الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ويمكن الاشارة هنا الى ان عددا من كبار علماء الامامية قالوا بالولاية العامة للفقيه مثل صاحب الجواهر والمحقق الكركي، وحددها غيرهم بموارد خاصة، وقالوا بان فحوى الادلة اللفظية يمكن ان تقوي بمجموعها القول بالولاية العامة، لكن وكما يقول صاحب كتاب «ما وراء الفقه» السيد محمد الصدر في باب القضاء، «غير انه من المعلوم ان مثل هذا الاستدلال لا يثبت الولاية العامة على سعتها، لانه مضمون اجمالي، يؤخذ منه بالقدر المتيقن، وهو اثبات الولاية بشكل جزئي لا مطلق»، لكن اذا ضم هذا المعنى الاجمالي لرواية عمر بن حنظلة التي تبت سندا ودلالة في الحجية على الولاية «امكن ان تكون حجة في اثبات اطلاقه.. فيكون دليلا تاما على الولاية العامة»، والذي يراجع البحوث الخاصة بهذه المسالة المهمة، يجد الكتاب حافلا باستعراض اقوال العلماء ومناقشتها والرد عليها او اظهار المقصود منها، كل ذلك في سبيل تقوية القول بالولاية العامة للفقيه وهو صلب البحث وهدفه.

وتجدر الاشارة هنا الى وجود تشابه كبير في الصلاحيات التي اعطاها فقهاء المذاهب الاسلامية للحاكم سواء اكان فقيهاام غير ذلك. فالصلاحيات، او وظائف الحاكم عند الماوردي وابي يعلى الفراء الحنبلي، لا تكاد تختلف عما ذكره المؤلف وغيره من علماء الامامية، بالاضافة الى وظائف معينة لها علاقة بالخصوصية المذهبية، وفي الكتابات الاسلامية السياسية المعاصرة، نجد الكثير من هذه الصلاحيات مع اختلافات واقتراحات وشروط وتقييدات ليس هنامكان بسط القول فيها.

لكن اشرنا الى ذلك لاهميته في تكامل النظرية السياسية الاسلامية انطلاقا من الاستفادة من تراث جميع المذاهب والفرق الاسلامية، ما دامت هناك حاجة مشتركة بين الجميع يمكن اعتبارها ارضية لانطلاق البحث من اجل التاسيس والتاصيل، وهذا ما نحن بحاجة ماسة له.

ولاية الامة على نفسها في الميزان نصل الان الى القسم الثاني، اي الى المباحث الخاصة بنقد نظرية ولاية الامة على نفسها. يرى المؤلف، في هذا الصدد،ان منشا هذه النظرية يعود للفكر السني ومدرسة الخلافة الرافضة للقول بالتعيين والنص الالهي على ولاية الامام علي بن ابي طالب (ع)، لكن ظهر في العقود الاخيرة من يروج لها داخل الدائرة الشيعية الامامية، باعتبارها الصيغة الثانية للمشروع السياسي الشيعي في زمن الغيبة.

تنطلق هذه النظرية من مسلمة عقلية وشرعية، وهي ان لا ولاية لاحد على احد الا من ثبتت ولايتهم، مثل النبي (ص)والائمة المعصومين (ع)، و«لا وجود لنص يدل على ولاية الفقيه العامة، وان دليلها يصنع من اجراء دليل الحسبة، وان دليل الحسبة لا يجري اساسا لاثبات ولاية الفقيه». من هنا ينطلق البحث حول نظرية ولاية الامة على نفسها، اما ادلة القائلين بها ومرتكزاتهم فهي: دليل البيعة، سيرة الرسول (ص)، دليل الشورى، السيرة العقلائية، قاعدة السلطنة، نظرية العقد، خلافة الانسان، ولاية عدول المؤمنين، الخطاب في القرآن للامة.

بالمنهج الاستدلالي نفسه الذي عالج به ادلة ولاية الفقيه، يناقش المؤلف الوجوه التي يمكن ان يستدل بها من خلال الادلة والمرتكزات المذكورة وما يمكن ان يستند اليه من شروح وتفسيرات لترجيح ولاية الامة على نفسها، ومع جريانه يمتنع جريان دليل الحسبة. لقد ناقش المؤلف كل وجه ودليل في فصل خاص به، وختم الباب بفصل ناقش فيه النظرية بشكل عام.

ومختصر الردود ان البيعة لم يثبت كونها سببا شرعيا لاثبات ولاية شخص ما، سواء كان هذا الشخص معصوما ام لا. ولايمكن اعتبارها وسيلة لانشاء ولاية للحاكم لا على سبيل التاسيس ولا على سبيل التاكيد. وقد يراد بها الانتخاب كماحدد سابقا، باعتباره كشفا واختيارا للافضل المتوفرة فيه الشروط المحددة سلفا من طرف الشريعة. اما الشورى فالتامل في ادلتها يوصل الى اهمية استشارة الحاكم وضرورتها لمن حوله من ذوي الخبرة والاختصاص، وكما يقول المؤلف:«يمكن القبول بالشورى على مستوى القيادة كخيار من الخيارات بناء على نظرية ولاية الفقيه». واما بالنسبة لقاعدة السلطنة، وان الناس مسلطون على انفسهم واموالهم، وان الحكم شان من شؤونهم، ليس لاحد ان ياخذه بغير رضاهم،فالجواب ان هذه السلطنة غير مطلقة الا بمقدار تسليط اللّه تعالى لهم، لهذا قيدت الشريعة عددا من التصرفات، ومنها ان الامة ليس لها حق ان تنشى الولاية ابتداء لاي حاكم من دون الاعتبارات التي حددتها الشريعة.

لن نسترسل في تتبع الردود والاستدلالات النقدية الهادمة لنظرية ولاية الامة على نفسها، وانما استعرضنا بعض الوجوه النقدية لنكشف عن العمق الاستدلالي العلمي والبحثي الذي اوصل المؤلف الى القول بان بعض اوجه الاستدلال على ولاية الامة على نفسها تصلح لان تكون ادلة معتبرة على ولاية الفقيه، وبالتالي لا يمكن اعتبارها نظرية سياسية متكاملة في مقابل النظرية الاولى، اي ولاية الفقيه العامة.

اشكالات ترد على ولاية الفقيه العامة ناقش المؤلف عددا من الاشكالات التي ترد القول بالولاية المطلقة للفقيه وصلاحياته الواسعة، مثلا ما يروج له بعضهم من ان هذه الصلاحيات الكبيرة قد ينجم عنها استبداد وديكتاتورية، والجواب على هذه الشبهة يحتاج الى استحضاربعض المقدمات، فالولي الفقيه هو اول من يخضع للشريعة واحكامها وقيمها، ومهمته هي الاشراف على تطبيقها،والدعوة الى الالتزام بها وتطبيقها على نطاق اجتماعي واسع، والولي الفقيه لا يحكم بهواه وانما وفقا للشريعة، وفي الموارد التي تتطلب الاجتهاد، فهو يبذل جهده الكافي لتشخيص الواقع بدقة، ثم يستنبط له الحكم المناسب.

اذن فالعلم بالشريعة والاجتهاد المعتبر، علاوة على الكفاءة والعدالة والورع واستشارة ذوي الخبرة والاختصاص، كل ذلك يجعل السقوط في الدكتاتورية مستبعدا، بل مستحيل.

«نعم كما يقول المؤلف نحن نعترف بان العدل في ظل ولاية الفقيه نسبي ولا يمكن تحقيق العدل الكامل في عصرالغيبة، لكن هذا شيء لا يتنافى مع كون هذا المبدا افضل طريق يمكن اعتماده في عصر الغيبة كضمان لحقوق الامة الى ان يظهر ولي الامر (ع)...».

هناك قضايا اخرى ناقشها المؤلف، وهي في الحقيقة مباحث علمية مهمة لابد منها لتكامل النظرية والاجابة عن مجموعة من الاسئلة التي يطرحها الوسط العلمي الحوزوي قبل غيره، لانها اشكالات مدرسية حوزوية، مثل بعض اوجه الخلاف بين علماء الامامية حول ولاية الفقيه العامة، وطاعته مع اعتقاد خطئه، ووجوب الاستشارة عليه، ومسالة الخمس، ووحدة الولاية وتعددها، وعلاقة الولاية بالمرجعية، ومركزية السلطات.

وما توصل اليه المؤلف من استنتاجات وخلاصات، لا يعد نهائيا، لان البحث في هذه المطالب يعد جديدا، او يحتاج الى المزيد من البحث والمعالجة. والمؤلف يعترف باهمية استمرار البحث في هذه المطالب، فالانصاف كما يقول «ان الاشتغال بهذه المطالب يشكل تاسيسا لنظرية ربما تحتاج الى سنين حتى تستقر بحيث تكون واضحة المعالم من جميع الجوانب والتفاصيل من جميع الجهات..».

الانتظار الايجابي لم يكن باستطاعتنا ان نتحدث عن جميع المباحث والمواضيع التي عالجها هذا الكتاب، لانها كثيرة ومتفرعة، وقد اشرنافي البداية الى عدد الابواب والفصول التي احتضنها هذا البحث التاصيلي في المجال السياسي، لكننا حاولنا ان نقدم مستخلصات لبعض المباحث المهمة، ليتسنى للقارى الاطلاع على مضمون هذه المباحث ومنهج الاستدلال المتبع لدى المؤلف، وهو من علماء الامامية المعاصرين ومدرس في الحوزة العلمية، ولذلك اهميته الكبرى، لان المباحث جاءت على غرار مثيلاتها في ابواب الفقه الاخرى، وهذا ايذان بعودة الروح والفاعلية لهذه الابواب التي اهملت طويلاداخل الاوساط والمدارس العلمية الاسلامية بشكل عام.

طبعا هناك كتابات كثيرة ظهرت خلال العقود الثلاثة الاخيرة تتحدث عن النظام السياسي الاسلامي، لكن يغلب عليهاالطابع الثقافي العام، وايراد الادلة الاجمالية والعامة على ضرورة الحكم الاسلامي، ومواصفات الحاكم الاسلامي. لكن البحوث التاصيلية الجادة والعميقة والتي تحاول فعلا ان تكشف عن نظرية سياسية متكاملة يمكن تقديمها للمجتمع الاسلامي، تظل قليلة وفي حكم النادرة وخصوصا في الدائرة السنية. من هنا تنبع اهمية هذا الكتاب باعتباره بحثاتاصيليا مفصلا في هذا المجال. لكن هناك ملاحظات يمكن اخذها بعين الاعتبار اثناء البحث في مجال التاصيل للنظرية السياسية الاسلامية، ومنها: هاجس الخوف، الذي يتحكم بلا شعور الانسان المسلم ويوجهه، من اي نظام سياسي، بسبب قرون من الاستبدادوالطغيان، وامتداد ذلك الى الازمنة المعاصرة وما نجم عنه من وجود ما سماه الشيخ النائيني بالقوى الملعونة، اي تلبس قلوب الاكابر واشراف المجتمع، ومن بينهم علماء وفقهاء، برذيلة الاستبداد وقبولهم به ودفاعهم عنه وايجادالمسوغات الشرعية له. ما كون حالة من الياس تسود وتعم، لذلك فلابد من اعتبار هذه الحالة التي اصابت حتى الفئة الواعية والمثقفة، والاهتمام بالاسئلة والاشكالات التي يمكن ان تطرح نتيجة لذلك، وعدم اهمالها بحجة ما، خصوصاونحن نتحدث عن التاصيل والشرعنة للنظريات، ولا يخفى على احد ان جميع الانظمة الاستبدادية ادعت وادعي لهاالشرعية، لكن بقيت الفئات العريضة من المجتمع، ومعها الطبقة المحترمة من العلماء والفقهاء والمفكرين، لا تؤمن باي شرعية مختلقة ومزيفة. لذلك حتى لا يتم الخلط، لابد من الاهتمام بالتاصيل بعيدا عن المساجلات السياسية والاختيارات الشخصية، لان تداعيات البحث والتاصيل لها علاقة مباشرة بالحقيقة اولا واخيرا. ولا يؤثر فيها نجاح انموذج واقعي معاصر او فشله، لان النجاح او الفشل، لهما معطيات خاصة، اضافة الى قوة النظرية وقربها من الحقيقة.فقوة نظرية الامامة المنصوص عليها مثلا ليست مكتسبة من خلال التطبيق الواقعي كما هو معروف، وانما من الادلة النقلية والعقلية. لذلك فالموضوعية العلمية تقتضي مراعاة هذه الهواجس والمخاوف ومعالجتها بمنهج علمي رصين.بالطبع يستثنى من ذلك الانتقادات التي تنطلق من ايديولوجية مناهضة للنظرية جملة وتفصيلا، لكن يمكن الاستفادة كذلك من هذه الانتقادات لمعالجة جميع الشعارات المحتملة في النظرية. والافكار النقدية يمكنها ان تكون عوامل منعشة ومنبهة لاية نظرية او فكرة وتدفع بها نحو التكامل.

لذلك لا خوف على نظرية ولاية الفقيه من النقد، اما استنجاد الخصوم باي اخفاق على المستوى الواقعي فهذا كذلك لايمكن ان يشكل خطرا على النظرية ما دامت متماسكة فكريا وقوية على المستوى النظري والعلمي، وكما قلنا سابقافللاخفاق معطياته الخاصة. واي ازمة اقتصادية مثلا يمر بها الاقتصاد الايراني لن تكون بسبب نظرية ولاية الفقيه وانمابسبب الحصار الدولي والحرب الاقتصادية الموجهة ضد جمهورية شعارها «لا غربية ولا شرقية» ونحن نعلم ان معظم الدول الاسلامية تعيش ازمات اقتصادية خانقة، وهذه الدول تتبنى انظمة سياسية مختلفة لا علاقة لها بنظرية ولاية الفقيه من قريب او بعيد، هذا مثال نضربه ونحن نشاهد الاعلام الغربي يتصيد الاخفاقات والعثرات ليدعي بان الاسلام ونظرياته في جميع الميادين لا تصلح للحياة المعاصرة ولا تمكن المجتمعات الاسلامية من التقدم الذي تنشده.

اذن، لابد، اثناء اي محاولة للتاصيل العلمي الحقيقي، من ان يتم الاهتمام بجميع الاسئلة والاعتراضات والاجابة عليهاومناقشتها لاثبات جديتها او تهافتها وللكشف كذلك عن خلفياتها الايديولوجية ان وجدت. ويبقى الرد العلمي المعززبالادلة والبراهين هو السبيل الوحيد للدفاع عن اية حقيقة نسبية او مطلقة.

واخيرا، نرى ان الكل مطالب بالبحث والتاصيل في زمن الغيبة، ليس فقط التاصيل في المجال السياسي، ولكن في عددمن المجالات الغامضة والتي تحتاج الى المزيد من التفصيل والمعالجة مثل نظريات الاسلام في مجال الاقتصادوالاجتماع والتربية والثقافة والفنون. ويجب ان يقوم بذلك الفقهاء وذوو الاختصاص، لانهم اقدر الناس على ذلك. ولان كتابات المثقفين والمفكرين كما نعلم غارقة العموميات والعناوين الكبرى، فالاسلام هو الحل، لكن كيف؟ وهذا الكيف يجب ان يستنبط من مصادر الاسلام المعتبرة، حتى يمكن تقديمه للناس باعتباره انتاجا اسلاميا يمكن الاطمئنان الى شرعيته والاخذ به.

ان الزمن هو فعلا زمن الغيبة، فلا وجود للرسول (ص)، ولا للامام المعصوم (ع)، والبحث مستمر في غير بلد عن الولي والحاكم الكفؤ والعادل، والاستبداد ينشر ظلاله السوداء القاتمة في مجمل مناطق العالم الاسلامي، ولا احد يعرف طبيعة الانظمة السياسية الحاكمة الان، فمنها ما يدعي الديمقراطية، ومنها ما يدعي انه يحكم بالقرآن والسنة، ومنها مايدعي الجمع بين نظريات متناقضة، لكن جميع هذه الدول تحتل راس القائمة في جميع تقارير المنظمات الحقوقية العالمية حول انتهاك حقوق الانسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخ...

والمجتمعات الاسلامية تنتظر المخلص، لان الايمان بالامام المهدي المنتظر(عج) عقيدة اسلامية عامة لا تخص الشيعة الامامية وحدهم. لكن الانتصار قد يطول سنوات او عقودا من الزمن، لذلك فالعقل والشريعة والواقع كذلك، كل هذه المعطيات دفعت بالمجتمع الشيعي الامامي، وعلى راسه فقهاؤه، لجعل هذا الانتصار ايجابيا عن طريق التفكير في اقامة الدولة الاسلامية والعمل من اجل التمهيد لهذا الظهور المرتقب، وهذا ما تنشده وتحاول القيام به نظرية ولاية الفقيه على المستوى الواقعي الان.

«قراءات»

قراءة متجددة في رسالة الامام الخميني الى غورباتشوف د. محمد طي بتاريخ الثاني والعشرين من جمادى الاولى، سنة 1409ه، ارسل قائد الثورة الاسلامية الامام روح اللّه الخميني (قدس سره) رسالة الى غورباتشوف، رئيس السوفييت الاعلى للاتحاد السوفياتي، الذي كان يقوم بمراجعة للنظام السوفياتي،حاثا اياه على التفكير في قضية وجود اللّه عز وجل، وعلى التعرف الى النظام الاسلامي الذي يحمل الحلول للمشاكل البشرية كافة، ومبينا له خطورة الانجرار الى النظم الراسمالية التي تعاني هي الاخرى من مشاكل لا تقل خطورة عمايعاني منه النظام الاشتراكي نفسه.

وهذه الرسالة طرحت عددا من الاسئلة سنتولى، باذن اللّه، محاولة مناقشتها في ما ياتي، معتذرين سلفا عن التقصيرالكبير الذي لابد من ان يعتري هذه المحاولة.

من الاسئلة التي تطرحها الرسالة: اولا: لماذا كلف الامام الخميني نفسه بارسال هذه الرسالة؟ ولماذا لم يتكلف غيره هذه المهمة؟ ثانيا: لماذا ارسلت هذه الرسالة الى «غورباتشوف» نفسه، ولم ترسل الى الاخرين من القادة في العالم؟ ثالثا: لماذا ارسلت في تلك الاونة بالذات ولم ترسل غداة انتصار الثورة الاسلامية مثلا؟ رابعا: ما هي اهمية هذه الرسالة، وما هو الجديد الذي حملته؟ اولا: مرسل الرسالة ان الدعوة الى الاسلام هي المهمة التي ارسل الرسول (ص) من اجل القيام بها، وقد ادى الامانة باخلاص وتفان، ونصح لعباد اللّه افضل ما يكون النصح، وكان سيفه في مهمته وذراعه الايمن الامام علي بن ابي طالب (ع) امير المؤمنين وحامل لواء رسول اللّه (ص) وقائد المعارك المعجزة بين يديه (ص).

وقد آتت دعوة الرسول (ص) ثمراتها المركزة في البداية، ثم انتشرت بفضل جهاد المؤمنين الصابرين حتى طبقت الافاق، فعمت كلمة التوحيد من اقصى الشرق الى اقصى الغرب المعروف في ذلك الوقت.

ولكن الردة الجاهلية ما لبثت ان وضعت حدا للدعوة، فاوقفتها عند الحدود التي كانت وصلتها كما امعنت فيها افراغاوتشويها، محولة دماء المسلمين الى مغانم للملوك وللمحاسيب والزبانية، الامر الذي ادى، الى جانب المحدودية الافقية، الى محدودية عمودية سطحت الدعوة وحولتها الى انواع من الغزو والاستيلاء على الاسلاب والمغانم من دون اي رغبة في نشر الدين الحنيف.

واستمرت هذه الحال زمنا طويلا، فعرفت جغرافية الاسلام الانتقاص فيما كانت الجيوش المسلمة تتوسع في غزواتها.فعادت الاندلس الى اهلها الاصليين الذين لم تجر محاولات لجذبهم الى الاسلام بشكل جاد، كما ان المناطق الواسعة في اوروبا الشرقية التي غزتها الجيوش العثمانية لم تعتنق الدين الحنيف، ولعل ذلك عائد الى كون ولاة الامر مغتصبين لسلطة الاسلام وجاهلين بمبادئه السامية وبموجباته التي فرضها اللّه على المؤمنين، والى ان مصالحهم الشخصية ومصالح حواشيهم وقادتهم كانت تتعارض مع نشر الدعوة وتجذيرها.

ومنذ استشهاد الامام علي بن ابي طالب (ع)، لم تعرف الامة الاسلامية حاكما اخذ على عاتقه السير في طريق الجهادالحقيقي من اجل نشر راية «لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه»، الى ان قيض اللّه للمسلمين الامام الخميني الذي حاول ان يعيد الى الاسلام صفاءه وعمقه، وان يتابع الخطى على الطريق الذي رسمه اجداده الرسول (ص) وعلي (ع) وابناؤهماالذين استشهدوا من اجل تكريسه وتعبيد الطرق اليه وعدم السماح باندثار معالمه.

وهكذا وجد الامام الخميني نفسه، بما له من الولاية، مكلفا بالدعوة الى الدين الحنيف الى جانب الدفاع عن مقدساته وتعاليمه. فيما لا يهتم الاخرون الا بمصالحهم الخاصة واغراضهم الدنيوية.

واذا كان ارسال الرسالة واجبا على القائد الاسلامي، فانه بالتالي معيار لاسلامية القائد نفسه، وامتحان لها، وهو الامتحان الذي فاز فيه الامام، بينما لم يفكر الاخرون بمجرد القيام به، بل هو لم يراود خواطرهم البتة. وهكذا يثبت الامام مسوغات قيادته تجاه الجميع وهذا ما يتاكد اكثر عندما نتناول موضوع الرسالة ومحتوياتها. الامر الذي يكشف طبيعة معظم القادة الاخرين المتنطحين لقيادة المسلمين.

ولعل اهم اسباب فوز الامام تمسكه بالاسلام الحقيقي، الاسلام الثائر على الظلم والطغيان، والمقاوم لاحاييل الشيطان،والرافض لهيمنة الكفر باللّه والاستكبار، بينما يعيش القادة السياسيون للعالم الاسلامي، في غالبيتهم الساحقة على فتات موائد ارباب الكفر والاستكبار، وهم يتلبسون مسوح الاسلام ويتظاهرون عند الضرورة بالتقوى من دون ان يؤرق نومهم قتل المسلمين ونهب ثرواتهم واغتصاب حقوقهم.

كما تميز الامام عن الاخرين بعلمه وفقهه وعرفانه، فهو ليس قائدا سياسيا عظيما يحسن وضع الاستراتيجية والتكتيك،بل هو علم ديني مشهود لا يشق له غبار.

بقدرته السياسية وعلو كعبه في العلوم الشرعية والالهية، وبميزاته الاخرى من الشجاعة والاقدام والاستهانة بالموت،استحق الامام قيادة المسلمين وولاية امرهم، لابدعم الكفر والاستكبار ولا بالاحاييل التي تحاك في الغرف السوداء ولابوضع النفس في تصرف موازين القوى.

وبسبب تكامل شخصية الامام وجهاده السياسي المكشوف والمعلن الذي لا تشوبه شائبة، في راد الضحى، استحق تلك المبايعة الشعبية التي باتساعها وعمقها لم تحصل لزعيم ولا لخليفة باستثناء جده الامام علي (ع) منذ قام الاسلام حتى اليوم.

وباختصار فان الامام استحق الولاية لقدرته على بعث الاسلام المحمدي واطلاقه من عقاله في وجه كل قوى الكفروالاستكبار والطغيان التي عبثت بالعالم الاسلامي قرونا مديدة دون رادع حقيقي.

المرسل اليه هو ميخائيل غفيتش غورباتشوف، وهذا الشخص لم يكن رئيسا لدولة عظمى وحسب، بل امبراطورا يتربع على عرش شرقي اوروبا وشمالي آسيا اللذين يحتلان مساحة تتجاوز ربع مساحة الكرة الارضية على اقل تقدير، فيما تنتشرمصالحهما في جميع ارجاء العالم من دون استثناء، وهكذا فان الرسالة موجهة الى الشخص الذي كان يملك فعليا اعظم سلطة سياسية على وجه البسيطة، كما يملك من القوة العسكرية ما يكفي لتدمير جميع معالم الحياة، ان وجدت، على وجه عدة كواكب بحجم الكرة الارضية. والذي يمسك بمقاليد الايديولوجية التي امكن فرضها على الناس منذ اكثر من سبعين عاما.

ولعل بعض الناس يرى، بسبب ما كان قائما من الفارق الهائل في القوة المادية بين الجمهورية الاسلامية والامبراطورية الاشتراكية، ان في الامر شيئا لا يمكن ان يحمله العقل على محمل الجد. ذاك انه حسب ظاهر الامور، لا يمكن التصوربان رسالة من زعيم دولة صغيرة يمكن ان تكون ذات تاثر جدي، وباي شكل من الاشكال، في ذاك الزعيم العالمي الممسك بازمة تلك القوة الجبارة عسكريا وعقائديا والذي لا يرضى باقتفاء آثار اسلافه بل هو ياخذ على عاتقه مهمة التجديد الايديولوجي والسياسي والاقتصادي والاداري في تلك الامبراطورية مترامية الاطراف.

يقول الامام (قدس سره): «لقد وجدت انه من الضروري التذكير بامور بعد تسلمكم السلطة لشعوري بان حضرتكم قدبداتم دورا جديدا في التحليل السياسي... وان جراتكم وشجاعتكم في التعامل مع الاحداث العالمية كثيرا ما تكون سببا لتطورات جديدة» الا ان عمق الرسالة والتحدي الذي تحمله يعوضان الفارق المادي الظاهر بل والكاسح لمصلحة المرسل اليه.

واذا تجاوزنا الجانب المادي الظاهري، فهل تبقى المعادلة مختلة لصالح غورباتشوف؟ اننا نؤمن بعكس هذا تماما، ذلك ان امبراطورية غورباتشوف لم تبلغ حجم امبراطورية الاسلام، رغم كل ما اعتراه. كما ان ايديولوجية ماركس ولينين رغم القوى المادية الهائلة، والتدميرية منها بشكل خاص، لم تستطع الصمود امام اسلام شعوب آسيا الوسط ى الملحقة ظلمابروسيا بل انهزمت امامه فلم تجد مناصا من اللجوء الى الدبابات والطائرات لمقاومة الروح الاسلامية المنبعثة في صدور العزل، ولكنها هزمت، وكانت آخر هزائمها في تشيشينيا ذات المليون من الانفس والتي تحاول اليوم اعادة قهرهابلاف الدبابات والطائرات ومئات آلاف الجنود.

على ان المرسل اليه، لم يكن غورباتشوف وحده، بل قيادة المعسكر الشيوعي كله، ومن ثم قيادات العالم ومن ورائهاجميعا شعوب الكرة الارضية المسلمة اولا وغير المسلمة ثانيا، وخاصة مسلمو الاتحاد السوفياتي الذين ما لبثوا بعدارسال الرسالة بفترة وجيزة ان انتفضوا تاكيدا لتمسكهم بالاسلام الذي طرحه الامام على غورباتشوف.

ولعلنا اذا امعنا النظر، وعدنا بالذاكرة الى ايام المسلمين الاولى، نجد ان ما قام به الامام هو الشبه لما قام به رسول اللّه،بعد غزوة الحديبية، حيث لم يكن تحت سيطرته الا منطقة يثرب، اذ بعث برسائل الى الملوك المجاورين وفي مقدمهم كسرى وقيصر اللذين يحكمان اكبر امبراطوريتين في ذلك الوقت ((405)).

مناسبة الرسالة اتت الرسالة في آونة بدا فيها غورباتشوف باعادة النظر في البناء وفي النهج السابقين في الاتحاد السوفياتي، وبتطبيق ماسمي بالروسية «البيريسترويكا» اي اعادة البناء الشاملة على كل المستويات. يقول الامام بهذا الصدد: «.. قد بداتم دوراجديدا في التحليل السياسي واعادة النظر والتعامل مع قضايا العالم وقضايا الاتحاد السوفياتي بشكل خاص».

كل ذلك، بعدما وصلت البلاد الى الطريق المسدود على صعيد التطور الاقتصادي، حيث شلها ما سمي باوالية الكبح على الصعد كافة، وبعدما بلغ الغليان في الاتحاد وفي سائر بلدان العالم الاشتراكي درجة الانفجار الذي ينذر باطاحة النظام كله وبفرط الاتحاد وتناثره واستقلال الشعوب المختلفة التي كانت خاضعة لسيطرة موسكو، ولم يكن انفصال ليتوانيا وانتفاضة اذربيجان الا المقدمات لما سيحصل. الامر الذي دفع القيادة السوفياتية الى استباق الامور قبل انطلاق المارد الجماهيري من عقاله واكتساحه الاخضر واليابس، وهو ما سيحصل بعد فترة وجيزة من ارسال الرسالة، في كامل اوروبا الشرقية، ويكون له انعكاساته الخطيرة في جميع ارجاء العالم.

وهكذا اتى لفت النظر من قبل الامام في مرحلة لجوء القيادة السوفياتية الى تلمس المخارج من الازمة الخانقة المهددة باطاحة كل شيء، لعل تلك القيادة اذا كانت جادة فعلا في التفتيش عن الحلول، تستفيد من النظم الاسلامية والحلول الالهية الحقيقية، والا فان الامام القائد يكون قد قام بتكليفه الشرعي من باب ان ما على الرسول الا البلاغ المبين، لانه لايستطيع ان يهدي من لا يهديه اللّه، فيمعن في البحث عن مصلحته ومصالح بطانته الخاصة، لا عن مصلحة من يتحكم بمصائرهم.

وهذا الامر لم يكن غائبا عن ذهن الامام حيث خاطب الزعيم السوفياتي قائلا: «مع ان من الممكن ان يكون اطار تفكيركم واجراءاتكم الجديدة مجرد طريقة لحل المعضلات الحزبية وبازائها حل بعض المشاكل التي يعاني منها شعبكم».

الا ان ذلك لن يكون في نظر الامام بدون قيمة «ولكن شجاعتكم ولو بهذا الشكل المحدود في اعادة النظر في مذهب ظل لسنين طوال يكبل ثوار العالم بقيوده الحديدية، لهي جديرة بالثناء».

لكل ذلك فقد ارسل الامام رسالته في التاريخ المعلوم ولم يعمد الى ارسالها بعيد انتصار الثورة، ذلك ان الكلام اذا اتى بمعرض الحاجة يكون وقعه اشد ويثير الاهتمام بشكل من الجدية اكبر.

محتويات الرسالة وهنا ندخل في اساس الموضوع وجوهره او على الاقل في الجزء الاهم منه. فبعد ذكر مناسبة الرسالة، يفصح الامام لغورباتشوف عن ادراكه بانه لم يعد يؤمن بالماركسية. كما يحدد الامام لب المشكلة في الاتحاد السوفياتي، معتبرا انه يتمثل في نكران وجود اللّه ذلك النكران النابع من الفكر المادي والقائم على اساس المذهب التجريبي، ثم هو يحذرالزعيم السوفياتي من مغبة البحث عن الحلول في العالم الغربي الراسمالي، ويلفت نظره الى النظام والفكر الاسلاميين اللذين لابد ان يوفرا الحلول للمعضلات الاجتماعية المادية والروحية في امبراطورية السوفيات. اجل لقد صارح الامام الزعيم السوفياتي بانه لم يعد يؤمن بايديولوجية ماركس ولينين، وانه اذا استخدم بعض مفرداتها اللفظية فما ذلك الالتسويغ خطواته في نظر اعضاء الحزب الشيوعي الذي يتراسه. يقول الامام في هذا الصدد: «من الممكن الا تصرفواالنظر، ظاهرا عن بعض جوانب الماركسية بل لعلكم ستحاولون من خلال تصريحاتكم ابداء اعتقادكم الكامل بهذاالمذهب ولكنكم تعلمون ان ما هو ثابت ليس كذلك».

ويسوق الامام الدليل على اعتقاده هذا، حيث يؤكد انه بعد ان سددت القيادة الصينية اول ضربة للشيوعية تلاهاغورباتشوف نفسه بضربته فكانت القاضية مما ادى الى زوال الشيوعية من اذهان العالم: «ان زعيم الصين كان اول من انزل ضربته بالشيوعية وانتم الشخص الثاني، ويبدو انكم قد انزلتم آخر ضربة بها. لقد اصبح العالم اليوم لا يرى شيئايسمى الشيوعية».

ولكم كانت بصيرة الامام نافذة، فبعد وفاته بقليل خطا غورباتشوف الخطوة الحاسمة على طريق ازالة النظام الاشتراكي من الاتحاد السوفياتي، فاقرت التعددية الحزبية والغيت النصوص الدستورية التي تكرس الدور القيادي للحزب في النظام السياسي.

تلك النصوص التي كانت تقضي في ظل الدستور الستاليني الصادر في الخامس من كانون الاول (ديسمبر) 1936 بان الحزب الشيوعي يشكل «طليعة العمال والنواة القائدة لكل منظمات العمال وكذلك المنظمات الاجتماعية ومنظمات الدولة» (م 126).

اما في ظل الدستور الاخير الصادر في السابع من تشرين الاول (اكتوبر) سنة 1977 فقد تزايد دور الحزب، واصبح حسب منطوق المادة 6: القوة القائدة والموجهة للمجتمع السوفياتي والعنصر المركزي في نظامه السياسي» وقد اتت هذه المادة ضمن الفصل المخصص ل «اسس النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي وترجمة لمهمته القيادية فان الحزب كان في ظل النصوص السابقة لدستور 1977 يقوم دوره على «تنظيم ومراقبة مختلف الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في الاتحاد السوفياتي وعلى السهر على الاحترام العام والدائم للنظام الدستوري القائم» وهذايتم «بتكريس الحزب جهوده بشكل اكثر فاعلية من اجل تنظيم وتعبئة الجماهير لتحقيق المهمات الملموسة التي ترسمها الخطط الانتاجية في ظل الديمقراطية العمالية الواسعة» ((406)).

هذه النصوص وما شابهها الغيت في شهر آذار لسنة 1990 واصبحت اثرا بعد عين، وهي التي كانت من اهم الاسس التي ارساها المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي منذ حوالي ثلاثين عاما، ذلك المؤتمر الذي بشر بدخول المرحلة الشيوعية بشكل متدرج، فاذا بالظروف تفرض التراجع عن ديكتاتورية الحزب وعن دوره القيادي لدولة «الشعب بكامله»التي ورثت دولة ديكتاتورية البروليتاريا التي انجزت مهماتها المزعومة في العصر الستاليني.

كل هذا الى جانب غيره مما يحصل على الصعيد الاجتماعي من اعادة نظر ونسف مقررات المؤتمرات السابقة ومراهناتها مترافقا مع خطاب يركز على لينين فيصور «البريسترويكا» من نتاج افكاره، فغورباتشوف يطالب بالعودة الى لينين (ص 30) ويقول علمنا لينين (ص 60) وان المشاكل نجمت عن اهمالنا لينين (ص 62) وان وضعه شبيه بوضع لينين مع عديمي الفهم (ص 66) وان لينين كان يعطي الاولوية للمصالح الانسانية العامة على حساب المصالح الطبقية(ص 206).

كما ان المصطلحات الماركسية لا تغيب عن الخطاب، فالدول الغربية منقسمة طبقيا (ص 208) وان الصراع الطبقي مازال العامل المميز (ص 210) وان لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية (ص 67) وان «من كل حسب قدرته ولكل حسب عمله» (ص 38) وان هناك نفسية برجوازية صغيرة عمت (ص 139، 144) وان هناك اغترابا اصاب القادمين (ص 146) وان الحل هو مزيد من الاشتراكية ومزيد من الديمقراطية(ص 47 و145) كما يكرر كلمة «الكادحين» على نطاق واسع (ص 162، 158، 163...).

وبهذا يؤكد ما تنبا به الامام من انه سوف يحافظ على بعض مظاهر الماركسية ارضاء للمحافظين من رفاقه.

على ان وفاة الشيوعية التي كشف عنها الامام قدس سره لم تكن مسالة مبالغا فيها وهي لم تتم بفضل العوامل الخارجية،بل هي اتت خاتمة طبيعية لنظام فرض بالتعسف على البشر بشكل مخالف لفطرتهم، فادى الى سلسلة من المشاكل المستعصية اسماها الامام (قد) «العقد العمياء» التي ادت الى «الطريق المسدود». هذا الاعلان لم يصدر عن موقف ذاتي بطبيعة الحال، بل عن تشخيص موضوعي للوضع القائم في الاتحاد السوفياتي والذي تولى غورباتشوف نفسه تفصيل ملامحه في كتابه «البريسترويكا» ومن اهم ما كشفه الزعيم السوفياتي في هذا الصدد الامور التالية: 1- على الصعيد الايديولوجي: يعدد غورباتشوف المشاكل على هذا الصعيد، فاذا هي التكلس الفكري او ما يسميه الجمود العقائدي (ص 63) و«دغمتة الوعي الاجتماعي والنظرية» (ص 57) اي تحويلهما الى عقائد جامدة، والسطحية(ص 24) واللجوء الى الشعارات المفخمة (ص 149).

2- على الصعيد الحزبي والاداري: فاذا هي جمود القيادة (ص 25) والمركزية الشديدة (ص 62) وتفشي الدواوينية(ص 46) والبيروقراطية والروتين (ص 25) وكذلك انتشار الرشوة (ص 26) التي طالت حتى الجسم القضائي نفسه (ص 153) والمحسوبية والمحاباة (ص 26) وحتى تورط المسؤولين في الجريمة (ص 26) وكذلك الضمور الديمقرطي(ص 63 و65) ونشوء طبقة من اصحاب الامتيازات تسبح في انهار الحليب (ص 97)، تتجاوز الشرعية وتستهتربالمبدئية (ص 25) وتطوع القوانين لمصلحتها (ص 38) وتعتبر ان ما تقدمه على الصعيد الاجتماعي تفضل منها (ص 140) وليس واجبا تجاه المواطنين.

هذا بالاضافة الى انعدام الربط بين المصلحة الاجتماعية ومصلحة القادة الشخصية(ص 63)، الامر الذي ادى الى تفشي السلبية عند المسؤولين (ص 140) وانتظار الاوامر من فوق حتى في ابسط الامور(ص 90) وانعدام المبادرة حتى اصبح الوزير هو الذي يهتم بالتفاصيل (ص 90 و129)، فانعدمت الاستفادة من الطاقات الكامنة واهدرت الامكانيات على كل المستويات (ص 63) واستغني عن مشاركة الكادحين في الاسهام في رسم مصيرهم (ص 64) كل ذلك ترافق مع ظاهرة انعدام النقد (ص 90) والرعب امام من بيده السلطة (ص 100).

فكان من نتيجة كل ذلك سيادة السلبية والتباطؤ (ص 69) والتسيب (ص 63) فاخذت القيادات تلجا الى الادعاءات الاعلامية(ص 24) ورفع الشعارات المفخمة ونشر اوهام النجاح (ص 149).

ولم تنج النقابات نفسها من كل هذا وهي المؤتمنة على مصالح العمال، فاخذت ترى تردي اوضاعهم دون ان تحرك ساكنا فتراجع نشاطها بشكل واضح (ص 162) وكذلك اصيبت السوفياتات بالشلل والخمول هي الاخرى (ص 160).

وهذه المشاكل لم تكن وليدة اللحظة التي سبقت وصول غورباتشوف الى الحكم واقراره نهج البريسترويكا سنة 1985،بل هي تعود في جذورها الى مرحلة الثلاثينات والاربعينات (ص 62)، اي المرحلة الستالينية، التي اصبحت كبش المحرقة لكل معضلات الاتحاد السوفياتي، تلك الفترة التي عرفت انجازات هامة ولكن بثمن باهظ للغاية (ص 62).

على ان غورباتشوف ليس اول من تصدى لظاهرات التردي الشامل، بل سبقه الى ذلك قادة الماضي الذين حاولوا ان يجدوا الحلول في المؤتمر العشرين وفي دورة سنة 1964 للجنة المركزية وفي الاصلاحات الاقتصادية لسنة 1965ولكن تلك الجهود باءت بالفشل وانكبحت وبقيت المشكلات تتفاقم بشكل متواصل (ص 58 59).

3- على الصعيد الاقتصادي: يحدد غورباتشوف المشاكل على هذا الصعيد، فيصف الوضع الاقتصادي بالركود (ص 20) وبانه على شفا التازم (ص 27) وذلك بسبب ما اسماه نشوء اوالية الكبح (ص 20)، وقد حاولت القيادات الاحتيال على هذا الوضع عن طريق الطنطنة الاعلامية ومنح المكاف آت الاستعراضية (ص 25) وبواسطة الحوافز المادية التي تحولت الى نوع من الاعالة (ص 22، 37).

ولكن ذلك لم ينفع، فاذا الانتاج يتدهور كما ونوعا (ص 24) وتزداد تكاليفه (ص 21) ويتفاقم الهدر (ص 63) ويتحول الاتحاد السوفياتي رغم امكاناته الكامنة الهائلة الى مستورد للحبوب (ص 23).

كل ذلك ترافق مع تفاقم مشاكل المستهلكين سواء على الصعيد الغذائي او السكني (ص 21، 24) او صعيدالمواصلات وطالت الازمة الجانب الصحي (ص 23) مع ارتفاع نسبة الاطباء واسرة المستشفيات، كما طالت المستوى التعليمي (ص 23) فتدنى بشكل ملحوظ، كل ذلك في ظل تطور تقني خارق في بعض المجالات، كالمجالات الفضائية، فيما التخلف يخيم على مستوى الحاجات المنزلية (ص 24). فقد اصبح لدى الاتحاد السوفياتي علماءيحددون بدقة موقع مذنب هالي بين النجوم دون ان يتوفر لديه بالمقابل من يحدد حاجات الاسر من الغذاءوالكساء.

وهكذا طرحت المشاكل نفسها بشكل لا مثيل له واصبحت مستعصية على الحل (ص 26)، فيما يتجاهل القادة ابسط المبادى الاقتصادية، فيفرضون الاسعار بشكل متعسف (ص 63) ويستهترون بالدورة النقدية (ص 63) ويبتعدون عن اعتماد الحساب الاقتصادي (ص 30) ويطبقون تقنية تخلفت بالنسبة لما هو قائم على الصعيد العالمي (ص 132)وذلك ليس ناجما عن تخلف علمي، بل عن عدم القدرة على الاستفادة من الاكتشافات العلمية للعلماء السوفيات التي اصبحت تطبقها بعض البلدان الاخرى قبل الاتحاد السوفياتي نفسه (ص 134).

4- على الصعيد الاجتماعي: كشف الزعيم السوفياتي في هذا الصدد عن ازمة جامحة تتجاوز المعقول من تقوض للقيم(ص 24) وعدم احترام العمل (ص 28) وضعف الشعور بالتضامن (ص 25) والنزوع الى الاثراء (ص 28) بل الاثراء غيرالمشروع (ص 63) وكذلك التباطؤ (ص 69) والخمول والسيبان (ص 63) بحيث اصبح الناس يرون حقوقهم ولا يرون واجباتهم (ص 38). فاغترب الانسان عن ممتلكات الشعب (ص 63) وانتشر التزلف والتملق (ص 100) وضعفت الحوافز للعمل (ص 121)، وسادت النظرة الى الانسان كقوة عمل (ص 138) وانتشرت المساواة المسطحة في التقديمات بين من يعمل ومن لا يعمل (ص 44) وسادت سيكولوجية الاستهلاك البرجوازية الصغيرة (ص 39 و44)وكان من نتيجة ذلك على المستوى الشعبي ان انتشرت الجبرية (ص 25) وتفككت الروابط الاسرية (ص 166) لا سيماعندما كلفت المراة، بسبب نقص الرجال، القيام بالاعمال الشاقة فاخذت تعجز عن القيام بدورها الانثوي (ص 167)وتفشت المشكلات السلوكية عند الفتيان والشباب (ص 166) وانحطت القيم الخلقية (ص 25) وساد الادمان على المخدرات (ص 25) وعلى الخمور بشكل لم تعد تنفع معه حملات التوجيه والتصدي لبيع المسكرات التي لم تؤد الى انخفاض الاستهلاك بل الى ضمور صناعة الخمور العلنية، فقامت الصناعة البيتية بسد الفراغ (ص 145). ونتيجة لكل ذلك اصبح المجتمع السوفياتي مجتمعا غير قابل للادارة (ص 27).

5- على صعيد العلاقات الاتحادية: لم يتوسع غورباتشوف في المشكلات المتعلقة بهذا الجانب، ويبدو ان السبب كان حساسية هذه المسالة وخطورتها وبلوغها مرحلة ما قبل الانفجار التي تجلت في ما بعد، وهكذا فهو يشير بشكل خجول الى ظهور النزعات والغطرسة القومية (ص 169)، والى تسعير الشعور القومي بسبب بعض الممارسات. . والى زعزعة الصداقة والتلاحم داخل الاتحاد السوفياتي بين الشعوب والقوميات المختلفة (ص 172).

ولكن ما اغفله غورباتشوف كشفت عنه السنوات اللاحقة، فاذا المشاكل القومية والعرقية والدينية التي كانت كالنارتحت الرماد ما لبثت ان تاججت وانفجرت، من مشاكل الاذريين والارمن، في اقليم ناغورني كاراباخ الى مسالة ليتوانياوبقية جمهوريات البلطيق التي اعلنت استقلالها الى ثورة اذربيجان الى التحلل في اوكرانيا الخ... وقد كان الاتي اعظم.

6- على صعيد العلاقة مع بلدان المعسكر الاشتراكي: يعترف غورباتشوف في هذا الصدد باللامساواة داخل «الاسرة الاشتراكية» (ص 230) وبكون الاحزاب الشيوعية في بلدان المعسكر الاشتراكي كانت تنسخ عن موسكو ومنظريها (ص 231) دون ان تاخذ خصوصيات بلدانها بعين الاعتبار (ص 231).

كما يؤكد غورباتشوف عدم جراة زعماء «المنظومة الاشتراكية» على توجيه اي نقد تحت حجة امكانية سوء فهمه في موسكو (ص 231)، وهكذا امست العلاقات اضافة الى سمة التبعية تتصف بالطابع الاستعراضي (ص 232) الذي لم يستطع تلافي الازمات الخطيرة خصوصا في المجر وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا ابان الخمسينات والستينات (ص 231).

وبعد هذه اللوحة «الرسمية» للزعيم السوفياتي، هل يبقى من مجال للتحدث عن ميزات الاشتراكية وامكاناتها في حل المشكلات الداخلية والعالمية، واين هي مما رسمه المؤتمر العشرون تطبيقا لمبادى ماركس، للمجتمع الذي اصبح على ابواب الشيوعية والذي يتغير فيه الانسان تغيرا جذريا، فيصبح العمل عنده متعة وينال حسب حاجته ويبتعد عن العقلية الاستهلاكية المفرطة التي تضر بالاخرين، واين اصبحت الاممية البروليتاريا وتقسيم العمل على الصعيد الدولي وعلاقات التعاون والتكامل. واين اصبح الاتحاد السوفياتي في المباراة الاقتصادية مع الغرب؟ ان لوحة غورباتشوف كانت كافية للاقناع بدفع الشيوعية الى المتحف لانها استنفدت نفسها فجفت عروقها واصيبت بتصلب الشرايين والمفاصل، وهذا ما اكده الامام (قدس سره) بقوله: «السيد غورباتشوف: من الواضح للجميع انه يجب تحنيط الشيوعية من الان فصاعدا في متاحف التاريخ السياسي العالمي لانها لم تعد تلبي اي حاجة من الحاجات الواقعية للانسان، اضافة الى ان «الدول اليوم لم تعد مستعدة لان تواكبكم مع حرصها على اوطانها وشعوبها في هدر ثرواتها الطبيعية اكثر مماحصل لترسيخ اقدام الشيوعية التي باتت اصوات تهشم عظامها تصك مسامع ابنائهم». وكم كان في هذه الرؤيا من نبوءة! التحذير من اللجوء الى الحل الغربي يتخوف الامام (قدس سره) من ان تكون ردة الفعل ضد البيروقراطية والكبت والقمع وشل المبادرات واستبعاد دورالجماهير وسائر انواع الممارسات الخاطئة لا سيما على الصعيد الاقتصادي وضعا باتجاه تبني مؤسسات الغرب، ذلك ان مشكلة الاتحاد السوفياتي الاساسية كانت مشكلة نكران وجود اللّه وفرض الالحاد على الناس واعتبار الدين افيوناللشعوب، فاذا تجاهل هذا الامر ولجا الى مؤسسات الغرب فانه سيرتكب خطا جسيما يجعل الاتحاد السوفياتي بحاجة الى منقذ بعد فترة من الزمن، لان الغرب غارق في مشاكله التي تشبه في جزء منها مشاكل الاتحاد السوفياتي بالاضافة الى جزء آخر يتكون من مشاكل خاصة اخرى. لذلك فقد لفت الامام نظر غورباتشوف قائلا: «من الممكن جدا ان تبدو،من خلال السياسة والممارسات الاقتصادية الخاطئة للمسؤولين الشيوعيين السابقين، دنيا الغرب وكانها الحديقة الغناءالمنشودة، ولكن الحقيقة هي شيء آخر. فلو حاولتم في هذه الفترة ان تحلوا العقد العمياء التي واجهتها الاشتراكية والشيوعية باللجوء الى مركز الراسمالية الغربية فانكم، بالاضافة الى عدم تمكنكم من ازالة معاناة مجتمعكم ستحتاجون الى افراد آخرين لتصحيح ما ستقعون فيه من اخطاء في هذا المجال، وذلك لان الماركسية اليوم واساليبها الاقتصادية والاجتماعية تواجه طريقا مسدودا، وان عالم الغرب هو ايضا يعاني من هذه القضايا ولكن بشكل آخر، كما يعاني من قضايا اخرى».

والامام في تنبيهه هذا ينطلق من تشخيص للاستعداد الكامن لدى فئات المعارضة السوفياتية التي كان اتجاهها يحرزالانتصار تلو الانتصار، ذلك الاستعداد الذي يعتبر المؤسسات والنظم الغربية هي المثال لما يمكن ان يكون عليه اي نظام اجتماعي. ولعل غورباتشوف نفسه كان يمتلك الاستعداد نفسه، وهذا ما تبدى من وراء خطواته «الاصلاحية» ،على الرغم من تصريحاته المستمرة بانه لن يتخلى عن النهج الاشتراكي ولن يتبنى الديمقراطية الغربية التي يوجه اليهاالنقد الواضح.

وهكذا فهو يؤكد افضلية الاشتراكية على الراسمالية (ص 122) وانه وقيادته لن يؤمنا بالديمقراطية الغربية الا حين يمنح العمال والموظفون حق الانتخاب الحر في الاجتماعات المفتوحة لمالكي المصانع والفبارك، ولمديري البنوك والاحين تبدا وسائل الاعلام الجماهيري بالانتقاد المنتظم للشركات والمصارف ومالكيها وبالتحدث عن المجريات الواقعية للامور في دول الغرب، وليس فقط عقد المجادلات التي لا نهاية لها ولا جدوى منها مع السياسيين (ص 181).

الا ان كل هذا لم يكن ينسجم مع المسيرة التي كانت قائمة في الاتحاد السوفياتي والمتجهة صوب التعددية الحزبية وصعود الصهيونية ولعبها دورا متزايدا على طريق اقامة مؤسسات سياسية واجتماعية من الطراز الغربي، كما ان النقدواللوم الموجه لاوروبا العريقة في ثقافتها لاستيرادها ثقافة العنف والتفاهة والخلاعة والمشاعر الرخيصة مما وراءالمحيط، من اميركا (ص 299)، هذا النقد لا ينسجم مع السماح بوفود اخطر مظاهر «الحضارة» الاميركية كنوادي القماروما اليها مما كان يغزو الاتحاد السوفياتي حينها.

ولعله لكل هذا لم ينخدع الامام بتاكيدات غورباتشوف او هو على الاقل لم يطمئن اليها فاقتضى الامر ان يلفت نظره الى مخاطر اللجوء الى المؤسسات والنظم الغربية. فيما يكمن الحل والضمانة في النظم والمؤسسات الاسلامية وفي الفلسفة الالهية التي لا يمكن ان يصمد الالحاد امامها.

الاسلام هو الحل فيما يشير غورباتشوف الى الشراكة الدينية بين اوروبا والاتحاد السوفياتي الذي احتفل سنة 1988 بالذكرى الالفية لدخول المسيحية الى روسيا (ص 274) والى مقتل عشرين مليونا من السوفياتيين عندما هددت اوروبا من قبل النازية(ص 284)، وعلى الرغم من ان غورباتشوف كان يتناسى احتواء الاتحاد السوفياتي على بضعة عشرات من الملايين من المسلمين، فان الامام يصر على دعوة الزعيم السوفياتي الى البحث عن الحلول في الاسلام الذي بقي حيا رغم مرورعقود طويلة على محاربته الشرسة من قبل الفكر الماركسي الالحادي، مفندا الزعم القائل بان الدين افيون الشعوب ومبينا قدرة الاسلام على حل المشكلات السوفياتية العالمية، وعلى ان يؤسس كل ذلك على اساس الايمان باللّه وبعالم الغيب وبالمعرفة العقلية التي لا تقوم بازائها التجريبية الغربية.

تغلب الاسلام على الالحاد لقد قرر الشيوعيون بعد ثورتهم سنة 1917 تحويل الكنائس والمساجد الى زرائب للحيوانات، ولكنهم ما لبثوا ان تراجعوا، عدا انهم جعلوا اجهزة الاعلام وهي اصبحت ملكا للدولة، في خدمة الفكر الالحادي المادي، وحاولوا القضاءعلى الفكر الالهي وعلى ممارسة الشعائر الدينية، وظنوا انهم بذلك خلقوا الانسان الشيوعي الملحد في كل الاتحادالسوفياتي، ولكن، ما ان ارتفع الكابوس وسمح بممارسة الشعائر الدينية حتى تدافع المؤمنون الى المساجد بقلوب ملؤها السرور وعيون دامعة من الفرح، وهذا ما عبر عنه الامام في رسالته حيث يقول: «السيد غورباتشوف، حين سمع نداء اللّه اكبر بعد سبعين عاما من  آذن مساجد بعض الجمهوريات السوفياتية وسمع نداء اشهد ان محمدا رسول اللّه(ص)، فان هذا النداء ابكى عيون انصار الاسلام المحمدي الاصيل شوقا».

وهذا دليل كاف على الفرق النوعي الهائل بين عقيدتين: الاسلامية التي ما زالت حية نابضة منذ حوالي اربعة عشر قرنا، ورغم كل ما تعرضت له في بلاد السوفيات في السبعين سنة الاخيرة، والعقيدة الماركسية التي طبقت في فترة سبعين عاما، فاستنفدت كل طاقاتها وتحولت الى كابوس وكابح ينتظر الناس الخلاص منه بفارغ الصبر.

الدين ليس افيونا للشعوب

الصفحة السابقة

الصفحة التالية