تطلق على المستبد
اسماء شتى، فيسمى «الحاكم المطلق،
والحاكم بامره، ومالك الرقاب، والظالم، والقهار،
وامثال
ذلك»((242)).
ولما كان هذا النوع من الحكم ينطلق من التفرد
بالسلطة،
ويتعامل مع الوطن وسكانه معاملة المالك في
ممتلكاتهالشخصية، لذا سمي هذا النوع من السلطة:
«استبدادا،
وتحكما، واعتسافا، وتسلطا» ((243)). ويعتقد النائيني «ان انقياد الشعب الى الطواغيت
وقطاع الطرق
لا يعد ظلما وحرمانا من اعظم المواهب الالهية،
وهيالحرية،
فحسب، بل ان عبودية هؤلاء هي بنص كتاب اللّه المجيد
واوامر
المعصومين (ع) المقدسة من مراتب الشركبالذات
الاحدية،
تقدست اسماؤها، في المالكية والحاكمية والفاعلية
لما يشاء،
وعدم المسؤولية عما يفعل»((244)). فالمرجع النهائي في الحكومات المستبدة هو السلطان
وليس
القانون، فالسلطان فوق القانون، والقانون يمثل
ارادتهوسلطته
بغض النظر عن ارادة الامة ومصالحها، ولذا نجد
الممارسات
الديمقراطية والبرلمانية في ظل
الحكوماتالمستبدة
ممارسات شكلية، تنتهي عند اعتاب ارادة الحاكم او
الرئيس او
الملك، (لا يسال عما يفعل وهم يسالون)[الانبياء:23]((245)). وانما يظهر الاستبداد ويتفاقم امره عندما يعطل
القانون، ويبدا
الاستبداد عندما تنتهي سلطة القانون، فالبلاد التي
تحترمقوانينها تختفي فيها المظاهر الاستبدادية،
لهذا اراد
الامام الخميني (رض) ان يستاصل جميع تلك المظاهر
عندما
اكدعلى تطبيق القانون، واتهم من يتحايل عليه، فقال:
«اذا لم
يطبق القانون في بلد من البلدان، فان اولئك الذين
تجاوزواالقانون هم ديكتاتوريون برزوا بوجه
اسلامي، او بقناع
الحرية، وما شاكل ذلك» ((246)). جاء الانبياء جميعا منذ بدء الخليقة والى الان من
اجل تطبيق
القانون، وجاء الاسلام لتطبيق القانون، وكان النبي
والائمةوالخلفاء جميعا منقادين للقانون،
مستسلمين له، فعلينا
ان نعمل بالقانون ونستسلم له ما دمنا نتبع النبي
والائمة»((247)). ويقول الشيخ النائيني: «لم يكن غرض موسى الكليم
وهارون
(ع) بنص الكلام المجيد (فارسل معنا بني اسرائيل
ولاتعذبهم)
[طه: 47] الا تخليص رقاب بني اسرائيل من ذل عبودية
الفراعنة» ((248)). 2 الاستبداد الديني
يعد الاستبداد الديني «اخطر قوى الاستبداد، ويصعب
علاجه
الى حد الامتناع» ((249))، بل ان «الاستبداد
السياسيمتولد
من الاستبداد الديني»((250)) ، ويفترقان بان الاول مبني
على
القهر والغلبة والتسلط بالقوة على مقدرات
الامة،وبان الثاني
يعتمد الخدعة وتزوير الحقائق، لذا يقول الشيخ
النائيني:
اختلف التعبير عنهما في الايات والروايات،حيث عبرت
النصوص عن النوع الاول ب (عبدت بني اسرائيل) او قول
الامام
علي (ع) : «اتخذتهم الفراعنة عبيدا»، بينماعبرت عن
النوع
الثاني ب (اتخذوا احبارهم ورهبانهم اربابا من دون
اللّه)
. ((251))
فالامة في الحالة الاولى، مضطهدة، مغلوبة على
امرها، تعاني
بطش السلطان واجهزته القمعية، وتتحين
الفرصللانقضاض
عليه، لانها تعي حقيقته وترفض في داخلها جميع
ممارساته
اللاانسانية ضدها، واذا انطلت على الامةشعارات
الطاغية، ولو
لمدة، لكنها سرعان ما تكتشف الواقع وتتعبا ضده. فالسياسي المستبد يفتقر الى الشرعية دائما، ولا
يستطيع ان
يخلق مناخا صالحا لتفاعل الشعب معه، والامة تعي
جيداان
شرعيته تكمن وراء قوته، وتستعين بكافة وسائل العنف
لتثبيت
عرشه، فلا يستطيع المستبد ان يوفر لشعبه
القدراللازم من
الحرية، لان حرية الشعب تعني رفض الاستبداد،
وبالتالي
التمرد على ارادة السلطان. ثم ان العلاقة بين المستبد وشعبه تفتقر دائما الى
المقومات
الكفيلة بالحفاظ عليها، فهي مهددة بالانهيار
لادنىسبب. فعنصر الاجبار واضح الدلالة في الاية المباركة
وقول الامام
علي (ع)، اما في الحالة الثانية فان الصفة الطوعية
والدافعالذاتي متجل فيها، لان الامة تكون فيها
مضللة
ومخدوعة، وتحسب ان ما يصدر من رجل الدين المستبد
«من
لوازمالدين، بينما هي نزعة فردية يتظاهر بها
المتلبسون بزي
الرئاسة الروحية بعنوان الدين، والامة الجاهلة
تطيعهم
باندفاعوثقة، لشدة جهلها وعدم خبرتها بمقتضيات
الدين
وحقيقة هؤلاء» ((252)). ثمة حقيقة اخرى هي ان رجل الدين، في جميع
المجتمعات،
يرمز الى الدين نفسه، وتتعامل الشعوب مع
ممارساتهواقواله
على انها جزء من الدين، فكل ما لدى رجل الدين مقدس
في
نظر الناس، حتى اتخذت الشعوب المسيحيةالاحبار
والرهبان
اربابا من دون اللّه، كما عدتهم شعوب العصور
الوسطى وسائط
بين اللّه والانسان، حيث كان الكاهنظلاللّه في
ارضه، يتمت ع
بسلطة روحية واسعة تمثل ارادة اللّه تعالى في
الارض، لهذا جاء
التاكيد «اذا صلح العالم صلحالعالم»، والعكس
صحيح. فالاية الكريمة عبرت ب (اتخذوا) لتاكيد البعد
الطوعي والارادي
في اختيار العلاقة بينهم وبين رجال الدين. ومنذ القدم تنبه الطغاة والمستبدون الى «ان الدين
اقوى تاثيرا
من السياسة، اصلاحا وافسادا» ((253))، فاتخذوا من
رجالالدين بطانة لهم لتقوية عروشهم، واضفاء
الشرعية على
ممارساتهم الخاطئة، وقمع المعارضة والتذمر، فضلا
عن
ارتداءالسلطان لعباءة الدين في كثير من الاحيان. فكيف ترفع لافتة للمعارضة، او كيف يرفع شعار ضد
السلطة،
وهي تستمد شرعيتها من رجل الدين، او من علماء
البلاطالسلطاني؟
وكان معاوية اول من استغل رجل الدين لتمرير سياسته
التعسفية، فاتخذ بطانة مزيفة من رواة الحديث
«امثال عمرو
بنالعاص ومحمد بن مسلم بن مخلد والمغيرة بن شعبة
واشباههم من الذين كانوا يعدون في انظار العوام
منالصحابة»((254)). وفعلا نجحت تلك السياسة وحققت اغراضها على مدى
التاريخ،
لا سيما في اعتياد الامة الاستبداد والظلم،
وقبولهالسلطة
المستبد الممتدة بعد معاوية الا في بعض المراحل
المفعمة
بالوعي، حيث رفض الاباة من امثال الامام الحسينبن
علي (ع)
مبايعة يزيد بن معاوية ووصفه بالفجور والفسق، وراى
حرمة مد
يد المبايعة والعون للسلطان المستبد،فخلده
التاريخ رمزا
لرفض الطواغيت والحكام المزيفين. بينما تكفي مراجعة اولية لمسار الفقه السياسي في
التاريخ
الاسلامي لتؤكد مصداقية استغلال المستبد لرجل
الدين،وذلك عبر التنظير لفقه السلطان وليس لفقه
الدولة
الاسلامية من قبل بعض الفقهاء، بل جوز هؤلاء
الاستيلاء
علىالسلطة بالقوة والغلبة وحرمان الشعب حقه في
تقرير
مصيره، وحرموا الخروج على السلطان الفاجر. فقد ذهب ابن كثير مثلا كما تقدم الى ان يزيد بن
معاوية
كان «اماما فاسقا»، لكنه يقول مع ذلك: ان «الامام
اذا فسق
لايعزل بمجرد فسقه على اصح قولي العلماء، بل ولا
يجوز
الخروج عليه...» ((255)). والامة حينما تفتقد الوعي وتعيش في دوامة من الجهل
والتضليل، لا يمكن ان تميز بين ما هو من الدين وما
هو ليس
منالدين، وانما تنظر الى رجل الدين ماذا يقول
وكيف يتصرف،
لهذا ذم الائمة (ع) التقليد الاعمى لعلماء السوء،
لانهيفضي الى
تغلغل السيادة الاستبدادية، السياسية او الدينية،
وهذا سيقضي
على جميع منابع الوعي لدى الامة، ويجعلهااسيرة
التزييف
المستمر للقيم والمبادى، لان الاستبداد الديني
يسعى دائما
الى افراغ الدين من القيم الاصيلة، وتكريسالطقوس
والشعائر
التي تخدم مصالحه وتؤمن، بشكل غير مباشر، حماية
كافية
لسلطة المستبد السياسي، لذا فانالاصلاح في وسط
الاجواء
الدينية عمل شاق للغاية وطالما عانى منه رواد
الاصلاح على
مدى التاريخ. ولعل اشد ما عانت منه الحركة الدستورية في ايران هو
الاستبداد الديني. يقول الشيخ النائيني: «رفع
الجهلة
وطواغيتالعصر وحاملو لواء الاستبداد الديني
عقيرتهم ليعربوا
عن تاييدهم للظلمة حتى النهاية، واعتبروا سلب صفة
(يفعل
مايشاء، والحاكمية المطلقة، وامتلاك الرقاب، وعدم
مسؤوليته
عما يفعل) عن الجائرين عملا يتنافى مع
الاسلاموالقرآن. وابتدعوا من وحي نزعتهم الاستبدادية، وبالتعاون مع
الظلمة،
مذهبا جديدا اسموه اسلام» ((256)). ولم يكتف هؤلاء بمساندة الحاكم المستبد وتجهيزه
بالشرعية
اللازمة باستمرار، بل راحوا يلقون الشبهات بين
افرادالشعب،
ويصورون لهم حرمة التحرك الجديد ومنافاة الدستور
مع
الشريعة الاسلامية، او ان الدستور يعني
مصادرةالشريعة او الغاء
دورها في الحكم ((257)). ولما كان المتصدي لترويج هذه الشبهات هو الاستبداد
الديني،
لذلك كانت مهمة ايقاظ الوعي مهمة شاقة وصعبة،
لانهاتعني
التشكيك بالدين (في نظر العامة من الناس) من خلال
التشكيك بفهم عالم الدين للدين نفسه. والناس لا
تتعرفراي
الدين عادة الا من خلال علماء الدين، لذا فان الشرخ
الكبير
الذي حصل بين علماء الدين خلال الحركةالدستورية
هو من
افرازات هذه الاشكالية، وهي اشكالية التمييز بين
الدين وفهم
الدين الذي يقدمه علماء الدين، لذا فانالمسالة
بحاجة الى
درجة عالية من اليقظة والوعي حتى يمكن التعرف على
الخط
الفاصل بينهما (اعرف الحق تعرفاهله)، والعكس ليس
صحيحا. من هذا المنطلق بادر الامام الخميني (رض) الذي عانى
هو
بدوره طويلا من الاستبداد الديني الى اغلاق الباب
بوجهالاستبداد الديني وقطع الطريق على كل شخص تسول
له نفسه الاستبداد بالحكم او الراي، لا سيما وان نظام
الحكم
فيالجمهورية الاسلامية في ايران حاليا يعتمد
ولاية الفقيه
مبدا في الحكم، والفقيه نافذ السلطة في هذا البلد.
وانما
يتاتىالاستبداد من فرض راي الحاكم بالقوة
والتعالي على
القانون، والاستبداد يبدا من حيث تنتهي سلطة
القانون. لذا سارع الامام في غير مناسبة لتاكيد دور القانون
في الدولة
الاسلامية، وما هو موقف الحاكم الاسلامي من
القانون(سواء
كان نبيا او اماما او فقيها او شخصا في المجتمع)،
فقال: «الحكم
في الاسلام يعني القانون. والقانون هو الحاكموحده
في
المجتمع، وعندما منحت صلاحيات محدودة للرسول
الاكرم
(ص) والولاة، فانها صلاحيات من قبل اللّه،فكلما
اراد الرسول
بيان امر او ابلاغ حكم، كان ذلك تطبيقا للقانون
الالهي، ذلك
القانون الذي لابد من اتباعه من غيراستثناء» ((258)). حكومة الاسلام حكومة القانون، والحاكمية منحصرة
باللّه،
والقانون هو امر اللّه وحكمه. القانون في الاسلام يحكم كل فرد... والجميع، ابتداء
من الرسول
الاكرم (ص) الى خلفائه والى الافراد جميعا،
هممتبعون
للقانون ما بقي الدهر» ((259)). حتى النبي الاكرم لم يخالف القانون، واللّه يقول
لنبيه: اذا
خالفتنا في قول قطعنا وتينك. الحكم هو القانون، لا حكومة لاحد سوى القانون
الالهي، لا
حكومة لفرد من الافراد، لا الفقيه ولا غير الفقيه.
الجميعيعمل
في ظل القانون وينفذه، والجميع يطبق القانون،
الفقيه وغير
الفقيه» ((260)). لذا نجد دستور الجمهورية الاسلامية قيد جميع
السلطات، بما
في ذلك سلطة الفقيه، وجعل استمرار سلطته
مرهونابكفاءته. ولعل في سيرة الرسول (ص) وسيرة الامام علي (ع) ما يحطم
كل تطلع استبدادي يراود النفوس الضعيفة العاجزة
عنالتعايش مع الاخر، لشدة تعاليها وغرورها. رغم
ان
سلطتيهما سلطة الهية، وعلمهما لا يدانى، لكن مع ذلك
نجد
الرسول(ص) يشاور اصحابه في اخطر حدثين هما: معركة
بدر
ومعركة احد، ويستجيب لراي الصحابة في كليهما مع
علمهبخطئهم في الثانية (اي الخروج من المدينة
لمقاتلة
قريش)، وقد خسر المعركة عسكريا فعلا. والامام علي (ع) يقول: «من استثقل الحق ان يقال له،
او العدل
ان يعرض عليه، كان العمل بهما عليه اثقل، فلا تكفوا
عنمقالة
بحق او مشورة بعدل، فاني لست في نفسي بفوق ان
اخطى، ولا
آمن من فعلي، الا ان يكفي اللّه من نفسي ما هواملك
به مني. فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره...» ((261)). ان منشا الاستبداد الديني ليس هو الاسلام او
تعاليمه او سيرة
الرسول الاكرم (ص) او الائمة (ع)، وانما سببه
التطلعلتحقيق
مرب دنيوية، وتكريس الدين لمصالح شخصية، او نقص في
الوعي، او فهم مشوه للدين. قوى الاستبداد
ذكر الشيخ النائيني، في خاتمة كتابه آنف الذكر،
مقصدين،
خصص الاول منهما لبيان قوى الاستبداد، والثاني
كرسهلمعالجة تلك القوى. اما قوى الاستبداد فهي:
ا الجهل بواجبات السلطان وحقوقه
فالجهل هو ماساة الانسان وقصة معاناته مع الطغاة،
ولولا
الجهل لما اشرك الانسان الطواغيت في عبادة اللّه
تعالى،
ولمافقد حريته وفرط بحقوقه» ((262)). ولولا الجهل لما مرت المؤامرات المتواصلة على
الانسان من
اجل اضطهاده وقمعه وصيرورته مسلوب الارادة،
مهضومالحقوق، يسكن الى الدعة، ويستانس من الدين
بالخرافة
والاسطورة، ويعجز عن النهوض لاكتشاف انسانيته
وتاكيد
ذاتهفي المجتمع. ب الاستبداد الديني
ج التزلف للسلطان
ان اعوان الظلمة اشد من الظلمة على الامة، ولولا
بطانة السوء
التي يلتف بها السلطان لما استطاع نفوذه ان يتغلغل
داخلالمجتمع، ولعاش في عزلة تقضي على جميع مكونات
وجوده. وقد تحدث الشيخ النائيني طويلا عن التزلف
للسلطان((263)).
د القاء الخلاف في صفوف الشعب
اكد النائيني دور الفرقة في تحقيق اغراض
الاستبداد،
واستشهد بقوله تعالى: (ان فرعون علا في الارض وجعل
اهلهاشيعا يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم) [القصص:
4]. فلولا سياسة تقطيع الاوصال التي اتبعها فرعون لما
علا
فيالارض واستعبد قومه ((264)). كما استشهد الشيخ بخطبة للامام علي (ع) يحذر
المسلمين
فيها من الوقوع في ما وقعت فيه الامم السابقة، وهو
التزلفللظلمة، القاء الخلاف بينهم ((265)). ه الارهاب والاضطهاد
وهو سلاح الطغاة والمستبدين طوال التاريخ. و النزعة الاستبدادية المتاصلة في نفوس الطغاة
ز الامكانات المادية والعسكرية
ثم قدم الشيخ النائيني، في المقصد الثاني، من
المقدمة، حلولا
للقضاء على تلك القوى وتجفيف منابعها. ثالثا: الدولة الدستورية
يعتقد الشيخ محمد حسين النائيني ان الدولة ضرورة
انسانية
آمن بها جميع المسلمين وجميع العقلاء((266)). ويمكن حصر وظيفة الدولة برايه في اصلين، هما:
1 حفظ الامن الداخلي، وحماية القانون، وتحديد
الحقوق
والواجبات، وتحقيق مصالح الشعب ((267)). 2 حماية الوطن من تدخل الاجانب، وتهيئة القوة
اللازمة من
معدات واجهزة عسكرية لحفظ الوطن او الدفاع عن
«بيضةالاسلام»، كما في لغة الشريعة ((268)). وانما جاءت الدولة منذ تاسيسها لهذا الغرض، وقد
سارت
الشريعة المطهرة على ذلك بعد اكمال نواقصها
واضافةشروط
وقيود جديدة ((269)). ثم ان الحكم نوعان:
ا الاستيلاء والغلبة
وهنا يتعامل السلطان مع مملكته تعامل المالك مع
اشيائه
وممتلكاته، ويكون الفرد في ظله مستلب الارادة
والحريةوالكرامة، وقيمته في كونه عبدا لسيده
يفعل فيه ما
يشاء، ولا يعلم اي شيء عما يدور حوله، وهذه السلطة
«عبارة
اخرىعن الربوبية والالوهية» ((270)). ب الدولة الدستورية
تقتصر وظيفة الدولة، في هذا النوع، على اداء
الواجبات العامة
ورعاية مصالح الشعب، والحاكم مقيد بتلك
الوظائف،وليس له
الحق في تجاوز القانون او مخالفة الدستور. وحينئذ
لا مالكية
له، ولا يفعل ما يشاء او يحكم كما يريد. وحقيقة هذا القسم «الولاية على اقامة الوظائف
الراجعة الى
تنظيم المملكة وحفظها وليس حفظ المالكية..»((271)). ثم ان الشعب هنا شريك السلطان حسب راي النائيني في
القضايا المالية ونسبتهم الى السلطان واحدة،
والمتصدونامناء
على مصالح الشعب. ويسمى هذا النوع من السلطة بالسلطة المقيدة،
المحدودة،
العادلة، المشروطة، المسؤولة والدستورية ((272)). كما ان الشروط المفترضة في الحاكم الدستوري لا تلغي
دور
الامة في الحكم، بل ان دورها سيكون اقوى واوسع
منخلال
تقديم الاستشارة اللازمة للسلطان ومراقبته
ومحاسبته، اضافة
الى ان المعارضة في الدولة ستتمتع بحرية اوسع
فيابداء الراي
والاعتراض على خطة الحكومة ((273)). النظرية السياسية
يمكن ان نشير الى ملامح النظرية السياسية، لدى
الشيخ
محمد حسين النائيني، بما يلي:
1 ان حقيقة السلطة هي الولاية على النظام ((274))،
وحقيقة السلطة، من وجهة نظر الاسلام، وربما جميع
الشرائعوالاديان، هي من باب الامانة، وولاية احد
المشتركين
في الحقوق العامة، من دون اي مزية للشخص
المتصدي»((275)). والحكومة تقوم على اساس مشاركة الشعب، اضافة الى
قاعدة
الولاية والامانة، ومشورة العقلاء والاخذ براي
الاكثرية،واعتماد
مبدا مسؤولية الحاكم امام الشعب ((276)). 2 اشتراط العصمة في الولي وفق «مذهبنا نحن
الامامية»
((277))،
وعليه فالامور السياسية وشؤون الدولة والحكم هي
منوظائف الامام المعصوم (ع). 3 الامور السياسية في زمن الغيبة (اي غيبة الامام
المعصوم)
من وظائف الفقيه، النائب العام للامام المعصوم،
وذلك
انهناك وظائف حسبية لا يرضى الشارع باهمالها،
«ونيابة
الفقهاء في عصر الغيبة ثابتة فيها، وان لم تثبت
نيابتهم العامة
فيجميع المناصب، ولما كنا نجزم بعدم رضا الشارع
المقدس
باختلال النظام وذهاب بيضة الاسلام، بل ونجزم ان
الحفاظعلى البلدان الاسلامية والحفاظ على نظامها
هي من
الامور الحسبية، لهذا فان ثبوت نيابة الفقهاء
والنواب العامين
فياقامة الوظائف المذكورة في عصر الغيبة من
ضروريات
المذهب» ((278)). 4 اذا تعذر على الفقهاء اقامة الدولة في زمان
الغيبة، يجب
العمل وفق اصول ثلاثة، لعدم جواز اهمال امر
الدولةوالحكم،
«ويجب تحويل السلطة الجائرة من النوع الاول الى
النوع الثاني»
((279))
اي تحويل السلطة الجائرة الى سلطةدستورية تحترم
القوانين وتحفظ للشعب حقوقه ومقدراته. الاصل الاول: تدوين دستور يضمن ما للامة من حريات
وحقوق، ويتكفل بيان واجبات الحاكم ووظائفه، وتحديد
مايحق التدخل فيه عن غيره ((280)). الاصل الثاني: تشكيل مجلس شورى وطني «يتكون من
عقلاء
البلاد وعلمائهم، الحريصين على مصلحة الامة،
العارفينبالحقوق الدولية العامة، والخبراء
بوظائف ومقتضيات
سياسة العصر» ((281)). وللمجلس حق الاشراف على عمل الدولة ومحاسبتها
والتاكد
من التزامها بالقانون، والحؤول دون تجاوز الدستور،
اوالتفريط
بالواجبات الملقاة عليها بموجبه. واعضاء المجلس يمثلون الامة التي انتخبتهم، لذا
فهم
مسؤولون امام «كل فرد من افراد الامة» ((282)). الاصل الثالث: يشتمل المجلس على عدد من المجتهدين،
او
من ينوب عنهم، لاضفاء الشرعية على اعمال
المجلسوالقرارات الصادرة عنه ((283)). وهذا الاصل يفترض وفقا لمتبنيات مذهب الامامية،
اما على
المذاهب الاخرى فان انتخاب اهل الحل
والعقدكافلتحقق
مشروعية المجلس النيابي ((284)). ومن جهة اخرى فان الهيئة ستقوم مقام العصمة وفقا
لمذهب
مدرسة اهل البيت (ع) وتقوم مقام العلم والملكة
والتقوىعلى
مذهب مدرسة اهل السنة ((285)). مشروعية المجلس النيابي
بعد ان بين الشيخ النائيني نظريته في الحكم، تصدى
للرد على
الاشكالات المطروحة من قبل انصار المستبدة،
الذينكانوا
يرون حرمة تدوين الدستور لانه بدعة كما يقولون
تنافي
القرآن والشريعة، ويقع في مقابل القرآن.
والالتزامبالدستور
بدعة اخرى، لعدم مشروعيته، ثم ان معاقبة من خالفه
تعد
بدعة ثالثة ((286)). وهذه الشبهات اثارها انصار المستبدة، وعلى راسهم
الشيخ
فضل اللّه النوري، وقد اثارت جدلا واسعا، وتسببت في
بلبلةالاذهان والتشكيك في اصل شرعية الدستور
والمجلس
البرلماني، حتى انعكست على الاوساط العلمية في
النجفالاشرف، غير ان الشيخ النائيني اجاب عليها
من دون ان
يشير الى شخص بعينه ((287))، واجاب اجابات علمية بعد
انسفه الشبهات، واثبت عدم قدرتها على الثبات من
الناحية
العلمية، وقال: ان «حقيقة هذه المغالطات تشبه قصة
رفعالمصاحف من قبل الشاميين، وقول الخوارج: لا
حكم الا
للّه، وربما هي اكبر من كلا المغالطتين» ((288)). ثم اخذ الشيخ النائيني يرد على تلك الشبهات واحدة
تلو
الاخرى، ويمكن ايجازها بما ياتي:
1 من البديهيات الاسلامية حرمة اسناد شيء الى
الشارع
بعنوانه تشريعا، او حرمة نسبة حكم ما الى الشارع،
اما غيرذلك
«من اللازم، او التزام، سواء على الصعيد الفردي او
الاجتماعي،
فلا يعد بدعة او تشريعا» ((289))، كتنظيم الانسانلاوقاته
واعماله او تقرير المجتمع قرارات تحفظ الامن العام
له، فلا يعد
تشريعا او بدعة في الدين ((290)). 2 قد تجب بعض الامور وجوبا بالعرض وليس بالذات،
ويلزم
الاتيان بها اذا تعلق بها نذر او عهد او يمين، او
كانتمقدمة
لواجب ((291)).
واذا اتضح هذان الامران اتضح وجوب تدوين الدستور،
لعدم
وجود من يدعي ان ما جاء به الدستور هو من عند
اللّهتعالى، ولا
يقصد به ان يكون شريعة في مقابل الشريعة الاسلامية،
وانما هو
صيغ قانونية تكفل لنا عدم استبدادالمتصدين لادارة
الحكم في
البلاد، وتحدد الحقوق والواجبات، وتحفظ مصلحة
الشعب. ثم انحى باللائمة على من يروج لهذه الشبهات ويقول:
«هل ان
الامور قد اختلطت عليهم، فلا يفرقون بين حقيقة
التشريعوالبدعة؟ ((292)). ثم لماذا لم يعترض هؤلاء على القوانين العسكرية
الموضوعة
بايحاء من الروس، وقد طبقت لضرب احلام
الشعبوتحطيم
سعادته؟ ((293)).
3 قالوا بعدم جواز تدخل الامة في امر السياسة والحكم
الذي
هو شان من شؤون الامام المعصوم (ع). فاجاب الشيخ النائيني بان العصر ليس عصر المعصوم
(ع)، وما
يبغيه ممثلو الشعب هو «الوقوف بوجه
الغاصبينوالحدمن
صلاحياتهم واختياراتهم» ((294)). 4 ان ادارة شؤون الام ة من الامور الحسبية وتدخل في
باب
الولاية، وهي من شؤون نواب المعصوم (ع)
والمجتهدينالعدول، وليست من شان عامة الناس،
فانتخاب
اعضاء المجلس النيابي يعد عبثا وعملا غير صحيح،
وينتج عنه
تصديمن لا يحق له التصدي، فيكون تصديه اغتصابا
لهذا
المقام ((295)).
وفي معرض جوابه ذكر الشيخ النائيني عدة امور:
ا لا يلزم في التصدي للامور الحسبية وجود المجتهد،
بل
يكفي اذنه في ذلك. ب عدم تمكن المجتهدين من اقامة الامور الحسبية لا
يسقطها، بل تنتقل الى عدول المؤمنين، ثم الى عامة
الناس
الىان تصل الى فساق المسلمين، وهو من الامور
المجمع عليها
من قبل فقهاء الامامية. ج لجميع الشعب حق الاشراف والمحاسبة والمشاركة في
اعمال البلاد، لانه مكلف بدفع الضرائب
والحقوقالمالية. د مقتضى مبدا الشورى مشاركة الامة في الحكم. ه تشارك الامة في الحكم من باب الامر بالمعروف
والنهي
عن المنكر. و يجب علينا العمل بالصيغة الدستورية في زمن غيبة
الامام
المعصوم (ع)، باعتبارها افضل صيغة قادرة على
اداءالوظيفة
المنوطة به، بعيدا عن الاستبداد والتسلط
والاضطهاد. ولو قام الفقهاء بتعيين هيئة مشرفة على اعمال
الحكومة بدلا
من الدستور والمجلس النيابي، فان السلطات
الحاكمةستجهض المشروع وتقضي عليه من خلال
ممارساتها
التعسفية ضد لجنة الاشراف ((296)). اما لو كانت
المشاركة
عامةمن قبل الشعب فسوف يتعذر على الدولة القيام
باي عمل
تعسفي ضده. 5 ان مصطلح الوكالة الشرعية لا ينطبق على الهيئة
المشرفة،
فلا تصح وكالتهم عن الامة في الاشراف والرقابة. غير ان الشيخ النائيني اثبت بالادلة الكافية ان
الوكالة تعني
مطلق التسليم والايكال. ثم اضاف: لما ثبت وجوب
تعيينهيئة
للاشراف والمراقبة، فان البحث في انطباق مصطلح
الوكالة
عليها ام لا، لا يعدو كونه بحثا لفظيا، لا طائلمنه((297)). 6 عدم شرعية الاخذ براي الاكثرية، وان هذا الامر
بدعة. اجاب الشيخ النائيني: تقدم ان هذا ليس بدعة. كما ان
ادلة
الشورى تقضي الاخذ بآراء الاكثرية وباقوى
المرجحات،ثم ان
الاخذ بما اجمع عليه اكثر العقلاء ارجح من الاخذ
بالشاذ، كما
هو المستفاد من عموم التعليل في رواية (مقبولة)عمر
بن
حنظلة ((298)).
وقد دلت سيرة الرسول (ص) على الاخذ براي الاكثرية في
غزوة احد مع خطا الصحابة، وفي غزوة الاحزاب، كما
اخذالامام
علي (ع) براي الاكثرية في عملية التحكيم. وقد اكد
الامام في
خطبته انه اتبع فيه راي الاكثرية ((299)). بعد هذا نجد الشيخ النائيني يعتصر الما من شدة
ممارسات
الاستبداد الديني وتزويره للحقائق ودعمه
للاستبدادالسياسي،
فيقول: ان هذا النمط من اساليب التزوير والخداع
يعجز عن
الاتيان به دهاة العرب. وبعد ان خابت ظنون كلا الشعبتين الاستبداديتين،
السياسية
والدينية، في تحقيق اهدافها، اقدم انصارهما على
هدردماء
المسلمين واموالهم واعراضهم، واحيوا بذلك سيرة
جنكيزخان
. ((300))
شروط اعضاء المجلس النيابي ووظائفهم
يضع الشيخ النائيني شروطا ثلاثة لعضوية المجلس
النيابي لكي
يتحقق الهدف من وجود المجلس، اي الحد من
الظاهرةالاستبدادية، وحماية حقوق الامة، وذلك
عبر المراقبة
والمحاسبة والاشراف المباشر على عمل الدولة
والمشاركة
فيسن القوانين بعد التاكد من عدم مخالفتها
للشريعة
الاسلامية. اما الشروط فهي:
ا الخبرة السياسية الكافية، بما في ذلك السياسة
الخارجية،
اضافة الى الاحاطة بمقتضيات العصر. واذا اضفنا الى ذلك فقاهة المجتهدين المنتخبين
تتكامل
الرؤية العلمية في مجال الادارة السياسية للامة((301)). ب النزاهة من البخل والجبن والحرص وحب الدنيا
والطمع،
لكي لا يتحول الاستبداد الشخصي الى
استبدادجماعي((302)). ج الحرص على مصلحة الدين والوطن والدولة والامة
واعراض الشعب وامواله ((303)). ثم اكد الشيخ النائيني مساواة غير المسلم
بالمسلمين في
الانتخابات، لاشتراكه معهم في دفع الضرائب من جهة،
ولكييتحقق الشمول في الانتخابات من جهة اخرى ((304)). في نهاية المطاف شدد الشيخ النائيني على احكام
السيطرة في
قبول المرشحين، ودعا القائمين على امر الانتخابات
الىتجنب
المحسوبية والمنسوبية. وراى ان على الجميع ان يعي
الانتخابات واهدافها وما هي شروط المرشح
الصالحللانتخاب
. ((305))
اما وظائف اعضاء المجلس النيابي فيجملها النائيني
بما ياتي:
ا ضبط الموارد المالية للدولة وتنظيمها، والاشراف
على
موارد صرفها، خشية ان تكون فريسة الطواغيت،
وماربمصالحهم الشخصية. فحفظ النظام وحماية بيضة الاسلام يتوقف على وفرة
الموارد
المالية للدولة، لذا يجب الاعتناء بها بشكل متميز،
وقطعايدي
المتلاعبين من النيل منها، «فالناهبون للثروات من
المعممين
والمتطربشين لم يكتفوا بالقدر المحدد لهم،
لانهماعتادوا على
النهب والتطاول على اقتصاد البلاد» ((306)). كما حث جميع افراد الشعب على اداء الفرائض المالية
لتوفير
المال اللازم لكي تؤدي الدولة وظائفها بشكل
صحيحومتوازن
. ((307))
ب الاشراف على وضع القوانين والتاكد من مطابقتها
للشريعة
الاسلامية ((308)). ج تحديد الوظائف العامة لسلطات الدولة بشكل يسمح
لها
باداء اعمالها بشكل صحيح. ويظهر من الشيخ النائيني ايمانه بانفصال السلطات
الثلاث
احداها عن الاخرى (السلطة التشريعية، السلطة
التنفيذية،السلطة القضائية). مبادى الحكم
وضع الشيخ محمد حسين النائيني ثلاثة مبادى للحكم،
نشير
اليها بايجاز، وهي:
1 الحرية
تحدث الشيخ طويلا عن الحرية في الاسلام، وراى انها
«من
اعظم المواهب الالهية على هذا الانسان، وكان
اغتصابها
منبدع بني العاص، الشجرة الملعونة، وكان اهم هدف
للانبياء
هو استنقاذ الحرية من الغاصبين» ((309)). وقد عرف الحرية بانها «تعني تحرير الامة من ربقة
الجائرين»
((310)).
وحقيقة استبداد الدول الغاصبة هي: «اغتصابالحرية.
واما الدستورية فتعني استرداد الحرية من
الغاصبين»((311)). وعد الاستفهام والاعتراض والنقد والتعبير عن الراي
جزءا من
حرية الشعب. وعلى السلطات ان توفر الحرية
والامناللازمين
لكي يعبر الشعب عن مشاعره وآرائه بالدولة. وينبغي
ان يكون
الفرد فاعلا في المجتمع من خلال حرية النقدوحرية
الراي، من
دون ان تمس كرامته او يعرض للاضطهاد من قبل السلطات
. ((312))
فالشيخ النائيني يربط بين الاستبداد والحرية
ويعدهما طرفي
نقيض، فالحرية لا تجتمع مع الاستبداد، والعكس
صحيح،لهذا
يسعى المستبد دائما الى قمع الشعب ومصادرة حريته
لحماية
مملكته. ولما اصر الشعب ابان الحركة الدستوريةعلى
تحقيق
الحرية وارساء دعائم السلطة الدستورية استنجد
المستبد
السياسي بمن يساعده على تشويه مبدا
الحريةواظهارها بمظهر
غير اسلامي، فاثار حماة المستبد شبهات واهية ترتدي
رداء
الدين فضللت شريحة من المجتمع. ومن جملة الشبهات المثارة على الحرية انها تفضي الى
تلوث
المناخ الاسلامي بالكفر والالحاد، من خلال تعبير
غيرالمسلمين، او الملاحدة، عن آرائهم وافكارهم. او ان الحرية ستساعد على اشاعة المنكرات، لحرية
الفرد في
ممارسة العمل الذي يرغب فيه. كما جعلوا من لوازم الحرية تحدي القيم الاسلامية،
وخروج
النساء المسلمات سافرات، باعتبار ذلك حقا
منحقوقهن. ثم ضرب المستبدون على وتر حساس، وقالوا: ان الحرية
تعني
الاختلاف والتنازع ومن ثم تشتت الامة وانقسامها. وفي آخر محاولة لهم، الصق المستبدون الحرية
بالمسيحية،
وقالوا: ان الحرية نزعة مسيحية منشاها الديانة
المسيحية،فهي
غريبة عن الاسلام ومبادئه، التي تكرس الاستبداد
وتبغض
الحرية ((313)).
غير ان الشيخ النائيني، وهو يعي محاولات المستبدين
في
تشويه «اسمى هبة الهية»، وهي الحرية، لم ينحن
لتلكالتخرصات، بل راح يردها بلباقة علمية واعية.
ثم اجاب
على الشبهات الانفة، فراى ان المظاهر اللااسلامية
في
الدولالغربية ناشئة عن عدم تحريم هذه الدول لتلك
الممارسات وانها غير محرمة في دياناتهم المحرفة،
لا لانهم
استبداديوناو دستوريون، فهذه مغالطة اريد بها
تضليل
الشعوب المسلمة ((314)) كما ان التعددية هي الاخرى
ناتجة
عن اختلافالرؤى وليس لها علاقة بالدستورية او
الاستبدادية((315)). ثم اكد الشيخ النائيني ان الحرية والتحرر من عبودية
الاستبداد
مسالة انسانية قبل ان تكون دينية، وقد ناضلت
الشعوبمنذ
القدم لاسترجاع حريتها، ثم جاء الانبياء والمرسلون
لاستنقاذ
الناس من اسر الطغاة. ولم تقاتل الشعوب من
اجلالخروج عن
عبادة اللّه تعالى او التنكر لوحدانيته لكي يثير
المغرضون
شبهاتهم في وجه الحرية، وانما ينشدالمستضعفون في
الارض
الخلاص من نير عبودية الطواغيت والظلمة، فحربهم
كانت ضد
الظلمة وليس ضد اللّه تعالى اوضد الدين. والشعوب المسيحية من الشعوب التي استهوتها الحرية،
فعانت
صراعا مريرا مع الاستبداد بجميع انواعه،
واستطاعتاخيرا ان
تحقق حريتها. ثم اشار الشيخ الى ان جميع الشعوب تعي هذه الحقيقة،
غير ان
بعضها نجح في نيل هدفه وبعضها الاخر فشل، لا لانه
لاينشد
الحرية او لا يعي قيمتها الحضارية، وانما قساوة
الظروف حالت
دون ذلك. وضرب لذلك مثالا بالشعوب
الروسيةوالاوربية،
وقال: ان كلا الشعبين «الاوروبي والروسي» مسيحي
الديانة،
وكلاهما ناضل على طريق الحرية، لكن الشعبالروسي
واجهته
قساوة الحكومة الجائرة آنذاك، الامر الذي تسبب في
استعباده
وذله، اما ظروف الدول الاوروبية فهيظروف اخرى
استطاعت
الشعوب ان تتجاوز تحدياتها لتصل الى الهدف الاسمى. ثم يقول: ان عبدة الظلمة يعدون التحرر من عبودية
الظلمة
مروقا عن الدين، واعتبروا الدستور دينا ومذهبا
جديدا،وسعوا
الى تعميق روح الذلة في نفوس الشعوب لكي يمارس
المستبد
سلطانه عليهم، كل ذلك في مقابل القرب منالسلطان
ونيل
جوائز الطواغيت، ولو على حساب مصلحة الشعوب
المضطهدة((316)). ثانيا: المساواة
المساواة هي المبدا الثاني، من مبادى الحكم لدى
الشيخ
النائيني، وهي من اشرف المبادى والقوانين التي
تنادي
بهاالسياسة الاسلامية. وهي لا تعدو عنده تطبيق الاحكام والقوانين على جميع
الافراد بالسوية. والدستور، بما انه يشتمل على
مجموعةقوانين
جاءت لبيان احكام خاصة او عامة، يحقق المساواة،
فالشعب امام
الدستور بالسوية ((317)). غير ان الاستبداديين حاولوا تشويه مفهوم المساواة
من خلال
القاء شبهات مفادها ان المساواة تفضي الى
مساواةالمسلمين
مع اهل الذمة في الاحكام الشرعية (كالميراث والنكاح
والقصاص)، كما تفضي الى مساواة المكلفينبغيرهم،
ومساواة
العقلاء بالمجانين وهكذا ((318)). غير ان الشيخ اكد ان هذه الشبهات بعيدة عن مسالة
الاستبدادية والدستورية، وبعيدة عن مفهوم
المساواة
ايضا،فالاسلام يراعي الفوارق المذكورة، ويعدها
اساسا لاختلاف
الاحكام، وهي من الضروريات التي آمن بها الدين
كماآمنت بها
جميع شعوب العالم. اما حقيقة المساواة كما مر فهي
الغاء
الامتيازات والفوارق عند تطبيق
الاحكاموالقوانين، فجميع
المشمولين بهذا الحكم المحدد سواسية في تطبيقه وفي
تحمل التبعات المترتبة على عدم تنفيذه،ولا تعني
المساواة
ادخال غير المشمولين بهذا القانون في احكامه، كما
يقول
المستبدون ((319)). فالمساواة تريد انتقضي
على الامتيازات
الممنوحة لبعض افراد الشعب محسوبية ومنسوبية، تلك
الفوارق اللاانسانية التي منحتهم اولويةمزورة في
الحقوق
والواجبات، فخلقت فجوة عميقة بين افراد الامة
الواحدة،
ولدت حساسية مفرطة ازاء الفوارقالمفتعلة. يقول الشيخ النائيني: ان يقظة الغيورين من المسلمين
تهدف
الى تحرير الرقاب من استرقاق الجائرين وتحقيق
المساواةمع
الحاكم، ومشاركته في خيرات البلاد وقدراته، غير ان
شعبة
الاستبداد الديني الخبيثة رات من الواجب عليها،
باسمالدين،
الاحتفاظ بشجرة الاستبداد الخبيثة، مخالفين بذلك
قوله
تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق
وانتمتعلمون)
[البقرة: 42]. وصاروا من الذين نبذوا كلام اللّه وراء
ظهورهم
. ((320))
واضاف: ان سعادة الامة تتوقف على هذين الاصلين:
الحرية
والمساواة، لهذا قاومتهما شعبة الاستبداد الديني
بقوة. ولو افترضنا ان الشعب اعمى واصم وجاهل بمقتضيات
الدين
وضرورات المذهب، وغافل عن المطالبة بحقوقهوتحرره
من
الرقية الملعونة ومساواته مع الغاصبين، وذاهل عن
معنى
حياته، قانع بان يكون مسخرا لرفاهية الطفيليين
منالمعممين
والمتطربشين، ومهما بلغ به الجهل عن ادراك علاقة
ذلك
بالاستبداد والشوروية، لكنه يفهم جيدا ان
هدفالمسيرة
البطولية للعقلاء والعلماء الغيورين على الوطن هو
استنقاذ
الحرية والمساواة ((321)). ان رواية الاحتجاج المتقدمة تصف علماء السوء ولصوص
الدين
ومضلي ضعفاء المسلمين من شعبة الاستبداد
الدينيبانهم
«اضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين»
. ((322))
ثم تصدى الشيخ النائيني لبيان اقسام المساواة،
لكنه اقدم على
استدعاء امثلة تاريخية بدلا من تعريفها لفظيا
لتكون اكثردلالة
على المعنى المطلوب، لان تلك الامثلة تمتلك زخما
كبيرا
من الشرعية الدينية. اما الاقسام فهي:
ا المساواة في الحقوق
نستفيد ذلك من قصة زينب بنت الرسول حينما ارسلت
حليها
وزينتها التي ورثتها من امها خديجة (س) لتفك بها
اسرزوجها
ابن العاص من يد المسلمين، حتى بكى النبي (ص)، عندما
راى حلي خديجة، فعمد المسلمون الى اسقاطحقوقهم،
فانظر
كما يقول الشيخ دقة النبي (ص) في هذا الامر. ب المساواة في الاحكام
وتتضح من مساواة النبي (ص) بين عمه العباس وابن عمه
عقيل من جهة، وبين اسرى قريش من جهة اخرى حتى فيشد
الوثاق، رغم كونهما مجبورين على الخروج للحرب. ج المساواة في القصاص والعقوبات
وذلك عندما كشف الرسول (ص) عن كتفه ليقتص منه سوادة
(احد الصحابة)، والرسول (ص) في آخر حياته، وقداشتد به
المرض، طلب، وهو في تلك الحالة، احضار سوطه وعصاه
ليقتص منه سوادة الذي ادعى ان الرسول (ص) ارادان
يضرب
ناقته في احدى اسفاره فوقعت العصا على كتف سوادة،
غير ان
الاخير اكتفى بتقبيل كتف الرسول (ص)وانصرف. كما صرح الرسول (ص) امام الاشهاد من اجل ارساء هذا
المبدا
العظيم: «لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمديدها».
وقد رفض الامام علي (ع) اقتراحا بتفضيل بعض الصحابة
على
بعضهم اقتداء بمن سبقه من الخلفاء، فجر عليه
تطبيقهذا
المبدا فتنا طاحنة. كما ان قصة الحديدة المحماة
التي كوى بها
يد اخيه عقيل، لانه طلب صاعا من الطعام فوقعطائه،
معروفة. ثم ان عتابه لولده الحسين (ع) عندما طلب منه مدا من
العسل
ليطعم به ضيوفه، وموقفه من ابنته لما ارادت ان
تستعيرعقد
لؤلؤ كان في بيت المال، عارية مضمونة مردودة بعد
ثلاثة ايام،
هي الاخرى امثلة حية من سيرة الامام علي(ع)((323)) في
تطبيق مبدا المساواة الذي حاد عنه المسلمون
واجمعوا
جهدهم لتطبيق مبادى اخرى ولدت لنا مجتمعاطبقيا لا
ينتمي الى سيرة الرسول (ص) وسيرة الامام علي (ع)، حتى
اصبحت احدى وظائف المصلحين في العصرالحديث هي
اعادة
قراءة المفاهيم السائدة قراءة جديدة تعود بها الى
اصولها
الاسلامية، وتسعى الى تقريب الفوارقالناشئة عن
المفاهيم
الحالية. واعتبر الشيخ النائيني ان جزءا من مهمة
الثوار هو
العودة الى عصر الاسلام لكي يعيشالمجتمع شيئا من
حياة
سيرة الرسول (ص)، تلك الحياة القرآنية التي اكتشف
فيها
الانسان نفسه واكد خلالها ذاتهوشخصيته، فشعر
بانسانيته بعد
ان كان مضطهدا في ظل المفاهيم الجاهلية التي سادت
الشعوب قبل الاسلام، ثمعادت ثانية بعد عهد الرسول
(ص)
والخلفاء. 3 الشورى
عد الشيخ النائيني الشورى احد اهم مبادى الحكم في
الاسلام،
واحدى الوسائل الفاعلة في مكافحة الاستبداد ورد
كيدالمستبدين. وحقيقة الحكومة الدستورية هي
الحكومة التي
تعتمد الشورى في صياغة قوانينها من غير الاحكام
الشرعيةوتطبيق مبدا الشورى في الحكم، وتسد جميع
المنافذ
التي تسرب النزعة الاستبدادية. وتاتي ضرورة الشورى، في الوقت الحاضر، من خلو
المجتمع
من الحاكم المعصوم او الانسان الكامل، فلا موجب
لاننتنازل
عن مبدا الشورى في الحكم ((324)) وان كان الانسان الكامل،
وهو شخص الرسول (ص)، هو الاخر قد نوشدبالشورى. هذا
اولا. وثانيا: ان السلطة في الاسلام تعتمد مساهمة جميع
افراد
الشعب في الحكم، (وهذا اصل مسلم كما نوهنا بذلك)،
لذافالدولة الاسلامية تكرس مبدا الشورى والتشاور
مع عقلاء
الامة وخبرائها. ثم ان الشورى منطلق اسلامي، نادى بها القرآن الكريم
في
آيتين من آياته، اضافة الى الايات التي ذكرت تشاور
الملوكمع
مستشاريهم، من دون ان يذم القرآن تلك الممارسات
الحضارية. ورفض الشيخ النائيني ان تكون الشورى
مختصةببطانة الحاكم، بل تعني الشورى قرآنيا
مشاورة الامة،
قال تعالى: (وشاورهم في الامر) [آل عمران: 159] فالاية
تدلدلالة واضحة على المعنى، وهي «تخاطب الرسول
(ص)،
العقل الكل ومعدن الصحة، وتامره بالتشاور» ((325)). ورغم ان الضمير يعود الى جميع افراد الامة من
المهاجرين
والانصار، لافادته العموم، غير ان قرينة الحكم
تقضياختصاص
الاية بالعقلاء واصحاب الحل والعقد ((326)). كما ان المراد من الاية خصوص الشؤون السياسية دون
الاحكام
الالهية، لانها خارج دائرة التشاور ((327))
فمقتضى
الايةالمباركة ان يطرح الحاكم الاسلامي الشؤون
السياسية
والشؤون العامة للبلاد على بساط البحث والتشاور
قبل اتخاذ
ايقرار بشانها. ثم ان مفاد الاية الاخرى (وامرهم شورى بينهم)
[الشورى: 38]
يؤكد ما تقدم من اهمية الشورى ومواردها. ((328))
ولم يترك الاسلام الشورى مبدا نظريا تحاصره كثرة
التاويلات
واختلاف الرؤى، بل اكده بسيرة الرسول (ص) التي
تشيباهمية
المبدا وضرورته، فلم يستثن منها حتى هو (ص)، لذا كان
يردد
كثيرا: «اشيروا علياصحابي» ((329)). ففي معركة احد كان الرسول (ص) يرى البقاء في
المدينة، غير
ان راي الاكثرية كان مع الخروج، فخرج الرسول
(ص)نزولا
على ذلك، ونتائج المعركة اكدت صحة قول الرسول (ص)
. ((330))
وقد حافظ الخلفاء، بعد الرسول (ص)، على مبدا
التشاور، وكانوا
لا يتخذون امرا الا بالتشاور في ما بينهم، لذلك
حققواانتصارات
باهرة ((331)).
وفي معركة صفين عد د الامام (ع) حقوق الوالي على
الرعية
وحقوق الرعية على الوالي، فقال: «فلا تكلموني بما
تكلم
بهالجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عنه
اهل البادرة،
ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في
حققيللي،
ولا التماس اعظام لنفس، فانه من استثقل الحق ان
يقال له او
العدل ان يعرض عليه، كان العمل بهما عليه اثقل،
فلاتكفوا عن
مقالة بحق او مشورة بعدل». ويضيف النائيني: ان مبدا الشورى مبدا اسلامي، «وهذه
بضاعتنا
ردت الينا»، بعد ان استفاد الاخرون منها فنالوا
درجاتعالية
من الرقي، فعلينا ان نراجع هذه السيرة الحسنة بعد
ان نتجاوز
عوائقنا النفسية لنكتشف اهداف القرآن
وسيرةالرسول (ص)
من وراء ارساء مبدا الشورى، ولنراجع انفسنا، ونسال:
«هل
اهتمام الرسول (ص) بالشورى، لكي لا يقع فيالخطا،
وهو على
ما هو عليه من الدرجة الرفيعة والعصمة، ام اراد ان
يضع حدا
للتجاوزات العمدية ويقيمالسعادة»((332)). وياسف الشيخ النائيني ل«ان عبدة الظلمة ورافعي
لواء
الاستبداد الديني بمناى عن الكتاب والسنة واحكام
الشريعةوسيرة الرسول والائمة، فبدلا من ان تكون
الشورى
شعارنا الذي يجب ان نرفعه... اعتبرناها مخالفة
للاسلام، وكاننا
لمنقرا تلك الاية الواضحة الدلالة.. او لانها
تخالف اهواءنا
وتصطدم مع نزعتنا الاستبدادية والاستعبادية
تركناها
وراءظهورنا ((333)). النائيني والمستبد العادل
يلتقي الشيخ محمد حسين النائيني بالسيد جمال
الدين،
المعروف بالافغاني، في التنظير لمفهوم المستبد
العادل،فالشيخ النائيني لم يدع الى انتخابات عامة
يتم من
خلالها انتخاب رئيس الدولة، وانما دعا الى انتخاب
مجلس
برلمانيينهض بمهمة صياغة دستور يحد من سلطة
المستبد،
ويخلق منه مستبدا عادلا يعمل بمبادى الحكم الثلاثة:
«الحرية،المساواة، الشورى». وهكذا فعل السيد جمال الدين من قبل، فهو يقول، في
«العروة
الوثقى»، يرد على القائلين ان طريق الشرق الى
القوة هونشر
المعارف بين جميع الافراد، وانه «متى عمت المعارف
كملت
الاخلاق واتحدت الكلمة، واجتمعت القوة»، ويردردا
على هؤلاء
جاء فيه: «وما ابعد ما يظنون، فان هذا العمل العظيم،
انما يقوم
به سلطان قوي قاهر يحمل الامة على ماتكره ازمانا،
حتى تذوق
لذته وتجني ثماره..»، وكذلك يقول في كتاب
«الخاطرات»: «لا
تحيا مصر، ولا يحيا الشرق بدوله،واماراته، الا اذا
اتاح اللّه لكل
منهم، رجلا قويا عادلا يحكمه باهله على غير التفرد
بالقوة
والسلطان»((334)). بينما تجد الامام الخميني قد سد جميع منافذ الاستبداد، وعمل بمبدا الانتخاب لعضوية المجلس النيابي ورئاسةالجمهورية ومجلس خبراء القيادة المكلف بتشخيص الولي الفقيه المناسب للحكم ((335)). فلم يعتمد مبدا المستبدالعادل في الحكم، اضافة الى تاكيد الدستور على مبادى الحكم الاخرى. «منتدى المنهاج» الاعلام واثره في الهوية
الثقافية ونظام القيم قدم للندوة وادارها الاستاذ محمد حسين، رئيس تحرير
مجلة
البلاد، وشارك فيها سماحة العلامة الشيخ علي
خازم،والاستاذ
محمود حيدر، الباحث والصحفي، والدكتور طلال عتريسي
الاستاذ في الجامعة اللبنانية. وقد تم اختيار «الاعلام...» موضوعا لهذه الندوة ادراكا من هيئة تحرير المجلة لاهمية هذا الموضوع. فقد شهدت نهاياتالقرن العشرين تحولات كبرى في انظمة القيم. وكانت «ثورة الاتصالات» في مقدمة هذه التحولات. وهناك من راى انهاالسبب الرئيسي والحاسم في احداث التبدلات الهائلة في ميزان القوى الدولي وانهيار معادلة الحرب الباردةوتوازناتها.
|
|---|