واما الخليفة
السابق فقد راى هو الاخر ايضا، كما يقول الشهيد
الصدر: «ان من حقه فرض الخليفة على المسلمين،ففرضه
في
نطاق ستة اشخاص، واوكل امر التعيين الى الستة
انفسهم دون
ان يجعل لسائر المسلمين اي دور حقيقي
فيالانتخاب». وهذا
يعني، ايضا، ان عقلية نظام الشورى لم تتمثل في
طريقة
الاستخلاف التي انتهجها عمر، كما لم تتمثل،من قبل،
في
الطريقة التي سلكها الخليفة الاول.
وقد قال عمر، حين طلب منه الناس الاستخلاف: «لو
ادركني
احد رجلين فجعلت هذا الامر اليه لوثقت به: سالم
مولىابي
حذيفة، وابي عبيدة بن الجراح، ولو كان سالم حيا ما
جعلتها
شورى» ((61)).
بقي علينا ان نستعرض، مع «الكاتب»، آخر ما في جعبة
«العقود
الاولى من تاريخنا» من وقائع دستورية يمكن ان
تعكسايمان
الامة بنظام الشورى وحقها في اختيار ولاتها، كما
يدعي
«الكاتب»، واعني بها الوقائع التي رافقت تولي
الامام علي(ع)
الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان.
وهنا يجوز ان يقول الكاتب: ها هي الامة تجمع على
اختياره
وتنتخبه وليا لامرها بارادتها، من دون ان يفرضه
عليهاخليفة
سابق او زمرة قليلة من الصحابة، الامر الذي يعكس
ايمانها
بنظرية الشورى.
وهذا قول صحيح، ولكنه لا يثمر النتيجة التي رتبها
عليه، لان
اهل الحل والعقد الذين اجمعوا على مبايعة علي
(ع)كانوا، في
الواقع، فريقين:
فريق يؤمن بالنص عليه وبان الخلافة حقه من اول
الامر، فهم
يعيدون اليه حقه المنصوص. وهؤلاء هم عامة
صحابتهوانصاره،
ومنهم اصفياؤه وخاصته الثابتون على ولايته منذ عهد
النبي
(ص) كعمار بن ياسر، وخزيمة ذي الشهادتين،وابي ايوب
الانصاري وسعد بن عبادة، ومحمد بن ابي بكر...، وقد
اتهم
الحزب الاموي بعضهم بقيادة الثورة علىالخليفة
السابق
عثمان وقتله.
فهؤلاء كان منطلقهم، في مبايعة علي (ع)، الايمان
بنظرية
النص وليس بنظرية الشورى.
واما الفريق الاخر، من اهل الحل والعقد، الذين
بايعوا عليا (ع)
فهم ما بين جاحد للنص عليه او متاول لمعناه من
دونانكار
لصدوره، وهم عامة الحزب القرشي من الصحابة الذين لم
نعهد
لهم في ما سبق من عهود الخلافة اي ممارسة تدلعلى
ايمانهم بنظرية الشورى.
وحقيقة الامر ان هذا الفريق قد اسقط في يده بعد
احداث
الثورة، فلم يجد بدا من مجاراة الفريق الاول الذي
اشتدساعده
ووجد له مساندة قوية من الراي العام، بعد تلك
الاحداث، فبايع
عليا (ع) خضوعا واستسلاما لرغبة التيار العامفي
الامة الذي
كان يتزعمه الفريق المؤمن بنظرية النص عليه.
ولا ادل على عدم ايمان فريق الحزب القرشي بنظرية
الشورى
من قيامه، بعد ذلك، بنكث البيعة والخروج على
طاعةالامام
(ع) عند اول سانحة سنحت له، رغم ان تلك البيعة قد تمت
بشروط الشورى، فكانت حربا الجمل وصفين
اللتاناراق فيهما
الناكثون والقاسطون دماء المسلمين، ومزقوا اول
امتداد
حقيقي لكيان الدولة الاسلامية النبوية منذ عهد
النبي(ص)
ومهدوا لقيام دول الملك المتوارث القائم على الظلم
والاستئثار وسفك الدماء، من اموية وعباسية
ومملوكيةوعثمانية وغيرها.
والنتيجة التي نخلص اليها، من مناقشة هذه الدعوى
والدعوى
التي سبقتها، ان ايمان الامة الاسلامية المزعوم
بنظامالشورى
وحقها في اختيار ولاتها في عهد النبي (ص) وفي بواكير
تاريخها بعده لا اثر له ولا انعكاس، سواء في ما
روتهالامة في
اخبارها عن نبيها في هذا الخصوص ام في سلوكها
العملي في
حياته وبعد وفاته!
فمن اين جاء «الكاتب» بهذه الدعوى العريضة اذن؟
وكيف يجوز
لكاتب ان يسوق مثل هذه الدعوى المختلف فيها
اشدالاختلاف
بين المتكلمين من دون بيان لحيثياتها وادلتها ونقل
آراء
الفرقاء المختلفين واقوالهم فيها؟
مناقشة الدعوى الثالثة
والاعجب والاكثر غرابة من جميع ذلك ان ينسب
«الكاتب» بعد
ذلك الى اهل البيت (ع)، في دعوى ثالثة،
الايمانبنظرية
الشورى، بل ويجعلهم «في طليعة المدافعين عن هذا
الايمان
والعاملين به»اق! ثم يقول: «وبالرغم مما
يذكرالاماميون من
نصوص حول تعيين النبي (ص) للامام علي بن ابي طالب
كخليفة من بعده، الا ان تراثهم يحفل بنصوصاخرى
تؤكد
التزام الرسول الاعظم واهل البيت بمبدا الشورى وحق
الامة
في انتخاب ائمتها» ((62)).
فهل اهل البيت (ع) شورويون اكثر من دافعيهم عن حقهم
الذين حيكت نظرية الشورى لصالحهم وتسويغ فعلهم؟
هذا ما سنحاول، في ما ياتي، بحثه وتكوين رؤية واضحة
لاوجه
الخطا والبعد عن الحقيقة فيه من خلال
استعراضالافكار
والحيثيات التي طرحها «الكاتب» في دعواه وحشد لها
العديد
من النصوص والمواقف المنسوبة الى اهل البيت(ع)، وهي
لا
تزيد، في الحقيقة، عن كونها شبهات وتلبيسات.
هل الشورى نظرية اهل البيت؟
يمكن حصر الافكار، او «الشبهات»، التي حاول
«الكاتب» بلورتها
في ضوء النصوص التي اشار اليها في قوله السابق
وكرسلها
الفصل الاول من كتابه في خمس وعشرين فكرة او
«شبهة»
هي، بحسب تسلسل ورودها فيه:
1- امتناع الرسول (ص) عن استخلاف احد بعده، حسبما روى
ذلك عنه الامام علي (ع) والعباس بن عبد المطلب.
2- ان الوصية المروية عن النبي (ص) لعلي (ع) وصية شخصية
لا علاقة لها بالامامة والخلافة الدينية.
3- احجام الامام علي (ع) عن قبول البيعة من العباس بن
عبد
المطلب وابي سفيان حينما عرضاها عليه بعد وفاة
النبي(ص)،
لمخالفة ذلك في رايه لمبدا الشورى.
4- عدم احتجاجه بالنص بعد مبايعة ابي بكر بالخلافة،
واما
امتناعه عن مبايعته في اول الامر وتظلمه مما فعلته
قريشفي
السقيفة فكان بسبب شعوره بالاولوية، او بسبب عدم
اشراكه
في الشورى.
5- عدم فهم الصحابة من نص الغدير وسائر النصوص
الاخرى
الواردة بحقه معنى النص والتعيين بالخلافة.
6- دخوله في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة
عمر
بن الخطاب يدل على التزامه بنظام الشورى.
7- محاججته لاهل الشورى السداسية بفضائله وعدم
اشارته
الى موضوع النص عليه.
8- رفضه، بعد مقتل عثمان بن عفان، الاستجابة لطلب
الثوار
توليه السلطة وانتظاره في ذلك كلمة
المهاجرينوالانصار.
9- تصريحه بايمانه بنظرية الشورى في رسالة بعثها الى
معاوية،
واحتجاجه عليه ببيعة المهاجرين والانصار له
بالمدينةالتي
لزمت معاوية وهو في الشام.
10- احتجاجه على طلحة والزبير ببيعتهما له التي
نكثاها.
11- نظره الى نفسه بوصفه انسانا عاديا غير معصوم،
ومطالبته
المسلمين النظر اليه بوصفه هذا.
12- امتناعه عن استخلاف الامام الحسن (ع)، حين حضرته
الوفاة، وتركه الامر شورى من بعده.
13- كون وصيته الى الامام الحسن (ع) وسائر ابنائه وصية
روحية وشخصية لا علاقة لها بالامامة.
14- عدم استناد الامام الحسن (ع) في الدعوة لبيعته الى
اي
نص عليه من النبي (ص).
15- لو كانت الخلافة بالنص لم يكن جائزا للامام الحسن
(ع)
التنازل عنها لمعاوية ومبايعته له هو واصحابه.
16- لو كانت الخلافة بالنص لنص الامام الحسن (ع) على
ضرورة تعيين الامام الحسين (ع) من بعده.
17- التزام الامام الحسين (ع) ببيعته لمعاوية وعدم
الدعوة الى
نفسه في عهده.
18- عدم وجود اية آثار لنظرية النص في مراسلات الامام
الحسين (ع) مع شيعته وفي خطبته التي سبقت
واقعةكربلاء.
19- عدم اشارة الامام علي بن الحسين (ع)، في خطبته في
المسجد الاموي، بعد واقعة كربلاء، الى موضوع
الامامةالالهية
وقانون وراثتها بالنص.
20- بيعة الامام علي بن الحسين (ع) ليزيد بعد واقعة
الحرة،
واعتزاله عن الناس ووصيته الشيعة بالخضوع للحاكم.
21- انتخاب سليمان بن صرد الخزاعي زعيما للشيعة
نتيجة
للفراغ القيادي الذي سببه مقتل الامام الحسين (ع)
واعتزالابنه علي (ع) شؤون السياسة.
22- رفض الامام علي بن الحسين (ع) الاستجابة لدعوة
المختار اياه لتولي الامامة واستلام محمد بن
الحنفية
قيادةالشيعة ورعايته قيام دولة المختار في
الكوفة.
23- رواية الامام الرضا (ع) عن جده رسول اللّه (ص) قوله:
«من
جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة
امرهاويتولى من
غير مشورة فاقتلوه».
24- قول اجيال من الشيعة الاوائل باولوية علي (ع)، اما
لفضله
وسابقته وعلمه، واما لقرابته من النبي (ص)
واجازتهممع ذلك
امامة ابي بكر وعمر، او امامة من يرونه مجزئا.
25- نفي الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب وابنه
عبداللّه صفة الامامة الالهية عن جدهم امير
المؤمنين (ع).
هذه هي مجمل الافكار او الشبهات التي قصد
«الكاتب» بلورتها
وحاول استنتاجها وتكييفها في ضوء ما في جعبته
مننصوص
تشكل، في مجموعها، حسب اعتقاده بصحتها وفقهه
وتحليله
لها، دليلا قاطعا على ايمان اهل البيت (ع)بنظرية
الشورى،
وعدم اعتقادهم في انفسهم ما يعتقده الشيعة
الامامية فيهم!
وسوف نقوم، في ما ياتي من بحوث، بتقويم ما استند
اليه
«الكاتب» في شبهاته هذه من نصوص في ضوء ثلاثة
معاييراساسية درج العلماء المختصون، فقهاء
ومتكلمين، على
اخذها بنظر الاعتبار في تقويم اي نص يتصل بفكرة
دينية،كلامية كانت ام فقهية. وهذه المعايير
الثلاثة هي:
1- معرفة سند النص والتاكد من حال رجاله من حيث
الوثاقة.
2- فقه دلالة متن النص والتاكد من امكان صدور مضمونه
عن
قائله بقطع النظر عن السند.
3- مقارنة النص بما يعارضه ويخالفه من نص آخر او نصوص
اخرى موجودة، والبحث في امكان الجمع والتوفيق
بينهماوكيفية هذا الجمع، اي النصين او الفريقين من
النصوص
اولى بالاخذ او الطرح عند استحكام التعارض وعدم
امكانالتوفيق بينها.
ولكننا لن نلجا الى المعيار الثالث في تقويم النصوص
التي بنى
عليها «الكاتب» استنتاجاته وشبهاته المتعلقة
بموقف اهلالبيت
من نظرية الشورى الا في حالات المعارضة المباشرة،
اي في
حال ما اذا وجدت نصوص معارضة لنصوص«الكاتب» من
حيث
دلالتها المطابقية ونافية للوقائع ذاتها الذي
تتضمنها نصوصه.
اما النصوص المعارضة لنصوصهوالمكذبة لها او
لدلالتها
المزعومة بصفة عامة، كنص يوم الانذار الذي كان
العباس بن
عبد المطلب احد شهوده ونصالغدير وحديث الثقلين
وحديث
السفينة وحديث المنزلة وما اليها من نصوص السنة
النبوية
التي تجاهلها «الكاتب» ولميوفها حقها من البحث،
فقد اغنانا
علماء الشيعة الامامية، قديما وحديثا، عن بحثها
بمؤلفاتهم
الكثيرة والمتنوعة توسعاوعمقا في بحثها، فلا موجب
للاطالة
والتكرار ((63)).
مناقشة الشبهة الاولى
(امتناع الرسول (ص) من ان يستخلف احدا بعده حسبما روى
ذلك عنه الامام علي (ع) والعباس بن عبدالمطلب):
قال «الكاتب»: «تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى
وهو من
ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري: ان
العباسبن
عبد المطلب خاطب امير المؤمنين في مرض النبي (ص) ان
يساله عن القائم بالامر بعده: فان كان لنا بينه وان
كانلغيرنا
وصى بنا. وان امير المؤمنين قال: (دخلنا على رسول
اللّه (ص)
حين ثقل، فقلنا: يا رسول اللّه.. استخلف علينا،فقال:
لا، اني
اخاف ان تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن
هارون، ولكن
ان يعلم اللّه في قلوبكم خيرا اختار لكم)»((64)).
سبقت الاشارة الى ان «الكاتب» اقتبس الروايتين
اللتين
تضمنهما نص كلامه السابق من فقرة من كتاب
«المغني»
للقاضيعبد الجبار نقلها عنه المرتضى في سياق الرد
عليه،
وقد وضح المرتضى (ره) موقف الشيعة الاجمالي من
هاتينالروايتين وما يشبههما من روايات اخرى
ذكرها القاضي
عبد الجبار في كتابه «المذكور»، في مقام معارضة
النصوص
التييستدل بها الشيعة على امامة علي بن ابي طالب
(ع)
وترويها مصادرهم ومصادر غيرهم، وضح ذلك بقوله:
«والاخبارالتي ادعاها لم تنقل الا من جهة واحدة،
وجميع شيعة
امير المؤمنين (ع)، على اختلاف مذاهبهم، يدفعها
وينكرهاويكذب رواتها فضلا عن ان ينقلها، ولا شيء
منها الا
ومتى فتشت عن ناقله واصله وجدته صادرا عن متعصب
مشهوربالانحراف عن اهل البيت (ع) والاعراض عنهم،
فليس
مع ذلك شياعها وتظاهرها في خصوم الشيعة كشياع
الاخبارالتي اعتمدنا عليها في رواية الشيعة ونقل
الجميع لها
ورضى الكل بها، فكيف يجوز ان يجعل هذه الاخبار، مع
ماوصفناه، في مقابلة اخبارنا لولا العصبية التي لا
تليق بالعلماء.
وهذه جملة تسقط المعارضة بهذه الاخبار من اصلها»((65)).
والملاحظة العامة التي نسجلها على «الكاتب»
ونذكر بها مرة
اخرى، في ضوء كلام المرتضى السابق، ان الروايتين
اللتيناشار
اليهما ليستا مما «يحفل به تراث الاماميين» كما
ادعى ذلك
وحاول ايهام القارى به عن طريق نسبة روايتهما
الىالشريف
المرتضى، وانما هما مما تفردت به مصادر خصومهم.
واذا ما تركنا هذه الملاحظة العامة جانبا، ونظرنا
الى الروايتين
بقطع النظر عما يعارضهما اجمالا من روايات يحفل
بهاتراث
الشيعة حقا، فاننا نجدهما ساقطتين من الاعتبار
سندا ودلالة،
وحتى نتبين ذلك بوضوح لابد من التوقف لمناقشةكل
واحدة
منهما على انفراد:
الرواية الاولى: ومضمونها موجود في مصادر اهل السنة
في عدة
روايات تنتهي طرقها جميعا الى عبداللّه بن عباس
عداواحدة
ينتهي طريقها الى علي بن ابي طالب (ع).
اما الروايات التي تنتهي طرقها الى عبداللّه بن
عباس فهي
مروية باربع طرق، كما في تاريخ ابن عساكر، اشهرها
طريقالزهري عن عبداللّه بن كعب بن مالك، ونص
الرواية بهذا
الطريق كما في لفظ البخاري: «حدثني اسحاق: اخبرنا
بشر
بنشعيب بن ابي حمزة: حدثني ابي عن الزهري، قال:
اخبرني
عبداللّه بن كعب بن مالك الانصاري، وكان كعب بن
مالكاحد
الثلاثة الذين تيب عليهم، ان عبداللّه بن عباس
اخبره ان علي
بن ابي طالب (رضي اللّه عنه) خرج من عند رسول اللّه(ص)
في
وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا ابا الحسن، كيف
اصبح
رسول اللّه (ص)؟ فقال: اصبح بحمد اللّه بارئا،فاخذ
بيده عباس
بن عبد المطلب، فقال له: انت واللّه بعد ثلاث، عبد
العصا، واني
واللّه لارى رسول اللّه (ص) سوفيتوفى من وجعه هذا،
اني
لاعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا الى
رسول اللّه (ص) فلنساله في منهذا الامر ان كان فينا
علمنا
ذلك، وان كان في غيرنا علمناه، فاوصى بنا، فقال علي:
انا واللّه
لئن سالناها رسول اللّه (ص)فمنعناها لا يعطيناها
الناس بعده،
واني واللّه لا اسالها رسول اللّه (ص)» ((66)).
واما الطرق الثلاث الاخرى الى ابن عباس، فاحدها
مولاه
«عكرمة»، ولفظه مشابه للفظ الزهري وعبداللّه بن
كعب،
والاخرمولاه «شعبة»، ولفظ روايته يختلف عن لفظ
سابقيه من
ناحية جواب علي (ع) للعباس، اذ ورد فيه قوله: «يا عم،
هل
هذاالامر الا اليك؟ وهل من احد ينازعكم في هذا
الامر؟ قال:
فتفرقوا ولم يدخلوا على النبي (ص)» ((67)).
والطريق الاخير هو «عامر الشعبي»، ولفظ روايته
يختلف ايضا
من ناحية جواب علي (ع) للعباس، اذ ورد فيه قوله:
«فقالعلي
للعباس كلمة فيها جفاء، فلما قبض النبي (ص) قال
العباس
لعلي: ابسط يدك فلنبايعك، قال: فقبض يده»((68)).
واما الرواية التي ينتهي طريقها الى علي (ع) فهي
مروية، كما
في تاريخ ابن عساكر بسنده عن «عبداللّه بن عيسى بن
عبدالرحم ن بن ابي ليلى، عن ابيه، عن جده او قال: عن
ابيه،
او عن جده قال: سمعت علي بن ابي طالب يقول:
لقينيالعباس فقال: يا علي، انطلق بنا الى النبي
(ص)، فان كان
لنا من الامر شيء والا اوصى بنا الناس، فدخلنا
عليه وهو
مغمىعليه فرفع راسه فقال: «لعن اللّه اليهود،
اتخذوا قبور
الانبياء مساجد»، ثم قال وفي حديث ابن الطفال: ثم
قالها
الثالثة:فما راينا ما به خرجنا ولم نساله عن
شيء، قال: فسمعت
عليا يقول: يا ليتني اطعت عباسا، يا ليتني اطعت
عباسا»،وعقب
عليه ابن عساكر بقوله: «وهذا لفظ بكر» ((69)).
ويلاحظ على هذه الروايات الخمس عدة ملاحظات:
الاولى: انها بطرقها الخمس التي اشرنا اليها وبقطع
النظر عن
باقي اسنادها ضعيفة لا يمكن الوثوق بها لانخراط
رواتهاالمباشرين وكثير ممن رواها عنهم في مشروع
السلطة
الاموية التحريفي للسنة والسيرة النبويتين الهادف
الى اقصاء
اهلالبيت عن موقعهم الشرعي في الامة واخفاء
فضائلهم
وتسويغ ما جرى عليهم من تجاوز واضطهاد، وهو مشروع
عظيمالمكر، كبير العدة، متعدد الخطوات والمراحل
«وجد فيه
الكاذبون والجاحدون كما يقول الامام محمد بن علي
الباقر(ع) لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به الى
اوليائهم
وقضاة السوء وعمال السوء في كل بلدة، فحدثوهم
بالاحاديثالموضوعة المكذوبة، ورووا عنا ما لم
نقله وما لم
نفعله» ((70)).
فالطريق الاول الى ابن عباس يتمثل بالزهري عن
عبداللّه بن
كعب بن مالك، وكلاهما ممن عرف بالانحراف عن
عليواهل
بيته (ع) وجرته السلطة الاموية الى جانبها ووظفته في
اغراضها:
فالزهري اشتهر ذلك عنه حتى عده المؤرخون في من
انتقص
عليا وعاداه وانحرف عنه، روى ابن هلال الثقفي
صاحبكتاب
«الغارات» عن محمد بن شيبة، قال: شهدت مسجد
المدينة فاذا
الزهري وعروة بن الزبير قد جلسا فذكرا عليا
فنالامنه، فبلغ
ذلك علي بن الحسين (ع) فجاء حتى وقف عليهما فقال: اما
انت يا عروة، فان ابي حاكم اباك الى اللّه
فحكماللّه لابي على
ابيك، واما انت يا زهري فلو كنت انا وانت بمكة
لاريتك كن
(كير) ابيك» ((71)).
ويؤكد ذلك انكاره لاشهر مناقب علي، وهي سبقه الى
الاسلام
ونسبتها الى زيد بن حارثة، كما نقل ذلك ابن عبد البر
في«الاستيعاب» عن معمر في «جامعه» ((72)).
واما صلته بالامويين فقد بداها منذ مطلع شبابه
حينما اتصل
بعبد الملك بن مروان ولزمه ولزم اولاده من بعده حتى
عدهالمؤرخون من عمال المروانيين المعروفين ((73))،
وسماه بعضهم «منديل الامراء» ((74)) ولذلك قدح فيه ابن
معين حينماساله انسان: «الاعمش مثل الزهري؟ فقال:
برئت
من الاعمش ان يكون مثل الزهري، الزهري يرى العرض
والاجازةويعمل لبني امية، والاعمش فقير صبور
مجانب
للسلطان، ورع عالم بالقرآن» ((75)).
وقد خاطبه الامام زين العابدين (ع) بقوله في رسالة
كتبها اليه
يعظه فيها: «جعلوك قطبا اداروا بك رحى
مظالمهم،وجسرا
يعبرون عليك الى بلاياهم، وسلما الى ضلالتهم،
داعيا الى
غيهم، سالكا سبيلهم.. احذر فقد نبئت، وبادر
فقداجلت..»
. ((76))
ولا يختلف عبداللّه بن كعب بن مالك عن الزهري كثيرا
في
هذه الناحية، فقد كان هو وابوه عثمانيين، وكان ابوه
(كعب)ثالث ثلاثة بلغ عليا (ع) لما بويع بالخلافة
«انهم يقدمون
بني امية على بني هاشم ويقولون (هو والاخران: حسان
بن
ثابتوالنعمان بن بشير): الشام خير من المدينة،
واتصل بهم ان
ذلك قد بلغه، فدخلوا عليه، فقال له كعب بن مالك: يا
اميرالمؤمنين، اخبرنا عن عثمان، اقتل ظالما فنقول
بقولك، او
قتل مظلوما فتقول بقولنا؟ ام نكلك الى الشبهة فيه؟
فالعجبمن يقيننا وشكك، وقد زعمت العرب ان عندك
علم ما
اختلفنا فيه، فهاته نعرفه... فقال لهم علي (ع): لكم
عندي
ثلاثةاشياء: استاثر عثمان فاساء الاثرة، وجزعتم
فاساتم الجزع،
وعند اللّه ما تختلفون فيه الى يوم القيامة. فقالوا:
لا ترضىذلك
العرب ولا تعذرنا به، فقال علي (ع): اتردون علي بين
ظهراني
المسلمين بلا بينة صادقة ولا حجة واضحة؟اخرجوا
عني، فلا
تجاوروني في بلد انا فيه ابدا، فخرجوا من يومهم،
فساروا حتى
اتوا معاوية، فقال لهم: لكم الكفايةوالولاية،
فاعطى حسان بن
ثابت الف دينار، وكعب بن مالك الف دينار، وولى
النعمان بن
بشير حمص، ثم نقله الىالكوفة بعد» ((77)).
ومنذ ذلك الوقت، اتصل عبداللّه وابوه كعب
بالامويين، وصارا
في كنفهم، فليس عجبا، بعد ذلك، ان ينخرطا
فيمشروعهم
التحريفي ويضع عبداللّه بن كعب على لسان ابن عباس
مثل
هذه الرواية.
واما الطريق الثاني الى ابن عباس، واعني به مولاه
«عكرمة»،
فهو معروف بالكذب عليه حتى كان يضرب المثل فيه،
«قالابن
عمر لنافع: لا تكذب علي كما كذب «عكرمة» على ابن
عباس،
وكذلك قال سعيد بن المسيب لمولاه برد. وقد
كذبهمجاهد،
وابن سيرين، ويحيى بن سعيد، ومالك بن انس» ((78)).
ومن اجل ذلك اوثقه علي بن عبداللّه بن عباس على
الكنيف
كما روى ذلك عبداللّه بن ابي الحرث ((79)).
والظاهر ان لذلك كله ارتباطا بعقيدته التي تبناها
يوم اعتنق
مذهب الخوارج، وبخاصة راي نجدة الحروري،
وللخوارجموقف
مع الامام علي معروف» ((80)).
والى جانب اشتهار عكرمة بالكذب، فقد عرف ايضا
بصلاته
بالامراء في عهد بني امية وسعيه الى نيل جوائزهم((81)).
واما الطريق الثالث الى ابن عباس، واعني به مولاه
الاخر «شعبة
بن دينار»، فهو لا يقل اشتهارا بالكذب على مولاه
منقرينه
الاخر «عكرمة»، فقد ضعفه اكثر المحدثين وعلماء
الرجال كابن
معين ومالك والجوزجاني والنسائي وابن سعدوابي زرعة
والساجي وابي حاتم، كما نقل ذلك ابن حجر في «تهذيب
التهذيب»، ونقل عن ابن حبان قوله فيه: «روى
عنابن عباس ما
لا اصل له حتى كانه ابن عباس آخر» ((82)).
واما الطريق الاخير الى ابن عباس، واعني به
«الشعبي»، عامر بن
شراحيل، فهو من صنايع الامويين وعمالهم
المعروفين«فقد
بعثه عبد الملك بن مروان كما في كتاب (النجوم
الزاهرة)،
ج1، ص 208 الى مصر بسبب البيعة للوليد بن عبدالملك،
ثم
تولى المظالم بالكوفة كما في كتاب (الاغاني)، ج2، ص
120
من قبل بشر بن مروان ايام ولايته عليها منقبل عبد
الملك، ثم
تولى القضاء كما في (تاريخ الطبري)، ج5، ص 310،
الطبعة
الثانية من قبل عمر بن عبد العزيز فيالكوفة» ((83)).
وكان الشعبي من ندماء المروانيين المحببين الى
نفوسهم، وقد
كتب عبد العزيز بن مروان الى اخيه عبد الملك لما
جاءهالشعبي رسولا من عنده في ان يؤثره بالشعبي،
ففعل،
وكتب اليه: «اني آثرتك به على نفسي، فلا يلبث عندك
الا شهرا
اونحو شهر، فاقام بمصر عند عبد العزيز نحو اربعين
يوما، ثم
رده الى اخيه عبد الملك» ((84)).
ومما يؤكد ضلوع الشعبي في مشروع الامويين التحريفي
المعادي لعلي (ع) واهل بيته انه كان يحلف باللّه:
«لقد
دخلعلي حفرته وما حفظ القرآن»، كما نقل ذلك
الامام
الخوئي (قده) عن القرطبي ((85)).
وكذلك قوله الذي رواه الواقدي: «صلى ابو بكر على
فاطمة»
((86))
وقوله ايضا: «ان فاطمة لما ماتت دفنها علي ليلا
واخذبضبعي ابي بكر فقدمه في الصلاة عليها» ((87)) فان
ذلك كله كذب مفضوح يتناقض مع حقائق التاريخ
الثابتة.
واما الرواية الاخيرة المروية عن علي (ع)، فالراوي
فيها هو عبد
الرحم ن بن ابي ليلى، وهو، ايضا، من جملة من سار
فيركاب
الامويين بعد استتباب الامر في ايديهم، واتصل
بامرائهم، وقد
ضعفه العقيلي في كتابه وروى قول ابراهيم
النخعيفيه: «كان
صاحب امراء»، كما ذكر ذلك الذهبي في «ميزانه» ((88)).
هذا كله عدا ما سبقت الاشارة اليه في بداية هذه
الملاحظة من
وجود العديد من الضعفاء في اسانيد هذهالروايات.
الملاحظة الثانية: وهي تتعلق بدلالة مضمون هذه
الروايات،
وقد بينها الشريف المرتضى في رده على صاحب
كتاب«المغني» الذي سبقت الاشارة اليه في
ملاحظاتنا
المنهجية على «الكاتب»، كما بينها من قبل المرتضى
استاذه
الشيخالمفيد في كتاب «العيون والمحاسن»،
وخلاصة ما افاداه
(قدس اللّه روحيهما): انه من المحتمل ان يكون
المقصود
منقول العباس لعلي (ع): «فلنساله في من هذا الامر...
الخ»
ليس سؤال النبي (ص) عمن يستحق ولاية امر المسلمين
بعدوفاته، لانهما علما ذلك منه وعلمه معهم جل
الصحابة ان
لم يكن كلهم من قبل ان تحضره الوفاة في مواقف
وتصريحاتكثيرة نص فيها على ولاية علي بن ابي طالب
واهل
بيته (ع)، ووصى الامة بطاعتهم وموالاتهم، وانما
المقصود
سؤالهعما سوف يحصل ويتحقق بالنسبة لولاية الامر
من بعده،
هل سيتمكن اصحابها الشرعيون من استلامها، او انهم
سوفيمنعون منها؟ قال المرتضى: «يجري ذلك مجرى رجل
نحل بعض اقاربه نحلا وافرده بعطية بعد وفاته، ثم
حضرتهالوفاة، فقد يجوز لصاحب النحلة ان يقول له:
اترى ما
نحلتنيه وافردتني به يحصل لي من بعدك، ويصير الى
يدي،
اميحال بيني وبينه ويمنع من وصوله الي ورثتك؟ ولا
يكون
هذا السؤال دليلا على شكه في الاستحقاق، بل يكون
دالاعلى
شكه في حصول الشيء الموهوب له الى قبضته. والذي
يبين
صحة تاويلنا، وبطلان ما توهموه قول النبي (ص)
فيجواب
العباس على ما وردت به الرواية: (انكم المقهورون)،
وفي رواية
اخرى: (انكم المظلومون)» ((89)).
وهناك رواية اخرى ذكرها ابن سعد، في «الطبقات
الكبرى»،
عن زيد بن علي تؤيد ما ذهب اليه المفيد والمرتضى
فيمعنى
الرواية السابقة، على فرض صحتها، قال زيد: «ما وضع
رسول
اللّه راسه في حجر امراة ولا تحل له بعد النبوة الا
امالفضل، فانها
كانت تفليه وتكحله، فبينا هي ذات يوم تكحله اذ قطرت
قطرة
من عينها على خده، فرفع راسه اليها فقال:ما لك؟
فقالت: ان
اللّه نعاك لنا، فلو اوصيت بنا من يكون بعدك ان كان
الامر فينا
او في غيرنا. قال: (انكم مقهورونمستضعفون بعدي)» ((90)).
فام الفضل (زوج العباس) تطلب، في هذه الرواية، من
النبي،
بعد ان اخبر اللّه تعالى بموته، ان يوصي اصحابه
باهل بيتهخيرا
من بعده، سواء تولوا هم الامر من بعده ام تولاه
غيرهم، فيخبرها
النبي (ص) بالغيب الذي كشفه اللّه له عنمصيرهم من
بعده،
وهذا المعنى هو المناسب لقولها: «فلو اوصيت بنا»،
كما انه هو
المناسب لقوله (ص): «انكم مقهورونمستضعفون
بعدي».
ولا شك في ان جواب النبي لام الفضل فيه دلالة عميقة
في
هذا السياق، لان قهر اهل البيت لا مصداق له بعد وفاة
النبي(ص) وفي حياة المخاطبين بهذا الجواب الا
اقصاؤهم عن
الخلافة. والذين تولوا الامر من بعد النبي (ص) لم
يفعلوا،
فيالحقيقة، بهم شيئا غير ذلك، يستحق هذا الوصف.
كما ان قطرة الدمعة التي قطرت من عين ام الفضل ووقعت
على خد النبي (ص)، وطلبها، في اثر ذلك، من النبي
الوصيةباهل بيته، كما جاء في هذه الرواية، كل ذلك
له، في هذا
السياق، دلالة تاريخية عامة وراء دلالته النفسية
الخاصة،
لاتخفى على من يحسن قراءة التاريخ، لانها تصور حالة
القلق
والخوف التي يعيشها اهل البيت من تعدي قريش
علىحقوقهم
بعد غياب النبي (ص)، وتشير الى بوادر منافسة واجواء
عداء
وتحفز ضدهم كانت ظاهرة يومئذ.
الملاحظة الثالثة: ان الرواية الاولى التي اشار
اليها الكاتب لها
بقية لم يذكرها رغم انها موجودة في المرجع الذي
اقتبسهامنه
لحاجة في نفسه سوف اذكرها في الملاحظة الخامسة،
وهذه
البقية تضمنت جواب علي (ع) للعباس:
«فقال علي: انا واللّه لئن سالناها رسول اللّه (ص)
فمنعناها لا
يعطيناها الناس بعده، واني واللّه لا اسالها رسول
اللّه(ص)».
وهذا الكلام لا يمكن ان يصدر الا من «صحابي» ذي
دهاء
سياسي حريص على خلافة النبي (ص) وامارة المسلمين
منبعده حتى على فرض كونها على خلاف ارادة النبي (ص)
الواقعية ورغبته الباطنة، وهو غير ربيبه علي بن ابي
طالب
(ع)الذي تابى عليه خلائقه المعروفة عنه وحرصه
الشديد على
موافقة ارادة النبي ظاهرا وباطنا ذلك. . وهو غير علي
بن
ابيطالب الذي قال لابن عباس مشيرا الى نعله:
«واللّه لهي
احب الي من امرتكم، الا ان اقيم حقا او ادفع باطلا» ((91)).
هذا كله الى جانب انه يصور عليا (ع) شاكا في حقه في
الخلافة
غير واثق من جدارته واولويته بها ومن تقديم النبي
(ص)له
على سائر اصحابه، وهو شعور يتنافى مع الشعور الذي
اكد
(الكاتب) نفسه ان كلمات الامام علي تفيض به((92)).
الملاحظة الرابعة: وهي تتعلق برواية «شعبة»
المختلفة عن
روايتي «الزهري» و«عكرمة» من ناحية جواب علي (ع)
للعباس،اذ ورد في هذا الجواب قوله له: «يا عم، وهل
هذا الامر
الا اليك؟ وهل من احد ينازعكم (كذا) في هذا الامر؟»
فهذا القول يشهد على راويه بالوضع والاختلاق، ويدل
على
صفاقة وخفة عقل فيه يعز نظيرها في امثاله من
الوضاعين،اذ
كيف يمكن لعارف بسيرة علي بن ابي طالب (ع) وتاريخه ان
يتصور انه كان يعتقد باستحقاق احد غيره وان كان
ذلكالغير
هو عمه العباس للخلافة على سبيل الحصر، ويتصور الى
جانب ذلك ايضا انه كان يعتقد ان استحقاق ذلك
الغيرلها كان
مسلما معروفا عند القوم بحيث لا يمكن ان ينازعه فيه
احد
منهم، مع انه يقرء في تاريخ علي الواضح وضوحالشمس
مثل
قوله في شان استحقاقه للخلافة: «واللّه لقد تقمصها
ابن ابي
قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب منالرحا
ينحدر
عني السيل ولا يرقى الي الطير»؟ [نهج البلاغة:
الخطبة (3)].
ويقرء فيه ايضا مثل قوله: «فواللّه ما كان يلقى في
روعي ولا
يخطر ببالي ان العرب تزعج هذا الامر من بعده (ص) عن
اهلبيته، ولا انهم منحوه عني» [النهج: كتاب (62)].
كما ان المعروف من حال العباس مع علي (ع) بصفة عامة،
وسلوكه معه عقب احداث السقيفة بصفة خاصة
يشهدانكلاهما
بعكس ذلك ايضا، فلقد كان العباس من اشد بني هاشم
والفريق
الموالي لعلي (ع) من الصحابة غيرة على حقهبالخلافة
ونقمة
على ما حدث في السقيفة، ومن اكثرهم حماسة واستعدادا
لمقاومة ما حدث، فكان اول من بسط يدهبالبيعة لعلي
(ع)
عقب سماعه بخبر البيعة لابي بكر في السقيفة، وفي
بعض
الروايات ان ذلك كان عقب وفاة النبيمباشرة، كما
في رواية
الشعبي التي سبق ذكرها حيث ورد في آخرها: «فلما قبض
النبي (ص) قال العباس لعلي: ابسطيدك فلنبايعك».
ومما يؤكد ضلوع «شعبة» في عملية اختلاق هذا الجزء
من
الرواية خاصة ذهابه فيها عريضة بتفرده من دون سائر
رفاقهبروايته.
الملاحظة الخامسة: ان هذه الرواية تتعارض مع
الرواية الثانية
التي اشار اليها «الكاتب» بقوله: «وان امير
المؤمنين قال:«دخلنا
على رسول اللّه (ص) حين ثقل، فقلنا: يا رسول اللّه...
استخلف
علينا، فقال: لا، اني اخاف ان تتفرقوا عنه كماتفرقت
بنو
اسرائيل عن هارون، ولكن ان يعلم اللّه في قلوبكم
خيرا اختار
لكم» ((93)).
ووجه التعارض بينهما انهما واردتان في واقعة واحدة
وفي
ظرف واحد، اما الواقعة الواحدة فهي طلب علي (ع)
منالنبي
(ص) ان يستخلف على المسلمين من يتولى امورهم من
بعده،
واما الظرف الواحد فهو مرضى النبي..
والرواية الاولى تقول: ان عليا (ع) رفض ان يطلب من
النبي
(ص) ذلك. والثانية تقول: انه دخل عليه في من دخل
منالصحابة وطلبوا منه ذلك.
ولا مجال لاحتمال تعدد الواقعة بافتراض ان عليا (ع)
قد تراجع
عن قراره الاول الذي اعلنه لابن عباس، كما في
الروايةالاولى.
وقرر الاستجابة لاقتراح ابن عباس سؤال النبي (ص) في
من
يكون الامر من بعده، لان ظرفهما واحد لا
يسمحبالتراجع بهذه
السرعة، لا سيما مع اقتران جواب علي (ع) للعباس، كما
في
الرواية الاولى، بالقسم: «واللّه لا اسالها
رسولاللّه (ص)، وفي
روايتين اخريين زيادة كلمة (ابدا) ((94)) في الجواب.
ولعل هذه المفارقة التي يوحي بها جواب الامام علي
(ع)
المزعوم، في نهاية هذه الرواية، هي التي دعت
«الكاتب»
الىحذف هذا الجواب، وهذا شاهد آخر على عدم نزاهة
الكاتب
العلمية وتلاعبه بالنصوص نضيفه الى الشواهد
الاخرىالتي
سبق ذكرها في ملاحظاتنا المنهجية على الفصل الاول
من
كتابه.
الرواية الثانية:
وهي التي اشار اليها «الكاتب» بقوله: «وان امير
المؤمنين قال:
«دخلنا على رسول اللّه (ص) حين ثقل، فقلنا: يا رسول
اللّه...استخلف علينا، فقال: لا... الخ» ، وقد
اقتبسها ايضا من كلام
القاضي عبد الجبار في «المغني» الذي نقله عنه
المرتضى
في«الشافي» ونص الرواية كما في «الشافي»:
«وروى صعصعة بن
صوحان ان ابن ملجم لعنه اللّه لما ضربه (ع) دخلنا
اليه،
فقلناله: يا امير المؤمنين استخلف علينا، قال: لا،
فانا دخلنا
على رسول اللّه (ص) حين ثقل، فقلنا: يا رسول اللّه
(ص)استخلف علينا، فقال: لا اني اخاف ان تتفرقوا عنه
كما
تفرقت بنو اسرائيل عن هارون، ولكن ان يعلم اللّه في
قلوبكمخيرا اختار لكم» ((95)).
رواية ثالثة لم يذكرها الكاتب
وهناك رواية ثالثة اشتمل عليها كلام القاضي عبد
الجبار
المنقول في «الشافي» لا ندري لماذا تجاهلها
الكاتب
ولميحشرها ضمن ما «يحفل به تراث الشيعة من نصوص»
! رغم
انها كانت في طليعة ما ذكره القاضي عبد الجبار في
كلامه،ورغم كونها لا تقل دلالة على مطلوبه عن
قرينتيها،
حسب منهجه الذي عهدناه منه في توظيف النصوص
وتطويعهالصالح رايه.
وهذه الرواية المشار اليها اسندها القاضي عبد
الجبار الى ابي
وائل، ونصها كما في مستدرك الحاكم: «اخبرني ابو
بكرمحمد
بن احمد المزكي بمرو، ثنا عبداللّه بن روح
المدائني، ثنا شبابة
بن سوار، ثنا شعيب بن ميمون، عن حصين بنعبد
الرحمن،
عن الشعبي، عن ابي وائل قال: قيل لعلي بن ابي طالب
رضي
اللّه عنه الا تستخلف علينا؟ قال: مااستخلف رسول
اللّه (ص)
فاستخلف، ولكن ان يرد اللّه بالناس خيرا فسيجمعهم
بعدي
على خيرهم كما جمعهم بعدنبيهم على خيرهم» ((96)).
ولنا على كلتا هاتين الروايتين عدة ملاحظات:
الاولى: وهي تتعلق بسند الروايتين، ومفادها ان
الرواية الاولى
ارسلها صاحب المغني عن صعصعة، ولا شك في انصعصعة
من كبار اصحاب الامام علي ومن الثقات المعروفين،
ولكنه لم
يذكر لنا سندها عنه حتى يمكننا ان نقوم
وثاقةرجاله، وقد
حاولت ان اجد لها اثرا في كتب الحديث والرجال
المعروفة فلم
افلح. واغلب الظن ان رواتها على شاكلةالذين
عرفناهم في
الروايات السابقة.
واما الرواية الثانية فراويها عن علي (ع) هو ابو
وائل شقيق بن
سلمة، وقد عده ابن ابي الحديد في زمرة
المعروفينبانحرافهم
عن علي (ع) وقال عنه: كان عثمانيا يقع في علي (ع)،
ويقال:
انه كان يرى راي الخوارج، ولم يختلف في انهخرج
معهم، وانه
عاد الى علي (ع) منيبا مقلعا... وروى صاحب كتاب
«الغارات»
عن عثمان بن ابي شيبة، عن الفضل بندكين، عن سفيان
الثوري، انه قال: سمعت ابا وائل يقول شهدت صفين وبئس
الصفوف كانت!» ((97)).
وكذلك روى ذلك عنه ابن عساكر باسناده عن عاصم ((98)).
كما ان الراوي عن ابي وائل هو «الشعبي»، وقد عرفنا
في ما
سبق موقفه من علي (ع) وعرفنا حظه من الوثاقة، وفي
السندضعفاء آخرون من جملتهم «شبابة بن سوار»
و«حصين بن
عبد الرحمن» ((99)).
الملاحظة الثانية: ان خبر ابي وائل، كما ذكر
المرتضى (ره)
«متضمن لما يكاد يعلم بطلانه ضرورة، لان فيه
التصريحالقوي
بفضل ابي بكر عليه، وانه خير منه، والظاهر من احوال
امير
المؤمنين، والمشهور من اقواله وافعاله جملة
وتفصيلايقتضي
انه كان يقدم نفسه على ابي بكر وغيره من الصحابة،
وانه كان لا
يعترف لاحدهم بالتقدم عليه، ومن تصفحالاخبار
والسير، ولم
تمل به العصبية والهوى، يعلم هذا من حاله على وجه لا
يدخل
فيه شك. على انه لا يجوز ان يقولهذا من قال رسول
اللّه (ص)
فيه باتفاق «اللهم ائتني باحب خلقك اليك ياكل معي
من هذا
الطائر» فجاء (ع) من بينالجماعة فاكل معه، ولا من
يقول
النبي (ص) لابنته فاطمة (س) «ان اللّه عز وجل اطلع على
اهل
الارض اطلاعة فاختارمنها رجلين جعل احدهما اباك
والاخر
بعلك» وقال (ص) «علي سيد العرب» و«خير من اخلف
بعدي»
و«علي خير البشرمن ابى فقد كفر» ولا يجوز ان يقول
هذا من
تظاهر الخبر عنه بقوله صلوات اللّه عليه، وقد جرى
بينه وبين
عثمان كلام،فقال له: ابو بكر وعمر خير منك، فقال:
«انا خير
منك ومنهما عبدت اللّه قبلهما وعبدته بعدهما»، ومن
قال:
«نحن اهلبيت لا يقاس بنا احد». وروي عن عائشة في
قصة
الخوارج لما سالها مسروق فقال لها: باللّه يا امة لا
يمنعك ما
بينك وبينعلي ان تقولي ما سمعت من رسول اللّه (ص)
فيه
وفيهم فقال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: «هم شر الخلق
والخليقةيقتلهم خير الخلق والخليقة» الى غير
ذلك من اقواله
(ص) فيه التي لو ذكرناها اجمع لاحتجنا الى مثل جميع
كتابنا
ان لميزد على ذلك، وكل هذه الاخبار التي ذكرناها
فهي
مشهورة معروفة، قد رواها الخاصة والعامة» ((100)).
الملاحظة الثالثة: ان بازاء هذين الخبرين الشاذين
كما يقول
الشريف المرتضى «اللذين رواهما (صاحب المغني)
فيان امير
المؤمنين (ع) لم يوص كما لم يوص رسول اللّه (ص)،
الاخبار
التي ترويها الشيعة من جهات عدة، وطرق
مختلفةالمتضمنة
لانه (ع) وصى الى الحسن ابنه، واشار اليه واستخلفه،
وارشد
الى طاعته من بعده، وهي اكثر من ان نعدهاونوردها.
فمنها ما رواه ابو الجارود عن ابي جعفر (ع) ان امير
المؤمنين
لما ان حضره الذي حضره قال لابنه الحسن (ع): «ادن
منيحتى اسر اليك ما اسر الي رسول اللّه (ص)،
وائتمنك على
ما ائتمنني عليه» ((101)).
وروى حماد بن عيسى عن عمر بن شمر عن جابر عن ابي
جعفر (ع) قال: «اوصى امير المؤمنين (ع) الى الحسن
(ع)واشهد على وصيته الحسين ومحمدا (ع) وجميع ولده
ورؤساء شيعته واهل بيته، ثم دفع اليه الكتب
والسلاح» في
خبرطويل يتضمن الامر بالوصية في واحد بعد واحد الى
ابي
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي (ع) واخبار
وصيةامير المؤمنين (ع) الى ابنه الحسن (ع)
واستخلافه له
ظاهرة مشهورة بين الشيعة واقل احوالها واخفض
مراتبها ان
يعارضما رواه ويخلص ما استدللنا به» ((102)).
ولنا عودة الى هذه الملاحظة عند مناقشة الشبهة
الثانية عشرة
المتعلقة بدعوى الكاتب امتناع الامام علي (ع)
مناستخلاف
الامام الحسن حين حضرته الوفاة. للبحث صلة منهج المستشرقين بين معايير الانصاف وضوابط المصداقية د. محمد البشير الهاشمي مغلي 1- معايير الانصاف الانصاف والنصفة هما الوقوف في نصف الطريق، اي بين التحامل والثناء، بين القدح والمدح، او بتعبير فقهي بين التوليوالتبري، بمعنى الالتزام بالحد الوسط بين الافراط والتفريط، دونما انزلاق في محاكمة النوايا الا عن بينة، او اصداراحكام تقييمية الا ان تستدعيها الشواهد والدلائل التي نستقيها من اعمالهم واقوالهم.
واذا كان من الاجحاف ان نغفل حسنة المسيء في حالة
رجحان
اساءته، او ان نذكر سيئة المحسن في غمرة
احسانه،فذلك نقد
يقدر بقدره بالنسبة الى كل مستشرق في كل ما كتب او
قال.
وهو امر يتطلب جهدا جهيدا يفوق الحصر والاحصاء الا
ان
يبرمج انتاج المستشرقين بحذافيره في العقل
الالكتروني،ومع
ذلك فاننا لا نحسبه مشروعا هينا.
«قد يكون من الانصاف الاعتراف بالفضل لكل مستشرق
بالعمل
الذي ينفع، ولكن ذلك لا يخليه من تبعة
للانكاروالاساءة واثارة
الشبهة حول ما يختلف فيه مع الاسلام من وجهة نظره،
ونحن
نحترم وجهة نظر الاخرين، ولا نطالبهم بانيؤمنوا
بالاسلام،
ولكنا نكره ان يجرحوه وينكروا الوحي ويرموا نبيه
بانه واضع
القرآن او ما شاء لهم الهوى من تهموشبهات» ((103)).
ولذا فان التقييم الموضوعي ينصب على المناهج
المتبعة،
باعتبارها اتجاها فكريا او عقيديا وايضاحا،
وتجسيدا لارادةمعينة
وتحديدا، قبليا كان او بعديا، لاهداف مبتغاة.
ولعل جل قواعد علم الحديث في التعديل والتجريح،
اضافة الى
علم الرجال، هي خير ما ينتهج في الحكم على
مناهجالمستشرقين والغربيين وانتاجهم.
وقبل التعرض الى بسط معايير الانصاف في تصنيف
المتصدين
للاسلاميات عموما، لعله يجدر بنا ان نوضح، قبل
ذلك،فارقا
هاما بين وصفين، يغلب الخلط بينهما، في نسبتهما الى
المستشرقين وعلماء الغرب التقريظيين. 2- المعتدل غير المنصف فاذا عرف مستشرق ما، في الاوساط العلمية الاسلامية، بكونه معتدلا: ( mode) 2 /1-: فقد يتساوى حقه وباطله.
2/2-: او قد تكون مزاعمه من الدرجة الثانية او
الثالثة، لاسباب
تبدو انها ثانوية غير ايديولوجية، وبعيدة عن
التعصبوالصليبية،
ولا تمس جوهر الدين او تتجنى على الاصول.
2/3-: كما ان ذكر بعض الحقائق دون اخرى، او عرض نصف
الحقائق يثير تساؤلا عن الاسباب التي املت هذا
الفرز،واستفهاما عن المقصود من هذا الاقصاء؟
2/4-: وكذلك طمس الحقائق الكبرى وابراز حقائق ثانوية،
او
اهمال الكليات واظهار الجزئيات، ليسا من الانصاف.
2/5-: بل ان التغاضي او مجرد الصمت «العلمي» ((104))
يعتبران في حكم الاجحاف، بل ليسا بعيدين عن
نهجالمؤامرة. وقد يكون منهج المستشرق «المعتدل» علميا بحتا، لكنه قد لا (rationalisme occidental) المادة، فتشوه بذلك حقائق الدين، سيما ان مقاييسهامبنية اساسا على مجافاة تاريخية للدين، بيد ان الاعتدال يمكن ان يبرز مع هذا او يلمس في موقف المستشرق او لدىالباحث الغربي في غير ما تجريح، وان كان الانحراف الفهمي معزوا الى منهج البحث ومعاييره المتوخاة.
لكن «المنصف» من المستشرقين هو ذاك الذي تجاوز
«المعتدل» وتغلب على عقدة الميتافيزيقا واشكالية
ما وراء
المادة،وادرك فجوات المنهج المادي، واتخذ موقفا
عادلا يحق
فيه الحق ويبطل فيه الباطل دونما عتو او مغالطة.
ولا محيص اذن في الانصاف من المعايير الاتية.
ا الاعتماد على المصادر والمراجع الاسلامية اساسا،
ومقابلة ما
يكتبون بها، والاحتكام اليها مع الامانة العلمية.
ب التحليل الموضوعي المتقصي للحقائق بعيدا عن
التشويه
والتعتيم، والذي يندرج في اطار الكشف لا
الاختراع،والعلم لا
الاصطناع.
ج النقد العلمى لمناهج المغامرين والمهاترين
المغالين. Deontologie de la) بعيدا عن البذاءة والتجريح، اضافة الىمدى معقولية مسوغات الاهتمام بالتراث الاسلامي ككل والغاية من recherche) البحث فيه.
3- ضوابط المصداقية
ان المعايير الانفة لا يغني فيها ان تظل حبيسة
الاطار النظري،
بل يتعين ان تلمس مصداقيتها في حقل
الدراساتوالبحوث،
ولا يجزىء فيها ان تكون مجرد تقرير لمبدا، بل
ينبغي ان
يتجسد هذا المبدا في موقف علمي بارز.
ومن بين ضوابط هذه المصداقية، نذكر ما يلي، بحسب
الاهميه
المتفاوتة:
3/1-: التمييز بين معطيات الاسلام وواقع المسلمين، من
دون
الخلط بينهما، او تحكيم سلوك الناس على مبادىء
الديناو
الاوضاع على الشرع.
3/2-: تصويب المغالطين عند الاستبصار، ودعوتهم الى
الفهم
والتفهم، والاعتذار الى المسلمين عند ارتكاب
الاخطاء،وعدم
الاذن بنشرها في حالة اعادة الطبع ((105)) والاشارة اليها في
مؤلفات لاحقة.
3/3-: اعتناق الاسلام والتفاني في خدمته والدفاع عنه
والالتزام به، باعتبار هذا التحول الى الاسلام
تحولا عن
الخطالاستشراقي ((106)).
3/4-: النقد الذاتي البناء للمجتمعات الاسلامية بهدف
الاصلاح
والنهوض بها.
3/5-: توظيف الخبرات العلمية والتجربة الغربية لصالح
الاسلام.
3/6-: المساهمة في التعريف بالاسلام بعد التعرف عليه،
من
دون ان ينصب المستشرق او العالم الغربي نفسه
معلماللمسلمين.
3/7-: التمحن والابتلاء: كطرد الكنيسة له او غضبها
عليه او
تحريم كتبه ونبذه، او عدم الاعتراف به اكاديميا
وعدم
نشرمؤلفاته بينهم...
والى جانب المعايير والضوابط التي اسلفنا، يطرح
تساؤل هام
عن ماهية الضمانات التي يمكن ان يقدمها الباحث
الغربيلدفع
كافة المحاذير عنه و كسب الثقة في الاوساط
الاسلامية؟
اولا: ان ينتقل من الميدان الاكاديمى الى المجال
الاعلامي،
بحيث لا تنحصر قناعاته في المحيط العلمي، بل
تتعداه،فتوظف توظيفا مفيدا في حقل الدعوة، اذ لا بد
من
الاقناع بعد الاقتناع، مما يضفي على الخدمة
العلمية
معنىانسانيا.
ثانيا: واذا كانت الدعوة قسيمة المعرفة في شخص
التقريظي
المصنف، فان ذلك مما يؤهله، ولا ريب، الى ان يكون
خيروسيط، بل ترجمانا امينا بين الشرق والغرب. 4- مشاهير المنصفين ومناهجهم لا سبيل الى عد مشاهير المنصفين من المستشرقين ولا الى حصر جل المتعاطفين مع الاسلام او من كان لهم منه موقفايجابي مستمر، الا ان نذكر منهم ما تيسر في حدود هذا البحث، اذ العبرة ليست في جرد اسمائهم بقدر ما هي تتمثل فيمناهجهم ومدى محاذاتها لمعايير الانصاف وضوابط المصداقية التي اشرنا اليها آنفا، او مجافاتها لها. وحرصا منا على الدقة وتوقيا للتعليم المتعجل، نلفت الانتباه الى امرين مهمين: اولهما: يشير الى نسبيه التقييم الذي نصدره من حيث الكم، لانه لا يتناول مجموع اعمال المستشرقين اوالاسلامولوجيين او علماء الغرب الممجدين، بل لا يتوفر على تقييم الانتاج الكامل للواحد منهم. وانما يعتمد علىالاتجاهات المنهجية العامة وما اشتهروا به. |
|---|