وقد اجتمعت له اسباب الشعر من طبعر موهبة
ورواية، فغدا قول الشعر طبعا عنده، وقد عرف عنه هذا، والروايات في ذلك كثيرة،
فيروى انه قال الشعر فبرع فيه، وكان يمتلك قدرة فائقة على قوله، فقيل: «اطبع
الناس بشار والسيد [السيدالحميري] وابو العتاهية، وما قدر احد على جمع شعر هؤلا
الثلاثة لكثرته». وقيل له: كيف تقول الشعر؟ قال: «ما اردته الامثل لي، فاقول ما
اريد واترك ما لا اريد... لو شئت
ان اجعل
كلامي كله شعرا لفعلت».
وقرنه ابن مناذر بجرير، وهو عنده اشعر اهل الاسلام،
واضاف:
اشعر الناس «من المحدثين هذا الخبيث جابو
العتاهية ج الذي
يتناول شعره من كمه» ((292)).
طموح الى الحضور الفاعل
وكان طموحا يسعى الى ان يحقق ذاته، ويكون ذا حضور
فاعل
في عالمه، فيؤثر عنه قوله:
ان اسوا يوم يمر عليا
يوم لا تكون رغبة اليا ((293))
وفي تفسير هذا الطموح الى الحضور الفاعل يقول د.
الكفراوي:
«ان عقدته النفسية تتمثل في شعوره بالضياع
وعدم الاهمية في المجتمع، ولذا فهو يعمل على ان يكون دائما في اذهان الناس،
محوطا منهم بهالة من التقدير والتوقير،وليس هناك شيء اقدر
على ذلك من الظهور بمظهر الوعاظ في عصر كان فيه
التحمس الديني قويا. ..» ((294)).
الموقع الاجتماعي قدر
حددت شروط حياة ابي العتاهية، وهي: فقر اسرته،
اصلها
ونسبها، مهنته، انصرافه في اول امره الى المجون،
موقعه الاجتماعي، فبدا هذا الموقع كالقدر لا يمكن
الخلاص
منه. وان يكن قد قال الشعر وبرع فيه، وحقق، في ما
بعد،
شهرة وغنى ومكانة فان هذا الموقع بقي ماثلا في
وعيه ولا
وعيه، كبقائه في وعي الاخرين وحسبانهم، وبخاصة
خصومه الذين كانوا يرون في تلك الشروط «ذلا» على
المرء ان
يتدارى منه. ومن الاخبار التي تفيد ذلك، اضافة الى
بيانها
موقف البرامكة منه، نذكر: قيل ليحيى بن خالد
البرمكي: ان ابا
العتاهية نسك، وانه جلس يحجم الناس بلا اجرة تواضعا
بذلك،فقال: «اما في بيع الجرار من الذل ما يكفيه،
ويستغني به
عن الحجامة! ؟» ((295))
المواجهة الاولى: خيبة العاشق وانتصار الشاعر
جمعت الحياة بين الشاعر المطبوع اللاهي الراغب في
ان يكون
«الفتى» وبين الفتاة الجميلة، وهذه كانت نائحة
تحتاج الى شعره
لتنوح به، فينظمه لها، وكان يحتاج الى الجمال،
والحب، فوقع
الشاعر الشاب في حب النائحة، سعدى،وكانت من اهل
الحيرة.
لكن امور هذا الحب لم تكن ميسرة، فسعدى كانت مولاة
عبداللّه بن معن بن زائدة الشيباني وكان هذا
يهواها. ولما بدا
ابوالعتاهية يقول الشعر فيها نهاه عبداللّه، فاصر
الشاعر، فهدده
الامير،... ثم بدات المعركة، اذ هجا الشاعر الامير،
فضربه هذا،
فعاد الشاعر فهجاه، فعاد الامير يضربه ويهينه. ثم
اصلح ما
بينهما.
انتهت هذه المواجهة الاولى، مع الحياة، بخيبة اولى
للعاشق
وبانتصار للشاعر، فقد عرف هجاؤه وانتشر، وكان
هجالاذعا
مضحكا.
السعي الى التحقق في بغداد
رحل الشاعر الناشى الى بغداد ساعيا الى الغنى
والشهرة، كما
فعل الشعرا من قبله. واقام في حجرة على مقربة من
احدجسور تلك المدينة العامرة، وبدا يقول الشعر في
جواري
القصر اللواتي كان يراهن، وكانت هذه طريق توصل شعره
الى آذان سادة القصر ومنهم الخليفة. واختار، من
بين الجواري،
واحدة اسمها عتبة، وراح يقول الشعر فيها، مزاحا، في
البدء،او
رغبة في ان يعرف شعره واسمه. ويبدو ان الجارية كانت،
علاوة
على جمالها، ذكية طموحا، فرغبت في ان تشتهروتتعزز
مكانتها، فاظهرت الميل للشاعر، واعطته مبلغا من
المال
ليشتري لنفسه، وهو الفقير، زري الهيئة، ثيابا
ودابة يتجول
عليها، كما يفعل الشعرا المعترف بهم.
عتبة الحبيبة والرمزر الخيبة وعتاب الدهر
كان الشاعر يريد ان تكون الجارية وسيلة لاذاعة شعره
في
القصر، وقد هزته التفاتتها فمال اليها، وراحت هي
تدنيه وتقصيه
فتعلق بها. وكانت، كما يقول د. محمد عبد العزيز
الكفراوي،
«كلما طغت عواطفه واوشك ان يتجاوز الحدودالتي
رسمتها
له، تتظاهر بالفتور وعدم الاهتمام، حتى اذا ما بلغ
منه الياس
مبلغه، واوشك ان يريح نفسه من تلك المغامرة
القاسية، عادت
فابدت بعض الاهتمام به، وهدفها الوحيد من كل ذلك...
هو ان
تدفعه للتغني بسحرها وجمالهاوالدعاية لها في قصيدة
بعد
قصيدة» ((296)).
وفي شعر ابي العتاهية ما يوضح طبيعة هذه العلاقة،
ومنه قوله:
كم من ديون، واللّه يعلمها،
لنا عليها لم تقض اذ وجبت
ما وهبت لي من فضلها عدة
الا استردت جميع ما وهبت
فاي خير واي منفعة
لذات دل تريق ما حلبت
ولعلها احتجت بانها لا تملك امرها، فطلبها من
الخليفة
المهدي، وكانت جارية زوجته «ريطة»، وتوسل الى ذلك
الشعرالمغنى، فسالها الخليفة رايها، فرفضت متذرعة
بحاجة
سيدتها لها. وهي، اذ ترفض الزواج منه بهذه الحجة،
كانها تريد
الاتوصله الى الياس، فيبقى يقول الشعر فيها، ما
يعزز مكانتها
ويحقق شهرتها، وهذا ما حدث.
وقد حاول المهدي صرف الشاعر عن حبيبته، فاعطاه مالا
كثيرا، لكن الشاعر ظل يقول الشعر، وهو يدرك انها
تتلاعب به،
ومن ذلك قوله:
تلاعبت بي، يا عتب، ثم حملتني
على مركب بين المنية والسقم
واغضب الخليفة المهدي اصرار الشاعر على التغزل
بجارية
زوجته، ويذهب بعضهم الى «انه كانت هناك
علاقات غرامية
بين المهدي وعتبة»، ويرى د. الكفراوي انه «ربما
كان ذلك
حقا». وقد جات ريطة، ابنة ابي العباس السفاح،
تقول لزوجها:
«قد شهر بجاريتي وفضحها»، فثار الخليفة وقال: ما
يجد هذا
الجرار احدا يعبث بحرمه غيرنا، ثم امر به فجلدونفي
الى الكوفة.
واتصل بابن المهدي، هارون الرشيد، فشفع له عند
ابيه، فسمح
له بالعودة الى بغداد.
ويلفت، في قول الخليفة، امران: اولهما وصف ابي
العتاهية
بالجرار، للانتقاص منه، وثانيهما نسبة العبث الى
الشاعر،
مايشير الى ان الفكرة السائدة عن عشقه عتبة وشعره
فيها
تمثلت في انه كان يعبث، ويمثل دور العاشق المتيم،
ويتخذ
هذاوسيلة لاذاعة شعره وشهرته. وقد ضاق الخليفة
بالشاعر، لما
عاد الى سيرته الاولى، فوكل به حمدويه صاحب
الزنادقة،فخاف
خوفا شديدا، وعمل حجاما كانه يقول للخليفة انه يعرف
قدره
ولم ينس اباه ومهنته. ولم يعف الخليفة عنه الابعد ان
شفع له
يزيد بن منصور الحميري عنده، فعفا عنه، ودخل ابو
العتاهية،
في هذه الاونة، في ولا خال الخليفة،يزيد هذا،
فحماه، ويقول
في هذا:
لولا يزيد بن منصور لما عشت
هو الذي رد روحي بعدما مت
ما زلت في ريب من دهري خائفا وجلا
فقد كفاني، بعد اللّه، ما خفت
بقيت عتبة حاضرة في وعي ابي العتاهية ولا وعيه، فقد
عاد
وطلبها من الرشيد لما تولى هذا الخلافة فرفضت،
وفي المجلس الذي ودع به اللهو طلب من مخارق ان
يغنيه
شعره فيها، وان يكن طلبه لها، وقد صارا في سن
الكهولة،
يدل على شيء فعلى «حب مركب معقد» كما يقول د.
كفراوي:
«فعتبة هنا صارت مجرد نواة لشكاوى كثيرة وعتاب طويل
بين شاعرنا والدهر» ((297)).
ثانيا، الشاعر والسلطان
التقلب في شباك الحبائل
كان الشاعر يبحث عن خلاص من شباك الحبائل التي وقع
فيها، وقد صرح بذلك مصورا معاناته النفسية
والجسدية،
فقدجا في احدى الروايات: «اضر حبس المهدي به، فلما
تخلص منه راح يلزم طبيبا ليكحل عينيه، فقيل له: قد
طال
وجع عينيك، فانشا يقول:
ايا ويح نفس، ويحها، ثم ويحها
اما من خلاص من شباك الحبائل!؟
ايا ويح عيني قد اضر بها البكا
فلم يغن عنها طب ما في المكاحل ((298))
تخلص الشاعر من حبس المهدي بشفاعة يزيد بن منصور
الحميري، خال الخليفة، وقد اضطر الشاعر ان ينتقل
بولائه اليه
ليحميه، بعد ان عجز ابنا علي العنزي عن ذلك. ويلفت
هنا
استدعا الخليفة لهما، وكانا شيعيين، ما يثير الظن
في ان يكون
الحبس لامر سياسي، وبخاصة ان ابا العتاهية كان
شيعيا زيديا،
والا ما معنى ان يقعد الشاعر للحجامة، وان
يصرح بانه يريد ان
«يضع نفسه» الا اذا كان قد اتهم بعمل فيه طموح الى
المراتب
العليا. ويروى ان حمدويه، صاحب الزنادقة،اراد ان
ياخذه ففزع
من ذلك وقعد حجاما، وهو لا يعرف هذه المهنة كما صرح
لبشر
بن المعتمر، وقال: «اردت ان اضع من نفسي حسبما
رفعتني
الدنيا واضع منها ليسقط عنها الكبر، واكتسب بما
فعلته الثواب.
وكنت احجم اليتامى والفقراخاصة» ((299)).
ولعلنا نذكر ان
يحيى بن خالد البرمكي قال، لما عرف قعوده، ان ذل
«الجرار»
يكفيه، ما يعني ان «كبر» ابي العتاهية كان ملحوظا،
ولعله كان
سببا من اسباب مطاردته وسجنه.
عانى ابو العتاهية الخوف من حبائل السلطان، وبلغ به
الخوف
درجة يصورها قوله، حين وجد عليه الخليفة
الهادي(خلافة
الهادي من 169 الى 170ه) لملازمته هارون الرشيد في
خلافة
المهدي:
الا شافع عند الخليفة يشفع
فيدفع عنا شر ما يتوقع
واني على عظم الرجا لخائف
كان على راسي الاسنة تشرع
في هذه الحالة: «كان على راسي الاسنة تشرع» كان
يعيش
الشاعر، فيعجز في بعض الاحيان عن قول الشعر. وقد قال
في ذلك: «امتحنني الهادي في شيء من الشعر، وكان
مهيبا،
فكنت اخافه، فلم يطعني طبعي» ((300)).
وقد رضي عنه الهادي بعد ان قال فيه عندما ولد له ولد:
اكثر موسى غيظ حساده
وزين الارض باولاده
وقد صور ابو العتاهية صلة الشاعر بالسلطان، في موضع
آخر،
فاذا هي اضطراب الخوف والرجا في الذات، ومرد
هذاالاضطراب الى قضيب السلطان الذي يخضر فيثمر
دنانير
ذهب وعزا، ويسود، فيقطع حده وينبت ذلا... قال
ابوالعتاهية:
يضطرب الخوف والرجا اذا
حرك موسى القضيب او فكر
ما ابين الفضل في مغيب ما
اورد من رايه وما اصدر
فكم ترى عز عند ذلك من
معشر قوم وذل من معشر
يثمر من مسه القضيب ولو
يمسه غيره لما اثمر ((301))
وكانت علاقته بهارون الرشيد متقلبة. كان يصاحبه
وينادمه ايام
ابيه الهادي، ما اغضب اخاه الهادي، ولما تولى
هذاالخلافة لزمه
الشاعر، ما اغضب هارون، ولي العهد المهدد بالخلع،
ولما تولى
هارون الخلافة (خلافة الرشيد من 170الى 193ه) عاقب من
ساعد اخاه وحرضه على خلعه من ولاية العهد عقابا
قاسيا،
واكتفى بان سجن ابا العتاهية وابراهيم الموصلي.
ويفسر الرواة
ذلك بان الاول رفض قول شعر الغزل والثاني رفض
الغنا.
ويروى انه حبسه، في هذه المرة، وهي الاولى، في بيت
خمسة
اشبار في مثلها. ولعل السبب الحقيقي يعود ليس الى
رفضه
قول الغزل كما يذكرالرواة، وانما لاسباب سياسية
الظاهر منها
انه تدخل في ما كان بين الاخوين الهادي والرشيد من
منافسة،
فمدح الاول بقصيدته المعروفة:
لهفي على الزمن القصير
بين الخورنق والسدير
ويقول فيها عن الهادي:
ما زال قبل فطامه
في سن مكتهل كبير
كانه يعرض بالرشيد المدلل الذي كان اخوه يزمع خلعه
من
ولاية العهد. ثم مدحه بقصيدة عندما ولد له ابن، فلما
تولى الرشيد الخلافة رماه في السجن، لانه كان بالغ
الحساسية
في ما يتعلق بولاية العهد.
وروض السجن الشاعر، فصاح: الموت، اخرجوني، وانشد
قائلا:
يا ابن عم النبي سمعا وطاعة
قد خلعنا الكسا والدراعه
ورجعنا الى الصناعة لما
كان سخط الامام ترك الصناعه
وهذا، اي «السمع والطاعة» ما كان يريده الخليفة.
وجا في رواية اخرى: تنسك ابو العتاهية ولبس
الصوف...، وامره
الرشيد ان يقول شعرا في الغزل، فامتنع، فضربه
ستين عصا،
وحلف الا يخرج من حبسه حتى يقول شعرا في الغزل. ووكل
صاحب خبر يكتب اليه بكل ما يسمعه منه في سجنه.
وجا، في رواية ثالثة، اقسم ابو العتاهية الا يتكلم
سنة الا بالقرآن
وبالشهادتين، فامر الرشيد بان يحبس في دار
ويوسع عليه ولا
يمنع من دخول من يريد اليه.
انتهت السنة، فانشد ابياتا هي:
من لقلب متيم مشتاق
شفه شوقه وطول الفراق
طال شوقي الى قعيدة بيتي
ليت شعري فهل لنا من تلاقي
هي حظ ي قد اقتصرت عليها
من ذوات العقود والاطواق
جمع اللّه عاجلا بك شملي
عن قريب وفكني من وثاقي
وغناها ابراهيم الموصلي، فاطلق الرشيد سراح اسيره
واعطاه
ستين الف درهم ((302)).
يلفت، في هذه الابيات، تشوق الشاعر الى «قعيدة
بيته»،
واقتصار حظه من النسا عليها. وهذا ينسجم، من نحو
اول،
مع قسمه الا يقول الغزل، لانه انما يقول، هنا، في
زوجته، وهذا
مباح له دينيا، وينسجم، من نحو ثان، كما يرى د.
كفراوي،مع
الخطة التي وضعها بالاتفاق مع زبيدة زوجة الرشيد
والفضل بن
الربيع، وزيره، لانه يعرض باهمال الرشيد
لزوجته وانصرافه الى
الجواري. وسياتي الكلام على تفسير د. كفراوي زهد ابي
العتاهية في موضعه.
وجا، في رواية اخرى، وجد الرشيد وهو بالرقة على
ابي العتاهية
وهو بمدينة السلام، وكان الشاعر يرجو ان
يشفع الفضل بن
الربيع له، ولما ابطا كتب اليه:
اجفوتني في من جفاني
وجعلت شانك غير شاني
ولطالما امنتني
مما ارى كل الاماني
حتى اذا انقلب الزما
ن علي صرت مع الزمان
كلم الفضل الرشيد فرضي عنه، وارسل اليه الفضل
بالقدوم،
فقدم عليه، فادخله الى الرشيد فرجع الى حالته
الاولى((303)).
ويرى د. محمد عبد العزيز الكفراوي ان الرشيد القى ابا العتاهية في السجن مرة بعد
اخرى، مرة اولى عند توليه الخلافة، وثانية لرفضه قول شعر الغزل، وقد استجاب في هذه
المرة، بسرعة وعاد لصناعته، وثالثة لعودته الى الرفض، وقد اصرفي هذه المرة على
موقفه، واقام في السجن اذ ذاك عاما ((304)).
ويقول د. يوسف خليف، في اسباب سجن الرشيد لابي
العتاهية:
«ولكن الذي يبدو لي ان هذا السبب الذي يذكره
الرواة ليس هو
السبب الحقيقي لسجنه، لان شعرا الغزل في عصر
الرشيد كانوا
كثيرين، ومن الممكن ان يطلب الى اي واحدمنهم ان
ينظم له
ما يشا من غزل، والذي يبدو لي ان الخليفة كان يحاول
ان
يبعد ابا العتاهية عن الاوساط الشعبية التي كان
شعره منتشرا
بينها انتشارا واسعا حتى لا تتاثر برائه التي كان
يرددها كثيرا
حول الملوك، وهوان امرهم بعد الموت وتساويهم في
النهاية
بالسوقة، وكان الرشيد كان يرى فيها شيئا يقلل من
هيبته في
اعين الناس ومنزلته في نفوسهم. ومن هنا كنت ارى ان
سجن
ابي العتاهية لم يكن الا صورة من صور تحديد الاقامة
فرضها
الرشيد عليه، حتى يبعد به عن الشعب الذي كان يروي
شعره
ويتغنى به في كل مكان» ((305)).
ولما اطلق الرشيد ابا العتاهية من الحبس لزم بيته
وانقطع عن
الناس. فارسل اليه من يقول له: «صرت زير نسا
وحلس بيت»،
فكتب اليه:
برمت بالناس واخلاقهم
فصرت استانس بالوحده
ما اكثر الناس لعمري وما
اقلهم في منتهى العده!
ثم قال: لا ينبغي ان يمضي شعر الى امير المؤمنين ليس
فيه
مدح له، فقرن هذين البيتين باربعة ابيات مدحه فيها((306)).
رؤيته الى الملوك
وان تكن آراؤه في الملوك هي السبب الحقيقي في سجنه،
فاننا
سنحاول ان نتبين هذه الارا في ما ياتي:
صور ابو العتاهية علاقته بالسلطان في غير قصيدة،
ومنها
واحدة ارسلها الى الرشيد من السجن، وذكرها جامع
ديوانه فقال:
«وله في البغي والظلم، وهو احسن ما جا في هذا
الباب. قيل انه
ارسل بها الى الرشيد، وكان امر بحبسه والتضييق
عليه لانه
امتنع عن مجلس خمره وابى انشاد شعر الغزل، فلما
سمعها رق
له وامر باطلاقه»: اما واللّه ان الظلم لؤم ولكن المسيء هو الظلوم
الى ديان يوم الدين نمضي
وعند اللّه تجتمع الخصوم
لامر ما تصرفت الليالي
وامر ما توليت النجوم
ستعلم في الحساب اذا التقينا
غدا عند الاله من الملوم
سينقطع التروح عن اناس
من الدنيا وتنقطع الغموم
تلوم على السفاه وانت فيه
اجل سفاهة ممن تلوم
وتلتمس الصلاح بغير علم
وان الصالحين لهم حلوم
تنام ولم تنم عنك المنايا
تنبه للمنية يا نؤوم
تموت غدا وانت قرير عين
من الغفلات في لجج تعوم
لهوت عن الفنا وانت تفنى
وما حي على الدنيا يدوم
تروم الخلد في دار المنايا
وكم قد رام غيرك ما تروم
سل الايام عن امم تقضت
فتخبرك المعالم والرسوم
وما تنفك في زمن عقور
بقلبك من مخالبه كلوم
اذا ما قلت قد زجيت غما
فمر تشعبت منه غموم ((307))
راى ابو العتاهية في الملوك السلطان بلا، ليس
للمرء في
اكنافهم ظل يركن اليه، فاحوالهم متقلبة لا يرجى
منها خير
اياتكن. فقرر:
ان الملوك بلا حيثما حلوا
فلا يكن في اكنافهم ظل
ماذا ترجى بقوم ان هم غضبوا
جاروا عليك، وان ارضيتهم ملوا
وان نصحت لهم ظنوك تخدعهم
واستثقلوك كما يستثقل الكل
فاستغن باللّه عن ابوابهم كرما
ان الوقوف على ابوابهم ذل
ويرجو ان يحدث التغيير:
ما اختلف الليل والنهار ولا
دارت نجوم السما في الفلك
الا لنقل السلطان عن ملك
قد انقضى ملكه الى ملك ((308))
موقفه السياسي ومذهبه
ان تكن هذه رؤية ابي العتاهية الى الملوك: بلا
حيثما حلوا، لا
تصلح لهم حال، وضرورة التغيير: نقل السلطان
بوصفه سنة
الكون او قدره. الا يحق لنا ان نتسال عن موقفه
السياسي،
ومذهبه؟ ولماذا ينبغي ان نقتصر في تفسير الامور
على الظواهر
التي يقدمها الرواة الباحثون عن الخبر الطريف
والنادرة
المثيرة.
يقول ابو الفرج: كان ابو العتاهية يتشيع بمذهب
الزيدية، لا
يتنقص احدا، ولا يرى مع ذلك الخروج على السلطان،
وكان مجبرا، اي يقول بالجبر، وهو عند اهل الكلام
اسناد الافعال
الى اللّه سبحانه، ايجادا وتاثيرا ((309)).
ويروي في موضع آخر
انه كان «مذبذبا في مذهبه». وتروى حادثة طريفة جرت
في
مجلس المامون بينه وبين ثمامة بن الاشرس تفيد انه
من القائلين بالجبر. ويروى انه اجاب صديقا له يشكو
«ضيق
القيد وغم الحبس»:
«هي الايام والعبر
وامر اللّه ينتظر
اتياس ان ترى فرجا
فاين اللّه والقدر!» ((310))
يقول السيد محسن الامين: «كان يتشيع بمذهب الزيدية،
ولعله
اخذ التشيع من الكوفة التي كان اهلها شيعة الا ما
ندر،ولكنه
مع تشيعه كان يقول بالجبر..». ويرد على من اتهمه
بالزندقة
لانه يذكر الموت ولا يذكر البعث، فيقول: «وهذه
الحجة واهية
جدا، فالواعظ بالشعر والنثر يخوف الناس بالموت
ليزهدهم
بالدنيا، ولا يخوفهم بالبعث». ويرد اتهام منصور
بن عمار له الى
استيا هذا الاخير منه لانه اتهمه بسرقة كلام من
رجل كوفي.
ويذكر السيد الامين القول: «كان ابو
العتاهية مذبذبا في مذهبه
يعتقد شيئا، فاذا سمع طاعنا عليه ترك اعتقاده اياه
واخذ
غيره»، ويرد عليه فيقول: «وهذا يمكن ان يكون مدحا
بانه اذا
ظهر له الحق اخذ به ولم يتعصب» ((311)).
ويمكن للباحث ان يتسال، هنا، عن سر امرين: اولهما
استدعا
المهدي لمندل وحيان العنزيين عند سجنه
الشاعر،وكانا
محدثين فقيهين يعتنقان المذهب الشيعي او يميلان
اليه على
الاقل، وكانا يرعيان ابا العتاهية، ويدافعان
عنه،واتضح ذلك في
احداث منها: لما ضربه الجزار وسبه، ولما هجا
عبداللّه بن معن،
وثانيهما شفاعة يزيد بن منصورالحميري له، ونقل
الشاعر ولاه
الى حمير ومدحه اليمن، فهل يتمثل هذا السر في
«مذهب» ابي
العتاهية، ولم يكن التغزل بعتبة سوى سبب ظاهر،
واقتضى
اطلاق الشاعر ان ينقل ولاه ويتنكر لمولييه، وبذلك
يؤكد انه
غير شيعي،وتنفى عنه تهمة الزندقة فيكف حمدويه عن
مطاردته، وقد حدث هذا فعلا، وقيل ان حمدويه رآه
يقنت في
صلاته، ولايكلم القمر، كما وشي به. وهذه نادرة تروي
حكاية
تهمة مدبرة كان من الممكن ان تودي به. ولعل هذه
النظرة
تفسر عدة امور منها: شدة خوفه من السلطان، ورؤيته
اليه،
ونطقه بلسان الناس العاديين المظلومين، علاوة على
تفسير
بعض قصائده التي اخطا كثير من الباحثين في فهمها.
يقول د. الكفراوي: «لو لم تنص كتب التاريخ على ان ابا
العتاهية
كان يتشيع لتوقعت ان تكون له ميول شيعية،
وذلك لسبب
يسير، وهو ان الشيعة اذ ذاك كانت تمثل المعارضة
للحكم
العباسي والى حد كبير تمثل ثورة الموالي ضد
العرب»((312)).
والحكم المتعلق بالموالي، في قول د. الكفراوي، عام
ولطالما
ردده الباحثون، وهو لا يمثل الواقع، فمعظم
المسلمين كانوا
ثائرين، وقد تحدث د. الكفراوي عن ذلك في بداية بحثه
وبين
ما اصابهم من نكال، وراى انهم اصيبوا بخيبة امل((313))،
فثاروا، ثم احس الكثيرون منهم بالعجز عن مقاومة
السلطان،
فخرجوا موالي وعربا اما في ساحة القتال او
في ساحات بديلة.
ويرى د. الكفراوي ان كل ذكر لمجالس الرشيد الصاخبة
خدمة
للشيعة، وبخاصة انه كان يسجن الامام موسى
الكاظم(ع)، وهو
المعروف بتقواه وورعه وعلمه، وعلاوة على هذا
المنحى غير
المباشر نلاحظ قولا مباشرا لا يخفى على اناس ذلك
الزمن
وعلى الباحث الحصيف. ومن نماذجه نذكر:
يا من تشرف بالدنيا وطينتها
ليس التشرف رفع الطين بالطين
اذا اردت شريف الناس كلهم
فانظر الى ملك في زي مسكين
هذا الذي عظمت في الناس هيبته
وذاك يصلح للدنيا والدين
يقول د. الكفراوي: ان هارون الرشيد هو المشار اليه
في البيت
الاول لان عظمته ترجع الى سيطرته على بقعة من
الارض.اما
الامام الكاظم (ع) فهو المشار اليه في البيتين
التاليين. ورد د.
الكفراوي ما ذهب اليه المستشرق غولدتسيهر من
ان الاشارة
انما هي الى «بوذا»، ذلك ان المستشرق اقتلع الابيات
من تربتها
حين ذهب بها الى بوذا، ويشك في معرفة المجتمع
العربي
الذي كان الشاعر يتحدث اليه ببوذا او اهتمامه
بتعاليمه، اضافة
الى ان قوله «فانظر» يدل على ان المشاراليه كان
بينهم، ثم
قوله بعد ذلك «يصلح للدنيا والدين» ترديد لقضية
هامة من
قضايا الحكم في الاسلام، وهي الجمع بين السلطة
السياسية
والنفوذ الروحي.
ويرجح د. الكفراوي ان الابيات الاتية قد انشدت، بعد
موت
الامام موسى الكاظم (ع) في سجن الرشيد سنة 183ه،وهو
يقارن فيها بين الميت الحي، والحي الميت:
فاما الذي قد مات والذكر ناشر
فميت له دين به الفضل ينعت
واما الذي يمشي وقد مات ذكره
فاحمق افنى دينه وهو اموت
وما زال من قومي خطيب وشاعر
وحاكم عدل فاصل متثبت
ساضرب امثالا لمن كان عاقلا
يسير بها مني روي مبيت
وحية ارض ليس يرجى سليمها
تراها الى اعدائه تتفلت ((314))
خطاب الناس العاديين
وتعزز نماذج شعرية رؤيتنا ان السلطان تنبه الى ما
يتضمنه
شعر ابي العتاهية من موقف سياسي تحريضي كاشف،
فهذه النماذج تتحدث مباشرة عن الطغيان الذي ساد من
بعد
النبي محمد (ص)، وعن الشرائع التي درست،
والجوع،والعري،
فكانه بهذا كان يمثل صرخة الناس العاديين
المقهورين الذين
لا يجدون مكانهم الذي يطمحون اليه، وان كانوامثله
من
النوابغ النابهين، ف «الذل» قيد ازلي لا فكاك
منه، ومن هذه
النماذج الشعرية نذكر:
طغى الناس من بعد النبي محمد
فقد درست بعد النبي الشرائع
وصارت بطون المرملات خميصة
وايتامها منهم طريد وجائع
وان بطون المكثرات كانما
ينقنق في اجوافهن الضفادع
فما يعرف العطشان من طال ريه
وما يعرف الشبعان من هو جائع
اخي قد ابى بخلي وبخلك ان ير
ى لذي فاقة مني ومنك مواسيا
كلانا بطين جنبه ظاهر الكسا
وفي الناس من يمسي ويصبح عاريا
من مبلغ عني الاما
م نصائحا متواليه؟
اني ارى الاسعار اس
عار الرعية غاليه
وارى المكاسب نزرة
وارى الضرورة فاشيه
وارى غموم الدهر را
ئحة تمر وغاديه
وارى المراضع فيه عن
اولادها متجافيه
وارى اليتامى والارا
مل في البيوت الخاليه
يشكون مجهدة باص
وات ضعاف عاليه
من يرتجى في الناس غى
رك للعيون الباكيه؟
من للبطون الجائعا
ت وللجسوم العاريه؟
يا ابن الخلائف لا فقد
ت ولا عدمت العافيه
القيت اخبارا الى
ك من الرعية شافيه
ونصيحتي لك محضة
ومودتي لك صافيه ((315))
فكان، بهذا الخطاب، ناطقا باخبار صادقة تحكي حكاية
الناس
ذوي البطون الجائعة والجسوم العارية ومدافعا
عنهم،ولعله
الشاعر الرسمي الوحيد الذي تحدث عن الواقع
الاجتماعي
وخاطب السلطان كاشفا اياه، غير انه ادرك عجزه
عن احيا ما
درس من شرائع، واحس القهر والذل، فراح ينشد اناشيد
الموت، ويرى فيه القوة القاهرة، التي تحقق
المساواة بين
الناس، وان كان ذلك تحت الثرى، وتعيدهم مجردين من
مراتب الدنيا كما ولدوا:
تجرد من الدنيا فانك انما
وقعت الى الدنيا، وانت مجرد
ثالثا، زهده والجدل الذي دار حول طبيعته واسبابه
اثار تحول ابي العتاهية الى الزهد جدلا حول طبيعة
هذا الزهد
واسبابه بداه معاصروه، وما انفك يدور الى
ايامناهذه.
تهمتان: الزندقة والبخل
يقول ابو الفرج الاصفهاني: «واكثر شعره في الزهد
والامثال».
ويضيف فيقول: من ناحية اولى، «وكان قوم من اهل
عصره ينسبونه الى القول بمذهب الفلاسفة، ممن لا
يؤمن
بالبعث، ويحتجون بان شعره انما هو في ذكر الموت
والفنا
دون ذكرالنشور والمعاد» ((316)). ومن ناحية ثانية، «وكان
دائم الحرص، دائم الجمع شحيحا، تروى في حرصه حكايات
كثيرة»((317)).
لخص ابو الفرج، في قوليه هذين، القضية، فاكثر شعر
ابي
العتاهية في الزهد، غير ان زهده، كما راى قوم من
معاصريه يقرب من مذاهب الفلاسفة الذين لا يؤمنون
بالبعث،
اي يقرب من مذاهب الزنادقة، علاوة على انه لم يكن
صادقا
في دعوته الى الزهد، اذ انه كان بخيلا، حريصا على
جمع المال.
وقد كثر الحديث عن زندقته وبخله، ففي ما يتعلق
بالامر
الاول، وهو الزهد قال منصور بن عمار: «ابو العتاهية
زنديق،
اماترونه لا يذكر في شعره الجنة ولا النار وانما
يذكر الموت
فقط». وقال ابن قتيبة: «ويرمى بالزندقة» ((318)).
واتهم، كما مر بنا، بانه يكلم القمر، وشهدت امراة
بانها راته يفعل
ذلك. وكاد حمدويه صاحب الزنادقة يمسكه، ثم برى لما
تمت
تسوية الامر وقيل انه كان يقنت آنذاك. ومن الادلة
التي قدمها
ابن عمار قول الشاعر في عتبة:
وكان عتابة من حسنها
دمية قس فتنت قسها
يا رب لو انسيتنيها بما
في جنة الفردوس لم انسها
ان المليك رآك اح
سن خلقه وراى جمالك
فحذا بقدرة نفسه
حور الجنان على مثالك
فقد قال منصور بن عمار، في التعليق على البيتين
الاولين:
يتهاون بالجنة ويبتذل ذكرها في شعره بمثل هذا
التهاون.
وفي التعليق على البيتين الاخيرين: ايصور الحور
على مثال
امراة آدمية، واللّه لا يحتاج الى مثال، واشاع ذلك
على
لسان العامة، فلقي منه البلا.
ويروي ابو الفرج حديثا لهبة اللّه بن ابراهيم بن
المهدي جا فيه
ان اباه رمى ابا العتاهية في مجلسه بالزندقة، فبعث
اليه يعاتبه، فكتب اليه قصيدة منها: وكلت بالدنيا تبكيها وتن دبها، وانت عن
القيامة لاهي .. اني رايتك مظهرا لزهادة تحتاج منك لها الى اشباه وعرف ابو العتاهية
ما يتهم به، فكان يشكو امره لاصدقائه، ويقول: فيا عجبا كيف يعصى الا له ام كيف
يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية
تدل على انه واحد ((319))
وفي ما يتعلق بالامر الثاني، وهو البخل وجمع المال،
يروي ابو
الفرج:
سال ثمامة بن الاشرس ابا العتاهية، لما انشده: «اذا
المرء لم
يعتق من المال نفسه...»، اتؤمن بان هذا قول رسول
اللّه
(ص)وانه الحق؟ قال: نعم. قال: «فلم تحبس عندك سبعا
وعشرين بدرة، [البدرة عشرة آلاف درهم] في دارك، ولا
تاكل
منهاولا تشرب ولا تزكي، ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك
وفاقتك؟
فقال: يا ابا معن، واللّه ان ما قلت لهو الحق، ولكني
اخاف الفقر
والحاجة الى الناس» ((320)).
وقد لاحظ معاصرو ابي العتاهية انه، وهو الحريص
الشحيح، يذم
الحرص، ومن الاخبار الدالة على ذلك نذكر:
انشدالمامون بيت
ابي العتاهية يخاطب سلما الخاسر:
تعالى اللّه، يا سلم بن عمرو
اذل الحرص اعناق الرجال
فقال المامون: ان الحرص لمفسد للدين والمروءة.. فبلغ
ذلك
سلما فقال: ويلي على المخنث، الجرار، الزنديق،
جمع الاموال
وكنزها، وعبا البدور في بيته، ثم تزهد مرااة
ونفاقا، فاخذ يهتف
بي اذا تصديت للطلب.
وقال الجماز، وهو ابن اخت سلم، يخاطب ابا العتاهية:
ما اقبح التزهيد من واعظ
يزهد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقا
اضحى وامسى بيته المسجد
يخاف ان تنفد ارزاقه
والرزق عند اللّه لا ينفد
والرزق مقسوم على من ترى
يناله الابيض والاسود ((321))
تهمة اخرى: في زهده عناصر مانوية
ويرى د. شوقي ضيف، من المحدثين، ان معاصري ابي
العتاهية
تشككوا في هذا الزهد الذي طرا عليه، وردته
كثرتهم الى عناصر
مانوية، حتى اوشك حمدويه صاحب الزنادقة المانويين
ان ينزل
به العقاب الصارم الذي كان ينزله بامثاله،لولا ان
موه عليه
بالقعود لحجامة الفقرا والمساكين، ويستشهد
باتهام منصور بن
عمار له بانه زنديق لانه يكثر من ذكرالموت في شعره،
ولا يذكر
الجنة والنار، ويرى ان هذه ملاحظة دقيقة، ويذكر بان
«المعروف عن المانوية انهم كانوايدعون للزهد في
الدنيا
والعمل للاخرة، كما كانوا يدعون الى ظاهر حسن
كاجتناب
الفواحش، ومن هنا يختلط الموقف على من يقرا اشعار
ابي
العتاهية الزاهدة».
ويقول د. ضيف: «وتدل نزعته المانوية على انه اضطرب
بين
اصحاب المقالات. ويؤكد ذلك عنده ما يقال من انه
كان على
مذهب الشيعة الزيدية البترية، ونؤمن مع نيكلسون
بانه لم
يعش هذا المذهب حقا، اذ يشيد في اشعاره بابي
بكروعمر
وعثمان» ((322)).
اللافت، في هذا القول، ان د. ضيف يتجاهل السبب الذي
جعل
منصور بن عمار يتهم ابا العتاهية بالزندقة، وهو
اتهام
ابي العتاهية لمنصور بسرقة كلامه في «مجلس
البعوضة» عن
رجل كوفي ((323))، ويحذف من الخبر الذي ينسب
الشاعر
الى الزيدية، النص على انه كان لا ينتقص احدا،
علاوة على انه
يتجاهل مقولة الزيدية، في الخلفا الراشدين، فهذه
الفرقة
من الشيعة كانت ترى جواز امامة المفضول في وجود
الفاضل،
ولا يهتم بملابسات تهمة الزندقة: العبث بحريم
الخليفة والمواقف السياسية الخ...
وينتهي د. ضيف الى القول: «فهو ليس مانويا ثنويا
يؤمن بان
للعالم الهين كما ظن ابن المعتز وبعض معاصريه، انما
هومانوي
من نمط جديد، اذ يمزج بين المانوية والاسلام، الا
اذا كان موه
عن مانويته الخالصة بادعائه وحدانية ربه».
ويرى د. ضيف، ليؤيد
ما ذهب اليه، ان قصيدة ابي العتاهية: «يا من تشرف
بالدنيا
وزينتها. ..» تصور الناسك في صورة بوذاالمشهورة،
وهذا ما
سبق للمستشرق غولدتسيهر ان قاله.
وقد ناقش د. الكفراوي هذا الراي ورده، كما مر بنا.
ويفسر د.
ضيف نزعة البخل عند ابي العتاهية بمانويته، اذ ان
المانوية كانوا
يؤمنون بان المانوي الصادق ينبغي ان يعيش على
المسالة
. ((324))
زهد اسلامي
ويرى غير باحث ان زهد ابي العتاهية اسلامي، فيقول د.
عبداللّه
التطاوي: «بدا زهد ابي العتاهية اسلاميا يقوم
على اساس من
التقشف والدعوة الى التقوى والورع» ((325)).
ويقول د. خليف: «حديث ابي العتاهية عما بعد الموت
يدور كله
في جو اسلامي خالص، ويستمد معانيه وافكاره مماورد
عن هذا
الموضوع في القرآن والحديث. ولهذا نلاحظ ان الحيرة
التي
تميز شعر ابي العلا حين كان يتحدث عن مشكلة ما بعد
الموت
تختفي كليا من شعر ابي العتاهية ليحل محلها الايمان
الديني
المطمئن، واليقين الثابت الذي يستمد ثباته من
الدين لا من
العقل» ((326)).
في تفسير التحول الى الزهد
وفي جانب آخر من جوانب هذا الموضوع، وهو تفسير هذا
التحول، تعددت الارا، وتمثل الراي الشائع
بالتفسير الذي قدمه
الرواة والمؤرخون، ومنهم المسعودي الذي قال ان
تحول ابي
العتاهية الى الزهد جا على اثر رفض عتبة
الزواج منه، بعد ان
كلمها الرشيد في ذلك، فانشد قصيدته: «قطعت منك
حبائل
الامال»، ولبس ملابس الصوفية، وزهد، وتوقف عن
قول الغزل
. ((327))
ويذهب بعض الباحثين الى ان ابا العتاهية اتخذ شعر
الزهد
وسيلة كسب، مستندين الى وقائع تفيد ذلك، ومنها
ماياتي:
«دخل ابو العتاهية على ابنه، وكان قد تصوف، فقال:
الم اكن قد
نهيتك عن هذا؟ فقال: وما عليك اتعود على الخير؟فقال:
يا
بني، يحتاج المتصوف الى رقة حال وحلاوة شمائل
ولطافة
معنى، وانت ثقيل الظل، مظلم الهوا، راكد
النسيم،جامد
العينين، فاقبل على سوقك فانها اعود عليك، وكان
بزازا».
ويروى انه ارسل لابي نواس، لما قال شعرا في الزهد،
من يقول
له: انني تركت له جميع اغراض الشعر. والزهد فن
سبقت اليه ووقفت نشطي عليه، ولن اسمح لاحد سواي ان ينازعني
فيه،
فوجم ابو نواس لما سمع الرسالة، وقال: انه ليشق على
نفسي الا
اعاود القول في موضوع احببته، ولكن لا سبيل الى
مخالفة ابي
اسحق ((328)).
ويرى د. الكفراوي «ان قصة حبه بعد عصر المهدي، وبعد
ان
رفضته عتبة رفضا صريحا، صارت مجرد مسرحية...»
تتيح له «ان
ينشد الشعر في ذلك الحب القاتل المذيب لحبات
القلوب،
ويتناول عليه خمسين الف درهم في العام حتى اذا مامل
تلك
التمثيلية المعادة، وتعاقد مع شركة اخرى على دور
جديد في
مسرحية جديدة ابى الا ان يمعن في التزييف ويدعي
انه تاب
عن الحب وانتقل الى الزهد، وما كان في ما مضى محبا
ولن
يكون في المستقبل زاهدا، ولكن كان لابد له من ذلك
التزييف،
والربط الظاهري بين رفض عتبة والزهد والا فبماذا
يرد على
الرشيد اذا دعاه للغزل؟» ((329)).
والدور الجديد الذي يعنيه د. الكفراوي يتمثل في ان
يقول ابو
العتاهية شعر الزهد يعظ به الخليفة هارون الرشيد
والطبقة الحاكمة، لمصلحة فريق تمثله زبيدة زوجة
الخليفة
والفضل بن الربيع، احد وزرائه، في المواجهة
الدائرة بين هذا
الفريق والفريق المنافس المتمثل بالبرامكة الذين
كانوا يعملون
على اغراق الخليفة في الترف، ليتفردوا بادارة
البلاد
وحكم العباد، وكان هذا الصراع مريرا انتهى، بعد
تضافر عوامل
كثيرة، بنكبة البرامكة، وما لبث ان استؤنف على اثر
وفاة
الرشيد.ويسهب د. الكفراوي في شرح نظريته وتقديم
الادلة
التي تؤيدها، والتي تفيد ان صلة ود خاصة كانت تقوم
بين
ابي العتاهية وكل من زبيدة والفضل بن الربيع في
مقابل كره
كان يكنه البرامكة للشاعر الذي كان يحطب في حبل
خصومهم((330)).
ومن الاخبار بالغة الدلالة على رغبة ابي العتاهية
في ان يحزن
الرشيد من نحو اول، وعلى تواطؤ مع الفضل بن الربيع
من نحو
ثان الخبر الاتي:
«كان الرشيد مما يعجبه غنا الملاحين في الزلالات
اذا ركبها،
وكان يتاذى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن
معنامن
الشعرا يعملوا لهؤلا شعرا يغنون فيه.. فقيل له:
ليس احد اقدر
على هذا من ابي العتاهية وهو في الحبس...»،
فوجه اليه الرشيد:
«قل شعرا حتى اسمعه منهم»، فقال ابو العتاهية:
«واللّه لاقولن
شعرا يحزنه ولا يسر به... فلما سمع الرشيدالشعر جعل
يبكي
وينتحب.. فلما راى الفضل بن الربيع كثرة بكائه اوما
الى
الملاحين ان يسكتوا» ((331)).
ولا يفوتنا ان نلاحظ ان ابن الربيع لم يامر
الملاحين بالسكوت
الا بعد ان راى كثرة بكا الخليفة، والخبر دال ايضا
على ان شعر
ابي العتاهية يتميز بخصائص تجعله يستجيب لحاجات
العامة
والخاصة.
غير ان د. كفراوي يرى، في موضع آخر، ان مسار حياة ابي
العتاهية جعله يقتنع بانه «مهما ناضل وكافح في سبيل
الشهرة والمجد، ورفع نفسه بالعرق والدموع من بائع
جرار الى
شاعر كبير، فان ذلك لن يجديه فتيلا...»، و«بعبارة
اخرى
كانت عتبة جزءا لا يتجزا من عقدة النقص التي
يعانيها، ومن
الثورة العامة على الاوضاع الاجتماعية، وفي هاتين
الاخيرتين تكمن الاسباب الحقيقية والعميقة
لتحوله الى الزهد
الظاهري» ((332)).
ويقرر د. كفراوي، بعد ان يقول: ان جذور ذلك التحول
قديمة
عند الشاعر، واعلنت عن نفسها في مظاهر كثيرة، ان
ذلك التحول كان نتيجة لعاملين: اولهما نابع من
نفسه وعاش
معه طوال حياته، وثانيهما خارجي طارى ساقته
الظروف السياسية ((333)).
ثنائية: قدر الانسان
وكان الشاعر ادرك ان لا امل له ولابنا طبقته في
حياة حرة
كريمة، وفي تجاوز الوضع الاجتماعي، الذي بدا كانه
«قدرالانسان» في ذلك العصر، لا يتمكن من الخلاص منه مهما كان موهوبا ومكافحا...
الا بالموت القدر القاهر قدر الدنيا...فعتبة رمز للدنيا، وهذا ما تفيده قصيدة قالها
فيها، وقد جا فيها: قطعت منك حبائل الامال وحططت عن ظهر المطي رحالي ووجدت برد
الياس بين جوانحي وارحت من حلي وترحالي الان عرفتك، يا دنيا، فاذهبي يا دار كل تشتت
وزوال ويختلف القدما ((334))
في زمن انشاد هذه القصيدة، فصاحب الاغاني وزهر
الاداب
يعيدانها الى ايام المهدي، والمسعودي صاحب
مروج الذهب
يعيدها الى ايام الرشيد، وايا يكن الامر فان الشاعر
الذي كان
يبحث عن خلاص من قدره في دنياه الفانية وجده في
«الموت»
قدره في آخرته الباقية، وهذا ما كنا قد لاحظنا
بذوره عند
الشاعر منذ كان في اول امره. شعر يمثل رؤية للعالم كونتها شروط الحياة المعيشة ويمكن للباحث ان يتبين، كما راى د. التطاوي ود. خليف، ان شعر ابي العتاهية يمثل رؤية للعالم كونها الدين الاسلامي في تفاعله مع الحياة في العصر العباسي الاول. والشاعر يعجب ممن يقرا في كتاب اللّه ما يامر به ولا يعمل بذلك، وهويزعم انه مسلم، ويرى ان اللّه بين مقت هذا الانسان الذي يامر بالحق ولا يفعله، فيقول: يا ذا الذي يقرا في كتبه ما امر اللّه ولا يعمل قد بين الرحمن مقت الذي يامر بالحق ولا يفعل من كان لا تشبه افعاله اقواله فصمته اجمل ((335)) ويبدو البحث عن عناصر «مانوية»، في رؤية الشاعر وشعره، نوعا من السعي الى اثبات تهمة مقررة سلفا، كانه ينبغي ان يكون لكل ظاهرة جديدة في الشعر العربي اسبابها الخارجية. وقد بين د. كفراوي تهافت القول بان بوذا هو المقصود في احدى قصائده، وحدد المعني الحقيقي فيها، وهو الامام موسى الكاظم (ع). وبين السيد محسن الامين ان الشاعريوظف الموت، بوصفه قوة قاهرة في الوعظ، وهذا هو الاجدى، علاوة على انه، اي الموت، كان ماثلا، كما لاحظنا آنفافي اعماق ذاته منذ البدايات ومثل، في ما بعد، دور المخلص من هذه الدنيا التي تقتل ازواجها، المفضي الى حياة ثانية،فيها «الجنة»، ولهذا فهو يخاطب «خاطب» هذه الدنيا فيقول له: يا خاطب الدنيا الى نفسها ان لها في كل يوم عويل ما اقتل الدنيا لازواجها تعدهم عدا قتيلا قتيل اسل عن الدنيا وعن ظلها فان في الجنة ظلا ظليل ((336)) وفي هذا القول رد على من يذهب الى انه لم يذكر البعث والحياة الثانية والجنة. فهذا الراي لا يصدر عن استقرا لشعرالشاعر، وانما يعيد ما قيل ذات مرة، من دون العودة الى ديوان الشاعر للتاكد من ذلك. ومن نماذج ذكره للبعث والحساب، نقدم على سبيل المثال: الا ان لي يوما ادان كما دنت ليحصي كتابي ما اسات واحسنت الم تر ان الارض منزل قلعة وان طال تعميري عليها وازمنت ((337)) فلو انا اذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكننا اذا متنا بعثنا ونسال بعده عن كل شي وان يكن بعضهم قد لاحظ ان الشاعر يامر بالحق ولا يفعله، فكان حريصا على جمع المال في الوقت الذي كان يدعو فيه الى الزهد، وقد تحدث عن مقت اللّه لهذا الانسان، فقد اجاب هو عن ذلك، كما مر بنا، بانه كان يخاف الفقر والحاجة الى الناس، وفي هذا ما يكفي لفهم ذلك الحرص، فليس امر من الفقر وحاجة الناس، وبخاصة للانسان الحر الكريم الذي عاناهما، وليس لديه اي امان منهما في زمان «اذا رمى لمصيب»، وقد عانى هو من هذا الزمان، فكلمه بلسان شاعروخطيب، وفي هذا يقول: ان الفنا من البقا لقريب ان الزمان اذا رمى لمصيب ان الزمان لاهله لمؤدب لو كان ينجع فيهم التاديب صفة الزمان حكيمة وبليغة ان الزمان لشاعر وخطيب ولقد يكلمك الزمان بالسن عربيه واراك لست تجيب ((338)) وعلاوة على هذا كله فالشاعر لا يدعي انه قديس وصل الى المرتبة العليا من النقا والصفا، وانما يقول انه انسان عادي،تتمادى نفسه بالهوى، فيسعى الى الحد من تماديها، والعدول بها الى الطريق القويم، فرغبته دائما ممزوجة بزهادته كمايقول، وهو باق في جهاد للنفس دائم كما نقرا في قوله: الا من لنفسي بالهوى قد تمادت اذا قلت قد مالت عن الجهل عادت تزاهدت في الدنيا واني لراغب ارى رغبتي ممزوجة بزهادتي ((339)) ولاية الفقيه مفهومها
وحدودها من زوايتي الدليل الشرعي
التفصيلي وتوجهات الشريعة ومقاصدها
اننا، في مجلة «المنهاج»، اذ ندرك اهمية هذه
النظرية الكبرى،
وبخاصة في هذا العصر الذي تواجهنا فيه
تحديات مصيرية، راينا
من الواجب علينا ان نسهم في محاولة الاجابة عن
الاسئلة
الكثيرة التي تثار في هذا المجال. وانطلاقا من هذا الادراك، كان هذا المحور الذي يلبي بعض الحاجة من ناحية اولى، ويفتح باب الحديث الجادوالمسؤول من ناحية ثانية، وسوف تبقى صفحات المجلة في انتظار ثمرات هذا البحث: دراسات ومناقشات، فعسى ان نوفق في مسعانا، واللّه ولي التوفيق. ولاية الفقيه وحقيقة
السؤال النهضوي والوحدوي عند الامام
الخميني (قده)
واذا كانت نظرية ولاية الفقيه قد شكلت حاليا
النظرية الوحيدة
المتكاملة والناضجة التي تمكنت من ايجاد مواقع
قوية لها في
الواقع الاسلامي المعاصر، في طبيعة تحديدها الحاسم
لاصول
النظام السياسي الشرعي ومرتكزاته في عصرغيبة
الامام
المنتظر(عج)، فان ذلك لا يعفي اصحابها والمنظرين
لها من
الوقوف المتاني الواعي امام تلك
التساؤلات والاشكاليات التي
اثارها، ولا يزال يثيرها، الكثيرون حول تلك
النظرية، ومحاولة
البحث والتحقيق فيها من جديد،والاجابة الجادة
والمسؤولة
عنها ((341)).
ضمن هذا الاطار تاتي دراستنا هذه لتسلط الضوء على
معنى
مصطلح ولاية الفقيه، وبيان المقصد الحقيقي من
البحث فيها،
وبالتالي انجاز مختلف عناصرها ومعطياتها، والعمل
على
تطبيقها في دولة الاسلام المعاصرة التي اسمح
لنفسي بان
اطلق عليها «دولة المشروع الاسلامي النهضوي».
ونحن عندما نؤكد على ان ايران، اليوم، تشكل قاعدة
اساسية
للمشروع الحضاري النهضوي الاسلامي فاننا نرى،
بطبيعة الحال، ان هناك علاقة جوهرية و جذرية قائمة
بين
نظرية ولاية الفقيه، باعتبارها المعتقد ((342))
الفكري
والسياسي، والمكون الفقهي الشرعي لمشروع الاسلام
في ايران
وبين مشروع النهضة الاسلامي الذي شكل الانجاز
الاسلامي
في ايران احد اهم معالم حضوره المميز، واطلالته
البهية على
ساحات العصر والحياة الراهنة. ولذلك سنعمل، في
هذه الدراسة، على ايضاح هذه العلاقة الوطيدة
بينهما وابرازها
من خلال بحثنا عن عناصر هذه النهضة الحضارية
ومفرداتها ومزاياها عند الامام الخميني (قده). اولا: معنى ولاية الفقيه
|
|---|