخل النفس.

والطائفة الاخرى من العوائق، هي العوائق الموجودة خارج النفس، مثل: المال، والسلطان، والترف، والبذخ، والموقع الاجتماعي، والجنس الاخر، والاولاد، والازواج، وهي مجموعة الفتن الموجودة خارج النفس. وقد اوضحنا ذلك من قبل.

وبين هذه الفتن والاهوا تفاعل وتجاذب، وفي هذا التفاعل اعاقة الانسان عن سيره الى اللّه تعالى وسقوطه وفساده.

والطغاة يوظفون الاصر والاغلال لاعاقة الانسان عن السلوك الى اللّه، ولاسقاطه وافساده.. تاملوا ما كان يصنعه فرعون لافساد الناس (واذ انجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ابناكم) [الاعراف: 141].

ان الغاية من اعمال الارهاب التي كان يمارسها فرعون في بني اسرائيل، من الاضطهاد، والتعذيب، والذبح، هي اخافة الناس، واشاعة روح الياس في نفوسهم.

يقول تعالى عن الوسائل التي كان يستخدمها فرعون لاذلال بني اسرائيل وتطويعهم: (وجعل اهلها شيعا) [القصص:4].

ان اثارة التفرقة والخلاف في المجتمع تعد من الاصر والاغلال التي تفسد المجتمع وتعيق حركته وتقدمه وكماله، يقول تعالى عن الوسائل التي اتخذها فرعون لهذه الغاية: (يستضعف طائفة منهم) [القصص: 4] والاستضعاف امتهان واحتقاروازدرا.

واذا كان طغاة عصرنا يستخدمون، لافساد الناس، من الاصر والاغلال ما يختلف عما كان يستخدمه اسلافهم، فان هذاالفارق هو في الشكل والاخراج، وليس في جوهر هذه الوسائل.

سنة الانبيا في ازالة الاصر والاغلال واذا عرفنا معنى «الاصر» و«الاغلال» نعرف دور الانبيا في حياة الناس، فمن مهام الانبيا (ع) تثبيت المنطلقات في حياة الناس وتحريرهم من الاصر والاغلال، ويتحقق ذلك بتزكية النفوس، وتطهيرها من سلطان الاهوا والذنوب.

والى جانب ذلك يقوم الانبيا بتعليم الناس وهدايتهم الى صراط اللّه العزيز الحميد، وتعريفهم حدوده واحكامه ومعارفه وتوحيده.

وهاتان مهمتان في حياة الانبيا، لاحداهما علاقة بتثبيت المنطلقات في حياة الناس، وللاخرى علاقة بمكافحة الاصروالاغلال.

يقول تعالى: (كما ارسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونواتعلمون) [البقرة:151].

ويقول تعالى: (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوامن قب ل لفي ضلال مبين) [الجمعة: 2].

تحرير الانسان من الهوى والطاغوت ان الهوى والطاغوت يعيقان الانسان ويحبسانه عن اللّه تعالى، فالهوى من داخل النفس، والطاغوت من خارجها، كماان الط اغوت فتنة ومصدر للكثير من الفتن في حياة الانسان.

وما دام الانسان يتبع الهوى ويتولى الطاغوت، فهو في اسر هذا وذاك لا يستطيع ان يتقدم الى اللّه ويتكامل.

ورسالة الانبيا هي تحرير الانسان من الهوى والطاغوت، يقول تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه) جص:26]، ويقول تعالى: (واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى × فان الجنة هي الماوى) [النازعات: 40 و41]،ويقول تعالى:

(ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت) [النحل: 36]، ويقول تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها وانابوا الى اللّه لهم البشرى) [الزمر: 17].

ويامرنا اللّه تعالى بمكافحة الطاغوت وازالته من حياة الناس.

يقول تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للّه)[البقرة: 193].

وهذه حقيقة يقرها القرآن، ومفادها ان الطاغوت من اكبر الاصر والاغلال في حياة الانسان، ومصدر الكثير من الفتن، وان لم تتضافر جهود الناس لازالة هذه العقبة من طريقهم، فان الطاغوت يحبسهم، ويعيق مسيرتهم نحو اللّه تعالى، وممايقول تعالى في تحريض المؤمنين على قتال الطاغوت: (الا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير) [الانفال:73].

اما اذا ازال الناس من طريقهم فتنة الطاغوت، فان فطرة الانسان وحدها قادرة على هدايته الى اللّه، لان الفطرة من اقوى منطلقات الانسان الى اللّه تعالى. يقول عز شانه: (فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيم) [الروم: 30].

التشيع المفترى عليه: مداخلات وهوامش نقدية على كتاب «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه»، لاحمد الكاتب الشيخ خالد العطية تمهيد برزت، منذ اليوم الذي توفي فيه النبي (ص) وعقد فيه اجتماع السقيفة المعروف، نظريتان في قضية خلافة النبي وامامة المسلمين من بعده، اخذ بكل واحدة منهما فريق من المسلمين، وهما: نظرية الاختيار او الشورى التي اخذ بها اهل السنة، ونظرية النص او التعيين التي اخذ بها الشيعة.

وقد بلور متكلمو الفريقين هاتين النظريتين، وساق كل فريق منهما ما لديه من حجج وادلة لاثبات نظريته خلال القرون الثلاثة الاولى التي اعقبت حادثة السقيفة من دون ان يؤدي ذلك الى نتيجة عملية محسومة، ومن دون ان يتفق الفريقان على نظرية واحدة. والسبب في ذلك ان للعقائد الموروثة من الاسلاف سلطانها القوي على نفوس الناس، يستوي في ذلك المثقفون منهم والعلما، والعامة والبسطا، ولذا قلما تجد احدا منهم تطاوعه نفسه بان يفارق عقيدته التي الفهاونشا عليها مهما كانت بعيدة عن الحق ومجانبة للعقل والمنطق، ومهما قدم له من الادلة وسيق له من البينات والحجج على صحة العقيدة المخالفة لعقيدته.

والقضية، في حقيقة الامر، ليست كما قد يبدو لبعض دعاة الوحدة وراب الصدع بين المسلمين، قضية تاريخية يمكن تجاوزها وط ي صفحتها، وانما هي قضية حاضرة في حياة الانسان المسلم، لانها، اولا، جزء لا يتجزا من عقيدته ورؤيته الدينية العامة، ولان لها، ثانيا، آثارا تشريعية لا تمس القضايا السياسية فحسب، وانما مختلف قضايا الحياة العملية،لان الامامة اذا صح كونها بالنص وان ائمة المسلمين وولاة امورهم، من بعد النبي، معينون من قبل اللّه ورسوله، فان اقوالهم وافعالهم تكون حجة على المسلمين كما هي اقوال النبي (ص) وافعاله، وتكون سنتهم حينئذ مصدرا تشريعياملزما لا يسع المسلمون تركه.

من اجل ذلك كله، بقي السجال والبحث حول هاتين النظريتين جاريا متوارثا في اجيال المسلمين، وهو لا يزال جاريابينهم حتى زماننا هذا، ولا ضير في ذلك ولا خوف منه، بل هو امر طبيعي لا مندوحة منه، وحاجة مطلوبة لابد منها،لتتبلور الحقائق وتتكشف غوامضها وتنزاح الشبهات عنها، ويتمكن كل مسلم من ان يحدد وجهته ويعين تكليفه وموقفه الشرعي من هذه القضية العقدية الشائكة (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة).

انما الواجب والمهم، في هذا البحث الشائك، ان يتولاه اصحاب الضمائر وطليقو الفكر من اهل العلم والاختصاص،واصحاب القدرة على البحث العلمي، ولا يدخل فيه المتطفلون من غير المؤهلين واغرار الباحثين وناقصي الخبرة العلمية وغير مستكملي ادوات الاجتهاد والخوض في مسائله، ولا يندس فيه المغرضون من اصحاب الاهواوالمطامع، والمتعصبون على غير بينة، وادعيا الفتنة.

واذا كان الباحث لا يستطيع، مهما حاول، ان يتحرر تحررا كاملا من سلطان عقيدته الراسخة في نفسه، ولا يسلم من ان يتاثر بها على نحو ما في بحثه، فيميل، من حيث لا يشعر، الى دليل ضعيف او تاويل بعيد لنص من النصوص، فلا اقل من ان يلتزم بقواعد البحث العلمي الاساسية واصوله وبدهياته العامة، ومنها:

ان يكون امينا في نقله، ولا يخفي ادلة خصمه، ولا يدلس ولا يزور فيها وفي ادلته، ولا يقتطع النصوص من سياقها ليلوي اعناقها الى المعنى الذي يريده.

لقد حدث هذا كله او جله في الماضي، مع الاسف، في احايين كثيرة، وهو لا يزال يحدث وعلى نحو اكثر في عصرناهذا الذي يسمونه عصر العلم.

وهناك وجه آخر لهذه الظ اهرة المؤسفة يتمثل في صنف آخر من «اشباه الباحثين» وظفوا اقلامهم في خدمة مشاريع مشبوهة في هذا العصر الصعب، وهؤلا، ايضا، عرفهم تاريخ السجال السني الشيعي في جميع عصوره، ولكننا نلاحظ انهم صاروا يتزايدون في هذه السنين الاخيرة التي تلت بروز المذهب الشيعي على الساحة السياسية وقيام نظام حكم اسلامي في احد البلدان الاسلامية يحكم وفق هذا المذهب، ما جعل القوى الدولية المتضررة من قيام هذا النظام السياسي الاسلامي ومن انتشار الصحوة الاسلامية التي رافقته وقويت بسببه ترى في المذهب الشيعي الاسلامي الذي يستمد منه شرعيته الفقهية وتوجهاته السياسية نقيضا يهدد مصالحها، فصارت تسعى بكل ما اوتيت من قوة لمحاربته ونقض ثوابته الفكرية من اساسها، عن طريق تسخير هذا الصنف من اشباه الباحثين لهذه الغاية.

وهذا الصنف، في الواقع، اشد خطرا وضررا من الصنف السابق المتاثر بميوله الفكرية وعقيدته الموروثة، لان كتابه لايؤمنون بشيء غير مربهم الشخصية، وهم مستعدون لارتكاب كل الموبقات العلمية من اجل تحقيق هذه الم آرب.

اقول هذا لاشير به الى كتاب يمثل انموذجا واضحا لهذا الوجه الاخر من الظاهرة المؤسفة التي سبقت الاشارة اليها..

هذاالكتاب عنوانه: «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه» اصدره لاجى عراقي كردي في بريطانيا قبل عامين (1997م)، يتسمى باسم احمد الكاتب، وسرعان ما تلقفته احدى دور النشر اللبنانية واعادت نشره في بيروت قبل عام واحد تقريبا (1998م)، فتلقته بعض الاوساط بالترحيب وروجت له ونوهت به في غير صحيفة يومية.

واخيرا، اثارت حوله احدى قنوات التلفزة العربية الفضائية ضجة اعلامية واسعة، واستضافت مؤلفه في احد برامجهاالحوارية، وقدمته لمشاهديها بوصفه احد ابرز مفكري الشيعة! واعلنت ان اسمه الحقيقي هو عبد الرسول عبد الزهرة اللاري ((35)).

والحقيقة ان ما فعلته هذه القناة الفضائية شكل سابقة خطيرة في وسائل الاعلام العربية، ولقي استهجانا واسع النطاق عند عامة العقلا والمنصفين والحريصين على وحدة الامة الاسلامية من المسلمين، لان طرح مسائل العقيدة ذات الصبغة الحساسة والابعاد العلمية والفكرية الواسعة والمعقدة على جمهور الناس وبالطريقة الاعلامية السريعة وغيرالدقيقة لا يخدم الحقيقة العلمية في شيء، بل يزيدها التباسا وتشويشا، ولا يؤدي، في نهاية الامر، الا الى بلبلة الاذهان وتعكير الصفو بين طوائف الناس الدينية.

والسؤال الذي يتبادر الى الذهن، بعد وقوع هذه السابقة الاعلامية غير المعهودة وغير المحمودة، هو ان مؤلفين معاصرين كثر من اهل السنة الفوا كتبا كثيرة رجعوا فيها عن مذهب التسنن وآمنوا بالتشيع، وهي منتشرة يعرفها المختصون والقرا المهتمون بالسجال السني الشيعي، فهل توافق محطة الجزيرة او غيرها من وسائل الاعلام المرئية والمسموعة على ان تقدمهم، وتقدم آراهم في برامجها، الى الجمهور، وبالطريقة التي قدمت بها احمد الكاتب وكتابه الذي حاول فيه نقض عقيدة الشيعة جملة وتفصيلا؟ وهل يوافق معها، على ذلك ايضا، جمهور اهل السنة ومرجعياتهم الدينية؟ ليس معنى طرح هذا السؤال اني ادعو وسائل الاعلام الى ان تفعل هذا الامر، او اني احبذه، ولكني اردت فقط ان ابين وجه الخطا والمفارقة في طرح مثل هذا الموضوع في وسائل الاعلام العامة.

واصارح القارى القول بانه لولا هذه الضجة الاعلامية المفتعلة حول هذا الكتاب ومؤلفه ما كان من اللازم ولا من المستحسن التعرض لمناقشته ونقده لسبب بسيط، هو: انه لم يات بجديد لا يعرفه المختصون، فكل ما ورد فيه من آرامناقضة لعقيدة الشيعة الامامية، لا سيما ما يتعلق منها بقضية امامة اهل البيت (ع) وقضية الامام الثاني عشر المهدي(ع)،قد ذكره، منذ قرون عديدة، مخالفوهم من المتكلمين وعلما المذاهب الاخرى.

وقد اجاب عليه علما الشيعة ومتكلموهم باجوبة مفصلة في كتبهم المؤلفة في هذا الموضوع، كما سبقت الاشارة الى ذلك، وبالتالي فلا فائدة مهمة ترجى من تكرار هذه الاجوبة التي يعرفها المختصون.

اضف الى ذلك ان مؤلفه قد اقتحم فيه حلبة السجال السني الشيعي على نحو لا يفعله الا اشباه الباحثين الذين سبقت الاشارة اليهم، من حيث عدم رعايته للامانة العلمية وعدم التزامه باصول البحث العلمي وقواعده الاساسية، ما يجعل الباحث المختص يستسخفه عند ادنى تامل ومراجعة، ولا يعيره اية اهمية.

انما المشكلة في غير المختصين من عامة القرا الذين «تسامعوا» بهذا الكتاب الذي قيل لهم: ان مؤلفه احد ابرز مفكري الشيعة! والذين لا تتوافر بين ايديهم مصادره ومراجعه التي حاول ان يوثق بها آراه، فهؤلا قد ينخدعون به ولا يفطنون الى تدليسه وافترااته، وعساهم يقولون مع من قال:

«وشهد شاهد من اهلها».

من اجل ذلك، لم يعد من السائغ تجاهل هذا الكتاب والاعراض عن نقده وتقويمه التقويم العلمي اللازم في مثله،اعني: تقويم منهج مؤلفه وطريقته في البحث ومطابقة ما نقله عن مراجعه ومصادره المعتمدة مع ما ورد حقيقة في تلك المراجع والمصادر، وكذلك تفنيد شبهاته وآرائه المفتقرة الى الادلة الصحيحة، وتوضيح ما ورد فيها من مغالطات وحجج واهية.

وهذا ما ساحاوله من خلال هذه المداخلات والهوامش النقدية التي اضعها بين يدي القارى، بادئا، في المرحلة الاولى، بالجزء الاول الخاص بنظرية الامامة الال هية لاهل البيت من هذا الكتاب.

ولكن قبل البدء بذلك لا يفوتني ان اشير الى مقدمة الكتاب التي تحدث فيها (الكاتب) عن الملابسات الفكرية التي ساقته الى اكتشاف نظرياته فجاة، الواحدة في اثر الاخرى، وطرحها من ثم في كتابه، وهي بحسب تسلسل (اكتشافها)الزمني:

اولا: بطلان نظرية ولاية الفقيه التي قام عليها نظام الحكم الاسلامي الشيعي في ايران بقيادة الامام الخميني (رحمه اللّه).

ثانيا: بطلان عقيدة الشيعة في الامام الثاني عشر المهدي، التي تقوم عليها النظرية السابقة لعدم ثبوت وجوده وولادته من الاساس.

ثالثا: بطلان المذهب الشيعي من اساسه لبطلان نظريته في الامامة.

ان (الكاتب) الذي يتحدث بلغة (الاكتشاف) عن الارا التي يسطرها في كتابه يفترض فيه انه باحث يتحرى الحقيقة وينشد الواقع ويتحلى بالنزاهة والموضوعية الكاملة في بحثه، ويريد ان يقنع نفسه اولا ويشبع تطلعه الى المعرفة قبل ان يقنع قارئه.

فهل كان (الكاتب) كذلك في بحثه هذا؟ ادع للقارى الاجابة عن هذا السؤال والحكم للكاتب او عليه في ذلك، بعد ان يفرغ من قراة هذه المداخلات والهوامش النقدية على كتابه.

الجزء الاول: نظرية الامامة الال هية لاهل البيت (ع) 1- نقد الفصل الاول:

اولا: ملاحظات منهجية على الفصل الاول ملاحظة منهجية اساسية يرتكز الفصل الاول، من الكتاب، الذي عنونه المؤلف بعنوان:

«الشورى: نظرية اهل البيت (ع)» على دعوى عريضة بني عليها الكتاب كله، حاصلها:

ان «الامة الاسلامية، في عهد الرسول الاعظم (ص) وبعد وفاته، وخلال العقود الاولى من تاريخنا تؤمن بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها. وكان اهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الايمان والعاملين به»، وانه «بالرغم مما يذكر الاماميون من نصوص حول تعيين النبي (ص) للامام علي بن ابي طالب كخليفة من بعده الا ان تراثهم يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الاعظم واهل البيت بمبدا الشورى، وحق الامة في انتخاب ائمتها».

الصفحة السابقة

الصفحة التالية