«اول المنهاج‏»

سوق عكاظ الاديان في «كيپ تاون‏» انطباعات وملاحظات حول مؤتمر «برلمان اديان العالم‏» لعام 1999م. في جنوب‏افريقيا

 
رئيس التحرير

 
قبيل بداية العام الميلادي الالفين، وفي اوائل الشهر الاخير من عام 1999م.، انعقد في مدينة «كيپ تاون‏» في جنوب‏افريقيا المؤتمر الثالث ل‏«برلمان اديان العالم‏»، وذلك بعد قرن ونيف من انعقاد المؤتمر الاول له في شيكاغو عام‏1883م. واما المرة الثانية التي انعقد فيها، فكانت عام 1993م، قبل ست سنوات من مؤتمره الثالث هذا، وكانت باقتراح‏من رئيس المجلس المسيحي اليهودي العالمي في امريكا.

والاهداف العامة المعلنة لهذا المؤتمر هي: ترسيخ القيم الروحية في مقابل الطغيان المادي للحضارة المعاصرة، وتنمية‏روح التفاهم والصداقة بين اتباع الديانات المختلفة، وارساء دعائم العدالة والسلام في ارجاء العالم كافة.

شهد هذا المؤتمر حوالى سبعة آلاف مشارك ومراقب توافدوا اليه، على نفقتهم الخاصة، من جميع قارات الارض ومن‏معظم بلدانها، وكانوا يمثلون جميع الديانات التي يتدين بها الناس في عالمنا المعاصر او معظمها، السماوية منها وغيرالسماوية، فكان منهم المسيحيون، واليهود، والمسلمون، والزرادشتيون، والهندوس، والسيخ، والبوذيون، واليانيون،والبهائيون، والامريكان الاصليون، واتباع الديانة الافريقية التقليدية، واتباع بعض الديانات الوضعية المخترعة حديثاكالديانة التي اسسها الامريكي المعاصر «رون هبرد» والمعروفة باسم (كنيسة الساينتولوجي Church of Scientology) كاتب هذه السطور وقائعه في جملة من حضرها من المسلمين، وتابع العديد من برامجه وانشطته المتنوعة. ويهمني، في هذه العجالة، ان اصف للقارى الكريم الانطباع العام الذي تكون لدي عن هذا المؤتمر، سواء من حيث‏المشاركين فيه وما يمثلونه من تنوع ديني وثقافي وحضاري، ام من حيث وقائعه وبرامجه التي دارت فيه على مدى‏ثمانية ايام كاملة.


كما يهمني، بدرجة اكبر، ان اسجل بعض الملاحظات حول مستوى الحضور الاسلامي في هذا المؤتمر ودرجة فاعليته‏واسهامه فيه ومقدار افادته من الفرصة التاريخية النادرة المتاحة له فيه.

اما من حيث المشاركين، في هذا المؤتمر، فكانوا حشدا كبيرا من البشر مختلفين في كل شي‏ء تقريبا: في اعراقهم‏والوانهم وسحنات وجوههم، وفي لغاتهم والسنتهم، وفي ازيائهم، وفي بلدانهم ومواطن عيشهم، وفي ثقافاتهم وطرائق‏حياتهم، هذا كله فضلا عن اختلافهم في اديانهم ومعتقداتهم.

كان مشهدهم مجتمعين في الجلسات العامة وحلقات البحث وقاعات المحاضرات، او منتشرين في الاروقة ومعارض‏المطبوعات والفنون التشكيلية، او جالسين في اماكن الاستراحة وتناول الطعام...، كان ذلك المشهد «پانوراما» بشرية‏زاخرة بجميع عناصر التنوع والاختلاف البشري، وكان كثيرا ما يستدعي الى ذاكرتي قوله تعالى في سورة الحجرات من‏القرآن الكريم: (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم)،وقوله تعالى في سورة الروم: (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لايات‏للعالمين)، وقوله تعالى في سورة هود: (ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين) .

ومع كل هذا التنوع والاختلاف الذي كان يوحي به مشهد حشد المؤتمر الفريد من نوعه هذا، فقد شعرت، في لحظات‏كثيرة، برابطة قوية كانت تجمع بينهم، وهي انسانيتهم وما فطرت عليه هذه الانسانية من قيم مشتركة ونزوع واحد مطلق‏الى الخير ومعرفة الحق.

واحسب اني لم اكن الوحيد، من بين الموجودين في هذا الحشد، الذي انتابه مثل هذا الشعور، ولعل ذلك من اهم فوائدهذا المؤتمر واعظم حسناته.

اما من حيث برامج المؤتمر التي تتابعت على مدى ثمانية ايام، فقد كانت من الكثرة والتنوع بحيث لا يسع المشاركين‏متابعتها جميعا، وعلى سبيل المثال كانت تلقى يوميا عشرات المحاضرات في جامعة كيپ تاون التي كانت من بين عدة‏مراكز رئيسة جرت فيها وقائع المؤتمر، فلم يكن بوسع المرء الا ان يحضر بضع محاضرات منها في كل يوم، يختارها في‏ضوء الدليل المتقن الذي اعدته لهذه الغاية الامانة العامة للمؤتمر وضمنته جميع المعلومات المتعلقة ببرامج المؤتمر،ومنها المحاضرات، سواء من حيث اصحابها، او موضوعاتها، او مواعيدها او الاماكن التي تلقى فيها.

وقد تحدث المحاضرون، في محاضراتهم، كل واحد منهم عن ديانته وعن مواقفها من قضايا الانسان والحياة ومشكلاتها الراهنة، وبخاصة مشكلة الخواء الروحي والتازم النفسي اللذين تعاني منهما المجتمعات الحديثة، ومشكلة انتهاك‏حقوق الانسان في معظم دول العالم، ومشكلة الفقر والتخلف في العالم الثالث، وخطر انتشار الاسلحة النووية، وويلات‏الحروب والصراعات الدموية الدائرة في مناطق كثيرة من العالم، وغير ذلك من القضايا المهمة التي تمحور حولهامجمل الخطاب الديني في برامج المؤتمر.

وكانت تعقب هذه المحاضرات مناقشات وحوارات مفيدة، الامر الذي اتاح للمحاضرين والمستمعين معا فرصا متكافئة‏للتاثير والتاثر والتعليم والتعلم في جو من الحرية والموضوعية والصداقة.

والى جانب برنامج المحاضرات كانت هناك حلقات البحث التي كانت تلتئم فيها مجموعات صغيرة، من اعضاءالمؤتمر من ديانات مختلفة، لمناقشة موقف الدين من قضايا الانسان ومشكلات حياته العامة، وما بوسع كل واحد منهم‏ان يقوم به في بلده لحل المشكلة التي طرحها للبحث مع زملائه.

كما كانت هناك معارض للكتب وسائر انواع المطبوعات الدينية، ومعارض للفنون التشكيلية المستلهمة من تراث‏الديانات المختلفة، وعروض فنية دينية حية واخرى مسجلة في افلام، وغير ذلك مما يعكس معتقدات اتباع الديانات‏المختلفة وثقافاتها.

هذا كله الى جانب الجلسات العامة الاحتفالية التي حضر احداها وتحدث فيها الرئيس السابق (نيلسون مانديلا)،وتحدث في واحدة اخرى زعيم التبت (الدلاي لاما)، وكذلك الى جانب اللقاءات الخاصة التي كانت تجري بين اعضاءالمؤتمر في مركز انعقاده الرئيسي في ((Good Hope Center) اقامتهم في الفنادق القريبة من هذا المركز.

ومن ملاحظة مجمل هذه البرامج، يمكن للقارى ان يدرك اهمية الفرصة التي اتاحتها للمشاركين في هذا المؤتمرللتعارف والحوار والانفتاح على نخب تمثل الاخر الديني (وهو يستبطن الثقافي والحضاري) او اعمه الاغلب في الاقل،وهي فرصة تاريخية نادرة يصعب تكرارها ولا يسهل ان يجود الدهر بمثلها.

يبقى بعد ذلك ان اصارح القارى ببعض ما لاحظته حول الحضور الاسلامي في هذا المؤتمر بصفة خاصة، وما شاب هذاالحضور حسبما اعتقد من قصور او تقصير، وما حف به من اشكالات سوف اوجزها في ملاحظات ثلاث:

الملاحظة الاولى عدم ايفاد المرجعيات الاسلامية العامة من يمثلها في هذا المؤتمر، وندرة مشاركة العلماء المرموقين‏والمفكرين الاسلاميين الكبار فيه من الذين يعيشون في اوطانهم العربية والاسلامية. والسبب في ذلك يعود في‏تقديري الى مجموع امرين او الى واحد منهما، في الاقل:

الاول: عدم وجود اطلالة كافية لمعظم من ذكرت على الاوضاع الدينية خارج عالمهم الاسلامي، واستغراقهم في‏شؤونهم الاسلامية المحلية، ولهذا كنا نلاحظ ان معظم المشاركين في هذا المؤتمر من المسلمين ممن لديهم هذه‏الاطلالة لكونهم يعيشون خارج العالم الاسلامي، وكان فيهم علماء دين افاضل يعملون في مجال الدعوة والتبليغ،وممثلون لجمعيات دينية ومراكز اسلامية ثقافية واجتماعية واساتذة جامعيون وحركيون اسلاميون منفيون من‏اوطانهم.

الثاني: الارتياب في اهداف الجهة او الجهات المؤسسة لفكرة هذا المؤتمر والممهدة لعقده والمشرفة على تنظيمه،والظن بوجود نوايا لها مبيتة او «اجندة‏» خفية تريد تحقيقها من خلاله! وقد عبرت عن ذلك بقوة بعض الجماعات الاسلامية الناشطة في منشوراتها التي وزعتها اثناء انعقاد المؤتمر، وفي‏التظاهرة اليومية التي كانت تقيمها امام مركز انعقاده الرئيسي للتنديد به والاحتجاج على عقده ومشاركة المسلمين‏فيه.

واعتقد ان المعيار الذي قوم به هؤلاء مسالة الحضور الاسلامي في هذا المؤتمر والزاوية التي نظروا اليه منها لم يكن هوالمعيار الموضوعي الصحيح ولا الزاوية الصحيحة، لان القضية ليست وجود اغراض سيئة او حسنة للجهة المنظمة‏للمؤتمر والمؤسسة لفكرته، وانما هي ما يمكن ان يترتب على الحظور فيه او على مقاطعته من فوائد ونتائج.

وفي رايي، ان الميزان كان يميل لصالح الحضور وليس لصالح الغياب او المقاطعة، لما يتيحه هذا الحضور من فرصة‏ثمينة للتعريف بالاسلام وايضاح مواقفه من القضايا المطروحة للبحث والنقاش في هذا الاجتماع الديني العالمي‏الحاشد الذي حضره آلاف المتخصصين والمعنيين بقضايا الدين من معتنقي الديانات المختلفة، ولما يتيحه هذاالحضور ايضا من فرصة نادرة للتعرف والاطلاع على مجمل تيارات الفكر الديني 0 المؤثرة في حياة البشر على نطاق‏العالم كله.

ثم ان المقاطعة الاسلامية، لو حدثت، لا تمنع من التئام شمل المؤتمر ولا تعرقل برامجه، وبذلك لا يترتب عليها شي‏ءسوى حرمان المسلمين من الفرصة الثمينة النادرة التي سبق ذكرها، وافساح المجال واسعا للذين يريدون الاساءة الى‏الاسلام وتشويه صورته، ولعل اقل ما سوف يفعله هؤلاء هو الزعم بان المسلمين قوم متعصبون لا يطيقون الحوار مع‏غيرهم ويخافون على عقيدتهم منه.

وهذا هو ما اجمع عليه جميع المسلمين الذي حضروا هذا المؤتمر، واتفقت عليه كلمتهم حينما اجتمعوا مع ثلة من‏اخوانهم من علماء جنوب افريقيا المسلمين في مجلس القضاء الاسلامي في كيپ تاون من اجل التعارف في ما بينهم،ومن اجل تقويم نتائج الحضور الاسلامي في هذا المؤتمر.

الملاحظة الثانية: وهي متفرعة عن الملاحظة الاولى وناتجة منها، ومفادها ان الحضور الاسلامي لم ياخذ عدته الكافية‏للمشاركة في المؤتمر، ولهذا لم تكن فاعليته فيه، بصفة عامة، بالمستوى المطلوب، كما ان اسهامه في برامجه لم يكن‏بدرجات متقاربة، ففيما عدا برنامج المحاضرات التي كان للمسلمين نصيب لا باس به منها، كان الاسهام الاسلامي في‏بقية البرامج محدودا جدا بل كاد يكون في بعضها معدوما.

وعلى سبيل المثال، لم تكن للمسلمين من بين عشرات‏الاجنحة في معرض الكتب والمطبوعات سوى بضعة اجنحة صغيرة لا تزيد على عدد اصابع اليد الواحدة، كما اني لم‏ار في معرض الفنون التشكيلية، من بين عشرات اللوحات والمنحوتات الفنية، غير لوحتين اسلاميتين تتضمن احداهمااسماء اللّه الحسنى والاخرى احدى آيات القرآن الكريم.

اما العروض والفعاليات الفنية الحية، او المسجلة في شرائط الفيديو، فكادت تغيب تماما عن مسارح العرض المعدة لهااللهم الا بعض العروض والاذكار الصوفية.

الملاحظة الثالثة: وهي ملاحظة ايجابية اريد ان انصف بها من شارك في هذا المؤتمر من المسلمين الذين دفعهم‏شعورهم بالمسؤولية تجاه دينهم وايمانهم القوي برسالته العالمية الى المشاركة فيه وتحمل نفقاته الباهظة، وحاصل‏هذه الملاحظة:

ان هؤلاء قد حاولوا جهدهم لسد الخلل الملحوظ في الحضور الاسلامي، وقد احسنوا المشاركة آبالخصوص في برنامج المحاضرات، وكان خطابهم فيها خطابا عصريا مناسبا لطبيعة المؤتمر ونوعية الحاضرين فيه،سواء من حيث ما طرحوه فيها من موضوعات وقضايا انسانية حية يتحسس الانسان المعاصر اينما كان اهميتهاوخطورتها، (كقضايا حقوق الانسان، والسلام العالمي، والنظام العالمي الجديد، وتحديات الالفية الجديدة، وما الى‏ذلك) ام من حيث منهجهم وطريقتهم الموضوعية في الحديث واتساع صدورهم للمناقشات والمداخلات التي كانت‏تصدر من المستمعين اليهم من غير المسلمين.

كما احسنوا ايضا الافادة من فرص اللقاءات الخاصة التي اتيحت لهم وجمعتهم بغيرهم من اتباع الديانات الاخرى،فعكسوا لهم عن الاسلام والمسلمين صورة طيبة في الانفتاح والتسامح ومحبة الانسان واحترامه، وابتغاء الخير والسلام‏والهداية له من اي لون واي دين كان. كما عكسوا ايضا صورة مشرفة عن التزامهم بشعائر دينهم وطاعتهم لخالقهم جل‏وعلا حينما طلبوا من هيئة رئاسة المؤتمر ايقاف برنامج الجلسة العامة الكبرى التي حضرها رئيس جنوب افريقيا السابق(مانديلا) لعدة دقائق حتى يتمكنوا من اداء الصلاة التي حان وقتها اثناء انعقاد الجلسة، وقد استجابت هيئة الرئاسة‏لطلبهم فاوقفت الجلسة وادى المسلمون صلاة المغرب جماعة في مقدمة القاعة وسط سكون مطبق لف الحاضرين‏فيها جميعا.

هذا هو مجمل الانطباع الذي ارتسم في خاطري عن هذا المؤتمر، وخلاصة الوصف الذي يعبر عن طبيعته وعن‏الحاضرين فيه والوقائع التي اشتملت عليها برامجه وما لاحظته على الحضور الاسلامي فيه. واذا جاز لي ان استدعي‏من الذاكرة التراثية العربية حدثا مشابها لهذا المؤتمر فلن اجد افضل من «سوق عكاظ‏» الذي كانت تجتمع فيه القبائل‏العربية ليتبارى شعراؤها في ذكر امجادها ومفاخرها.

ويبقى، بعد ذلك، ما بين «سوق عكاظ‏» و«پرلمان اديان العالم في كيپ تاون‏» بون بعيد، بعد ما بينهما من زمان‏ومكان.

خالد العطية

«دراسات‏»

حكم الصاق العضو المقطوع في القصاص

 
آية اللّه السيد محمود الهاشمي

 
اختلفت كلمات الاصحاب في هذا الفرع، وقد طبق في من قطع بعض اذن آخر فاقتص له منه ثم الصقه احدهما، فهل‏للاخر قطعه ام لا؟ لورود رواية فيه، وقد اختلف في تفسيرها من حيث ورودها في المجني عليه اذا اوصله بعدالاقتصاص او الجاني.

استعراض كلمات الفقهاء قال في المقنعة: «ولو ان رجلا قطع شحمة اذن رجل، ثم طلب القصاص، فاقتص له منه، فعالج اذنه حتى التصق المقطوع‏بما انفصل منه، كان للمقتص منه ان يقطع ما اتصل به من شحمة اذنه حتى يعود الى الحال التي استحق بهاالقصاص.

وكذلك القول في ما سوى شحمة الاذن من العظام والجوارح كلها اذا وقع فيها القصاص، ويعالج صاحبها حتى تعود الى‏الصلاح، وينبغي ان ينتظر الحاكم بالمجروح والمكسور حتى يعالج ويستبرى حاله باهل الصناعة، فان صلح بالعلاج لم‏يقتص له، لكنه يحكم على الجاني بالارش في ما جناه، فان لم يصلح بعلاج حكم له بالقصاص‏» ((1)).

وصريح العبارة ما اذا اوصله المجني عليه بعد الاقتصاص فيكون للجاني حق قطعه ثانية، كما انها عممت الحكم لغيرالاذن من قطع سائر الاعضاء.

وفي الكافي: «ولا يجوز القصاص بجرح ولا قطع ولا كسر ولا خلع حتى يحصل الياس من صلاحه، فان اقتص بجرح‏فبرى المجروح والمقتص منه او لم يبرا فلا شي‏ء لاحدهما على صاحبه، وان يبرا احدهما والتام جرحه اعيد القصاص‏من الاخر ان كان القصاص باذنه، وان كان بغير اذنه رجع المقتص منه على المعتدي دون المجني عليه‏» ((2)).

وظاهره التعميم للمجني عليه والجاني بلا فرق، الا انه عبر بالجرح، ولعل المقصود منه قطع العضو او جزء منه لا مطلق‏الجرح الذي فيه قصاص، وسياتي التعرض لهذه النقطة.

وفي النهاية: «ومن قطع شحمة اذن انسان، فطلب منه القصاص، فاقتص له منه فعالج اذنه حتى التصق المقطوع بماانفصل عنه، كان للمقتص منه ان يقطع ما اتصل به من شحمة اذنه حتى يعود الى الحال التي استحق لها القصاص.وكذلك القول في ما سوى ذلك من الجوارح والاعضاء» ((3)) وهي كعبارة المقنعة.

وفي الخلاف: «مسالة 72: اذا قطع اذن غيره قطعت اذنه، فان اخذ الجاني اذنه فالصقها فالتصقت، كان للمجني عليه ان‏يطالب بقطعها وابانتها. وقال الشافعي: ليس له ذلك، ولكن واجب على الحاكم ان يجبره على قطعها لانه حامل نجاسة،لانها بالبينونة صارت ميتة فلا تصح صلاته ما دامت هي معه.

دليلنا: اجماع الفرقة واخبارهم‏» ((4)) وهو في ما اذا الصق الجاني ما قطع منه قصاصا، فيكون للمجني عليه حق قطعه، ولم يتعرض للعكس.

وفي المبسوط: «اذا قطع اذن رجل فابانها، ثم الصقها المجني عليه في الحال فالتصقت، كان على الجاني القصاص، لان‏القصاص عليه بالابانة وقد ابانها. فان قال الجاني: ازيلوا اذنه ثم اقتصوا مني، قال قوم: تزال لانه الصق بنفسه ميتة فازالتهاالى الحاكم والامام، فاذا ثبت هذا وقطع بها اذن الجاني ثم الصقها الجاني فالتصقت فقد وقع القصاص موقعه، لان‏القصاص بالابانة وقد ابينت، فان قال المجني عليه: قد التصق اذنه بعد ان ابنتها ازيلوها عنه، روى اصحابنا انها تزال ولم‏يعللوا، وقال من تقدم: انها تزال لما تقدم، لانه من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يستقيم ايضا على‏مذهبنا.

فاما الصلاة في هذه الاذن الملتصقة فلا تصح عندهم، لانه حامل نجاسة في غير موضعها لغير ضرورة فلم تصح بهاالصلاة، وهكذا يقتضيه مذهبنا. وهكذا قالوا اذا جبر عظمه بعظم ميتة، فان لم يخف عليه التلف ازيل عنه، فان لم يفعل‏لم تصح صلاته، وان خاف التلف اقر عليه، لان النجاسة تزول حكمها. وعندنا:

الصلاة تصح في هذه، لان العظم لاينجس عندنا بالموت الا اذا كان عظم ما هو نجس العين من الكلب والخنزير» ((5)) وقد تعرض فيه لكلا الفرضين.

وفي جواهر الفقه: «مسالة: اذا قطع رجل اذن آخر، فاخذها المجني عليه والصقها فالتصقت بمكانها في الحال، هل له‏قصاص مع ذلك ام لا؟ الجواب: له القصاص، لان القصاص وجب بالابانة، والابانة قد حصلت، وليس لالصاقها تاثير في اسقاطه، لانها ميتة قدالصقها بنفسه، وذلك مما يلزم ازالته عن نفسه، وقد ذكرنا ذلك في ما يتعلق بالصلاة من المسائل.

مسالة: المسالة وقال الجاني: ان اريد القصاص مني فازيلوا القطعة التي الصقها، هل له ذلك ام لا؟ وهل يمنع من‏القصاص حتى يزال ذلك ام لا؟ الجواب: قد بينا ان هذه القطعة يجب ازالتها قسرا، اراد ذلك الجاني ام لم يرده، واما المنع بذلك من القصاص فلا يصح،لانا قد بينا ان القصاص وجب بالابانة، والابانة قد حصلت‏» ((6)) وقد تعرض فيه الى عدم سقوط حق القصاص بايصال المجني عليه، وان ازالته بعد الايصال لازم على كل حال لانه‏ميتة.

وفي المهذب: «واذا قطع اذن رجل فابانها، ثم الصقها المجني عليه في الحال فالتصقت، كان على الجاني القصاص، لان‏القصاص يجب بالابانة، فان قال الجاني: ازيلوا اذنه واقتصوا مني، كان له ذلك لانه الصق بها ميتة، فان كان ذلك ثم‏الصقها الجاني فالتصقت وقع القصاص موقعه، فان قال المجني عليه:

قد التصقت اذنه بعد ابانتها ازيلوها عنه، وجب‏ازالتها. واذا صلى الذي الصق المقطوع باذنه فالتصق لم تصح صلاته، لانه حامل النجاسة في غير موضعها لغير ضرورة،فاذا اجبر عظمه بعظم ميتة فلا تمنع صحة الصلاة عندنا معه، لان العظم ليس نجسا، لانه لا تحله الحياة، والميتة انماتكون ميتة بان تفنى عنها الحياة التي تكون حياته فيها، والعظم لا تحله الحياة كما قدمناه‏» ((7)).

وقد تعرض فيه للفرضين معا مع حق الازالة لكل منهما معللا ذلك بكونه ميتة.

وفي الغنية: «ومتى اقتص بجرح او كسر او خلع قبل الياس من صلاحه فبرى احدهما ولم يبرا الاخر اعيد القصاص عليه‏ان كان باذنه، وان كان بغير اذنه رجع المقتص منه على المعتدي دون المجني عليه‏» ((8)).

ومثله في اصباح الشيعة ((9))، وظاهره كعبارة الكافي التعميم للفرضين.

وفي السرائر: «ومن قطع شحمة اذن انسان فطلب منه القصاص فاقتص له منه فعالج الجاني اذنه حتى التصق المقطوع بماانفصل عنه كان للمقتص منه ان يقطع ما اتصل من شحمة اذنه حتى تعود الى الحال التي استحق لها القصاص، وهكذاحكم المجني عليه، سواء كان ظالما او مظلوما، جانيا او مجنيا عليه، لانه حامل نجاسة، وليس انكاره ومطالبته بالقطع‏مخصوصا باحدهما بل جميع الناس. وكذلك القول في ما سوى ذلك من الجوارح اذا لم يخف على الانسان منها تلف‏النفس او المشقة العظيمة، ووجب على السلطان ذلك لكونه حاملا للنجاسة، فلا تصح منه الصلاة حينئذ» ((10)).

وهوايضا يعم الفرضين، لكن مع التعليل بكونه ميتة.

وفي الشرائع: «ولو قطعت اذن انسان، فاقتص، ثم الصقها المجني عليه، كان للجاني ازالتها، لتحقق المماثلة، وقيل:

لانهاميتة. وكذا الحكم لو قطع بعضها» ((11)).

وفي المختصر النافع: «ولو قطع شحمة اذن فاقتص منه، فالصقها المجني عليه، كان للجاني ازالتها ليتساويا في الشين‏»((12)).

وهما مخصوصان بما اذا الصق المجني عليه اذنه بعد القصاص وان للجاني حق ازالته.

وفي القواعد: «ولو ابان الاذن فالصقها المجني عليه والتصقت بالدم الحار وجب القصاص، والامر في ازالتها الى الحاكم،فان امن هلاكه وجب ازالتها والا فلا. وكذا لو الصق الجاني اذنه بعد القصاص لم يكن للمجني عليه الاعتراض. ولو قطع‏بعض الاذن ولم يبنه فان امكنت المماثلة في القصاص وجب والا فلا، ولو الصقها المجني عليه لم يؤمر بازالته وله‏القصاص، فلو جاء آخر فقطعها بعد الالتحام فالاقرب القصاص كما لو شج آخر موضع الشجة بعد الاندمال‏» ((13)).

وقد تعرض فيه الى عدم سقوط حق الاقتصاص بالالصاق، واما القطع بعده فهو للحاكم.

وفي الارشاد: «ولو عادت سن الجاني فليس للمقتص ازالتها، بخلاف الاذن‏» ((14)).

وظاهره ان للمجني عليه حق الازالة ثانيا لو اوصلها الجاني، كما انه صريح في عدم الحق في ما اذا عاد سن الجاني بعدالقصاص، ولعله لكونه سنا اخرى بخلاف ايصال الاذن.

وفي المختلف: «قال ابن الجنيد: لو قطع رجل اذن رجل فاقيد، فاخذ المستقاد منه اذنه فالصقها فالتصقت، كان للمجني‏عليه ان يقطعها ثانيا، فان كان الاول اعاد اذنه فالتصقت ثم طلب القود لم يكن له اولا ولا ثانيا.

والوجه: ان له القصاص، لان هذا الالتصاق لا يقر عليه، بل يجب ازالته فلا يسقط القصاص بما لا استقرار له في نظرالشارع‏» . ((15)) وظاهره ان الالتصاق اذا كان بنحو يستقر كما هو الحال في العلاج اليوم كان لسقوط القصاص بذلك وجه.

وفي الرياض: «ولو قطع شخص شحمة اذن آخر فاقتص منه، فالصق المجني عليه الشحمة بمحلها كان للجاني ازالتها بلاخلاف على الظاهر المصرح به في التنقيح، قال: وانما الخلاف في العلة، فقيل: ليتساويا في الشين، كما ذكره المصنف،وقيل: لانها ميتة لا يصح الصلاة معها. ويتفرع على الخلاف انه لو لم يزلها الجاني ورضي بذلك، كان للامام ازالتها على‏القول الثاني، لكونه حامل نجاسة لا تصح الصلاة معها.

اقول: والاول خيرة الشيخ في الخلاف والمبسوط مدعيا في صريح الاول وظاهر الثاني الاجماع، وهو الحجة المعتضدة‏بالنص الذي هو الاصل في هذه المسالة «ان رجلا قطع من اذن الرجل شيئا فرفع ذلك الى علي (ع) فاقاده، فاخذ الاخرما قطع من اذنه فرده على اذنه فالتحمت وبرئت، فعاد الاخر الى علي (ع) فاستقاده، فامر بها فقطعت ثانية فامر بهافدفنت، وقال (ع): انما يكون القصاص من اجل الشين‏».

وقصور سنده او ضعفه منجبر بالعمل. والثاني خيرة الحلي في‏السرائر والفاضل في التحرير والقواعد وشيخنا في المسالك، وهو غير بعيد، والذي يختلج بالبال امكان القول‏بالتعليلين، لعدم المنافاة بينهما مع وجود الدليل عليهما، فيكون للازالة بعد الوصل سببان: القصاص وعدم صحة‏الصلاة، فاذا انتفى الاول بالعضو مثلا بقي الثاني كما في مثال العبارة، ولو انتفى الثاني بنفي الاول كما في المثال المزبورلو اوجب الازالة ضررا لا يجب معه ازالة النجاسة للصلاة في الشريعة‏» ((16)).

وهو ايضا في فرض الصاق المجني عليه لعضوه بعد القصاص، فيكون للجاني حق ازالته وقطعه من جديد، وقد نفى فيه‏الخلاف وجعل المراد من الرواية ذلك، ولم يتعرض للعكس.

وفي مباني تكملة المنهاج: «مسالة 171: لو قطع عضوا من شخص كالاذن فاقتص المجني عليه من الجاني، ثم الصق‏المجني عليه عضوه المقطوع بمحله فالتحم وبرى، جاز للجاني ازالته، وكذلك الحال في العكس.

مسالة 172: لو قطعت اذن شخص مثلا ثم الصقها المجني عليه قبل الاقتصاص من الجاني والتحمت، فهل يسقط به‏حق الاقتصاص؟ المشهور عدم السقوط، ولكن الاظهر هو السقوط وانتقال الامر الى الدية‏» ((17)).

وفي تحرير الوسيلة: «مسالة 19: لو قطع اذنه فالصقها المجني عليه والتصقت فالظاهر عدم سقوط القصاص، ولو اقتص‏من الجاني فالصق الجاني اذنه والتصقت، ففي رواية قطعت ثانية لبقاء الشين، وقيل: يامر الحاكم بالابانة لحمله الميتة‏والنجس، وفي الرواية ضعف. ولو صارت بالالصاق حية كسائر الاعضاء لم تكن ميتة وتصح الصلاة معها، وليس للحاكم‏ولا لغيره ابانتها، بل لو ابانه شخص فعليه القصاص لو كان عن عمد وعلم والا فالدية، ولو قطع بعض الاذن ولم يبنها، فان‏امكنت المماثلة في القصاص ثبت والا فلا، وله القصاص ولو مع الصاقها» ((18)).

هذه اهم كلمات الاصحاب التي عثرناعليها في المسالة.

والمقصود من الرواية موثقة اسحاق بن عمار، عن جعفر (ع)، عن ابيه (ع): ان رجلا قطع من بعض اذن رجل شيئا فرفع‏ذلك الى علي (ع) فاقاده، فاخذ الاخر ما قطع من اذنه فرده على اذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الاخر الى علي (ع)فاستقاده، فامر بها فقطعت ثانية، وامر بها فدفنت، وقال (ع): «انما يكون القصاص من اجل الشين‏» ((19)).

والرواية وان كانت واردة في قطع الاذن الا انه باعتبار عموم التعليل في ذيلها وظهوره في بيان المناط الكلي يعم الحكم‏فيها لجميع موارد قصاص الاطراف.

تحقيق المسالة وينبغي البحث اولا في جهتين:

احداهما: حكم الجزء الذي الصق بعد الابانة تكليفا، وهل انه ميتة نجسة لا تصح الصلاة فيه وتجب ازالته ام لا؟ الثانية: في اثر اعادته والصاقه على حكم القصاص.

اما الجهة الاولى: فالصحيح ان يقال بان الجزء الذي يوصل تارة يلتحم مع البدن ويصير جزءا منه تسري فيه الحياة‏الحيوانية كسائر اجزاء البدن، واخرى يبقى لا حياة فيه ولكنه متصل بظاهر البدن نظير الاعضاء المصنوعة التركيبية كمااذا اخذ من عظم انسان آخر او سنه او ظفره فركب مع بدن المجني عليه، وهذا لا يكون عادة الا في مثل الاجزاء التي لاتحلها الحياة.

ففي الحالة الاولى الصحيح هو صيرورة الجزء المذكور بعد الاتصال جزءا حيا من الانسان الحي، فلا تكون ميتة ولانجسة، والتمسك باخبار القطعة المبانة وانها ميتة او نجسة في المقام غير صحيح، لانها منصرفة عن فرض ايصال القطعة‏المبانة قبل بردها واستمرار الحياة فيها بذلك من جديد، بل تلك الاخبار ناظرة الى ما يبرد من القطعة المبانة وتموت‏بالانفصال والابانة، فتكون ميتة حقيقة وعرفا.

ودعوى التمسك باستصحاب النجاسة الثابتة للجزء المبان بمجرد البينونة وقبل الالتصاق الى ما بعد زمان‏الالتصاق.

مدفوعة اولا: بعدم ثبوت الحالة السابقة في المقام بناء على الاستظهار المتقدم في تلك الاخبار، لانها ان سلم دلالتهاعلى ثبوت النجاسة من حين الابانة فهي تقتضي ذلك بشرط بردها وعدم استمرار الحياة فيها بالاتصال من جديد، ففي‏هذه الصورة يحكم بنجاستها من اول الامر، لا صورة الاتصال والحياة، فلا احراز للحالة السابقة للنجاسة في‏المقام.

وثانيا: لو سلمنا ثبوت النجاسة للجزء المبان حين الابانة في المقام ايضا قلنا بعدم جريان استصحابها، لانها انما تثبت في‏القطعة المبانة بعنوان كونها ميتة، او بعنوان كونها قطعة مبانة بما هي مبانة عن الحي، بحيث تكون حيثية الموت وفقدان‏الحياة الحيوانية او حيثية الابانة تقييدية في موضوع النجاسة عرفا لا تعليلية، ومعه لا يمكن اجراء استصحابها بعدالاتصال للجزء المبان وصيرورته حيا وجزءا من البدن، لتغير الموضوع وتعدده عرفا، ويشترط في جريان الاستصحاب‏احراز وحدة موضوع الحكم المستصحب وبقائه في الحالتين، كما هو محقق في محله.

واما الحالة الثانية وهي ما اذا لم يكن في الجزء بعد الاتصال حياة فلا اشكال في ان ذلك الجزء يكون من الميتة‏والقطعة المبانة، الا انه اذا كان مما لا تحله الحياة كالعظم والسن والظفر والشعر فلا نجاسة له، كما ان حمله في الصلاة لادليل على مانعيته، فلا وجه لما ذكره العامة من الزامه من قبل الحاكم او غيره بازالته.

واما الجهة الثانية وهي اثر الالصاق للجزء المقطوع في حكم القصاص‏: فهنا ايضا تارة يفرض انه الصقه من دون التحام‏وبرء، بل لمجرد حفظ صورة ذلك الجزء، كما اذا قطع ظفره فاخذه والصقه لحفظ صورته من دون ان يعود جزءا ينموكالاظفار الاخرى، وهكذا في العظم او الجلد لو امكن فيه ذلك، واخرى يفرض انه بعد الالتصاق يعود جزءا من البدن‏كالاول ينمو ويتصف بالحياة كالاجزاء الاخرى.

ففي الفرض الاول لا ينبغي الاشكال في عدم تاثير ذلك على القصاص سلبا او ايجابا، وليست رواية اسحاق بن عمارناظرة الى هذه الفرضية جزما، لانه قد ورد التصريح فيها بالالتحام والبرء بعد الالتصاق، وهو ظاهر في الفرض الثاني،فيكون هو موضوع البحث في هذه المسالة.

ويلحق بالفرض الاول ما اذا عالج المجني عليه او الجاني العضو المقطوع بالصاق جزء من انسان آخر او حيوان اليه‏فصار جزءا حيا منه، وارتفع نقصه بذلك، فان هذا الفرض ايضا اجنبي عن موضوع البحث، لانه اضافة جزء غير ما كان‏من بدنه اليه، فالمماثلة في القصاص بلحاظ ما كان جزءا من بدنه حاصلة، واما التعويض بجزء خارج عنه فهذا حق ثابت‏لهما معا واجنبي عن منظور ادلة القصاص، كما ان رواية اسحاق الدالة على ان القصاص من اجل الشين ظاهرة في النظرالى الشين الحاصل بلحاظ شخص الاجزاء السابقة من البدن، لا ما يمكن ان يضاف اليه من الخارج او يهبه اللّه له ثانيابمعجزة، كما اذا اعطاه اللّه يدا اخرى بعد ان قطعت يده الاولى، فموضوع البحث في ما اذا اعيد الجزء المقطوع نفسه‏من البدن اليه عرفا.

ويقع البحث عنه في مسائل ثلاث:

الاولى: في ما لو اعيد العضو المقطوع للجاني او للمجني عليه بعد القصاص، فهل للاخر حق ازالته ام لا؟ الثانية: في ما لو اعيد للمجني عليه قبل الاقتصاص، فهل يسقط بذلك حقه في القصاص وينتقل الى الدية او الارش ام‏لا؟ الثالثة: في جواز الاقتصاص بمجرد الابانة مع امكان الالصاق والاعادة بالعلاج او وجوب الصبر حتى يتبين‏الحال؟ المسالة الاولى: اما البحث في المسالة الاولى، فلا ينبغي الاشكال في ان الاصل الاولي يقتضي حرمة الاضرار بالمسلم‏او قطع عضو منه الا ما ثبت بالدليل جوازه، وقد ثبت في باب الجناية العمدية حق الاقتصاص للمجني عليه على‏الجاني، فلابد من البحث اولا عن مقتضى ادلة القصاص في الاطراف، وانه هل يمكن ان يستفاد منها الحق للمجني عليه‏او الجاني في ازالة ما اوصله واعاده الاخر الى بدنه بعد القصاص من العضو المقطوع ام لا؟ ثم نبحث عما تقتضيه الرواية‏الخاصة، وهي رواية اسحاق بن عمار، فالبحث في مقامين:

اما المقام الاول: فظاهر كلمات بعض الاصحاب ان القصاص في الاعضاء يتحقق بالابانة والقطع كما ان سببه يتحقق‏بالابانة، وقد تقدم كلا هذين التعبيرين في عبارة المبسوط المتقدمة، كما تقدم في عبارات بعض الاخرين. وهذا يقتضي‏ان لا يحق للمجني عليه على القاعدة اكثر من ان يقطع اذن الجاني، سواء اوصله بعد ذلك ام لا، وكذلك العكس، كمايقتضي في المسالة الثانية القادمة كفاية ابانة العضو لثبوت حق القصاص، سواء اوصل قبل القصاص ام لا، لتحقق الابانة،وقد تقدم التصريح بذلك ايضا من المبسوط وغيره.

ولكن في قبال ذلك يمكن ان يقال: بان المستظهر من قوله تعالى في قصاص الاطراف: (النفس بالنفس والعين بالعين‏والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) [المائدة:45] هو المقابلة بين العضوين لا القطعين‏والابانتين، اي ان كل عضو وطرف يؤخذ من المجني عليه وينقص منه يؤخذ في قباله العضو نفسه من الجاني وينقص‏منه، بل القصاص بلحاظ العضو نفسه ونقصه، فيدل على حق انقاصه من الجاني بحيث لو اوصله كان من حق المجني‏عليه ان يعود فينقصه منه ثانيا، لان العضو نفسه صار متعلق حقه، لا بمعنى انه يملكه، بل بمعنى انه يملك سلبه منه‏وانقاصه.

فالحاصل: صريح الاية المقابلة بين الاعضاء نفسها في المجني عليه والجاني، وان عين المجني عليه تكون بعين‏الجاني، وانفه بانفه، واذنه باذنه.. وهكذا، والمستظهر من مثل هذا التركيب عرفا البدلية والمقابلة بينهما في مقام الاخذوالعطاء، وان احدا لو اخذ عين الاخر وسلبها منه كان للاخر ان يسلب عينه وياخذها منه، فالقصاص في الاطراف‏قصاص الاطراف نفسها وجودا وعدما وما يحصل من النقص والعيب بسببها، لا قصاص القطع والابانة بما هو قطع‏وجرح، ويترتب على ذلك مطلبان:

1 ما نستفيده بلحاظ المسالة القادمة من ان سبب القصاص وموجبه ليس مجرد حصول قطع العضو وابانته، بل ولاحدوث النقص والعيب من ناحيته في زمان ثم عوده بشخصه، فان هذا لا يكفي للقصاص بعد العود، بل في مقابل‏نقصان عضوه بجنايته يحق له القصاص، فما دام ذلك العضو ناقصا منه يصح ويحق له القصاص لا اكثر، وسياتي مزيدبحث عنه.

2 ما نستفيده في هذه المسالة من ان مقتضى القاعدة ان للمجني عليه قطع العضو اذا اوصله الجاني بعد القصاص ثانيا،لانه في مقابل عضوه المنقوص منه، فله حق الانتقاص بمقتضى المقابلة المذكورة.

وكلتا الاستفادتين مختصتان بما اذا كان الايصال والاعادة للعضو المقطوع نفسه لا عضو من بدن آخر او من مكان آخرمن بدنه، فان ايصاله لا يمنع من صدق انقاص العضو الاصلي الذي كان في قبال عضو المجني عليه، فهذا عضو جديدخارج عن متعلق الحق وعن المقابلة، وهذا نظير ما اذا حصل له مال آخر غير ما اتلفه عليه المتلف، فانه لا ربط له‏باشتغال ذمته بما اتلفه، كما اشرنا الى ذلك سابقا.

يبقى ما اذا اوصل المجني عليه العضو المقطوع منه بعد القصاص من الجاني، فهل يحق للجاني عندئذ ان يقطعه منه‏ثانيا ام لا؟ لا اشكال في ان الاية ناظرة الى حق المجني عليه على الجاني لا العكس، ولكن يمكن ان يدعي استفادة المقابلة من‏الطرفين عرفا وانه اذا كان عضو المجني عليه في قباله العضو نفسه من الجاني كان عضو الجاني ايضا في قباله العضونفسه من المجني عليه، فاذا قطعه المجني عليه قصاصا وفي قبال انقطاع عضوه لم يكن له الحق في ايصال عضوه بعدذلك، بمعنى انه لو اوصله كان للجاني ان يقطعه ويسلبه عنه كما اخذه منه قصاصا.

واما المقام الثاني: فالرواية الخاصة في المسالة انما هي معتبرة اسحاق بن عمار المتقدمة، والضمير في قوله: «فاقاده‏»يحتمل فيه احتمالان من حيث رجوعه الى المجني عليه او الجاني:

الاول: ان يرجع الى قول السائل في ابتداء كلامه: «ان رجلا قطع‏» والذي هو الجاني، فيكون المقصود من قوله:

«اقاده‏»اقتص منه واقاده به، كما يقال: اقاد القاتل بالقتيل.

والمقصود من قوله: «فاخذ الاخر...» المجني عليه لا محالة، فتكون‏الرواية ناظرة الى فرض ايصال المجني عليه اذنه بعد الاقتصاص من الجاني.

الثاني: ان يرجع الضمير الى الرجل في قوله: «من بعض اذن رجل شيئا» والذي هو المجني عليه، فيكون المقصود من‏قوله:

«اقاده‏» اقتص له واقاده منه، كما يقال: استقاد الامير فاقاده منه، ويكون الاخر الذي اخذ ما قطع من الاذن فاوصله‏هو الجاني، ومورد الرواية ما اذا اوصل الجاني اذنه بعد القصاص لا المجني عليه.

وكلمات الفقهاء في تفسير الرواية ليست واضحة، وان كان المستظهر من اكثرهم حملها على المعنى الاول، ولعله لظهورالضمير في الرجوع الى موضوع كلام السائل ومحوره في قوله: «ان رجلا قطع من بعض اذن رجل شيئا». وهذا الاستظهارلا باس به لو قرانا الجملة الثانية: «فرفع ذلك الى علي (ع)» مبنيا للمفعول لا الفاعل، والا كان فاعله ضميرا يرجع على‏الرجل الثاني، اي المجني عليه، فيناسب ان يكون الضمير الذي يليه في جملة «فاقاده‏» ايضا راجعا اليه.

وعلى كل حال، لا اشكال في ان جواب الامام (ع) في ذيل الرواية: «انما يكون القصاص من اجل الشين‏» بيان لنكتة كلية‏وقاعدة عامة في باب قصاص الاطراف غير مختصة بقطع الاذن. وظاهرها ما ذكرناه نفسه في المقام السابق من ان‏موجب القصاص وما يكون من اجله هو العيب والنقص الحاصل بالجناية لا مجرد الابانة والقطع، لان المراد من «الشين‏»هنا هو العيب والنقص في البدن، ومن قوله (ع): «من اجل الشين‏» اي بسببه وفي قباله، فيكون الظاهر من قوله (ع): «انمايكون القصاص...» التعليل، وان ما يكون سببا للقصاص وموجبا له وفي الوقت نفسه متعلقا لحق المقتص له على‏المقتص منه انما هو العيب والنقص الحاصل في البدن بذهاب العضو وفقدانه. وهذا يستفاد منه كلا المطلبين‏المتقدمين، اي ان سبب القصاص في الاطراف وموجبه ليس مجرد القطع والابانة بل فقدان العضو ونقصه، وان حق‏المجني عليه بمقتضى المقابلة ايجاد النقص نفسه في الجاني، لا مجرد قطع عضوه وابانته ولو بان يوصله ثانيا.

لا يقال: بمجرد القطع والابانة قد حصل الشين والنقص فيثبت القصاص.

فانه يقال: ظاهر التعليل ان القصاص يدور مدار فعلية النقص والشين حين القصاص لا مجرد حدوثه، والا لم يصح قطع‏ما اوصله الجاني او المجني عليه ثانيا، لانه قد حصل الاقتصاص منه بمجرد القطع، بل لم يكن معنى مفهوم للتعليل‏المذكور.

فالحاصل: ظاهر التعليل ومفهومه المقابلة بين نقص العضوين في طرفي الجاني والمجني عليه، وان مجرد الابانة لاتكفي، وهذا كما يقتضي جواز القطع ثانيا كذلك يقتضي كون الموضوع لحق الاقتصاص بقاء النقص حين الاقتصاص، لامجرد حدوثه سابقا مع عوده سالما بشخصه، فانه لا موضوع للمقابلة عندئذ.

لكن يبقى البحث في ان هذا هل يختص بالمجني عليه فهو الذي يحق له ان يمنع الجاني من ايصال عضوه بعدالقصاص او يثبت في العكس ايضا فيما اذا تحقق القصاص قبل ايصال المجني عليه للعضو المقطوع الى‏بدنه؟ الصحيح اننا اذا استظهرنا الاحتمال الاول في الرواية فالنتيجة ثبوت الحكم في كلتا الصورتين: صورة ايصال المجني‏عليه بعد القصاص بمقتضى مورد الرواية، وعكسها بمقتضى ظهور التعليل المتقدم بيانه، بل والاولوية، فانه اذا كان يحق‏للجاني بعد القصاص ان يمنع المجني عليه من اعادة ما قطعه منه الى بدنه مع انه كان قطعه بلا حق وعدوانا فالمجني‏عليه اولى بان يكون له هذا الحق على الجاني.

واما اذا استظهرنا الاحتمال الثاني وان مورد السؤال والواقعة في الرواية ان الجاني اعاد اذنه بعد القصاص، فلا يمكن ان‏يستفاد من الرواية جواز قطع الجاني لما يعيده المجني عليه بعد القصاص.

اللهم الا اذا قبلنا الملازمة العرفية المتقدمة في المقام السابق، اي المقابلة من الطرفين، او استظهرنا من التعبير بقوله: «ثم‏جاء الاخر» التعميم، وان المقصود مطلق احدهما، سواء كان هو الجاني او المجني عليه من دون خصوصية لاحدهما،والا لكان يذكر خصوصية كونه جانيا او مجنيا عليه.

المسالة الثانية واما البحث في المسالة الثانية، فقد اتضح حالها مما تقدم من استظهار ان موجب قصاص الاطراف ما اذا كان العضومقطوعا، فاذا اوصل قبل الاقتصاص لم تشمله ادلة قصاص الطرف، لارتفاع الموضوع بذلك وبقاء العضو في البدن. كماان التعليل في المعتبرة يشمله، فلو فرض اطلاق ادلة القصاص لذلك قيدناه بظهور التعليل في الرواية، نعم هذا لا ينفي‏ان يكون للمجني عليه حق القصاص ما دام لم يوصل العضو الى بدنه، وهذا ما سنبحثه في المسالة الثالثة.

وقد يستدل على سقوط القصاص في الطرف بعد البرء بمثل مرسلة جميل عن بعض اصحابنا عن احدهما (ع) في رجل‏كسر يد رجل ثم برئت يد الرجل قال: «ليس في هذا قصاص ولكن يعط‏ى الارش‏».

ومرسلته الاخرى عن احدهما (ع) انه قال في سن الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت، قال: «ليس عليه قصاص‏وعليه الارش‏» ((20)).

وفيه مضافا الى ضعف السند بالارسال : ان سقوط القصاص في كسر اليد باعتبار انه لا قصاص في العظم عموما، فان‏التعبير بقوله: «ليس في هذا قصاص‏» ظاهر في نفي القصاص في هذا النوع من الجناية لا لكونه بعد البرء، فتكون الرواية‏على وزان ما ورد في الروايات وبعضها معتبرة من انه لا قصاص في عظم ، ولا اقل من احتمال ذلك واجمال‏الرواية. ((21)) كما ان نفي القصاص في سن الصبي التي تسقط ثم تنبت باعتبار عدم كونها سنا اصلية بل مؤقتة، فيكون القصاص في‏السن الاصلية.

اذن، فلا يمكن ان يستفاد من هذه الرواية ما نحن بصدده، وانما ينحصر طريقه في ما ذكرناه من الوجهين المتقدمين.

وقد افتى بسقوط القصاص ببرء العضو المقطوع واتصاله بعض الاعلام المتاخرين ((22)) تمسكا بمعتبرة اسحاق، كما ان‏ظاهر كلمات المفيد وجملة من القدماء ذلك، وقد تقدم بعضها، وياتي الاشارة اليها في المسالة القادمة، فانتظر.

وهل تثبت دية العضو عندئذ على الجاني، او يكون عليه الارش ولو بالحكومة؟ قد يقال بثبوت الدية تمسكا باطلاق ادلة الدية في قطع الاعضاء، مضافا الى ما دل على ان حق المسلم لا يذهب‏هدرا.

الا ان الانصاف عدم امكان اثبات دية العضو في المقام بعد فرض اتصاله وبرئه، فان ظاهر ادلة ديات الاعضاء انها في‏قبال فقد العضو وانها قيمته. نعم، لو اوصل عضوا مثله من بدن آخر شمله الاطلاق بالنكتة المتقدمة، واما مع فرض‏اتصال العضو المقطوع نفسه وعوده كالاول بلا نقص فادلة ديات الاعضاء غير شاملة له.

كما ان ما دل على ان دم المسلم‏او حقه لا يذهب هدرا لا ربط له بمقدار الدية والتعويض اللازم على الجاني، وانما يثبت عدم ذهاب اصل الحق، وامامقداره فلابد من ان يرجع فيه الى ادلة تحديد الديات والارش، فلا يثبت غير الارش ولو بالحكومة.

المسالة الثالثة واما البحث في المسالة الثالثة وهي جواز الاقتصاص بمجرد الابانة مع امكان الالصاق والاعادة ولو بالعلاج وعدمه‏:فظاهر ما تقدم عن الكافي والمقنعة عدم جواز القصاص حتى يحصل الياس من صلاحه، ففي الكافي: «ولا يجوزالقصاص بجرح ولا قطع ولا كسر ولا خلع حتى يحصل الياس من صلاحه‏» ((23)).

وفي المقنعة: «وينبغي ان ينتظر الحاكم بالمجروح والمكسور حتى يعالج ويستبرى حاله باهل الصناعة، فان صلح‏بالعلاج لم يقتص له، لكنه يحكم على الجاني بالارش في ما جناه، فان لم يصلح بعلاج حكم له بالقصاص‏»((24)).

والغريب ذكر الجرح والكسر والخلع مع القطع ايضا، مع انه لا اشكال في عدم توقف القصاص في الجروح التي فيهاالقصاص على البرء، كيف؟! وهي مما تبرا عادة، كما انه لا قصاص في كسر العظم ولا خلعه ونقله، كما دلت عليه‏الروايات.

ولعل المقصود وجوب الصبر في القصاص للجروح حتى يتبين مقدار السراية وعدمها، الا ان هذا لا يناسب ما ذكر في‏ذيل عبارة المقنعة من عدم القصاص على تقدير الصلاح بالعلاج، الا اذا كان المقصود من الجرح قطع العضو او جزءمنه، وهو يدل على ما ذكرناه في المسالة السابقة من سقوط القصاص بايصال العضو المقطوع وبرئه، اللهم الا ان يحمل‏على فرض عدم القطع والابانة الكاملة للعضو، فانه الذي كان برؤه ممكنا عادة في تلك الايام.

وفي المختلف: «مسالة: قال ابن الجنيد: والاولى عندنا بالقصاص من الجراح دون النفس ان يكون بعد ان يبرا المجني‏عليه، لئلا يتعدى الجراح الى التلف او زيادة على ما يجب به وقت وقوعه، واذا اخر ذلك عرف ما يمكن ان يقع به‏القصاص وقت برئه، وان اختار المجني عليه ان يقتص قبل البرء كان ذلك له، فان زاد الجراح لم يكن على الذي يستقادمنه زيادة في اقتصاص ولا دية، ولو برى المجني عليه فاقتص ثم انتقضت جراحة المجني عليه ف‏آلت الى التلف لم‏يكن فيها قود، وعلى الجاني الدية بعد ارش ما اقتص منه للشبهة. وقال الشيخ في المبسوط: القصاص يجوز في‏الموضحة عند قوم، وقال قوم: لا يجوز الا بعد الاندمال، وهو الاحوط عندنا، لانها ربما صارت نفسا.

وقول ابن الجنيد قوي في جواز المبادرة الى القصاص، لانه حق يثبت له، فيندرج تحت قوله تعالى: (والجروح قصاص)،لكن قوله: فان زاد الجرح لم يكن على الذي يستقاد منه زيادة في اقتصاص ولا دية، بل يجب عليه دية الزيادة والقصاص‏ان كان مما يقتص فيه. وكذا قوله: لو برى المجني عليه فاقتص ثم انتقضت جراحة المجني عليه ف‏آلت الى تلف لم يكن‏فيه قود، بل الوجه وجوب القود، لحصول السبب وهو الجناية عمدا» . ((25))