الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وبوسعنا من خلال دراسة متحررة من الاحكام المسبقة ضد التصوف الاسلامي ان نرصد صورا وتجارب معرفية في‏تفاعل العقيدة الاسلامية من خلال نزعة التصوف مع الذات الانسانية بحيث لا تعود العقيدة مجرد نصوص صارمة...لنذكر ان المتصوفة رفضوا اغلاق باب الاجتهاد حين اغلقه الحكام لغاية في انفسهم. وهنا يجدر القول ان رفض بعض‏الشيعة لاي علاقة لهم بالتصوف كان من باب ان مدعي التصوف حولوه الى تهمة يجب دفعها، لكن العلاقة بين التصوف‏والتشيع لا يمكن ان تمحى مهما حاولنا.

التشيع المفترى عليه (3)

الشيخ خالد العطية

مداخلات وهوامش نقدية على كتاب: «تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه‏» لاحمد الكاتب مناقشة الشبهة الثانية:

(ان الوصية المروية عن النبي (ص) لعلي (ع) وصية شخصية لا علاقة لها بالامامة والخلافة الدينية).

اهقال «الكاتب‏»: «ويقول الكليني في «الكافي‏»، نقلا عن الامام جعفر بن محمد الصادق: انه لما حضرت رسول اللّه (ص)الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وامير المؤمنين، فقال للعباس: يا عم محمد.. تاخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجزعداته؟.. فرد عليه فقال: يا رسول اللّه، بابي انت وامي، اني شيخ كبير كثير العيال قليل المال، من يطيقك وانت تباري‏الريح!؟ قال: فاطرق هنيهة، ثم قال: يا عباس اتاخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه؟.. فقال كرد كلامه.. قال: امااني ساعطيها من ياخذها بحقها. ثم قال: يا علي، يا اخا محمد، اتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه؟.. فقال:نعم بابي انت وامي ذاك علي ولي.

وهذه الوصية، كما هو ملاحظ، وصية عادية شخصية آنية، لا علاقة لها بالسياسة والامامة، والخلافة الدينية، وقد عرضهاالرسول في البداية على العباس بن عبد المطلب، فاشفق منها، وتحملها الامام امير المؤمنين طواعية.

وهناك وصية اخرى ينقلها الشيخ المفيد في بعض كتبه عن الامام امير المؤمنين (ع) ويقول: ان رسول اللّه (ص) قداوصى بها اليه قبل وفاته، وهي ايضا وصية اخلاقية روحية عامة، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات.

واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة الامامية، كالكليني والمفيد والمرتضى، فاننا نرى انهاتكشف عن عدم وصية رسول اللّه للامام علي بالخلافة والامامة، وترك الامر شورى‏» ((129)).

تجدر الاشارة، قبل البدء بمناقشة هذه الشبهة، الى ان «الكاتب‏» سيؤسس عليها، في الفصل الثاني من كتابه، نظريته، اوبالاحرى نظرية خصوم الشيعة التقليدية المعروفة، في تفسير نشاة التشيع وبروزه على المستوى التاريخي بالمعنى الذي‏يتجاوز حدود الولاء لشخص الامام علي بن ابي طالب (ع) والقول بتفضيله على سائر الصحابة الى القول باستخلاف‏النبي (ص) له من بعده وفرض امامته، وهو ما اسماه «الكاتب‏» «المعنى السياسي‏» للتشيع. واعني بهذه النظرية: ما زعمه‏هؤلاء، بناء على ما رواه سيف بن عمر، الراوي الذي اجمع علماء الحديث والرجال على تضعيفه واتهمه اكثرهم‏بالزندقة، من ان التشيع اخترعه شخص اسمه عبداللّه بن سبا غلا في علي بن ابي طالب ايام خلافته، وقال فيه بانه وصي‏النبي محمد (ص) كما كان لكل نبي وصي ((130)).

وسنرى، عند مناقشتنا لهذه النظرية في حينه، كيف تلاعب «الكاتب‏» باقوال بعض مؤرخي الشيعة وحرفها على نحومفضوح ليدعم بها نظرية سلفه الكذاب سيف هذه، لكن ما اريد قوله الان: ان «الكاتب‏» قد ربط مصير هذه النظرية التي‏تشكل حجر الزاوية في مشروع كتابه بمضمون هذه الشبهة، ولهذا يتحتم علينا ان نناقشها بشي‏ء من التحقيق والتوسع،وذلك من خلال توضيح عدة امور:

دليل امامة علي وخلافته عند الشيعة هو النصوص وليس الوصية عند الموت اولا: ان «الكاتب‏» قدر ان الطريق الوحيد المتصور لتعيين النبي (ص) عليا (ع) خليفة واماما من بعده هو ان يوصي له‏بالخلافة ويعهد بها اليه قبيل وفاته على نحو ما كان يعهد، مثلا، «الخلفاء» والسلاطين في عصور الامويين والعباسيين‏بالخلافة او الملك لاحد ابنائهم او اقربائهم، او على نحو ما عهد الخليفة الاول ابو بكر قبيل وفاته بالخلافة لعمر بن‏الخطاب، او على نحو ما عهد عمر، وهو على فراش الموت، بالخلافة لواحد من الستة: اعضاء الشورى. ولهذا نجده‏يعمد الى انتقاء بعض النصوص التي تتحدث عما اوصى به النبي (ص) لعلي (ع) عند حضور وفاته، ليقول لنا: انه ان كان‏ثمة وصية من النبي (ص) لعلي (ع) فهي هذه الوصية، وهي: اه‏«كما هو ملاحظ وصية عادية شخصية آنية، لا علاقة لهابالسياسة والامامة والخلافة الدينية‏»اق، وهي بما انها تمثل كل ما لدينا من نصوص في هذا المجال اه‏«تكشف عن عدم‏وصية رسول اللّه للامام علي بالخلافة والامامة وترك الامر شورى‏»!اق ولكن هذا التقدير، بكل حيثياته ومسوغاته، خاط‏ى تماما، لان الخلافة او الامامة التي نتحدث عنها لعلي (ع) منصب‏ينوب فيه الامام عن النبي في جميع شانه الالهي ما عدا الوحي والنبوة، اي انه منصوب من قبل اللّه ورسوله (ص) حجة‏على الناس واماما لهم ووصيا على حفظ الرسالة والبلوغ بها الى اقصى غاياتها من بعد الرسول (ص)، ومن مقتضيات‏هذا الشان الالهي الذي ينوب فيه الامام عن الرسول ومن لوازمه خلافته في حكم امته وسياستها. وبناء على هذا المعنى‏للخلافة، تكون الخلافة جزءا من الرسالة الالهية وحكما اساسيا من احكام دين الاسلام يجب على الرسول اعلانه‏وتبليغه لا لمن استخلفه فحسب، وانما للامة التي استخلفه فيها وعلى نحو علني، ولا شك في ان هذا النحو لا تناسبه‏طريقة الوصية بالمعنى الذي طرحه «الكاتب‏»، وقدر انه هو الطريق الوحيد المتصور لذلك، لان الخلافة بالمعنى الذي‏ذكرناه ليست شانا شخصيا من شؤون الرسول العادية والانية، كديونه وممتلكاته الخاصة، التي يصح ان ينتظر في توريثهاوالايصاء بها الى من يشاء من اقربائه وخاصته حين حضور وفاته، وفي غيبة ممن عدا الموصى اليه، وانما الذي يناسبه‏هو طريقة النص والتعيين العام على مراى ومسمع من الناس، ولهذا لا نجد واحدا من متكلمي الشيعة يستدل في اثبات‏امامة علي بن ابي طالب وخلافته للنبي (ص) بالوصية بمعناها الفقهي والتقليدي الضيق هذا، اي ما يعهد به الانسان‏ويوصي به اهله او احدا من خاصته عند حضور موته، ولا نجد نصا واحدا من بين عشرات النصوص التي يستدلون بهاعلى مدعاهم يتحدث عن وصية النبي (ص) بالخلافة لعلي عند وفاته الا نص «الكتف والدواة‏» ((131)) المتفق عليه عندالسنة والشيعة والذي اراد فيه النبي (ص)، حسبما يعتقد الشيعة، ان يحسم اي نزاع محتمل حول خلافة علي من بعده،ولكنه منع من ذلك. وحتى هذا النص فانما يستدلون به لتعزيز ما لديهم من نصوص اخرى، وليس هو النص الاساسي‏الصريح والمباشر في قضية امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص) عندهم.

نعم، تتحدث نصوص كثيرة عند الشيعة، وبعضها عند السنة ايضا، عن وصية ما للنبي (ص) بمعناها المشار اليه آنفا(الوصية عند الموت) خص بها عليا (ع) في اللحظات الاخيرة من حياته الشريفة غير هذه الوصية التي تضمنها النص‏الذي ذكره «الكاتب‏»، فتذكر انه (ص) في تلك اللحظات «اكب على علي (ع) وجعل يساره ويناجيه، ثم قبض (ص) من‏يومه ذلك، فكان علي (ع) اقرب الناس به عهدا» ((132)).

ولكن الشيعة لا يدعون ان هذه الواقعة كانت بلاغا من الرسول للناس بخلافة علي وامامته من بعده، بل ولا حتى بلاغالعلي نفسه بذلك، لانهم يعتقدون ان النصوص قد سبقت من النبي بذلك في مواقف ومناسبات متعددة، وانه قد فرغ‏من بيان هذا الامر وابلاغه للامة ولعلي على حد سواء قبل حضور اجله.

وصفوة المعنى الذي قصدت الى بيانه في هذا الامر: ان الشيعة لا يستندون في ثبوت امامة علي بن ابي طالب (ع)وخلافته للرسول (ص)، الى واقعة الوصية عند الموت، وانما الى النص والتعيين الصادرين من النبي (ص) قبل حضوراجله والثابتين عنه في نصوص واحاديث كثيرة، منها نصوص الوصية، ولكن ليس بهذا المعنى الشخصي الضيق الذي‏يزعم «الكاتب‏» ان الشيعة يبنون اعتقادهم في امامة علي بن ابي طالب (ع) وخلافته للنبي (ص) على اساسه، وانمابمعنى اعم واشمل من ذلك، كما سوف نبينه في الفقرة اللاحقة. فلماذا اغفل «الكاتب‏» ذكر هذه النصوص ولم يبحثهافي كتابه واقتصر على ذكر بعض نصوص الوصية عند الوفاة من دون سواها كانها كل ما يستند اليه الشيعة من نصوص في‏ثبوت خلافة علي (ع) للرسول (ص)؟! موضوع الوصية في حديث النبي (ص) ورواياتها وزمن صدورها ثانيا: ان نصوص الوصية، كما هي مذكورة في مصادر الشيعة والسنة على حد سواء، لا تنحصر موضوعا ولا رواية ولازمانا في النطاق الجزئي المحدود الذي ذكره «الكاتب‏» .

اما موضوعا، فلانها تتضمن ما هو اكثر من مجرد الوصية ببعض الامور الاخلاقية والروحية، او الوصية ببعض الامورالشخصية كقضاء الديون وانجاز العدات والنظر في الوقوف والصدقات وما الى ذلك.

فالوصية بهذه الامور في بعض النصوص على رغم دلالتها الضمنية المهمة على ما يتمتع به علي (ع) من اهلية ومن‏مكانة خاصة عند النبي (ص) لا يتمتع بمثلها غيره من الصحابة لا تشكل الا مفردة جزئية اذا ما قيست بغيرها من‏المفردات الاخرى ذات الدلالات الدينية الكلية والسياسية العامة التي تضمنتها نصوص الوصية واستحق بسببها علي(ع) لقب الوصي الذي ذاع واشتهر في اقوال الصحابة والتابعين وفي اشعارهم، وسجلته معاجم اللغة علما عليه‏بالخصوص ((133))، وعلى سبيل المثال لا الحصر سوف استعرض في ما ياتي بعض تلك النصوص مما اشتمل على‏المفردات المشار اليها:

1- حديث يوم الدار قال رسول اللّه (ص) بعدما نزلت آية (وانذر عشيرتك الاقربين)، وقد جاء في آخره: «يا بني عبد المطلب: اني واللّه مااعلم شابا في العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد امرني اللّه ان ادعوكم اليه، فايكم‏يؤازرني على امري هذا على ان يكون اخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ قال (علي (ع) والرواية عنه) فاحجم القوم عنهاجميعا، وقلت، واني لاحدثهم سنا..: انا اكون وزيرك، فاخذ برقبتي، ثم قال: ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم،فاسمعوا له واطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لابي طالب: قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع‏».

وقد روى هذا الحديث بالفاظه السابقة بعينها الطبري في «تاريخ الامم والملوك‏» ((134)) عن ابن اسحاق، كما رواه ايضا،نقلا عن تاريخ الطبري او عن سيرة ابن اسحاق، جماعة من المؤرخين والمفسرين والحفاظ، منهم: ابن الاثير، وابن ابي‏الحديد، وابن عساكر، والبغوي والخازن ((135))، كما رواه الطبري ايضا في تفسيره ((136)) غير انه هو او الناسخ حذف‏قوله (ص) فيه: «ووصيي وخليفتي فيكم‏» ووضع مكانه كلمة «وكذا وكذا»، ولعل احتمال كون ذلك من عمل الناسخ هوالارجح كما ذهب اليه بعض الباحثين ((137))، والا فلماذا فعل الطبري ذلك في تفسيره ولم يفعله في تاريخه؟ كما ان ابن مردويه رواه كما في كنز العمال ((138)) بلفظ:

«ويكون اخي وصاحبي ووليكم من بعدي‏»، وهو لفظ قريب من‏اللفظ السابق.

وقد حاول ابن كثير الطعن برواية ابن اسحاق لهذا الحديث بدعوى ان في سندها ابا مريم عبد الغفار بن القاسم، قال:«وهو كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني بوضع الحديث، وضعفه الباقون‏» ((139)).

لكن اتهام الرواة الذين يروون في علي واهل البيت ما يخالف عقيدة «اهل السنة‏» بالكذب عادة مالوفة عند ابن كثيروغيره من المحدثين والرجاليين الذين هم على شاكلته في التعصب لمذهبهم والتحامل على من يخالفهم.

وليس من العلم ولا من الانصاف في شي‏ء ان يعمد الى جرح الرواة المعروفين بالتدين والعدالة والضبط واتهامهم‏بالكذب والوضع بمجرد الدعوى من دون ذكر اسباب ظاهرة تخل بوثاقتهم.

والعجيب كما اشار الى ذلك بعض الباحثين ((140)) ان ابن كثير نفسه قد شهد بوثاقة ابي مريم في موضع آخر من كتابه‏«البداية والنهاية‏» .

وممن شهد لابي مريم بالعلم والوثاقة، من المحدثين، شعبة، قال: «لم ار احفظ منه‏» ((141))، ولا شك في ان شعبة ممن لايتهم بالتشيع.

ويمكن الوقوف على مكانة ابي مريم في الحديث ودرجته في الوثاقة فيه من خلال شهادة ابن عقدة وهو من كبارالمحدثين الثقاة في القرن الرابع التي نقلها ابن عدي في حقه واوردها ابن حجر العسقلاني في «لسان الميزان‏»، قال ابن‏عدي: «سمعت ابن عقدة يثني على ابي مريم ويطريه، وتجاوز الحد في مدحه حتى قال: لو ظهر على ابي مريم مااجتمع الناس الى شعبة‏» ((142)).

وبطبيعة الحال لم ترق هذه الشهادة لابن عدي، ولذا قال معقبا عليها: «وانما مال اليه ابن عقدة هذا الميل لافراطه في‏التشيع‏» . ((143)) وهكذا تسقط كرامة الرجال، ومعها حقائق التاريخ بسبب سقوط الموضوعية والنزاهة واختلال المعايير! 2- حديث بريدة الاسلمي عن رسول اللّه (ص): «لكل نبي وصي ووارث، وان عليا وصيي ووارثي‏» ومن رواته: ابن عساكر في «تاريخ دمشق‏» والذهبي في «ميزان الاعتدال‏»، والخوارزمي في «المناقب‏»، وابن المغازلي في‏«مناقب علي بن ابي طالب‏»، والمحب الطبري في «ذخائر العقبى‏»، والمناوي في «كنوز الحقائق‏»، والكنجي في «كفاية‏الطالب‏» والقندوزي في «ينابيع المودة‏» ((144)).

قال العلامة شرف الدين: «هذا الحديث اورده الذهبي في احوال شريك (احد رواة الحديث) من ميزان الاعتدال وكذب‏به، وزعم ان شريكا لا يحتمله، وقال: «ان محمد بن حميد الرازي (احد رواة الحديث) ليس بثقة‏»، والجواب: ان الامام‏احمد بن حنبل والامام ابا القاسم البغوي، والامام ابن جرير الطبري وامام الجرح والتعديل ابن معين وغيرهم من‏طبقتهم، وثقوا محمد بن حميد ورووا عنه، فهو شيخهم ومعتمدهم كما يعترف به الذهبي في ترجمة ابن حميد في‏الميزان، والرجل ممن لم يتهم بالرفض ولا بالتشيع، وانما هو من سلف الذهبي، فلا وجه لتهمته في هذا الحديث‏»((145)).

3- حديث سؤال سلمان النبي عن وصيه وقد رواه احمد بن حنبل عن انس في كتاب «المناقب‏» حسبما ذكر ذلك المحب الطبري في «الرياض النضرة‏» ((146))قال: «عن انس، قال: قلنا لسلمان: سل النبي (ص) من وصيه؟ فقال سلمان: يا رسول اللّه من وصيك؟ قال: يا سلمان، من كان‏وصي موسى؟ قال: يوشع بن نون، قال: فان وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن ابي طالب‏».

وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير ((147)) عن ابي سعيد الخدري عن سلمان «قال: قلت يا رسول اللّه لكل نبي وصي‏فمن وصيك؟ فسكت عني، فلما كان بعد رآني، فقال: يا سلمان، فاسرعت اليه، قلت: لبيك، قال: تعلم من وصي‏موسى؟ قلت: نعم، يوشع بن نون، قال: ولم؟ قلت: لانه كان اعلمهم، قال: فان وصيي وموضع سري وخير من اترك‏بعدي ينجز عدتي ويقضي ديني علي بن ابي طالب‏».

وقد عقب الطبراني على هذا الحديث بقوله: «قال ابو القاسم:

قوله «وصيي‏» يعني انه اوصاه في اهله لا بالخلافة، وقوله‏«خير من اترك بعدي‏» يعني من اهل بيته (ع)» ((148)).

وهذا التعقيب لا يخرج عن كونه محاولة تاويل متعسفة وغير مبنية على قرائن صحيحة لحصر معنى وصاية علي (ع)الثابتة في هذا الحديث في نطاق خاص محدود، وهي تشبه في اهدافها محاولة «الكاتب‏» التي نحن بصدد الحديث عنهالحصر وصاية علي (ع) في نطاق قضاء ديون النبي وانجاز عداته وما الى ذلك من شؤون شخصية، والا فما شان سلمان‏بالسؤال عمن يكون وصيا للنبي في اهل بيته؟ وهل كان يوشع بن نون وصيا لموسى في اهل بيته فحسب او في قومه‏وامته؟ ومن قبل يوشع كان هارون الذي اوصاه موسى بنص القرآن بقوله:

(اخلفني في قومي واصلح ولا تتبع سبيل‏المفسدين) [الاعراف:

142]، وهل كان يوشع اعلم اهل بيته فحسب او اعلم قومه؟ اسئلة نضع الاجابة عنها في عهدة «ابي القاسم‏» وحده الذي اسند اليه الطبراني هذا التعقيب.

4- حديث اختيار اللّه تعالى لعلي (ع) بعلا لفاطمة ووصيا للنبي (ص) وهو حديث ابي ايوب الانصاري الذي رواه الطبراني في «المعجم الكبير» ((149)) عن رسول اللّه (ص)، قال: «يا فاطمة، اماعلمت ان اللّه عز وجل اطلع على اهل الارض فاختار منهم اباك فبعثه نبيا، ثم اطلع الثانية، فاختار بعلك، فاوحى الي،فانكحته، واتخذته وصيا».

قال العلامة شرف الدين في المراجعات: «انظر كيف اختار اللّه عليا من اهل الارض كافة بعد ان اختار منهم خاتم انبيائه،وانظر الى اختيار الوصي وكونه على نسق اختيار النبي، وانظر كيف اوحى اللّه الى نبيه ان يزوجه ويتخذه وصيا..»((150)).

5- حديث اول الداخلين من الباب وهو حديث انس بن مالك الذي اخرجه الحافظ ابو نعيم وغيره ((151)) عن رسول اللّه (ص) قال: «يا انس اول من يدخل‏عليك من هذا الباب امام المتقين، وسيد المسلمين، ويعسوب الدين، وخاتم الوصيين، وقائد الغر المحجلين، قال انس:فجاء علي، فقام اليه رسول اللّه (ص) مستبشرا فاعتنقه، وقال له: انت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم مااختلفوا فيه من بعدي‏».

6- حديث المنزلة والوراثة وهو حديث زيد بن ابي اوفى الذي ذكر قصة مؤاخاة النبي بين اصحابه والذي رواه عنه احمد بن حنبل في كتاب‏«المناقب‏» حسبما ذكره الحاكم في «المستدرك‏»، ورواه ايضا ابن عساكر في تاريخه ((152)) قال: «فقال علي: لقد ذهب‏روحي وانقطع ظهري حين رايتك فعلت باصحابك ما فعلت، غيري، فان كان هذا من سخطك علي فلك العتبى‏والكرامة. فقال رسول اللّه (ص): والذي بعثني بالحق ما اخرتك الا لنفسي وانت مني بمنزلة هارون من موسى غير انه لانبي بعدي وانت اخي ووارثي. قال: وما ارث منك يا نبي اللّه؟ قال: ما ورثت الانبياء من قبلي. قال: وما ورثت الانبياء من‏قبلك؟ قال: كتاب ربهم وسنة نبيهم، وانت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي، وانت اخي ورفيقي. ثم تلا رسول‏اللّه (ص): (اخوانا على سرر متقابلين) المتحابين في اللّه ينظر بعضهم الى بعض‏».

7- حديث علمني الف باب وهو حديث عبداللّه بن عمرو الذي اخرجه الحافظ ابن عدي وذكره ابن عساكر وابن كثير ((153))، قال: «قال رسول اللّه(ص) في مرضه: ادعوا لي اخي، فجاء ابو بكر، فاعرض عنه، ثم قال: ادعوا لي اخي، فجاء عثمان فاعرض عنه، ثم قال:ادعوا لي اخي: فدعي له علي بن ابي طالب، فستره بثوب، وانكب عليه، فلما خرج من عنده قيل له: ما قال النبي لك؟قال: علمني الف باب يفتح كل باب الف باب‏».

ولهذا الحديث شواهد من احاديث اخر كثيرة تعضده وتؤيده موجودة في كتب الفريقين منها، عند السنة: ما رواه الفخرالرازي في التفسير الكبير ((154)) في تفسير قوله تعالى:

(ان اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين)قال: «قال علي (ع): علمني رسول اللّه (ص) الف باب من العلم واستنبطت من كل باب الف باب... الحديث‏».

ومنها: ما رواه ابن عبد البر في «الاستيعاب‏»، وابن الاثير في «اسد الغابة‏» ((155)) بسنديهما عن عبداللّه بن عباس، قال:«واللّه لقد اعط‏ي علي بن ابي طالب تسعة اعشار العلم، وايم اللّه لقد شارككم في العشر العاشر».

ولهذا لا قيمة لقول ابن عدي الذي نقله عنه ابن عساكر بعد ان ذكر الحديث المتقدم: «وهذا حديث منكر، ولعل البلاءفيه من ابن لهيعة (احد رواة الحديث)، فانه شديد الافراط في التشيع، وقد تكلم فيه الائمة ونسبوه الى الضعف‏» ((156)).

فالحديث ليس بمنكر، كما ان عبداللّه بن لهيعة الذي هو من رجال الصحاح، قد اثنى عليه احمد بن حنبل بقوله، كما في‏تهذيب التهذيب: «ومن كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه واتقانه‏» ((157)). وقال الحسن بن علي الخلال‏عن زيد بن الحباب: سمعت الثوري يقول: عند ابن لهيعة الاصول وعندنا الفروع، قال: وسمعته يقول: حججت حججالالقى ابن لهيعة، وقال ابو الطاهر بن السرح: سمعت ابن وهب يقول: حدثني واللّه الصادق البار عبداللّه بن لهيعة، وقال‏يعقوب بن سفيان: سمعت احمد بن صالح، وكان من خيار المتقين، يثني عليه‏» ((158)).

ولكن مشكلته، في ما يظهر، عند من تكلم فيه انه متهم بالتشيع لاهل البيت، وهذه تهمة ردت لاجلها احاديث ائمة اهل‏البيت انفسهم امثال الباقر والصادق. فكيف بابن لهيعة وامثاله! 8- حديث المسارة والمناجاة عند حضول اجل رسول اللّه (ص) وهو حديث ام سلمة الذي اخرجه الحاكم في «المستدرك‏» واعترف بصحته الذهبي في تلخيصه، واخرجه ايضا ابن‏عساكر في تاريخه، وابن حجر الهيثمي في «مجمع الزوائد» وغيرهم من الحفاظ ((159))، وقد سبقت الاشارة الى قسم‏منه:

قالت (رض): «والذي احلف به ان كان علي لاقرب الناس عهدا برسول اللّه (ص)، عدنا رسول اللّه (ص) غداة وهو يقول:جاء علي، جاء علي مرارا، فقالت فاطمة (رض): كانك بعثته في حاجة، قالت: فجاء بعد، قالت ام سلمة: فظننت ان له‏اليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب، وكنت من ادناهم الى الباب، فاكب عليه رسول اللّه (ص) وجعل يساره‏ويناجيه، ثم قبض رسول اللّه (ص) من يومه ذلك، فكان علي اقرب الناس عهدا».

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه‏» ((160)) وقال الشيخ المفيد في (الارشاد) بعد الاشارة الى مضمون‏هذا الحديث: «فقال له الناس: ما الذي اوعز اليك يا ابا الحسن؟ فقال: علمني الف باب، فتح لي كل باب الف باب،ووصاني ما انا قائم به ان شاء اللّه» ((161)).

9- ما عهد به النبي الى علي واطلعه عليه من علوم الغيب قال علي (ع) في خطبة له في «نهج البلاغة‏» ((162)): واللّه لو شئت ان اخبر كل رجل منكم بمخرجه ومولجه وجميع شانه‏لفعلت، ولكن اخاف ان تكفروا في برسول اللّه (ص). الا واني مفضيه الى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه، والذي بعثه‏بالحق، واصطفاه على الخلق ما انطق الا صادقا، وقد عهد الي بذلك كله وبمهلك من يهلك ومنجى من ينجو، وم‏آل هذاالامر، وما ابقى شيئا يمر على راسي الا افرغه في اذني، وافضى به الي‏».

ومما يشهد لما ذكره علي (ع) في خطبته هذه ما روي عن ابن عباس، قال: «كنا نتحدث ان النبي (ص) عهد الى علي‏سبعين عهدا لم يعهد الى غيره‏» ((163)).

كما تشهد له وتصدقه احاديث نبوية صحيحة كثيرة اخبر فيها النبي (ص) عليا (ع) بما سوف يقع له ولامته من حوادث،منها، ما رواه الحاكم بسنده عن علي (ع) قال: «ان مما عهد الي النبي (ص) ان الامة ستغدر بي بعده‏».

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه‏» ((164)).

ومنها، ما رواه الحاكم بسنده عن ابي سعيد الخدري، قال: «كنا مع رسول اللّه (ص) فانقطعت نعله فتخلف علي يخصفهافمشى قليلا ثم قال: ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن كما قاتلت على تنزيله‏»، فاستشرف لها القوم وفيهم ابو بكروعمر، قال ابو بكر: انا هو، قال: لا، قال عمر: انا هو، قال: لا، ولكن خاصف النعل، يعني عليا، فاتيناه فبشرناه، فلم يرفع به‏راسه، كانه قد كان سمعه من رسول اللّه (ص)».

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه‏» ((165)).

الى غير ذلك مما يصعب حصره ويدل في جملته على ان النبي قد عهد الى علي بما سوف يجري من حوادث بعدوفاته واوصاه بما يتعين عليه عمله في مواجهتها.

10- حديث الوصية بالتمسك بالثقلين وولاية علي (ع) ولعل من ابرز ما ينبغي عده من احاديث الوصية ايضا الحديث المعروف بحديث «الثقلين‏» الذي تضمن وصية النبي‏لامته بالتمسك من بعده بكتاب اللّه وعترته اهل بيته، وهو من اشهر الاحاديث، وقد ذكر ابن حجر في «الصواعق‏المحرقة‏» ان له «طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا» ((166)).

وقد روي ان النبي (ص) ذكره في عدة مواطن: بعد انصرافه من الطائف، وفي مسجد الخيف بمنى، وفي حجة الوداع‏بعرفة، وفي غدير خم قريبا من الجحفة، وفي حجرته قبل وفاته ((167))، ما يشهد باهمية غير عادية لهذه الوصية، وعناية‏خاصة بتبليغها للامة.

ومن رواياته: ما رواه مسلم عن زيد بن ارقم، قال: «قام فينا رسول اللّه (ص) خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة،فحمد اللّه واثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال:

«اما بعد الا ايها الناس، انما انا بشر يوشك ان ياتي رسول ربي فاجيب، وانا تارك فيكم الثقلين: اولهما كتاب اللّه، فيه‏الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به.. واهل بيتي، اذكركم اللّه في اهل بيتي، اذكركم اللّه في اهل بيتي، اذكركم‏اللّه في اهل بيتي‏» ((168)).

وغني عن البيان ان مراد النبي (ص) من اهل بيته كان محددا واضحا لدى اصحابه عند مخاطبتهم بهذا الحديث، وذلك‏لنزول آية التطهير وتطبيقها على علي وفاطمة والحسن والحسين (ع) قبل ذلك في حادثة «الكساء» المشهورة التي روتهاعائشة وام سلمة (رض) ((169))، وتكرار هذا التطبيق مدة طويلة بعد هذه الحادثة، كما ورد في عدة روايات، منها:

رواية‏عبداللّه بن عباس، ورواية ابي الحمراء، ورواية انس بن مالك، قال ابن عباس في روايته: «شهدنا رسول اللّه (ص) تسعة‏اشهر ياتي كل يوم باب علي بن ابي طالب (ع) عند وقت كل صلاة، فيقول: «السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته اهل البيت(انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)» ((170)).

والظاهر من بعض الروايات الصحيحة عند اهل السنة ان حديث «الغدير» المشهور والمنصوص فيه على ولاية علي (ع)وخلافته للنبي قد نطق به الرسول (ص) في سياق واحد مع حديث الثقلين.

ومن تلك الروايات، ما رواه الحاكم النيسابوري باسناده عن زيد بن ارقم، قال: «لما رجع رسول اللّه (ص) من حجة الوداع‏ونزل غدير خم امر بدوحات فقممن فقال: كاني قد دعيت فاجبت اني قد تركت فيكم الثقلين احدهما اكبر من الاخر:كتاب اللّه تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: «ان اللّه عز وجل‏مولاي وانا مولى كل مؤمن‏»، ثم اخذ يد علي رضي اللّه عنه، فقال: «من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من‏عاداه‏»، وذكر الحديث بطوله.

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله‏» ((171)).

فهذه النصوص الصادرة عن النبي بخصوص الوصية وغيرها الكثير، مما استفاض نقله واشتهر عند السنة، وتواتر عندالشيعة، من الواضح انها من حيث المجموع تضمنت عدة مفردات او بنود شملتها تلك الوصية:

ا تعيين علي وصيا على حفظ الرسالة وتوريثه علوم النبوة.

ب تعيينه وليا لامر الامة من بعد الرسول وحاكما عليها.

ج الوصية اليه بما يتعين عليه عمله في مواجهة الاحداث الطارئة بعد وفاة الرسول (ص).

وجميع هذه المفردات او البنود السالفة تشكل قضايا دينية وسياسية عامة تتصل برسالة الاسلام وحياة المسلمين من‏بعد الرسول (ص)، ولا يمكن وصف اي منها بانه شان شخصي او آني يختص بالرسول (ص) او بعلي.

وبهذا يتبين ان ما ذكره «الكاتب‏» من ان وصية النبي لعلي كانت «وصية عادية شخصية آنية لا علاقة لها بالسياسة والامامة‏والخلافة الدينية‏» لا يتفق مع الحقيقة التي عرفناها في ضوء النصوص السابقة.

هذا كله من حيث موضوع نصوص الوصية.

اما من حيث رواية تلك النصوص فان نصوص الوصية مستفيضة، بل متواترة معنى عند السنة، كما هو واضح من‏النماذج والامثلة التي سبق عرضها، ومتواترة معنى ولفظا عند الشيعة، وليست محدودة برواية واحدة او روايتين كماحاول «الكاتب‏» ان يوهم القارى.

واما من حيث زمان صدور نصوص الوصية فقد لاحظنا من النصوص السابقة وهي كانت مجرد امثلة انها لم تصدر في‏زمان واحد محدد وانما صدرت في ازمنة مختلفة من حياة الرسول (ص) بدءا من بداية الدعوة (حديث يوم الدار)وانتهاء بايام مرضه (ص) ويوم حضور وفاته (ص).

اثبات الشي‏ء لا ينفي ما عداه ثالثا: ان الوصية لعلي من النبي بامور اخلاقية عامة او بامور شخصية تتصل بتركة النبي (ص) وقضاء ديونه وانجاز عداته‏لا تعني بالضرورة عدم وجود وصية غيرها له بامور اخرى، ولا تتنافى في حد ذاتها مع تلك الوصية، اللهم الا اذا كانت‏هذه الوصية وحدها هي الصادرة عن النبي (ص) والثابتة عنه. وهذا ما تبينا خلافه في ضوء النصوص التي تم عرض‏نماذج منها في الفقرة السابقة.

كما ان الوصية ليس من المفروض دائما ان يتاخر صدورها من صاحبها الى اللحظات الاخيرة من حياته، وانما يمكن ان‏تصدر خلال حياته العادية وان يتكرر تاكيدها منه في اوقات متعددة، لا سيما اذا كانت في امور غير آنية قابلة موضوعياللتغير.

هذا بالنسبة لوصايا الاشخاص العاديين الذين ليست لهم صفة استثنائية فوق صفات البشر العادية، فكيف بوصاياالرسل والانبياء الموحى بها اليهم من اللّه والمعدودة جزءا لا يتجزا من رسالتهم الى الناس.

رابعا: ان نص الوصية الذي نقله «الكاتب‏» عن الشيخ الكليني رغم ان ثبوته او عدم ثبوته لا يقدم ولا يؤخر شيئا ما دام ان‏الاعتقاد بامامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص) عند الشيعة لا يستند في الاساس الى وصية النبي (ص) عند موته في‏ضوء ما عرفناه في الفقرات الثلاث السابقة، الا ان الشكوك تحيط به من كل ناحية سندا ومتنا:

اما سندا، فلان فيه سهل بن زياد، ومحمد بن الوليد شباب الصيرفي، وكل منهما ضعيف، لا يعول المحققون من علماءالشيعة على ما ينفردان بروايته ((172)).

واما متنا، فلان فيه ان الرسول (ص) قد عرض على عمه العباس اولا ان ياخذ تراثه في مقابل قضاء ديونه وانجاز عداته،فلما اشفق العباس من ذلك عرضه النبي (ص) على علي (ع)، فقبله.

وهذا امر يصعب فهمه في ضوء النصوص الكثيرة التي صدرت عن النبي (ص) في وقت سابق على وقت مرضه الذي‏توفي فيه ونص فيها على ان عليا هو من يقضي دينه وينجز عداته بعد وفاته. وقد تقدم عرض بعض تلك النصوص في‏الفقرة الثانية، ومنها، قوله (ص): «فان وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن ابي طالب‏».

فهل نسي النبي ما صدر عنه في هذا الشان؟ او تراجع عنه؟ او انه اراد ان يجامل عمه العباس لعلمه المسبق بموقفه؟ اواراد ان يظهر للناس بخله وحرصه على المال وعدم استعداده لتحمل مسؤولية اي غرم تجره عليه هذه الهبة المشروطة‏بقبول الوصية؟ او انه اراد ان يفوت عليه فيما بعد او على اولاده من بعده اي فرصة لادعاء وراثة النبي من بعد وفاته لماسبق في علم الغيب الذي اطلعه اللّه عليه من انه سوف يرفض ما يعرضه النبي عليه من ذلك الامر اشفاقا من تبعاته،ولما سبق في هذا العلم ايضا من ان بني العباس سوف يدعون في يوم ما وراثة جدهم للنبي (ص)؟ احتمالات بعضها مقطوع بعدم صحته، وبعضها الاخر بعيد جدا في ضوء الفهم العرفي والاعتيادي للامور. واظن ظناغير محقق في ضوء هذا الفهم لمتن الرواية، وفي ضوء ضعف سندها واشتهار بعض رجاله بالوضع، ان الرواية في‏مجملها ليست بعيدة عن اجواء الصراع السياسي والعقدي الذي كان ناشبا ايام العباسيين بينهم وبين معارضيهم، وان لهاصلة وتعلقا بفكرة وراثة العباس بن عبد المطلب للنبي (ص) التي قالت بها فرقة «الراوندية‏» وادعى العباسيون على‏اساسها احقيتهم بالخلافة . ((173)) فهذه الرواية بناء على هذا الاحتمال المظنون تحاول ان تفند هذه الفكرة وتبطلها موظفة بعض ما كان مشتهرا ومعروفامن نصوص في حق علي (ع).

وعلى اي حال، فسواء صدق هذا الظن ام لم يصدق، وسواء صحت هذه الرواية ام لم تصح فانها كما اسلفت ليس لهااي مغزى في سياق نفي امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص).

تزيد «الكاتب‏» وافتراؤه في حكاية ما اوصى به النبي عند وفاته خامسا: ذكر «الكاتب‏» في ما تقدم نقله عنه ان الشيخ المفيد «ينقل في بعض كتبه وصية عن امير المؤمنين يقول: ان‏رسول اللّه (ص) قد اوصى بها اليه قبل وفاته، وهي ايضا وصية اخلاقية روحية عامة، وتتعلق بالنظر في الوقوف‏والصدقات‏». ولدى مراجعة المواضع التي احال عليها في كتابي «الامالي‏» و«الارشاد» للشيخ المفيد في الهامش، وجدت في كتاب‏«الامالي‏» ((174)) الوصية التي اشار اليها، ولكني لم اجد في هذه الوصية اي اشارة للنظر في الوقوف والصدقات. اما كتاب‏«الارشاد» فاني لم اجد في الموضع الذي احال اليه منه الا الوصية التي نقلها الشيخ الكليني في كتابه «الكافي‏» وسبق‏الحديث عنها، ووجدت في موضع آخر من الجزء الثاني من الكتاب ما يمكن ان يكون اشارة الى ما ورد في «الامالي‏»،قال المفيد في «الارشاد»:

«وكان الحسن بن علي وصي ابيه امير المؤمنين صلوات اللّه عليهما على اهله وولده واصحابه، ووصاه بالنظر في وقوفه‏وصدقاته، وكتب له عهدا مشهورا ووصية ظاهرة في معالم الدين وعيون الحكمة والاداب، وقد نقل هذه الوصية جمهورالعلماء، واستبصر بها في دينه ودنياه كثير من الفقهاء» . ((175)) وعلى اي حال، فليس في هذا الذي ذكره المفيد في «الارشاد» ولا في ما ذكره في «الامالي‏» ما يفيد بان النبي (ص) قداوصى عليا بالنظر في وقوفه وصدقاته، وانما هو محض تزيد وافتراء عليه.

وهذه ملاحظة قصدت ان اضيفها الى ما سبق ذكره في اوائل هذا البحث من ملاحظات منهجية تتعلق بطريقة تعامل‏«الكاتب‏» الخاطئة وغير الامينة مع النصوص. مناقشة الشبهة الثالثة:

(احجام الامام علي (ع) عن قبول البيعة من العباس بن عبد المطلب وابي سفيان حينما عرضاها عليه بعد وفاة النبي(ص) لمخالفة ذلك، في رايه، لمبدا الشورى).

اهقال «الكاتب‏»: «واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرهااقطاب الشيعة الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى،فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول اللّه للامام علي بالخلافة والامامة، وترك الامر شورى، وهو ما يفسر احجام‏الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول، بالرغم من الحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك،حيث قال له: «امدد يدك ابايعك، وآتيك بهذا الشيخ من قريش يعني ابا سفيان فيقال: «ان عم رسول اللّه بايع ابن عمه‏»فلا يختلف عليك من قريش احد، والناس تبع لقريش‏».

فرفض الامام علي ذلك.

وقد روى الامام الصادق عن ابيه عن جده: انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له: ارضيتم يابني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك، فواللّه لاملاها (كذا) على ابي فصيل خيلا ورجلا، فانزوى عنه‏وقال: ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس على ابي بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية‏والاسلام، وواللّه ما ضر الاسلام ذلك شيئا حتى ما زلت صاحب فتنة‏»اق ((176)).

ان هذه الشبهة التي تعلق بها «الكاتب‏»، شانها شان غيرها من شبهاته، ليست بدعا من عنده وانما هي مطروحة في كتب‏المتكلمين منذ عصور التنظير الكلامي الاولى التي احتدم فيها الجدل بينهم حول امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص).وقد ذكرها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه «المغني‏»، واجاب عليها الشريف المرتضى في «الشافي‏» ((177))، كمااجاب عليها استاذه الشيخ المفيد من قبله.

جواب الشيخ المفيد على الشبهة وقد قرر الشيخ المفيد هذه الشبهة من وجه آخر في كتابه «العيون والمحاسن‏» فقال: «ما رايت اوهن ولا اضعف من تعلق‏المعتزلة ومتكلمي المجبرة بقول العباس بن عبد المطلب رحمه اللّه لامير المؤمنين (ع) بعد وفاة رسول اللّه (ص): «امدديدك يابن اخ ابايعك فيقول الناس عم رسول اللّه بايع ابن اخيه فلا يختلف عليك اثنان‏». وقد ادعوا ان في هذا دليلا على‏ان رسول اللّه (ص) لم ينص على امير المؤمنين (ع).

وقولهم: انه «لو كان نص عليه لم يدعه العباس الى البيعة‏»، لان المنصوص عليه لا يفتقر في امامته وكمالها الى البيعة، فلمادعاه العباس الى عقد امامته من حيث تنعقد الامامة التي تكون بالاختيار دل على بطلان النص‏» ((178)).

ثم اجاب عليها جوابا ذا شقين، احدهما: «نقضي‏» يقصد به افحام صاحب الشبهة والزامه بما لا يلتزم به في عقيدته، قال‏فيه:

«ان كان دعاء العباس امير المؤمنين (ع) الى البيعة يدل على ما زعمتم من بطلان النص وثبوت الامامة من جهة الاختيار،فيجب ان يكون دعاء النبي (ص) الانصار الى بيعته في ليلة العقبة ودعاؤه المسلمين من المهاجرين والانصار تحت‏شجرة الرضوان دليلا على ان نبوته (ص) انما ثبتت له من جهة الاختيار، فانه لو كان ثابت الطاعة من قبل اللّه عز وجل‏وارساله له وكان المعجز دليل نبوته، لاستغنى عن البيعة له تارة بعد اخرى فان قلتم ذلك، خرجتم عن الملة، وان اثبتموه‏نقضتم العلة عليكم‏» ((179)).

واما الشق الاخر من الجواب فقد حلل فيه الشيخ المفيد الاثر الدستوري للبيعة ودورها في تثبيت سلطة الحاكم،فقال:

«فان قالوا: ان بيعة الناس لرسول اللّه (ص) لم تك لاثبات نبوته وانما كانت للعهد في نصرته بعد معرفة حقه وصدقه في‏ما اتى به عن اللّه عز وجل من رسالته.

قيل لهم: احسنتم في هذا القول، وكذلك كان دعاء العباس امير المؤمنين (ع) الى بسط اليد الى البيعة فانما كان بعدثبوت امامته بتجديد العهد في نصرته والحرب لمخالفيه واهل مضادته، ولم يحتج (ع) اليها في اثبات امامته‏» ((180)).

ويمكن استخلاص العنصر الاساسي الذي انطوى عليه جواب الشيخ المفيد السابق، بشقيه، وشرحه في ما ياتي:

ان البيعة التي عرضها العباس على علي بعد وفاة النبي (ص) ووقوع حادثة السقيفة لم تكن بيعة على اختياره اماماوخليفة، وانما هي بيعة على نصرته للاخذ بحقه في ممارسة الخلافة ومعاهدته على الحرب من اجل فرض طاعته‏وتثبيت سلطته، وهي في ذلك لا تختلف عن بيعة العقبة وبيعة الشجرة اللتين بايع فيهما المسلمون الاوائل النبي (ص)على نصرته ومحاربة اعدائه بعد اعترافهم وتسليمهم بنبوته ((181)).

واذا كانت البيعة التي عرضها العباس على علي (ع) لا تزيد في مضمونها على ما تقدم، فهي لا تشكل في حد ذاتها دليلاعلى عدم اعتقاد العباس بسبق النص على امامة علي (ع) من قبل النبي (ص)، لانه لم يعرض البيعة عليه لاجل اختياره‏اماما وخليفة حتى يقال: اذا كان علي (ع) قد تم النص على امامته وخلافته فلماذا الاختيار والانتخاب؟ ويمكننا ان نضيف الى ما ذكره الشيخ المفيد، في تكييف فعل العباس المشار اليه وتفسير مغزاه: ان احجام علي (ع) عن‏قبول البيعة من العباس يتعين تكييفه وتفسيره ايضا في ضوء حقيقة تلك البيعة كما بينها الشيخ المفيد، وفي ضوء الامرالذي تعلقت به، اعني: مناصرته ومقاتلة الذين صرفوا الخلافة عنه وبايعوا غيره. وبناء على ذلك يقال:

ان ما يفسر احجام علي (ع) عن قبول البيعة من العباس ليس هو مجافاتها، في رايه، لمبدا الشورى في اختيار الخليفة بعدالنبي الذي يزعم «الكاتب‏» انه (ع) كان يؤمن به، وانما لان تلك البيعة، في حدودها الخاصة ونطاقها الضيق المقتصر على‏العباس وزعيم آخر من زعماء قريش متهم في قصده ونيته، وفي ظروفها التاريخية وسياقها الذي جاءت فيه، كانت في‏تقدير علي (ع) مدخلا لفتنة شعواء تعرض الاسلام كله للخطر، الى جانب تعريضها حياته هو وحياة اهل بيته وصفوة‏اصحابه للخطر ايضا. وهذا ما لا يمكن لعلي ان يجازف به . ((182)) وبالرغم من وضوح القصد في فعل العباس من جهة وفعل علي (ع) من جهة اخرى، فقد حشد الشيخ المفيد عدة قرائن‏تدل على طبيعة موقفيهما، فقال:

«ويدل على ما ذكرناه [1] ان البيعة التي عرضها العباس كانت على النصرة والحرب) قول العباس: «يقول الناس: عم‏رسول اللّه بايع ابن اخيه فلا يختلف عليك اثنان‏» ، فعلق الاتفاق بوقوع البيعة. ولم يكن لتعلقه بها الا وهي بيعة الحرب‏التي يرهب عندها الاعداء ويحذرون من الخلاف. ولو كانت بيعة الاختيار من جهة الشورى والاجتهاد لما منع ذلك من‏الاختلاف، بل كانت نفسها الطريق الى تشتت الراي وتعلق كل قبيل باجتهاده واختياره.

[2] او لا ترى الى جواب امير المؤمنين (ع) بقوله: «يا عم ان لي برسول اللّه (ص) اعظم شغل عن ذلك‏»، ولو كانت بيعته‏عقد الامامة لما شغله عنها شاغل ((183)) ولما كانت قاطعة له عن مراده في القيام برسول اللّه (ص)، [3] او لا ترى انه لماالح عليه العباس في هذا الباب قال: «يا عم، ان رسول اللّه (ص) اوصى الي واوصاني ان لا اجرد سيفا بعده حتى ياتيني‏الناس طوعا وامرني بجمع القرآن والصمت حتى ((184)) يجعل اللّه عز وجل لي مخرجا» فدل ذلك ايضا على ان البيعة‏انما دعا اليها للنصرة والحرب وانه لا تعلق لثبوت الامامة بها وان الاختيار ليس منها في قبيل ولا دبير على ما وصفناه‏»((185)).

واذا عدنا الى نص الرواية عن العباس كما ذكرها «الكاتب‏» فان بالوسع اضافة قرينة اخرى الى ما ذكره الشيخ المفيد، وهي‏قول العباس: «وآتيك بهذا الشيخ يعني ابا سفيان‏..»، حيث ان المعروف من موقف ابي سفيان في تلك اللحظة‏التاريخية انه كان رافضا لاختيار ابي بكر خليفة وانه كان يحرض عليا وبني هاشم على الحرب ويبدي استعداده‏لمناصرتهم فيها ((186)).

مناقشة رواية عرض ابي سفيان البيعة على علي (ع) كما اننا اذا عدنا الى الرواية الاخرى التي ذكرها «الكاتب‏» والتي رواها اصلا القاضي عبد الجبار ونقلها «الكاتب‏» من كتاب‏الشريف المرتضى «الشافي‏» ولاحظنا كيف عرض فيها ابو سفيان البيعة على علي (ع) فان ما ذكر آنفا ينطبق في جملته‏عليها على نحو اوضح، سواء لجهة حقيقة البيعة التي عرضها ابو سفيان، ام لجهة مغزى احجام علي (ع) عن قبول تلك‏البيعة.

فقد ورد في تلك الرواية ان ابا سفيان قال لعلي (ع): «ارضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك،فواللّه لاملانها على ابي فصيل ((187)) خيلا ورجلا، فانزوى عنه وقال: ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع‏الناس على ابي بكر، ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام، وواللّه ما ضر الاسلام ذلك شيئا، حتى مازلت‏صاحب فتنة‏».

فهذه الرواية، في شطرها الاول المتعلق بموقف ابي سفيان، صريحة تماما في ان البيعة التي عرضها على علي (ع) كانت‏بيعة على الحرب والثورة ضد ابي بكر وفريقه القبلي «تيم‏» الذي يعده ابو سفيان اقل شانا ومنزلة في قريش من ان يتامربوساطة احد ابنائه (ابي بكر) على فريق عبد مناف الذي يشترك بنو امية وبنو هاشم في الانتساب اليه.

ولا شك في ان مضمون هذا الشطر من الرواية ليس فيه ما يدل على ان الخلافة تكون بالاختيار، ولا ما يشير الى عدم‏وجود نص على امامة علي (ع) وخلافته للنبي (ص)، بل لعله يشير الى العكس من ذلك، اذ انه يفترض احقية علي‏بالخلافة على نحو ما، هذه الاحقية التي تستدعي منه قتالا في سبيلها.

اما في شطرها الثاني المتعلق بموقف علي من ابي سفيان واحجامه عن قبول بيعته فهي صريحة ايضا في ان عليا (ع) قدادرك ان السياق الذي جاء يعرض فيه ابو سفيان بيعته عليه يضج بمنطق قبلي جاهلي تجاوزه الاسلام وربى ابناءه‏الحقيقيين على خلافه، وان ابا سفيان كان يحاول النفوذ من ثغرة العصبية القبلية التي يمثلها ذلك المنطق الى اشعال فتنة‏بين المسلمين يمكن ان تقضي على الاسلام من الاساس.

ولا غرو في ذلك فابو سفيان كان حامل لواء المشركين في‏جاهليته وشيخ الطلقاء في اسلامه، ولهذا لم يتوان علي (ع) عن الاحجام عن قبول بيعته والرد عليه ردا قاسيا بين له فيه‏حقيقة دوافعه، كما انه لم يتوان ايضا عن الاحجام عن قبول بيعة عمه العباس من قبل وان لم يكن يشك في سلامة‏دوافعه.

وهكذا يتبين ان هذا الخبر بنصه الذي رواه القاضي عبد الجبار متى صح كما يقول الشريف المرتضى‏: «لم يكن فيه‏دلالة على اكثر من تهمة امير المؤمنين لابي سفيان وقطعه على خبث باطنه، وقلة دينه، وبعده عن النصح في ما يشير به،ولا حجة فيه ولا دلالة على امامة ابي بكر ولا تفضيله، لان امير المؤمنين (ع) لم يعدل عن محارجة القوم والتصريح‏بادعاء النص والمجاذبة عليه الا لما اقتضته الحال من حفظ اصل الدين، ولعلمه بان المخاصمة والمغالبة فيه تؤديان الى‏فساد لا يتلافى، فلا بد من مخالفته في هذا الباب لكل مشير لا سيما اذا كان متهما منافقا غير نقي السريرة. فليس في رده(ع) على ابي سفيان ما رآه من اظهار البيعة والمحاربة اكثر مما ذكرناه من ان الراي كان عنده في خلافه.

وليس لاحد ان يقول: لولا استحقاق متولي الامر له لما جاز ان ينهى امير المؤمنين عن الاجلاب عليه والمحاربة له، ولاان يمتنع من مبايعة ابي سفيان له بالامامة، لانا قد بينا ان ذلك اجمع لا يدل على استحقاق الامر، وان المصلحة اذااقتضت الامساك وجب، وان لم يكن هناك استحقاق من التلبس بالامر، وان هذا ان جعل دلالة في هذا الموضع لزم ان‏يكون الامساك عن الظلمة والمتغلبين على امور المسلمين من بني امية وغيرهم دلالة على استحقاقهم لما كان في‏ايديهم. ونحن نعلم ان الحسن (ع) لو اشار عليه مشير بعد صلح معاوية بمحاربته وبمخارجته لعصاه وخالفه، بل قدعصى جماعة اشاروا عليه بخلاف ما رآه من الامساك والتسليم، وبين لهم ان الدين والراي يقتضيان ما فعله (ع)» ((188)).