ثانيهما: ونتيجة لذلك،
فقد تكون بعض الفقرات النوعية،
واحيانا بعض الكتب، بوصفها شواهد مقتطفة من مادة
كتاباتهم التمجيدية، ذات ايحاء او تصريح كافيين
لعده م من
بين المنصفين، غير اننا لا نحسبها ممثلة للموقف
الرسمي
تجاه مستشرق او غربي ممجد، فيذهب في العرف انه
كذلك
بصورة نهائية، فيحرز تبعا لذلك على الثقة
الاسلامية
الدائمة،حتى ولو اسلم! لان اسلامه لنفسه وما يكتبه
لغيره،
والذي نهتم به هو مادة الكتابة قبل كل شي ء ثم ياتي
بعد
ذلك الكاتب ((107)). ف«لا ينبغي ان ينخدع
المسلمون، اذا ما
قراوا جملة انصاف من كتاب، فيعدوه بناء على هذه
الجملة
آمن المشيدين بالاسلام، والمنصفين له، لان ذلك يضر
بالدعوة
الاسلامية، حيث تؤثر افكاره السلبية و ما اكثرها
على من
يقراون له، بعد سماعهم الحكم عليه بانه من
المنصفين »
. ((108))
فالتحفظ يرد هنا بالضرورة، ولا يعني بحال، اي نوع
من
الاجحاف، بل انه من الواجب عدالة، حتى في حالة
تغييرالاتجاه
والمنهج معا، ان نلتزم جانب الانصاف في مورده، اي
في ما
انصف الممجد فقط، لا ان يطلق عليه الحكم
بصفة دائمة، الا ان
يكون خلقا ملازما له منذ ان عرف بعكوفه على
الاسلاميات
وعنايته بها، واما اذا لاح تنكره وقام الدليل على
مراوغاته فهو
من صنف المغالطين الذين سنعرض لهم في مقال آخر،
باذنه
تعالى.
5- نماذج نوعية
من الذين انبروا، بدوافع علمية واهداف نزيهة،
للدفاع عن
الاسلام ضد شطط المجحفين واراجيف المتعصبين،
كاسرين بذلك طوق الجحود الكنسي، وفاكين به الحصار
الايديولوجي، المضروبين على فضله على العالمين:
عقيدة
وحضاره ورسالة،
او من الذين كرسوا اقلامهم ومواهبهم من اجل ابراز
جوانب
العظمة فيه والابتكار، التي عتمت عليها بقايا قرون
الوسط ى واساليب الانتقاص الغربي،
او من الذين لمسوا فيه معاقد الامل وتفطنوا الى
قدرته على
انقاذ البشرية، وامكانية قيادتها من جديد وتحقيق
توازنهاوسعادتها بالرغم من احقاد الصليبية ومطاعن
الاستشراق، ومكائد التبشير والوان الصراع الفكري،
والسياسي،
وضروب حيل التغريب، نماذج نوعية لا تزال
موضوعيتها
واعجابها بالاسلام محل تقدير علماء المسلمين
وثقتهم، مقابل
سخط اصوات كثيرة في الغرب، وغضب جهات متخصصة في
اوطانهم وغيرها.
ونذكر من بين المنصفين الاوائل الذين اوذوا:
5/ 1: ريشار سيمون(Richard
Simon) الذي يدرجه
رودنسن في مطلع حديثه عن عصر النهضة العقلية، التي
بدات تسود العالم المسيحي في نظرة محايدة وشي ء
من
التعاطف نحو الاسلام، في بحر القرنين السابع عشر
والثامن عشر.
فقد تناول في كتابه: «التاريخ النقدي لعقائد وعادات
امم
الشرق » سنة 1684 م. ما يتعلق منها بالمسلمين، في
وضوح واعتدال، وبالاستناد الى بعض الفقهاء، تجنبا
للقدح
والانتقاص، وابداء للتقدير والاعجاب بها.
وقد كلفه اتزانه هذا وانصافه، ان اتهم بفرط
الالتزام
بالموضوعية تجاه الاسلام، لا سيما من قبل آرنولد
(حدس
رذزآ)((109)).
5/ 2: هادريان ريلاند، Hadrian Relandال
هولندي(ت
1718م)، الذي اثار من الشبهات حوله ما جعله
يرمى بالقيام
يعمل دعائي للاسلام، بسبب اصداره، سنة 1705 م، لكتاب
«الديانة المحمدية » في جزءين، اعتمد فيه
على مصادر عربية و
لاتينية، عرض في الجزء الاول منه ما يتصل بالعقيدة
الاسلامية، وصحح، في الثاني، كثيرا من الاراء
الغربية المناوئة
لتعاليم الاسلام.
فكان جزاؤه ان جرت عليه محاولته فهم هذا الدين فهما
صحيحا، تشنيع الكنيسة وتحريم كتابه الذي كان قد
ترجم،
مع ذلك، الى عدة لغات ((110)).
5/ 3: يوهان. ج. رايسكه (J. J. Reiske) (1716 1774 م)
ذلك العصامي الالماني الذي دفع ثمن تفانيه في
دراسة الادب
والتاريخ العربيين، ان تعرض لاضطهاد فكري وعلمي،
بسبب
رفضه ابقاء الدراسات العربية ضمن نطاق
«الفيلولوجيا الدينية »
وتفسير الكتاب المقدس ((111)).
وقد اتهمه رجال اللاهوت بالزندقة لموقفه الايجابي
من
الاسلام، وامتداحه له، في ما كتبه باللاتينية،
واستنكافه عن
وصف النبي (ص)، بالكذب والتضليل، ووصم دينه بما لا
يليق.
والذي ترتب على صراحته ومدحته ان تجوهل في عصره،
فضلا
عن ويلات كثيرة المت به، وضائقة مالية حتى
مات بائسا
مسلولا ((112)).
6- هل الابولوجيا منهج علممي؟
منهج التمجيد في حقل الدراسات الاستشراقية او
الاسلامولوجية، بعيد عن المنحى العلمي، وجاف
للموضوعية
في عين الغرب المتغطرس، الذي لا يسمح، حتى
لعلمائه، ان
يحيدوا عن خط السير الضمني او الملقن، الذي
ارتسمه لاحكامهم ومنهاجهم، والا كان مصيرهم
الادانة
والشجب والاهانة. ولا ادل على هذا الاستبداد مما
سقناه في
المثال الاول، حيث ان شق عصا الطاعة الغربية،
اقتاد ريشار
سيمون الى الانصاف حين اعتمد في منهجه على
بعض الفقهاء.
وفي المثال الثاني حين رجع ريلاند الى مصادر عربية،
اضافة
الى اللاتينية منها، صحح ما وقع عليه من خطا، وهو
محرم عليه
. ((113))
وفي المثال الثالث، رادف اللاعلمية في ظن الغرب،
خروج
رايسكه على العرف اللاهوتي المناهض للاسلام،
وصراعه مع
رواسب العقلية «الجائرة »، التي كانت تقسم تاريخ
العالم الى
تاريخ مقدس وتاريخ غير مقدس، ورفضه لهذه
الذتية المتعصبة،
وهذا التقسيم العرقي لتاريخ الشعوب، الذي كانت
تسوغه
تزييفات الاديرة.
ولكونه عصاميا اهمية كبرى في انسلاخه من طائلة
الاحكام
المسبقة والصور الذهبية البالة الموروثة عن
الاحقاد
الكنسية والصليبية الدفينة، واساليب التعليم
الغربي الموجه.
واثر هذا ما الاستقلال الذاتي، واضح في بناء معايير
احكامه
وانصافه.
ولهذا التكوين الفردي نظائر. ومزايا، لم يسلم
اصحابها من
المضايقات والضغوط، كالتي لا حقت، مثلا، جورج سالا
(George Sale) (1697 1736م)، المحامي
والمسترق
الانجليزى المتخصص الذي وصف بانه نصف مسلم
لشدة اهتمامه بالاسلام ((114)). والمترجم القديم للقرآن
العظيم الذي مهد لترجمته الفائقة بملاحاظات متنزة،
في
(Preliminary discourse) تعد بحق تاريخية وموضوعية
. ((115))
ان الذي يضفي مصداقية اكثر على منهجه هو تحرره من
قيود
الارث الاكاديمي المتحامل، وعدم انتمائه الى
التراث الجامعي،
اي انه لم يرتبط وبالتالي لم يخضع الى «التقنين
العلمي »
للعداوة ضد الاسلام، وقريب منه مثال المؤرخ
والفيلسوف
(Boulainvilleirs) الذي كان قد نشر كتابا دفاعيا عن «حياة
محمد» سنة 1752 م ((116)). «وكان يتزعم حركة شريفة
موالية للنبي الكريم في باريس، فلقي كل معارضة
((117)).
ولا تزال المخذ تتابعه الى ايامنا هذه، ان ريجس
ايضا»
بلا شير ينتقد فيه تنصيب نفسه مدافعا عن الاسلام
بسائق
من الكراهية للكاثوليكية الرسمية ((118)).
ومن الممجدين الذين نالهم العنت ايضا لامرتين
(A. Lamartine) الشاعر الرومانطيقي الفرنسي
الشهير، الذي
كان سفيرا بلبلاده في الدولة العثمانية، ولم
يمنعه صيته الادبي
والسياسي من انصاف «الرجل المريض » وبالاخص من
تدبيج «تاريخ تركيا»، حيث اشاد بل وفاخر برسول
الاسلام (ص)،
بشاعرية وصدق نادرين، اعقبا له مقاطعة دبلوماسية
وتهميشا اكاديميا الى ان مات فقيرا سنة 1869 م ((119)).
والقائمة ممتدة لولا الاقتصاد في السرد، تسع محقين
آخرين
حتى في روسيا وغيرها، مثل ليون تولسوي (ت 1810 م)، الذي
حرمه البابا من رحمته.
7- المنصفون المحدثون
ومن بين المنصفين المحدثين يبرز، بالموقف او
بالتاليف، كل
من المستشرقين على اختلاف تخصصاتهم واتجاهاتهم،
الذين
ابوا الا ان يسلموا ((120)) عن وعي ودراية، حاملين
قناعاتهما لى الراي العام، وعارضين نجدة «المشروع
الحضاري الاسلامي » الى الضمير العالمي، من
امثال:
7/ 1: رونية فينون (Rene @ Guenon) الرياضي العرفاني
القدير الذي ادان المادية العلمية والتطورية، وكتب
العديدمن
المؤلفات التحليلية الرصينة، من بينها:
مدخل عام الى دراسة المذاهب الهندية.
الفلسفة الالهية: تاريخ ديانة زائفة. وقد تعرض
بسببه الى نقد
شديد من قبل المستشرقين المعاصرين له.
الشرق والغرب (1924 م). سيف الاسلام (1947 م). دراسة
الاديان المقارنة ج 1، (1967م). منطق الطير (1969
م)وغيرها.
(ازمة العالم المعاصر (1927 م).
وقد كان لاتناقه الاسلام في سن مبكرة ((121))
ضجة كبيرة
وهدشة الم التفكر الغربي لقمة علمية وروحية مثله،
عرضت نفسها لحكم الكنيسة عليها بالردة.
(A. Etienne Dinet) او الحاج ناصر الدين 7
2: ايتيين دينية
دينيه، ذلك الرسام البارع والكاتب المنصف الذى
اقصى من
منهجه كل احالة او مرجع غير اسلاميين تفاديا لكل
خبط او
تشويه في ما كتب، لا سيما، في كتابه عن
«حياة محمد»، الذي اعتمد فيه على المؤرخين المسلمين القدامى للسير، لكونهم الصق
بالحقائق والعبر، وقد استهله بتنبيه جاء فيه:«لن يجد القارىء، في هذا الكتاب، احدا من العلماء
الشواذ، محطمي
السنن التي انشغف بها المستشرقون
المعاصرون واظهروا
تعلقهم بالمستحدث منها» ((122)).
فضلا عن حرصه الشديد في المطابقة مع القرآن الكريم
وفقهاء
الرعيل الاول وعلماء المسلمين الاحرار من
المتاخرين كالشيخ
محمد عبده...
ويحذر قراءه في الختام، من الوقوع في الاخطاء
الفادحة التي
ترتكبها النظرة الهيلينية والنزعة الاتينية
والاتجاه
المدرسي الكلامى ودواعي الاسلام
وفوبيا ((123)).
وبهذا المنهج العلمي «الجري ء»، تميزت مؤلفاته
الاخرى مثل
«اشعة خاصة بنور الاسلام » و «الحج الى بيت اللّه
الحرام »
ودراسته النقدية النفيسة لمناهج المستشرقين:
«الشرق في
نظرالغرب »، الذي الفه بالاشتراك مع الحاج
سليمان بن ابراهيم،
ردا على افتراءات القسيس البلجيكي لامنس.
7/ 3: ليوبولد فايس (Leopold Vers،
او محمد اسد
الصحافي النمساوي، والناقد البصير «الذي صارح
المسلمين بحقائق قل ان جرؤ غيره على التصريح بها:
ان
(كتابه: «الاسلام على مفترق الطرق ») درس دقيق لحال
المسلمين اليوم ن الناحية الثقافية والروحية » ((124)).
اما كتابة «منهاج الحكم في الاسلام » فدعوة الى
اصلاح الاوضاع
السياسية الراهنة في ضوء الاحكام القرآنية،
ولقدعكف، منذ
سنين، على ترجمة «القرآن الكريم » و «صحيح
البخاري » الى
اللغة الانجليزية، في اطار الدعوة ونشر هذاالدين،
الذي كان
بالامس، ويستطيع ان يكون اليوم، دستورا كاملا
للحياة: «نحن
نعد الاسلام اسمى من سائر النظم المدنية، لانه
يشمل الحياة
باسرها: انه يهتم اهتماما واحدا بالدنيا والاخرة،
وبالنفس
والجسد، وبالفرد والمجتمع(...).
انه ليس سبيلا بين السبل، ولكنه السبيل! وان الرجل
الذي جاء
بهذه التعاليم ليس هاديا من الهداة، ولكنه
الهادي،فاتباعه في
كل ما فعل وما امر اتباع للاسلام عينه، واما اطراح
سنته فهو
اطراح لحقيقة الاسلام » ((125)).
وبتحليل علمي عميق يبرع في تشخيص اعراض الاستشراق
الذي يختل توازنه بمجرد انكبابه على درساه
الاسلام،فيقول:
«ان ابرز المستشرقين الاوروبيين جعلوا من انفسهم
فريسة
التحزب غير العلمي في كتاباتهم عن الاسلام.
ويظهر في جميع بحثوهم، على الاكثر كما لو ان
الاسلام لا
يمن ان يعالج على انه موضوع بحث في البحث العلمي،
بل على
انه متهم يقف امام قضاته، ان بعض المستشرقين يمثلون
دور
المدعي العام الذي يحاول اثبات الجريمة،
وبعض يقوم مقام
المحامي في الدفاع، فهو من اقتناعه شخصيا بارام
موكله، لا
يستطيع اكثر من ان يطلب له مع شي ء من
الفتور«اعتبار
الاسباب المخففة ».
وعلى الجملة، فان طريقة الاستقراء والاستنتاج التي
يتبعها
اكثر المستشرقين تذكرنا بوقائع دواوين التفتيش...»((126)).
كما انشا بمعيه وليم بكتول ((127)) الذي اسلم هو
الاخر،
مجلة الثقافة الاسلامية، في حيدر آباد الدكن (1927
م)،اتجهت في معظمها نحو تصحيح اخطاء المستشرقين عن
((128))
((129)) . الاسلام
بقي ان ننظر في مبحث قادم، ان شاء اللّه، في منهج
المغالطين
وما يستهويهم بالاخص من الممدوحات، وما الذي يشكل
عندهم موضوع الاعجاب؟ وما هي المنتخبات بمقاييسهم
التي
تحظ ى منهم بالتنويه؟ وما هي، ايضا، مجتنباتهم في
التمجيد؟
وتعلة ذلك، وما هي، في النهاية، اغراضهم من التمجيد
المغالط؟ الانحرافات الاربعة (1) القبيلة لا
القبلة
اسس النظام القبلي
كانت القبيلة كل شي ء بالنسبة للعربي في الجاهلية،
اذ كانت
الاساس الوحيد لهويته، ووطنه المرتحل معه في
البوادي،وموضع اعتزازه وفخره، والمصدر الرئيسي
لقوته
ومكانته الاجتماعية، والملاذ الذي ياوي اليه من
الاخطار التي
تهدده،ولم يكن العربي من دون قبيلته يساوي شيئا،
فهو خليع
او موصوم بالصعلكة، يقاطعه اهله كانه بعير اجرب كما
يصفه عروة بن الورد، ويتحين الاعداء به الفرص لنهب
املاكه
وقتله، وحتى المولى او العبد الذي يرتبط بقبيلة
يكون في
وضع افضل من المطرود من قبيلته التي تؤويه وتحميه
وتذب
عنه.
كانت القبيلة عائلة الجاهلي الكبيرة الممتدة،
فالجميع
منحدرون من اصل واحد، تربطهم جميعا رابطة الدم
وان ضعفت الرابطة كلما ازداد عدد افراد القبيلة
وتفرعت الى
قبائل وعشائر ولم يكن الجاهلي يعرف انتماء لوطن او
بقعة من
الارض او مدينة، فاذا طلب منه التعريف بنفسه، ذكر
اسمه
وتلقب بقبيلته او عشيرته، وهذا ما يسعى
الاخرون لمعرفته قبل
معرفة حسبه ونسبه ومكانته بين افراد قبيلته، او
ثروته،
فالجمال والغنم والخيل، حتى لو عدت بالالاف
لاتحفظها الا
قوة القبيلة ومنعتها، وسواء اكان الجاهلي غنيا ام
معدما فهو
بامس الحاجة الى حماية قبيلته ونصرتها
لضمان سلامته
وسلامة افراد اسرته، ولحماية ممتلكاته، ويحتم
العرف القبلي
على افراد قبيلته ان يهبوا لنجدته وحمايته
وردالمعتدين، اما
اذا جرح او قتل فان قبيلته مسؤولة عن معاقبة القاتل
او
المعتدي ولو تطلب ذلك احيانا التورط في صراع طويل
مع
قبيلة اخرى، فلا يتوقف القتال الا بعد هلاك العشرات
او ربما
المئات من افراد القبيلتين، وعلى افراد
القبيلة ايضا ان ينفروا
للدفاع عن ممتلكات افرادها، ورد الغزاة، والمثابرة
في مطاردة
المغيرين لاسترجاع الاسلاب، وتتضح من ذلك اهمية
القبيلة
بالنسبة للعرب في الجاهلية، وكون الانتماء القبلي
ضرورة
ماسة للبقاء والحفاظ على وسائل العيش.
ولان الانتماء القبلي يخدم الحاجة للبقاء اعتبر
الخلع او الطرد
من القبيلة من اشد العقوبات التي تفرضها القبيلة
على
احدافرادها واقساها، والذي يصبح، نتيجة ذلك، هدفا
مغريا
وسهلا للاخرين باستطاعتهم سلبه او الاعتداء عليه
او حتى
قتله دون خوف من الانتقام، واضطرت حاجة البقاء
والدفاع عن
النفس هؤلاء المطرودين من قبائلهم الى الدخول في
حماية قبائل اخرى او الانضمام الى جماعات
الصعاليك، وهي
تنظيمات شبه قبلية، تعوضهم الى حد ما عن فقدانهم
حماية قبائلهم، وكان الصعاليك، يقاتلون سوية
دفاعا عن
جماعاتهم، ويغزون القبائل الاخرى، ويقطعون الطرق،
ويغيرون
على القوافل، ويقتسمون الغنائم في ما بينهم،
فجماعة
الصعاليك، اذا، تنظيم بديل للقبيلة، مشابه له في
اهدافه
ووظائفه الاساسية، الا وهي توفير اسباب البقاء
والعيش
وحمايتها، ولكنه يفتقر الى بعض مقومات القبيلة مثل
الاصل
الواحدوالاعتراف به فعليا من قبل القبائل الاخرى
والالتزام
بالعرف القبلي.
بالاضافة الى اهمية القبيلة لبقاء الفرد الجاهلي،
كانت المصدر
الوحيد للاعراف والقيم والتقاليد التي تمسك
بهاومارسها،
ومنها استمد حقوقه وواجباته مثل النصرة والدخالة
والضيافة
والثار والارث، ونظمت الاعراف والقيم
القبلية العلاقات بين
جماعات القبيلة وافرادها لاقرار السلم بينها ومنع
الاعتداءات،
ومعاقبة المخالفين. وباختصار، فانهاحددت انماط
السلوك
المقبولة وغير المقبولة، وفرضت على الجميع
الالتزام بها،
وبالاضافة الى اشتراك افراد القبيلة الواحدة في
الاصل والولاء
والقيم والعرف جمعتهم غالبا ديانة واحدة، وكما هو
معروف
كانت اغلب القبائل العربية وثنية او مشركة، تعبد
الاصنام، وكان
لبعض القبائل اصنام خاصة بها، تتعبد عندها، وتقدم
لها
القرابين، كما ان بعض القبائل في شمال الجزيرة
تنصرت
باجمعها.
كان المجتمع القبلي الجاهلي رعويا، وبالتالي اقل
تطورا من
حيث التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي
من المجتمع
الزراعي، وشكل ذلك من دون شك عقبة كاداء امام تطور
العرب، فمن الواضح، مثلا، ان التنظيم القبلي
لايصلح الا
للجماعات الصغيرة، حتى لو تجاوز عددها الالاف، ولا
يمكن ان
يكون اساسا ناجحا لنشوء الدول، كما ثبت من تاريخ
الدويلات
التي نشات في جزيرة العرب في تلك الحقبة، لان القيم
والاعراف القبلية، مثل العصبية والغزووالسلب
والثار، تتعارض
بديهيا مع حاجة الدول الى السلم الداخلي
والاستقرار والتعاون
وسيادة القانون.
اسس النظام الاسلامي
جاء الاسلام بنظام بديل للنظام القبلي، مبني على
عقائد
ومبادى وقيم تتناقض بشكل عام مع اسس النظام القبلي،
ولم يكن التكيف المتبادل، او الحلول الوسط، امرا
مقبولا، لان
الاسلام دين سماوي، وتعاليمه منزلة من عند اللّه،
الذي
لامبدل لكلماته، فلا يجوز ان يقدم الرسول (ص)
تنازلات الى
تنظيم متخلف على حساب المبادى والقيم السماوية،
وان كان
النظامان يلتقيان على مكارم الاخلاق، مثل الكرم
مثلا، لذا كان
الصراع بين النظامين محتما، ووضع الجميع
امام الاختيار
بينهما، فاما القبلية بتعصبها واعرافها واما
الاسلام.
الخلاف بين النظامين
تمحور الخلاف بين النظامين القبلي والاسلامي حول
عدة
امور او نقاط جوهرية، فالاسلام دعا الفرد الى تجاوز
ولاءاته القبلية الضيقة ليصبح عضوا فعالا في
الامة الاسلامية،
وتتعارض هذه الدعوة مع العصبية القبلية التي تجمع
بين
افرادالقبيلة الواحدة وتشد بعضهم الى بعضهم الاخر،
ويترتب
على هذا التحول تغيرات فكرية وسلوكية، فبينما كان
الجاهلي المطيع لعصبيته ينصر اخاه وابن عمه ظالما
او
مظلوما، والا اتهمه الناس بالجبن والخذلان، فرض
عليه
الاسلام الوقوف الى جانب المظلوم كائنا من كان،
وبغض النظر
عن انتمائه القبلي وصلة القرابة، والتصدي للظالم
واقرار العدل
وقول الحق والصدق في الشهادة حتى لو ضد ابيه او
اخيه، وكان
القبلي يتفاخر بنسبه وحسبه، وكونه حرا، ومن ابوين
عربيين،فلم يعد ذلك مقبولا من المسلم الذي لا فرق
بينه
وبين مسلم آخر، عربي او غير عربي، الا بالتقوى،
وكان القبلي
معتاداعلى الفوارق الاجتماعية بين سادة القبيلة
وافرادها
ومواليها وعبيدها، وبين القوي والضعيف، وبين الغني
والفقير.
لكن الاسلام الغى جميع الفوارق المبنية على اساس
هيكل
القوة وتسلط الاقوياء على الضعفاء، لذا فلا عجب ان
يكون حماس
المستضعفين لهذه المبادى الاسلامية قويا بقدر ما
عارضها
السادة والاقوياء خوفا على مكانتهم ومصالحهم،وكان
العرف
القبلي يطبق بصورة غير متوازنة وغير عادلة على
الاقوياء
والمستضعفين، اذ يغض الطرف عن مخالفات السادة
والاقوياء،
او يعاقبهم بعقوبات مخففة، فيما يتشدد ويتعسف في
معاقبة
المسيئين من المستضعفين، اما الاسلام فلم يميز
بين سيد
وتابع، قوي وضعيف، رجل او امراة، بل انه ساوى بينهم
امام
الشرع، ولم يخفف العقوبة الا عن المسترقين تقديرا
لظروفهم.
ومارس الجاهليون الكرم امتثالا للعرف وطلبا
للمكانة، لكن
الاسلام جعل للفقراء والمساكين «حقا معلوما»، وهو
الزكاة،في
اموال الاغنياء الذين دعاهم ايضا الى اعطاء
الصدقات والكف عن
اخذ الربا، واستثمار اموالهم بدلا من
كنزهاوادخارها، ودفع
اجور عادلة لعمالهم.
كان الغزو عادة متاصلة في النظام القبلي وفي نفوس
الاعراب،
بل كان اسلوب حياتهم، فابطله الاسلام، ونهاهم عن
قطع الطرق، وقتل الناس ونهب اموالهم وممتلكاتهم
لان
«النهب ليس باحل من ميتة »، وبذلك حرموا من مصدر
رئيسي للاسترزاق، وكان ذلك نهاية عملية لحياة
البداوة، ولم
يكن الكثيرون من الاعراب مستعدين لتقبل ذلك،
فعارضواالدعوة الاسلامية او انضموا اليها على سبيل
النفاق،
فاستحق بعضهم ان يوصفوا بانهم اشد كفرا ونفاقا.
باختصار، كانت الحياة القبلية تتصف بالجمود
والتفرق واثارة
الاحقاد والصراعات الدموية، وارادت الدعوة
الاسلامية كسر هذا
الجمود وانهاء الاحقاد والصراعات القبلية
والانفتاح على
البشرية جمعاء، وتوحيد العرب في امة
مسلمة متعاونة وقوية،
ولان النظامين على طرفي نقيض في الجوهر، وفي كثير
من
التفاصيل حدث الصراع بينهما، وتراست قريش جبهة
اعداء
الاسلام من القبليين، على الرغم من كونها قبيلة شبه
متحضرة، او اقل بداوة مقارنة بقبائل البادية،
الاانها كانت
تنتمي الى النظام القبلي السائد في الجزيرة
العربية، وللسبب
نفسه كانت استجابة القبائل الاخرى المحيطة بمكة
للدعوة
الاسلامية فاترة، او حتى عدائية، لانها ادركت منذ
الوهلة الاولى
ان الاعتقاد بالدين الجديد لا يعني فقط تسفيه
معتقداتهم
ودين آبائهم واجدادهم بل يعني ايضا التخلي نهائيا
عن النظام
القبلي الذي ولدوا وترعرعوا عليه،وليس مستغربا ان
يكون اكثر
الناس تحمسا للدين الجديد واستعدادا للتمسك به
ابعدهم عن
القبلية، والاكثر معاناة من سلبيات النظام القبلي
والاقل انتفاعا
من محاسنه، وهم المستضعفون والموالي والمسترقون.
عندما رفض الرسول (ص) عرض قريش المغري بالزعامة
والملك عليهم، ايقنوا بانه صاحب رسالة، جاد في
الدعوة اليها
وتطبيقها، وانه بالتالي يشكل خطرا جسيما على
نظامهم
القبلي، لذا عاقبوه وفقا للعرف القبلي وذلك
بمقاطعته
هووعصبته من بني هاشم، الذين عدوهم، حسب هذا العرف،
مشتركين في المسؤولية عنه وعن تصرفاته، حتى وان
لم يؤمن
جميعهم بدعوته، وعانى الرسول واقرباؤه بسبب ذلك
معاناة
شديدة، اما بقية المسلمين الذين ينتمون الى
قبائل مختلفة
فقد استفادوا من النظام القبلي في الحصول على
الحماية، كما
يذكر طه حسين:
«كان غيرهم من المسلمين في سعة ودعة تمنعهم
عشائرهم،
كما منعت تيم ابا بكر وكما منعت عدي عمر وكما
منعت امية
عثمان » ((130)).
وطبق سادة قريش المتحمسون لجاهليتهم والخائفون على
امتيازاتهم العرف نفسه في تعاملهم مع
المستضعفين والمسترقين من المسلمين الذين تعرضوا
لضغوط شديدة لارغامهم على ترك الاسلام والعودة الى
عبادة
الاصنام والى النظام القبلي، فضربوا وعذبوا حتى
استشهد بعض
منهم، كما حرص هؤلاء السادة على التخفي وراء
القبلية في
خطتهم لاغتيال الرسول (ص)، فالبسوا مؤامرتهم التي
كشفت
عن جانب الجبن والخسة في صورة الرجل الجاهلي ثوبا
قبلياباختيارهم لتنفيذها افرادا من قبائل شتى، حتى
يضيع دم
الرسول (ص) بينهم ان نجحوا في اغتياله، ويستعصي
على اهله
طلب ثاره.
عهد الرسالة وموقفه من القبلية
نجح الاسلام في يثرب نجاحا لم يشهده في مكة، وذلك
لان
النظام القبلي في المدينة كان سببا رئيسيا في فقدان
السلم وضعف الامن والاستقرار فيها، فبينما سيطرت
قريش
تماما على مكة، واستقل سادتها (الملا) بتقرير
شؤونها
وتسييرامورها، كان الخلاف والتنافس والصراع
مستعرا في
يثرب بين القبيلتين الرئيسيتين المستقرتين فيها،
وهما
الاوس والخزرج، وزاد من حدة الفرقة والتشرذم
والصراع وجود
اقليات يهودية طفيلية في المدينة والقرى والحصون
الملحقة بها، لذا كان لدعوة الاسلام التوحيدية،
والناهية عن
الخلاف والصراع، تاثير ايجابي قوي على نفوس اهل
يثرب،
الذين عانوا طويلا من الصراع القبلي، الذي كلما
خبا عاد ليستعر
من جديد، ونجح الرسول (ص)، بفضل دعوة
الاسلام والتوفيق
الال هي، في اطفاء جذوة الصراع بين القبيلتين
وازالة ما علق
في النفوس من ترسبات العداوة، واحلال مشاعرالاخوة
والمودة
محلها، وعلى اساس متين من العدل والمساواة.
واجه الرسول (ص) ودعوته تحديات صعبة في المدينة،
ولكنه
افلح في التغلب عليها، وتمثل اول انتصار في
ازالة الخلافات
المستعصية بين قبيلتي الاوس والخزرج، فصاروا كلهم
يعرفون
ب «الانصار»، وغدت هذه التسمية اهم
واعظم بالنسبة اليهم من
انتسابهم القبلي، وهذا سبق عبقري في مجال حل
الخلافات،
ولكن مهمة الرسول (ص) لم تتوقف عندذلك، فاذا كانت
العداوة موجودة بين القبيلتين، وهما متجاورتان
وتسكنان
مدينة واحدة، فكيف ستتسع هذه المدينة التي ضاقت
باهلها
للمسلمين الاغراب القادمين من مكة، والمنتمين الى
اصول
قبلية مختلفة. ولكن الرسول (ص) كان اهلا لهذا
التحدي ايضا،
وفي رسالته السماوية من المبادى ما يكفي للتغلب
عليها، ولم
يكتف بالوعظ والنصح، بل وضع خطة عملية فذة لتجاوز
ظهور
اية خلافات قبلية محتملة، والوصول بالعلاقات بين
سكان
المدينة والطارئين عليها من المسلمين الى مستوى
العلاقات
الاسلامية النموذجية، وتحقق ذلك، اولا، بتوحيد
القادمين من
مكة في جماعة عرفت ب «المهاجرين »، وتجدر
الاشارة الى انه لو
اراد الرسول (ص) التوفيق بين المجموعتين، اي
المهاجرين
والانصار، على اساس قبلي بحت، لدعا الانصار الى
استضافة
المهاجرين كما يقتضي ذلك العرف القبلي، او قبولهم
على
اساس مبدا«الاستجارة » ، وهو عرف آخر يفرض على
الفرد ان
يوفر الحماية للمستجير به حتى لو كان عدوه، ولكن
الرسول
(ص)ذهب الى ابعد من ذلك بكثير عندما آخى بين
المجموعتين بين الانصار والانصار، وبين المهاجرين
والمهاجرين، وبين العربي وغير العربي من المسلمين
متجاوزا
بذلك الفوارق القبلية والعنصرية والطبقية ومحطما
الحواجز
النفسية والعاطفية للوصول بالجميع الى صعيد
الاخوة التامة
على اساس قاعدة «كلنا لادم »، والجميع يعبدون ربا
واحدا،وينتمون الى امة واحدة، وقد غفل الكثيرون عن
المعاني
الثورية العميقة لهذه الخطوة غير المسبوقة في
تاريخ
البشرية تنفيذا لامر اللّه سبحانه وتعالى ومشيئته
في الاية
الكريمة: (واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا
واذكروا نعمة
اللّهعليكم اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم
بنعمته
اخوانا) ((131)).
بعد تحقق هذه المعجزة الانسانية الاجتماعية على
يدي
الرسول (ص)، وجه اهتمامه الى مسالة شائكة اخرى،
الاوهي
علاقة المسلمين باهل الكتاب، فوجود جماعات من
اليهود في
المدينة جعلها انموذجا مصغرا لمجتمع
التنوع السكاني في
ذلك الزمان، وكما هو معروف ميزت الدعوة الاسلامية
بين
اليهودية واليهود، فاليهودية دين سماوي وان كان
الاسلام لا
يعترف بصحة هذه التسمية لان الدين عند اللّه ومنذ
البدء
الاسلام فقط، والتوراة والزبور كتابان
سماويان،ومع ان الاسلام
اشار الى تحريف اليهود لكتبهم وديانتهم فانه اعترف
بحقهم
في حرية العبادة والعيش بسلام واطمئنان ومساواتهم
امام
القضاء، واقر هذه الحقوق والواجبات نفسها للنصارى،
وانبرى
الرسول (ص) مبشرا بدين الاسلام بين اليهود، واجاب
على
اسئلتهم، وحاورهم حول مسائل عديدة برحابة صدر، ورد
على
رميهم الاسلام بمختلف الاكاذيب والتلفيقات
بالموعظة
والكلمة الحسنة، وصبر على استهزائهم واذاهم من اجل
وضع
الاسس وايجاد الانموذج للتعايش السلمي بين
المسلمين واهل
الكتاب، الا ان يهود المدينة وما حولها نقضوا
العهود، وحاولوا
اثارة الفتن بين المسلمين،وت آمروا مع اعداء
الاسلام ضد
المسلمين، فاستحقوا بذلك عقوبة الخيانة، وخسروا
الحق في
العيش بسلام في المجتمع الاسلامي.
استمر الرسول (ص) في كفاحه ضد القبلية وسعيه لاجتثاث
رواسبها من تفكير المسلمين وسلوكهم، فكان لا يترك
اي مظهر من مظاهر القبلية الجاهلية الا وصححه ونهى
عنه،
مبينا الفكر الامثل والسلوك الارشد في خدمة
المجتمع الاسلامي الموحد، فعندما وجه الصحابي ابو
ذر
الغفاري ملاحظة فيها شي ء من عنصرية القبليين
وتعصبهم الى
بلال الحبشي، اوقفه الرسول (ص) وبين له خطاه، الامر
الذي
حدا بابي ذر، وفي استجابة فورية، الى طلب غفران
بلال
بتذلل،وبرز التعصب القبلي الجاهلي على السطح مرة
اخرى
عندما نشب خلاف بين سنان الانصاري وصهجان
المهاجر،فثارت الحميات، وشهر المهاجرون والانصار
سيوفهم
على بعضهم البعض متناسين، ولو لبرهة قصيرة،
اخوتهم الاسلامية وما تفرضه عليهم من تواد وتراحم
ومسامحة،
فخاطبهم الرسول (ص): «ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها
فانهانتنة...» ((132))، وفي هذا القول بيان واضح
وصريح لحكم
الاسلام الدامغ والنهائي على التعصب القبلي بانه
امر كريه،
بل فاسد ونتن، يجب ان يترك، فالخلاف بين المسلمين
لا
يكون الا سلميا، ولا يحل بالاحتكام الى السيف بل
الى هدي
اللّهورسوله، وبالوساطة الحسنة للمسلمين، ثم يؤخذ
لكل ذي
حق حقه على اساس العدل من دون اعتبار لتعصب عرقي
اوقبلي او عائلي، وكرر الرسول (ص) على المسلمين
التحذير
من العصبية ونهاهم عنها كما يتبين من اقواله
التالية:
«ليس منا من دعا الى عصبية ».
«من تعصب او تعصب له فقد خلع ربقة الاسلام من
عنقه ».
«من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من عصبية بعثه
اللّه
يوم القيامة مع اعراب الجاهلية ».
ولان القبلية قديمة قدم الشعب العربي، وآثارها لم
تمح تماما
من نفوس بعض المسلمين الاوائل، ظهرت بعض
المواقف والسلوكيات المعبرة عن القبلية، فبعض
الرماة الذين
تخلوا عن مواقعهم على جبل احد طمعا باسلاب القتلى
من المشركين تصرفوا وفقا لقبليتهم وخالفوا امر
الرسول (ص)،
فجاءت النتيجة درسا بليغا، واعتاد سادة القبائل
على التفكير
والتدبير من اجل خدمة اهدافهم الذاتية ومصالح
قبائلهم الى
درجة الانانية المفرطة والتهور، الامر الذي
ادى،احيانا، الى
استعار حروب دموية طويلة الامد مثل داحس والغبراء،
ولكن
غايات الاسلام الماثلة دائما في ذهن الرسول(ص) كانت
انسانية
وعالمية، فالدعوة موجهة الى الناس كافة، والاساليب
غير
الانسانية في ايصالها ونشرها مرفوضة تماما،
وانطلاقا من هذا
التفكير الاستراتيجي الذي لم يستطع بعض اتباعه
ادراكه
وتقبله وافق الرسول (ص) على صلح الحديبية، فماذا
كان
موقف هؤلاء المسلمين؟ لقد رفضوا امر الرسول في
النحر
والحلق لانهم «اعتبروا الصلح انتقاصا لهم وتفريطا
في حقوقهم »
((133)). وكان مثل هذا الموقف الذي يركز على
المنافع الانية
بدلا من المصالح الاستراتيجية امرامعهودا بين
القادة القبليين
في عصر الجاهلية وسببا رئيسيا وراء تفرقهم
وتشرذمهم
وصراعاتهم.
عهد الخلافة الراشدية
اضعفت جهود الرسول (ص) القبلية وتعصبها الى حد كبير،
الا
انها لم تختف تماما من النفوس، وهذا ما تؤكده
الملاحظة التالية لمحمد جميل بيهم:
«عاد العرب يتلمسون طبائعهم ومشاعرهم الجاهلية
وينقبون
في تعاليم الدين عما يوفر المشروعية لاهوائهم
القبلية »((134)).
وحتى قبل ان يوارى جثمان الرسول (ص) الثرى كانت
القبلية
تطل براسها، وذلك اثناء احتدام النقاش بين
المجتمعين في
السقيفة لاختيار خليفة للرسول (ص)، ويتبين من فحوى
مداولاتهم ان اساس الخلاف بينهم كان فئويا وقبليا،
فطالب الانصار بالخلافة وادعوا بانهم الاحق بها
لانهم نصروا
الرسول (ص) ودينه، وحاججهم المهاجرون بان لهم السبق
في الاسلام وهم ايضا المضحون بالمال والديار من
اجل الدعوة،
وبعد ان احتدم النقاش قدم احد الانصار حلا وسطا
بان يكون
منهم امير ومن المهاجرين امير، ولكن المهاجرين
رفضوه،
واصروا على ان يكون الخليفة منهم، وبالتحديد
من قريش، وتم
لهم ذلك بمبايعة ابي بكر، ولكن من دون اجماع، وتذكر
الروايات ان احد الانصار، وهو الحباب بن
المنذر،استاء من ذلك
وشهر سيفه، الا انهم اخذوه منه، فصار يضربهم بثوبه
حتى
انتهت البيعة، وقال: «فعلتموها يا معشرالانصار! اما
واللّه لكاني
بابنائكم على ابواب ابنائهم، قد وقفوا فيسالونهم
باكفهم، ولا
يسقون الماء» ((135))، وخرج سعدبن عبادة رئيس
الخزرج من
الاجتماع وهو غير راض عن النتيجة، ولم يبايع ابا
بكر او عمر،
كما لم يقبل بالبيعة بنو هاشم وعدد من الصحابة،
ويتضح من
هذه الوقائع بان الولاءات القبلية لم تمت، وانها
كانت حية
ومؤثرة في النفوس.
ومن المحتمل ان يكون للقبلية دور في حدوث الردة على
نطاق واسع، فالمرتدون من رافضي دفع الزكاة الى
الخليفة
ابي بكر كانوا مسلمين موحدين ومطبقين لشعائر
الدين
وتعاليمه، وكانوا يدفعون الزكاة الى الرسول (ص)،
امتثالا لاوامر
اللّه،ولربما اعتبروا دفع الزكاة الى خليفته
اقرارا واذعانا بسيطرة
قريش، وامرا شبيها بالاتاوة التي كانت تدفعها
القبائل
الضعيفة الى القبائل القوية في الجاهلية، اما
المرتدون عن
الاسلام كلية، والذين اتبعوا ادعياء النبوة مثل
مسيلمة
وسجاح التميمية فقد كانوا قبليين في مطالبتهم
بتقسيم
الجزيرة بينهم وبين المسلمين، اي ان تكون لهم ديار
خاصة
بهم واخرى للمسلمين كما كان وضع القبائل في
الجاهلية،
وهؤلاء لم يتقبلوا اممية الاسلام وتجاوزه للحدود
القبلية
الضيقة، وظن هؤلاء ان اختلاقهم لدين جديد يسوغ لهم
المطالبة بمنطقة نفوذ، وعندما سئل احد بني ربيعة عن
سبب
اتباعه لمسيلمة الكذاب ورفضه نبوة محمد (ص) كان
تسويغه
قبليا بحتا: انني اعلم ان نبي ربيعة كاذب، ونبي مضر
صادق،
ولكن كاذب ربيعة احب الينا من صادق مضر ((136))،
كما
يستدل من اعداد المرتدين الكبيرة نسبيا ان القبيلة
لم تزل
قوية بين العرب.
اتجه المسلمون بعد قمع المرتدين الى الفتوحات،
وافلحوا في
السيطرة على العراق وفارس وبلاد الشام ومصر،
ويعزوالمؤرخون ذلك النجاح الباهر والسريع في توسيع
رقعة
الدولة الاسلامية الى قوة ايمان القوات العربية
وحماسها
للقتال باعتباره جهادا في سبيل اللّه، الا ان ابن
خلدون يضيف
سببا آخر لهذه الانتصارات، وهو قوة العصبية ((137))،
ويتفق
معه طه حسين في اشارته الى: «عصبية المضريين
وطموحهم
الى الفتح وشرههم الى الغنيمة » ((138)).
لم تختف القبلية، وظل الاصل القبلي ركنا اساسيا من
هوية
العربي المسلم، فالخليفة عمر بن الخطاب اكد على
ذلك عندما
قال: «تعلموا النسب ولا تكونوا كنبط السواد اذا سئل
احدهم عن
اصله قال: من قرية كذا» ((139))، كما رفع الخليفة حد
السرقة
عن مسلم سارق في ايام المجاعة وفرض على قبيلته دفع
ثمن
ذلك لانهم، وفقا لتقديره، اجاعوه واضطروه الى
السرقة، اي انه
حمل القبيلة مسؤولية عمل الفرد وفقا للعرف القبلي
«في
الجريرة تشترك العشيرة »، علما بان المسؤولية في
الاسلام
فردية، واذا كان من الجائز تحميل المجموعة مسؤولية
افعال
فرد منها، فالمجتمع الاسلامي باكمله يجب ان يتحمل
ذلك،
لان الكل راع والكل مسؤول عن رعيته. كما ظهر تاثير
القبلية
في تفاخر بعض المسلمين بانسابهم امام الصحابي
سلمان
الفارسي، وعندما لم يرد عليهم سالوه: ابن من انت؟
قال: انا ابن
الاسلام، وهو اصدق تعبير عن دعوة الاسلام الى نبذ
العصبية
القبلية والعرقية.
سجل المؤرخون على الخليفة عثمان بن عفان تفضيله
لاقاربه،
واتكاله عليهم في ادارة الدولة الاسلامية، وسوغ
بعضهم ذلك
بكونه من باب الاحسان لذوي القربى الذي امرت به
تعاليم
الاسلام، في ما اعتبره آخرون تعصبا لقريش،
وبالذات لعشيرته
بني امية، وكان ذلك سببا في تاليب الناس عليه وتفشي
الاضطرابات التي ادت الى مقتله.
ورث الخليفة الرابع دولة ممتدة الاطراف، تنوعت
فيها
القوميات واللغات، واكثرية سكانها من حديثي العهد
بالاسلام،وبالتالي لم يكن الايمان والاخلاص
للعقيدة بالدرجة
التي كان عليها في بدء الدعوة، وبالاضافة الى
العصبيات
القبلية التي لم تختف تماما برزت عصبية جديدة ضد
غير
العرب من موال وفرس وغيرهم، وتجدر الاشارة الى ان
الحقبة الممتدة بين وفاة الرسول (ص) ومبايعة
الامام علي
بالخلافة شهدت احداثا خطيرة مثل الردة ومقتل
عثمان، وقد
اثبتت الردة، كما اسلفنا، بان اسلام الكثيرين لم
يكن قويا ولا
صحيحا. اما مقتل عثمان فقد وقع بعد المرحلة الاولى
والحاسمة من الفتوحات، وتفرغ العرب لاجراء
الحسابات حول
توزيع غنائم الفتوحات، وتذمر بعض منهم من التفاوت
في الاستفادة من هذه الغنائم، واتخذ الامام علي
عددا من
الاجراءات لتصحيح هذا الوضع، من بينها الغاء قاعدة
احتساب العطاء على اساس السبق في الاسلام، واقر
بدلا من
ذلك المساواة في العطاء، ويفهم من قاعدة العطاء
وفقا للسبق
ان «الطليق » من اهل مكة، الذي ربما حارب مع
المشركين في
بدر واحد والاحزاب وقتل وجرح من المسلمين، ولم
يسلم الا
بعد فتح مكة استحق عطاء اكبر من عطاء العربي او
الفارسي او
الرومي من اهل العراق والشام الذي اسلم بعد
وصول الدعوة
اليه، ومن الطبيعي ان يستاء العرب الذين قل عطاؤهم
بعد
تطبيق قرار الامام علي.
ادى نقل مقر الخلافة من المدينة المنورة الى الكوفة
الى تغيير
في معادلة القوى داخل الدولة الاسلامية، فلم يعد
للعرب من
اهل المدينة ومكة التاثير المباشر نفسه على عملية
اتخاذ القرار
فيما اصبح لسكان الامصار المفتوحة، ما عدا
الشام التي اعلن
واليها معاوية بن ابي سفيان العصيان، راي مسموع
ومؤثر،
وحرص الامام على مراقبة ولاته حرصا متناهيا،فكان
يراسلهم
محذرا من التقصير في حقوق المسلمين، ومؤكدا على
ضرورة
تطبيق العدل والمساواة، وحاسب بشدة كل من اخل بهذه
المبادى، وبالرغم من ذلك كان جذب العصبية القبلية
اقوى
من المبادى والتحذيرات كما يتبين من كتاب الامام
علي الى
واليه المنذر بن الجارود ((140)):
بلغني انك قد بسطت يدك من مال اللّه لمن اتاك من
اعراب
قومك، كانه تراث عن ابيك وامك، واني اقسم باللّه
لئن
كان ذلك حقا لجمل اهلك وشسع نعلك خير منك » .
فهذا الوالي متهم بمحاباة قومه، وكان ذلك امرا
اعتياديا، بل
مدعاة للفخر والتباهي في الجاهلية، الا ان الاسلام
منعه،وفرض
على اولياء الامور العدل بين الناس، سواء كانوا
اولي قربى او
اعداء، واعتبر الامام من تثبت عليه تهمة
التعصب لقومه احقر
واحط مكانة من الحيوان والجماد، وخلص طه حسين من
دراسته المستفيضة لاحداث تلك الحقبة من التاريخ
الاسلامي
الى عودة العصبية القبلية وسيطرتها على الفكر
والسلوك،
ووصف العصبية بين جند البصرة بانها كانت «واضحة
وبشعة »
بحيث انهم كانوا «يراعون قبائلهم اكثر مما يراعون
السلطان،
ويحفلون باحسابهم اكثر مما يحفلون بالامام » ((141)).
كان الجمل، ولا يزال، رمزا للبداوة والقبلية،
وسواء كانت دوافع
اصحاب الجمل، برئاسة طلحة والزبير، الثار من
قتلة عثمان او
الاطاحة بالخليفة الشرعي للمسلمين واستبداله باحد
منهم،
فان هذه الدوافع قبلية في جوهرها، ولو حدث ذلك في
الجاهلية لكان امرا اعتياديا، اذ كثيرا ما تقاتلت
القبائل من اجل
الثار او الاستحواذ على وسائل البقاء
والقوة والثروة، ولكن
الاسلام نهى المسلمين عن التقاتل وامرهم بحل
خلافاتهم
بالطرق السلمية، واعتبر التاليف بين
قلوبهم وت آخيهم نعمة
انعم اللّه بها عليهم.
في الوقت الذي كان الامام علي يقارع العصبية
القبلية كان
معاوية بن ابي سفيان، الوالي المتمرد في الشام،
يغذي
هذه القبلية ويشجع على العصبية، وذلك من خلال
معاملة
الناس على اساس انتماءاتهم القبلية، وفيما كان
الامام يشجع
على الالتزام بالقيم الاسلامية واخلاقياتها
السامية استغل
معاوية مواطن الضعف في النفوس لاستمالة الناس الى
صفه،فاغدق على سادة القبائل بما في ذلك بعض اتباع
الامام
علي العطاء ومناهم بالوعود، وانتهى ذلك الصراع
باغتيال الامام علي واضطرار ابنه الحسن الى
التصالح مع معاوية
بعد ان انفض عنه معظم الناس، ومن الممكن اعتبار هذا
الصراع امتدادا للصراع بين الاسلام بمبادئه وقيمه
وهويته
الاممية من جهة، ومخلفات الجاهلية والتعصب للقبيلة
والعنصر من جهة اخرى.
الحكم الاموي وعودة القبلية
كان الحكم الاموي قبليا في احتكار بني امية للحكم،
وكان كل
حاكم منهم يعهد لابنه او اخيه او احد اقربائه
بولاية
العهد،وياخذ له البيعة بالقسر والاكراه ان تطلب
الامر، ومن
المؤكد ان بني امية كانوا من اقل الناس استحقاقا
للخلافة
والتحكم برقاب المسلمين ومصائرهم وارزقاهم
وديارهم، لان
غالبيتهم العظمى ناصبوا الرسول (ص) ودعوته واتباعه
العداء،وقاوموا الاسلام بالمال والسلاح والرجال
وقادوا جبهة
المشركين، ولم يسلم معظمهم الا بعد فتح مكة، وكان
منهم:الوليد بن عقبة بن ابي معيط، الذي نزلت فيه
آيات سمته
ب «الفاسق »، والحكم بن ابي العاص، الذي اخرجه
النبي
من المدينة لانه كان يسخر من النبي جهارا،
وعبداللّه بن سعد
بن ابي سرح الذي اهدر النبي دمه يوم الفتح لانه قال:
سانزل مثل ما انزل اللّه، ثم انهم برهنوا بعد
استلامهم الحكم
وممارستهم الظلم والقمع والقتل بحق المسلمين من
عرب وغيرهم بانهم غير جديرين به.
فرق الامويون بين الناس في المعاملة، فادنوا
المخلصين لهم
من العرب، وابعدوا غير العرب، وبطشوا بالمعارضين
على مختلف اجناسهم، واعتبر الامويون واتباعهم غير
العرب
من المسلمين ادنى مكانة من العرب، وفرضوا على
الكثيرين منهم الجزية من دون مسوغ شرعي بدعوى انهم
فروا
الى الاسلام تهربا من دفع الجزية، ونسي كثير من
الامويين
كونهم هم وآباؤهم من «الطلقاء»، ويشير ابن عبد ربه
الى ان
معاوية فكر يوما بابادة قسم من الموالي، لانهم
موال، وقد
يفكرون يوما بالانتفاض على العرب ومزاحمتهم على
السلطان،
فقال للاحنف بن قيس:
«اني رايت هذه الحمراء قد كثرت.. وكاني انظر الى
وثبة منهم
على العرب والسلطان، فقد رايت ان اقتل شطرا وادع
شطرالاقامة السوق وعمارة الطريق » ((142)).
تزخر السجلات التاريخية عن تلك الحقبة من تاريخ
العرب
بالامثلة على تعصب العرب ضد غيرهم من
المسلمين،فعندما
عين والي الامويين الحجاج بن يوسف الثقفي سعيد بن
جبير
اماما في الكوفة، ضج اهلها بالاعتراض
والاحتجاج على هذا
الاختيار، لانه لايجوز، برايهم، تعيين غير عربي
للامامة او
القضاء، واثناء حكم عمر بن عبد العزيز كتب
اليه واليه على
الكوفة خطابا يشتكي فيه من ازدياد حالات الزواج بين
العرب
والموالي، فرد عليه ابن عبد العزيز بان ذلك ليس
محرما في
الاسلام، وان الطمع هو الذي يدفع الناس الى ذلك،
وهذا الوالي
وامثاله متاثرون بتقاليد الجاهلية التي كانت ترفض
التزاوج بين
العرب وغير العرب، وكانوا يطلقون على العربي من ام
غير
عربية تسمية «الهجين »، ويعيرونه بذلك، ويضعونه
في مكانة
اجتماعية متدنية، كما ان بعض القبائل كانت تانف من
التزاوج
حتى مع قبائل عربية اخرى.
ويتضح انتشار هذا التفكير والسلوك القبلي من حقيقة
ان بعض
معارضي الحكم الاموي كانوا، ايضا، يبدون
الافكارنفسها
ويتصرفون وفقها، ويذكر الطبري في «تاريخه » بان
العرب من
اتباع المختار الذي ثار على بني امية مطالبا
بثارات الامام
الحسين استاؤوا من قراره بادخال الموالي في جيشه،
ومساواتهم في العطاء ((143)).
كان كلا الشاعرين المشهورين، الفرزدق وجرير قبليين
في
تفكيرهما وولاءاتهما، فالفرزدق تفاخر بجده
صعصعة،المعروف
ب «محيي الموؤودات »، وبسادة قبيلته الجاهليين،
فتصرف
بعقلية القبلي الجاهلي، وجرير تصرف وفاقاللعقلية
نفسها،
فحقر منافسه وعيره بانه «القين ابن القين »،
فالقبليون كانوا،
ولا يزالون حتى يومنا هذا يحتقرون ذوي الحرف
والاعمال
اليدوية، مثل الحاكة والاسكافة، وكشف جرير ايضا عن
نزعته
القبلية حين انتقد في احد قصائده قبيلة رفضت
ضيافته، الامر
الذي اضطره الى شراء الطعام منها، ونصحهم في هذه
القصيدة
بتطبيق هذه المعاملة على الموالي فقط، لا على
العرب، وكان
قبليو ذلك العصر يتهاجون على طريقة اسلافهم
الجاهليين،
فيعير كل واحد منهم الاخرباصله، ويتهمه بانه من
سلالة
رقيق، او هجين، وغدت التهمة بالانحدار من اصل غير
عربي
سبة كبرى، وقد هجا احد
الشعراء من بني عبد القيس
قبيلة
الازد وادعى بانهم عجم مستعربة: |
|---|