وقال في موضع آخر: «مسالة: قال المفيد: وليس في
كسر اليد وشيء من العظام وشيء من قطع الاعضا التي
تصلح بالعلاج قصاص، وانما القصاص في ما لا يصلح من ذلك بشيء من
العلاج. وقال الشيخ في النهاية: من قطع شيئا
من جوارح
الانسان وجب ان يقتص منه ان اراد ذلك المقطوع، وان
جرحه
جراحة فمثل ذلك، الا ان تكون جراحة يخاف في القود
منها
على هلاك النفس فانه لا يحكم فيها بالقصاص، بل يحكم
بالارش، كالمامومة والجائفة وما اشبههما،وكسر
الاعضا التي
يرجى انصلاحها بالعلاج فلا قصاص ايضا فيها، بل
يراعى حتى
ينجبر الموضع اما مستقيما او على عثم، فيحكم حينئذ
بالارش، فان كان شيئا لا يرجى صلاحه فانه يقتص من
جانيه
على كل حال. وقال سلار: الجناية ان خيف من القصاص
فيها
تلف نفس المقتص منه في الاغلب لا قصاص فيها بل
الدية، وان
لم يخف فصاحب الجناية مخير بين القصاص والدية، ولا
قصاص
في ما يبرا ويصلح، وانما فيه الارش، والقصاص في ما
لا يبرا.
والوجه ان نقول: انه لا قصاص في كسر الاعضا والعظام
اما لما
فيه من التغرير او لعدم التوصل الى قدر الحق، واما
غيرالكسر
فان خيف فيه التلف فلا قصاص ايضا، وان لم يخف منه
التلف
وجب القصاص، سوا برى ام لا، لعموم قوله تعالى:
(والجروح
قصاص)، مع ان سلار قال لما عد الجراحات: فلا قصاص الا
في
سبع منهن ما عدا المامومة والجائفة،مع غلبة الظن
ببرء اكثرها،
فان قصد من الجنايات التي تشتمل على الكسر فقد وافق
الشيخين. وابو الصلاح قال: انمايكون جارحا بما يوجب
القصاص
مع تكامل الشروط المذكورة في القود اذا كان ما قصده
مما لا
يرجى صلاحه كقطع اليد والرجل والاصبع الى غير ذلك
ولا
يخاف معه تلف المقتص منه، فاما الكسر والفك والمنجر
والجرح الملتئم والمامومة في الشجاج والجائفة في الجوف وما يجري مجراه فلا قصاص
في شيء منه، وفيه الاشكال
السابق
اولا»((26)).
اقول: اما القصاص في كسر العظام فقد تقدم انه لا
قصاص فيه،
وتفصيل بحثه في محله.
واما الجروح التي فيها القصاص فلا ينبغي الاشكال في
عدم
توقف الاقتصاص فيها على عدم اندمال جرح
المجني عليه، والا
لم يبق قصاص في الجروح، وانما البحث في وجوب الصبر
حتى
يندمل الجرح وعدمه بلحاظ تحديد مقدارالجناية،
لاحتمال
سراية الجرح الى تلف النفس او ازدياده واتساعه، فلو
اقتص قبل
ذلك فقد يمنع ذلك من امكان الاقتصاص ثانيا لما سرى
اليه،
لاستلزامه جناية زائدة في القصاص كما تقدم عن ابن
الجنيد
وان ناقشه العلامة وهذاايضا بحث آخر خارج عما نحن
بصدده،
فمع قطع النظر عن هذه الحيثية تكون ادلة القصاص في
الجروح شاملة للمقام بمجرد تحقق الجرح، وانما
البحث بعد
ذلك في سقوط قصاص الجرح الزائد اذا حصلت السراية
وعدمه.
واما قصاص الاطراف اعني قطع عضو ونحوه، والذي تقدم
ان
الموضوع والموجب له بمقتضى المقابلة في ادلته
بين عضو
الجاني وعضو المجني عليه او بمقتضى معتبرة اسحاق بن
عمار تحقق النقص والشين في بدن المجني عليه فهل يجب
فيه الصبر حتى يظهر البرء وعود العضو المقطوع الى
حالته
الاولى فلا قصاص، او يظهر عدم الصلاح فيثبت القصاص
ويستقر، او لا يجب فيه الصبر، بل ما دام العضو
مقطوعا ولم
يوصل بعد كان له القصاص، لصدق تحقق الشين والنقص
في
تلك الحال، غاية الامر لو اوصله بعد الاقتصاص كان
للاخر
قطعه، وكذلك في طرف العكس؟
الانصاف انا لو استفدنا من ادلة قصاص الطرف ولو
ببركة
معتبرة اسحاق ان الموضوع والموجب لهذا القسم
من القصاص هو الشين ونقصان العضو لا مجرد تحقق
الابانة
والقطع في زمان، فالمتفاهم من ذلك عرفا ان الموجب
له استمرار ذلك النقص في البدن من ناحية شخص ذلك
العضو
بحيث ينبغي التثبت منه والصبر ليتبين الحال ولو
بالعلاج،والا
كان الاقتصاص في غير محله، لا انه واقع في محله،
غاية الامر
يكون للاخر الحق في قطعه اذا اوصله ثانيا.
نعم، لو عالج العضو المقطوع فاصلحه بعضو مماثل من
بدن آخر
ونحوه لم يسقط حقه في الاقتصاص، لانه بمثابة عضوآخر
جديد استحصله.
ونستخلص مما تقدم في الجهات الثلاث النتائج
التالية:
1 اذا قطع عضوا من شخص مما فيه القصاص فاقتص منه، ثم
اراد المقتص منه ايصال ما قطع منه واعادته الى ما
كان عليه،
كان للاخر الذي نقص عضوه حق منعه وقطعه من جديد.
نعم، اذا اصلح النقص بعضو اجنبي لم يحق للاخر منعه،
كما لو
فقا عينه فزرع عين حي او ميت بدلها، او قطعت
شحمة اذنه
فوضع بدلها لحمة من بدنه او بدن غيره بعملية تجميل
او نحو
ذلك. 2 - اذا قطع عضوا من شخص مما فيه القصاص، فالصق العضو المقطوع واعيد الى وضعه الاول قبل الاقتصاص، سقط حق القصاص، ويشكل ثبوت الدية ايضا، بل يرجع الى الحكومة. هذا اذا لم يكن الاصلاح باجنبي، والا كان له القصاص او الدية كما اشرنا في الفرع السابق.3 - يجب الصبر في موارد قصاص الاطراف حتى يتبين برء العضو ولو بالعلاج فينتفي القصاص، او عدم برئه فيستقرالقصاص. هذا اذا لم يكن العلاج باجنبي بل باعادة العضو المقطوع نفسه، والا كان القصاص مستقرا من اول الامر.بيع التقسيط
وكانت نشاته عندهم وانتشاره لديهم بهدف التيسير في
بيع
السلعة لحساب البائع، والتسهيل في اقتنائها
لحساب المشتري.
ذلك ان هذا البيع كان يشار اليه في فقهنا اشارة
عابرة، في
امثال مبحث (بيع النسيئة)، عندما يتحدث الفقها عن
تاجيل الثمن، حيث يصورون كيفية دفعه عند حلول اجل
الدفع، او آجاله، على الصور التالية:
2 - تاجيل الثمن بكامله، يدفع عند حلول الاجل.3 - دفع بعض الثمن معجلا وتقسيط الباقي.4 - دفع بعض الثمن معجلا وتاخير الباقي الى اجل محدد، يدفع الى البائع عند حلول الاجل.
ومن تلكم الاشارات العابرة اليه التي وردت في
النصوص
الفقهية:
ما جا في (الروضة 1/390 حجرية) للشهيد الثاني: «ولو
اجل
البعض المعين من الثمن واطلق الباقي او جعله حالا
صح للانضباط.
وكذا لو جعله او بعضه نجوما معلومة».
وما جا في (المستند 1/392 حجرية) للنراقي: «ومنه (اي
بيع
النسيئة) ما لو شرط ادا الثمن، من حيث العقد
الى عشرة ايام
مثلا بقسط الايام».
وفي (الجواهر 23/99): واما ان اشترط التاجيل للثمن
جميعه،
او بعضه، ولو نجوما متعددة، صح، اجماعا
بقسميه،ونصوصا
عموما وخصوصا في البعض، وهو المسمى بالنسيئة، من
غير
فرق بين طول المدة وقصرها».
مظنة ذكره
وكما راينا في النصوص الفقهية المنقولة، في اعلاه،
ان موضع
ذكر هذا البيع وموضع بحثه هو (بيع النسيئة) لانه نوع
من انواعه.
غير ان اكثر فقهائنا الذين تعرضوا لبيع النسيئة
بالبحث،
استدلالا او افتا، لم يشيروا الى تقسيط الثمن
مكتفين
بالتعرض لتاجيله.
لهذا عرضت لبيان موضع ذكره في البحوث الفقهية،
تمهيدا
لبحثه مستقلا او بشكل موسع في موضعه من بيع
النسيئة لمن
يرغب في ذلك او يراه، لان هذا البيع انتشر انتشارا
واسعا من
حيث الرقعة الجغرافية، وشاملا من حيث
السلع والبضائع،
و«اكثر ما يقع ذلك في بيع السيارات والالات
الميكانيكية
والدراجات وماكينات الخياطة
والراديوهات والبيانوهات
والالات الكاتبة والبرادات (الثلاجات) والغسالات،
ونحو ذلك
من المنقولات.
وقد يقع ايضا في بيع المحلات التجارية والاراضي
والدور
والفيلات» ((27)).
وهذا الانتشار اعطاه الاهمية اجتماعيا واقتصاديا
بالشكل الذي
يفرض البحث فيه من زاوية فقهية فرضا لابدمنه.
البحث فيه
والبحث فيه، فقهيا، لا يزال في بداياته، ولم يصدر
فيه الا القليل
من الدراسات، امثال:
كتاب «البيع بالتقسيط والبيوع الائتمانية
الاخرى» للدكتور
ابراهيم ابو الليل، طبع في نشرته الاولى سنة 1404ه
آ1984م.
كتاب «حكم بيع التقسيط في الشريعة والقانون»
للدكتور
محمد عقلة الابراهيم، وكانت طبعته الاولى سنة 1408ه
آ1987م. مجلة مجمع الفقه الاسلامي، الصادرة عن مجمع الفقه الاسلامي بجدة التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي، الدورة السادسة لمؤتمر مجمع الفقه الاسلامي المنعقد بمقر المجمع بجدة في 17 - 23 شعبان 1410ه : 14 - 20 مارس 1990م، العدد السادس، الجزء الاول 1410ه 1990م، تضمن سبعة ابحاث في بيع التقسيط، والعدد السابع، الجزءالثاني 1412ه 1992م تضمن خمسة ابحاث في بيع التقسيط، وقد غطت مجموعة البحوث المشار اليها شؤون البيع بالتقسيط واطرافه جميعها.كتاب «بيع التقسيط: تحليل فقهي واقتصادي» للدكتور رفيق المصري، ط 1، سنة 1410ه - 1990م.
تعريفه
لغويا:
التقسيط مصدر الفعل «قسط» المضعف، وهو يعني في لغتنا جعل الشيء اجزا.
يقال: «قسط زيد الدين» بمعنى جعله اجزا معلومة
تؤدى في
اوقات معينة ((28)).
ويطلق على الجزء هنا اسم القسط بكسر القاف ، ويجمع
على اقساط.
ويرادفه الفعل (نجم)، يقال: «نجم المال ونحوه» اذا
اداه اقساطا.
ويضعف، فيقال: «نجم»، ومنه «نجم الشيء» اذا قسطه
اقساطا.
وتقول: «نجمت عليه الدين» اي قسطته عليه.
واقتصاديا:
عرفه المحامي نبيه غطاس، في «معجم مصطلحات
الاقتصاد
والمال وادارة الاعمال»، بما نصه: «بيع التقسيط:
ژذحذددچژژذخ
حدچژ نوع من انواع البيع المشروط الذي يدفع فيه
الثمن على
اقساط منتظمة، وبمبالغ ثابتة، يضاف اليها عادة
رسم خدمة
وفائدة يتفق عليهما، ولا ينتقل حق ملكية البضاعة
المبيعة الا
بعد ان يسدد المشتري كامل المبلغ او نسيئة محددة
منه.
وتقصير المشتري، في دفع اي قسط من الاقساط عند استحقاقه، يعطي البائع الحق في استرداد البضاعة
المبيعة
على هذا النحو.
وفي هذا النوع من البيع يوقع المشتري عقد بيع
مؤقتا، ويتلقى
المشتري من البائع سندا ينص في كليهما على ان
حق ملكية
البضائع المشتراة يظل بيد البائع الى ان يدفع آخر
قسط».
وقانونيا:
عرفه الدكتور جرجس جرجس، في «معجم المصطلحات
الفقهية والقانونية»، بما نصه: «بيع التقسيط: هو
بيع يشترط
فيه ان يدفع الشاري ثمن المبيع مقسطا اقساطا
منتظمة.
يدفع اما في اول كل شهر لفترة زمنية يتفق عليها بين
الاثنين،
واما في آخر كل سنة بحسب الاتفاق.
واذا تقاعس الشاري، او قصر، في تسديد المبلغ ضمن
الفترة
المحددة، يحق للبائع استرداد السلعة المباعة، الا
اذا نص بند
في عقد البيع على غير ذلك». وفي كتاب «حكم بيع التقسيط في الشريعة والقانون» للدكتور محمد عقلة الابراهيم ((29)) كر المختصون بالقانون تعريفات متعددة للبيع بالتقسيط: منها: (انه احد ضروب البيع الائتماني ((30)) الذي يشترط فيه ان يكون سداد الثمن على اجزا متساوية ومنتظمة خلال فترة معقولة من الزمن) ((31)).
ومنها: (انه البيع الذي يكون سداد الثمن فيه مجزا
الى عدة
اقساط، على ان يكون جزء من هذه الاقساط لاحقا
على تسلم
المشتري للمبيع) ((32)).
ومنها: (انه العقد الذي يكون موضوعه الاستيلا على شيء في
مقابل دفع اقساط معينة في مدة معينة يصبح
المشتري في نهايتها مالكا للشيء) ((33)).
وفقهيا:
عرفه الدكتور رفيق المصري في بحثه «بيع التقسيط:
تحليل
فقهي واقتصادي»، المنشور في «مجلة مجمع الفقه
الاسلامي»((34)) بقوله: «وبيع التقسيط عبارة
حادثة لمعاملة
قديمة، فهو ليس الا لونا من الوان بيع النسيئة.
انه بيع يعجل فيه المبيع، ويتاجل الثمن، كله او
بعضه، على
اقساط (: نجوم) معلومة، لاجال معلومة.
وهذه الاقساط قد تكون منتظمة المدة، في كل سنة مثلا
قسط، او غير ذلك.
كما قد تكون متساوية المبلغ او متزايدة او متناقصة.
وهذا معروف لدى المطلعين على سداد الديون (:
استهلاكها،
اطفائها)...».
وعرفه الدكتور نزيه حماد في (المعجم) بقوله: «وبيع
التقسيط:
هو لون من الوان بيع النسيئة.
فهو بيع يتفق فيه على تعجيل المبيع وتاجيل الثمن
كله او
بعضه على اقساط معلومة لاجال معلومة.
وهذه الاجال قد تكون منتظمة المدة في كل شهر مثلا
قسط، او في كل سنة، او غير ذلك.
كما انها قد تكون متساوية المقدار او متزايدة او
متناقصة».
وعرفه القاضي محمد تقي العثماني في بحثه: «احكام
البيع
بالتقسيط»، المنشور في «مجلة مجمع الفقه
الاسلامي»
((35))،بقوله:
«البيع بالتقسيط: بيع بثمن مؤجل يدفع الى
البائع في اقساط متفق عليها، فيدفع البائع البضاعة
المبيعة
الى المشتري حالة، ويدفع المشتري الثمن في اقساط
مؤجلة».
ويمكننا ان نستخلص، من هذه التعريفات، ومن الواقع
الميداني
لبيوع التقسيط الجارية في اسواقنا الراهنة،
التعريف التالي:
بيع التقسيط: نوع من بيوع النسيئة، يعجل فيه المبيع
فيدفع
حالا، ويؤجل فيه الثمن كله او بعضه الى مدة معلومة
يقسط فيها اقساطا محددة مقدارا ومضبوطة وقتا.
صوره
لهذا البيع غير صورة وكيفية، وجميعها ترتبط بدفع
الثمن،
وهي:
ويسمى المدفوع من الثمن حالا ب «المقدم» بصيغة
اسم
المفعول .
2- ان لا يدفع شيء من الثمن مقدما، وانما يقسط كله.
ثم ان التقسيطيكون على صور، فبالنسبة الى وقت
الدفع:
ا قد يشترط دفع القسط اسبوعيا. ب - وقد يشترط دفعه شهريا.ج - وقد يشترط دفعه سنويا.
وبالنسبة الى مقدار القسط:
1- فقد يكون مقدار الاقساط متساويا.
2- وقد يكون مختلفا:
وهذا المختلف:
ا قد يكون متزايدا. ب - وقد يكون متناقصا.
وهذه التقديرات، من حيث الوقت او المبلغ، في
الغالب، تقدر
من قبل البائع، لا سيما اذا كان شركة او مؤسسة
تجارية كبيرة.
واحيانا يكون التقدير من المشتري، وهو قليل جدا.
مشروعيته
راينا ان اصحابنا الامامية ادرجوا هذا البيع بوصفه
لونا من الوان
بيع النسيئة.
واستدلوا لمشروعية بيع النسيئة بالتالي:
2- عمومات حلية البيع، والوفا بالعقود والتجارة عن
تراض.
3- الروايات الخاصة الواردة في الباب، ومنها:
ما عن احمد بن محمد: قال: قلت لابي الحسن (ع): اني اريد
الخروج الى بعض الجبل.
فقال (ع): ما للناس بد من ان يضطربوا سنتهم هذه.
فقلت له: جعلت فداك، انا اذا بعناهم بنسيئة كان اكثر
للربح.
قال: فبعهم بتاخير سنة.
قلت: بتاخير سنتين؟
قال: نعم.
قلت: بتاخير ثلاث؟
قال: لا.
ما عن احمد بن محمد بن ابي نصر: انه قال لابي الحسن
الرضا
(ع): ان هذا الجبل قد فتح على الناس منه باب رزق.
فقال: ان اردت الخروج فاخرج، فانها سنة مضطرب، وليس
للناس بد من معاشهم، فلا تدع الطلب.
فقلت: انهم قوم ملا، ونحن نحتمل التاخير، فنبايعهم
بتاخير
سنة.
قال: بعهم.
قلت: سنتين؟
قال: بعهم.
قلت: ثلاث سنين؟ قال: لا يكون لك شيء اكثر من ثلاث سنين.
شروطه
يشترط، في هذا البيع، الشروط العامة التي ذكرت
لعقود البيع
مطلقا، امثال: شروط المتعاقدين وشروط
العوضين،وشروط
التعاقد.
ويضاف اليها ما يلي:
1- تحديد مدة التاجيل التي تبدا من حين الانتها من
التعاقد،
وتنتهي في الوقت المتفق عليه بين طرفي العقد، على
ان يكون
وقت الانتها مضبوطا بشكل لا يحتمل فيه الزيادة
والنقصان.
قال المولى النراقي في (المستند 1/393): يشترط في صحة
بيع النسيئة تعيين المدة بلا خلاف يعرف.
وفي (شرح الارشاد) للاردبيلي في دليل اشتراط تعيين
المدة:
وكانه الاجماع، فلو لم يعين المدة او عين اجلا
محتملاللزيادة
والنقيصة بطل البيع.
واستدل به باستلزام عدم التعيين للغرر والجهالة في
الثمن لان
للمدة قسطا من الثمن عرفا وعادة».
وفي (تحرير المجلة 2/6): ويلزم في النسيئة تعيين المدة
وضبطها بالاشهر او السنين كما في قوله تعالى: (الى
اجل مسمى)، فاذا جعله لمدة غير معلومة كمجىء
الحاج او
هطول الامطار او نحو ذلك، بطل البيع من اصله لبطلان
ركنه،وهو الثمن».
2- تعيين مبلغ القسط وتحديد وقت تسليمه بشكل مضبوط
لا
يحتمل الزيد او النقص، للسبب نفسه في تحديد
المدة وضبطها، وهو لئلا يستلزم عدم التحديد الغرر
المفسد
للبيع.
شبهة الربا
ذهب بعض الفقها، من اهل السنة، ومن الزيدية، الى
القول
بحرمة بيع التقسيط لما فيه من شبهة الربا.
ويصور الدكتور نظام الدين عبد الحميد في تقديم
بحثه: «حكم
زيادة السعر في البيع بالنسيئة شرعا»، المنشور في
«مجلة مجمع الفقه الاسلامي» هذه الشبهة بقوله:
«من
المعاملات الجارية في الاسواق ان يبيع شخص سلعة من
السلع
نقدابالسعر السائد في السوق، ويبيعها بسعر اعلى من
هذا السعر
مقابل تاجيل استيفا الثمن، وذلك كان يبيع شخص
حاجة بمئة
دينار نقدا ويبيعها بمئة وعشرين دينارا نسيئة لمدة
اربعة اشهر
مثلا او بعدد من الاقساط، اي انه يستوفي
عشرين دينارا ازيد
من السعر السائد وقت البيع بسبب الاجل.
فهذا الزائد من المبلغ الذي يتقاضاه، بسبب تاخير
الاستيفا،
اهو حلال ام حرام فيه شبهة الربا؟..» ((36)).
وقال الدكتور محمد الابراهيم في كتابه «حكم بيع
التقسيط
في الشريعة والقانون»: «وقد شاع هذا النوع في
زماننا
شيوعاكثيرا، وشمل مختلف السلع دقيقها وجليلها لما
فيه من
مصالح لكل من البائع والمشتري.
ولما كان تاجيل الثمن عن زمان العقد يرافقه زيادة
في الثمن
تعويضا للبائع عن تاخير قبضه وحرمانه من
استثماره،واسهاما
من المشتري في تخفيف هذه الاثار مع ما ناله من نعمة
تيسير
الحصول على ما يحتاجه من السلع رغم ضيق ذات يده،
لذا كان
هذا النوع من البيع ولا يزال مثار بحث وجدل بين اهل
العلم
من حيث مشروعيته، نظرا لما فيه من الزيادة في
الثمن ربما
اشتبهت على بعض الناس بالربا» ((37)).
ومنشا الشبهة هو اعتقاد، او تصور، ان التقا
النسيئة مع الربا في
كون الزيادة فيهما هي في مقابل الاجل.
والواقع انه لا التقا بينهما في الغاية من
الزيادة، ذلك ان الزيادة
في النسيئة تقابل الاجل (المدة)، لان للمدة قسطا
من الثمن
عرفا وعادة كما مر هذا في تعليل المولى الاردبيلي
السالف ،
فهي ليست زيادة على ثمن السلعة بالنقد بلامقابل.
بينما هي اعني الزيادة في الربا لم تنظر فيها
مقابلة المدة،
وانما قصد فيها ان تكون ربحا خالصا عن ان يكون
للمدة مدخلية فيه فهي زيادة بلا مقابل.
وبرهان ذلك انه لو بيع جنس بمثله مع الزيادة بيع نقد
يدفع
فيه العوضان حالا وفي مجلس العقد، لا يصح ذلك لانه
ربا،حيث ان حقيقة الربا مبادلة جنس بمثله مع
الزيادة سوا
كان ذلك لمدة او من دون مدة.
فالفارق الاساسي بين البيع ومنه النسيئة وبين
الربا هو:
يشترط في معاملة الربا ان يكون التبادل بين جنس
بمثله مع
الزيادة.
بينما التبادل في معاملة البيع ومنه النسيئة يقوم
بين
جنس بغيره، مع الزيادة في الثمن ومن دونها.
وهو نفسه الفرق بين بيع النقد والربا كما المحت ،
ففي بيع
النقد لابد من التخالف بين جنسي العوضين اذا كان
البيع بربح،
لانه اذا لم يكن كذلك بان كان بجنسين متماثلين مع
الربح
كان ربا.
فحقيقة الربا كما قلت مبادلة جنس بمثله مع الربح
سوا
كان ذلك لمدة او عاجلا.
وحقيقة البيع نقدا كان او نسيئة او غيرهما مبادلة
جنس
بغيره مع الربح ومن دونه.
شبهة البيعتين في بيعة
تقدم، في الموضوع الثاني من موضوعات البيوع، وهو
«بيوع
الجاهلية»: ان «البيعتين في بيعة» من بيوع
الجاهلية التي
نهى النبي (ص) عنها كما جا هذا في حديثه المشهور
والمعروف بحديث المناهي.
ولانه قد ذهب بعضهم الى حرمة بيع النسيئة لانه نمط
من
انماط، او مفردة من مفردات البيعتين في بيعة، رايت
تناولهابتصوير الشبهة التي اوقعت في هذه المفارقة،
ومن بعد
ذلك بدفعها.
قال ابن ادريس في «السرائر»: «ونهي النبي (ص) عن بيعتين في بيعة... وقيل: انه
يحتمل امرين: احدهما: ان يكون المراد انه اذا قال: (بعتك هذا الشيء بالف
درهم نقدا وبالفين نسيئة، بايهما شئت خذه).
والاخر: ان يقول: «بعتك عبدي هذا بالف على ان تبيعني
دارك
هذه بالف درهم)..».
ويتصور البيع في الصورة الاولى على نحوين:
في هذا النحو يعتبر البيع باطلا، وذلك للتردد في
الثمن
الموجب للجهالة فالغرر. 2 - ان يعين المشتري نوع المبيع كان يقول: (بعنيها نقدا) فيوجب البائع ويقبل المشتري، او يقول: (بعنيها نسيئة)فيوجب البائع ويقبل المشتري.
في هذه الحالة يصح البيع.
والواقع ان هذا ليس من البيعتين في بيعة، وانما هو
عرض
خيارين امام المشتري من قبل البائع، وايهما اختار
يتم
اجراصيغة المبيع عليه.
اما في الصورة الثانية فهو المصداق الواضح
للبيعتين في بيعة،
وهما كما في المثال المذكور:
2- شرا البائع دار المشتري، او قل: بيع المشتري داره
للبائع.
وحيث تكون الصيغة (صيغة البيع) واحدة تشملهما معا
يصدق
عنوان «البيعتين في بيعة»، ولانه منهي عنه فانه
لايصح.
وما نحن فيه هو من النحو الثاني للصورة الاولى،
وذلك لان
قول البائع (بعتك) لم يقصد به انشا البيع او
الايجاب،
وانماالمقصود به التخيير بين هذين اللونين من
البيع فايهما
اختاره المشتري يجريان عليه صيغة البيع.
فهما بيعتان مستقلة كل منهما عن الاخرى، وليستا
بيعتين في
بيعة، فايهما يقع عليه البيع فهو صحيح.
النتيجة
والنتيجة التي ننتهي اليها هي: ان بيع التقسيط هو
لون من
الوان النسيئة. وهو جائز عند فقهائنا بلا خلاف يذكر. التشيع المفترى عليه (2)الشيخ خالد العطية مداخلات وهوامش نقدية على كتاب «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه» لاحمدالكاتب تضمن القسم الاول، من هذه الدراسة، الذي نشر في العدد السابق من مجلة «المنهاج»، تمهيدا اشير فيه الى النظريتين الاسلاميتين في قضية خلافة النبي (ص)، وتم تقديم ملاحظات منهجية على الفصل الاول من كتاب «تطور الفكرالسياسي...»، وفي ما ياتي القسم الثاني من الدراسة، وتتم فيه مناقشة موضوع الفصل الاول.
ثانيا: مناقشة موضوع الفصل الاول: «الشورى نظرية
اهل البيت»
تعرض «الكاتب»، في هذا الفصل، لمناقشة اول مبادى
التشيع
واهم مقوماته واركانه، وهو الاعتقاد بان خلافة
النبي
(ص)وامامة المسلمين وولاية امورهم من بعده انما هي
بالنص
والتعيين النبوي، وليست بالشورى والانتخاب البشري
باي نحو
من انحا الشورى المتصورة او التي جرت وفاقا لها
المقادير،
وعرفها تاريخ الخلافة في صدر الاسلام.
وقد اعفى «الكاتب» نفسه، وهو يناقش هذا المبدا
الاساسي من
مبادى التشيع، من بحث الادلة والنصوص التي
استدل بها
الشيعة الامامية على صحته، وراح يسلك سبيلا آخر رآه
اخف
مؤونة عليه، واقرب وصولا الى غرضه، واقوى حجة على
مخالفه
من السبيل الاول الذي تقتضيه اصول البحث العلمي
وقواعده
المنهجية المتعارفة، كما سبقت الاشارة الى ذلك.
وهذا السبيل
الذي اختاره «الكاتب» هو: التقاط بعض النصوص
والروايات
المنسوبة الى اهل البيت (ع)، وفي طليعتهم الامام
علي (ع)،
التي «تؤكد» ، في زعمه، وبحسب تعبيره، «التزام
الرسول
الاعظم واهل بيته بمبدا الشورى وحق الامة في
انتخاب ائمتها»
. ((38))
وبذلك، كما يتصور، ينهار مبدا التشيع من اساسه،
ويفقد معناه،
ويصبح الشيعة الامامية اماميين اكثر من ائمتهم!
ثلاثة مزاعم: دعاوى يصدر بها «الكاتب» كلامه
واود، قبل البدء بمناقشة هذه النصوص وتقويم
النتائج التي
رتبها الكاتب عليها وبلورها في ضوئها، ان اتوقف
عندالعبارة
التي صدر بها الكاتب كلامه في هذا الفصل، وهي قوله:
«كانت
الامة الاسلامية، في عهد الرسول الاعظم (ص)،وبعد
وفاته،
وخلال العقود الاولى من تاريخنا، تؤمن بنظام
الشورى وحق
الامة في اختيار ولاتها، وكان اهل البيت في طليعة
المدافعين
عن هذا الايمان والعاملين به» ((39)).
تضمنت هذه العبارة ثلاثة مزاعم، او دعاوى تاريخية،
اوردها
«الكاتب» في سياق اثبات مقولة كلامية دستورية
كبرى
هي مقولة: ان الاسلام قد شرع الشورى نظاما لتداول
السلطة
واختيار ولاة امور المسلمين العامة، وثالث هذه
الدعاوى التاريخية هو زعمه الخاص بموقف اهل البيت
تاريخيا
من مقولة الشورى، والتي كلف «الكاتب» نفسه، في
هذا
الفصل،بحثها بالطريقة التي سبق ذكرها، واما
الدعويان الاوليان
فقد اطلقهما جزافا وارسلهما ارسال المسلمات، وهما:
2- ان الامة الاسلامية كانت تؤمن، بعد وفاة الرسول
الاعظم
(ص)، وخلال العقود الاولى من تاريخ المسلمين،
بذلك ايضا.
مناقشة الدعوى الاولى
ان «الكاتب» لم يتحدث، في هذه الدعوى، عن ايمان
الرسول
(ص) بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها،
وانماتحدث
عن ايمان الامة الاسلامية بهذا الحق المزعوم في
عهده وخلال
حياته.
وما دام الامر كذلك، فلنا ان نسال الكاتب عن
المعطيات
والوقائع التي عكست ايمان الامة الاسلامية بهذا
الحق،وجسدته
على مستوى الراي العام فيها، خلال عهد النبي (ص)،
حتى
ساغ له ان ينسبه الى مجموعها ويجعله في عدادالعقائد
والاحكام الاسلامية الثابتة والمعروفة لديها على
نطاق واسع
في عهد النبي، وساغ له ان يعده من جملة
القضاياالواضحة التي
تحمل قياساتها معها ولا يحتاج الباحث الى تجشم عنا
اثباتها.
1- هل قامت الامة الاسلامية باختيار النبي (ص) وليا
لامرها؟
2- هل مارست حقها المزعوم في اختيار ولاة امورها مع
وجوده
بين ظهرانيها بحيث كانت هي التي تختار
المضطلعين بشؤون
الحكم والادارة والقضا وقيادة الجيوش وجباية
الزكاة
والصدقات والسفارة الى الملوك ورؤسا القبائل.. وما
الى ذلك
من شؤون الولاية العامة في عهده، وبمعزل عن قراره
ورايه،
وكان هو (ص) يكتفي من نفسه بوصفه نبيا مبلغا
عن اللّه
فحسب، ولا شان له بالحكم والولاية العامة على
الامة؟
كما ان الفرضية الثالثة يكذبها تاريخ المسلمين في
عصر النبي
(ص) كما تكذبها سنته وسيرته، فقد جمع النبي (ص)
في شخصه ولاية امر الامة من جميع نواحيها
التشريعية
والادارية والقضائية والعسكرية والخارجية، ولم
تكن للامة
الخيرة في اي وال يعينه او قاض ينصبه او قائد للجيش
يؤمره،
او صلح يعقده، او رسول يرسله، او اي تدبير او قرار
سياسي يتخذه ويعزم عليه، ولم يؤلف، في عهده، اي
هيئة
تمارس الشورى بوصفها قاعدة دستورية ونظاما سياسيا
متكاملا، ولوعلى مستوى شبيه بدار الندوة التي
عرفتها قريش
في مكة قبل الاسلام. وان كان من دابه (ص) استشارة
صحابته
في التدبير لمواجهة بعض المشاكل والحوادث الواقعة
تطييبا
لنفوسهم واستفادة من خبراتهم وتدريبا لهم على
مشاركة
ولي الامر في تحمل المسؤولية والاهتمام بامور
المسلمين
العامة، لكن العزم والقرار كان في النهاية اليه
وحده، ولم يكن
للامة بعد ان يعزم الخيرة في ان تطيع او لا تطيع،
توافق او لا
توافق.
واما الفرضية الرابعة فلا يوجد ما يؤيدها في مصادر
تاريخ
المسلمين في العصر النبوي، ولا في مصادر الحديث
والسيرة النبوية المعتمدة عند اصحاب نظرية الشورى
من اهل
السنة اشاعرة كانوا ام معتزلة ام غيرهم، فضلا عن
غيرها
من المصادر المعتمدة عند اصحاب نظرية النص
والتعيين من
الشيعة.
ولهذا السبب لم تدع هذه الفرضية اشد الفرق الكلامية
انحيازا
الى نظرية الشورى واكثرها تمسكا وايمانا بها، وكما
يقول الامام
الشهيد محمد باقر الصدر (قده): «لو كانت الشورى
مطروحة
من قبل النبي (ص) بالحجم المطلوب لسمعهامختلف
الناس،
ولانعكست بصورة طبيعية عن طريق الاعتياديين من
الصحابة
كما انعكست فعلا النصوص النبوية على فضل الامام (ع)
ووصايته عن طريق الصحابة انفسهم، فكيف لم تحل
الدوافع
السياسية دون ان تصل الينا مئات الاحاديث عن طريق
الصحابة عن النبي (ص) في فضل علي (ع) ووصايته
ومرجعيته، على الرغم من تعارض ذلك مع الاتجاه السائد وقتئذ، ولم يصلنا شيء ملحوظ من ذلك في ما يتصل
بفكرة
الشورى؟ بل حتى اولئك الذين كانوايمثلون الاتجاه
السائد
كانوا في كثير من الاحيان يختلفون في المواقف
السياسية،
وتكون من مصلحة هذا الفريق او ذاك ان يرفع شعار
الشورى
ضد الفريق الاخر، ومع ذلك لم نعهد ان فريقا منهم
استعمل
هذا الشعار كحكم سمعه من النبي(ص)، فلاحظوا على سبيل
المثال موقف طلحة من تعيين ابي بكر لعمر، واستنكاره
لذلك، واعلانه السخط على هذاالتعيين، فانه لم يفكر
على
رغم ذلك ان يلعب ضد هذا التعيين بورقة الشورى،
ويشجب
موقف ابي بكر، بانه يخالف ما هو المسموع من النبي
(ص) عن
الشورى والانتخاب» ((40)). اذن من اين جا «الكاتب» بهذه الدعوى؟ اغلب الظن انه جا بها وفي ذهنه ما صار يستند اليه بعض الكتاب المحدثين في تنظير مقولة الشورى ((41))، واعني به: قبول النبي (ص) مشورة بعض اصحابه في اتخاذ بعض التدابير الحربية في بعض غزواته ومعاركه مع المشركين، والاخذببعض اقتراحاتهم في ما شاكل ذلك من قضايا فنية وشؤون اجرائية امتثالا لقوله تعالى: (فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولوكنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل على اللّه ان اللّه يحب المتوكلين) [آل عمران: 159].
قال ابن كثير في تفسير هذه الاية: «ولذلك كان رسول
اللّه
(ص) يشاور اصحابه في الامر اذا حدث تطييبا لقلوبهم،
ليكون انشط لهم في ما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر
في
الذهاب الى العير... وشاورهم ايضا اين يكون المنزل...
وشاورهم
في احد في ان يقعد في المدينة او يخرج الى العدو...
وشاورهم
يوم الخندق في مصالحة الاحزاب... فكان النبي
(ص)يشاورهم
في الحرب ونحوها» ((42)).
وكذلك ما ورد في شان الانصار قبل قدوم النبي (ص)
اليهم
في المدينة من قوله تعالى: (والذين استجابوا لربهم
واقامواالصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم
ينفقون)
[الشورى: 38].
قال القرطبي: «فكانت الانصار، قبل قدوم النبي (ص)
اليهم، اذا
ارادوا امرا تشاوروا فيه ثم عملوا عليه، فمدحهم
اللّهتعالى به»
. ((43))
ولكن ممارسة الصحابة لهذا النوع والقدر من الشورى
الذي
عكسته السيرة النبوية، وحث عليه القرآن الكريم،
واثنى عليه، لا تتجاوز حدود القضايا الفنية والشؤون الاجرائية المستندة الى
الخبرة التي يعتمد عليها اي حاكم في صنع قراره،معينا كان بالنص ام منتخبا بالشورى،
وبالتالي فان هذه الممارسة لا تعكس بالضرورة ايمان الامة بالشورى بوصفها
نظاماسياسيا يعطي لها الحق في اختيار من يحكمها من بعد النبي،
كما
يدعي بعض الكتاب المحدثين الذين تابعهم
«الكاتب»ونسج
على منوالهم.
كما ان شرعنة هذه الممارسة بالنص الالهي والفعل
النبوي لا
يعكس بالضرورة شرعنة الشورى بوصفها الدستوري
المتقدم،
بداهة ان تلك الممارسة لم تصل الى مستوى الممارسة
السياسية التي يقتضيها نظام الشورى بذلك
الوصف.وقياس
الممارسة الاخيرة على الممارسة الاولى قياس مقدمته
اكبر
من نتيجته.
والنتيجة التي نخلص اليها من مناقشة كلام
«الكاتب»، في
الدعوى الاولى التي صدر بها الفصل الاول من كتابه،
انه
كلام ايسر ما يقال فيه انه متهافت وغير دقيق وان
صاحبه القاه
على عواهنه كما شا له هواه ان يلقيه من غير تثبت
ولاتحقيق.
مناقشة الدعوى الثانية
(ايمان الامة الاسلامية بعد وفاة الرسول (ص) وخلال
العقود
الاولى من التاريخ الاسلامي بنظام الشورى وحق
الامة
في اختيار ولاتها)
وهنا نسال «الكاتب»، مرة اخرى، عن الوقائع
والمعطيات التي
تجسد فيها ايمان الامة الاسلامية بعد وفاة الرسول
(ص)وخلال
العقود الاولى من التاريخ الاسلامي بنظام الشورى
وحقها في
اختيار ولاتها؟
هل هي الوقائع التي رافقت تولي الخليفة الاول بعد
وفاة
الرسول (ص)، او الخليفة الثاني، او الثالث، او
الرابع؟
هذه هي الوقائع التي يمكن ان يتجسد فيها ايمان
الامة بنظام
الشورى لو كان موجودا حقا في الاطار التاريخي
الذي حدده
الكاتب في دعواه.
اما الوقائع التي رافقت تولي الخليفة الاول بعد
النبي (ص) فهي
التي حدثت في الاجتماع الذي بادر الى عقده
الانصارفي
سقيفة بني ساعدة، ثم هرع اليه وانضم اليهم فيه، او
اقتحمه
عليهم على الاصح، نفر من المهاجرين يمثلون
الزعامة القرشية.
وقراة فاحصة لمنطق الفريقين وذهنيتهم التي عكستها
اقوالهم وتصرفاتهم في ذلك الاجتماع لا تكشف عن
ايمانهم بالشورى، بوصفها تشريعا دينيا يجب التقيد
به في شغل
منصب الخلافة وولاية الامر من بعد النبي (ص).
فالانصار الذين خافوا من تسلط الزعامة القرشية
عليهم قد
بادروا الى عقد ذلك الاجتماع من دون مشورة
المهاجرين
ولامشورة اهل البيت ورهطهم بني هاشم، ولولا
التنافس الذي
كان قائما بين جناحيهم: الاوس والخزرج لاسرعوا في
عقدالبيعة لزعيمهم سعد بن عبادة قبل وصول ابي بكر
وعمر
وابي عبيدة الى الاجتماع، كما انه بعد ان مالت
الكفة
لغيرصالحهم في جدالهم الحامي مع الداخلين عليهم من
المهاجرين القرشيين ويئسوا من حصولهم على الخلافة
لم
يحتجواعلى المهاجرين بفكرة الشورى ووجوب تطبيقها
بالرجوع الى بقية من يعتد برايه من الصحابة الذين
غابوا عن
هذاالاجتماع وهم معظم المهاجرين، بمن فيهم اهل
البيت
الذين كانوا مشغولين بتجهيز النبي (ص) ودفنه، وكذلك
سائربني هاشم، وانما طرحوا فكرة «منا امير ومنكم
امير»
((44))،
وهي فكرة لا تعبر عن مضمون نظرية الشورى بقدر ما
تعبرعن محاولة اقتسام الزعامة والحصول على نصيب
منها بعد
الياس من الانفراد بها. وبعد ان احبط عمر هذه الفكرة
طغى على الاجتماع منطق جديد، فهدد بعض الانصار
باستعمال القوة لفرض زعامتهم وولايتهم على
المسلمين
فقال الحباب بن المنذر: «انا جذيلها المحكك
وعذيقها المرجب
((45))...
يا معشر الانصار: املكوا على ايديكم، ولا تسمعوا
مقالة
هذاواصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فان
ابوا عليكم ما
سالتم فاجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الامر عليهم...
اماواللّه ان
شئتم لنعيدنها جذعة، واللّه لا يرد علي احد ما اقول
الا حطمت
انفه بالسيف» ((46)).
ولا شك في ان هذا المنطق ابعد ما يكون عن معنى
الشورى،
وفيه نعرة جاهلية ظاهرة بعيدة عن روح الاسلام.
تلك كانت ذهنية الانصار، كما جسدتها وقائع اجتماع
السقيفة!
فكيف كانت ذهنية المهاجرين كما جسدتها تلك
الوقائع والوقائع التي تلتها مما رافق تولي
الخليفة الاول الحكم،
بعد وفاة النبي (ص)؟
يصور هذه الذهنية الشريف المرتضى، في كتابه
«الشافي»، على
نحو جامع مختصر بقوله: «ان القوم الحاضرين
للسقيفة قصدوا
في الامر طريق التغلب والاستبداد، لانهم تفردوا
بتدبيره من
غير مشورة لبني هاشم وخاصتهم والمنضمين
اليهم فيه، ولا
مطالعة لواحد منهم به، ولما ظهرت كلمتهم على
الانصار
بميل من مال اليهم من جملتهم بادر احدهم فصفق على
يد
ابي بكر بالبيعة، وقالوا: بايعه المسلمون، واجتمع
عليه الانصار
والمهاجرون، وحمل الناس على المبايعة حملا،واخذوا
بها
اخذا، ووط ى سعد بن عبادة، ووجى عنق عمار، وكسر سيف
الزبير، وروسل امير المؤمنين (ع) ومن كان في جهته
بالدعا
الى البيعة مراسلة من يرى ان البيعة قد لزمته، وان
التاخر عنها
خلع للطاعة، وخلاف على الجماعة،وضموا الى ذلك ضربا
من
التوعد والتهدد وكل ما ذكرناه قد ذكره الرواة
وشرحوه»
. ((47))
ولنتوقف عند بعض هذا الذي ذكره الرواة وشرحوه مما
يصور
ذهنية المهاجرين وموقفهم من نظرية الشورى
المزعومة،واشار الى بعضه المرتضى في كلامه السابق:
اولا: تفرد النفر الحاضرين في السقيفة من المهاجرين
واستبدادهم بتدبير البيعة لابي بكر من غير مشورة
اهل البيت
وبني هاشم ومعهم سائر الموالين لعلي (ع)
والمعروفين
بالتشيع له يومئذ، ومنهم الزبير بن العوام ((48))،
وخالد بن
سعيد بن العاص الاموي وسلمان الفارسي وابو ذر
الغفاري،
والمقداد بن الاسود الكندي وعمار بن ياسر، وبريدة
الاسلمي
((49))،هذا
الى جانب من لم يحضر السقيفة من سائر
المهاجرين الاخرين من الحزب القرشي ومن غيره، وهم
جل المهاجرين.
ثانيا: خطبة ابي بكر في السقيفة برواية عمر بن
الخطاب التي
رواها البخاري في صحيحه، ورواها غيره من
المحدثين والمؤرخين، والتي ورد فيها قوله: «لن
يعرف هذا
الامر الا لهذا الحي من قريش، هم اوسط العرب نسبا
ودارا، وقد
رضيت لكم احد هذين الرجلين، فبايعوا ايهما شئتم،
فاخذ بيدي
وبيد ابي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا».
ومن الواضح ان هذا القول من ابي بكر لا يعكس ايمانه
بحق
الامة في اختيار ولاتها ولا ينسجم مع منطق نظرية
الشورى،وانما ينسجم مع احدى رؤيتين مغايرتين لذلك
المنطق:
الاولى: الرؤية العربية القبلية لمكانة قريش والتي
تسلم لها
بالزعامة والرئاسة.
الثانية: رؤية مستندة الى الاحاديث المروية عن
النبي (ص)
التي تحصر ولاية امور المسلمين من بعده في اثني
عشرخليفة
او امير كلهم من قريش ((50))، مع تعديل جوهري في مستند
هذه الرؤية يتمثل في اسقاط العدد اثني
عشروالمعنيين به في
تلك الاحاديث من الاخذ بنظر الاعتبار.
فاي الرؤيتين صدر عنها كلام ابي بكر في خطبته فهو لا
يجسد
ايمانه بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها.
ثالثا: سلوك طريق القوة والتغلب والتوعد والتهديد
في اخذ
البيعة لابي بكر واجبار المسلمين عليها، وابرز
مظاهر
هذاالسلوك ما حدث في اجتماع السقيفة وذكره عمر بن
الخطاب في روايته لاحداث السقيفة كما في صحيح
البخاري،
قال عمر: «فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى فرقت من
الاختلاف، فقلت: ابسطيدك يا ابا بكر فبسطيده،
فبايعته
وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الانصار، ونزونا على
سعد بن عبادة،
فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل
اللّه سعد
بن عبادة» ((51)).
وما فعله عمر بسعد فعل مثله بالحباب بن المنذر
حينما انتضى
سيفه بعد ان راى اقبال الناس على البيعة، فحامله
عمرفضرب
يده فندر السيف، فاخذ منه، فجعل الحباب يضرب بثوبه
وجوههم حتى فرغوا من البيعة ((52)).
ومن مظاهر هذا السلوك التغلبي، ايضا، ما حدث عند
محاولة
اخذ البيعة لابي بكر في المسجد من غير من كان
حاضرافي
السقيفة من المسلمين، وفي طليعتهم علي بن ابي طالب
(ع)
ومن اعتصم معه في دار فاطمة (س) او بقي في رحله من
بني
هاشم وسائر الموالين له ممن رفض بيعة السقيفة فقد
ارسل ابو
بكر اليهم عمر بن الخطاب في عصابة، فجافقال:
«والذي
نفسي بيده لتخرجن الى البيعة او لاحرقن البيت
عليكم! فخرج
الزبير مصلتا سيفه... فاخترطه عمر فضرب به حجرا
فكسره، ثم
اخذ بيد الزبير فاقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه
فامسكه، ثم
قال لعلي: قم فبايع لابي بكر، فتلكاواحتبس، فاخذ
بيده، وقال:
قم، فابى ان يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير
فاخرجه، ورات
فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت:
يا ابا بكر،
ما اسرع ما اغرتم على اهل بيت رسول اللّه» ((53)).
وبعد ان جىء بعلي (ع) الى المسجد، قالوا له: «بايع،
فقال: ان انا
لم افعل فمه؟ قالوا: اذا واللّه الذي لا اله الا هو
نضرب عنقك، فقال: اذا تقتلون عبد اللّه واخا رسوله، قال عمر: اما عبد اللّه
فنعم، واما اخو رسوله فلا، وابو بكر ساكت لا يتكلم،فقال له عمر: الا تامر فيه
بامرك؟ فقال: لا اكرهه على شيء
ما كانت
فاطمة الى جنبه» ((54)). هذه هي ابرز الوقائع التي عكست موقف الامة الاسلامية من نظرية الشورى عند اول اختبار واجهته بعد وفاة النبي (ص) بالنسبة لهذه النظرية.
ننتقل بعد ذلك الى وقائع الاختبار الثاني، وهو
المتعلق
بالطريقة التي تم بموجبها انتقال السلطة الى
الخليفة الثاني
عمربن الخطاب، فنلاحظ ان الخليفة الاول ابا بكر
حينما نزل
به الموت دعا عثمان خاليا، فقال: اكتب: «بسم اللّه
الرحمن الرحيم، هذا ما عهد ابو بكر بن ابي قحافة
الى
المسلمين، اما بعد، فاني قد استخلفت عليكم عمر بن
الخطاب
ولم آلكم خيرا منه» ((55)).
فخرج بعد ذلك عمر على الناس، ومعه شديد مولى ابي
بكر،
ومعه جريدة يجلس بها للناس، فقال: ايها الناس،
اسمعواقول
خليفة رسول اللّه (ص) ((56)).
ويذكر المؤرخون ان قوما من الصحابة، منهم طلحة،
دخلوا
على ابي بكر بعد عهده لعمر بالخلافة، فقال له طلحة:
«ماانت
قائل لربك غدا وقد وليت علينا فظا غليظا، تفرق منه
النفوس،
وتنفض عنه القلوب» ((57)).
وفي رواية عن عبد الرحمن بن عوف انه دخل على ابي بكر
في
مرضه الذي توفي فيه، فقال له: «كيف اصبحت يا
خليفة رسول
اللّه، فاني ارجو ان تكون بارئا؟ قال: اترى ذلك؟
قال: نعم، قال
ابو بكر: واللّه اني لشديد الوجع، ولما القى منكم
يامعشر
المهاجرين اشد علي من وجعي، اني وليت امركم خيركم
في
نفسي، فكلكم ورم انفه ارادة ان يكون الامر له»((58)).
وواضح من هذا الاستخلاف، وهذا الاستنكار للمعارضة،
كما
يقول الشهيد الصدر: «ان الخليفة لم يكن يفكر بعقلية
نظام الشورى، وانه كان يرى من حقه تعيين الخليفة،
وان هذا
التعيين يفرض على المسلمين الطاعة، ولهذا امرهم
بالسمع والطاعة، فليس هو مجرد ترشيح او تنبيه، بل
هو الزام
ونصب» ((59)).
ونلاحظ، ايضا، ان احدا من الصحابة واهل الحل والعقد
في الامة
لم يحتج على هذا التعيين بمخالفته لنظام
الشورى الذي
يشكل حسب ادعا الكاتب جزءا من عقيدة الامة
وايمانها
بدينها، وانما احتجوا على شخص الخليفة المعين
لااكثر. وحينما نصل الى وقائع الاختبار الثالث لايمان الصحابة بنظرية الشورى، وهو المتعلق بطريقة تولي الخليفة الثالث عثمان بن عفان للخلافة، نلاحظ ايضا انه لا الصحابة ولا الخليفة الثاني السابق كانوا يفكرون بعقلية الشورى! اما الصحابة فقد هرعوا الى الخليفة الثاني المسجى على فراش الموت طالبين منه الاستخلاف ((60)).
|
|---|