الصفحة السابقة

الصفحة التالية

طالع المملوك بدعائه الصادر عن ناصع ولائه، والامر اعلى واسمى ان شا اللّه تعالى».

مسكويه، ومنهجه في الكتابة التاريخية

الاستاذ حامد الخفاف

مدخل يعد مسكويه من اهم مؤرخي القرن الرابع الهجري، استطاع من خلال كتابه «تجارب الامم» ان يسهم في تطور الكتابة التاريخية العربية، التي بلغت في عصره نضجا لم تعهده من قبل.

هذا البحث محاولة لتسليط الضوء على منهجيته في كتابة التاريخ، وقد اعتمدت لمقاربة ذلك على كتابه الوحيد في علم التاريخ «تجارب الامم».

ان لدى مسكويه فكرا تاريخيا متميزا يستحق الدراسة والبحث، وهو يعد من ابرز المصادر لدراسة الحقبة البويهية، مع ذلك فان هذا الفكر لم ياخذ نصيبه الذي يستحقه من اهتمام المؤرخين.

وقد عرضت لحياته ومؤلفاته ومنهجه واقوال الباحثين فيه، مركزا على المنهج، مبينا موقف مسكويه من الخرافة،والمعجزة، وفعل الانبيا، والمصادفة التاريخية، والسببية التاريخية، والاجماع، والاختزال، والمبالغة، ووحدة الموضوع، والانتقائية، والتاريخ المحقق، والسند، والطريقة الحولية، وغير ذلك من مفردات المنهج.

حياته «احمد بن محمد بن يعقوب، ابو علي الخازن، الرازي، الملقب ب مسكويه» ((184)).

ولد ما بين سنة 320 325ه بالري ((185)) في ايران. وقد اغفلت المصادر اغفالا غريبا ذكر نشاته في مقتبل حياته، فلانعرف شيئا عن اساتذته ومعلميه، او عن ثقافته المعرفية الاولى. لقب بالخازن، لانه كان قيما على خزانة كتب ابن العميد((186))، ثم كتب عضد الدولة   ((187)) البويهي ((188)). ولقب بالرازي، نسبة الى بلدة الري، حيث الحقوا الزاي في النسبة تخفيفا ((189)).

بدا مسكويه حياته العملية بمصاحبة ابي محمد المهلبي ((190)) وزير معز الدولة البويهي ((191)) ايام شبابه، وكان خصيصا به، رفيق مجالسه، ونديم لياليه، ودامت الرفقة اثنتي عشرة سنة (340 352ه).

ثم عاد بعد وفاة المهلبي الى الري، حيث اتصل بابن العميد وزير ركن الدولة البويهي ((192)) اكم اقليم الجبال، وعمل معه خازنا لمكتبته الضخمة.

وعندما توفي ابن العميد، ظل مسكويه في خدمة ابنه ابي الفتح ، حتى سنة 366ه، حيث توفي الاخير، فترك مسكويه ((193)) الري متجها الى فارس ((194))، ملتحقا باميرها «عضد الدولة البويهي». والظاهر ان مسكويه قد عمل خازنا لمكتبة «عضد الدولة البويهي»، اذ كانت تعد الاخيرة من كبريات المكتبات في التاريخ الاسلامي، بما جمعت بين دفتيها من آثارالقدما وتصانيف العلما.

ومثلت وفاة عضد الدولة البويهي سنة 372ه، منعطفا مهما في حياة مسكويه، ففي الوقت الذي حافظ فيه على علاقاته مع خلفا الاول، فانه انصرف عن مجالسة الامرا ومنادمة الوزرا، الى التاليف والتصنيف قرابة خمسين عاما، اثرى فيهاالمكتبة العربية بالمفيد النافع من علوم الفلسفة، والاخلاق، والطب، والادب، والتاريخ.

والظاهر ان مسكويه كان مسلما شيعيا، رغم تردد بعضهم في تقرير ذلك ((195)). وقد توفي في 9 صفر سنة 421هـ.

لقد عاش مسكويه ما يقارب قرنا كاملا هو تقريبا عمر الدولة البويهية، ايام ازدهارها وعنفوانها. لذلك يعد مؤرخ البويهية بلا منازع.

مؤلفاته ((196)) تتنوع آثار مسكويه بتنوع معارفه وعلومه، فقد صنف في علوم الاخلاق، والفلسفة، والطب، والرياضيات،والتاريخ.

ومؤلفاته بين مفقود لا نكاد نعثر له على اثر، الا عند من ترجم له من القدما، وهي الاغلب، وبين مخطوط محفوظ في خزائن الكتب الخطية، وبين مطبوع ابصر النور من كوة جهود المستشرقين ابتدا، وبعض الاكاديميين المتخصصين في الجامعات العربية انتها. وهي بين هذا وذاك، قاربت نيفا وثلاثين كتابا.

1- آداب الدنيا والدين: وهو كتاب اخلاقي يتضمن اصول المعرفة مع شيء من مراسيم الشريعة، واحاديث العلم.

2- احوال الحكما وصفات الانبيا السلف، وهو في تاريخ الحكما والانبيا، حسب مفهوم العنوان.

3- كتاب في الادوية المفردة، وهو في علم الطب.

4- كتاب الاشربة، وهو كتاب في علم الطب ظاهرا.

5- انس الفريد: قال ياقوت ((197)): وهو مجموع يتضمن اخبارا واشعارا وحكما وامثالا، غير مبوب» ((198)) وقال القفطي((199)): فمن تصانيفه كتاب انس الفريد، وهو احسن كتاب صنف في الحكايات القصار والفوائد اللطاف» ((200)).

وقال آدم متز ((201)): وهو احسن كتاب صنف في الحكايات القصار والفوائد اللطاف. وهذه القصص الجديدة هي من نوع يغاير كل المغايرة القصص القديمة التي الفها ابن قتيبة ((202)) وصاحب العقد الفريد ((203))، ففيها نجد لاول مرة تمام الاسلوب القصصي الاسلامي اعني طريقة القصص التي ليست عربية خالصة» ((204)).

6- تجارب الامم: في التاريخ، وهو من اهم مؤلفات مسكويه، بل هو اثره الوحيد في علم التاريخ. وعليه سوف تقوم هذه الدراسة، ويتجلى من خلاله منهج المؤلف في كتابة التاريخ. الفه كما يقول ليستفيد منه «الوزرا، والامرا، واصحاب الجيوش، وسواس المدن، ومدبرو امر العامة والخاصة» ((205)) بعد ان تصفح «اخبار الامم، وسير الملوك، وقرا اخبارالبلدان، وكتب التواريخ» ((206)) ووجد «ما يستفاد منه تجربة» ((207)).

يؤرخ الكتاب من مرحلة ما بعد الطوفان حتى سنة 369ه، وقسمه الى ستة اجزا، ورغم ان مسكويه عاش حتى سنة 421ه، الا انه لم يدون احداث الحقبة الزمنية الممتدة من سنة 369ه، حتى وفاته، ولعل السبب في ذلك يعود الى ابتعاده النسبي عن الساحة السياسية، وما يدور فيها، في تلك الاونة، وانصرافه للتاليف والتصنيف كما تقدم.

والكتاب على اهميته لم ياخذ حقه من التحقيق والنشر بشكل كامل، فقد قام المستشرق «كايتاني» ((208)) بنشر الجزءالاول، والخامس، والسادس منه (ليدن 1909، 1913، 1917م)، ثم قام المستشرق «ايمدروز» بنشر الجزء الخامس سنة 1914م، في (420) صفحة، وصدر عن شركة التمدن الصناعية في القاهرة، ويحتوي هذا الجزء على احداث سنة 295ه حتى سنة 329ه. ثم نشر الاخير الجزء السادس سنة 1915م. وصدر عن الشركة نفسها، في (420) صفحة،ويحتوي على حوادث 329ه الى سنة 369ه، وهو نهاية الكتاب، والحق «ايمدروز» بطبعته تلك جزءا ثالثا هو كتاب «ذيل تجارب الامم» للوزير ابي شجاع محمد بن الحسين الملقب ظهير الدين الروذراوري ((209))، الذي ارخ لسنوات من 369ه حتى 389ه، وصدر في 332 صفحة. مع العلم ان ايمدروز لم يتم عمله في تحقيق نص الذيل بسبب وفاته،فتابع عمله المستشرق «مار غليوث» فحقق النصف الثاني ((210)). ثم قام «مار غليوث» بنشر ترجمة انكليزية منه للاجزاآنفة الذكر، واصدرها في سبعة اجزا (اكسفورد 1920 1921م).

ثم اصدر الدكتور الايراني ابو القاسم امامي الجزءين الاول والثاني من الكتاب في طهران، سنة 1987م.

وتحتفظ مكتبة ايا صوفيا في اسطنبول بمخطوطة ثمينة كاملة، تقع في ستة اجزا تحت رقم (3116 الى رقم 3121)،نسخها محمد بن علي بن محمد ابو طاهر البلخي، فرغ من نسخ الجزء الاول في شهر ربيع الاول سنة خمس وخمسمئة هجرية، ومن نسخ الجزء السادس سنة ست وخمسمئة هجرية. كما توجد نسخ اخرى، لا تضاهي النسخة آنفة الذكر، من حيث القدم والاهمية.

اما بالنسبة لعنوان الكتاب، فقد ضبطه قسم كبير بشكل دقيق، بينما توهم آخرون من اعلام المتقدمين والمتاخرين فيه،ابتدا من الروذراوري صاحب الذيل، وانتها بالدكتور حسن منيمنة و ((212)) والدكتور عبداللّه العروي ((213)) ((211)) و((214))، حيث اضافوا عبارة «وتعاقب الهمم» بعد اسم الكتاب، فاصبح الكتاب عندهم «تجارب الامم وتعاقب الهمم»،وهذا ما لا اصل له عند مسكويه، لانه قد صرح في مقدمة كتابه قائلا: «فلذلك، جمعت هذا الكتاب، وسميته تجارب الامم» ((215))، والظاهر ان الاضافة جات على عادة بعض المتقدمين من الاستيناس بالسجع في عناوين الكتب،فاضيفت العبارة الثانية «وتعاقب الهمم» لذلك.

ويتعرض مسكويه، في كتابه «تجارب الامم»، في السنوات المختصة بالحقبة البويهية، الى كل ما يدور في فلك الخلفاوالوزرا وامور الجيوش والسياسة، وما كان يدبر في كواليس القادة، ومدبري شؤون الناس من القضاة والشخصيات الفكرية والسياسية، كل ذلك من خلال مشاهدة عيان، او سماع من وزير، او حوار مع قائد، الامر الذي جعله مصدرا لايستغنى عنه في دراسة تلك الحقبة.

7- ترتيب السعادات ومنازل العلوم: في الاخلاق، وهو شرح لمراتب السعادة الثلاث، وتحديد دقيق لمراتب العلوم،حسب مدرسة ارسطو ((216)).

8- كتاب في تركيب الباجات من الاطعمة.

9- تعاليق على الكتب المنطقية.

10- تفصيل النشاتين وتحصيل السعادتين.

11- تهذيب الاخلاق: في علم الاخلاق، ويتالف من ست مقالات، في مبادى الاخلاق، والكمال الانساني، والخيرواقسامه، والسعادة ومراتبها، والعدالة، والمحبة والصداقة، وصحة النفس وحفظها. نقله نصير الدين الطوسي ((217)) الى الفارسية وسماه «اخلاق ناصري» وقد اعجب به اعجابا شديدا. كما ترجم الى الانكليزية والفرنسية. وطبع الكتاب طبعات عديدة ((218)).

12- كتاب الجامع: والظاهر انه في علم الطب.

13- جاويدان خرد: وهو اصلا لاحد ملوك الفرس القدما، بالفارسية، يتحدث عن آداب الفرس ومواعظهم، وزاد عليه مسكويه آداب الامم الاخرى من العرب والهند والروم، ومعناه بالعربية: «الحكمة الخالدة»، وقد ورد اسم الكتاب مصحفاعند ياقوت، بعنوان «جاوزان فرد» وهو لا معنى له بالفارسية.

14- حقائق النفوس: وهو في احوال النفس.

15- الخواطر: وهو في احوال النفس، وتبيان انها جوهر بجهة وعرض بجهة.

16- رسائل فلسفية: وهو مجموعة رسائل فلسفية، كالاتي: ا رسالة في اللذات والالم. ب رسالة في الطبيعة. ج رسالة في جوهر النفس والعقل. د رسالة في اثبات الصور الروحانية. ه الفصل بين الدهر والزمان.

17- رسالة في دفع الغم من الموت: وهي في الحكمة ((219)).

18- رسالة في ماهية العدل: وجهها مسكويه الى علي بن محمد ابي حيان الصوفي ((220))، وهي في ماهية العدل واقسامه.

19- الرسالة المسعدة.

20- كتاب السياسة للملك.

21- كتاب السير: قال ياقوت: «اجاده، ذكر فيه ما يسير به الرجل نفسه من امور دنياه، مزجه بالاثر، والاية، والحكمة،والشعر» ((221)).

22- فقر اهل الكتب: وهو كتاب طريف من عنوانه، ولعله خلاصة تجربة مسكويه، كونه خازنا لمكتبات البويهيين.

23- الفوز الاصغر: وهو في علم الفلسفة.

24- الفوز الاكبر.

25- فوز السعادة.

26- فوز النجاة.

27- المختصر في صناعة العدد: وهو في علم الرياضيات والحساب.

28- مختصر النبض: كتاب في الطب، كتبه مسكويه لعضد الدولة البويهي.

29- مراسلة بينه وبين بديع الزمان الهمذاني ((222)): رسالة جوابية من مسكويه الى بديع الزمان الهمذاني ردا على اعتذاره.

30- المستوفي: في الشعر، وهو اشعار مختارة.

31- الهوامل والشوامل: وهي هوامل ابي حيان التوحيدي، اي اسئلته المبعثرة البالغة (175) مسالة اجابه عليهامسكويه بالشوامل، لان الشوامل هي الحيوانات التي تضبط الابل الهوامل فتجمعها ((223)). منهجه يمثل مسكويه وعيا متميزا في الكتابة التاريخية العربية، وذلك من خلال التزامه الشديد بالخطوط العريضة لمنهجه التاريخي، التي حددها في مقدمة كتابه «تجارب الامم» ولم يضعف هذا الالتزام عند دخوله في تفاصيل الاحداث،وجزئيات التاريخ.

يستبعد مسكويه الخرافة من تاريخه، فهي «لا فائدة فيها غير استجلاب النوم بها، والاستمتاع بانس المستطرف منها»((224))، ويعد استحالة حدوثها ووقوعها سببا منطقيا لرفضها. يقول مسكويه في كلامه عن خرافات الفرس: «فللفرس هاهنا خرافات، وتزعم ان الشياطين كانت مسخرة لكيتابوس، وقوم يزعمون ان سليمان بن داود (ع) امرهم بذلك في خرافات كثيرة، ظاهرة الاحالة من الصعود الى السما، وبنا مدينة كنكرز باسوار من ذهب وفضة وحديد ونحاس، وانهابين السما والارض، واشباه ذلك، مما لا فائدة في ذكره» ((225))، فهو يقرر كون الخرافة ظاهرة الاحالة، فلا فائدة في ذكرها.

ولم يتعرض مسكويه لذكر معجزات الانبيا وافعالهم المرتبطة بالغيب، واستثنى من ذلك ما كان فعلا بشريا غير مقترن بالاعجاز. يقول مسكويه: «ولم نتعرض لذكر معجزات الانبيا صلوات اللّه عليهم وما تم لهم من السياسات بها، لان اهل زماننا لا يستفيدون منها تجربة في ما يستقبلونه من امورهم، اللهم الا ما كان منها تدبيرا بشريا لا يقترن بالاعجاز»((226)).

ويلتزم مسكويه بما تقدم، فيقول في حديثه عن بني اسرائيل: «واما القيم بامر بني اسرائيل بعد يوشع فكان كالب بن توفيل، ثم حزقيل الذي يقال له ابن العجوز وكانت لهما اخبار مشهورة، تركنا ذكرها لانها معجزات، لا يستفاد منهاتجربة» ((227)).

لقد اهتم مسكويه بالتدبير البشري اي فعالية الانسان غير المرتبطة بالغيب اهتماما كبيرا، لما يمثله ذلك من زخم عملي في الحياة العامة، لذلك فقد ترك «ذكر اكثر مغازي رسول اللّه (ص) ووقعاته، لانها كلها توفيق اللّه ونصره، وخذلان اعدائه، ولا تجربة في هذا ولا تستفاد منه حيلة، ولا تدبير بشري ((228))، ويستثني من ذلك غزوة الخندق، لما تخللهامن مشاركة الصحابة في ابدا الراي حول حفر الخندق، وما يعنيه ذلك من المشاركة الانسانية المتجردة من تاثير(الماورا)، والتي كانت احد الاسباب الرئيسية لانتصار المسلمين، فيقول: «فما جرى في غزوات رسول اللّه (ص) من التدابير البشرية، والحيل الانسانية، ما كان منه في غزوة الخندق» ((229)).

ويقول في حديثه عن داود (ع): «وملك داود لما كان منه من مبارزة جالوت. والخبر مشهور، مقرون بمعجزة الانبيا. ثم ملك سليمان، واخباره ومعجزاته مذكورة» ((230)). فكون الخبر مقرونا بمعجزة الانبيا كان مسوغا كافيا لعدم ذكره آحسب منهج مسكويه ولم يشفع لذلك الخبر شهرته، كما صرح.

ويؤمن مسكويه بالمصادفة في فهمه لاحداث التاريخ، فيقول في مقدمة كتابه: «وقد ذكرنا اشيا مما يجري على الاتفاق والبخت». وينقل في كتابه حوادث كثيرة ترتكز على المصادفة ((231)) التي عبر عنها بالاتفاق اذكر منها نموذجا واحدا،لاهميته.

نقل مسكويه رواية استخدام الرسول لنعيم بن مسعود ((232)) في غزوة الخندق من اجل ان يخذل عساكر الاحزاب المتمثلة بمشركي قريش وغطفان من جهة، وحلفائهم من بني قريظة داخل المدينة من جهة اخرى، وذلك في رواية طويلة، ثم يقول: «فكان من الاتفاق الجيد ان ارسل بعد ذلك ابو سفيان ورؤوس غطفان الى بني قريظة عكرمة بن ابي جهل في نفر من قريش وغطفان» ((233)). ومفاد الرواية ان ذهاب الوفد الى بني قريظة بعد تحرك نعيم بن مسعود كان عاملا مهما في وقوع الشك واهتزاز الثقة بين الاحزاب وحلفائهم اليهود، وتاكيدا لما زرعه نعيم بن مسعود من مخاوف عند الطرفين بعدم وفا احدهما للاخر.

ان عبارة مسكويه «فكان من الاتفاق الجيد» تعني انه اعتبر ذلك مصادفة جيدة. لقد نقل مسكويه هذه الرواية عن الطبري، وعندما نراجع الطبري، نجد النص كالاتي: «وكان مما صنع اللّه عز وجل لرسوله ارسل ابو سفيان ورؤوس غطفان الى بني قريظة...» ((234)) وهذا يعني حسب الطبري تدخل اليد الغيبية في ارسال الوفد.

ان الغيب عند الطبري، تقابله المصادفة عند مسكويه، وهذا يعني ان الميتافيزيقا لا وجود لها في منهج مسكويه في فهمه لتسلسل الحدث التاريخي.

ويؤكد مسكويه على التجربة المستفادة، التي كانت هاجسه في كتابته للتاريخ، اذ يكاد لا ينفك عن رفض نقل اي نص تاريخي لخلوه من تجربة مستفادة، وهو انما ينقل النص لوجود تجربة مستفادة، وذلك في مواضع عديدة ((235)).والتجربة المستفادة عند مسكويه هي العبرة المستوحاة من النص ونفعها للمستقبل، فاذا لم يلب النص هذه الحاجة، فلافائدة في ذكره، ويتجلى هذا المعنى واضحا عند نقله لرواية لقا علي مع الزبير في واقعة الجمل، وتذكيره بقول رسول اللّه (ص) له، بانه سوف يقاتل عليا وهو له ظالم، فتذكر الزبير ذلك، وقال لعلي: «واللّه لا اقاتلك ابدا» ولما رجع الى عائشة، قالت: ما تريد ان تصنع؟ قال: «اريد ان ادعهم واذهب»، قال له ابنه عبداللّه: «جمعت هذين الغارين حتى اذا جردبعضهم لبعض اردت ان تتركهم وتذهب، احسست رايات ابن ابي طالب وعلمت انها تحملها فتية انجاد» ، فغضب الزبيرحتى ارعد، ثم قال: «ويحك اني قد حلفت الا اقاتله». قال: «كفر عن يمينك». فدعا غلاما يقال له: مسحول،فاعتقه.

ويعلق مسكويه على هذه الرواية، فيقول: «وانما حكينا هذه الحكاية، لان فيها تجربة تستفاد، وان ذهب ذلك على قوم،فانا ننبه عليه، وذلك ان المحنق ربما سكن بالكلام الصحيح، والساكن ربما احنق بالزور من الكلام» ((236)).

ولم يجد مسكويه في حروب خالد بن الوليد على عظمها وشدتها «موضع حيلة، ولا موقع تدبير، تستفاد منه تجربة الااليسير مما سنذكره، وباقيه كله جهاد من القوم، ونصر من اللّه، واجتهاد من المسلمين، وخذلان للفرس، وانصرام لمدتهم، وانقضا لملكهم. وكان شرطنا في اول الكتاب الا نثبت من الاخبار الا ما فيه تدبير نافع للمستقبل، او حيلة تمت في حرب او غيرها، ليكون معتبرا وادبا لمن يستانف من الامر مثله، فلذلك تركنا اثبات هذه الوقائع»((237)).

وتتجلى السببية التاريخية عند مسكويه واضحة المعالم، فهو يعنون لمقتل ابرويز ((238))، ما يلي: «ذكر سبب هلاك ابرويز ومقتله» ((239)). ويقول عن قتل النعمان بن المنذر ((240)): قتله كسرى ((241)) لاسباب نذكر جملها ان شا اللّه...»((242)). ويعنون ايضا: «ذكر سبب طمع العرب في اطراف الفرس» ((243)). ويعنون في حديثه عن حمران احدكتاب عثمان: «سبب سقوط هذا الكاتب في عين ((244)) عثمان» ((245)).

وتتكرر هذه المعاني بكثرة في تاريخه، الامر الذي حدا ببعض المعاصرين ان يقول: «ومسكويه لا يكتفي بذكر سبب واحد لتعليل وتفسير احداث تاريخه. بل يورد دائما عدة اسباب لتفسير ذلك الحدث مجتمعة، وربما كان المؤرخ الاسلامي الاول الذي اعط ى لمفهوم السببية التاريخية دورها واهميتها في الكتابة التاريخية» ((246)).

ويظهر ان مسكويه كان يعتمد الاجماع بوصفه احد الاسس في قبوله للرواية التاريخية، ففي حديثه عن حسان بن تبع،يقول: «وفي بعض الروايات وهو المجمع عليه ان شمرا وحسانا انصرفا في الطريق...» ((247)). ومن عبارة «بعض الروايات» نستفيد ان هناك روايات اخرى، لم يذكرها مسكويه لان بعض الذي ذكره، قد حاز على اجماع المؤرخين،وفي ذلك حجة وكفاية.

ويستخدم مسكويه الاختزال او ان شئت فقل: الاقتصاد اللغوي في تعاطيه مع النصوص التاريخية، فما يهمه ان يؤدي النص الفائدة المتوخاة لفهمه من دون اطالة واسهاب.

ومثال ذلك ما نقله عن الطبري في حوادث مقتل عثمان، ومجي ءالمصريين الى المدينة، فقال: «فاما المصريون فانهم لما اتوا عليا وجدوه في عسكر عند احجار الزيت، فسلم المصريون على علي، وعرضوا...» ((248))، وعندما نراجع النص عند الطبري نجده كالاتي: «فاتى المصريون عليا، وهو في عسكرعند احجار الزيت، عليه حلة افواق، معتم بشقيقة حمرا يمانية، متقلد السيف، ليس عليه قميص...» ((249)). لقد حذف مسكويه مقاطع من نص الطبري كما هو الظاهر فهو لا يهمه، ما هو لباس علي؟ وما هو لون عمامته؟ حمرا ام خضرا،وهل كان يرتدي قميصا ام لا؟ وانما كان اهتمامه ينصب على مضمون الحادثة التاريخية، ونقلها بما يؤدي الغرض، من دون تفاصيل جانبية.

وفي كلامه عن استشارة عمر للصحابة حول وقعة نهاوند ((250))، يقول مسكويه: «قام طلحة ((251)) فقال: يا امير المؤمنين قد احكمتك التجارب، وانت وشانك ورايك، في كلام طويل يشبه هذا، ثم جلس» ((252)) ولم ينقل مسكويه الكلام الطويل، لانه مشابه لما تقدم، لذا اقتضى اختزاله. بينما نجد الكلام الطويل عند الطبري كاملا ((253)).

وعن قدوم وفود هوازن على النبي (ص)، يقول مسكويه: «اعتق لهم ابناهم ونساهم كلهم، في حديث طويل» .والامثلة على ذلك كثيرة ((255)). ((254)) وتبنى مسكويه الامتناع العقلي في رفضه للرواية التاريخية، ففي حديثه عن محاربة ابرويز وبهرام، وهما من ملوك الفرس، يقول: «والمجوس تحكي حكايات عظيمة لا فائدة في ذكرها، مع امتناعها» ((256)). والظاهر ان الكلمة الاخيرة تعني امتناع وقوع هذه الحكايات العظيمة وحدوثها امتناعا عقليا، لذلك فهي لا تستحق الذكر، اذ لا فائدة ترجى منها مع استحالتها.

ويستنكر مسكويه المبالغات المعهودة في الروايات التاريخية، ويواجهها باعمال العقل للحد منها، ويقول في وصفه لاحدى معارك الفرس: «فتزعم الفرس انه بلغ عدد القتلى امرا عظيما لم استحسن ذكره لكثرته» ((257)).

وفي كلامه عن بهرام احد ملوك الفرس، قال: «وتحكي الفرس عنه حكايات عظيمة جدا» ((258)) ولم ينقلها.

لقد التزم مسكويه بوحدة الموضوع التاريخي، وجنب نفسه الاسترسال عند سرده للاحداث، متمسكا بموضوعه الاساسي، مكبا عليه، حتى انهائه، فاذا ما اعترضه موضوع جانبي، استخدم الاحالة لتجنبه وعدم الخوض فيه، الامرالذي جعل النص التاريخي عنده خاليا من الثغرات، متماسك الوقائع. يقول مسكويه في كلامه عن النعمان بن مقرن((259)) ومقتله في وقعة نهاوند: «فلما التقوا كان اول قتيل. وسنحكي خبره في موضعه» ((260)) فهو لم يرد الاسترسال في الحديث عن النعمان، كي لا يخرج عن اطار الموضوع الاساسي، فاستدرك بالاحالة، وتابع الموضوع.

وفي حديثه عن «آرزمي دخت»، ابنة كسرى، قال: «وهو رستم صاحب القادسية الذي تولى قتال العرب من قبل «يزدجرد»في ما بعد، وسنحكي خبره هناك» ((261)).

وعند تعرضه للقتال الذي نشب بين عائشة وبين والي الامام علي في البصرة، واتفاقهم على ارسال رسول الى المدينة يسال عن بيعة طلحة والزبير، هل كانت اختيارية او اجبارية، قال مسكويه: «فجرى خطب طويل بالمدينة لما ورد الرسول من البصرة، ليس لذكره وجه في ما نحن بصدده» ((262)).

لقد اظهر مسكويه دقة متناهية في تحكمه بمسار النص التاريخي، لانه كان في صدد الحديث عما دار من قتال وتوادع في البصرة، اما مسالة ارسال الرسول الى المدينة، وما دار هناك، فهي مسالة عرضية.

وتميز مسكويه بالانتقائية من احداث التاريخ المبنية على الاستحسان، فعندما روى مواجهة بعضهم للضحاك وهوالطاغية الكبير ومطالبته بالعدل والانصاف «فقالت له امه: هلا دمرت عليهم وامرت بهم»، فقال لها الضحاك على عتوه:«انك لم تفكري في امر الا وقد سبقت اليه، ان القوم بدهوني بالحق. فلما هممت بالسطوة بهم، وقف الحق بيني وبينهم،واعترض كالجبل، فحال بيني وبين ما اردت».

قال مسكويه: «فهذا ما استحسن من فعل الضحاك وقوله، ولا يعرف له شيء مستحسن غيره» ((263)).

ان التاريخ عند مسكويه يقارب ان يكون محققا، فهو لا يقف امام النص وقفة محايدة، بل يتصدى لمناقشته، وابدا رايه بكل وضوح، معتمدا في تبنيه لرايه التاريخي على تناقضات النصوص ومقارنة بعضها ببعضها الاخر، وصولا الى الحقيقة.

يقول مسكويه عند ذكره لمقتل زهرة بن الحوية ((264)) عند فتح (بهرمير) بعد معركة القادسية، ما نصه: «هكذا وجدت في التاريخ، وهو سهو، لان زهرة بن الحوية عاش بعد هذا، وشهد مواقف كثيرة، وسيرد جميعه على الاثر، ولعل هذازهرة بن خالد. فلينظر في ذلك» ((265)).

لقد تعاط ى مسكويه مع هذا النص على ثلاث مراحل: الاولى: تخطئة ما وجده في التاريخ، وتقريره بانه (سهو).

الثانية: ذكره لسبب التخطئة.

الثالثة: ذكره البديل لحل الاشكال التاريخي.

والظاهر ان ما عناه مسكويه ب «التاريخ» انما هو تاريخ الطبري، لاننا وجدنا الرواية نفسها هناك ((266))، وهذا يدل على ان مسكويه حتى في اخذه عن الطبري لم يكن ناقلا سرديا، وانما كان خبيرا بما ينقل، ناقدا له.

ولم يعتن مسكويه بالسند اعتناه بالمتن، فقد تحرر من قيود الاول، ولم يلزم نفسه الا بما تقدم من اعتبارات «العقل،والاجماع، والاستحسان».

ولم يعتمد مسكويه الطريقة الحولية بالمطلق خلافا لما يفهم من عبارة بعضهم ((267)) وانما اعتمدها في القسم العباسي من كتابه فقط. اما المدة الاولى فقد اعتمد فيها على تسلسل الاحداث التاريخية حسب تدوينها من دون تقيدبالحولية.

لقد كان مسكويه موضوعيا في تعاطيه مع الاحداث التاريخية، فلم يتاثر بعلاقاته مع الامرا والوزرا البويهيين، مع ما له من الحظوة عندهم، بل لم يتوان عن توجيه النقد الشديد لسياستهم، وكان بعيدا كل البعد عن اي صورة من صور التحيز،حتى ان المطالع لتاريخه لا يخرج باي استنتاج عن مذهب الرجل وديانته، ولعل التردد الذي اشرنا اليه في بداية البحث حول تقرير مذهبه، ناشىء من موضوعيته الشديدة في كتابته التاريخية.

آرا العلما والمفكرين فيه قال المستشرق الكبير «مرغليوث»: «وكل من يتقدم من دراسة الطبري الى دراسة مسكويه يجد ان مؤهلات الاخيرلتاليف التاريخ اعظم جدا من مؤهلات سلفه. وكانت لديه ميزة كبيرة في اخبار عصره من معرفته الشخصية بالرجال المشهورين، اذ كان قادرا على الحصول على المعلومات من مصادرها الاصلية.

اضف الى ذلك، انه كان عارفا بمناهج الادارة والحروب في عصره مما يسر له وصف الاحداث وصف عارف، والحكم على الاعمال حكم واقف على دقائقهابحكم تقلده مركزا، وان لم يكن ساميا جدا، في بلاط البويهيين» ((268)).

ويقول المستشرق فرانتز روزنتال ((269)): ان مسكويه يمثل مستوى عاليا في الكتابة التاريخية... فهو قلما يهتم بالامورالتافهة، بل يدرك كل ما له قيمة تاريخية جوهرية، ويعرض الاحداث بشكل معقول، متماسك» ((270)).

وقال الدكتور شاكر مصطفى ((271)): ومنطلقات مسكويه في تاريخه انما لخصها العنوان نفسه: (تجارب الامم)، ولهذافانه لم يكلف نفسه لا المنطلق الموسوعي ولا الفلسفي، ولكن المنطلق البراغماتي، او السياسي العملي... فكان مسكويه انما اراد ان يقدم تاريخا عاما منظورا اليه من زاوية التجربة السياسية العملية لا ليكون درسا في الاخلاق وان حرص عليها ولا نظرية في الفلسفة، ولا مجمعا للاخبار والطرائف والافكار، ولكن دراسة في تدبير امور الحكم والدول وقصص الدها والغلبة والفشل» ((272)).

ويقول الدكتور السيد عبد العزيز سالم: «ويعبر (مسكويه) في كتابته عن خبرة بشؤون السياسة وادراك كامل، وتفهم شامل للتاريخ، وهو لذلك يقتصر على السياسات التي يمكن لاهل زمانه ان يفيدوا من تجاربها» ((273)).

ويقول الدكتور ابو القاسم امامي ((274)): ان المؤرخين المسلمين ومعظمهم ممن تاخر عن مسكويه وربما تاثر به بالذات نظروا الى التاريخ من حيث هو درس وعظة وعبرة، ولكن مسكويه السابق في هذا المضمار، هو المؤرخ الوحيدالذي نهج منهج الاستدلال الفلسفي مع ما كان له من نظرة اخلاقية عملية براغماتية الى حوادث التاريخ» ((275)).

ويقول الدكتور حسن منيمنة: «ارتبط مسكويه المؤرخ بكونه فيلسوفا اخلاقيا، وما زاد من عملية الربط وتغليب الصفة الثانية على الاولى ليس فقط كثرة مؤلفاته الفلسفية والاخلاقية وشهرته في هذا المجال، بل في انه جعل هدف كتابته التاريخية اخلاقيا وتعليميا، كما اعلن هو نفسه في مقدمته لكتاب (تجارب الامم)... لكن هذه المعطيات كلها، يجب ان لا تدفع بنا الى القول السائد بان مسكويه الفيلسوف لم يكتب تاريخا بل مجموعة عبر ليستفاد منها... فالواقع ان المؤرخين اجمالا «كتبوا في اغلب الاحيان لتعليم مواطنيهم»، كما ضمنوا تواريخهم بعض القصص التعليمية والاخلاقية.فمسكويه الفيلسوف الاخلاقي هو في الوقت نفسه وبدرجة اكبر المؤرخ الكبير، فما كتبه كان خطوة الى الامام في تقدم الكتابة التاريخية عند العرب» ((276)).

وفي بحثه عن تطور الكتابة التاريخية عند العرب، يقول الدكتور ابراهيم بيضون: «بل ان مسكويه، كنموذج من هذا القرن الاخير (اي الرابع الهجري)، اكثر نضجا في رؤيته، ورهافة في حسه التاريخي...».

ويقول: «ومع اعترافنا باهمية مسكويه، كنموذج من القرن الرابع الهجري، فان عدم التطرق له بالتفصيل في هذا الكتاب،كونه يمثل على مستوى الفكر التاريخي، الاتجاه السياسي الذي اندرج فيه معظم المؤرخين المسلمين في القرنين الثالث والرابع، ذلك المتعاطف عموما مع السلطة او الدائر في فلكها. فلم تكن لهؤلا رؤية منفصلة عنها، بل انهم في مادونوه عبروا عن مصالحها واتجاهاتها، وهو ما شكل نقطة الضعف الاساسية في اعمالهم، ولذلك كان التحول عن مسكويه الى نموذج آخر من القرن نفسه...» ((277)).

ان مفاد كلام الدكتور بيضون اتهام مسكويه بالانحياز الى جانب السلطة الحاكمة شانه شان بقية المؤرخين في تلك الاونة.

ونعتقد ان هذا الكلام يجوز ان يكون ممكنا في حق اي مؤرخ عدا مسكويه، لان كتابه (تجارب الامم)، وكل من كتب عنه يوحي بموضوعية مسكويه وعدم تحيزه، بل اعتبرت هذه المسالة بالذات مصدر قوة لمسكويه، لا مصدرضعف كما اوحى الدكتور بيضون. ولنترك المستشرق مرغليوث يحدثنا عن هذه النقطة حيث يقول: «وينفرد مسكويه بعدم تحفظه في احكامه الى جانب تخلصه من معظم صور التحيز، وعلى الرغم من خدمته للبويهيين فهو لا يخفي جرائمهم، بل يقسو في احكامه عليهم احيانا قسوة شديدة، فيصور راس الاسرة عماد الدولة مغامرا لا مبادىء له، ويلوم معز الدولة سيد المهلبي اعنف لوم للخيانة التي استهل بها حياته» ((278)). ويؤيده في ذلك الدكتور حسن منيمنة فيقول:«ان موضوعية وحياد مسكويه في ما كتبه عن تاريخ هذه الاسرة الحاكمة التي عاش في كنفها ومن نعمها، وعمل لدى حكامها وامرائها نديما، وخازنا، ومبعوثا، وكان واحدا من رجالات مجالسهم العلمية والادبية، تثير الدهشة والاعجاب،اذ لم يترك لكل تلك الاعتبارات ان تؤثر على قراته لاحداث تلك الفترة، ولا على كتابته لتاريخها وتاريخ الدولة البويهية، مما يؤكد مكانته كمؤرخ حقيقي» . ((279)) استنتاجات على ضوء ما تقدم، يمكن استنتاج ما يلي: ان مسكويه اتخذ موقفا تجاه الخرافة والاسطورة فلم تجد لها مكانا في تاريخه، فهو لا يؤمن بها، ويرى استحالة حدوثها،وعدم فائدة ذكرها، سببا منطقيا لاستبعادها من نتاجه التاريخي، وتزداد هذه المسالة اهمية اذا عرفنا ان مسكويه تطرق لتاريخ الفرس القديم، الملي ء بالاساطير والخرافات، فاستطاع تحييدها خارج اطار الاحداث التاريخية من دون اي تردد.

ولم يذكر مسكويه معجزات الانبيا وافعالهم المرتبطة بالغيب، مستثنيا من افعالهم ما كان مرتبطا بالفعل البشري. لقدتعامل مسكويه بسلبية واضحة مع كل ما هو «ميتافيزقي» ، حيث مارس دوره بوصفه مؤرخا يسعى لوضع الحدث التاريخي في اطار الواقع، ففي الوقت الذي يدل ذلك على نزعة عملية تعطي دفقا علميا لمنهج مسكويه، فانه يشير الى ضعف الميل الديني عنده في فهمه لاحداث التاريخ، الامر الذي يوهن منهجه من زاوية اخرى، لان «الماورائية» جزء لايتجزا من الفكر والتاريخ الاسلاميين، لا يمكن التغاضي عنها بسهولة.

ان اتجاه مسكويه هذا، يجعلنا نشكك في نسبة احد الكتب اليه، وهو كتاب «احوال الحكما وصفات الانبيا السلف»السالف الذكر في مصنفاته، ومما يقوي شكنا، انه لم يذكر الا في مرجع فارسي واحد، هو كتاب «ريحانة الادب»، وهومرجع متاخر.

لقد استطاع مسكويه ان يتخلص ببراعة من تاثير المدرسة الدينية التي اسس لها الطبري، رغم انه اخذ عنه كثيرا من دون ان تتاثر شخصيته المميزة ادا ومضمونا، فهو لم يكن فقيها كالطبري ولا جغرافيا كالمسعودي ((280))، او نسابة كالبلاذري ((281))، بل كان فيلسوفا اخلاقيا، لكن خارج اطار الكتابة التاريخية، التي لم يكن لها الا ان تتاثر ولو قليلابالصفتين المتقدمتين، ومع ذلك فقد تميز مسكويه بوضوح كامل في رؤيته التاريخية ومنهجيته الصارمة.

ويلاحظ ان مسكويه آمن بالمصادفة التاريخية، وجعلها مقابل الغيب، عند تحليله للحدث التاريخي، محاولا فهمه خارج دائرة (المعجز) او (الخارق)، مستجيبا لندا السببية الواقعية التي ميزته. وفي هذا الاطار وقف مسكويه على طرفي نقيض مع الطبري، فالاخير لا يتردد في تفسير الاحداث بالاعتماد على تدخل الغيب والقدرة الالهية، في حين لاينفك الاول عن تفسير تلك الاحداث نفسها بوصفه مؤرخا بفعل وقوع المصادفة، معبرا عنها ب «الاتفاق».

واستخدم مسكويه «الاقتصاد اللغوي» باجلى صورة، فهو يعرض النص بالشكل الذي يؤدي الى فهم الحدث من دون اطالة واسهاب، معرضا عن التفاصيل الجانبية التي لا نفع فيها، ولا يتردد في حذف بعض المقاطع الطارئة على النص التاريخي، بالمعنى الذي لا يؤثر بقاؤها او ازالتها على فحوى الحدث ومضمونه الاساسي. لقد تدخل التفكير العملي عند مسكويه حتى في حجم النص المنقول من المصادر التاريخية، وجدوى السرد التاريخي الموسوم عادة بالتطويل غير المفيد، على حساب الخبر ومضمونه.

وركز مسكويه على «التجربة المستفادة» بوصفها سببا رئيسيا لنقل النصوص التاريخية، وهي عنده: العبرة المستوحاة من الحدث التاريخي، ونفعها المستقبلي، وتاثيرها على الافراد والجماعات. ولا نغالي اذا قلنا: انه في هذا المجال،استشرافي النظرة، يحاول تجيير حدث الماضي لحساب حركة الحاضر والمستقبل، من خلال رصده لمواطن النفع آالتجربة المستفادة في الواقعة التاريخية من جهة، ومظان الاستفادة من هذه التجربة في حركة الانسان من جهة اخرى.

ان النفعية التاريخية التي تجلت واضحة في خطاب مسكويه ونهجه التاريخي، رسمت الخطوط الاساسية لما يمكن ان نسميه ب «المدرسة البراغماتية في الكتابة التاريخية العربية».

وتبرز «السببية التاريخية» اسلوبا واضحا في نص مسكويه، اذ انه تجاوز التعطي مع الحدث بوصفه واقعة تاريخية مجردة، الى البحث في اسبابه ونتائجه، حتى عد المؤرخ الاسلامي الاول الذي اعط ى للسببية التاريخية دينامية علمية تتحرك في اطار النصوص من خلال تحليل منطقي يبتني على اسس متينة من الواقعية العملية، التي وظفها مسكويه آباتقان في سبيل الوصول الى اسباب دقيقة ونتائج عقلانية.

واعتمد مسكويه عدة معايير لقبول الرواية التاريخية او رفضها، فراى ان «الاجماع» احد الاسس المساعدة التي يطمئن المؤرخ من خلالها لصحة النص، هذا اذا لم يتعارض النص (المجمع عليه) مع مقتضيات الضرورة العقلية في تقبل فحوى النص.

لان مسكويه ركز على الامتناع العقلي في رفض الرواية، فاذا لم يتقبل العقل مضمون الرواية، فهي مرفوضة عنده، وعلى ذلك، فالعقل عند مسكويه مرتكز اساسي، بينما الاجماع عامل مساعد. وعلى هذا الاساس رفض مسكويه المبالغات الكبيرة في الروايات التاريخية القديمة التي تتحدث عن اعداد القتلى بشكل غير معقول، اوالحكايات التي تضفي على الملوك القدما هالة من التعظيم في احوالهم وتصرفاتهم تفوق حدود الواقع.

ان النخبوية التي تميز بها خطاب مسكويه، جعلته يعتمد «الاستحسان» في غربلة الاحداث التاريخية، والتقاط مايتناسب مع موضوع الكتاب وهدفه. لقد استطاع مسكويه اخراج مفهوم «الاستحسان» من محيطه في علم الاصول،والافادة منه، وتوظيفه بوصفه اداة فاعلة في علم التاريخ. ولعل ذلك يبيح لنا الاعتقاد، انه كان رائدا في هذا البعد بحدوداطلاعنا.

لقد التزم مسكويه بوحدة الموضوع التاريخي بشكل دقيق، محاولا رصد الحادثة التاريخية وشد مفاصلها باحكام، الامرالذي ساعده على تمكنه من تقديم نص مترابط ومتماسك، ولم يتردد في استخدام «الاحالة» اذا ما اعترض النص موضوع دخيل، او غير اساسي، مجنبا نفسه الاسترسال عند سرده الاحداث. ان «الاحالة» من الاساليب العلمية التي استخدمها مسكويه بمرونة وكفاة حفاظا على وحدة الموضوع، فسبق بذلك الطبري وغيره من كبار المؤرخين الذين وقفوا امام النصوص التاريخية التي تتداخل فيها عدة مواضيع من دون معالجة. ان ما قام به مسكويه لا يعد تجاوزا لمبدااحترام النص، بل كان علاجا علميا لتشتت الموضوع التاريخي وتفرقه.

ولم يكن مسكويه ناقلا للنصوص التاريخية من مصادرها بالمعنى التقليدي، وانما كان ناقدا ومحللا ومحققا، يتعامل مع النص بكل مهارة، تساعده على ذلك ثقافة تاريخية شمولية، ومعرفة موسوعية، ويعتمد في سبيل الوصول الى الحقيقة التاريخية على دراسة تناقضات النصوص ومقارنة بعضها ببعضها الاخر، ثم يتدخل لتقرير صوابية الحدث التاريخي اوخطئه. لقد اخذ مسكويه عن الطبري كثيرا، ولكن بحيطة وحذر، ينقل ما يراه حدثا تاريخيا محققا، والا فهو يعترض ويخط ىء ويصحح، بشكل يعكس قدرته كمؤرخ علمي.

ولم يهتم مسكويه باسانيد الروايات التاريخية، ولعله كان من انصار التركيز على متن الرواية «النص»، بما يوحيه من انعكاسات التطابق مع الواقع والمنطق العقلي، فاذا كانت الرواية غير مقبولة عقلا فما فائدة البحث في سندها؟ واذا كان نص الرواية معقولا ومنطقيا ومستحسنا، تدعمه روايات اخرى، فلا يضيره ضعف السند براو او اكثر. لقد تجاوز مسكويه تفاصيل علم الجرح والتعديل، وقيود علم الدراية بكل بساطة. وركز على روح «النص» سلبا وايجابا. لقد لعب النص عندمسكويه دور «السند» ، فاذا كانت صحة السند دليلا على صحة الرواية، فلماذا لا تكون صحة المتن (النص) ومنطقيته وقوته دليلا على صحة السند، والعكس صحيح؟! لقد تعامل مسكويه مع هذه المسالة بانفتاح واضح، وكفاة علمية رائدة، في آونة سادت فيها المدرسة الاخبارية (مدرسة الحديث)، وكثر انصارها واتباعها، الداعون الى تقديس «السند»ودراسته، فنشات علوم خاصة به، والفت عشرات الكتب لدراسة طرق نقله.

ولم يعتمد مسكويه الطريقة الحولية في الكتابة التاريخية الا في القسم العباسي من كتابه «تجارب الامم». ولا نجد سبباواضحا لذلك يتماشى مع منهجيته في الكتابة التاريخية، ولعل ذلك يرتبط بمعاصرته لجزء مهم من تلك الحقبة.

وتميز مسكويه بالموضوعية الشديدة في تعاطيه مع الاحداث التاريخية، فلم تؤثر علاقاته مع امرا الدولة البويهية ووزرائها على مواقفه وآرائه، فكان ينتقد سياساتهم، ويعرض آراه بكل جراة، متجاوزا الحيادية التاريخية الى النقدية التاريخية ان صح التعبير المرتكزة على دراسة الحدث وتحليله والافادة منه. لقد كان مسكويه بعيدا عن كل صورالتحيز والمجاملة والمحاباة، ولهذا وجدنا من يشكك في مذهبه وديانته، نتيجة للموضوعية الشديدة التي رافقت نتاجه العلمي، والتي لا تعكس ميلا طائفيا او دينيا او سياسيا، بقدر ما تعكس الحقيقة التاريخية بكل ثقة واتزان. لقد سجل مسكويه في هذا الجانب بعدا مهما نادرا لم نجده عند مؤرخين كبار لم يستطيعوا الصمود امام اغراات السلطة اوبطشها، فتاثرت كتاباتهم باجوا السلاطين والخلفا، ونشا في تراثنا ما يمكن ان نطلق عليه ب «تاريخ الحاكم»، وتحت هذا العنوان تندرج اغلب المصنفات التاريخية في التراث العربي.

ويلاحظ ان تركيز مسكويه على مصطلحات ومواضيع مثل: (الخديعة، الحيلة، المكيدة، السياسة) وتكرارها، في كتابه «تجارب الامم»، قد عدها بعضهم من نتائج شخصيته الاخلاقية والفلسفية، وليست التاريخية، بينما حاولنا ان نفهم ذلك على اساس ارتباطه بما عاصره مسكويه عن كثب في كواليس الحكم البويهي، تلك الحقبة التي وان كانت من اعظم حقب العصور الاسلامية ازدهارا حضاريا على المستوى الفكري والثقافي والعلمي، الا انها كانت متدنية على المستوى السياسي، وعلاقات الامرا في ما بينهم.

ان فارسية مسكويه من جهة، وعمله خازنا في مكتبات الامرا البويهيين من جهة اخرى، جعلاه يعثر على نصوص ايرانية قديمة ونادرة، ضمنها كتابه «تجارب الامم»، لم تتوافر عند كبار المؤرخين امثال الطبري والمسعودي، مثل «عهداردشير» الذي يعد اقدم نص ايراني مدون. والسيرة الذاتية لانوشروان وخطبته المهمة.

ابو العتاهية: الشاعر الزاهد ورؤيته الى قضايا عالمه

 
د. عبد المجيد زراقط

 
اولا، سيرة تكون شخصيته وتبلور رؤيته الملمح البارز في شخصيته ابو العتاهية (130 213ه) لقب عرف به اسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان. كنيته ابو اسحق. ويروى انه لقب بابي العتاهية لان الخليفة المهدي قال له يوما: «انت انسان متحذلق معته»، اي مختلط الامر متظرف ((282)). وخاطبه احدالشعرا بقوله: «قل للمكني نفسه متخيرا بعتاهيه والمرسل الكلم القبى ح وعته اذن واعيه...» ((283)) وهذا يعني انه اختار هذا اللقب، وكنى نفسه به، ليظهر تحذلقه وتميزه بذلك.

مولى فقير نحيل ولد في بلدة «عين التمر»، الواقعة غربي الكوفة على مقربة من الانبار، وفي بعض الروايات انه ولد في الكوفة، غير ان السيد محسن الامين يرجح القول الاول ((284)). كان والده فقيرا يعمل حجاما، وينتمي بالولا الى قبيلة عنزة، غير ان بعض الروايات تفيد سوى ذلك، فيذكر ابنه محمد ان اصلهم من عنزة نفسها، وان جدهم كيسان كان من اهل عين التمرفلما غزاها خالد بن الوليد سباه، وكان صبيا صغيرا... ثم استوهبه عباد بن رفاعة العنزي، من ابي بكر، فوهبه له، فاعتقه،فتولى عنزة ((285)). ويزعم بعضهم انه نبطي، اي من الفلاحين الذين كانوا ينزلون البطائح بين الكوفة والبصرة، وكان هذا النسب يغيظه، وقداتى مرة الى مندل وحيان ابني علي العنزي، وكانا يتوليانه بالرعاية، يسال: من انا...!؟، فان كنت نبطيا هربت على وجهي...، فقالا له: ... انت اخونا وابن عمنا ومولانا. وقد اخذ مندل له بحقه عندما ضربه احدهم وشتمه ونسبه الى النبط((286)).

ويصرح ابو العتاهية انه غير عربي حين يقول في هجا والبة بن الحباب: اوالب انت في العرب كمثل الشيص في الرطب هلم الى الموالي الصى د في سعة وفي رحب فانت بنا لعمر الل ه اشبه منك بالعرب ((287)) ويبدو انه كان لهذا الاصل: مولى فقير، او عربي سبي ثم استوهب، او نبطي ينتمي بالولا الى من يحميه، تاثير في تكون شخصيته وتبلور رؤيته، اذ نقرا في شعره ما يفيد انه يمتلك مفهوما لكل من العز والكرامة والفقر والغنى مغايرا لما هوسائد لدى غالبية ابنا مجتمعه، ولهذا يرى ان الفخر ليس بالنسب وانما بالتقوى. يقول الشاعر: الا انما التقوى هي العز والكرم وحبك الدنيا هو الفقر والعدم وليس على عبد تقي نقيصة اذا صحح التقوى، وان حاك او حجم دعني من ذكر اب وجد ونسب يعليك سور المجد ما الفخر الا في التقى والزهد وطاعة تعطي جنان الخلد لابد من ورد لاهل الورد اما الى ضحل واما عد ((288)) ينقل ابو الفرج عن رواته ان ابا العتاهية كان «قضيفا»، اي دقيق العظم، قليل اللحم، ابيض اللون، اسود الشعر له وفرة جعدة، اي شعر مجتمع على الراس فيه التوا وتقبض.

نزوع الى الخروج على واقعه تفتحت عينا هذا الفتى النحيل على الدنيا في الكوفة، اذ يروى ان والده قدم به مع زيد اخيه الى هذه المدينة التي شبهت ب «الطائر الحبيس». وشهد، منذ طفولته المبكرة، آثار سقوط دولة الامويين وقيام دولة العباسيين، وبدا مصيرالانسان امامه جليا، فنزع الى الخروج على واقعه فصحب، في اول امره المجان.

ويروى ان ابا الشمقمق ساله: «امثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك؟ فقال له: اريد ان اتعلم كيادهم واتحفظ كلامهم» ((289)).

جرار خزف... وقواف وعمل اخوه زيد في مهنة صناعة جرار الفخار وبيعها، وجعله شريكا له في ذلك، وقد عرف بهذه المهنة، فنجد في معظم الروايات انه «كان يبيع الفخار في الكوفة»، وانه «كان واهله يعملون الجرار الخضر» في الكوفة. ويروى انه كان، في اول امره، يستاذن على القوم، فيقول: «ابو اسحق الخزاف». لكنه صار، في ما بعد، يقـول: «انا جـرار القوافي واخي جرارالتجارة»  ((290)).

وكان، في الوقت نفسه، يختلف الى مجالس الادب والعلم، فيحفظ الشعر، ويكسب المعرفة، وكان موهوبا، فصار يقول الشعر، وهو يعمل في صنع الجرار، ويروى «ان الاحداث والمتادبين كانوا ياتونه، وهو جرار، فينشدهم اشعاره، فياخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونها فيها» ((291)).

قول الشعر طبع عنده

الصفحة السابقة  

الصفحة التالية