«اول المنهاج»

حرية الاديب وادب الحرية

بقلم رئيس التحرير

لكلمة الحرية في الخطاب الثقافي والسياسي المعاصر، وبخاصة في عالمنا العربي والاسلامي، سحرها الاسر وبريقهاالاخاذ، وليس في هذه الظاهرة، في حد ذاتها، ما يدعو الى الاستغراب والتساؤل، فالحرية قيمة يقدسها الانسان ويحرص عليها في كل زمان ومكان، لانها جزء لا يتجزا من كينونته وفطرته التي فطره اللّه عليها، وهي مظهر من مظاهرتكريم الخالق عز وجل لابن آدم وتشريفه له، وعنصر من عناصر امتيازه وسبب من اسباب قوته وتفوقه على سائرمخلوقات اللّه الاخرى، على رغم ضلة حجمه وضعف بدنه قياسا الى كثير منها.

فلقد كرم اللّه الانسان بالعقل، ومنحه القدرة على الادراك والتفكير المركب الراقي، وميزه بالقدرة على النطق والتعبيرعما يجول في عقله وفكره وتجيش به عاطفته، وميزه باستوا شكله الجسماني وحسنه، ومرونة اعضائه والقدرة على استعمالها في مختلف حاجاته على اتم وجه واحسنه واتقنه، وكرمه بتسخير جميع في عالم الطبيعة الذي يعيش فيه من حيوان ونبات وجماد وتطويعه لاغراضه واستعمالاته المختلفة، كما كرمه اللّه ايضا وميزه بميزة وخاصية اخرى لا قيمة ولا اهمية من دونها لسائر ما كرمه به من قدرات ومزايا، الا وهي الحرية، او بالاحرى نوعان من الحرية، لكل واحدة منهما حيزها وفضاؤها المختلف عن الاخر:

حرية يمارسها الانسان في حيز ذاته النفساني والباطني، واعني بها حرية ضميره وما ينعقد عليه هذا الضمير من راي وعاطفة.

وحرية يمارسها خارج نطاق ذاته وفي الحيز الطبيعي والاجتماعي المحيط به، وهي حرية ارادته واختياره في فعله وتوجيه نشاطه وقواه في المجال وفي الغرض الذي يريده.

وهنا، في هذا الحيز الثاني، تتعدد انماط الحرية وتتنوع بتعدد اوجه الفعل والنشاط الانساني وتنوع فضااتهما الحيوية،ولا تقتصر على نمط واحد منها او بضعة انماط.

ومن مظاهر عناية الخالق عز وجل بخاصية الحرية التي فطر الانسان عليها واودعها في سر ذاته انه حصنها في نطاقهاالنفساني المضمر وجعلها بمناى عن اي سلطة خارجية تقمعها او تحد منها غير سلطة الذات الداخلية نفسها، بينما هي في نطاقها الخارجي المنفصل عن ذات الانسان عرضة للتقييد او القمع تارة من قبل الطبيعة، وتارة اخرى من قبل الانسان الاخر الذي يعيش معه في هذا العالم.

وتلك كلمة بالغة تتجلى فيها عظمة الخالق في تكوينه لهذا الانسان وتقديره لدوره ومركزه في الوجود، كما يتجلى فيهاايضا مزيد عنايته بهذا الانسان ومزيد تكريمه له قياسا الى غيره من الكائنات.

ويتفرع على خاصية الحرية التي ميز اللّه بها الكائن الانساني خاصية اخرى هي خاصية المسؤولية، فنتيجة للحرية وبناعليها يكون الانسان مسؤولا عن فعله الذي يصدر منه بحق نفسه وبحق غيره، ويكون عرضة للمسالة عنه والحساب عليه، تارة امام خالقه وحده، وتارة اخرى امام خالقه وبني جنسه معا.

والحرية وفقا لهذا التصور هدف للانسان ووسيلة له في آن واحد، هي هدف له من حيث انها جزء لا يتجزا من كينونته الانسانية تنقص بنقصه وتضعف بضعفه، كما تقوى بقوته ويكتمل تحققها ووجودها بوجوده وتكامله مع سائر اجزائهاومقوماتها الاخرى. وهي وسيلة له ايضا، لان جميع ما كرمه اللّه به واعطاه اياه من مزايا وخواص ذاتية لا يتاح لها ان تنشط وتفعل فعلها الا في فضا الحرية ومناخها.

وفي ضوء هذا التحليل والفهم لقيمة الحرية الانسانية ووظيفتها لا يبقى ثمة عجب ولا غرابة في ان تضعها الاديان والشرائع الالهية والوضعية في مصاف القيم المقدسة وتحميها وتدافع عنها وتجعلها شرطا للمسؤولية والجزا،ويفلسف قيمتها واهميتها الفلاسفة والمفكرون، ويدعو اليها وينوه بفضائلها وآثارها الحميدة المصلحون الاجتماعيون،ويتغنى بها ويمجدها الادبا والشعرا، ويكافح في سبيلها ويستميت في الدفاع عنها المضطهدون والمقهورون في كل عصر.

وفي عصرنا هذا الحاضر اصبحت الحرية محورا لاهتمام عامة الناس وتقديرهم الكبير، وصارت جزءا من ثقافتهم الشعبية وتحولت الى قضية جماهيرية وليست قضية من قضايا النخبة فحسب، وذلك بفضل ثلاثة عوامل متشابكة ومؤثرة بعضها في بعضها الاخر:

الاول: ارتقا الوعي البشري بقضية الحرية بفضل التراكم الحضاري للتجربة البشرية بكامل ابعادها وتفاصيلها الفكرية والتاريخية، وقد تجسد هذا الوعي الراقي بقضية الحرية في العصر الحديث بصورة مواثيق وعهود دولية جعلت الحرية في طليعة حقوق الانسان التي يجب على الحكومات والهيئات والمؤسسات الاجتماعية العامة والخاصة رعايتهاوحمايتها.

الثاني: تنامي الضغوط والممارسات السلبية ضد الحرية بسبب تنامي سلطة الحكومات والمؤسسات الاجتماعية العامة على شعوبها ومجتمعاتها واحكام سيطرتها ورقابتها السياسية والاجتماعية والثقافية عليها من جهة، وبسبب تنامي سلطة الدول القوية المتقدمة او العظمى، كما يقال، على الدول الضعيفة والمتخلفة وازدياد قدرتها على التحكم بمصائرها ومصادرة حريتها بفضل عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والاعلامية التي تمتلكها من جهة اخرى.

الثالث: الاعلام وثورة الاتصالات وما وصلا اليه من تطور هائل، اتاح للبشرية تواصلا ثقافيا في ما بين اممها وشعوبها غيرمسبوق، اطلعت من خلاله على ما حققه بعضها من مكاسب وانجازات على صعيد التمتع بحق الحرية بمختلف انماطها، كما اطلعت من خلاله ايضا على ما يجري يوميا بالصوت والصورة من انتهاكات لحريات الدول والجماعات والافراد، الامر الذي اسهم بمجموعه في تثقيف الراي العام بثقافة الحرية وتنويره بقضيتها.

وفي ضوء هذا الواقع الجديد الذي آلت اليه قضية الحرية في عالمنا المعاصر صار من غير العجيب ومن غير المستغرب ان تجد لها مساحة واسعة ومنزلة رفيعة ذات بها وبريق في خطاب المثقفين والسياسيين وبخاصة في عالمنا العربي والاسلامي الذي يعاني انسانه من ازمة خانقة في ممارسة حقه في الحرية على كل صعيد.

ولكن الذي يستدعي العجب ويثير نوعا من التساؤل والدهشة هو جنوح خطاب الحرية عند بعض هؤلا الى التطرف والمبالغة في اطلاق العنان لها بحيث لا تحدها حدود ولا تضبطها ضوابط، وبحيث لا تترتب على ممارستها اية مسؤولية، وهذا شذوذ في التفكير ينحرف عن معطيات النظرة الصحيحة والرؤية النافذة المعقولة الى طبيعة الحرية ووظيفتها في الحياة الانسانية كما وصفناها في التحليل السابق.

ولنترك الان خطاب الحرية في ميدان السياسة، فلهذا الخطاب خصوصيته المعقدة وحساباته الملتوية. ولناخذ مثالاواحدا من خطاب الحرية في ميدان الثقافة يكفي لتوضيح الظاهرة المعوجة المشار اليها.

والمثال الذي اعنيه ماخوذ مما شهدته الساحة الثقافية العربية مؤخرا من نقاش حول حرية الاديب المبدع (قاص،شاعر، مسرحي.. الخ) احتدم بشدة بعد اعادة وزارة الثقافة المصرية نشر رواية «وليمة لاعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر.

ويجب ان انبه اولا الى انني لست هنا في هذا المثال في مجال تقويم النص الذي يمثله هذا العمل الاولي بالخصوص من حيث مضمونه، ولا في وارد ادانة مؤلفه او تبرئته فيما يتعلق باتهامه بالاساة الى الدين والاخلاق.

وانما الذي يعنيني بالدرجة الاولى هو ابراز وجه المفارقة التي يعكسها خطاب بعض المثقفين عندنا حول الاشكالية الهامة التي اثارتها هذه الرواية واثارتها من قبلها في نطاق اوسع من نطاق عالمنا العربي رواية سلمان رشدي «آيات شيطانية»، وهي:

هل يحق مسالة الاديب عما ينشؤه من نص فني ابداعي (غير وصفي) خارج قوانين اللعبة الادبية الابداعية، وخارج المعايير الفنية والتقنية التي تحكم عمله الابداعي؟ وهل يصح النظر الى عمله هذا وتقويمه بمعايير الدين وقيم الاخلاق، ومن زاوية ما يمكن ان يلحقه من اذى او ضرر بالمجتمع المتلقي لعمله؟ يجيب فريق من المثقفين، ومن بينهم نقاد مختصون بالادب الابداعي بانه لا يحق ذلك، لا لعامة الناس ولا لخاصتهم العارفة باسرار حرفة الادب. ويزعم هؤلا بان رايهم هذا يمثل الراي المتنور والراي الاختصاصي على حدسوا.

وحجتهم في ذلك امران:

الاول: ان في ذلك خروجا على قواعد التجربة الفنية الادبية وعدم ادراك صحيح لطبيعتها ووظيفتها والتقنيات الفنية التي يوظفها الاديب في صنعها وابداعها، فالادب الابداعي هو تجربة شعورية انسانية يصوغها الاديب في قالب فني،وبمقدار ما تكون هذه التجربة صادقة شعوريا، وبمقدار ما تمثل من حالة او رؤية انسانية عامة او خاصة، وبمقدار ماينجح الاديب او يفشل في صياغتها في قالبها الفني المناسب لها يكون الحكم لصالحها او لغير صالحها.

الامر الثاني: ان ذلك (اي مسالة الاديب على النحو الذي سبق وصفه) من شانه ان يحجر على طاقة الاديب الابداعية ويقيدها، وهي طاقة فنية انسانية ضرورية لا تنمو ولا تزدهر الا في مناخ الحرية الكاملة.

ثم ان في ذلك، في النهاية، تدخلا في حرية الاديب الشخصية وتقييدا لها، وهو ما يخالف حقه بوصفه انسانا.

ولكن هذه الحجة بشقيها فيها حق وباطل! اما ما فيها من حق، فهو ما ذكروه حول خصوصية التجربة الابداعية الادبية وطبيعتها وادواتها الفنية، وما ذكروه ايضاحول اهمية هذه التجربة في الحياة الانسانية وضرورة افساح المجال لها للبروز والصعود في سلم التكامل والنمو.

واما ما فيها من باطل، فهو ما رتبوه على ذلك من نتيجة مؤداها نفي المسؤولية والمسالة عن الاديب فيما يبدعه ويخاطب به جمهور الناس، حتى لو اسا اليهم في دينهم واهان مقدساتهم وخرج على قيمهم الثابتة وآدابهم العامة  وجرح مشاعرهم وحيائهم.

ووجه البطلان في هذه النتيجة هو انها تميز الاديب ونشاطه الابداعي بحصانة لا يحظ ى بها اي انسان سواه واي نشاط انساني آخر غير نشاطه، فكل نشاط او فعل يختار الانسان مزاولته ولا يكره عليه فهو مسؤول عن آثاره التي تلحق بغيره مسؤولية سمها اذا شئت دينية او قانونية او اخلاقية، لا فرق في ذلك. فهذه هي طبيعة الحرية الانسانية وهذه مقتضياتهاونتائجها، فلماذا يشذ الاديب المبدع وحده من دون سائر الناس ويتنصل من مقتضيات حريته ونتائجها؟ ان يكون الاديب المبدع حرا، هذا صحيح، ولكن من الصحيح ايضا ان يكون مسؤولا.

وان ينادي بعض المثقفين بحرية الاديب المبدع وافساح المجال امام موهبته، هذا حق، ولكن من الحق ايضا ان للحرية آداب تترتب عليها آثار ونتائج، فهلا يلتزم بها بعض الادبا المشاغبين ويريحونا من هذا السجال الذي لا يكاد ينتهي.

خالد العطية

«دراسات»

الاجتهاد دراسة فقهية لظاهرة الاجتهاد الشرعي (القسم الاول)

الدكتور عبد الهادي الفضلي

اهمية الاجتهاد يستمد الاجتهاد الشرعي قيمته من اهمية الغاية المتوخاة من تشريعه، ومن اهمية المرمى الذي هدف اليه المشرع الاسلامي من الدعوة اليه، والالزام به، كما في امثال آية النفر: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) [التوبة: 122].

والهدف هو الوصول الى الحكم الشرعي، واستفادته من النصوص الشرعية المشتملة عليه، وذلك لان النصوص الشرعية المتضمنة للحكم الشرعي لم تصغ صياغة قانونية تعطي الحكم الذي تحتويه من غير حاجة الى اعمال فكريستند الى خلفيات ثقافية وعلوم مساعدة، ويرجع هذا الى الاسباب الاتية:

1 ان القرآن الكريم انتهج في اسلوب بيانه ظاهرة الكتاب الالهي المقدس، تلك الظاهرة التي امتدت مع الانسان منذصحف ابراهيم (ع) حتى قرآن محمد (ص) ، والتي تمثلت في الاسلوب الخطابي المتوافر على عناصر الدعوة الى اللّهتعالى.

وذلك لان الهدف الاساسي للكتب الالهية المقدسة هو الدعوة الى اللّه تعالى، والاسلوب المناسب للدعوة هوالاسلوب الخطابي لانه الاسلوب الذي يقتدر، بما يمتلك من اثارة مؤثرة وشحن عاطفي مثير، على مخاطبة العقل عن طريق القلب.

وجميع ما يذكر من شؤون اخرى انما يذكر لان له علاقة بالدعوة الى اللّه تعالى.

ومن هنا لم تذكر الاحكام الشرعية الا في سياق السور او سياق الايات، اي انها لم تجمع في سورة واحدة او موضع واحد.

واكثر من هذا: لم تجمع الايات للموضوع الواحد في موضع واحد، وذلك التزاما بظاهرة الكتاب الالهي المقدس.

فقد تنزل الاية لبيان الحكم بشكل مباشر كما في آية الصوم: (يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة: 183]، وقد تنزل انكارا لمنكر قائم، فيفهم منها الحكم بمعونة القرينة، كما في آية الرباالمضاعف: (يا ايها الذين آمنوا لا تاكلوا الربا اضعافا مضاعفة) [آل عمران: 130]، وآية الموؤودة (واذا الموؤودة سئلت× باي ذنب قتلت) [التكوير: 8 و9]، وقد ياتي الحكم متدرجا ولا يفهم تدرجه الا بعد تجميع ما نزل فيه من آيات،ودراستها دراسة مقارنة في هدي ما احاط بها من قرائن افادت التدرج كما في عقوبة الزنا، فقد كانت في البدء الايذا عن طريق التوبيخ والتحقير (واللذان ياتيانها منكم فذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما ان اللّه كان توابا رحيما) [النسا:16]، ثم صارت بعد هذا الامساك في البيوت (واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن اربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت او يجعل اللّه لهن سبيلا) [النسا: 15]، واخيرا استقرت العقوبة على الجلد او الرجم (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة) [النور: 2].

وقد يحرم الفعل باسلوب الجملة ذات الدلالتين المنطوقية والمفهومية، كما في قوله تعالى: (فلا تقل لهما اف) [الاسرا:23]، المستفاد منها حرمة التافيف منطوقا وحرمة ما هو اشد منه مفهوما.

وقد تختلف القراة فيختلف الحكم باختلافها، كما في قوله تعالى: (ويسالونك عن المحيض قل هو اذى فاعتزلوا النسافي المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) [البقرة: 222] حيث قرئت عبارة (يطهرن) بالتخفيف الذي يعطي ظهورها في معنى النقا من دم الحيض، وبالتشديد الذي يعطي ظهورها في معنى الاغتسال من الحيض.

وهذا الاختلاف بين القراتين يكون مدعاة بطبيعة الاختلاف بين الظهورين المذكورين، الى الاختلاف في استفادة حكم وطء المراة بعد النقا من دم الحيض وقبل اغتسالها.

فعلى قراة التخفيف يستفاد جواز الوطء قبل الغسل.

وعلى قراة التشديد يستفاد المنع من الوطء قبل الغسل.

كل هذا يجعل الاجتهاد امرا لابد منه، لان استخلاص الحكم في ضوء ما ذكرت من اسلوبه وملابساته لا يتاتى ولايتحقق الا عن طريق الاجتهاد ((1)).

2 والشان في السنة الشريفة لا يختلف عما هو في القرآن من حيث الاختلاف والحاجة بسببه الى الاجتهاد.

ومن امثلة ذلك في السنة القولية: «من جدد قبرا او مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام».

فقد روي (جدد) بالجيم المعجمة، ويعني: تجديد بنا القبر بعد اندراسه.

وروي (حدد) بالحا المهملة، ويعني: تسنيم القبر.

وروي (خدد) بالخا المعجمة، ويعني: شق القبر.

وروي (جدث) بالجيم المعجمة من اوله، والثا الثلاثية من آخره، ويعني: جعل القبر المدفون فيه ميت قبرا لميت آخر.

فان كل واحد من هذه المعاني المذكورة يتدخل في تحديد معنى الحكم.

وكما في الحديث التالي: «قلت: ويسيل علي ما المطر ارى فيه التغير وارى فيه آثار القذر، فتقطر القطرات علي وينتضح علي منه، والبيت يتوضا على سطحه فيكف على ثيابنا؟ قال (ع): ما بذا باس، لا تغسله، كل شيء يراه ما المطر فقدطهر».

هكذا نقل هذا الحديث الشريف في بعض نسخ «الكافي»، ونقل في نسخ كتاب «الكافي» الاخرى وكتاب «الحدائق»وكتاب «الوسائل» هكذا: «قلت: ويسيل علي من ما المطر. ..» فان ما يعطيه الحديث حسب النقل الاول هو ان ما المطراخذ يقطر على الرجل، وما يعطيه الحديث حسب النقل الثاني هو ان ما المطر اخذ يسيل على الرجل ويجري من الميزاب عليه.

وهما معنيان مختلفان نش آ من ذكر «من» في الحديث وعدم ذكرها ((2)). ومن الامثلة في السنة الفعلية: الاختلاف بين المسلمين في كيفية الوضوء وكيفية التيمم، وهكذا.

كما ان فهم معاني التشريع ودلالات الفاظ النصوص الشرعية، سوا اكان ذلك في الايات ام في الروايات يتطلب فهم لغة عصر التشريع: تراكيب، ومفردات، واسلوب بيان.

وكذلك لان اكثر الروايات التي وصلت الينا كانت اجوبة لاسئلة من اناس يختلفون في بيئاتهم من حيث الشؤون الاجتماعية والثقافية، الامر الذي يستلزم فهمها وفهم شخصية السائل من حيث المستوى الثقافي.

كل ذلك وامثاله كان مدعاة للزوم الاجتهاد، وفي الوقت نفسه هو مدعاة لان تقوم وظيفة الاجتهاد وممارسته على اساس من العمل المعمق في البحث والتدقيق وبذل اقصى الطاقة في الاستقصا والتحقيق.

يقول استاذنا الشهيد الصدر، في بيان «كيف نشات الحاجة الى الاجتهاد؟»، من مقدمة كتابه «الفتاوى الواضحة»، بما يلقي الضوء على اهمية الاجتهاد: «والمصدر الاساس للشريعة هو الكتاب الكريم والسنة الشريفة، ولو كانت احكام الشريعة قد اعطيت كلها من خلال الكتاب والسنة ضمن صيغ وعبائر واضحة صريحة لا يشوبها اي شك او غموض لكانت عملية استخراج الحكم الشرعي من الكتاب والسنة ميسورة لكثير من الناس، ولكنها في الحقيقة لم تعط بهذه الصورة المحددة المتميزة الصريحة، وانما اعطيت منثورة في المجموع الكلي للكتاب والسنة، وبصورة تفرض الحاجة الى جهدعلمي في دراستها والمقارنة بينها، واستخراج النتائج النهائية منها، ويزداد هذا الجهد العلمي ضرورة، وتتنوع وتتعمق اكثر فاكثر متطلباته وحاجاته كلما ابتعد الشخص عن زمن صدور النص، وامتد الفاصل الزمني بينه وبين عصر الكتاب والسنة بكل ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات، كضياع جملة من الاحاديث ولزوم تمحيص الاسانيد وتغير كثير من اساليب التعبير وقرائن التفهيم والملابسات التي تكتنف الكلام ودخول شيء كثير من الدس والافترا في مجاميع الروايات، الامر الذي يتطلب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق، هذا اضافة الى ان تطور الحياة يفرض عددا كثيرا من الوقائع والحوادث الجديدة لم يرد فيها نص خاص، فلا بد من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامة، ومجموعة مااعطي من اصول وتشريعات.

كل ذلك، وغير ذلك مما لا يمكن استيعابه في هذا الحديث الموجز، جعل التعرف على الحكم الشرعي في كثير من الحالات عملا علميا معقدا، وبحاجة الى جهد وبحث وعنا، وان لم يكن كذلك في جملة من الحالات الاخرى التي يكون الحكم الشرعي فيها واضحا كل الوضوح».

وللميرزا القمي، في كتابه الاصولي: «القوانين»، طريق آخر يبرز من خلاله اهمية الاجتهاد الشرعي في حياة المسلمين،ذكره مقدمة للبحث في مسالة تجزي الاجتهاد، ولبيان نوعية مسالة الاجتهاد والتقليد، هل هي من مسائل العقيدة او من مسائل التشريع؟ وقد رايت من المفيد نقله هنا لما يلقيه من ضوء على ما نحن فيه، قال: «قانون: اختلفوا في جواز تجزي الاجتهاد.

وتحقيق القول فيه يتوقف على بيان مقدمة، وهي: ان جواز الاجتهاد والتقليد ووجوب الرجوع الى المجتهد من المسائل الكلامية المتعلقة باصول الدين والمذهب لا من اصول الفقه ولا من فروعه، فهو يجري مجرى وجوب اطاعة الامام وتعيينه، لانه لا مناص عن لزوم معرفة ان الحجة بعد غيبة الامام من هو، ولا دخل لذلك في مسالة الفروع، فان المرادبالفروع هو الاحكام المتعلقة بكيفية العمل بلا واسطة، وتسمى الاحكام العملية ايضا، ومقابلها الاصول، وهي الاعتقادات، التي لا تتعلق بالتكليف بلا واسطة، وان كان لها تعلق بها في الجملة، ولا في مسائل اصول الفقه، فانهاالباحثة عن عوارض الادلة، وليس ذلك من عوارض الادلة ايضا كما لا يخفى، بل معرفة حقيقة الاجتهاد والمجتهد ايضاليس من مسائل اصول الفقه، ولذلك جعل بعضهم الاجتهاد والترجيح من جملة موضوع هذا العلم.

والحاصل: ان الرجوع الى العالم باحكام الشرع في غير حضرة الامام من مسائل اصول الدين والمذهب التي تثبت بالعقل، وبالنقل ايضا، مثل المعاد، ومثل وجوب الامام بعد النبي (ص) للرعية، ونحوهما، فكما لا بد للمكلف من الاعتقاد بمتابعة الامام، الا بالعقل او بالنص، فكذا لا بد من الاعتقاد بوجوب متابعة العالم بعد فقد الامام، اما بالعقل اوبالنقل، وهذا حال عدم حضور الامام، سوا اكان في حال حياته وظهوره ام في حال غيبته المنقطعة، اما العقل، فلان كل من يدخل في اهل ديننا مثلا يعلم بالضرورة من شرع نبينا ان له احكاما كثيرة في كل شيء على سبيل الاجمال، وان التكليف باق لم ينقطع، وانه لا بد ممن يعلم هذه الاحكام على سبيل التفصيل يمكن الرجوع اليه لئلا يلزم التكليف بالمحال، وليس ذلك الا في جملة العلما. واما النقل، فلكل ما ورد من الامر بالسؤال عن اهل الذكر، وما ورد من الامربالرجوع الى اصحابهم (ع) في الاحكام مع بداهة شركتنا مع الحاضرين في التكليف».

تعريف الاجتهاد في اللغة:

كلمة «اجتهاد» مصدر الفعل «اجتهد» على زنة «افتعل» المزيد بالالف والتا.

والذي يبدو من معاجم اللغة العربية ان هناك اختلافا في جذره: اهو واحد اختلفت فيه اللهجة ام هو كلمتان اختلفت فيهما الدلالة؟ ففي «المصباح»: «الجهد بالضم في الحجاز وبالفتح في غيرهم»، وهذا يعني انه جذر واحد اختلفت فيه اللهجة بين اهل الحجاز، فانهم يضمون الجيم، وغيرهم حيث يفتحونها.

ثم يقول الفيومي في المصدر نفسه: «وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح: المشقة»، وهذا يعني ان له جذرين يختلفان بدلالتيهما، حيث يدل المضموم على الطاقة، والمفتوح على المشقة.

وهو صريح «المعجم الوسيط»، فقد جا فيه: «الجهد: المشقة.

النهاية والغاية. الوسع والطاقة.

الجهد: الوسع والطاقة.

اجتهد: بذل ما في وسعه».

وكما تراه، صريح في ان المضموم مقصود في دلالته على معنى الوسع والطاقة، وان المفتوح يدل على الوسع والطاقة ويدل على المشقة ايضا.

وعلى هذا، سوا قلنا بوحدة الجذر ام بتعدده، فان كلمة «اجتهاد» على كلا الحالين تدل على بذل الوسع والطاقة، وهوالمعنى المناسب لمعنى الاجتهاد في المصطلح الشرعي المطلوب فيه بذل غاية الوسع ونهاية الطاقة للخروج من عهدة المسؤولية امام اللّه تعالى.

وهذا اللون من البحث الذي يتطلب بذل كل الجهد قد يكون فيه مشقة وقد لا يكون فيه مشقة.

ونفيد من هذا ان ما ذكره غير واحد من علمائنا لمعنى الاجتهاد لغة، وهو تحمل المشقة، لا يلتقي مع المراد من المصطلح الشرعي، وهذا امثال ما جا في الكتب الاتية:

«المعارج» للمحقق الحلي: «الاجتهاد: افتعال من الجهد، وهو في الوضع (يعني الوضع اللغوي): بذل المجهود (اي الوسع والطاقة) في طلب المراد مع المشقة، لانه يقال: اجتهد في حمل الثقيل، ولا يقال ذلك في حمل الحقير».

«المعالم» للشيخ العاملي: «الاجتهاد في اللغة: تحمل الجهد، وهو المشقة في امر، يقال: اجتهد في حمل الثقيل، ولايقال ذلك في الحقير».

«القوانين» للميرزا القمي: «الاجتهاد في اللغة: تحمل المشقة».

«الكفاية» للاخوند الخراساني: «الاجتهاد لغة: تحمل المشقة».

وواضح ان هذا المعنى لا يلتقي مع المراد من المصطلح الشرعي، لان المراد من الاجتهاد الشرعي قيام المجتهدبالبحث عن الحكم الشرعي بكل ما يمتلك من قدرات علمية وطاقات ذهنية ورصيد ثقافي، وذلك ليخرج من المسؤولية امام اللّه تعالى، والمعنى الذي يناسب هذا هو عهدة «بذل الوسع والطاقة».

ونلمس الفرق واضحا بين المعنيين في ما يقابلهما في اللغة الانجليزية:

فجهد بالفتح الذي هو المشقة، يقابله ذرخژزحس ب .

وجهد بالضم الذي هو المجهود والوسع والطاقة، يقابله زحسرت .

ويؤكد ما ذكرته من ان كلا من الاعلام: الحلي والعاملي والقمي والخراساني، استعمل في تعريفه الشرعي للاجتهادالجهد والوسع، كما سنراه في تعريفاتهم الاتية.

في الفقه واصوله:

عرفه المحقق الحلي في «معارج الاصول» بقوله: «وهو في عرف الفقها: بذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية».

وفي «مبادى الوصول» للعلامة الحلي: «الاجتهاد: هو استفراغ الوسع في النظر في ما هو من المسائل الظنية الشرعية على وجه لا زيادة فيه».

وفي «معالم الدين» للشيخ العاملي: «واما في الاصطلاح فهو استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظن بحكم شرعي».

وفي «القوانين» للميرزا القمي: «وفي الاصطلاح له تعريفان:

احدهما ينظر الى اطلاقه على الحال، والثاني الى اطلاقه على الملكة.

والى الاول ينظر تعريفه بانه: استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي.

والى الثاني ينظر تعريفه بانه: ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الاصل فعلا او قوة قريبة.

والمراد باستفراغ الوسع هو بذل تمام الطاقة بحيث يحس من نفسه العجز عن المزيد عليه».

ويعلق الاخونذ الخراساني على امثال تعريف العلامة الحلي والميرزا القمي في كتابه الاصولي «الكفاية»، فيقول:

«وكيف كان، فالاولى تبديل (الظن بالحكم) ب (الحجة عليه) ((3))، فان المناط فيه ((4)) هو تحصيلها ((5)) قوة او فعلا، لا الظن،حتى عند العامة القائلين بحجيته ((6)) مطلقا، او بعض الخاصة القائل بها (يعني حجية الظن)، عند انسداد باب العلم بالاحكام، فانه مطلقا عندهم، او عند الانسداد عنده، من افراد الحجة، ولذا لا شبهة في كون استفراغ الوسع في تحصيل غيره من افرادها من العلم بالحكم او غيره مما اعتبر من الطرق التعبدية الغير المفيدة للظن ولو نوعا اجتهادا ايضا».

واخذا بهذه الملاحظة التي لاحظها صاحب «الكفاية» واشارة اليها، قال استاذنا السيد الخوئي في تعريف الاجتهاد:«والصحيح ان يعرف الاجتهاد باستفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الاحكام الشرعية، او تعيين الوظيفة عند عدم الوصول اليها» ((7))، يعني عند عدم الوصول الى الاحكام الشرعية، حيث تصل النوبة الى ان يقوم المجتهد باتمام وظيفته بتعيين الوظيفة التي يلزم المكلف القيام بها عند الجهل بالحكم.

والحق ان وظيفة المجتهد ليس التماس الحجة على الحكم لان هذا يقتضي ان يكون الحكم معلوما مسبقا لدى المجتهد، وليس عليه الا تحصيل الدليل الذي يثبت شرعيته ومشروعية العمل به.

وانما وظيفته البحث عن الحكم في مظانه من مصادره المقررة بغية الوصول اليه، ومن ثم معرفته للعمل به.

فالاجتهاد هنا مثله مثل اي اجتهاد في اي علم آخر، يعني البحث، ولكنه هنا البحث عن الحكم الشرعي او الوظيفة التي تقوم مقامه.

والتاكيد فيه على بذل غاية الوسع ومنتهى الطاقة، انما هو لاجل الخروج من عهدة المسؤولية امام اللّه تعالى.

وفي ضوئه: نستطيع ان نعرف الاجتهاد باعتباره وصفا للمجتهد بانه الملكة النفسانية او القدرة العلمية التي يستعملهاصاحبها للوصول الى الحكم الشرعي او ما يقوم مقامه.

وان نعرفه باعتباره عملية يمارسها المجتهد للوصول الى الحكم، بانه البحث في المصادر المقررة شرعا للوصول الى الحكم الشرعي او ما يقوم مقامه، باستخدام وسائل البحث وادواته المساعدة على ذلك.

والخلاصة:

الاجتهاد، باعتباره صفة، هو القدرة العلمية على استنباط الحكم من الدليل.

وباعتباره ممارسة، هو البحث في الدليل لاستفادة الحكم منه.

ويبدو لي ان التعبير عنه ب «تحصيل الحجة على الحكم» جا من واقع الاعمال الفقهية الاستدلالية التي قام بها الفقهابدءا من كتاب «تهذيب الاحكام، للشيخ الطوسي الذي هو شرح استدلالي لكتاب «المقنعة» للشيخ المفيد حتى يومناهذا» حيث تركزت في معظمها على شرح المتون الفقهية، فعمل الشيخ الطوسي في «التهذيب» مثلا هو البحث عن دليل فتوى الشيخ المفيد في «المقنعة» الذي هو متن فقهي. بينما المطلوب هنا هو ان ننظر الى وظيفة المجتهد من واقعها، لا من واقع الاعمال التي قام بها الفقها.

وواقع وظيفة الاجتهاد كما اسلفت هو البحث في النص الشرعي (الكتاب والسنة) لاستنباط الحكم منه.

والفقيه عندما يرجع الى النص الشرعي، الذي هو الدليل لاستفادة الحكم منه، انما يرجع اليه بعد ان يفرغ من اثبات حجيته وثبوت صحة الاستدلال به، ثم يقوم باستنباط الحكم منه.

مشروعية الاجتهاد اختلف الفقها في حكم الاجتهاد على قولين، هما:

1- القول بوجوبه.

وهو الراي المشهور شهرة تقارب الاجماع.

2- القول بحرمته.

وهو الراي الذي قد يستظهر من المحدث الاسترابادي في كتابه «الفوائد المدنية».

واستدلوا للقول الاول بالعقل والنقل والسيرة.

فمن العقل استدلوا بالقواعد الاتية:

قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل:

ببيان اننا نحن المسلمين نعلم وبالضرورة ان اللّه تعالى كلفنا بتكاليف شرعية شاملة لكل جزئيات حياتنا الخاصة  والعامة، والزمنا بامتثالها وتطبيقها في جميع تصرفاتنا الارادية.

وهذا التكليف يتطلب منا معرفة الاحكام التي كلفنا بها لنقوم بامتثالها، ولا طريق لنا الى ذلك الا الاجتهاد.

فاننا ان لم نقل بوجوب الاجتهاد لنعرف عن طريقه الحكم المطلوب منا امتثاله، وقمنا بالامتثال، نحتمل الوقوع في مخالفة الواقع، لانه لا مؤمن لنا عقلا من ذلك.

وبغية دفع هذا الضرر المحتمل يلزمنا العقل بالاجتهاد، والاعتماد عليه ليقوم بدور انجاز الحكم، فان اصاب الواقع فهوالمطلوب، وان اخطاه يكون معذرا لنا عند المخالفة، حيث يصح لنا الاحتجاج به والاعتذار، الامر الذي يدفع عنا ضررعقوبة مخالفة الواقع التي وقعنا فيها.

قاعدة وجوب شكر المنعم:

ببيان ان اللّه تعالى قد انعم علينا بنعمة الحياة والهداية الى السلوك القويم فيها عن طريق امتثال ما شرعه لنا من احكام تشمل جميع جزئيات سلوكنا الارادي، ووعدنا بالثواب في الاخرة جزا امتثالنا لما كلفنا به.

ومن الواجب عقلا ان نشكر هذا المنعم، وذلك بالقيام بطاعته، ولا يتحقق هذا الا بامتثال اوامره ونواهيه، ولا طريق لناالى معرفة هذه الاوامر وتلك النواهي الا بالاجتهاد.

فالاجتهاد هو الطريق الذي يوصلنا الى معرفة الحكم الشرعي لنقوم بامتثاله ادا لشكر المنعم.

ولان الطريق الى معرفة الحكم بشكل مباشر منحصر به، فاذا هو واجب عقلا.

قاعدة وجوب مقدمة الواجب:

وهي ما يعرف ب «ما لا يتم الواجب الا به»، اي لا يتحقق منا امتثال الواجب الا بعد الاتيان بمقدمته التي يتوقف تحققه عليها.

ببيان اننا نعلم وبالضرورة بانا مكلفون بتكاليف شرعية من قبل اللّه تعالى، وعلينا امتثال هذه التكاليف وتطبيقها في حياتنا، وامتثالها كما هو معلوم بالبداهة يتوقف على معرفتها، ولا طريق لنا الى ذلك الا الاجتهاد.

وعليه، يصبح الاجتهاد مما لا يتم واجب الامتثال الا به، اي انه المقدمة الواجبة للامتثال الواجب علينا.

ولان العقل يحكم بوجوب المقدمة التي يتوقف ادا الواجب عليها، يحكم علينا بالاجتهاد لتوقف معرفة الحكم الشرعي عليه.

ومن النقل استدلوا باكثر من آية وحديث، واهمها آية النفر: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) [التوبة: 122].

بتقريب ان الاية الشريفة توجب النفر اي الخروج الى مراكز تعليم الاحكام الشرعية، وعلى نحو الوجوب الكفائي،وهو ان يذهب او يبعث الى تلكم المراكز نفر ممن يعهد بهم القدرة على تعلم الاحكام وتعليمها، وفيهم من حيث العددالكفاية لتغطية احتياجات بلدانهم او البلدان الاخرى التي ينتدبون اليها، ليقوموا عند رجوعهم الى بلدانهم، او البلدان الاخرى التي ينتدبون اليها، بتعليم المسلمين فيها احكام دينهم، فالمسلمون يتعلمون منهم، ويعملون وفق ما يتعلمون،ويسالونهم عن الحكم عندما يحتاجون الى ذلك، ويعملون وفق ما يجيبونهم به.

وفي الغالب تاتي اجوبتهم تفسيرا لاية او شرحا لرواية، وليس هذا الشرح وذلك التفسير الا الاجتهاد.

فالاية الكريمة واضحة في دلالتها على وجوب الاجتهاد من قبل المسلمين وجوبا كفائيا.

واستدلوا ايضا بسيرة المتشرعة: وهي تعني ان الاجتهاد ظاهرة دينية اجتماعية، انبثقت في صفوف مجتمع المسلمين منذ عهد رسول اللّه (ص) وتمثلت بوضوح في اولئكم النفر من الصحابة الذين بعثهم رسول اللّه (ص) الى البلدان التي اسلم اهلها، ليقوموا بوظيفة تعليم الناس القرآن الكريم واحكام الشريعة في مجالي العقيدة والتشريع.

فقد كان هؤلا المنتدبون لهذه المهمة عندما يسالون عن حكم حادثة ما، يبحثون عن ذلك في ما لديهم من نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة الشريفة.

وهذا البحث في النصوص الشرعية لاستنطاقها بغية استفادة الحكم منها، هو الاجتهاد، الا انه كان قليل المؤونة، لانه في بداياته الاولى، وفي عهد وجود النبي (ص) حيث يرجع اليه عند الاستشكال في مهم من ذلك.

وسار المسلمون على هذا منذ ذلكم العهد الشريف حتى يوم الناس هذا.

وهو دليل متين، لان البحث والافتا من قبل العلما من الصحابة كان يحدث بامر من النبي (ص)، وبتوجيهه وارشاده،وبمراى ومسمع منه (ص).

والتزم طريقة النبي (ص) في البعث والارجاع الائمة من اهل بيته (ع)، فقد كانوا يرجعون شيعتهم الى اصحابهم وتلامذتهم من الفقها الرواة، ويامرون هؤلا الفقها بالافتا تثبيتا لهذه السيرة واستمرارا بها.

وقد فصلت هذا عرضا واستدلالا في رسالتي في «التقليد»، فيرجى الرجوع اليها لاستبانة هذا بما هو اوسع بيانا، واكثرايضاحا.

ويفهم القول الثاني، وهو القول بحرمة الاجتهاد، وعلة هذا التحريم وما يلزم ان يقوم مقامه في راي المحدث الاسترابادي، يفهم هذا مما ذكره في كتابه الموسوم ب «الفوائد المدنية» ((8))، ونصه: «فائدة: الصواب عندي مذهب قدمائنا الاخباريين وطريقتهم.

اما مذهبهم فهو ان كل ما تحتاج اليه الامة الى يوم القيامة عليه دلالة قطعية من قبله تعالى حتى ارش الخدش، وان كثيرامما جا به (ص) من الاحكام ومما يتعلق بكتاب اللّه وسنة نبيه (ص) من نسخ وتقييد وتخصيص وتاويل، مخزون عندالعترة الطاهرة (ع)، وان القرآن في الاكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة الى اذهان الرعية، وكذلك كثير من السنن النبوية،وانه لا سبيل لنا في ما لا نعلمه من الاحكام النظرية الشرعية، اصلية كانت او فرعية، الا السماع من الصادقين (ع)، وانه لايجوز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر كتاب اللّه ولا من ظواهر السنن النبوية ما لم يعلم احوالهما من جهة اهل الذكر(ع)، بل يجب التوقف والاحتياط فيهما.

وان المجتهد في نفس احكامه تعالى ان اخطا كذب على اللّه تعالى وافترى، وان اصاب لم يؤجر.

وانه لا يجوز القضا ولا الافتا الا بقطع ويقين، ومع فقده يجب التوقف.

وان اليقين المعتبر فيهما قسمان:

يقين متعلق بان هذا حكم اللّه في الواقع.

ويقين متعلق بان هذا ورد عن معصوم، فانهم (ع) جوزوا لنا العمل به قبل ظهور القائم (ع)، وان كان وروده في الواقع من باب التقية ولم يحصل لنا منه ظن بما هو حكم اللّه تعالى في الواقع.

والمقدمة الثانية متواترة معنى عنهم».

والذي يمكن ان يستخلص من هذا النص هو الاتي:

1- تحريم الاجتهاد الذي تكون نتائجه ظنية، وهو الذي يرجع فيه الى خبر الثقة وظهورات الالفاظ التي هي طرق ظنية،تؤدي عادة الى نتائج ظنية.

2- وجوب الرجوع الى احاديث اهل البيت (ع) المتيقن صدورها عنهم في تفسير ظواهر القرآن وشرح ظواهر السنة.

3- وجوب الاخذ بطريقة فقها الماثور ومنهجهم، او ما اسميتهم بالفقها الرواة، وهو فهم الحكم الشرعي من النص الشرعي باقل مؤونة تفكير في الفهم ومن غير رجوع الى قواعد علم اصول الفقه وضوابطه.

وهذا يعني ان الاسترابادي لم يحرم مطلق الاجتهاد، وانما حرم الاجتهاد الاصولي.

وبتعبير اقرب الى طبيعة ما يريد ان يقوله هنا: انه حرم اتباع المنهج الاصولي في دراسة النص الشرعي، مؤكدا على ضرورة اتباع منهجه الاخباري الذي قرره في نصه المذكور اعلاه، والذي يتمثل بالنقاط الاتية:

1- ان كل ما تحتاج اليه الامة الى يوم القيامة عليه دلالة قطعية من قبله تعالى.

2- ان كثيرا مما جا به النبي (ص) من الاحكام وما يتعلق بكتاب اللّه او سنة نبيه (ص) من نسخ او تقييد او تخصيص اوتاويل مخزون عند العترة الطاهرة.

3- لا سبيل لنا في ما لا نعلمه من الاحكام النظرية الشرعية اصلية كانت او فرعية الا السماع من الصادقين (ع).

4- لا يجوز استنباط الاحكام النظرية من ظواهر كتاب اللّه ولا من ظواهر السنن النبوية ما لم يعلم احوالهما من جهة اهل الذكر (ع)، بل يجب في هذه الحالة التوقف والاحتياط فيهما.

5- لا يجوز القضا ولا الافتا الا بقطع ويقين، ومع فقده يجب التوقف.

6- ان اليقين فيهما (يعني: القضا والافتا) قسمان:

يقين متعلق بان هذا حكم اللّه في الواقع.

ويقين متعلق بان هذا ورد عن معصوم، فانهم (ع) جوزوا لنا العمل به قبل ظهور القائم (ع).

ويتلخص هذا في ان المحدث الاسترابادي:

1- يحصر مصدر التشريع في ما يروى عن اهل البيت (ع)، فلا يجوز الاخذ بمؤديات القرآن الكريم الا من خلال مايفسره من روايات اهل البيت (ع)، كما لا يجوز اخذ السنة الشريفة الا عن طريقهم (ع).

2- يحصر الاجتهاد في طريقة فهم النص المروي عن اهل البيت (ع) بوسائل ليس للعقل مجال فيها.

فهو في الواقع يقر الاجتهاد، لان الخلاف بينه وبين الاصوليين في منهج الاجتهاد لا في الاجتهاد نفسه، حيث يرى  لزوم اعتماده على النقل فقط، بينما يجوز الاصوليون الاخذ بالنقل والعقل.

والنتيجة التي ننتهي اليها من هذا كله هي: انه لا قول عند اصحابنا الامامية بحرمة الاجتهاد.

وما نسب الى المحدث الاسترابادي انما هو خلاف في منهج الاجتهاد لا في الاجتهاد نفسه.

اهداف الاجتهاد تبينا من دراستنا لاهمية الاجتهاد الغاية من تشريع الاجتهاد في الدين الاسلامي، وايجابه على المسلمين، وهنانستعرض غايته بابرز معالمها، وهي:

1- معرفة الاحكام الشرعية التي كلف اللّه تعالى عباده بها، بما لها من شمولية تعم جميع مجالات حياتهم فردية واجتماعية.

2- ان الدين الاسلامي يختلف عن الاديان الاخرى بما يتمتع به من استمرارية مع هذه الحياة حتى نهايتها.

والحياة كما هو معلوم بالبداهة في تطور مستمر، تستجد فيها امور وتنتهي اخرى، وتتغير فيها شؤون من حال لاخرى.

وكل هذه تحتاج الى الوسيلة التي تلتمس لها الاحكام الشرعية المناسبة عن طريقها، وليست هي الا الاجتهاد.

تاريخ الاجتهاد تقدم انني قد ابنت في رسالتي، في «التقليد»، ان نشوء التقليد الشرعي، بوصفه ظاهرة اجتماعية شرعية، يرجع الى عهد رسول اللّه (ص)، وكان بروزها في المجتمع الاسلامي وعند المسلمين تحت اشرافه (ص) وبتخطيط منه، ولان ظاهرة التقليد ملازمة لظاهرة الاجتهاد، اذ لا تقليد بلا اجتهاد، وذلك ان المسلم المكلف عندما يقلد يرجع الى الفقيه العالم بالاحكام الشرعية ويستفسره عنها ويتعلمها منه، وهذا يتطلب وجود الاجتهاد سابقا على التقليد ليصح رجوع المكلف العامي الى المجتهد العالم بالحكم الشرعي.

وعرفنا هذا من سيرة المسلمين وتاريخهم، فقد برزت هاتان الظاهرتان في بعض الوقائع الجزئية التي ارخ لها الذين قاموابالكتابة عن تاريخ التشريع الاسلامي.

وتمثلت هذه الوقائع التاريخية بالاتي:

1- المفقهون الذين بعثهم النبي (ص) الى البقاع الاسلامية لاقرا القرآن وتعليم الاحكام.

2- المفتون من الصحابة والتابعين في المساجد الاسلامية، التي كانت آنذاك مراكز للتعليم، امثال: مسجد النبي بالمدينة والمسجد الجامع بالكوفة.

3- ارجاع ائمة اهل البيت (ع) اصحابهم الى الفقها لاخذ الاحكام الشرعية منهم.

4- التاكيد على وجود هذه الظاهرة من قبل اعلام فقهائنا.

فمن المفقهين الذين بعثهم رسول اللّه (ص) لاقرا القرآن وتعليم الاحكام:

مصعب بن عمير (ت 3ه):

فقد ذكر في «السيرة»: «ان رسول اللّه (ص) بعثه مع القوم الذين بايعوه في العقبة الاولى، وهم اثنا عشر، وامره ان يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين، وكان يسمى المقرى بالمدينة» ((9)).

معاذ بن جبل (ت 18 ه):

جا في «الاكتفا»: «استخلف رسول اللّه (ص) عتاب بن اسيد على مكة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن».

وجا في «الاستيعاب»: «وبعثه (يعني معاذا) رسول اللّه (ص) قاضيا الى الجند من اليمن، يعلم الناس القرآن وشرائع الاسلام، ويقضي بينهم، وجعل اليه قبض الصدقات من العمال الذين باليمن عام فتح مكة» ((10)).

عمرو بن حزم (ت 51ه):

ففي «الاستيعاب»: «استعمل رسول اللّه (ص) عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الخزرجي النجاري من بني مالك على نجران، وهم بلحارث بن كعب، وهو ابن سبع عشرة سنة، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن، وياخذ صدقاتهم، وذلك سنة عشر بعد ان بعث اليهم خالد بن الوليد، وكتب له كتابا في الفرائض والسنن والصدقات والديات، لم يشهد بدرا في ما يقولون، واول مشاهده الخندق، ومات بالمدينة سنة احدى وخمسين، وقيل:

سنة ثلاث وخمسين، وقيل: سنة اربع وخمسين، وقيل: انه توفي في خلافة عمر بن الخطاب(رض) بالمدينة» ((11)).

ان المسلمين المقيمين آنذاك في البلدان المذكورة كانوا يستفتون هؤلا الصحابة المبعوثين اليهم في امور دينهم،وكانوا يفتونهم من خلال فهمهم لدلالات النصوص الشرعية من آيات وروايات، وليس هذا الفهم منهم الاالاجتهاد.

وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «كان ابو عبداللّه (ع) قاعدا في حلقة ربيعة الراي ((12))، فجا اعرابي فسال ربيعة عن مسالة فاجابه، فلما سكت قال له الاعرابي: اهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئا، فاعاد عليه المسالة، فاجابه بمثل ذلك، فقال له الاعرابي: اهو في عنقك؟ فسكت ربيعة.

فقال له ابو عبداللّه (ع): هو في عنقه، قال او لم يقل، وكل مفت ضامن».

فان قول الامام الصادق (ع): «وكل مفت ضامن» دليل متين على مشروعية الافتا، والافتا الشرعي ملازم للاجتهادالشرعي، وبالتالي فان هذا يدل على وجود الاجتهاد آنذاك وممارسة المجتهدين لاجتهادهم.

وفي «معجم رجال الحديث» ((13)) يقول استاذنا السيد الخوئي في ترجمته لابان بن تغلب: «قال الشيخ: ابان بن تغلب بن رباح، ابو سعيد البكري الجريري، مولى بني جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ثقة، جليل القدر، عظيم المنزلة في اصحابنا، لقي ابا محمد علي بن الحسين، وابا جعفر، وابا عبداللّه (ع)وروى عنهم، وكانت له عندهم حظوة وقدم، وقال له ابو جعفر الباقر (ع):

اجلس في مسجد المدينة، وافت الناس، فاني احب ان يرى في شيعتي مثلك، فجلس.

وقال ابو عبداللّه (ع) لما اتاه نعيه: اما واللّه لقد اوجع قلبي موت ابان».

وفي المعجم المذكور ((14)) في ترجمة «معاذ بن مسلم الهرا»: «وقال الكشي: حدثني حمدويه وابراهيم ابنا نصير، قالا:حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن ابي عمير عن حسين بن معاذ عن ابيه معاذ بن مسلم النحوي عن ابي عبداللّه (ع)، قال:قال لي: بلغني انك تقعد في الجامع فتفتي الناس، قال:

قلت: نعم، وقد اردت ان اسالك عن ذلك قبل ان اخرج، اني اقعد في الجامع فيجي ء الرجل فيسالني عن الشيء، فاذا عرفته بالخلاف لكم اخبرته بما يقولون، ويجي ء الرجل اعرفه بحبكم او بمودتكم فاخبره بما جا عنكم، ويجي ء الرجل لا اعرفه ولا ادري من هو، فاقول: جا عن فلان كذا، وجا عن فلان كذا، فادخل قولكم في ما بين ذلك. قال: فقال لي: اصنع كذا، فاني اصنع كذا».

فذلك الامر من الامام الباقر (ع) لابان بالافتا، وهذا الاقرار من الامام الصادق (ع) لمعاذ على افتائه، دليل وجودالاجتهاد، وتدريب الائمة (ع) اصحابهم عليه.

ومررنا بشيء غير قليل، في رسالتنا في «التقليد»، من ارجاعات ائمة اهل البيت (ع) اتباعهم الى الفقها من تلامذتهم واصحابهم لاستفتائهم واخذ الاحكام الشرعية منهم، والعمل وفاقا لها، وهذا لا يتاتى الا اذا كان الاجتهاد موجودا، وكان من ارجعوهم اليهم مجتهدين.

ومن هذا:

قول ابي الحسن الهادي (ع) في جواب سؤال احمد بن اسحاق: من اعامل؟ وعمن آخذ؟ وقول من اقبل؟