الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وبالفعل، فعندما نتامل في حصيلة الانتاج الفكري والادبي الاسلامي بشكل عام، بالنسبة الى القرنين الماضيين بالاخص، باعتبارهما متزامنين مع الحملات الاستعمارية ضد الشرق، وتاريخا للاحتلال الغربي للبلاد العربية  والاسلامية، ولكون الاستشراق استعاد نشاطه ووظيفته من موقع القوة وفي خدمة السلطة المحتلة آنذاك، بالاشتراك مع مؤسسات التبشير الاخذة في التوغل والانتشار، نجده يصدر في مرحلة اولى عن وضعية نفسية وتاريخية مغلوبة امام استعلا الغرب بمدنيته الزاحفة واكتشافاته المتتالية الرائعة. وقد جا يستوطن وينهب ويحتل بدعوى التحضيروالتمدين والتعليم، وبتعبير آخر من اجل خلاص الانسان العربي والاسيوي والافريقي وانتشال المسلم من التخلف «الحضاري» ؟!

2- الطابع الدفاعي ولما كانت ادوات هذا «الانتشال المزعوم» من استشراق عدائي مهما تلون وتفنن، واستعمار استغلالي وحشي، واحتلال استيطاني، وتبشير صليبي ماكر، تبدو في خطابها الرسمي متحمسة، وفي دعاياتها العريضة واعدة، وفي واقعها تطويقية توسعية، فضلا عما يحز في النفس بعد الخروج من طور الحضارة الاسلامية، جا التاليف الادبي والانتاج الفكري لمسلمي ما بعد الحضارة بتعبير مالك بن نبي، يحملان طابعا دفاعيا وتبريريا، ويعربان عن حنين الى ماض بامجاده وعبقرياته. فكان الحلم تراجعيا، وفي اليقظة تعويضا عن العجز الراهن، ومفاخرة لتغطية القصور الراكد.

فالسمة الاساسية للتقريظ الشرقي كانت تتمثل، حينئذ، في رد الفعل الادبي والعسكري ضد الهجوم الغربي ومطاردته «بصواريخ ادبية» ((51)) من ناحية، وفي مقاومة نفسية وفكرية لمركب استعلا الحضارة الغربية من ناحية اخرى.

3- بين الانتشا والمحاورة وفي مرحلة ثانية، مع انبثاق حركة اليقظة الاسلامية والدعوة الى الجامعة الاسلامية وبالتالي الى وحدة العالم الاسلامي نتيجة لصيحات الاصلاح الديني بالرجوع الى الاسلام الاصيل وحلول روح الدين الواقعي ثانية في قلوب المسلمين المحتضرة والتي تنامى معها الوعي السياسي وتنبه بوخزها الضمير الاسلامي، وبدا يحل معها مفهوم النضال والجهادمحل الروح الانهزامية والافولية الى جانب نكبات عالمية شتى: من سقوط الخلافة العثمانية وتوافد الحركات والانظمة الهدامة، واندلاع الحربين العالميتين واحتدام الصراع الفكري وشراسة الامبريالية، من دون ان ننسى الوزن الحركي لتنظيم الاخوان المسلمين. بفعل هذه العوامل وغيرها، اصطبغ ادب التمجيد بالحماسة والتحدي، وانتقل من خطاب الانتشا والمفاخرة الى خطاب المحاورة والمناقشة، وتفسير ذلك يجليه منطق الاستدلال مثلا على قابلية الاسلام لمواكبة التقدم ومسايرة الحضارة التكنولوجية وان اصل الاختراعات والاكتشافات موجود في الاسلام، وان ابداعات العقل والعلم دلت عليها الايات القرآنية من قبل والاحاديث... وبذلك ايضا نطقت ادبيات الفتاوى ومحاضرات الدعاة والخطبا.

4- تحدي الافولية فكان التقريظ الشرقي، في هذه المرحلة، قد تغلب نوعا ما على عقدة الافولية، وحاول بحماسة ووعي، يتفاوتان بحسب استيعاب دواعي اليقظة ووتيرة التحدي الذي يمارسه المستبد الاجنبي، ان يتشرف مستقبلا افضل واكثرتفاؤلية.

ونلاحظ، من جهة اخرى، ان المنطق الذي كان يسود المذهب التقريظ ي الشرقي في مرحلته الاولى، كان منطقا اثريا ولانقول «طلليا» من نحو «قفا نبك!» ولكن من نحو «الم نكن؟»، وذلك من اجل انتزاع الاعتراف من الغرب، ومنطق «الم نكن؟»يجي ء هنا على خط الاصالة بمثابة اثبات للانتما او الانتساب التاريخي الى حضارة مندثرة، ومجتمع محتضر.

على حين انه يسير في مرحلته الثانية، وفق منطق هندسي تخطيط ي، ولسان حاله تسويفي على جديته، يقول:

«سوف نكون» بهدف اثبات وجود واستعراض «كمونيات» حضارة عائدة، ومجتمع يتاهب للنهوض.

ويتمثل هذا الاثبات الوجودي معنويا وادبيا في مواد البنا الحضاري الاولى من القيم والمثل والمبادى الاخلاقية، وتبرزفي مصطلحات جديدة كالانية والاصالة وما الى ذلك...

5- السمة العامة للتيار المعاصر اما السمة العامة للتيار المعاصر للتقريظ الشرقي، على تفاوته في الثورية والمحافظة، فانه ما زال يتارجح بين الكينونة الماضية: «الم نكن؟» وبين الكينونة المستقبلية: «سوف نكون». لا يستطيع بعد، على بعض الاستثنا النوعي، ان يقول:

«هانحن ذا!»، لانه ما زال بعيدا عن منطق الصانع، غير ذي فعالية ولا انتاج حضاري ولا تغيير خصوصي، واذ يتلكا العالم الاسلامي الان في معركة تصحيح المفاهيم في دياره اولا ولنفسه قبل غيره، ويتعثر في الذود عن مصيره المحفوف بمخاطر لم يسبق لها مثيل في استئصال الوجود، من خلال خرائط للصراع الايديولوجي والتوترات العالمية وتحالف الامبريالية والصهيونية والصليبية الجديدة، لغرب مادي مريض يئن تحت وطء حرب النجوم والبؤس والانتحار، فانه لايملك بعد الصياغة العصرية الجديدة لتقديم البديل لنفسه مرة اخرى ابتدا، واعجز منه ان يعرض الانموذج الامثل على الاخرين بغرض «الانتشال الحقيقي» والاقتدا، انتها.

وبالاجمال يتسم المذهب التقريظ ي الشرقي بالتفسير العاطفي والميل الى الخطابة التي ربما قد تتلام «احيانا» ومحاولة الاقناع، او طمانة قلوب بعض المؤمنين المترددين الحيارى، او استلفات الغافلين عن عظمة تاريخ الاسلام وعطاحضاراته الزاهرة.

بيد ان الحذر من التوقان الى التفخيم المفرط في المفاخرة يجعلنا نشعر بزيف الامتداح، او كان الغلو فيه يكسوه طابع الاصطناع، فيقلل من قيمته وينتقص من اهمية الخطاب الذي يعرب عنه.

ومنظورا اليه من الجانب النفسي، فانه يعبر عن نوع من التعويض عما كانت تستهدفه الهجومات الثالبة والمعادية.

وفي الوقت نفسه، يمثل مسلك التنفيس عن بعض العقد الناجمة في الغالب عن عصور الانحطاط والاستعمار.

اما من الزاوية العملية، فانه اطلاق تلقائي لرد فعلنا، سيما اذا طابقت طموحات المسلمين الذين يطالبون مطالبة متزايدة بالعودة اللامشروطة الى المصادر الحقيقية للاسلام.

والملاحظ انها قد تنقلب في اطار سياسة مراوغة الى وسيلة من الوسائل الصارفة عن الامر المقصود، من دون ان تغيرالرنة التقريظية التمجيدية مع ذلك، وقد تتجاوز في بعض الاحيان كل حد موزون، تحت تاثير لهب العاطفة في الجماهير، وذلك لكي يبلغ التخدير في الضمائر مداه وتغشى الضبابية رؤياه.

ثالثا: المذهب التقريظ ي الغربي 1- بروز الظاهرة يعد التقريظ الغربي، للوهلة الاولى، ظاهرة ايجابية في تاريخ الاستشراق، وتحولا ذا اهمية بالغة في النظرة الغربية الى الشرق، لم يعدم اثرا في العلاقات المختلفة بينهما.

فهو لذلك ليس وليد المصادفة، وانما تدخلت في تكوينه عوامل تاريخية كثيرة، جرت عدة تحولات عميقة في العقلية الغربية، وفي اساليب التفكير الاوروبي، التي كانت سائدة الى غاية القرنين السابع عشر والثامن عشر في اوروبا، قد املت سياقا جديدا للتعامل مع الشرق الاسلامي، كان الاستشراق في طليعة المجالات الثنائية التي عرفت هذا التطور الذي خفف من حدة التوتر، ومن احتدام الصراع القديم، بل ومن اشتداد المجابهة المفتوحة احيانا كثيرة على الصعيدين الفكري والسياسي بين هذين العالمين المتنافسين، واللذين لا يتمايزان وحسب بالخصوصيات الجغرافية المتقابلة،بقدر ما يتباينان وبالتالي يفترقان في الطرح النوعي للانموذج الحضاري. علما بان الفضا الزمني للصراع الحضاري بين الانموذجين، الاسلامي والغربي، كان يتحدد وقتها في ما بين خروج الاول من الدورة الحضارية ودخول الثاني اليها.

لكن الامر لم يكن يتوقف عند مجرد الدخول او الخروج، بحيث يحدثان في الاطار التاريخي العادي للتواصل الدوري المستمر والتعاقب الطبيعي لمسلسل الحضارات.

ذلك ان تعطل الريادة الحضارية للعالم الاسلامي، من الخطا ان يفسر بالانقراض النهائي، او الافول الحتمي البائد الذي لارجعة فيه، لانه يملك عناصر التجدد ((52)) واعادة البنا الذاتي، خلافا لسائر الحضارات الاخرى ((53)).

ولولا هذه الخصيصة لما كان مجال للتصارع والمجابهة من اجل انتزاع البقا والريادة، ما دامت الحضارات دولا.

غير ان سنة التداول لا تعمل وحدها على الاطلاق، اي بمعزل عن سنن اخرى، بل انها تسير في ضوء غائية مشتركة لسنة الاستخلاف.

وهذه الحقائق تحظ ى بمويدات من التاريخ ((54)) وبسند من وحي السما ((55)) وبتعضيدات من الواقع، والا لو كان عودالحضارة الاسلامية على بدء ميؤوسا منه لدى الغرب، مزهودا فيه لدى الشرق، لما قام استشراق وهو انتاج فكري نقيض، لا مثيل له في تاريخ التراث الانساني، يجسد موقفا سلبيا في مجمله، نحو مد حضاري متعط ل يملك اسباب الرجعة ولا نشا تبعا لذلك تمجيد ولا تقريظ، بوصفه تيارا عريضا يحمل لونا آخر للمجابهة، او هو ينتهج اسلوبا جديداللمسالمة المبطنة في الغالب.

وكان التقريظ منهاج ظرفي يتوخاه الاستشراق لفتح الحوار بين حضارتين غير متكافئتين وفي مواقع نفسية وتاريخية متباينة، في مناخ التحولات الفكرية الجذرية التي دشنها عصر التنوير الذي بدات تسود فيه النزعة العقلية التي آلت بالاستشراق الى الانفصال النهائي عن اللاهوت في ما يتراى لمكسيم رودنسن لا سيما في انجلترا وفرنسا، في غضون القرن الثامن عشر، ودفعت بالبحث العلمي الى مزيد من التعمق والى الدخول في عصر التنظيم ((56)). الامرالذي اعقب نظرة متفهمة للشرق واتصالا اوثق وانتشارا اوسع للرحالة في رحابه.

2- الطابع التمويهي انه ليحدونا، حيال هذا التيار، شعور بانه يريد ان يناضل من اجل محاولة اقناع المسلمين بتلك القاعدة الرائجة في علم الكلام من انه «ليس في الامكان احسن مما كان».

وسبيله الى ترسيخ ذلك، ان يلقن القدرية، وكي يمنع كل محاولة للنهضة وشل اية ارادة وتعطيل اية فكرة للتغيير، يكفي ان ينمي في الناس «مذاق الشيء العجيب» او يلهمهم الاعجاب بالشيء الغريب، او ايضا، ان ينقلهم من المشاكل التي يطرحها الحاضر بكل حدة وحيوية الى امجاد الماضي الخلاب وابهته ((57))، بحيث يرمي بهم في احضان الاحلام البعيدة، وبالتالي يلهيهم عن الاهتمام بصميم الواقع ويصرفهم عن الانشغال بالاهم.

فضلا عن ان وجهة الابولوجيا الغربية مشبوهة، بل وليست نزيهة الا في بعض الاعمال الفردية التي سنشير الى طرف منها، باعتبار ان امتداح الشرق ليس ناتجا عن قناعة علمية او انصاف وتزكية، وانما جا عن ترف وتسلية.. واذا كان «التراث الاسلامي» يشكل في الجوانب الانتقائية منه، وفي ما يحلو لهم، موضوعا للثنا، فذلك ليس من قبيل الاطراالجاد او المخلص، وانما هو، في زعمهم، من منهم ((58)).

3- جهود في الميزان تابى الموضوعية والانصاف ان نغمط بعض المستشرقين، الذين عرفوا بالنزاهة وخدمة الاهداف العلمية وتجلية الحقائق التاريخية، حقهم في تقدير الجهد العلمي المبذول، والميزة الفنية المعتبرة لديهم، في مجالات التحقيق والترجمة والنشر والتاليف، وابراز جوانب لم تحظ بوافر اهتمام علما المسلمين.

فلا ندخل عليهم دخول المنكر المعاند الباحث عن المثالب ((59))فنتغاضى عما لهم من ايجابيات تذكر، ولا نركن اليهم ركون الواثق المعتد بكل ما يقولون ويكتبون ((60)) فنتجاهل دهاهم وسلبياتهم.

«وفي الحق ان كلا من الثنا المطلق والتحامل المطلق يتنافى مع الحقيقة التاريخية التي سجلها هؤلا المستشرقون في ماقاموا به من اعمال، وما تطرقوا اليه من ابحاث، ونحن من قوم يامرهم دينهم بالعدل حتى مع اعدائهم: (ولا يجرمنكم شنن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى)» ((61)) [المائدة:8].

ويلاحظ د. زقزوق بحق انه: «لا ضير على المرء اذا اعترف بما لخصمه من مزايا وايجابيات، اذ ان ذلك ربما يكون حافزالنا على النهوض والاستعداد من جديد، وقبول التحدي الذي تفرضه علينا نحن المسلمين ظروف العصر»((62)).

وعليه فان البحث العلمي المجرد من التوجيه والاهوا يقتضي تقصيا لمنهج المنصفين منهم.

الدولة السعدية في المغرب السيد حسن الامين كان البرتغاليون قد توسعوا في سواحل المغرب، فاحتلوا معظم المواقع على ساحل الاطلنط ي، فطنجة واصيلا والعرائش سقطت في ايديهم سنة 876ه ، 1471م، وقبل ذلك كانوا قد احتلوا الدار البيضا التي كانت تعرف ب (آنفا)((63)) سنة 874 ه ، 1469م، ثم ماسة سنة 894 ه ، 1488م، ثم اگادير سنة 911 ه ، 1505م، ثم آسفي سنة 914 ه ،1508م، ثم آزمور سنة 919 ه ، 1513م، ثم مازغان سنة 920 ه ، 1514م، ثم العجوز سنة 925ه ، 1519م. واخذوايغيرون على الداخل فياسرون الرجال ويسبون النسا وينهبون القرى.

ثم ازداد عدوانهم فاغاروا على «تارودانت» على نهر السوس، وتوغلوا داخل البلاد حتى ارباض مراكش.

وهنا تلفت المغاربة يبحثون عن قيادة تجمعهم في دفع البرتغاليين عن ارضهم، وتطلعوا الى زعيم يؤلف شملهم ويوحدامرهم في نضال الغزاة المعتدين. فكان ان اهتدوا الى الاشراف السعديين في تفاصيل تاتي.

لقد احتلت اسبانيا مليلية ((64)) وغساسة، واحتلت البرتغال سبتة والقصر، ولم يبق للمغرب في الشمال مينا الاتطوان،التي ساق القدر لها «بنو المنظري» الذين حطوا فيها بعد رحيلهم من الاندلس، فكان في قلوبهم من الحقد على الاسبان الذين اجلوهم عن وطنهم ما يحفزهم الى الاستبسال في حرب هؤلا ودفعهم عن تطوان وما اليها، فكانوا ينطلقون في البحر من تطوان لمصاولة السفن الاسبانية والبرتغالية.

وفي سنة 1496م، وجه البابا ندا الى المسيحيين ليوالوا فتوحاتهم، فزاد ذلك في الحماسة للت وغل في المغرب،فتوالى سقوط الموانى مينا بعد مينا.

على ان الاسبان جذبتهم الاكتشافات الامريكية فانصرفت طموحاتهم اليها، وظل البرتغاليون متوجهين بكل حماستهم الى المغرب.

وكان البرتغاليون اسبق الى التوسع في المغرب من الاسبان، ومر توسعهم في مرحلتين: مرحلة الاستيلا على الثغورالشمالية من سنة 818ه ، 1415م الى سنة 876ه ، 1471م.

والمرحلة الثانية مرحلة الاستيلا على الثغور الغربية الجنوبية من سنة 908ه ، 1502م الى 919ه ، 1513م.

ويمكن اجمال المرحلتين على الشكل التالي:

1 سبتة ((65)) بسقوط الاندلس والتفكير باجلا المورسكيين، خشي الاسبان والبرتغاليون من احتشاد المسلمين في الثغور المغربية الشمالية والاعداد لهجمات على «ايبيريا»، لذلك سارعوا الى احتلال هذه الثغور، فكان ان احتلت سبتة سنة 1415م.

2 القصر الصغير ((66)) استولى عليه البرتغاليون سنة 1458م، وحاول المرينيون استرداده سنة 1459م، فلم يفلحوا.

3 انفا، اصيلا، طنجة ((67)) حاول البرتغاليون سنة 1437م، الاستيلا على طنجة فساقوا اسطولا الى سبتة ومنها الى طنجة، فاحسن المرينيون الدفاع عنها بعد ان انجدتهم تجمعات شعبية من الجوار، فانهزم البرتغاليون عنها.

وفي سنة 1458م عاودوا المحاولة، وكانوا هذه المرة بقيادة الملك الفونسو الخامس، فعاودتهم الهزيمة، ولكنهم احتفظوا بالقصر الصغير.

وبعد عشر سنين، سنة 1468م، كان البرتغاليون يغادرونها وهي خالية شبه خراب، فتركوها ليعودوا اليها بعد اربعين سنة.

اما اصيلا فقد كانت سنة 876ه ، 1471م تقاوم بضراوة القطع الثلاثمئة من الاسطول البرتغالي، والثلاثين الف مقاتل المصاحبين له، ولكن قواها ضعفت امام الاندفاع البرتغالي البحري البري الاقوى فدخلها البرتغاليون فاتحين، وبعداسبوع من فتحها امتدوا الى طنجة، ولم تتخلص منهم الا بعد قرنين.

وكما انشغل الاسبان من قبل باستكشافات امريكا، انشغل البرتغاليون الان باستشكاف افريقيا، فلم يعاودوا فتوحهم في الشواط ى المغربية الى بداية القرن السادس عشر الميلادي (العاشر الهجري). وفي ثلاثين سنة، وصلوا الى افريقياالاستوائية سنة 1471م، وهي السنة التي احتلوا فيها اصيلا وطنجة. وفي سنة 1482م، وصلوا الى مصب نهر الكونغو،ثم الى راس الرجا الصالح سنة 1486م، فانفتح امامهم طريق الوصول الى الهند.

وهكذا مرت ثلاثون سنة ونيف بعد احتلال طنجة. وقبل ان يشرع البرتغاليون في انجاز المرحلة الثانية التي هي مرحلة احتلال الثغور الغربية الجنوبية التي تبدا في آونة قريبة جدا من قيام الدولة السعدية ((68)).

وتبدا المرحلة الثانية باحتلال اگادير سنة 1505م، ثم آسفي سنة 1507م، ثم ازمور ((69)) التي سقطت سنة 1513م.

وقد تمزقت البلاد وانحلت وحدتها، ولم يستطع «الوطاسيون» الذين حكموا من (1471 1533م)، وظلوا في فاس حوالى نصف قرن بعد قيام السعديين لم يستطيعوا ان يعيدوا البلاد الى وحدتها. وكان الامر على هذا الشكل:

1 مليلية وغساسة بيد الاسبان.

2 سبتة وطنجة والقصر الصغير واصيلا وازمور وآنفا وآسفي واگادير وغيرها بيد البرتغاليين.

وبقية البلاد تتنازعها سلطات محلية متنوعة. فقد كان نفوذ الوطاسيين قد اصبح لا يشمل الا جزءا من القسم الشمالي للمغرب، كما انحصر نفوذ «هنتانة» بمراكش وضاحيتها. اما في الجهات الجنوبية فقد كان الولاة يتنازعون على السلطة في صراع مسلح ((70)).

السعديون هم حسنيون من سلالة محمد النفس الزكية. ولما نجحت دولتهم قامت لها خصومات، وعمد خصومهم الى محاولة الطعن في انسابهم، على ما اعتاده المتخاصمون في مثل هذه الظروف.

وكلنا نعرف المحاولة التي قام بها العباسيون بعد نجاح الفاطميين في اقامة الدولة ووصولهم بها الى مصر، وخوف العباسيين من استمرار التقدم، فلجاوا الى الطعن في نسبهم ونفي صحة انتسابهم الى فاطمة وعلي (ع).

وكذلك الشان مع السعديين الذين ووجهوا بهذه المطاعن، فقيل انهم من بني سعد بن بكر بن هوازن الذي تنتمي اليه حليمة السعدية مربية النبي (ص) ((71)) وقيل انهم انما لقبوا بالسعديين تيمنا لانهم سعدوا بدولتهم . ((72)) على انهم في الحقيقة من نسل الحسن بن علي بن ابي طالب (ع). وقد اعترف بهذه الحقيقة احفاد الذين انكروها. وقداراد احد هؤلا الاحفاد ان يبرى ذمة اسرته، فروى عنه الزياني صاحب «الترجمان المعرب» ((73)) ما يلي:

«والذي سمعته من محمد بن عبداللّه، رحمه اللّه، لما جرى ذكرهم، وذكرنا له الخلاف في نسبهم، قال: اسكت ولا تعدلهذه المقالة فانهم اخواننا وبنو عمنا، وجدنا وجدهم واحد، وقريتنا وقريتهم ب (ينبع) واحدة، يقال لها بنو ابراهيم وجدهم احمد، خرج للمغرب قبل جدنا الحسن بنحو الثلاثين سنة، وهما اخوان، لكنهم لما ملكوا لم يعاملونا معاملة الاخوان، واقتصروا على التعظيم والاحترام، فكان سلفنا يحقدون عليهم اهمالهم لجانبنا... هذا موجب طعن سلفنا في نسبهم، والا فالحق احق ان يتبع» .

على ان الامر في الخصومة لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه الى درجة التطاول على ابرز رجل في السعديين، وهو:المنصور بن محمد المهدي (1539 1556م) بانه لم يكن ابنا شرعيا . ((74)) قدومهم الى المغرب قدم السعديون الى المغرب في اوائل القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) في عهد بني مرين بطلب من فريق من ابنا «درعة» ((75)) التقوهم حين ادائهم مناسك الحج فدعوهم الى الرحيل اليهم في المغرب. وليست لدينا تفاصيل عمن كان اول قادم منهم، وهل كان واحدا او اكثر من واحد. على ان «الزياني» يذكر ان جدهم احمد بن محمد بن القاسم قدم الى المغرب في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، كما يقول صاحب «السياسة والمجتمع» .

والمعروف انهم في الاصل من مقاطعة «ينبع» في الحجاز، واذا كان الدرعيون قد التقوا منهم بمن دعوه الى بلادهم،فيقتضي ان يكون هذا اللقا في مكة لا في ينبع.

ويقول صاحب كتاب «المغرب عبر التاريخ» ((76)): يبدو انهم (الدرعيون) اتصلوا بهم وقت ادا مناسك الحج حتى يتيمنوا بوجودهم في استصلاح زروعهم وثمارهم».

ونشك نحن في هذا السبب الذي يقول المؤلف انهم دعوهم لاجله، فلا نحسب ان اولئك الاشراف كانوا خبرا زراعيين متخصصين في استصلاح الزروع والثمار، بحيث يستدعون من الحجاز الى المغرب لاجل ذلك، بل نرى انهم كانوا من اهل الفقه والصلاح والتقوى، فتوسم فيهم المغاربة الخير لاستصلاح العقائد والتمسك بها. والمؤلف يستعمل كلمة «تيمنوا» بهم، واستصلاح الزروع والثمار لا يقتضي التيمن برجاله..

والمؤلف نفسه، حين يتحدث عن عوامل تاسيس الدولة السعدية، يقول: ان من تلك العوامل كون السعديين «اشرافا»،وانهم لجاوا الى اقناع الناس بشرف نسبهم حتى يجعلوا لقيام دولتهم اساسا دينيا... واستصلاح الزروع والثمار لا علاقة لاصحابه بشرف النسب ونجابة الاصل، ولا يتوسل الخبير به بهذه الوسيلة ليدعو الى نفسه. بل ان الذي يتوسل بها من يستدعى او يدعو لنفسه الى صلاح المجتمع والمكانة الرفيعة فيه والسيادة على اهله.

والمكان الذي حلت فيه الاسرة السعدية في المغرب هو قرية «تاكمدارات» من نواحي درعة.

وجا عهد احدهم محمد بن عبد الرحمن الذي كان مقرئا يحيا حياة شعبية قوامها البساطة والتعفف، منصرفا الى العلم،متنقلا في سبيل اخذه من مكان الى مكان. ولما شب نجلاه احمد ومحمد كان يصطحب احدهما ذاهبا من تاكمدارات الى اكادير ليقاتل مع المقاتلين زحوف البرتغال.

ويروى انه وجه ولديه للانضمام الى الوطاسيين المدافعين للبرتغاليين، في حين كان هو يقوم باتصالاته السرية في الجنوب، وان ولديه برزا كل البروز في المدافعة، ما جعلهما موضع تقدير السلطان الوطاسي ابي عبداللّه محمد.

وظل الامر كذلك حتى استقر البرتغاليون في شمال ناحية السوس ((77))، وبنوا حصن «اگادير»، وبدا انهم سيتوغلون في البلاد. وراى السوسيون الخطر الداهم، ففاوضوا احد صلحائهم محمد بن مبارك من «آقا»، في اقصى الجنوب السوسي لينصبوه اميرا عليهم، فتجتمع كلمتهم بقيادة موحدة في نضال البرتغاليين بعد ان تتم بيعته في المغرب كله . ((78)) ولكن محمدا هذا رفض طلبهم واشار عليهم بان يولوا امرهم محمد بن عبد الرحمن السعدي، ففعلوا، وتمت البيعة سنة 915ه ، 1510م في «تيدسي»، وهي قرية قرب «تارودانت» ((79))، وتبعد عنها 22 كلم جنوب غربيها، واعترف بهذه البيعة الشيوخ والقضاة والفقها من المصامدة. ولقب محمد السعدي بلقب القائم بامر اللّه.

وافتتح محمد القائم عهده بالهجوم على البرتغاليين عند «اگادير» ((80)) فاحرز عليهم عدة انتصارات ادت الى ان يستقدمه اهل «الشياظمة» و«حاحا» ليقود جيوش مقاومة البرتغاليين في ديارهم.

وكانت وفاة محمد سنة 923ه ، 1517م.

خلفا محمد القائم تولى، بعد محمد القائم، ولده، ولي عهده، ابو العباس، احمد الاعرج، فكان اول ما عني به هو اعداد الجيش، واستطاع ابو العباس الانتصار على البرتغاليين في «آسفي» ((81))، وايقاف زحفهم نحو الداخل.

وبدا البرتغاليون انسحابهم من الشواط ى المغربية في اواسط عهد ابي العباس الاعرج، وكان خروجهم من آسفي حوالى سنة 933ه ، 1526م، وتتابع خروجهم على دفعات، وان ظلت لهم بعض المواقع.

واخذت جيوش ابي العباس تزحف زحفا سلميا خلال الحرب مع البرتغاليين، بدعوى الاستنجاد على هؤلا بالاميرالهنتاني (ناصر بوشنتوف) الذي اسرع فامرهم بالنجدات، فكان ان دخلوا مراكش سنة 930ه.

وقد ادى ذلك الى اشتعال الحرب سنة 935ه، بينهم وبين الوطاسيين ((82)) الذين رفضوا تدخلهم في مراكش، فتدخل العلما والصلحا، فتم الاتفاق على ان يعترف بسيادة الوطاسيين على الجزء الواقع في ما بين «تادلا» والمغرب الاوسط،وسيادة السعديين على ما بين تادلا والسوس. ولم يطل امر هذا الاتفاق، بل نقضه السعديون وهزموا الوطاسيين في معركة حاسمة سنة 943ه ، 1536م.

على ان صراعا شب بين ابي العباس احمد وبين اخيه محمد المهدي بسعايات بعض رجال الحاشية، ادى الى انتصارمحمد وخلع ابي العباس سنة 946ه.

وكان البرتغاليون لا يزالون يحتلون «اگادير»، وبذلك ظلوا يهددون منطقة السوس، فاستطاع محمد المهدي الانتصارعليهم واخراجهم من اگادير سنة 948ه، وكان لمدافعه اثر كبير في هذا الانتصار.

وقد كان لهزيمة البرتغاليين صدى بعيد في الاحداث التالية، اذ ادت الى ان ياخذ البرتغاليون بالتخلي عن مواقعهم في المغرب موقعا بعد موقع.

ولما كانت الدولة قد قامت على اكتاف اهل السوس، فقد راى محمد المهدي ((83)) ان يتخذ من مدينة مراكش عاصمة له، ليظل قريبا من انصاره السوسيين، فاستقر فيها سنة 951ه، وظلت منذ تلك السنة عاصمة لهم حتى انتهادولتهم.

وتابع محمد فتوحاته عبر الشمال، فاستولى على مكناس ((84)) سنة 955ه، بعد استيلائه على حصن قشتاله. ثم حاصرمدينة فاس، ودخلها سنة 959ه، مطاردا الوطاسيين في كل مكان.

ونجا من الاسر ابو حسون علي بن محمد الوطاسي، فحاول اولا الاستنجاد بالبرتغاليين والاسبان، فلما اخفق في ذلك،حاول الاستنجاد بالاتراك. فلما راى ذلك محمد المهدي اسرع فغزا الاتراك في معقلهم في الجزائر.

وقبل ان يحل العام 957ه، بدا بحصار تلمسان، وكان بها يومئذ سلطان من بني عبد الواد تحت حماية الاسبان المباشرة،وظل على حصارها تسعة اشهر الى ان ادخلها في السيادة السعدية.

وهنا جات نجدات تركية هزمت الجيش السعدي واسترد الاتراك تلمسان. وعندما حاول محمد المهدي معاودة غزوها فشل في ذلك فصرف النظر عن فكرة ضم المغرب الاوسط الى الحكم السعدي، اذ كان عليه ان يجابه الاتراك والاسبان فضلا عن الوطاسيين وبقايا البرتغاليين بالمغرب الاقصى. اما ابو حسون، فانه منذ سنة 956ه، انصرف الى استرجاع دولته، ففاوض نائب الملك في اسبانيا، وشارل كان في المانيا، فلم يجده ذلك شيئا، فلجا الى البرتغاليين فاسعفوه بقوى بحرية، فلم يلبث ان اسره الاتراك في عرض البحر.ولكنه استطاع اقناع القائد التركي بالتحالف معه، فتالفت قوة جزائرية تركية لمحاربة محمد المهدي الشيخ، فلم يقو هذاعلى مدافعتها فسقطت «تازة» ((85)) ثم فاس بيد الجيش التركي، فعاد الوطاسيون الى حكم فاس.

وانتهى الامر بقتل ابي حسون في معركة مع السعديين بتادلا ((86)) اواخر سنة 961ه، وبذلك قضي نهائيا على الدول الوطاسية.

ظل محمد المهدي الشيخ مصمما على عدم الاعتراف ولو رمزيا بالسلطة العثمانية على المغرب. ولما دعاه السلطان سليمان القانوني (1520 1566م) الى الدعا له على منابر المغرب بوصفه خليفة المسلمين رد عليه بانه لا يجيبه حتى يكون بمصر ان شا اللّه.

ولكن العثمانيين دبروا اغتياله في آخر سنة 964ه، وحملوا راسه الى البلاط العثماني...

وتولى بعده ولده ابو محمد عبداللّه الغالب، ولم تمض سنة على توليه الحكم حتى هاجم الاتراك المغرب، ولكنهم فشلوا في هجومهم. ولم يعترف كابيه بخلافة العثمانيين.

وهادن الاسبان، فناصروه احيانا، وخذلوه احيانا اخرى، ومما اخذ عليه بحق تسليمهم «حجر باديس» في الشمال،فاتخذوه مقرا لمراقبة الاتراك.

ومن اياديه البيض تجرده لمعاونة «المورسكيين» المسلمين في اضطهاد الاسبان لهم، وقد ارسل لهم موفدا، ولكن الاسبان اكتشفوه وقتلوه.

المورسكيون المورسكيون: هم المسلمون الذين ارغموا على التنصر بعد سيطرة الاسبان على الاندلس، وقيام «محاكم التفتيش»وفظائعها بعد سقوط غرناطة، فقد حاولت الكنيسة اول الامر تنصير المسلمين بالوعظ والاقناع والتاثيرات المادية، فلم يغنها ذلك شيئا، فانقلبت الى العنف والمطاردة، فاغلقت المساجد وحظرت على المسلمين اقامة شعائرهم، وانتهكت عقائدهم وشريعتهم، وفي شهر تموز سنة 1499م (905ه) اتخذت وسائل فعالة لتنصير المسلمين، فجا الكردينال «خمنيس» الى غرناطة ودعا اسقفها «الدون تالا فيرا» الى العمل الجدي في التنصير.

وقد فرض التنصير على المسلمين فرضا، ولم تحجم السلطات الكنسية والمدنية عن اتخاذ اشد وسائل العنف. ولم يستكن المسلمون الى هذا العنف من دون تذمر ومقاومة، وسرت اليهم اعراض الثورة لا سيما في الجبال. وقرر مجلس الدولة بان المسلمين اصبحوا خطرا على الدين والدولة، وقضى بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية. وسرعان ما سرت الحمية في المسلمين، فاعلنوا الثورة في معظم نواحي غرناطة وفي ربض البيازين وفي البشرات وغيرهما، واعتزم المسلمون الموت في سبيل دينهم وحريتهم، ولكنهم كانوا عزلا، فكثر بينهم القتل والسبي، وقضي بالموت على مناطق باسرها ما عدا الاطفال الذين هم دون الحادية عشرة، فقد حولوا الى نصارى. وحمل التعلق بالوطن وخوف الفاقة وهموم الاسرة كثيرا منهم على الاذعان والتسليم، فقبلوا بالتنصير المغصوب ملاذا للنجاة.

وهكذا ذاع التنصر.

ثم بعد هذا كله كان من اظهر التنصر من المسلمين يكتم الاسلام خيفة، فشددوا عليهم في البحث حتى انهم احرقوامنهم كثيرا بسبب ذلك.

وقامت محاكم التفتيشla inquiscion الموريسكيين، باعظم دور وتركت في ماساتهم اعظم الاثر.

وعم التنصر الموريسكيين، وصاروا يتكلمون ويكتبون القشتالية، غير انهم لم يندمجوا بغيرهم.

وفي سنة 1609م، تقرر نفيهم الى المغرب وان عليهم ان يرحلوا خلال ثلاثة ايام وان يحملوا من متاعهم ما يستطاع حمله على ظهورهم.

ونفذ قرار النفي في كل مكان بصرامة ووحشية.

وفي هذا الوقت الذي نكتب فيه هذا الموضوع، وفي الثالث عشر من كانون الاول (ديسمبر) سنة 1998 بالذات، عرفناعن عقد مؤتمر في اسبانيا يتعلق بالموريسكيين نذكر عنه هنا ما يلي:

بدعم من مستشارية الثقافة والتعليم في مقاطعة مدريد، اقامت «مؤسسة الجنوب للبحوث» في الفترة من 3 الى 5 كانون الاول (ديسمبر) الجاري، اول مؤتمر علمي حول «السياسة والموريسكيين في عهد البيت الملكي النمساوي في اسبانيا»، اي في الفترة ما بين 1517 و1700 ميلادية، اي بعدما يزيد قليلا عن عقدين على سقوط غرناطة، والذي كان في راي معظم المشاركين في المؤتمر مقدمة لاحداث تاريخية فظيعة تدل على مدى الشر الذي كان يكمن في العقلية الاوروبية المسيحية تجاه الاسلام والمسلمين، لان الموريسكيين في راي معظم الباحثين لم يكونوا سوى ابنا الامة الاندلسية التي اختلطت فيها الدما العربية والبربرية الوافدة مع الفتح الاسلامي والدما الاصيلة لسكان تلك البلاد قبل ان تقوم دولة الاندلس... تلك الاحداث التي تكررت في عالمنا المعاصر في اشكال اخرى مثل ما حدث في البوسنة والهرسك ويحدث الان في كوسوفو.

شارك في هذا المؤتمر العديد من المستعربين الاوروبيين المتخصصين في الدراسات الموريسكية، مثل الفارو غالميث دي فيونتس ورودولفو خيل غيرماو وماريا خيسوس روبيرا ماتا ولويس فرنانديث برنابيه بونس من اسبانيا، وجان بييرمولينات من فرنسا، وانطونيو دياز فارينا وايزابيل ريبيرا ميندير ولويس كرميلو من البرتغال.

من الجانب العربي شارك في المؤتمر عدد من الباحثين المتخصصين، منهم: جمال عبد الكريم من مصر، وعبد الجليل التميمي وعبد الكريم سلامة من تونس، ومحمد بن عزوز حكيم وحسين بوزينب وفاطمة رشيدي من المغرب، ومحمدعبده حتم اللّه من الاردن.

تناولت البحوث التي القاها المشاركون مختلف جوانب حياة الموريسكيين في ظل السياسة المسيحية التي مارسهاملوك اسبانيا الذين ينتمون الى البيت الملكي النمساوي، والتي قامت خلالها محاكم التفتيش التي انتهت اخيرا بطرد ماتبقى من الموريسكيين في اسبانيا، بعد محاولاتهم استرداد حقوقهم الشرعية كونهم مواطنين ولدوا وتربوا على ارض الاندلس قبل ان تكون هناك دولة تسمى اسبانيا.

من بين البحوث التي نوقشت، في هذا اللقا، بحث الدكتور جمال عبد الكريم، نائب رئيس مؤسسة الجنوب والاستاذبجامعة القاهرة، الذي اكد في بحثه على ان العودة الى تناول اوضاع الموريسكيين في تلك الفترة هدفها الكشف عن جذور الاوضاع التي تشهدها مجتمعات اسلامية اوروبية معاصرة، عاشت لسنوات طويلة تنشد السلام مع جيرانها من المجتمعات المسيحية، ولكنها واجهت في النهاية تطبيقا جديدا ومعاصرا لمحاكم التفتيش التي شهدها اخوة لهم على اثر سقوط دولة الاسلام في الاندلس.

تلك المحاكم لم تكن سوى اداة سياسية للقضا على شعب بكامله لمجرد وجود تفرقة في الايمان العقائدي، ليكون الموريسكيون اول شعب يواجه عملية تطهير عرقي في اوروبا طوال تاريخها، لان الموريسكيين في راي الباحث كانوااسبانا مثلهم مثل اي اسباني آخر، وكل ما كانوا يتميزون به هو اختلاف عقيدتهم عن عقيدة ملوك اسبانيا الجدد الذين شنوا على الاندلس حربا صليبية.

من ابرز البحوث التي قدمت جديدا في هذا المجال، وحاولت ان تلقي الضوء على محاولات الموريسكيين تطبيع علاقاتهم مع المسيحيين في ظل القوانين الجديدة التي كانت محاكم التفتيش تطبقها عليهم، جا بحث «المؤامرات الغرناطية في الكتب الرصاصية» للباحث الاسباني لويس فرنانديث بونس الذي تناول تلك المحاولات الموريسكية لتطبيع تلك العلاقات من خلال الكتابات السرية التي تم العثور عليها في «الساكرومونتي»، تلك الكتابات التي حاولت ان تمزج المعتقد الاسلامي بالمعتقد المسيحي لتقدم للموريسكيين شكلا يجعلهم يحافظون على ديانتهم الاسلامية الحقيقية في الخفا، وفي الوقت نفسه يظهرهم امام المسيحيين بمظهر «المتنصرين» خصوصا بعد فشل محاولاتهم التمرد على الاوضاع الجديدة.

اكد الباحث ان ظهور هذه المخطوطات فتح في المجتمع الاسباني نقاشا واسعا توصل المشاركون فيه الى نتائج متعارضة، وفي احيان كثيرة متناقضة، اذ كان بعضهم يرى انها محاولة لايجاد مخرج «مثالي» للمتنصرين الجدد لمواجهة حياتهم الجديدة في ظل معتقد جديد اجبرتهم عليه الاوضاع السياسية والاجتماعية الناتجة عن هزيمتهم على ايدي الملوك الكاثوليك.

لكن الباحث يؤيد الراي القائل ان هذه الكتابات كانت تحاول ان تقدم وجهة نظر اسلامية يمكن ان تؤثر في الراي العام الاسباني المسيحي، لان مخطوطات «الساكرومونتي» وغيرها من المخطوطات التي امكن العثور عليها في ما بعد، مثل «انجيل برنابا» الشهير، الذي يتبنى وجهة نظر اسلامية بحتة في ما يختص بان النبي محمدا (ص) هو خاتم الانبيا،وتطابقه مع القرآن الكريم في العديد من المسائل منها علامات «قيام الساعة».

كل هذه الكتابات الموريسكية، في راي الباحث، كانت تسير باتجاه واحد مخطط له بشكل جيد من اجل تغيير رياح المواجهة مع المسيحيين، ومحاولة تبديل وضع الموريسكيين فيه بحصولهم على حقوق ومكانة تسمح لهم بمواصلة الحياة على ارضهم التي ولدوا ونشاوا عليها. واشار الباحث الى ان رايه الخاص في هذه المسالة هو ان ذلك المخطط، لوكتب له النجاح، لامكنه ان يغير تماما شكل المجتمع المسيحي الذي اجبر الموريسكيين في النهاية على الرحيل الى المغرب وشمال افريقيا.

وتماما، كما يحدث في المؤتمرات التي يلتقي فيها باحثون من الشرق والغرب، حدث خلاف شديد بين عدد من الباحثين حول كلمة «الاستعادة» التي يستخدمها الباحثون الاسبان عند حديثهم عن الحرب الكاثوليكية التي انتهت بسقوط غرناطة وطرد المسلمين من الاندلس. فقد وردت هذه الكلمة كثيرا على لسان الباحث الاسباني الفارو غالميث،ما دعا الباحث المغربي الدكتور حسين بوزينب الى التدخل محاولا ان يبين ان تلك الكلمة خاطئة ويجب عدم استخدامها لان مسلمي الاندلس كانوا يشكلون امة اسبانية اصيلة ولم يكونوا دخلا على هذه الارض، كما يحاول ان يصور بعض الباحثين المسيحيين، وان الحرب التي شنها الملوك الكاثوليك لم تكن سوى حرب استعمارية قام خلالهاشمال اسبانيا باحتلال الجنوب الذي كان في ذلك الوقت يمثل الاندلس الاسلامية.

خلال هذا الحوار، اعرب عدد من الباحثين الاسبان عن تاييده لوجهة نظر الباحث العربي، ومنهم الاسباني رودولفوخيل غيرماو، وطالبوا بمراجعة حقيقية لبعض الكلمات التي يجري استخدامها في البحوث الخاصة بالاندلس والتي لهااصول مسيحية وتعبر عن وجهة نظر مسيحية، ولا تعبر عن حقيقة الحدث التاريخي.

مسوغ قيام الدولة السعدية وفي سنة 980ه (1573م) توفي عبداللّه الغالب، فتولى بعده ابنه محمد المتوكل، ولكن امره لم يطل فقد ثار عليه عماه احمد وعبد الملك، واستنجدا بالسلطان التركي فاحالهما الى والي الجزائر الذي ارسل جيشا لقتال المتوكل، فهزم المتوكل سنة 983ه، في وادي سبو، ثم هزم مرة ثانية في وادي الريحان قرب سلا، الامر الذي فتح امام عمه عبد الملك ابواب فاس في اواخر سنة 983ه، فتمت بيعته فيها في الايام الاخيرة من شهر ذي الحجة سنة 983ه، وقد اهتم عبدالملك بامور الجيش الذي تالف من عناصر عربية وبربرية واندلسية وتركية، واسس اسطولا ارسى قطعه على موانى الشمال والعرائش وسلا.

وقد حاول المتوكل ان يستقر في مراكش الا انه لم يستطع الثبات، وختم حياته اسوا خاتمة بالتجائه الى البرتغاليين وملكهم «دون سباستيان» مستنصرا به.

ويبدو من مراقبة احداث تلك الفترة ان المطامع البرتغالية بالمغرب، وبما ورا المغرب، لم تكن خافية، وكان لابد من التيقظ لها والاعداد لردها عندما تثور، ولم يبد ان المتوكل كان متنبها لتلك المطامع، او انه كان في سبيل الاعدادوتجميع القوى لليوم الذي كان يلوح انه لا محالة آت.

وقد كان مسوغ قيام الدولة السعدية في الاصل هو وجود الخطر الخارجي الذي يهدد الوطن اشد تهديد.

فقد كان للاحتلال الصليبي للسواحل المغربية صدى عميق الاثر في نفوس الشعب، فقامت دعوات الى حمل السلاح واقتلاع المغتصبين مما احتلوه على الشاط ى المغربي، في حين كانت البلاد غارقة في فتنها الداخلية.

ومن هنا كان التطلع الى قيادة مخلصة حازمة توحد البلاد وتحارب المد الصليبي الزاحف، وفي ذلك يقول الشاعرالهبط ي:

فرحم اللّه اميرا قد سلك نهج الهدى وما سواه قد ترك كما به اخذ الحدود والحقوق والامر في حرز الديار والطرق والصون للثغور حيث الكفار دمرهم ربي سبوا للابكار فان راى امرا يضر بالمسلمين سدده ولم يكن في الغافلين حنانه ايضا على الرعيه مثل الاب المهموم بالذريه ما احوج الورى لذا شر زمان الى امام قائم بالقرآن فجد علينا يا عظيم المنه بمن يقوم في الورى بالسنه امنن علينا بالامام العادل يهد بنيان الخنا والباطل حتى نرى الحق المبين ظاهرا وكلنا به يصير ظافرا وعندما وجدت هذه القيادة في السعديين، وقامت دولتهم على هذا الاساس، لم يكن من الجائز السكوت على من يبدومشكوكا في تصرفاته وتوجهاته.

لقد قامت هذه الدولة وشعارها حماية البلاد من البرتغاليين الذين لم يخفوا في يوم من الايام طموحاتهم في الفتح والسيطرة والتقدم الى اقصى البلاد الاسلامية. فاذا لم يبال مالك الامر بهذا فلابد من التخلص منه...

هذا ما يلوح للمطالع المتتبع. لذلك صمم الاخوان عبد الملك واحمد على خلع ابن اخيهما (المتوكل) غير المبالي بمايجري وغير المتحفز لانما القوى المغربية التي تستطيع ايقاف البرتغاليين عندما يمشون لاحتلال المغرب.

وقد راينا كيف ان الاخوين لج لاكبر قوة اسلامية في ذلك الوقت، وهي قوة العثمانيين، للاستنصار بها، مع علمهمابمطامع العثمانيين بالمغرب. ولكنهما قابلا بين احتلال برتغالي واحتلال عثماني، فلم يترددا واستنجدابالعثمانيين.

وقد صحت فراسة الاخوين بابن اخيهما، فلم يتورع عن الاستنجاد بالبرتغاليين وملكهم «دون سباستيان»، واتفق معه على تقاسم المغرب، بان يكون للبرتغاليين: الساحل المغربي ويكون له الداخل.

ولقد راينا كيف ان عبد الملك عمل اول ما عمل على تقوية الجيش البري وتقوية الاسطول البحري، وكيف انه لم يضع اي وقت في التفكير بغير ذلك.

معركة وادي المخازن الحاسمة لم يكن «دون سباستيان» بحاجة لمن يحرضه على غزو المغرب، فقد كان ذلك من تصميماته الاكيدة، ولم تكن مطامعه محدودة بالمغرب، بل كان يتطلع الى ما ورا المغرب للوصول بفتوحه اليه.

ولم يكن انضمام المتوكل اليه هو العامل على انفاذ الغزو، وكل ما كان لهذا الانضمام من اثر، هو انه ثبته في التوجه الى افريقيا بعد ان كان قد اهملها من سبقه من الملوك، لا سيما الامير جون الثالث الذي انصرف بكل جهده نحو امريكاالجنوبية.

على ان كبار حاشية سباستيان والنبلا لم يكونوا من رايه، بل كانوا معارضين لهذا التوجه، ولكنه اصر عليه واصر على ان يقود الغزو بنفسه. فتوجه من قادس الى طنجة، ثم ابحر قسم من الجيش الى اصيلا التي كان البرتغاليون قد اخلوها سنة 1551، ثم عادوا اليها في آخر سنة 1577م، اما الجيش البري فقد توغل معظمه في المنطقة الشمالية متجها من طنجة نحو القصر الكبير.

وكان المتوكل في صميم القيادة البرتغالية ماشيا معها لاقتسام بلاده بينه وبينها.

ولهذا قلنا من قبل: ان فراسة عبد الملك واحمد في ابن اخيهما لم تخط ى، وانهما حين عملا على اطاحته كانا يخشيان على مصير الوطن. وها هو اليوم يحقق تلك الفراسة.

لقد بولغ في عدد الجيش المهاجم، كما بولغ في عدد الجيش المدافع، وساهمت في المبالغة كل من المصادر الاجنبية والمصادر العربية. فقد قيل ان عدد الجيش البرتغالي كان 125 الفا وقيل مئة الف. وهناك من انزله الى 60 الفا، ومن زادفي هذا الانزال فجعله 14 الفا.

وصاحب كتاب «المغرب عبر التاريخ» ((87)) يرى ان اوسط التقديرات هي ان الجيش البرتغالي كان ما بين 40 و50 الفاوان الجيش المغربي كان حوالى 60 الفا وان عدد مدافع كل من الجيشين يكاد يكون متساويا، فمدافع البرتغاليين كانت 36 مدفعا، ومدافع المغربيين تقارب هذا العدد.

وبهذا نعلم الجهد الذي بذله عبد الملك في اعداد الجيش وتسليحه، وانه كان جديرا بالمهمة التي ندب نفسه لها عندماصمم على اسقاط ابن اخيه المتوكل.

نفذ الجيش البرتغالي خطته بان عبر كما قلنا الى طنجة ومنها مشى الى اصيلا ((88)) فاحتلها في تموز سنة 1578م،وعسكر فيها. فقرر عبد الملك ان لا يهاجم الجيش المهاجم وان يفسح له في المجال للتوغل في البلاد بعض التوغل،فيبتعد بذلك عن المواقع التي يمكن ان تصلها الامدادات بسرعة.

ويجمع المؤرخون على انه كان في الجيش البرتغالي متطوعون اسبان وفرنسيون وايطاليون والمان وقليل من المسلمين من انصار المتوكل.

ويصف المؤرخ المغربي(الوفراني) حال الناس يومذاك قائلا:

«وكان خروج النصارى في هذه الوقعة بجيوش حافلة وجموع عديدة يقال: انه زها مئة الف وخمسة وعشرين الف مقاتل، وقصدوا هلاك المغرب وحصر المسلمين وادارة رحى الهوان على اهل الدين. فعظم ذلك على الناس وامتلات قلوبهم رعبا وصدورهم كربا وبلغت القلوب الحناجرواشتعلت على اهل العقول نيران الهواجر».

واخيرا تقدم سباستيان بجيوشه نحو قصر كتامة عابرا قنطرة وادي المخازن. وهنا عمد عبد الملك الى عمل عسكري في غاية الاحكام، فلم تكد الجيوش البرتغالية تعبر القنطرة حتى ارسل عبد الملك كتيبة من الخيل دكت القنطرة دكا لئلايستطيع البرتغاليون معاودة عبورها في حالة هزيمتهم وليمكن استئصالهم كل الاستئصال.

وكان جيش السعديين يتالف من بربر وعرب واتراك، تصحبه نخبة من الفقها والصلحا انضموا اليه تنفيذا لفريضة الجهاد، وتحميسا للمقاتلين.

وبالرغم من ان عبد الملك قد مرض خلال التعبئة مرضا شديدا، فقد اصر على الحضور بنفسه في القيادة كما حضراخوه احمد.

ومضى البرتغاليون تتقدمهم المدفعية لحماية المشاة وتحيط بهم الخيالة من الجناحين، وانتظم المشاة في شكل مربعات متماسكة.

اما الجيش المغربي فقد استفاد عبد الملك في تنظيمه من الطريقة الاستراتيجية العثمانية في الحرب، حيث كان قدشارك العثمانيين في حروبهم بالجزائر وتونس، فاعتنى بالرماة وسلحهم على النمط الانكشاري، كما اعتنى بالفرسان.وكانت له معامل للسلاح والذخيرة في فاس ومراكش وتارودانت، معتمدا في انتاجها على معادن البلاد لا سيماالنحاس.

ووقع الصدام يوم آخر جمادى الاولى سنة 986ه (1578م)، ويصف المؤرخ المغربي صاحب «نزهة الحادي باخبارملوك القرن الحادي» الصدام بقوله: «... ثم زحف عبد الملك الى العدو بجيوش المسلمين وخيل اللّه المسومة، وانضاف له من المتطوعة كل من رغب في الاجر وطمع في الشهادة، واقبل الناس سراعا من الافاق، وابتدروا حضور هذا المشهدالجليل، فاتفقت الفئتان، وزحف بعضهم الى بعض وحمي الوطيس واسود الجو بنقع الجياد ودخان مدافع البارود،واشتد القتال وكثر الضرب والطعن واستمر النزال. فلما قامت الحرب على ساق والتفت الساق بالساق توفي عبدالملك... ولما مات عبد الملك لم يظهر الذي كان سايس المحفة موته، فصار يقدم دواب المحفة نحو العدو ويقول للجند: الملك يامركم بالتقدم.

وعلم بموته اخوه فكتمه... ولم يزل كذلك، والناس في المناضلة ومداناة القواضب واحتسا كؤوس الحمام الى ان هبت على المسلمين ريح النصر... وقتل الطاغية البرتغالي.. ولم ينج من الروم الا عدد نزروشرذمة قليلة، وبحث في القتلى عن محمد المتوكل فوجد غريقا في وادي لكوس».

الصفحة السابقة

الصفحة التالية