تعني الولاية في
اي امر، وبخاصة في القضايا والامور الاعتبارية،
الحق الشرعي في تولي ذلك الامر،
والقيام بمسؤولياته،
والالتزام الطوعي بمقتضيات وجوده وامتداده في ساحة
الحياة، والسعي الحثيث الصادق والدؤوب
باتجاه اصلاحه
وتقويمه اذا استلزمت بنيته الذاتية ذلك.
وبذلك تكون «ولاية الامر» عبارة عن الالتزام
الطبيعي
بالاشراف والقيام بالمسؤولية، والتعهد بادا
الخدمات اللازمة
في سبيل اصلاح شؤون الامة واحوال العباد ومواقع
البلاد بكل
تفرعاتها وامتداداتها الدينية والسياسية
والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، بحيث يقوم
(ذلك التعهد
والتصدي للامر) على مبادى شرعية رسالية تضع ولي
الامر
(المتصدي لمسؤولياته الرسالية في الامة) في موقع
خدمة
الناس، وحفظ النظام واقامته بكل اخلاص وصدق
وامانة،
ليكون هذاالولي، من خلال ذلك، مسؤولا عن ادائه
السياسي
والديني امام اللّه تعالى، وكذلك امام الامة
والجماهيرالواسعة.
وبالاضافة الى ضرورة توفر شرط الحصول على مواقع
رسالية
علمية عالية في الفقه والفكر الاسلامي،
وامتلاك المعلومات
والمعطيات اللازمة المتعلقة باوامر الشارع في ما
يخص قيادة
الامة واستلام مهام الولاية فيها ((343))، بوصفه عاملا
اساسيا
مسبقا في مسالة صلاحية الاضطلاع بمقام القيادة،
فانه لابد
من توافر شرط آخر يتكامل مع الشرط الاول في ذلك،
وهو
القدرة النفسية والعملية على ادارة حياة الامة
والمجتمع
وشؤونهما.
واذا كانت مسالة الحكم والنظام والقيادة هي التي
تمحور
الحديث حول فكرة الولاية، في سياق ضرورة وجود
الحكومة الاسلامية التي تعني ادارة حياة الناس
على وفق
شريعة اللّه، وتنظيمها على اساس الاسلام، فاننا
نجد ان تعريف
ولاية الفقيه يجب ان ياتي هنا منسجما مع تلك
المقدمات، من
خلال كونها نظرية دينية وسياسية اسلامية ترتكز على
اساس وجود نظام اسلامي، يقف على راسه فقيه عالم
عادل
يتولى ادارة الحياة على اساس الانظمة والقوانين
المشرعة
اسلاميا(التي تنظم علاقات الانسان المتنوعة)،
المطلوب اقامة
الحياة البشرية على اساسها في عصر غيبة الامام
المنتظر(عج)،اي ان يكون مرجع الحكم في هذا العصر،
وولاية
الشؤون العامة في المجتمع من سياسة واقتصاد وحرب
وسلم
وشؤون اجتماعية و..، بيد الفقيه العادل العامل ضمن
شكل
اسلامي معين للحكم الذي يديره من خلال واقع البلد
والامة
بافضل شكل وصيغة ممكنين، توفر للامة اجوا العمل
المنتج
الذي يخدم قضاياها واهدافها على طريق التطور
والتقدم،ويسمح لافرادها بالمشاركة في الحياة
العمومية بكل
وعي واختيار وحرية، بما في ذلك ممارستهم للنقد
الواعي
البناالذي ليس له غاية سوى تسليط الضوء على مواقع
الخطا،
وبالتالي العمل على تصحيحها.
ونحن عندما نتحدث عن ولاية الفقيه، فاننا نريد بها،
حصرا،
الجانب التشريعي الذي يضع الفقها العدول في
مستوى التشريع والتنظيم، وتقديم القوانين
اللازمة للاشراف
على ادارة المجتمع الاسلامي، من حيث كونهم
المرجعية
الحقيقية في تحديد الحكم الشرعي، واستكشافه،
واستنباطه،
وتوجيه الامة، من خلال حق الامر والنهي، للعمل
والالتزام به.
والمصادر الاسلامية المعروفة تحفل بالكثير من
النصوص
والروايات والاحاديث التي تبين حدود علاقة المسلم
بنفسه وغيره، وعلاقة الامة الاسلامية بسواها من
الامم
والحضارات المختلفة المنتشرة على امتداد ساحة
الحياة
البشرية، كماانها تبين احكام الشرع في الزواج
والطلاق
والميراث والعقود والتجارة ((344))... (الى غير ذلك مما
يهم
المجتمعات الانسانية)، وتلزم المسلم بالاحتكام
والخضوع لشرع
اللّه: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم
الكافرون)[المائدة:44]. هذا الشرع وتلك الاحكام التي
تحتاج
الى هيئة تديرها وتمارس صلاحيات تنفيذها، وسلطة
(حكومة الهية صالحة وعادلة) تعمل بضروراتها بهدف
تحقيق
اهداف الاسلام العليا، وانتظام معيشة ابنائه
وكسبهم داخل
الامة الاسلامية ((345)).
الى هنا نحن لم نطرح التحديد الفقهي الحقيقي لنظرية
ولاية
الفقيه، باعتبار ان لها حدودا قد تتسع وتضيق تبعا
لسعة الراي
الفقهي (الخاص بهذا الفقيه او ذاك) وضيقه. لكن معظم
المؤمنين بخط ولاية الفقيه، تحديدا، يقولون
بالولاية المطلقة
التي يتولى فيها الولي الحكم بين الناس، كما ذكرنا
سابقا،
بقضاياهم العامة في جوانب السياسة
والاقتصادوالاجتماع و..
الخ، ويصدر اوامره ليلزم الامة، من خلال المصلحة
الاسلامية
العليا، بضرورات (اوامر) عملية معينة بقطع النظر
عن هذه
الاوامر. . ويملا الفراغات التشريعية الناتجة عن
تغيرات الزمان
والمكان، والمتصلة بالنظام العام في ماجعله الشارع
منطقة
لولي الامر، وغير ذلك من الامور والمسائل المرتبطة
بحركة
الامة ونموها وسلامتها وتطورهاوتكاملها على خط
الاسلام
المحمدي الاصيل.
ثانيا: ادلة ثبوت ولاية الفقيه
يتقوم الوجود النظري لولاية الفقيه، بحسب آرا
الكثير من
منظريها والقائلين بها، بالامور التالية:
من هنا تمثل الولاية للفقها العدول استمرارا لخط
الائمة (ع)
في اخلاقهم، وسلوكهم، وطريقتهم في العمل،
واسلوبهم في
الدعوة والتزام الاسلام من جانب، كما تمثل، من جانب
آخر،
البديل (الطبيعي والمنطقي) عن حركة الائمة (ع)
في غيابهم،
ولكن من دون ان يكون (هؤلا الفقها) معصومين، لان
العصمة
لا مدخلية لها في ذلك، لانها تتصل بطبيعة تادية
العمل
الاسلامي الرسالي، في ضرورة المحافظة القصوى على
سلامة
الخط الفكري الاسلامي في حياة الناس بالمستوى
النظري
اساسا ((346)).
يقول الامام الخميني في كتابه (الحكومة الاسلامية):
«تولي امر
الحكومة بحد ذاته ليس مرتبة ومقاما، وانما مجرد
وسيلة للقيام
بوظيفة الاحكام، واقامة نظام الاسلام العادل.. يقول
امير
المؤمنين (ع) لابن عباس عن نفس الحكومة: «ما
قيمة هذا
النعل؟»، فقال ابن عباس: لا قيمة لها. فقال (ع):
«واللّه لهي
احب الي من امرتكم الا ان اقيم حقا (اي اقيم
قانون الاسلام
ونظامه) او ادفع باطلا» ((347)) (اي القوانين والانظمة
الجائرة والمحرمة). اذا، فنفس الحاكمية والامارة
مجردوسيلة
ليس الا» ((348)).
ويقول (رض) في موقع آخر من كتابه: «الائمة والفقها
العدول
مكلفون بالاستفادة من النظام والتشكيلات الحكومية
من اجل
تنفيذ الاحكام الالهية، واقامة النظام الاسلامي
العادل، والقيام
بخدمة الناس. الحكومة بحد ذاتها بالنسبة لهم لاتعني
سوى
المشقة والتعب. لكن ما العمل؟! انهم مامورون
بالقيام
بالوظيفة. فمسالة «ولاية الفقيه» هي مسالة تنفيذ
مهمة والعمل
بالتكليف» ((349)).
2- النصوص الشرعية:
ومعظمها من الاحاديث الكثيرة، الواردة في مجال
تثبيت
حاكمية الفقها العدول (بمعان وطرق وآليات متعددة)،
نختارمنها ما يلي:
ا روي عن رسول اللّه (ص) انه قال: «اللهم ارحم
خلفائي»،
قيل: يا رسول اللّه، ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين ياتون
بعدي يروون حديثي وسنتي...» ((350)).
ب- قول الرسول (ص): «العلما ورثة الانبيا» ((351)).
و- «الفقها امنا الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا»،
قيل: يا رسول
اللّه،وما دخولهم في الدنيا؟ قال: «اتباع السلطان،
فاذا فعلوا
ذلك فاحذروهم على دينكم» ((352)).
ج- ما روي عن الامام علي (ع): «مجاري الامور والاحكام
على
ايدي العلما باللّه، الامنا على حلاله وحرامه».
ويشمل معنى
كلمة «مجاري الامور» كل شؤون الناس في المجتمع.
د- ومنها ما روي عن الامام الكاظم (ع): «ان المؤمنين
الفقها
حصون الاسلام كحصون سور المدينة لها».
ه- ومنها ما روي عن صاحب الزمان (عج): «واما الحوادث
الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا فانهم
حجتي عليكم وانا
حجة اللّه..».
3- ضرورة وجود قيادة حاكمة (تشكيل الحكومة الاسلامية): يعطي الجو العام الذي يحيط بعمل الفقيه، في نطاق
الاحكام
والواجبات الشرعية الملقاة على عاتقه، قناعة راسخة
لدى هذا
الفقيه او ذاك بانه لابد من وجود قيادة تحكم مسيرة
الامة
وتوجهها نحو تحقيق اهدافها الاسلامية العليا التي
لاتخضع
لامزجة البشر واهوا الناس بما يشكل استكمالا
حقيقيا لمسيرة
الامامة في الامة التي يفترض بقيادتها تلك ان تملك
وضوح
الرؤية في الشرعية التي تحكم الواقع، وتقوده الى
الفلاح
والصلاح من خلال المعرفة الواعية
والعميقة والشاملة للشريعة،
والخبرة الواسعة لافاق الحياة من حولها.
وفي هذا المجال، يذكر الفقها في بحوثهم ودراساتهم
الاسلامية ادلة ثلاثة (عقلية وشرعية) على ضرورة
تشكيل حكومة اسلامية في عصر الغيبة:
ا احكام الاسلام تستلزم الحكومة:
فالاحكام الشرعية الاسلامية لم تات من اجل ان يقوم
المبلغون
والعلما بايصالها الى المكلفين فقط، بل لابد من
وجودجهة
اشرافية، اذا صح التعبير، تقوم بتبليغ الاحكام
وتعمل، في
الوقت نفسه، على تنفيذها، وتوجيه حركة الفرد
والامة باتجاهها
بما يتناسب مع مفاهيم الاسلام ومبادئه. وليتحقق هذا
الهدف
الكبير جات مسالة «ضرورة اقامة
الحكومة الاسلامية» وايجاد
مؤسسات وهيئات تنفيذية على يد الرسول (ص) والائمة
(ع)..
وهذه الضرورة لم ترفع حتى الان، بل على العكس من
ذلك،
لقد زادت وتائرها في عصر غيبة الامام الحجة(عج)،
باعتبار ان
الاحكام والتشريعات الاساسية لم تتغير بتقادم
الزمن، ولم
تسقط عن الاعتبار.
ب- حفظ نظام الناس وتامين حقوقهم ومصالحهم:
لا تتحقق مسالة حفظ النظام العام للامة (اية امة)
الا بوجود
حكومة ومؤسسات تنفيذية تقوم باخراج
التشريعات الاسلامية
الى حيز التطبيق. والامة الاسلامية ليست بعيدة عن
هذا
الهدف الكبير.. من هنا جات ضرورة تشكيل حكومة
اسلامية
عادلة تعمل على حفظ نفوذ المسلمين، وحمايتهم،
وتامين
مصالحهم، ورعاية حقوقهم واعراضهم.وهذه الحاجات
الواضحة
للمجتمعات الاسلامية لا يعقل تركها من الحكيم،
الصانع،
الخالق، المدبر، اللطيف بعباده،الرؤوف بهم، ولا
يعقل ان
يتركهم بعد غيبة ولي الامر (عج) مضطربين متزلزلين،
لا نظام
يجمعهم، ولا عدل ينشر بينهم، من دون حماية، ولا
وسيلة
يركنون اليها لتلبية تلك الحاجات، لا سيما وان
الغيبة ربما
تمتد لسنين متمادية، ولعلهاتطول، والعياذ باللّه،
الى مئات
السنين (والعلم عنده تعالى)، فهل يعقل من حكمة
الباري
الحكيم اهمال الامة الاسلامية وعدم تعيين تكليف
لهم
((353))
وهل يرضى الحكيم تعالى بالهرج والمرج واختلال
النظام، ام هل يرضى لهم بان يذوبوافي سائر
المجتمعات التي
يعيشون فيها، وان يتخلوا بالتالي عن دينهم
واسلامهم
وشرعهم، ولم يات بشرع قاطع للعذرلئلا تكون للناس
عليه
حجة اذا انقادوا لغير دين اللّه في حياتهم
الاجتماعية
والسياسية المحتاجة الى حكومة ووال؟! ان هذا الامر
لا يتعقل
على الاطلاق. فالمشرع الحكيم قد جعل سبيلا لنا، وكل
ما
علينا فعله هو ان نفتش عن هذاالسبيل.
ج- آيات القرآن واحاديث الرسول (ص) والائمة (ع):
يوجد في القرآن الكريم آيات كثيرة ((354)) تدل على ضرورة
وجود نظام عام يجمع الناس على الحق، ويرفع
عنهم الخلاف
والتناحر والتوتر، ويحقق لهم العدل والرحمة
والسعادة. ومن
الطبيعي الا يكون تحقيق تلك الاهداف، التي
هي اهداف النبوة
والامامة، ممكنا في الواقع العملي دون وجود ولاية
دينية
شرعية يتولاها اناس محددون (اولو الامر)بالاسم
والصفات،
لان هداية الانسان الى كماله وسعادته لا يكون الا
من خلال ندا
الفطرة في داخله او من خلال امرآخر خارج عنه يعمل
على
توجيه مسيرة الانسان والمجتمع نحو كماله الممكن له.
ويبدو
لنا ان هذا الامر الخارجي لايمكن ان يرتكز على
المبادى والقيم
التي توصلت اليها تجارب الانسانية والمجتمعات
البشرية عبر
تاريخها الطويل، اي انه لا يمكن الركون الى
الانسان وحده لكي
يقرر مصيره ويدير شؤون حياته المختلفة، ويحقق
العدل
لوحده وبنفسه باعتبار ان الانسان ظلوم جهول وكفور
((355)))،
حتى وان كان التشريع موجودا عنده، فان مجرد
وجوده لا يكفي لرفع الاختلاف والتناقض، لذلك لابد
من وجود
حكومة عادلة تقف على راس قيادة الامة، وتقوم بادا
مهام رفع
الخلاف واقامة العدل بين الناس.
واما الروايات فكثيرة، وهي على قسمين، كما يؤكد احد
الباحثين:
القسم الاول: ما دل على ان كل ما يحتاج اليه العباد
قد شرع
اللّه فيه تشريعا. ويستفاد في هذا القسم من
الروايات: ان اللّهقد
شرع تشريعا ما في ما نحتاجه في حال الغيبة.
يقول الامام الصادق (ع): «ان اللّه تبارك وتعالى انزل في القرآن تبيان كل شيء حتى واللّه ما ترك اللّه شيئا يحتاج
اليه
العبادحتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في
القرآن
الا وقد انزل اللّه تعالى فيه» ((356)). ويقول (ع) ايضا
نقلا عن
اميرالمؤمنين علي (ع): «الحمد للّه الذي لم يخرجني
من الدنيا
حتى بينت للامة جميع ما تحتاج اليه» ((357)).
يعلق الامام الخميني(قده) قائلا: «واي حاجة كالحاجة
الى
تعيين من يدبر امر الامة ويحفظ نظام بلاد المسلمين
طيلة الزمان ومدى الدهر في عصر الغيبة، مع بقا
احكام
الاسلام التي لا يمكن تنفيذها الا بيد والي
المسلمين وسائس
الامة والعباد».
القسم الثاني: ما دل على ضرورة الامامة في حياة
الناس من
حيث حفظ النظم ورفع الاختلاف، وان هذه الضرورة
لاتنحصر
بزمان دون آخر. يقول الامام علي (ع): «فرض اللّه
الايمان
تطهيرا من الشرك... الى ان يقول: والامامة نظاما
للامة»((358)).
ويقول الامام الرضا (ع) في ما رواه الشيخ الصدوق في
علل
الشرائع وعيون اخبار الرضا (ع) بسنده عن الفضل
بن شاذان:
«فاذا قال: فلم جعل اولي الامر وامر بطاعتهم قيل:
بعلل كثيرة:
منها: ان الخلق لما وقفوا على حد محدود وامروا ان لا
يتعدوا
ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا
يقوم الا
بان يجعل عليهم فيه امينا يمنعهم من التعدي والدخول
في ما
حظر عليهم، لانه ان لم يكن ذلك كذلك لكان احد لايترك
لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما يمنعهم
من
الفساد، ويقيم فيهم الحدود والاحكام.
ومنها: انا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من ملل بقوا
وعاشوا الا
بقيم ورئيس لما لابد لهم من امر الدين والدنيا، فلم
يجزفي
حكمة الحكيم ان يترك الخلق مما يعلم انه لابد لهم
منه ولا
قوام لهم الا به فيقاتلون به عددهم، ويقسمون به
فياهم،ويقيم
لهم جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم.
ومنها: انه لو لم يجعل لهم اماما قيما امينا حافظا
مستودعا
لدرست الملة، وذهب الدين، وغيرت السنة والاحكام،
ولزادفيه
المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبهوا ذلك على
المسلمين، لانا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين
غيركاملين مع اختلافهم واختلاف اهوائهم وتشتت
انحاتهم.
فلو لم يجعل لهم قيما حافظا لما جا به الرسول
لفسدوا
على نحو ما بينا، وغيرت الشرائع والسنن والاحكام
والايمان،
وكان في ذلك فساد الخلق اجمعين» ((359)).
وبذلك يتضح ان العقل والشرع متفقان تماما على ضرورة
اقامة
الحكم الشرعي الاسلامي العادل، وبذل اقصى
الجهدالنفسي
والعملي من اجل تحقيقه على ارض الواقع.
الان، وبعد ان ثبت سابقا انه لابد من قيام حكومة
اسلامية عادلة
تحافظ على نظام الامة، وترعى مصالحها
وشؤونهاالحياتية
المختلفة، وتدافع عنها وعن ارضها وحقوقها وفق
الاسلام.. فانه
يطرح السؤال التالي: هل يحق لاي شخص ان يكون حاكما
وواليا على بلاد الاسلام والمسلمين.. ام ان هناك
شروطا
ومواصفات حددها الشارع المقدس لمن يريداستلام هذه
المسؤولية الرسالية الرفيعة؟! واذا كان الامر كذلك
فما هي
هذه الشروط الواجب توفرها في ولي المسلمين؟!:
ا ان يكون الولي عالما بالقانون الاسلامي
والتشريعات الفقهية
الاسلامية.
ب ان يكون حائزا على شرط العدالة (التقوى والورع)
التي
يظهر من خلالها حرصه الشديد على الالتزام
الشخصي العميق
والتقيد التام بكل الانظمة والاحكام الاسلامية،
باعتبار ان
الفقيه، كما يؤكد الامام الخميني(قده)، ينهض بكل
مانهض به
الرسول (ص) لا يزيد ولا ينقص شيئا، فيقيم الحدود كما
اقامها
الرسول، ويحكم بما انزل اللّه، ويجمع فضول اموال
الناس كما
كان ذلك يمارس على عهد الرسول (ص)، وينظم بيت المال،
ويكون مؤتمنا عليه. واذا خالف الفقيه احكام الشرع،
والعياذ باللّه،
فانه ينعزل تلقائيا عن الولاية لانعدام عنصر
الامانة فيه،
فالحاكم الاعلى في الحقيقة هوالقانون، والجميع
يستظلون
بظله ((360)).
ج ان يمتلك الكفاة الفكرية والعملية الاسلامية
التي تؤهله
لادارة شؤون الامة وقيادتها نحو المواقف
الافضل والاقوى، من
حيث سلامة النتائج المستوحاة على مستوى تحقيق
المصالح
الاسلامية العليا.
د ان يكون مثقفا بالمعنى الحياتي العام، اي ان
يمتلك الوعي
الاسلامي الفعال بشؤون الساعة، سياسيا
واجتماعياواقتصاديا
وحتى امنيا. وان يكون على اطلاع كامل بما يدور في
حركة
الواقع العالمي من احداث ومتغيرات، وما يستجدمن
امور
ومواقع جديدة.
لان ذلك يساعده كثيرا على فهم الاحداث، ويعطيه
الحكمة
المطلوبة في اتخاذ القرارات السليمة، وسلوك
المواقف المناسبة.
ولذلك فان الفقيه، حتى في داخل دائرته الفقهية، لا
يستطيع
ان يبتعد عن قضايا العصر، لانه لابد له من مواجهة
الاسئلة والاشكاليات الكثيرة التي تدور في الساحة
العامة، والتي
قد تكون مطروحة من قبل مقلديه والمؤمنين بنهجه وخطه
في الولاية بالذات، حول القضايا السياسية، وحول
الموقف من
قضايا الانتخاب، والجهاد، والعلاقة مع الحكم
الجائر، مما
لايمكن ان يجيب عليه هذا الفقيه من دون اطلاع ووعي
ودراية كاملة بالواقع المعاش. ويضاف الى ذلك ان
طبيعة
التزام الفقيه بالاسلام كله، على مستوى الطرح
الروحي
والمفاهيمي الذي يطل على جميع قضايا الحياة
الراهنة
الذاتية والموضوعية، يجعل الحاجة الى وعي الفقيه
باحوال
العصر ضرورية وماسة باعتبار القاعدة الموجودة
عنده، وهي
انه «ما من واقعة الا وللّه فيها حكم»، الامر
الذي يفرض عليه
الاهتمام بالجانب الواقعي في الفقه، المتصل باوضاع
الحياة المستجدة التي يواجهها مجتمعنا الاسلامي،
وللملتزمين بالاسلام وفقها التقليد.. وعن هذا
الموضوع
الحيوي كتب آية اللّه السيد محمود الهاشمي (رئيس
السلطة
القضائية في ايران) يقول: «ومنها: فهم الثقافة
والامور الفكرية
والحقوقية المعاصرة الى حد ما. ففي اعتقادي ان هذا
الموضوع
له تاثير كبير في الاعلمية والاستنباط الافضل في
المسائل المستحدثة، او المسائل القديمة التي تطرح
على
المجتمع في صور جديدة، ويبتلى بها المجتمع في شكل
جديد، مثل مسائل البنك، ومسائل الاقتصاد
الاسلامي، ومسائل
القضا في الاسلام، والكثير الكثير من المسائل
الاخرى
المهمة التي يواجهها الانسان في المجتمع الذي
يريد ان يطبق
فقه الاسلام، وهذه المسائل الفقهية وان لم تبلغ من
حيث
الكمية قدر المسائل الفرعية في الطهارة والصلاة
وامثالهما،
ولكن عدم الالمام بالمسائل اليومية، وآرا الخبرا
في
الموضوع،قد يلقي بظلاله على المفهوم في بعض
الاحيان. ان
عدم الالمام قد يوجب الوهن الكبير في الاستنباط،
واستظهار
الفقيه في مثل تلك المسائل» ((361)). ونحن عندما نتحدث
عن خصائص الفقيه الحائز على مسؤولية الولي الفقيه،
والمستلم لمهامها الادارية المختلفة، فانه حري
بنا ان نتحدث
ايضا عن دور الامة في الحكومة الاسلامية من حيث هو
دور
ايجابي منتج لعلاقة وثيقة، ورابطة متينة بين
الحكم والشعب،
ولا يقتصر (هذا الدور) فقط على تقديم النصيحة
للقيادة، او
القيام بواجب الرقابة على افعالها.. بل يتعداه الى
ما يلي:
وما كان للامام (قده) ان ينجح في نهضته الحضارية
لولا
اهتمامه البالغ وحرصه الاكيد على اظهار القدرات
((364))والطاقات
الحقيقية الكامنة في الذات الاسلامية
الاصيلة، واخراجها، بوعي وثقة وايمان، من حيز
القوة النظرية
الى ساحات الفعل العملي المتحرك، والعودة بها من
جديد الى
تنظيم رؤية سياسية واجتماعية تستطيع، في نهاية
القرن العشرين، ان تعود الى المسرح السياسي
والاجتماعي
العالمي بعد ان اصاب الياس الكثيرين الذين اعتقدوا
ان
الاسلام هو دين الماضي البعيد، وليس دين الحاضر
والمستقبل.. او ان الاسلام هو دين ينظم العبادات،
ولا علاقة له
بالشؤون الاجتماعية والسياسية.
من هنا ياتي اعتقادنا الجازم بان اعتماد النهضة
الاسلامية
الخمينية كعنوان اساسي لتطبيق الحاكمية الالهية قد
فتح المجال، على اوسع نطاق، لاستثارة كفاات
الامة وقدراتها
جميعها وتحفيزها، ودفعها بقوة باتجاه المشاركة
الارادية الكثيفة والفعالة في نهضة الاسلام من
جديد، وتحملها
لمسؤولياتها التاريخية.
اذا، ثمة علاقة جوهرية موجودة بين نظرية ولاية
الفقيه وقيام
حكومة ايران الاسلامية على اسسها ومرتكزاتها
وبين استنهاض
عموم قوى الامة، تؤكد، من جانب، على مساهمة هذه
النظرية
بفعالية منقطعة النظير في انجاز هذا النصرالحاسم
لامة
الاسلام جميعها، ومن جانب آخر تؤكد على ان حضور
الامة في
تقرير مصيرها بنفسها، وعودتها الى ينابيع الاسلام
الاصيلة هو
الذي اضاف بعدا جديدا على ذلك النصر، وفرض معادلة
اسلامية «جديدة قديمة» على الساحة،وهي: انه بدون
الامة
يغيب البعد الاساسي في القيادة وولاية الامر.. انه
الشعب
والجماهير الواسعة.
ضمن هذا السياق تاتي الولاية لتؤكد بشكل عملي على
انها
ضمانة حقيقية لتحرير الامة من قيود الاستبداد
والتخلف والسكون الروحي والفكري، وايقاظها من
سباتها
العميق الذي سيطر عليها فترة طويلة من الزمن،
وتركيز
طاقاتها الهائلة باتجاه الفعل الابداعي والحضاري.
وبالمقابل كان
تحرر الامة وتحملها لمسؤولياتها التاريخية ضمانة
لتعزيز
دورالولاية.
اذا، ثمة معادلة متوازنة بين الامة والولاية، بين
تطور الامة
ونهضتها الاسلامية وبين ولاية الفقيه فيها.
فالولاية
والامة ترتبطان الواحدة مع الاخرى، ولا انفكاك
بينهما ما دامت
الحاكمية الال هية لا تعني وجود السلطان الجائر، او
الملك العضوض، او الثيوقراطية، وادعا الحق الال
هي المقدس،
وما دام تحرك الامة هو ليس تحرك شعب مسلوب
الارادة تلعب
به الاهوا والمصالح ضد دينه ومصالحه وفطرته وحسه
السليم
((365)).
وطالما اننا نتحدث عن دور الامة النوعي،وقدرتها
اللامتناهية في سياق علاقتها الوثيقة بمشروع
النهضة
الاسلامي المرتكز على نظرية ولاية الفقيه، لا
يمكننا ان نغفل
عن بعض الكتابات الحركية التي انطلقت الى ساحتنا
مؤخرا،
من بعض الاسلاميين ومن غيرهم، لتشكك بالامة،وتوجه
لها
الاتهامات والادانات، وتنعتها بابشع الصفات
(كالمروق،
والجاهلية، والتخلف... الخ)، وقد افضى هذاالتشكيك
والتجني
المقصود الى اهتزاز العلاقة بين القائلين به وبين
الجماهير،
ووصل الامر تقريبا الى حد انهيار حالة التواصل
بينهما، وانكفا
هذه الجماهير عن ساحة العمل لتتقوقع داخل همومها
ومشاغلها الذاتية.
لكننا عندما نعود الى الخطاب الاسلامي عند الامام
الخميني
الذي انطلق فيه من خلال ولاية الفقيه، نجده يعيد
الثقة وحالة
التواصل التي كانت مفقودة مع الجماهير من خلال
ايمانه
العميق بدور الانسان الاساسي في احداث
عملية التغيير
الاجتماعي.
والواضح ان الامام قد نجح، من خلال انتصار الثورة
الاسلامية
المباركة في ايران، ليس فقط في اعادة مد جسور
التواصل الواعي والعقلاني مع الامة، من خلال فتح
المجال امام
جماهير الامة لتعبر عن تكوينها التاريخي، ومشاعرها
الاسلامية،ومركبها الحضاري الخاص الذي تشكل في
اطار
نسقها الحضاري، وتجاربها، وخبراتها النفسية
والفكرية
المختلفة المتراكمة عبر تاريخ طويل من السلم
والحرب،
والتقدم والتاخر، واليسر والعسر... ولكنه نجح ايضا
نجاحا باهرا
في اطلاق فاعلية هذه القدرة النوعية الكامنة،
والاستفادة
القصوى من زخمها القوي من اجل تحقيق النهوض
الاسلامي المعاصر وانجازه في اقامة اول دولة
اسلامية حديثة
على قاعدة ولاية الفقيه التي استطاع فيها علما
الدين ان
يحققواللامة، من خلال تفاعلهم العميق مع الجماهير
في
امانيها واهدافها الطموحة، الاستقلال، وفك
الارتباط بالخارج،
وكسرحلقات الاستلاب والتبعية لهذا المحور او ذاك،
وتعزيزهم لذلك الود بينهم وبين الامة.
وبهذا المعنى العميق لطبيعة العلاقة الرائدة التي
يجب ان تقوم
بين الامة وقياداتها العلمائية الجماهيرية يقدم
الامام الخميني
النموذج العقلاني الواعي لطبيعة العلاقة التي يجب
ان يقيمها
العلما والمفكرون الاسلاميون مع جماهيرالامة،
وهي علاقة
يجب الا تكون فوقية او استعلائية تشكك بقوى الامة،
وتوجه
لها سهام النقد الجارح غيرالموضوعي، لتثبط عزيمتها
عن
العمل والانتاج.. ولكنها علاقة تكاملية لابد من ان
تتوغل عميقا
لتتامل التكوين النفسي والنسيج التاريخي للامة
لتستفيد منها
وتستثمرها على صعيد تحقيق اهدافها ومبادئها
العالية، لان
هذا الامر وحده هوالذي يمكن الامة، التي تمتلك قدرة
لامتناهية، من الانتصار.
ولا ننسى هنا، ونحن نحلل ابعاد العلاقة وعناصرها
بين ولاية
الفقيه وبين استنهاض الامة وتحررها، ونظهرها، ان
نبحث في
الطرح الفكري الاسلامي الاصيل للامام الخميني (قده)
الذي
ربط، الى جانب ولاية الفقيه، وعدها ضمانة
التحرروتحقيق
الاستقلال والنهوض، بين الوحدة والنهضة، لتكون
العلاقة بين
العناصر الثلاثة (الولاية، النهضة، الوحدة) مترابطة
ومتكاملة
على مستوى النظرية والتطبيق. والواضح ان التجربة
العملية
لتلك العلاقة قد نجحت بنسبة كبيرة جدا،في اثبات صحة
مقولاتها النظرية، واستطاعت خلال العقدين
الماضيين ان
تستنهض الامة، وان تصنع ثورة، وتكون
دولة ومجتمعا، وتبني
صرحا حضاريا وعزا ومجدا في ايران... فكيف ولماذا حصل
هذا
الانتصار؟ ! وما هو المضمون الحقيقي للعلاقة بين
الولاية
والنهضة والوحدة؟!.. لقد ركز النص الوحدوي الخميني،
في
سياق وعيه لاشكاليات المشروع النهضوي الاسلامي
وهمومه،
على ان هناك مشاكل اساسية لم تاخذ بعد موقعها
الصحيح
المميز في الوعي الاسلامي المعاصر، تقف امام
مسيرة الحركة
الوحدوية والنهضوية الاسلامية، وتتجلى في النقاط
التالية:
1 انطفا الطاقة الروحية الكامنة في الذات
الاسلامية
وركودها.
2- تمركز عقدة الخوف المصطنع (من الاخر) في نفوس
المسلمين.
3- التبعية والاستلاب وفقدان الشعور العملي الملتهب
بالهوية
الروحية والثقافية.
لقد ادت تلك العوائق مجتمعة الى اصابة المسلمين
بعقدة
الاحساس بالحقارة والدونية بين امم العالم، الامر
الذي افضى
لاحقا الى تكبيل ارادتهم، وشلهم عن الحركة
والعطا، وبالتالي
انكفا الامة عن الانتاج والابداع، بل وحتى
عن مجرد التامل
والتفكير بتغيير الاوضاع المتردية القائمة، لان
بنا الانسان
معنويا، وتقوية ارادته ووعيه الذاتي
بالاسلام،وشعوره العميق
بهويته المفقودة، مع وجود مشروع هادف ومتكامل
البنى
والعناصر والامكانات، هو الذي يشكل القاعدة
الصلبة، والمرتكز
التكويني الحقيقي، كما ذكرنا سابقا، لاطلاق
القدرات الكامنة
للانسان المسلم واثارتها، وتركيزطاقاته باتجاه
الفعل الخارجي
المبدع، بعد تحريره من قيود الخوف الوهمي المصطنع
والمضخم في الدوائر الظالمة(محليا وعالميا).. وهذا
ما يؤكد
عليه امامنا الخميني(رض) في نصوص كثيرة تفيض بمعاني
النهضة الواعية، وتكشف النقاب عن اهمية الطاقة
الروحية
الانسانية ودورها في مواجهة تعقيدات الواقع،
وازمات الحياة
الاسلامية الراهنة.. يقول(قده): «ان من اعظم
الخيانات ان
يجعلوا طاقتنا الانسانية متخلفة، ويحولوا دون
اصلاحها
ونموها». وهذه هي مهمة الاسلام الاساسية في انه
«يربي
الانسان ليكون انسانا في جميع الحالات»، لان بنا
الانسان
الصالح والواعي من الداخل هو الركيزة الحقيقية
لبنا العالم
الخارجي.. «يمكن لانسان صالح واحد ان يربي عالما
باكمله،
ويمكن ان يجر انسان فاسدطالح العالم الى الفساد» ((366)).
والواضح ان اكتمال الانسان السليم لا يتم الا
بالقضا التام على
الشعور المرضي بالخوف من الاخر. هذا الخوف الذي
لايزال
يتحكم بنفسية الانسان المسلم ويسيطر عليها.
ونحن نعتقد، في هذا الاطار، ان بعض الانظمة
السياسية
القائمة التي توزعت في منطقتنا اثر خريطة سايكس
بيكو،ومعاهدات الاستقلال، تساهم مساهمة فاعلة في
ممارسة
النهج النفسي الضاغط ذاته الذي مارسه الاستعمار
قبلها، واراد
من خلاله تحطيم نفسيات الشعوب المستضعفة، وقتل
ارادة
النهوض والاستقلال والحرية لديها عبر
ممارسة اساليب القمع
والكبت والقهر، واتباع سياسة كم الافواه، وكتم
الانفاس،
وملاحقة الصلحا والمعارضين، وانتهاك كرامات
الناس بطريقة
منهجية وقانونية منظمة.
من هنا جا تركيز الامام الخميني في نهضته الوحدوية
الرائدة
على تحرير الانسان، وتطهير الشعور من هواجس
الخوف،وتاكيده على ضرورة ان تتجه جهود المخلصين في
اي
بلد صوب الشعوب وعموم الناس لتهديم مرتكزات الهيبة
الزائفة للقوى السلطوية الظالمة المحلية
والعالمية، واعادة
الثقة بالذات الاسلامية ((367))... يقول الامام الخميني
(قده):
«عليكم ان توقظوا ابنا الامة التي ركزوا في ذهنها
خلال سنوات
متطاولة عدم امكان معارضة امريكا او الاتحاد
السوفيتي(السابق)، ولا زالت هذه الدعاية راسخة في
الاذهان..
عليكم ان تفهموا الجماهير ان هذا الامر ممكن، وخير
دليل
على ذلك ما وقع في ايران».
والامر لا يقف عند حد الخوف من الاخر، بل يتكرس بشكل
اكبر
واوسع من خلال عقدة الانبهار الاعمى بجميع ما
هواجنبي او
بالتحديد «غربي»، والاستهانة، الى درجة
الاستهزا المستفز،
بجميع ما هو شرقي وعربي او بالتحديد«اسلامي». وقد
تاطرت
هذه العقدة في الواقع الاسلامي المعاصر من خلال
تاثيراتها
السلبية على الوعي، وفي السلوك الاجتماعي
والسياسي العربي
والاسلامي ايضا، حيث ادت الى ايجاد فصل حاد وخطير
بين
القدرة والطاقة التي توافرت عند المسلمين، وبين
واقعهم
المنقسم والمفكك من خلال قعود المسلمين انفسهم عن
العمل، وانتظارهم السلبي لكل شيء من عالم الغرب،
كما
واشاعت (تلك العقدة) بعض المفاهيم الاستلابية التي
عطلت
ممكنات الحركة، وعمقت الاحساس الجامد بالامر
الواقع الراهن
الذي انغرست فيه، بقوة، الانظمة السياسية
التغريبية بمختلف
اتجاهاتها،وتياراتها، ومرجعياتها الفكرية التي
اوصلت مسيرة
الامة الى الغايات والاهداف نفسها التي رغبت
بتحقيقها
الادارات السياسية الغربية في واقعنا الاسلامي.
وهنا يعبر الامام الخميني عن هذه العقدة، ويتابع
آثارها
النفسية والسلوكية، في نصوص كثيرة نختار منها النص
التالي:«نسي المسلمون الشرقيون مفاخرهم كلها
ودفنوها..
نسبوا كل شيء الى الغرب.. نقلوا الينا كل موضوع من
الغرب..
لقدنسينا انفسنا حقا وجلسنا مخلوقا غريبا في
مكاننا!».
ونقرا في نص آخر للامام الراحل رؤيته الموضوعية
الخاصة
بتجاوز تلك العقدة، وتحرير المسلم من نتائجها
وتراكماتهاالتاريخية السلبية التي لا تزال تتكدس
بعضها فوق
بعض حتى الان، وذلك من خلال:
ا تحقيق الانتما الرسالي الفعال الى الدائرة
الاسلامية (العودة
الى الذات الاصلية).
ب- التمرد على الضغوطات الغربية، ووجوب مواجهتها
ومقارعتها (بحسب الواقع والامكانات) ((368)).
ج- تحقيق الحسم السياسي والاجتماعي الداخلي (تغيير
انظمة التبعية والتغريب والاستلاب).
د- البدء الفوري باجراات احلال النظام الاسلامي
كبديل
للانظمة القائمة.
يقول (رض): «يتوجب على الاشخاص الموجودين في البلاد
الاسلامية، من اولئك المعتقدين بالاسلام الذين
تنبض قلوبهم
من اجل شعوبهم، ويريدون خدمة الاسلام، يجب ان ينهض
كل
واحد منهم ببعث شعبه من الداخل لكي تعثرشعوبهم على
ذاتها التي افتقدتها، ذلك ان الشعوب التي فقدت
ذواتها فقدت
في الحقيقة بلادها».
ويبدو ان تحقيق الاستقلال الروحي والفكري، بوصفه
شرطا
اوليا مسبقا لتحقيق الاستقلال السياسي
والتنموي والحضاري
من خلال العودة الى الذات، ووعي طبيعة متغيرات
الحياة
وتحولات الواقع الداخلي الذاتي والموضوعي، يشكل
عند امامنا
الراحل(قده) المعادل النفسي البديل الذي يقضي على
المحتوى النفسي للعقدة، ويجهز عليها، ليحل محله
الاعتزاز
بالانتما والهوية مكان الاعتزاز بالغرب والشوق
اليه والى حمل
((369)).
على اننا نلاحظ، في هذاالمجال، ان وعي الامة هويته
لذاتها وحضارتها لا تقوم، في اطروحة الامام (قده)،
على بدائل
مفتوحة على نهايات غيرمحسومة لا عد لها ولا حصر،
وانما
شرط الاستعادة هو ان تتم بالاسلام المحمدي الاصيل
(ولاية
الفقيه) الذي يعتبره امامنا النظام العقلاني
الموضوعي البديل
عن انظمة القهر والظلم والتبعية التي ساهمت، بحكم
تبعيتها
واستلابهاوتماهيها مع الذات الاستعمارية الغربية،
في زيادة
حالة الفشل والافلاس لمشاريعها السياسية
والتنموية، وذوبان
الهوية، وترسيخ الانماط التبعية للمركز والمحور
الغربي، الامر
الذي جعل هذه الظواهر وغيرها، مجتمعة، تساهم في
تعميق احساس الشعوب الاسلامية المستضعفة بالعجز
عن
التغيير المنشود، ما دام شعورها ملتهبا بضرورة
الالتحاق
والذوبان الكامل بالغرب كمشروع انقاذي وحيد.
وبالنظر الى ذلك استطاع الامام الخميني (رض) تحقيق
نهضة
اسلامية راشدة وناضجة، اكسبت الاسلام المعاصر
قوة محركة
ودافعة باتجاه تجسيد قيم الرسالة الاسلامية
ومبادئها على
ارض الواقع المعاش، في محاولة جادة
ومسؤولة لاعادة الحياة، وبث الروح في طروحاته الرسالية التي كاد الزمن يضعها طي
الكتمان والنسيان. كما واثبت، في الوقت نفسه، ان
الفكر
الاجتماعي الاسلامي قادر، بل هو المؤهل حصرا، على
قيادة
السفينة الى بر الامان، لانه يمتلك، كمااكدنا
سابقا، ديناميات
الحركة والتحول الذاتي الخاص بالدوافع الروحية
والعملية
لمشاعر جميع العرب والمسلمين واراداتهم على طريق
التحرير
والتنمية ((370)) والتحديث.
لكن هذا الاسلام العظيم الذي يزودنا بكل هذه
التجربة
والمرجعية التاريخية الفنية، ويمتلك تلك القوى
والديناميات المحركة للفعل والابداع الحضاري، لا
زال في بداية
حركته حتى بعد ان تشكلت له قاعدة استراتيجية غنية
في
ايران اليوم، وهو يواجه حاليا تحديات كبرى داخلية
وخارجية،
ولذلك فاذا لم نعمل على تحويله، بهدوء وحكمة،
الى مشروع
عام لجميع الناس فانه سيبقى عاجزا ومحدودا في آفاق
ضيقة،
يلجا الى اتباع سلوكية التبرير والتسويغ التي
لايمكن ان تبني
له قوة جديدة في عالمنا المعاصر، الامر الذي سيفقده
تدريجيا
مقدرته الحقيقية على طرح نفسه بوصفه مشروعا
تغييريا
وانسانيا عالميا لجميع الدوائر الحضارية
الانسانية.
من هنا كان لزوما علينا ان نوثق الصلة اكثر، كما
نؤكد دائما،
بين الاجتماع الديني والسياسي، ليكون الدين
مسؤولامسؤولية
مباشرة عن حياة جميع الناس وهمومهم (صغيرة كانت ام
كبيرة). وهذا الامر لن يجد له طريقا في
مسارات الواقع
المختلفة اذا لم نبتعد عن اعتبار الدين مجرد امور
روحية
طقوسية بعيدة عن قيم الشرع ومبادى
الاسلام،وحاكميته الال
هية في ضرورة احتوا الديني للاجتماع والسياسة..
احتوا
الوعي والحكمة والتوازن.
وهذا الامر، في تصوري، ضروري وحيوي جدا للنهوض
بواقع
الاسلام والمسلمين اليوم، لانه يستجيب
للعلاقة العضوية
الكائنة بين الدين والتاريخ والشريعة من ناحية،
وبين الزمان
والمكان من ناحية ثانية، بما يؤدي طبيعيا، كمايقول
بعض
المثقفين، الى «دينية الحكم وفقهنة السلطة»،
وبالتالي نفي اية
امكانية عقلية او شرعية لسلطة مدنية خارجة عن
المحتوى
الديني الشرعي، اللهم الا اذا خرجنا عن منظومة
المفاهيم
والتصورات الحضارية الاسلامية الى منظومات فكرية
اخرى
ترجع الى انسقة حضارية ومعرفية مغايرة للاولى.
من هنا يبدو لنا ان تركيز الامام الخميني(قده) على
المكانة
العالية للحكومة الال هية والولاية المطلقة ((371))،
يفضي بالضرورة الى ابراز الدور المنوط، اساسا،
بالسلطة الدينية.
وهذه العلاقة العضوية تجعل من غير الممكن ان
يتشكل اجتماع
سياسي شيعي من دون دور اساسي وحقيقي للولي الفقيه
الذي يقف على راس السلطة، والذي يعد شرطالاستقرار
البنا
والهيكل السياسي الاسلامي الشيعي، اضافة الى كونه
شرطا
اساسيا لتوازن الدور المجتمعي للاسلام المحمدي
الاصيل.
ولا شك بان الطريق نحو تحقيق تلك الاهداف ليست سهلة
لان الزمن يمر بسرعة، ونحن لا نزال نقف، بالرغم
من تحقيق
بعض الانجازات الاسلامية الطموحة، في المواقع
المتاخرة،
ونعيش حالة من السكون والاسترخا والكسل في عالم
متحرك
يضج بالاصوات النافرة والناشزة، حيث لا مكان فيه
الا للانسان
(او المجتمع او الامة) الذي يتحرك،ويقدم، ويضحي. لقد
ادخلت تحولات الحياة الصاخبة التي نعيشها حاليا
كثيرا من
الانماط والمفردات الجديدة، كمياونوعيا، على
مفاهيم الحياة
القديمة ومبادئها، واستبدلتها بمفاهيم عمل وانظمة
وقيم
جديدة بين الناس والامم. والاهم من ذلك كله هو انه
قد حدث
خرق كبير وعميق، غير مدروس، في نوعية القيم
والثقافات
والمبادى التي كانت حاكمة،وما زال بعضها الاخر
حاكما.
وهذا ما يتطلب منا نحن المسلمين ، بطبيعة الحال،
ان نكون
على قدر التحدي والاستجابة المتانية والواعية
لجميع هموم
العصر واشكالياته وتحدياته ((372))، على مستوى مقابلة
تلك
التحديات بمفاهيم وقيم اسلامية اصيلة قادرة
على اثبات
جدارتها في ساحة الحياة.
لقد بدا الامام الخميني (رض) المسيرة، وعلينا نحن ان
نستكملها بالسير على الطريق بحذر وهدوء وثبات، ولا
شك
بان هناك كثيرا من العواصف والرياح العاتية التي
ستكون
بانتظارنا هنا وهناك. لذلك فالمطلوب هو النزول الى
ارض
الواقع، والبدء باجراات العمل الجدي على جميع
المستويات
والاصعدة. لان من يعمل باخلاص وصدق ومسؤولية
عالية امام
اللّه تعالى، وامام الاجيال الطالعة سيصل، بالرغم
من وجود تلك
العقبات العظيمة، الى مبتغاه في نهاية المطاف.
اذا.. المهم ان ننطلق بالعمل من الان.. فهل نبدا
بالسير على
تلك الطريق.. ام ننتظر؟!.. (وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون). ولاية الفقيه بين الاطلاق
والتقييد
فالامام الراحل كلل نظريته في الولاية المطلقة
للفقيه،
ومشروعية تشكل حكومة اسلامية، بنجاح مشروعه الثوري
الذي اسفر عن ثورة شعبية رفعت فكرة تحكيم الاسلام
في
الحياة عاليا، ونادت الملايين بحكومة الولي
الفقيه.
ولقوة الامام ونفوذه وتربعه على قلوب الملايين في
ايران
وخارجها اصبح لمنهجه السياسي وبرنامجه قداسة
كبرى،نظرا
لما جسده من نزاهة وسمو وتفان واندكاكه في الاسلام
وانسانيته.
غير ان الجدل سرعان ما احتدم حول هذه النظرية بعد
غياب
اعظم مصداق لها، وبدات الصحافة تتحدث علنا عن جدوى
ولاية الفقيه، وبدات الى جانب ذلك حالة من الاصطياد
في
الما العكر.
كما اثير الغبار حول مفهوم الولي المطلق الذي حاول
بعضهم
ان يجعله رديفا للحاكم المطلق.. وهو ناجم، ولا شك،
عن اشكالية في العنوان فقط، فولاية الفقيه، وفي
اوسع دوائرها
وهي حكومة النبي (ص)، لا تعني الحكم المطلق،
فالنبي(ص)
ظل ملتزما في دائرة «الحكم بما انزل اللّه»، بل ان
الاسلام
ينهض على فكرة «حاكمية اللّه» ، فاللّه وحده هو
الحاكم،وهو
احكم الحاكمين.
وفي الجمهورية الاسلامية تشكل ولاية الفقيه جزءا
من مواده
الدستورية، كما ان الولي الفقيه، الذي يعد مرشدا
عاماللبلاد،
منتخب من قبل الشعب، فهو يمثل ارادة الامة، فالامة
انتخبت
مباشرة «الخبرا»، والخبرا انتخبوا
القائدالاعلى.
على ان الانتخابات الرئاسية الاخيرة افرزت تيارا
ينادي
بحاكمية الشعب، وحاكمية الشعب، في الواقع العملي،
تعني حكم الاكثرية، بما تنطوي عليه من هضم حقوق
الاقلية
اذا ما امسكت الاكثرية بزمام الحكم، ومصير البلاد.
ومن هنا ينبغي التاكيد على مسالة هامة، وهي ان
حاكمية
الشعب وراي الامة يجب ان تتحرك ضمن دائرة الشرعية،
وان حاكمية الشعب يجب ان تتوقف في حدود حاكمية
اللّه...
فهناك اذن حدود متفق عليها من الامة التي نهضت
باعباالثورة وشكلت الحكم الجديد، كما ان الدستور،
الذي
صادق عليه الشعب عبر نوابه، يؤكد حاكمية اللّه، وان
الشريعة الاسلامية هي قانون البلاد.
ومن هنا، لا يوجد تناقض في التركيبة القيادية
للبلاد عبر
مؤسساتها التشريعية والادارية، وبخاصة بعد تشكيل
«مجمع تشخيص مصلحة النظام». وهذا ما يؤكده رموز
الثورة
والدولة بلا استثنا.
وان ما يحدث من جدل يعود اساسا الى مشاعر نفسية في
البحث عن بطل يستوعب هموم الامة وهواجسها،
فليس المطلوب من الطبيب ان يشخص دا المريض ويكتب
له
وصفة علاجية ناجعة فحسب، وانما المطلوب الى
جانب ذلك
الالتحام معه والاخذ بيده وانقاذه.. كمال السيد دراسة في ولاية الفقيه المطلقة البحث في صلاحيات ولاية الفقيه وحدودها ودائرتها من الدراسات الهامة بعد التسليم باصل ولاية الفقيه والايمان بهااساسا، ولكن السؤال هنا الى اي مدى تتسع هذه الولاية؟
|
|---|