الصفحة السابقة

الصفحة التالية

هل تسمع الازد ما يقال لها في ساحة الدار ام بها صمم اختتن القوم بعدما هرموا واستعربوا ضلة وهم عجم كان الامويون كانوا اقرب الى القبلية من القبلة، لذا نراهم عاملوا الناس على اساس انتمااتهم القبلية، وقويت النزعات القبلية بين العرب، فعادت الصراعات القبلية الدامية، مثل تلك التي دارت بين القيسية واليمانية في بلاد الشام، وبين الازد ومضر في خراسان، كما استانفت بعض القبائل البدوية عادات الغزو والسلب وقطع الطرق. عجلت السياسات الاموية المشجعة للقبلية في سقوط دولتهم، فالمعاملة المجحفة التي تعرض لها المسلمون من غير العرب وفرض الجزية عليهم ادت الى نفورهم من بني امية وميلهم الى معارضيهم، واستفاد دعاة العباسيين بشكل خاص من ذلك، فلاعجب ان تبدا حركتهم في خراسان، حيث تعيش اكثرية غير العرب من رعايا الدولة الاموية، وتمتد الى العراق موطن القبائل العربية التي حرمها بنو امية من العطا وسلطوا عليها اقسى ولاتهم، ثم تطيح بدولتهم في آخر المطاف.

القبلية ابان الحكم العباسي لم يتعظ العباسيون من مصير بني امية، ولم يستفيدوا من اخطائهم، فهم ايضا تعصبوا لجماعتهم من بني العباس، ولم يختلف حكمهم عن الاموي في طبيعته السلالية، وكانت عمليات المبايعة والشورى مجرد طقوس يخفون وراهاانفرادهم بالسلطة ويضفون بها هالة الشرعية على حكمهم، وقرب الحكام العباسيون اقرباهم واتباعهم والموالين لهم،وابعدوا المنافسين والمعارضين لنظامهم واضطهدوهم ابتدا بابنا عمومتهم العلويين الهاشميين، وعاملوا العرب على اساس انتمااتهم القبلية، ويتضح ذلك، مثلا، من تسميات الفرق في جيش المنصور باسما القبائل، مثل المضرية والربعية واليمانية ((144))، وهذا دليل على استمرار العصبيات القبلية في تلك المرحلة واعتراف الدولة بها. اما اعتمادالعباسيين على الفرس المسلمين في الجيش وادارة البلاد فلم يدم طويلا، فبعد اغتيال ابي مسلم الخراساني، جات نكبة البرامكة، ثم ثورة عوام بغداد على المامون لتقنع العباسيين بالتحول الى الاتراك، فاتخذوا منهم قادة وجندا في جيوشهم، وشكلوا عماد الجيش العباسي في ايام المعتصم، الذي بنى لهم مدينة في شمال بغداد، وزوجهم بالجواري.

شكل البدو، طوال العهد العباسي، مصدرا رئيسيا لتهديد الاستقرار واضطراب الامن، وبخاصة بين سكان القرى من الفلاحين، وكلما ضعفت السلطة الرسمية، بسبب الصراع حول الحكم او نشوب ثورة، نشط هؤلا الاعراب وغزواالقرى، ويشير احد المصادر الى ان قبيلة بني خفاجة كانت احدى هذه القبائل التي عاودت سيرة الجاهليين في الغزووالنهب، وبلغت بها الجراة مهاجمة القرى القريبة من بغداد، الامر الذي دفع بفلاحي السواد الى هجر قراهم للنجاة بارواحهم، وفي النهاية اجبر تفاقم خطر الخفاجيين الحكومة العباسية على التودد اليهم والتحالف معهم واستعمالهم في حماية الدولة ((145)).

لم يكن العرب الوحيدين الذين تذبذبوا بين القبلة والقبيلة، وعكست عقائدهم وسلوكياتهم هذه الازدواجية والتناقض احيانا، ويؤكد زناتي بان الكثير من الشعوب الافريقية التي اعتنقت الاسلام بعد الفتوحات في شمال افريقيا احتفظت ببعض عاداتها وتقاليدها القبلية، على الرغم من تعارضها مع التعاليم الاسلامية، واستمر هذا الحال لحين قيام الرحالة العربي ابن بطوطة بجولته المشهورة، فلاحظ وجود هذه الظاهرة بين المسلمين الطوارق مثلا، الذين ربما دخل الرجل منهم داره «ووجد امراته ومعها صاحبها ولا ينكر ذلك» . ((146)) اخفقت الدولة العباسية في التعامل بنجاح مع الفئات العرقية المتعددة ضمن حدودها، والتقليل من حدة الفروقات والخلافات العرقية والمذهبية والقبلية، الامر الذي ساعد في حدوث عدة ثورات وحركات انفصالية مثل ثورة الزنج في العراق، وسيطرة البويهيين والسلجوقيين، وقيام الدولة الفاطمية في مصر وشمال افريقيا، وتاسيس دولة اسماعيلية اخرى في شمال ايران، وتكوين الدويلات المبنية على تحالفات قبلية مثل الدولة الحمدانية، وبرهن هذا التفكك على ان الولاات الضيقة للعنصر او المذهب او القبيلة اقوى احيانا من الت آخي الديني.

وجدت النزعات القومية والقبلية صدى لها في الاعمال الادبية، فظهرت مؤلفات تؤكد على التفوق الحضاري لغيرالعرب، وعرف هذا الاتجاه ب «الشعوبية»، وسوا اكان الدافع من ورا ذلك المعارضة السياسية لتفرد العرب بالحكم ام التيار العنصري فانها اسهمت في تعميق الوعي القومي بين الفئات العرقية المختلفة ضمن الامة الاسلامية، ومن جهة اخرى تصدى آخرون للدفاع عن افضلية العرب على غير العرب، واستعملوا حججا من الدين لاثبات هذه المقولة غيرالمقبولة اسلاميا، ومنها ان الرسول عربي والقرآن الكريم انزل بلغة العرب، كما ان العرب هم اول المسلمين، ومنهم الصحابة والمجاهدون الذين دافعوا عن الدعوة وحملوها الى غير العرب.

اسهم التباين الفئوي، بمختلف اشكاله القومية والمذهبية والقبلية، في تفكك الدولة العباسية واضعافها، الامر الذي سهل على المغول احتلالها وتدميرها، وتقوض الحكم العربي في الاندلس بعد ان دفع الحرص على المصالح الفئوية الضيقة، ايضا، الحكام الى التحالف مع اعدائهم النصارى ضد ابنا جلدتهم ودينهم، كما انهارت الجبهة الايوبية الهشة للسبب نفسه، وكان ذلك كله تكرارا لما فعله القبليون في الجاهلية الذين تحالفوا مع الفرس احيانا ومع الروم او الاحباش احيانا اخرى ضد غيرهم من العرب.

القبلية بين سقوط العباسيين وعهد الاستقلال بعد سقوط الدولة العباسية خسر العرب ما تبقى من سلطاتهم الاسمية، وخضعت المنطقة العربية لحكم غير العرب من مغول واتراك ومماليك حتى حصولها على الاستقلال في القرن العشرين، وتعصب هؤلا الحكام لابنا عنصرهم،واهملوا مصالح العرب، فتدهورت الحواضر والمدن العربية، وتخلفت فيها الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وضعف الامن في المدن، وهيمنت القبلية في الارياف والبوادي، وادى تقهقر المجتمعات العربية الى مرحلة القبلية والبداوة الى احتدام النزاعات القبلية، ومنها الصراع القيسي اليمني الذي استعر ابان العهد الاموي في القرن الاول الهجري، ثم عادالى الظهور بعد عشرة قرون في سوريا، وشجع اهمال السلطة المركزية وفسادها البدو على مهاجمة القرى والمزارع،فامعنوا تخريبا ونهبا في املاك الفلاحين ومحاصيلهم، الامر الذي اضطر هؤلا المستضعفين الى بيع املاكهم الى وجهاالمدن من اصحاب النفوذ، والتحول من مالكين الى اجرا لديهم من اجل الحصول على الحماية، ففي سوريا، مثلا،ارغمت هجمات البدو فلاحي منطقة الغوطة القريبة من دمشق على بيع املاكهم الى اعيان دمشق ثمنا لحمايتهم،وازدادت معاناة سكان المناطق الزراعية في سوريا والعراق بعد هجرة قبيلتي شمر وعنزة من وسط الجزيرة العربية الى بادية الشام في القرن الثامن عشر ((147))، واستمر هذا الوضع حتى بداية هذا القرن حينما كان اصحاب القوافل والمركبات مجبرين على دفع الاتاوات الى القبائل البدوية لضمان سلامة الركاب والبضائع.

وفي شرق الاردن بلغت سطوة البدو من قبيلة بني صخر حدا اجبر العثمانيين على دفع مبلغ من النقود، يعرف ب «الصر»، الى شيوخ هذه القبيلة لقا عدم تعرضهم للحجاج بالسلب والنهب ((148))، وبعد ان وصف عبيدات حياة الاردنيين بانها «شبه عشائرية» ((149)) اضاف بان «الدين في السابق عند البدو كان ضعيفا، منهم لا يعرفون صوما ولاصلاة، بل لا يعرف كيف يعقد زواجه حسب الشريعة الاسلامية» ((150)). ويبدو ان جهلهم بالاسلام شمل حتى الاركان والقواعد، اذ يتبين مما يلي بانهم كانوا يعتبرون الامام عليا من الانبيا: «وقد يخاطب البدوي القاضي: اسوق عليك اربعة واربعين نبيا، اولهم محمد، وآخرهم علي» ((151)). وفي العراق قطعت القبائل البدوية وبعض القبائل المستوطنة الطرق، ومارست السلب، وفرضت الاتاوات على المسافرين، وروى لي بعض المعمرين من القبليين بان بعض القبائل الجنوبية كانت تفرض مبلغا من المال على المسافرين المارين بديارها مقابل ضمان حمايتهم، وتمردت القبائل على السلطات العثمانية، وامتنعت عن دفع الضرائب والخضوع للتجنيد الاجباري، الامر الذي دفع هذه السلطات الى شن الحملات العسكرية عليها، والتي لم يحالفها النجاح دائما بسبب قلة طرق المواصلات، ووعورة المناطق القبلية، ولجوء القبائل الى اغراق الاراضي لعرقلة تحركات القوات التركية، ولكن الاتراك نجحوا، في النهاية، في استغلال القبلية نفسها لاضعاف حركات التمردوالعصيان، فاثاروا العداوات والنزاعات بين القبائل، واغروا بعضها ببعضها الاخر من خلال منح بعض القبائل ملكية اراضي قبائل اخرى، وغالبا ما كانت الخلافات الناشبة حول حقوق الملكية والمياه عنيفة ودموية، وبلغ التفتت والعداالقبلي حدا جعل القبائل تبني حول ديارها قلاعا طينية محصنة، يحرسها افراد القبيلة، واستمرت هذه الخلافات والنزاعات حتى بعد تاسيس الدولة العراقية في القرن العشرين، وحتى سكان المدن العراقية كانوا اقرب الى القبلية منهم الى التحضر او الت آخي الديني، وينطبق هذا على سكان بغداد، ايضا، في بداية القرن العشرين كما وصفهم الريحاني: «ومع انهم كلهم كانوا مسلمين، فما جمعت رابطة الدين شملهم، ولا لطفت شعورهم، وما ازالت غير القليل من التنافروالتنابذ في ما بينهم... وقد تتجاور الاحيا وتتلاصق، ولا تتجاور القلوب، ولا تتلاصق الاحساسات القومية، فالعقلية في كل جماعة لا تزال في الغالب عقلية بدوية، مفتوحة لاخوانهم، ومقفلة دون الاخرين، والعرب في هذا مثل سائرالجماعات خصوصا العشائر» ((152)).

وفي مصر اشترى الحكام ولا البدو بالاموال، وسخروهم لاسناد حكوماتهم ضد بقية السكان، ويذكر عبداللّه عزباوي بان القبائل البدوية شكلت احدى وسائل المماليك الفعالة في ضرب التحالفات بين مشايخ القرى والفلاحين ((153))،وكان رؤسا هؤلا العربان يعينون من قبل سلاطين المماليك مقابل رشوة يدفعها الطامح الى الرئاسة ((154))، وتتضح قوة الانتما العنصري والقبلي بين سكان المغرب العربي من تفشي عادة الوشم، اذ يؤكد عثمان الكفاك انه كان لكل فئة من فئات السكان العربية والبربرية والرومانية وشم مختلف يميزها عن بقية الفئات والاجناس ((155)).

كانت، ولا تزال، القبلية في الجزيرة العربية نظام الحياة السائد فيها، وحتى وقت قريب نسبيا عاش معظم سكانها في حالة البداوة، معتمدين على الرعي والغزو في تحصيل معاشهم، ولم يتورعوا عن قطع الطرق وسلب الحجيج، حتى ان بعضهم كان ينهب قافلة حجيج ثم يبيع اسلابها الى قافلة ثانية، وطالت غاراتهم الوحشية بلاد الشام والعراق، فروعواالسكان الامنين، وقتلوا الابريا، ونهبوا ممتلكاتهم، ووصف توفيق السويدي لقا عابرا مع احد هؤلا الاعراب في القرن العشرين والذي وجده يصلي ويحمل اموالا مسلوبة: «عندما سالته عن ذلك قال بان هذا السلب هو شيء حلال لانه كسب وغنيمة وغزو، والغزو امر غير محرم» ((156)).

وفي جنوب الجزيرة لم تكن اليمن سعيدة بسبب الصراعات القبلية، وعاشت كل قبيلة في قلق مستمر من نوايا جيرانها،وانعكس هذا القلق والخوف جليا في تصميم القرى ومبانيها، ويصف قائد الشرجبي هذه القرى المبنية على المرتفعات الشاهقة بانها مثل القلاع في تصميمها وهندستها، واذا كانت البيوت في تهامة مبنية من القش فان اسيجتها مصنوعة عادة من الخشب لصد غارات الاعدا ((157))، ولم تلتزم هذه القبائل بالاوامر والنواهي الاسلامية في صراعاتها، والتي هي اساسا غير مسوغة شرعا، ويشير محسن ديان الى اعتماد القبائل وسائل وطرقا قتالية لا انسانية مثل اطلاق النار على النسا والاطفال وقطع المياه ((158))، وامتدت هجماتهم الى المدن اليمنية، فقد اقترف رجائل القبائل في جيش الامام يحيى الفظائع لدى هجومهم على مدينة بريم في القرن العشرين، «واتوا اعمالا وحشية من سلب الاموال وهتك الاعراض، لدرجة ان بعضهم كان يقطع اذن المراة او البنت ليسلب ما عليها من الذهب او الفضة»، ولم تنج حتى العاصمة صنعا التي غزتها القبائل في عام 1948 ((159))، ويخلص الشرجبي الى انه، وخلافا للشريعة الاسلامية، «ظل العرف[القبلي] يحكم كل اوجه الحياة القبلية تقريبا» ((160)).

وجد المستعمرون تربة خصبة، او بالاحرى مستنقعا عكرا، في القبلية، فاستفادوا منها في بلوغ اهدافهم الخبيثة وخدمة مصالحهم، ووجدوا بين القبليين الاعوان والعملا الذين ساعدوهم في تفريق صفوف العرب ووضع العراقيل في طريق اتفاقهم ووحدتهم، وتكرر حدوث ذلك في عدة دول عربية، مثل العراق والاردن واليمن والسودان والصومال ودول الجزيرة العربية، ففي العراق، مثلا، نجحت السلطات البريطانية الاستعمارية في استمالة عدد من شيوخ القبائل بالاموال والوعود، فساعدوها في احتلال العراق، ووقفوا متفرجين عندما ثارت قبائل اخرى ضد الاحتلال البريطاني في سنة 1920م، وتجدر الاشارة الى ان هذه الثورة لم تقم بمبادرة من شيوخ القبائل، وانما استجابة لفتاوى علما الدين الداعية الى الجهاد ضد قوات الاحتلال، وعلى الرغم من ذلك نجح البريطانيون في تشكيل قوة مرتزقة عميلة من افراد القبائل،سميت بقوات الشبانة.

وفي الجزيرة العربية التقت طموحات حكام الحجاز الهاشميين الى الاستقلال عن الاتراك العثمانيين مع مصالح البريطانيين في تقويض الامبراطورية العثمانية، وشاركت قواتهم القبلية تحت قيادة البريطاني لورنس في محاربة القوات العثمانية، وفي الوقت نفسه كانت القوات القبلية لال سعود قد بدات اول مرحلة من حرب قبلية امتدت تدريجيا الى بقية مناطق الجزيرة العربية، وقضت في النهاية على عدة ممالك وامارات قبلية من بينها الدولة الهاشمية في الحجازوامارة آل الرشيد الموالية للعثمانيين، وكان البريطانيون قد فرضوا من قبل سيطرتهم على جميع المشيخات الساحلية الصغيرة الواقعة على الشواط ى الغربية للخليج العربي.

بعد انشا مملكة شرق الاردن اختير لقيادة قواتها البدوية البريطاني غلوب باشا، ولم يغير اطلاق البدو عليه لقب «ابوحنيك» من كون ولائه لبريطانيا ومصالحها في المنطقة، وتجدر الاشارة هنا الى ان هؤلا الاعراب لم يجدوا غضاضة في اطاعة شخص غير عربي وغير مسلم. وفي السودان استغل المستعمرون البريطانيون القبلية والتعصب لها في تفتيت الحركات المناهضة لهم واضعافها، كما ركز الفرنسيون في مستعمراتهم في المشرق والمغرب العربي على التنوع العرقي والقبلي والطائفي، فحاولوا اقامة دويلات طائفية قبلية في سوريا، وشجعوا قبائل البربر في شمال افريقيا على الانفصال.

عهد الاستقلال شهدت عهود الاستقلال في المنطقة العربية تقلصا في اهمية الدين المشترك بوصفه عاملا موحدا للسكان، وحلت محله الرابطة القومية، بل ان بعض العرب القوميين اعتبروا الاديان، بما في ذلك الاسلام، عوامل مفرقة وعوائق امام تحقيق الوحدة العربية والتضامن الوطني في البلد الواحد، ويتضح ذلك من القول الذي نسبه الريحاني الى الملك فيصل الاول: «كنا عربا قبل عيسى وموسى ومحمد» ((161)) مؤكدا فيه على الهوية العربية السابقة تاريخيا لنشوء الاديان التي بشر بها هؤلا الانبيا، والواقع ان العرب في ذلك الحين كانوا مشتتين ومتفرقين، ولم يكن للرابطة القومية، اي الانتماالى العروبة، تاثير واضح وقوي على فكرهم وسلوكهم، وكانت ولااتهم قبلية بحتة، وتبنت القيادة العراقية في الثمانينات هذه النظرة السلبية الى الاسلام، عندما صرحت بان الدين يكرس التفرقة والشقاق بين صفوف العراقيين من مسلمين شيعة وسنة، ومسيحيين وصابئة ويزيديين، وسوغت بذلك فكرة الفصل بين السياسة والدين، وعاقبت رجال الدين الذين جاهروا برائهم السياسية المستقلة، واذا كانت الدولة العراقية حرصت على ابقا الدين خارج السياسة فانها،ايضا، كرست الطائفية والقبلية السياسية، وذلك بمنع الغالبية الشيعية من ممارسة اي دور سياسي مؤثر، وحرمانها من استحقاقها من المنافع الاقتصادية، واستمرارا للسياسة الاستعمارية في «فرق تسد» شجعت القيادات المتعاقبة في العهدين الملكي والجمهوري القبائل، واثارت النعرات القبلية، الامر الذي ادى الى تنافس زعما القبائل وتصارعهم على النفوذ، وبالتالي لم تكن هذه الزعامات قادرة على تنسيق مواقفها والتنسيق في ما بينها لنجدة حليفها النظام الملكي الذي اطاح به انقلاب 1958م، وفي التسعينات ادت القبلية والتشتت القبلي، وبالتالي فقدان القيادة الواحدة، الى فشل الحركتين المناوئتين للنظام العراقي في الجنوب العربي والشمال الكردي.

لا تزال اهمية القبلية والولاات القبلية قوية وواضحة في دول عربية عديدة، مثل الاردن واليمن والسودان والصومال ودول الجزيرة العربية، ففي الاردن تعد القبائل ركنا من اركان النظام السياسي، وتمارس زعاماتها نفوذا كبيرا على السياسة الداخلية، وفي اليمن اتخذ الصراع المسلح بين الجمهوريين والملكيين، بعد الانقلاب الجمهوري، طابعا قبليا،ولعبت القبائل دورا اساسيا في تكوين التحالفات السياسية والحكومات بعد قيام النظام الجمهوري، وشكلت تهديدامباشرا للاستقرار والامن في مناسبات عديدة، وحتى الوقت الحاضر لا تزال هذه القبائل تتصرف بدرجة من الاستقلالية متحدية السلطة المركزية، وتقوم بخطف الاجانب او قطع الطرق لاجبار الحكومة على الاذعان لمطالبها وشروطها. ولاشك في ان القبلية احد الاسباب الرئيسية لعدم الاستقرار واضطراب الامن في السودان، الامر الذي ادى الى تعطيل النشاطات الاقتصادية ومشاريع التنمية. اما الصومال، فقد اوصلتها القبلية الى حرب اهلية ضروس، نتجت عنها خسائرباهظة في الارواح والممتلكات، وقضت على فرصها في النمو والتطور في المدى المنظور على الاقل، وادت الى تفكك كيانها الوطني وقيام دويلات قبلية متصارعة، واحتلال اراضيها من قبل بعض جيرانها الطامعين، اما دول الجزيرة العربية فجميعها قبلية، ولا تزال تاثيرات القبلية واضحة في نظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية ومهيمنة على تفكير سكانها وسلوكهم.

منذ انشا الكيان الصهيوني في فلسطين، توددت حكومته الى قبائل البدو، وبعد ان اطمانت الى اخلاصهم وولائهم جندتهم في جيشها، وعرف هؤلا البدو بكفاتهم بوصفهم ادلا في اقتفا آثار المجاهدين الفلسطينيين واللبنانيين،وعدم مبالاتهم بكون ذلك مخالفا للتعاليم الاسلامية التي تنهى، وبشكل قاطع، عن موالاة غير المسلمين بشكل عام،فما بالك بالد اعدا العرب والمسلمين!؟ يتبين، من العرض السابق، ان القبلية ساهمت في تخلف النظم السياسية العربية وجمودها وتسلطها، وكذلك في انعدام الامن ونشوب الصراعات وتفكك جبهاتها الداخلية، وبالاضافة الى هذه النتائج الوخيمة في حقلي السياسة والامن الداخليين افرزت القبلية، قديما وحديثا، سلبيات عديدة، تشكل، عموما، انحرافات عن احكام الدين الاسلامي وتعاليمه، وفي ما يلي بعض الامثلة عليها: 1 التمييز بين القبائل وافرادها على اساس الاعمال التي يمارسونها ويعتاشون منها، فالقبائل البدوية التي تمتهن الرعي والغزو والسلب تتعالى على القبائل التي تعمل في الزراعة، والتي بدورها تتفاخر، في ما بينها، حسب نوع زراعتها،فمزارعو الحبوب والنخيل ينظرون باحتقار الى مزارعي الخضار، وجميع القبليين يرون انفسهم افضل من اهل المدن،ويفرق القبليون في الجزيرة العربية بين «الشيخ» و«الحضري»، اذ يتميز الاول على الثاني باصوله القبلية المعروفة، وحتى وقت قريب كان التزاوج بين الفئتين شبه محرم، وكما يصف ابراهيم: «يتحتم ان يكون الزوج والزوجة من قبيلة واحدة، فالحر لا ياخذ الا حرة، والصفار لا ياخذ الا صفارة» ((162))، وفي العراق اغتال احد افراد عائلة السعدون، وهم عائلة اقطاعية معروفة في العهدين العثماني والملكي، مدير وزارة الداخلية في بداية العهد الملكي بعد زواجه من احدى بناتهم، لانه، وفي نظرهم، اقل منهم مكانة وعراقة في الاصل، وفي مصر، ايضا، يشير البقلي الى ان البدو يرفضون تزويج بناتهم من اولاد المزارعين حتى لو كانوا اغنيا ((163)). يرتبط هذا التمييز الاجتماعي اللااسلامي باحتقار القبليين للعمل اليدوي، فالناس في الجزيرة العربية ينفرون من الاعمال الحرفية، ولا يختلطون بالعاملين فيها، ويعامل هؤلا الكادحون المستضعفون بالتعالي والعنجهية نفسيهما من قبل القبليين العراقيين، الذين يمنعون اولادهم من اللعب مع اولاد الحائك وغيره، وكانت عبارة «يا ابن الحائك» تعدمسبة بينهم، ويشير ديان الى ان الحرفيين في اليمن يتعرضون لسوء المعاملة والظلم الاجتماعي ((164))، ويشترك القبليون العراقيون واليمنيون في احتقار زارعي الخضروات، الذين تطلق عليهم تسمية «الحساوية» في العراق، ويناى افراد القبائل في الاردن واليمن عن اصحاب الحوانيت الذين يسمونهم ب «البياعين»، لانهم لا يتورعون، في رايهم، عن الكذب والتحايل لترويج بضاعتهم، وكل من يضطره شظف العيش الى العمل في خدمة البيوت محتقر بينهم، لانها عادة ما تكون من اعمال المسترقين، وفي اليمن يرفض القبليون مصافحة «الخدام»، وهم مواطنون سود يشتغلون بالخدمة،ويستنكفون كذلك من تناول الطعام معهم امتثالا للمثل الدارج بينهم «آكل يهودي ولا ت آكل خادم»، ويدعوهم مثل آخرالى كسر الانا الذي اكل منه خادم والاكتفا بغسله بعد اليهودي، وربما تزوج اليمني القبلي يهودية لكنه يترفع عن التزوج بخادمة مسلمة ((165))، وتجدر الاشارة الى ان القبائل كانت آخر من تخلى عن التركة الثقيلة وغير الانسانية للعبودية التي حث الاسلام على التخلص منها قبل اربعة عشر قرنا.

2- سيطرة الخرافات والعقائد المحرفة على عقول القبليين: تنتشر بين القبليين، وغالبيتهم من الاميين الجاهلين بمبادى الدين وتعاليمه، عقائد غير صحيحة، مثل الاعتقاد بالسحر والقدرات الخارقة لبعض الناس، وبان للارواح وللجن تاثيرات ايجابية او سلبية على البشر، لذا يقصدون السحرة للاستعانة بهم وبقوتهم المزعومة في درء الحسد وكيدالاعدا وللحصول على منافع شخصية، وكان القبليون العراقيون يعتقدون بان خسوف القمر يحدث نتيجة ابتلاعه من قبل حوت لذا يهرعون الى خارج دورهم، ضاربين على قدور الطهي وغيرها من الاوعية المعدنية محدثين ضجة عالية لافزاع الحوت ودفعه الى ترك القمر، وعند انقضا شهر صفر يرددون: «طلع جاي انتهى ج صفر ونحن بسلم يا رسول اللّه»، والرسول (ص) نفسه نهاههم عن التطير والتشاؤم من صفر او غيره، ويذكر العلوجي والراوي ان النسوة العراقيات يستعملن براثن الذئب وعينيه للتعوذ من الارواح ((166))، فيما يلجا المصريون الى تقليد قبلي افريقي الشريرة وهو الزارللغرض نفسه، وفي تونس، وكذلك العراق، يصنعون للارواح الشريرة الطعام ارضا لها واتقا لشرها ((167))، ومن المخلفات العقائدية القبلية في تونس، ايضا، تقديس العيون وما تعيش فيها من حيوانات، مثل السلاحف والضفادع((168))، ويعتقد القبليون الاردنيون بان الصادق لا يحرق لسانه لحس حديدة محماة في النار، اما الكاذب فيسود لسانه،ويعرف هذا الاختبار القبلي بالبشعة ((169))، وفي اليمن يقصدون المنجم لتحديد ساعة الزواج المناسبة، وجميع هذه الاعتقادات الباطلة والخرافات جزء من الموروث القبلي للعرب الذي نهى عنه الاسلام، واعتبر الالتزام به مخالفة كبيرة، لكن القبليين اصروا على الاحتفاظ به ولقرون عديدة.

3- ارتفاع وتيرة العدوانية والعنف بين القبليين: يدرك هذه الحقيقة كل من عاش، ولو لحقبة قصيرة، في مجتمع قبلي،ويبدي القبليون حساسية اكبر لاقوال الاخرين وتصرفاتهم، وتحملا اقل للانتقاد، واستعدادا اقوى لاستعمال العنف في الرد على الاساة، وتنبع هذه الميول السلوكية من اهمية قيمة الرجولة لديهم، والتي يبدو ان الرادع الرئيسي بينهم للجوء الى العنف في ذلك القتل، هو العنف المتبادل والثار، وتقليد اخذ الثار صفة ملاصقة للقبلي، وبينما يسوغ العرف القبلي لذوي المقتول الثار من القاتل او احد اقاربه ممن يعرفون بخمسته، حصر الاسلام سلطة الاقتصاص بولي الامر او الحاكم المسلم، وحرم الاقتصاص من غير الجاني على اساس القاعدة الاسلامية: (لا تزر وازرة وزر اخرى)، ويصف عبد الكريم الحشاش فرح القبلي باخذ ثاره كما يلي: «واكثر ما يكون البدوي انشراحا عندما ياخذ بثاره، فنراه يغمس منديلا ابيض او كوفية في دم القتيل، ويرفع هذه الراية الملطخة بالدما على عصا، ويقابل بالزغاريد والافراح، ويسود اعتقاد مفاده ان من ياخذ ثاره يصبح صاحب كرامات او بركات» ((170)).

ويذكرنا هذا السلوك بما فعلته هند زوجة ابي سفيان وام معاوية بجسد سيد الشهدا حمزة (ع) بعد استشهاده في واقعة احد، حيث استخرجت قطعة من كبده ولاكتها، وقد نهى الاسلام عن هذا السلوك الهمجي في الحديث الشريف: «اياكم والمثلة ولو بالكلب العقور».

4- فقدان العدل في العرف القبلي الخاص بتوزيع الارث: وفاقا لهذا العرف يحصل اكبر ابنا المتوفى على حصة الاسدمن التركة، وربما استاثر بكافة اموال والده وعقاراته، خلافا للتعاليم القرآنية الخاصة بذلك، وظل هذا التوزيع المجحف للارث تقليدا ثابتا بين القبائل العراقية حتى وقت قريب جدا، اما في مصر فيذكر عزباوي بان مشايخ وعمد القرى نجحوافي سنة 1869م في «استصدار قرار بتعطيل العمل بقوانين الميراث الاسلامية على الاراضي الخراجية، وجعل تكليف الاطيان باسم اكبر اولاد المتوفى، على ان يجري تقسيم الايراد على العائلة بحسب ما يخص كل فرد، واستمر العمل به حتى سنة 1881م، حيث كثرت شكاوى الناس من استبداد رؤسا عائلاتهم بهم وبخسهم لحقوقهم» ((171)). وبالنسبة لتوريث النسا حرم القبليون في العراق النسا من حقهن في الارث، وبخاصة في الاراضي الزراعية، وساد هذا العرف بين القبائل على اختلاف مذاهبها وخلافا للتعاليم الاسلامية المنزلة.

5- الاجحاف بحقوق المراة: بالاضافة الى حرمان المراة من الارث طبق القبليون عليها معيار الكيل بمكيالين، احدهمايتحيز للرجل والاخر يتجنى على المراة، فهم يتغاضون عن ممارسة الرجل للزنا، بل يعدون ذلك دليلا على الرجولة والفحولة، اما المراة فتقتل لمجرد الشك بذلك والتقول عليها من دون برهان او شهود عدول، وسوا كانت محصنة ام لا، ووفقا للعرف القبلي فليس من حق الفتاة اختيار زوجها او حتى ابدا رايها في من رضي به والدها، وعادة ما يفرض عليها ان تكون من «نصيب» ابن عمها، الذي ان شا تزوجها، او نهى خطابها، او طالب بمبلغ من النقود مقابل تخليه عن النهوة، اي التنازل عن حقه فيها، ومن التقاليد المجحفة بالمراة لدى قبائل العراق واليمن والاردن تقديم فتاة او اكثر كجزءمن التعويض الذي يقدمه جان الى مجني عليه او الى عائلته، وتسمى هذه الفتاة السيئة الحظ في العراق «فصلية» وفي الاردن «الحفزة»، ومن الممكن، وفقا لهذا التقليد، ان تسلم اخت القاتل الى اخ المقتول، ولا تقام لها عادة مراسم زفاف،اي انها تعامل كسبية او جارية، وغالبا ما تتعرض لسوء المعاملة، واذا طلقها الرجل فان من حقه الاحتفاظ باولاده القصرمن الذكور والاناث من دون اعتبار لشروط الحضانة.

يتضح من البيانات والتحليلات المعروضة في هذا البحث ان النتائج السلبية للقبلية شملت كافة جوانب المجتمعات العربية، من سياسية واجتماعية واقتصادية، وشكلت جزءا كبيرا ومؤثرا من تركة التخلف التي عانى ولا يزال يعاني منهاالعرب، وعقبة كادا امام حركة التطور والرقي، وعلى الرغم من ضخامة هذه المشكلة وخطورتها لم تحصل على اهتمام مناسب من القادة والمؤسسات الرسمية والباحثين والمفكرين في الدول العربية، كما لم يتصدوا لها بالمعالجة الجدية فكريا وعمليا، بل ان العديد من الحكومات العربية لا زالت تكرس القبلية وتشجعها رسميا وعمليا في نظمها وتشريعاتهاومؤسساتها، ولا يتردد بعض المفكرين من التفاخر بها لانها في نظر نجوى قصاب حسن: «صورة اخرى للانتما القومي والرابطة بين الانسان ومجتمعه» ((172))، فيما يعتبرها ظاهر احد عنصري التراث العربي، وهما: التقاليد القبلية والديانة الاسلامية، ويصر على كونهما مترابطين على الرغم من تعدد التناقضات بينهما ووضوحها ((173))، وبالمقارنة بهذه المواقف ادركت كريستين نصار حقيقة التعارض شبه التام وعمقه بين الاسلام والقبلية، وبعد ان لاحظت مسعى الاسلام الى تحرير المسلمين من ارتباطهم القبلي واستبداله بارتباط مباشر مع الخالق انتهت الى استنتاج صحيح ودقيق بان «استمرار الولا للقبلية يعني اشراكا بالولا المفترض للّه ولرسوله وتفتيتا للامة» ((174)).

اطلالات على التاريخ (1) ابن العلقمي السياسي والكاتب الاديب

 
السيد حسن الامين


 
حياته اشتهر هذا السياسي، الاديب، ب «ابن العلقمي»، وهو: ابو طالب محمد بن احمد بن محمد بن علي بن العلقمي الاسدي. هذا اذا اردنا التفصيل. اما مايذكره به المؤلفون القدامى، فهو: مؤيد الدين محمد بن العلقمي.

واذا كان المؤرخون لم يذكروا سنة ولادته واكتفوا بذكر سنة وفاته، وهي سنة 656ه، فقد اغنونا عن ذلك بان قالوا انه مات وعمره ثلاث وستون سنة.

وقائل هذا القول هو مؤلف كتاب «الحوادث الجامعة» ((175)) الذي ذكره في وفيات سنة 656ه، على عادة مؤرخي تلك العصور الذين يذكرون احداث كل سنة، بما في ذلك وفيات المشاهير. على ان الصفدي يقول، في كتابه: «الوافي بالوفيات»، ان مولده في شهر ربيع الاول سنة 591ه.

ونستنتج مما ذكره المؤرخون انه من مدينة الحلة، او من بلدة «النيل» الواقعة على بعد خمسة اميال من مدينة الحلة((176)). فقد قال الخزرجي عنه: «اشتغل بالنحو وعلم الادب في شبيبته بالحلة على عميد الرؤسا (هبة اللّه بن حامد) بن ايوب ثم قدم بغداد وقرا على ابي البقا عبداللّه بن الحسين العكبري، ثم انضم الى خاله استاذ دارالخلافة ((177)) عضدالدين ابي نصر المبارك بن الضحاك، وكان شيخ الدولة فضلا وعلما ورئاسة وتجرئة، فتخلق باخلاقه وتادب بدابه،واستنابه في ديوان ((178)) وشغله بعلم الانشا الى ان توفي خاله، فانقطع الابنية ولزم داره، واستمر شمس الدين ابوالازهر احمد بن الناقد استاذ الدار، فاستدعى مؤيد الدين الى دار التشريفات، وامره بالتردد اليها في كل يوم ومشاركة النواب بها. فلما نقل استاذ الدار احمد بن الناقد الى الوزارة نقل مؤيد الدين الى استاذية الدار، فكان على ذلك الى ان توفي الوزير احمد بن الناقد فانتقل مؤيد الدين الى الوزارة».

ويقول الصفدي، في كتابه «الوافي بالوفيات»: ولي الوزارة اربع عشرة سنة. اما ابن الطقطقي فيقول: «اصلهم من النيل».ويقول ابن كثير: «خدم في ايام المستنصر استاذ دار الخلافة مدة طويلة، ثم صار وزير المستعصم». هذا كل ما عرفناه عن تطور حياته.

شخصيته وقد وصفه المؤرخون جميعهم، حتى الذين حاولوا النيل منه في تصرفاته، باحسن الصفات، ولم يستطيعوا ذمه، بالرغم من محاولتهم الاساة الى تاريخه. وذلك لان صفاته الحميدة كانت بارزة للناس كافة طوال اربع عشرة سنة، وهي مدة توليه الوزارة، فضلا عما سبقها من السنين في توليه استاذية دار الخلافة. كانت صفاته بارزة بحيث لا يستطاع انكارها اوتشويهها، لذلك كانوا مجبرين على تسجيلها له، حتى اذا عنت لهم فرصة عابرة لا يستطاع التثبت من حقيقة ما جرى فيها، عمدوا الى الافترا والتضليل! قال عنه الخزرجي في «العسجد المسبوك»، وهو يذكر وفيات سنة 656ه: «وفي هذه السنة توفي الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد بن العلقمي ((179))، البغدادي الرافضي. وكان عالما فاضلا اديبا، حسن المحاضرة، دمث الاخلاق،كريم الطباع، خير النفس، كارها للظلم، خبيرا بتدبير الملك، لم يباشر قلع بيت ولا استئصال مال».

هذا الذي يقول عنه هذا القول لا يتورع عن ان يقول عنه بعد ذلك: «... ولم يزل على ذلك ((180)) الى ان انقضت الدولة العباسية، واقر في الدولة التترية على الوزارة، وتغيرت احواله ولم يتم له ما اراد، ولم يظن ان التتر يبذلون السيف مطلقا،فانه راح تحت السيف الرافضة والسنة وامم لا يحصون، وذاق الذل من التتر، وذلك في اول جمادى الاخرة من السنة المذكورة» ((181)).

وقال عنه الصفدي في «الوافي بالوفيات»: «كان وزيرا كافيا خبيرا بتدبير الملك، ولم يزل ناصحا لاستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار الصغير (مجاهد الدين ايبك) لانه كان يتغالى في السنة، وعضده ابن الخليفة (احمد ولي العهد) فحصل عنده من الضغن ما اوجب له ان سعى في دمار الاسلام وخراب بغداد على ما هو مشهور، لانه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره: وزير رضي من باسه وانتقامه بطي رقاع حشوها النظم والنثر كما تسجع الورقا وهي حمامة وليس لها نهي يطاع ولا امر واخذ يكاتب التتار الى ان جر هولاكو وجراه على اخذ بغداد، وقرر مع هولاكو امورا انعكست عليه، وندم حيث لا ينفعه الندم، وكان كثيرا ما يقول: وجرى القضا بعكس ما املته».

واسترسل الصفدي في هذا واشباهه من المفتريات... الى ان قال: «.. وحكي انه لما كان يكاتب التتار تحيل مرة الى ان اخذ رجلا وحلق راسه حلقا بليغا، وكتب ما اراد عليه بوخز الابر كما يفعل بالوشم، ونفض عليه الكحل وتركه عنده الى ان طلع شعره وغط ى ما كتب، فجهزه وقال: اذا وصلت مرهم بحلق راسك ودعهم يقرؤون ما فيه. وكان في آخر الكلام:قطعوا الورقة. فضربت رقبته. وهذا غاية في المكروالخزي، واللّه اعلم» . ((182)) وقال ابن الطقطقي، وهو ممن لا يفترون على الوزير: «اشتغل في صباه بالادب، ففاق فيه، وكتب خطا مليحا وترسل ترسلا فصيحا، وضبط ضبطا صحيحا. وكان رجلا فاضلا كاملا لبيبا كريما وقورا، محبا للرئاسة، كثير التجمل، رئيسامتمسكا بقوانين الرئاسة، خبيرا بادوات السياسة، لبيق الاعطاف بلات الوزارة. وكان يحب اهل الادب ويقرب اهل العلم، اقتنى كتبا كثيرة نفيسة. حدثني ولده، شرف الدين ابو القاسم علي، قال: اشتملت خزانة والدي على عشرة آلاف مجلد من نفائس الكتب.

وصنف الناس له الكتب، فممن صنف له الصاغاني اللغوي، صنف له: العباب، وهو كتاب عظيم كبير في لغة العرب. وصنف له عز الدين عبد الحميد بن ابي الحديد كتاب شرح نهج البلاغة، يشتمل على عشرين مجلدا، فاثابهما واحسن جائزتهما.

وكان ممدحا، مدحه الشعرا وانتجعه الفضلا. فممن مدحه كمال الدين بن السيوفي بقصيدة من جملتها: مؤيد الدين ابو طالب محمد بن العلقمي الوزير وهذا بيت حسن، جمع فيه لقبه وكنيته واسمه واسم ابيه وصنعته. وكان مؤيد الدين الوزير عفيفا عن اموال الديوان واموال الرعية، متنزها مترفعا، قيل ان بدر الدين، لؤلؤ صاحب الموصل، اهدى اليه هدية تشتمل على كتب وثياب ولطائف قيمتها عشرة آلاف دينار، فلما وصلت الى الوزير حملها الى خدمة الخليفة، وقال: ان صاحب الموصل قداهدى الي هذا، واستحييت منه ان ارده اليه، وقد حملته وانا اسال قبوله. فقبل، ثم انه اهدى الى بدر الدين عوض هديته شيئا من لطائف بغداد قيمته اثنا عشر الف دينار، والتمس منه ان لا يهدي اليه شيئا بعد ذلك».

لقد نقلنا هنا شهادات لمن افتروا على ابن العلقمي ولمن لم يفتروا عليه، والكل اجمعوا على فضائله وعلى نزاهته وحسن تدبيره وعلى علمه وادبه وعلى غير ذلك.

وكما قلنا من قبل فان هذه صفات كانت بارزة فيه ومستمرة لا يستطاع انكارها. اما الافترا فهو على شيء غير ملموس وغير معاين فيمكن اشاعته بين الناس، ويمكن تدوينه ليقراه الاتون.

وهذا ما فعله المفترون.

على اننا هنا لا نريد تفنيد الاتهامات الباطلة، فذاك له محل آخر آت، وانما نريد ان نقف بعض الوقوف عند بعض الصفات التي وصف بها، ونرى مدلول هذه الصفات.

فالخزرجي وهو من المفترين يصفه بالعلم والفضل والادب.

واذا اردنا ان نحول هذا الكلام الى مفهوم عصرنا، فاننانقول: انه كان مثقفا عالي الثقافة. وهذه صفة من اهم الصفات التي يجب ان يتحلى بها رجال الحكم.

ثم انه يوالي وصفه قائلا: انه كان حسن المحاضرة، دمث الاخلاق، كريم الطباع، خير النفس. وهكذا نرى انه اجتمع فيه،الى جانب الثقافة، صفة اخرى من الصفات المهمة التي يحبب ان تكون في الحاكمين، وهي التواضع ومعاملة الناس بلين ورفق واحترام.

على ان اللافت للنظر، في صفات ابن العلقمي الحميدة، هو قول الخزرجي انه كان كارها للظلم، لم يباشر قلع بيت ولااستئصال مال.

وعندما نعرف ان الظلم وقلع البيوت واستئصال الاموال هو الاصل الذي آل اليه الحكم في الاسلام منذ سنة 41 للهجرة،نعرف اي انسان كان ابن العلقمي. ولامر ما يصر هذا المؤرخ وغيره من المؤرخين على ذكره هذه المنقبة له، فلولا انهم يرون الظلم فاشيا في الحكام والعسف هو السائد لما حرصوا على تخصيصه بكراهية الظلم وما يجده هذا الظلم في مايجر من قلع البيوت واستئصال الاموال.

ولا يغفل الخزرجي عن الاشارة الى انه خبير بتدبير الملك.

فنحن اذن امام حاكم كف ء مثقف عادل نزيه متواضع. وهي صفات اعترف له بها اشد الناس عداوة له، واعظمهم افتراعليه.

وهؤلا الاعدا المفترون اعمى الحقد بصائرهم فلم ينتبهوا الى ان من كانت له هذه الصفات الراسخة، لا يمكن ان تكون له صفة تناقضها كل المناقضة، حاولوا ان يلصقوها به زورا وبهتانا.

فالنزيه العاف عن المال العام والمال الخاص،المثقف، نير الفكر، العادل الكاره للظلم، لا يمكن ان يمحو بيده هذه الصفات العالية في شخصه، لا يمكن ان يمحوهابيده بالتعاون مع اعدا البلاد. ..

وهذا عين ما قاله عنه ووصفه به العدو الاخر، الصفدي، الذي اقر له بالصفات الطيبة التي اقر له بها الخزرجي. كما شارك الخزرجي بمناقضة نفسه بتوجيه الاتهام اليه، اتهاما مضحكا يدرك اي انسان انه مما لا تقبله العقول! اما المؤرخ المحايد، ابن الطقطقي، فقد اضاف الى الصفات كما راينا صفة حبه لاهل الادب وتقريبه لاهل العلم وكثرة اقتنائه للكتب، وهي الصفات التي تلازم الحاكم المثقف العادل، المتواضع، حميد الاخلاق.

ولما كانت الصفات البارزة في حكام تلك الازمان هي ما نسميه اليوم «الفساد» والاستيلا بكل وسيلة على المال العام والخاص، لذلك فاننا نرى المؤرخين حتى الاعدا يركزون على نزاهته وابتعاده عن الاستيلا على ما لا حق له به من المال، سوا كان هذا المال مال الدولة ام مال الناس.

واذا كان قد تعورف في عصرنا هذا بان ما يهدى الى رجال الدولة من هدايا شخصية فان هؤلا الرجال يحيلون هذه الهدايا الى خزانة الدولة، لانهم لو لم يكونوا في الحكم لما اهديت اليهم. اذا كان الامر كذلك في هذا العصر، في هذاالقرن العشرين الماشي الى نهايته، فان ابن العلقمي قد سبق عصره بقرون وقرون، وعمل بما لم يعمل به رجال الدول الافي عصور المجالس النيابية والقوانين الصارمة، عصور الحضارات التي بلغت اوجها.

فلما اهدى اليه بدر الدين لؤلؤ ما اهدى حول الهدية في الحال الى خزانة راس الدولة المؤتمن على المال العام، وزادعلى ذلك بان اهدى الى المهدي ما يفوق ثمن هديته لئلا يترك في نفسه اثرا لمنة يدل بها عليه. ثم افهمه صراحة بان يكف عن ارسال الهدايا.

هذا هو ابن العلقمي الذي حاولوا تجريحه، وهذه اخلاقه التي حاولوا تشويهها!..

وقد قلنا من قبل ان مما وصف به: حبه لاهل الادب وتقريبه لاهل العلم. ونزيد على ذلك بان هذا الحب وهذا التقريب لم يكونا مجرد ترحيب في مجلسه وبشاشة في ناديه، بل كانا حبا وتقريبا عمليين لا قوليين، فقد كان يشجعهم على التاليف ويفرغهم للعمل العلمي والادبي بان يضمن لهم رفاهة العيش وسعة الرزق بان يغدق عليهم المال جزا ما الفواوكتبوا، حتى لتبلغ مجلدات الكتاب الواحد عشرين مجلدا.

ولم تكن هذه الكتب سطحية تكتب للارتزاق، بل حسبك ان يكون منها كتاب «العباب» الذي يصفه مؤرخ مثل ابن الطقطقي بانه كتاب عظيم كبير، وحسبك ان يكون موضوعه «اللغة العربية»، وان يكون مؤلفه لغوي كالصاغاني. وفي هذاما فيه من غيرة في ابن العلقمي على العرب ولغتهم، ولابدع في ذلك، وهو العربي الصميم المتحدر من بني اسد((183)).

وكذلك القول في شرح النهج الذي هو اليوم، وكان قبل اليوم، وسيظل بعد اليوم، وفي كل يوم، من اهم روافد التاريخ الاسلامي.

الاديب الكاتب ومما وصف به ابن العلقمي: انه كان اديبا كاتبا منشئا ينظم الشعر. وناخذ مثالا على نثره ما ذكره مؤلف كتاب «الحوادث الجامعة» في احداث سنة 643ه: قال مؤلف «الحوادث الجامعة»: في سنة 643ه «توفيت ابنة الخليفة المستعصم باللّه، واسمها عائشة، وعمل لها العزا في الرصافة على جاري العادة، وانشد الشعرا المراثي وكتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي الى الخليفة: (انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب. اجزل اللّه ثواب الخدمة الشريفة المقدسة النبوية الامامية المستعصمية باللّه على احتسابها، وجزاها افضل جزا الصابرين عند جزع النفوس واكتئابها، وافا عليها ظلا من البقا ظليلا، ورجع طرف الحوادث عن حوزتها الشريفة حسيرا كليلا، وعوض عمن عبر وذهب بحراسة غيره مما وهب، وجعل السادة الموالي المعظمين في حوز حياطته، وكلاهم من كل حادث بعين حفظه التي لا تنام ورعايته، وادام للدنيا واهلها بقا الخدمة الشريفة واستمرار عصرها، وخلود الدولة الحالية بمضا مراسمها العلية ونفاذ امرها: فاذا سلمت فكل شيء سالم واذا بقيت فكل شيء باق ولا زال ملكها محروسا من الغير، لصون الموارد من الكدر، ولا اعاد الى مواطن شرفها حادثا، ولا انزل بمقدس ربعهاخطبا كارثا: لا روعت بعدها الخطوب لكم سربا ولا فصلت لكم جملا (كذا) بمحمد وآله».

وقال، في اخبار سنة 644ه: «فيها كتب الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي الى الخليفة ينهي حال بعض الامرا، ويقول في آخر كلامه: وهو «مدبر»، فوقع الخليفة على مطالعته بقلمه: ولا تساعد ابدا مدبرا وكن مع اللّه على المدبر فكتب الوزير في الجواب من نظمه: يا مالكا ارجو بحبي له نيل المنى والفوز في المحشر ارشدتني لا زلت لي مرشدا وهاديا من رايك الانور فضلك فضل ما له منكر ليس لضوء الشمس من منكر ان يجمع العالم في واحد فليس للّه بمستنكر فاللّه يجزيك بما قلته خيرا ويبقيك مدى الاعصر جعلت تقوى اللّه مقرونة بورد افعالك والمصدر من يجعل التقوى له مقرونة بورد افعالك والمصدر من يجعل التقوى له متجرا فذاك حقا رابح المتجر» وقال الخزرجي، في اخبار سنة 646ه: «وفي شهر ربيع الاول، انعم على الوزير ابي طالب محمد بن العلقمي بدواة فضة مذهبة مدورة مثمنة بديعة الصنعة جميلة الوضع، فقال بعض الشعرا». وجا في كتاب الحوادث في ذلك «وفيها انفذالخليفة الى الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي دواة فضة مذهبة مع صلاح الدين عمر بن جلدلك في جوانة فخلع عليه ونظم الشعرا في ذلك اشعارا كثيرة».

وقال مؤلف الحوادث في سنة 648ه: «وفيها انفذ الخليفة الى الوزير على يد عمر بن جلدلك شدة من اقلام فكتب الوزير: (قبل المملوك الارض شكرا للانعام عليه باقلام قلمت عنه اظفار الحدثان، وقامت له في حرب صرف الدهرمقام عوامل المران، واجنته ثمار الاوطار من اغصانها، وحازت له قصبات المفاخر يوم رهانها، فباللّه كم عقد ذمام في عقدها وكم بحر سعادة اصبح من مدادها ومددها. وكم من آد خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب فلت مضاربهابمطرور مرهفاتها، واللّه تعالى ينهض المملوك بمفروض دعائه، ويوفقه للقيام بشكر ما اولاه من جميل رايه وجزيل حبائه، وبمحمد وآله: خولتني نعما كادت تعيد الي عصر الشباب وتدني منه اياما لم يبق لي امل الا وقد بلغت نفسي اقاصيه برا وانعاما تعطي الاقاليم من لم يبد مسالة جودا فلا عجبا ان تعط اقلاما لافتحن بها واللّه يقدرني مصاعبا اعجزت من قبل بهراما اذا نسبن الى خط فان لها شبى اذا اعملته يخرق الهاما بالحمد والشكر اجريها لدولتكم والراي يحصد من اعدائها الهاما