ومن اللافت ان شخصية
عرفت بولائها لعلي مثل ابي ايوب
وقد استهدفها «العقاب » الذي حل بالانصار ان تعود
الى الظهور
مجددا، وان بصورة هامشية في هذه المرحلة. حدث ذلك
على
الرغم من موقفه الذي ظل معارضا لخلافة بني امية
وطاعنا
بشرعيتها وناقدا لسلوكها ((412)). ولكن ابا ايوب، انطلاقا
مما
يمثله من دور تاريخي في الاسلام، وما تمتع به من
حظوة لدى
الرسول، لم ياخذه معاوية بالشدة التي اخذ بها قيس
بن سعد
على سبيل المثال. فهل لذلك علاقة باشتراك ابي ايوب
في غزو
القسطنطينية؟ ذلك الغزو الذي تضاربت الروايات
بشانه، سوا
تعلق الامر بحجم العملية التي جات عرضية في تاريخ
الطبري
((413))،
او بتوقيتها المتارجح بين العام 49 او 50 ه لدى ابن
الاثير ((414))،
وبين العام 52ه لدى ابن سعد ((415)). يبقى
ذلك ملتبسا، وليس دونه في الواقع وجود الانصاري،
وهو في
سن متقدمة، مقاتلافي الحملة، مما يفرض علينا
تساؤلا آخر، اذا
كان حافز الجهاد كما توحي رواية في طبقات ابن سعد
((416))
قد حدا به الى التطوع فيها؟ ومن ذلك الى تساؤل
ثالث، اذا ما كانت رؤية الجهاد لدى الانصاري مطابقة
لرؤية
تلك الغزوة التي يمكن ربطها بحركة السياسة للحكم
الاموي.
فقد عهد معاوية الى ابنه وولي عهده قيادتها،
متزامنا ذلك
كما يروي ابن خياط مع دعوته «اهل الشام الى بيعة...
يزيد»
((417)).
وفي هذا السياق يتم انخراط الانصاري في الحملة
التي احيطت حينذاك بحملة اعلامية كبيرة، لا سيما
وان عددا
من ابنا الصحابة قد انضم او دعي للانضمام اليها ((418)).
وهكذا ياتي توظيف الموقع المعنوي لاخر الصحابة
الكبار، بما
يعكسه وجوده على الطابع الجهادي لحملة يزيد.
ولكن الانصاري الشيخ لم يكن، على الارجح، مرغما
على ذلك،
وربما كان تواقا او متلهفا الى القيام بهذه المهمة،
اذا
توقفناخصوصا عند الرواية في طبقات ابن سعد والتي
جا فيها
على لسانه: «ما علي من استعمل علي » ((419))
اما الغزوة،
فان اخبارها خلافا لصداها مقتضبة في الروايات،
فلا تتعدى
اهميتها احيانا حملات الصوائف التي استهدفت
التخوم البيزنطية. فقد اكتفى الطبري من اخبارها
بهذه العبارة:
وفيها (49ه) كانت غزوة يزيد بن معاوية ارض الروم حتى
بلغ قسطنطينية ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزبير
وابو
ايوب الانصاري ((420)) واختصرها ابن خياط بما
يتلام
ومنهجه بما يلي: «وفيها (50ه) غزا يزيد بن معاوية ارض
الروم
ومعه ابو ايوب الانصاري ((421)) اما اليعقوبي فقد دفع بها
الى السنة السادسة والخمسين، ولكنه اتفق مع
الطبري حول
«بلوغ » يزيد القسطنطينية ((422)) كما سلفت الاشارة.
وفي اسد الغابة لابن الاثير تندرج اخبار الغزوة في
العام 51
للهجرة ((423))
فيما وردت في «كتابه » الاخر (الكامل
في التاريخ) في 49 للهجرة ((424)) ولكن في الحالتين لا
يضيف ابن الاثير الا قليلا عما ورد في تاريخ الطبري
الذي
اقتبس عنه. وتصبح هذه الاضافة مما يتفرد به هذا
المؤرخ في
قوله: «اوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا
القسطنطينية،
فاقتتل المسلمون والروم في بعض الايام واشتدت
الحرب
بينهم » ((425)) ولكن هذه الحملة لاسباب
تتعلق اساسا بقوة
الدفاع البحري للبيزنطيين، لم تحقق ما توخاه
معاوية من فتح
للقسطنطينية، وما يكن ان يسفر عنه لو حدث من تغيرات
مهمة في «دولته »، لا سيما في نظامها السياسي
والتي بدا
التحضير لها في ذلك الحين.
ولعل هذه الغزوة مدينة في شهرتها لابي ايوب
الانصاري الذي
توفي استنادا الى الروايات ولم يقتل في الحرب((426))
وكان ذلك بالقرب من اسوار القسطنطينية حيث دفن هناك
((427))
وقد ورد في طبقات ابن سعد في هذا السياق،ان
المرض ثقل عليه، فطلب من اصحابه ان يدفنوه «تحت
اقدامهم » ((428)) اي في ارض المعركة التي
شرفها
بسقوطه مجاهدا دون انقطاع، منذ بيعة «السبعين من
الانصار»
((429))
في العقبة. وفي المحصلة، فان الهالة التي احاط بها
معاوية حملته، عادت هذه من دونها، فيما انتشرت على قبر ذلك الصحابي الجليل،
مقترنة بشيء من الاسطرة لدى
اعدائه،وليس عند المسلمين فقط.
يروي الواقدي: «توفي ابو ايوب عام غزا يزيد بن
معاوية... وقبره
باصل حصن القسطنطينية بارض الروم، فلقد بلغني
ان الروم
يتعاهدون قبره ويرمونه ويستسقون به اذا قحط » ((430))
بعد نحو ثمانية قرون، حقق السلطان العثماني محمد
الثاني، ما
لم يتحقق في العهد الاموي (حملتا يزيد ومسلمة بن
عبدالملك)، واذا بالسلطان الفاتح وجها لوجه مع
الانصاري في
قبره، وهو يتقدم مقتحما اسوار العاصمة البيزنطية.
ولانه
قراجيدا تاريخه، فقد عمد الى بنا مسجد يحمل اسمه
في
المكان عينه (1458م) ((431)) واصبح من تقاليد بني عثمان،
ان يتوج السلطان الجديد فيه ((432)) تكريما للصحابي
المجاهد. والروايات لم تشر الى عمر ابي ايوب الانصاري يومذاك، ولكنه قطعا تجاوز السبعين من عمره. اطلالات على التاريخ: قبيل
الغزو المغولي
السيد حسن الامين
في الحين الذي كان فيه جنگيز
يحشد قومه على حدود
خوارزم ويثير فيهم الروح العسكرية الطاغية، وينظم
جيشه تنظيما دقيقا، كان خوارزم شاه مشغولا
بالحصول على
الالقاب ومتلهيا بطلب ترديد اسمه على منابر بغداد ((433)).
بل كان العالم الاسلامي كله متمزقا يقاتل بعضه
بعضا ويثب فيه
القوي على من يحسبه اضعف منه، وما خوارزم شاه
الامثال
لغيره من المتسلطين في تلك الايام. وتذكر شاه
خوارزم انه
قوي وان السلاجقة، وقبلهم البويهيون، قد لجاوا
الى القوة
فكانوا اصحاب السلطة في بغداد يتلقبون بما يشاؤون
ويضعون
اسماهم حيث يريدون، فقرر التشبه بهم والزحف على
بغداد.
ولكن الثلوج اعاقت تقدم جيوشه وابادت منها ما
ابادت، فاوقف
الزحف راجعا الى خراسان.
ولم يكن امر المغول خافيا عليه، ولا كانت اهدافهم
مجهولة
منه، ومع ذلك تخلى عن الاعداد لهم ووجه جيوشه
الى بغداد،
والدليل على ذلك ان ابن الاثير يقول، وهو يصف ما حل
بالجيوش الخوارزمية المنطلقة الى بغداد: «ومات
كثيرمنهم
وطمع في من بقي بنو برجم الاتراك وبنو هكار الاكراد
فتخطفوهم فلم يرجع منهم الا اليسير، فتطير خوارزم
شاه من
ذلك الطريق وعزم على العود الى خراسان خوفا من
التتر». اذا
فالخوف من التتر (المغول) كان واردا في ذهنه،
ماثلاامام
عينيه، ومع ذلك ساق الجيوش الى بغداد ليفوز بترديد
اسمه
على منابرها.
وعاد خوارزم شاه الى بلاده، وظل هاجسه الانتقام من
الخليفة
الناصر لما الحقه به من مهانة، فلم يجد افضل من
ان يعامله
بمثل ما عامله الناصر، لذلك قطع الخطبة باسم الناصر
في ما
تحت يده من بلاد.
ظل هاجس بغداد في ذهن محمد بن تكش شاه خوارزم. على
ان شيئا جديدا طرا عليه جعله ينصرف عن بغداد
وعن فشله في
الوصول الى السلطة فيها، وفشله في الزحف عليها
وعوده الى
بلده خائبا.
شيء جديد طرا عليه هو وصول وفد مغولي ارسله اليه
جنگيز
خان مؤلفا من ثلاثة رجال من المسلمين المتعاونين
مع جنگيز
على راسهم محمود الخوارزمي الذي سيغلب على لقبه
الخوارزمي، في ما بعد، لقب «يلواج »، فيشتهر
باسم محمود يلواج
والاثنان الاخران هما: علي خواجه البخاري ويوسف
كنكاي
الاقراري.
ومن القاب هؤلا الثلاثة: (خوارزمي) و (بخاري) و
(اقراري)
ندرك ان رجالا من البلاد الاسلامية كانوا في خدمة
جنگيز،وكان بعضهم رسله المعتمدين منه الى شتى
البلدان،
وسنرى عندما نتابع الزحف المغولي الجنگيزي على
البلادالاسلامية ان بعضهم كانوا ادلاه في طرق
الزحف، وانهم،
وهم ابنا البلاد الخبيرون بمسالكها ومعابرها، قد
مهدوا له سبل
السير واوضحوا له ما كان يمكن ان يغمض عليه من
الدروب
والطرق.
كان رئيس الوفد الجنگيزي مواطن خوارزمي من رعايا
شاه
خوارزم محمد بن تكش، والاخر (الاقراري) هو
خوارزمي ايضا،
فاقرار من لواحق خوارزم. والثالث (البخاري) غير بعيد
في
مواطنيته عن خوارزم.
هذا الشيء الجديد على شاه خوارزم هو اولا وصول هذا
الوفد،
ثم ما يحمله هذا الوفد من عروض تستدعي
التفكيرالعميق
والدرس الرزين.
قدم الوفد اولا ما يحمله من هدايا ثمينة، منها:
الذهبيات
والفضيات وقبضات السكاكين المصنوعة من عظام
(الختو)والمسك والاحجار ((434)) الكريمة والثياب المعروفة
باسم (طرقو) ((435)) وغير ذلك.
ثم عرض على شاه خوارزم الغاية من قدومه، وهي احلال
السلام بين المملكتين الجارتين: المملكة المغولية
والمملكة الخوارزمية ووقف الخصام بينهما وابداله
بالصلح
والتقارب.
وابلغ الوفد شاه خوارزم محمد ان الخان الكبير لا
يجهل عظمة
مقامه وقوته وعظمة بلاده واتساعها ونفوذ كلمته
في الدول،
لهذا راى من الواجب عليه ان يتقدم اليه بطلب
التصالح وانه
يعده كاعز ابنائه. ثم ابان له، نقلا عن لسان
الخان،بانه لا يطلب
ذلك عن ضعف بل عن قوة، فهو قد سيطر على الصين وبلاد
الاتراك المجاورة لها، واعلن اهلها الطاعة له،وان
شاه خوارزم
يعلم اكثر من غيره ما يملكه الخان من جيوش قوية، كما
ان
بلاده كثيرة المعادن فهو لا يطمع ببلادغيره.
واصغى محمد الى هذه الاقوال من دون ان يجيب عليها.
ولكنه
رغب بالانفراد بمحمود الخوارزمي، لا باعتباره
رئيساللوفد، بل
باعتباره مواطنا خوارزميا تهمه مصلحة بلاده.
وصارحه بذلك قائلا: انك من ابنا خوارزم، فلا شك في
انك
لاتنسى المودة بيننا، ووعده بالانعام عليه وشموله
بفضله واحسانه اذا هو صارحه بالحقيقة كما هي.
وعاجله بالاحسان اليه بان اقتطع جوهرة من الجواهر
المعلقة
في ساعده واهداها اليه. ثم اعلمه بانه يريده عينا له
في بلاط
جنگيز يوافيه باسرار هذا البلاط وبكل ما يفيده في
مجادلاته
مع صاحبه.
فاظهر محمود موافقته على ذلك، اظهرها رغبة او رهبة؟
هذا
ما لا يدريه احد..
وكان اول ما يريد محمد ان يتاكد منه هو صحة ما يدعيه
جنگيز
من استيلائه على الصين وسيطرته على عاصمتها.
فاكد محمود ذلك، وقال: ان مثل هذا الامر الخطير لن
يخفى،
وستصل اخباره اليك قريبا.
وكان اكثر ما اثار شاه خوارزم هو قول جنگيز عنه بانه
يعده
كاحد ابنائه. لذلك رد على تاكيدات محمود قائلا له:
انك من اعلم الناس بسعة بلادي وكثرة جنودي، فمن هو
هذا
اللعين الذي جعلني من ابنائه، وما هو عديدجنوده؟!
ولما راى محمود الغضب في كلام شاه خوارزم وعلى
وجهه،
ادرك انه قد اثاره بما صارحه به، وخشي عاقبة
ذلك،وخاف من
ان يحسب محمد ذلك توهينا له واضعافا لمعنوياته،
فتدارك
الامر قائلا: ان جميع اعداد جيش جنگيز خان هم كقطرة
ما
امام عظمة جيوش السلطان، او كدخان في الظلام.
وانتهى الامر بان وافق شاه خوارزم على مقترحات
جنگيز خان،
وعلى ان يسود السلام ويعم الصفا بين الفريقين.
وعادمحمود
الخوارزمي ووفده الى جنگيز بهذا القرار ((436)).
ومنذ ذلك اليوم تبدل اسم محمود الخوارزمي الى محمود
يلواج، اي محمود الموفد (المندوب، الرسول)، وصار
من اركان
البلاط الجنگيزي. وبعد تحطيم مملكة شاه خوارزم
واستيلا
جنگيز عليها ظل محمود يلواج على مكانته عندجنگيز،
معتبرا
من اركان الدولة المغولية الجنگيزية.
وبعد وفاة جنگيز سنة 624ه، وحلول ابنه اوغتاي مكانه
واستيلائه على بلاد الخطا (الصين الشمالية)، عهد
اوغتاي
الى محمود يلواج بتولي الحكم في تركستان وخوارزم
وما ورا
النهر، اضافة الى الصين الشمالية.
فتقاسم محمود حكم هذه الارض الواسعة مع ابنه برهان
الدين
مسعود، فتولى هو حكم الصين الشمالية، وولى ابنه
على بلاد
الاويغور والختن وكاشغر وسمرقند وبخارى خوارزم.
لا شك في ان محمود هذا رجل غير عادي، وقد كان من ابرز
رجال العهد الجنگيزي وما بعده. على ان ابتدا
امره وانتهاه غير
معلومين بصورة صحيحة. ومع ان كبار المؤرخين، من
امثال
النسوي وعطا ملك الجويني ورشيد الدين فضل اللّه
الهمذاني،
قد اشاروا في مؤلفاتهم الى عصر حكومة محمود يلواج،
في
«الخطا»، ولكنهم لم يعطوا معلومات كاملة عن اسمه
ولقبه
ونسبه.
على ان مؤرخا واحدا هو عبد الرزاق المعروف بابن الفوطي
يذكر نبذة عن حياته في كتابه: «معجم الالقاب » عند
ذكرلقب
«فخر الدين »، فيقول ما مضمونه: «فخر الدين ابو
القاسم،
محمود بن محمد، المعروف بيلواج الخوارزمي،
وزيرالقاان،
ومن كبار رجال حكومة جنگيز خان، ومن كبار وزرا ذلك
العصر. كان يدير مملكة المغول في الجانب
الشرقي،ونظم
بتدبيره دول تركستان والخطا وما ورا النهر
وخوارزم. وكان
يكتب المغولية والايغورية والتركية والفارسية
جيدا.ويتكلم
الصينية والهندية والعربية. ولا مثيل له في الفهم
والذكا
والمعرفة. وبتدبيره انتظمت ممالك المغول. واستمر
في الحكم
في مملكة الخطا طوال عهد اوغتاي (624 639). ولما توفي
اوغتاي سنة 639 وانتقلت السلطة الى زوجته(توراكينا
خاتون)
حاولت ان تقتل محمود يلواج وابنه مسعود بيك وان
تصادر
اموالهما. ولكنهما استبقاها والتج آ الى آخرين من
امرا المغول.
فكان ان اختارت توراكينا خاتون رجلا آخر لحكومة
الخطا بدلا
من محمود يلواج هو عبدالرحم ن. وظل محمود وابنه
مسعود
بلا عمل فترة من الزمن ».
ويبدو ان محمودا توفي في الاونة التي انقضت بين
وفاة اوغتاي
وتشكيل المجلس الذي انتخب (غيرك) خان سنة 643، لان
اسم ابنه مسعود بيك كان بين اسما ممثلي المناطق
الخاضعة
للمغول، الذين ساهموا في اجتماعات المجلس، بينما
لم يرد
اسم محمود بين تلك الاسما، على ما ورد في كتابي
«جامع
التواريخ » و«جهانگشاي » ((437)).
ويبدو ان فخر الدين محمود يلواج كان مقصدا للشعرا
المداحين، فان الشاعر ضيا الدين الخجندي، المتوفى
سنة 622، وهو من الشعرا المشهورين في عصره، قد
انشده
القصائد المدحية الكثيرة، ومنها القصيدة التي
رواها عنه
تقي الدين الكاشي في تذكرة «خلاصة الاشعار».
ويرى عباس اقبال، في ما كتبه عن محمود يلواج ((438)) ان
جنگيز واولاده كان اعتمادهم في القتال على
العساكرالمغولية
والتركية وشجاعة قادة جيوشهم. ولكنهم وهم محرومون
من
الحنكة الادارية، وبعد ان تم لهم فتح ما فتحوه من
البلاد
الواسعة الممتدة من سواحل الصين حتى قلب روسيا
وحدود
الشام كان لا بد لهم من الخبرا في ادارة الحكم، من
محاسبين وقضاة واداريين وغير ذلك، فلجاوا في حكمهم
للصين وايران وما ورا النهر وخوارزم حتى روسياالى
الوزرا
والكتاب من غيرهم، وعهدوا اكثر ما عهدوا في شؤون
السكرتارية الى الاويغوريين. وان الذين
استعملهم المغول في
الادارة العامة من الوزرا والامنا وغيرهم كانوا
ممن مارس
الاعمال الادارية للخوارزميين وغيرهم((439)).
ومهما يكن من امر، فانه يجب التمييز بين الذين
استجابوا
لرغبة المغول في الاستفادة من خبراتهم بعد استقرار
الحكم المغولي، وبين الذين كانوا اعوانا لهم في
الفتح، فكانوا
موفديهم وادلاهم ونصحاهم وعملاهم والممهدين
لهم.
ان المفترين على الشرفا الابريا يتجاهلون هذه
الزمرة من
الخونة الواضحة خيانتها، ويحوكون المفتريات على
الذين ظلوا
حتى آخر نفس من انفاسهم اوفيا لوطنهم وامتهم!..
كان ما تحدثنا عنه حتى الان هو الوضع العام
الاسلامي قبل
عصر المستعصم ووزيره ابن العلقمي وما بلغه هذا
العصر
في عهد الناصر من القوة والمنعة بما في ذلك انها
السيطرة
السلجوقية على الخلافة، ورد المحاولة الخوارزمية
في
الحلول محل السلاجقة، وامتداد سلطة الناصر الى
المدى
البعيد الذي امتدت اليه، وقيام الجيش القوي.
ولعل من المفيد ان نشير هنا الى شهادة شاهد عاش من
عهد
الناصر الى عهد المستعصم، فقايس بين العهدين
واراناالصورة
التي كانت عليها بغداد ايام الاول ثم ما انتهت اليه
ايام الثاني.
ذاك هو النسابة محمد الحسني الذي قال في كتابه
«التحفة
في نظم اصول الانساب » ما نصه:
«وافضى الامر الى ان ادركت في هذه المدة القريبة من
ذرية
هذا الخليفة يريد (الناصر) من نزل عدوه
(هولاكو)بجيوشه
بالقرب من بغداد، وهو مستغرق في لهوه ولعبه ساعة مع
المغاني والمغنيات، وساعة بين الحمام والطبيلات
آلانهم (اهل
بغداد) اذا ارادوا تطيير الحمام ضربوا الطبيلات،
فتفز وتطير
صفة بعد صفة وضرب رقاب جماعة لماتفوهوا بان التتار
نزلوا
بعقوبة بلدة قريبة من بغداد تكون على ستة اميال
(كذا) او
سبعة اميال، ورايت بغداد في ايام جدابي هذا المشار
اليه الامام
الناصر يركب عسكره في ايام المواسم في مئة وعشرين
الف
فارس اجناد ما بين اتراك واكرادومتولدة، خارجا عن
العرب
والتركمان والمتعجمين. هذا عسكر العراق لا غير الذي
سلطانه
بها... ونزل عدو هذا الذي اخذت منه (المستعصم) وما
فيها الا
دون سبعة آلاف فارس، وجلهم ليس بنافع... وكنت ببغداد
في
ربيع الاول من سنة 613ه، وهي ثالث رحلة رحلت اليها
واذا
بالامام الناصر المقدم ذكره استدعى الكاتب بين
الظهر والعصر،
واستدعى بحمام دمشق، وبطق مئة بطاقة على اجنحة مئة
حمامة، ومضمون البطائق باسرها: ليعلم زعيم مصر
والشام
والبلادالفراتية وديار بكر وارمنية ابو بكر ايوب
ان الخبر الذي
القاه اليك الابرنس الذي بطرابلس الشام لا صحة له،
والامربالضد، وان جيوش النصارى يردون ساحل الشام
في الف
مقاتل... فادركت في عمري مثل هذا الخليفة في
يقظته وشهامته، وادركت من ذريته المستعصم وتغفله
وتخلفه
ما اذا نزل التتر على بعقوبة على سبعة اميال فما
حولها
من بغداد وهو مقبل على لذاته ولهوه. ومن تفوه
بمجي ء التتار
عوقب. وربما ذكر انه قتل بعض من تفوه بذلك
لنفوذالمقادير،
ولان الكتاب قد بلغ اجله...» ((440)).
ووصف الشاعر ابن البنية جيش الناصر بقوله:
ملك اذا انتظمت صفوف جيوشه
ايقنت ان البر بحر مزبد
انفت صوارمه الجفون فاصبحت
بالنصر في قمم الخوارج تغمد
وجا بعد الناصر ابنه الظاهر بامر اللّه (622 623ه : 1225
1226م) فلم يلبث في الخلافة سوى بضعة اشهر
توفي بعدها،
وخلفه المستنصر باللّه (623 640ه : 1226 1242م)، وفي
عهده كانت آخر حملات المغول على بقايا
الدولة الخوارزمية
وهزيمتهم سلطانها جلال الدين منكوبرتي الذي قتل
سنة 628
ه : 1230م.
وقد تنبه بعيدو النظر للخطر المغولي بعد القضا على
الخوارزميين، فالملك الاشرف صاحب دمشق قال عن
انكسارالخوارزميين امام المغول: «سوف ترون غب هذا،
واللّه
لتكونن هذه الكسرة سببا لدخول التتر الى بلاد
الاسلام، ما
كان الخوارزمي الا مثل السد الذي بيننا وبين ياجوج
وماجوج »
. ((441))
ولكن هذا الكلام مر من دون ان يشغل احدا او يثير
اهتماما، مع
ان جنود المغول اخذت تهدد اطراف العراق
وتتغلغل فيه طوال
حكم المستنصر وذلك في هذه السنين: 628ه : 1230 و629ه :
1231م و632ه : 1234م و633ه 1235م و634ه : 1236م و635
ه : 1237م و639 ه : 1241م.
وفي سنة 640ه : 1242م، وهي آخر سني المستنصر اقتحم
المغول آسيا الصغرى، وبذلك كانوا غير بعيدين عن
تخوم بلاد
الخلافة. ولكنهم انسحبوا في السنة التالية بسبب
وفاة الخاقان
(او غوتاي) وتولية خاقان جديد هو (كيوك خان).
وجا المستعصم (640 656ه : 1242 1258م)، وكانت
سلطته تشمل جزءا من العراق الحالي يمتد من تكريت
الى الفاو
ومن حلوان ((442)) الى عانة مضموما اليه
خوزستان.
اما الامبراطورية المغولية فكانت تضم اغلب بلاد
الصين
وتركستان وجزءا من الهند واكثر ايران وآسيا الصغرى
واكثرروسيا.
وقد كان واضحا ان المغول يتحفزون للتوسع في العالم
الاسلامي، وان على هذا العالم الذي تشده بعضه الى
بعض روابط وثيقة، ان يتنبه لما يعد له، وان الامر
كما عبر عنه
الملك الاشرف من الخطر المتوقع.
ولو ان ولاة الامور في ذلك العالم يومذاك كانت
تعنيهم امور
امتهم لكان بالامكان اقامة جبهة اسلامية موحدة،
مؤلفة
من الجزء الشرقي من العالم الاسلامي ما بين سيحون
والنيل.
وكان بامكان هذه الجبهة ان تقف في وجه المغول
وتردهم خاسرين.
ولكن ولاة الامور كانوا مشغولين بالتنازع في ما
بينهم،
وبتقتيل من لا يرى رايهم في بعض الامور المذهبية،
حتى لقد
قادابن المستعصم الذي كانت بلاده المستهدفة الاولى
قطعة
من الجيش وهاجم بها منطقة من بغداد هي منطقة
(الكرخ)،فقتل الرجال وسبى النسا وهدم الدور. وعمل
الفظائع
لان اهلها ليسوا على مذهبه.
ولما حل البلا كان ولاة الامور هؤلا، هم ومن
اليهم ومن اتى
بعدهم، يتنصلون من كل تبعة، وجعلوا رجلا
واحدامسؤولا عن
ذلك البلا.
اي ان الامبراطورية المغولية الكبرى المكونة مما
عددنا من
البلاد، الامبراطورية ذات الجيوش الكثيرة والعدد
الوفيرة والعقول الكبيرة، الامبراطورية التي مضت
في فتوحاتها
الى كل مكان والمتحفزة للانقضاض على الشعوب في كل
آن،كانت جبانة امام تخاذلهم، مرعوبة من تواكلهم،
ولم يحول
جبنها الى شجاعة ورعبها الى امان الا اشارة من رجل
واحدهو
ابن العلقمي!
ويقول «حبيب السير» عن ابن العلقمي: «هو الذي فرق
جيش
الخلافة في اطراف البلاد»، اضعافا للدفاع عن بغداد.
وسنرى ان امر الجيش لم يكن بيد ابن العلقمي، ولا كان
هو
الذي يفرض جمعه او تفريقه او الانفاق عليه، ولم تكن
له
اية صلاحية في شان من شؤونه. وان صح تفريق الجيش،
فان
الذي يكون قد امر بتفريقه هو الرجل المسؤول عن ذلك
ومن بيده امر تصريف شؤون الجيش، وهو غير ابن
العلقمي كما
سنبينه هنا:
فاليك هذه النصوص التاريخية التي جات في كتاب:
«الحوادث
الجامعة »، فقد اورد مؤلفه، وهو يذكر حوادث سنة
650ما ياتي:
«وفيها فارق كثير من الجند بغداد لانقطاع ارزاقهم
ولحقوا
ببلاد الشام » ((443)).
ومن حوادثهم انهم طالبوا بزيادة اعطياتهم، ولما
رفض الشرابي
قائد الجيش طلبهم، حاولوا الاخلال بالامن
وطالبواباخراج
المحبوسين منهم، ثم خرجوا الى ظاهر بغداد واقاموا
هناك
بضعة ايام مظهرين الرحيل، ثم سالوا الصفح
عنهم عندما اجتمع
بهم احد الشيوخ الزاهدين. وقد وصف في كتاب: «الحوادث
الجامعة » ما جرى بما ياتي:
«وفي شعبان حضر جماعة المماليك الظاهرية
والمستنصرية
((444))
عند مشرف الدين اقبال الشرابي للسلام على عادتهم،
وطلبوا الزيادة في معايشهم، وبالغوا في القول،
والحفوا في
الطلب، فرد عليهم وقال: ما نزيدكم بمجرد قولكم،بل
نزيد
منكم من نزيد اذا اظهر خدمة يستحق بها، فنفروا على
فورهم
الى ظاهر السور وتحالفوا على الاتفاق والتعاضدفوقع
التعيين
على قبض جماعة من اشرارهم. فقبض منهم اثنان، وامتنع
الباقون وركبوا جميعا وقصدوا باب البدرية،وقبح لهم
هذا
الفعل، فلم يلتفتوا اليه، فنفذ اليهم سنجر الياغر
فسالهم عن
سبب ذلك فقالوا: نريد ان يخرج اصحابناوتزاد
معايشنا، فانهى
سنجر ذلك الى الشرابي، فاعاد عليهم الجواب: ان
المحبوسين
ما نخرجهما وهم مماليكنا نعمل بهم ما نريد،
ومعايشكم ما
نزيدها فمن رضي بذلك يقعد، ومن لم يرض واراد الخروج
من
البلد فنحن لا نمنعه. وطال الخطاب في ذلك الى آخر
النهار،
ثم مضوا وخرجوا الى ظاهر البلد فاقاموا هناك مظهرين
للرحيل، فبقوا على ذلك اياما،فاجتمع بهم الشيخ
السبتي
الزاهد، وعرفهم ما في ذلك من الاثم ومخالفة الشرع.
فاعتذروا
وسالوا الشفاعة لهم، وان يحضر لهم خاتم الامان
ليدخلوا البلد،
فحضر عند الشرابي وعرفه ذلك، وساله اجابة سؤالهم،
فاخرج
لهم خاتم الامان مع الامير شمس الدين قيران
الظاهري
والشيخ السبتي، فدخلوا والشيخ راكب حماره بين
ايديهم،
وحضروا عندالشرابي معتذرين، فقبل عذرهم، وكانت مدة
مقامهم بظهر السور سبعة ايام.
وبعد وفاة الشرابي، كان امر الجيش وكل ما يتعلق
بشؤونه
بيدي مقدم الجيش مجاهد الدين ايبك الدواتدار
الصغير،خصم
ابن العلقمي وعدوه اللدود، فقد كان هو الذي يتولى
منصب
قائد الجيش. وما ذكره مؤلف «الحوادث الجامعة »، يعطينا صورة واضحة عما كانت عليه حال الجيش في بغداد من التمزق والتشرذم والفوضى قبل تولي ابن العلقمي الوزارة، ثم استمر ذلك حتى وصول جيوش المغول. وان المسؤولين عن ذلك هم الشرابي ومجاهد الدين ايبك الدواتدار الصغير وامثالهم ممن كان اليهم التصرف بامر الجيش. حرية الابداع الادبي بين
الحق الشخصي ومنظومة القيم
الدينية والاجتماعية
المنتدون: العلامة السيد محمد
حسن الامين، الدكتور علي
عقلة عرسان، الدكتور نايف معروف
عقد منتدى المنهاج ندوته الثامنة عشرة، في مقره،
عصر يوم
الاربعا الواقع فيه 26 ربيع الاول عام 1421 ه.،
الموافق 28/6/2000م.، وبحث المنتدون في موضوع الندوة،
وهو: «حرية الابداع الادبي بين الحق الشخصي ومنظومة
القيم الدينية والاجتماعية ».
قدم للندوة وادارها رئيس التحرير العلامة الشيخ
خالد العطية،
فبدا الكلام، وقال:
نرحب، في بداية هذه الندوة، بالسادة العلما
والاساتذة الاجلا
الذين حضروا هذا اللقا لمناقشة موضوع مهم. وهم كل
من:
سماحة السيد محمد حسن الامين، وهو عالم من علما
الدين
الاجلا واديب مبدع: شعرا ونثرا، والاستاذالدكتور
علي عقلة
عرسان، رئيس اتحاد الكتاب العرب، وهو اديب مبدع
ومفكر
كبير، والاستاذ الدكتور نايف معروف،استاذ
الدراسات العليا في
جامعة الامام الاوزاعي في بيروت، وصاحب المؤلفات
الفكرية
والادبية الكثيرة القيمة.
ايها الاخوة الاعزا، ان كان لي من كلمة اقولها، في
بداية هذه
الندوة، وامهد بها للدخول في محاورة السادة
اعضائهاحول
موضوعها، فاني ساحاول ان اشرح فيها طبيعة
الاشكالية التي
يمثلها هذا الموضوع والاهمية التي يمثلها
طرحه والاسئلة التي
يمكن ان تنبثق منه.
لا شك في ان الابداع الادبي نشاط انساني راق يعكس ما
تمتاز
به كينونة الانسان من طاقات خلاقة ومواهب
عظيمة كرمه اللّه
تعالى بها. فلقد كرم اللّه الانسان بالعقل، وكرمه
باستوا الخلقة
وحسنها، وكرمه باشيا اخرى كثيرة، لعل من ابرزها
قدرته على
ادراك الجمال وتذوقه، وقدرته، ايضا، على صنعه في
قوالب
واجناس من الفن المرئي والمنطوق والمكتوب
والمسموع.
ولا شك، ايضا، في ان تنمية قدرة الانسان على
الابداع الفني
والادبي والوصول بها الى اقصى غاياتها الممكنة
وفتح المجال
امام المبدعين لاظهار طاقاتهم الخلاقة دليل على
رقي
الحضارات ومستوى ادراكها الرفيع لدور الابداع
الادبي في
الارتقا بحس الانسان وتنمية ذوقه، الامر الذي
يرفع من
مستواه، ويهذب خلقه وسلوكه ويجمل حياته.
الى هنا، تبدو القضية محل وفاق وقبول من جميع
الناس، ومن
بينهم الادبا: ملتزمين وغير ملتزمين،
علمانيين واصوليين،
حداثيين وتراثيين سلفيين، ولكن ما فرق جميع هؤلا
حول
هذه القضية وجعلهم شيعا واحزابا فيها هوالاشكالية
التي
ظهرت وتبلورت مع ظهور اعمال ادبية، تجاوز فيها بعض
الادبا حدود المقدسات والقيم
الدينية والاجتماعية، وبالاخص
في السنوات العشر الاخيرة، بدءا مع بروز اسم سلمان
رشدي
«وآياته الشيطانية » وانتها ببروزاسم حيدر حيدر
وروايته
«وليمة اعشاب البحر» .
ورغم ان القضية في اصلها ليست جديدة، الا انها مع
ظهور
الاعمال الادبية المشار اليها ودخول عوامل سياسية
وثقافية على الخط فيها، اتخذت ابعادا خطيرة جديدة
جعلت
منها احدى القضايا الرئيسية الشاغلة للراي العام
والتي ثار
بسببهانزاع حاد مرير بين فريق يسمى افراده
ب «المتنورين »
ومنهم بعض المختصين العارفين باسرار مهنة الادب
وتقنياته،وفريق المثقفين المتدينين المقدرين
لقيمة تراثهم
ومقدساتهم الدينية. فالفريق الاول يدعي ان الابداع
الادبي لا
تقف امامه حدود، وان للاديب ان يبدع ما يشا،
والفريق الثاني
يرى ان الاديب لا بد له من ان يحترم مقدسات الامة
الدينية وقيمها الثابتة التي تلتزم بها.
في ضوء هذا الوصف لهذه الاشكالية، تنبثق عدة اسئلة،
نرجو
من السادة المنتدين ان يركزوا مداخلاتهم حولها، ثم
من بعد
ننتقل الى اخوتنا الحاضرين ليشاركوا في الحوار
ويغنوه
باسئلتهم ومداخلاتهم.
واهم الاسئلة التي تطرحها هذه الاشكالية، في
تقديري، هي: ما
طبيعة الابداع الادبي؟ وهل هناك من خصوصية
تميزه من
سائر انواع الابداع الفني والثقافي وتجعله بمعزل
ومناى عن اي
محاسبة او تقويم في ضوء الاخلاق
والمقدسات الدينية؟ وما هي
اهم مفردات مقدساتنا الدينية ومنظومة قيمنا
الاجتماعية التي
ينبغي ان نحترمها والا نتجاوزها؟ ثم هل ترون ان
هذه القضية
تفتح الباب واسعا امام محاولات الاختراق الثقافي
التي تقوم بها
بعض الاطراف، وخصوصا في الغرب، لتشويه صورة
الاسلام
والعبث بمقدساته وقيمه؟ وهل تشكل هذه القضية مدخلا
لهذا
الخطر؟ والسؤال الاخيرالذي ينبغي ان نطرحه هو: في
ضوء
تحليلنا لهذه الاشكالية، هل يمكن ان نخرج بنتيجة
مفادها ان
الاديب المبدع يمكن ان يبدع ادبا جميلا راقيا
مفيدا من دون
ان ينتهك حرمة المقدسات الدينية والقيم
الاجتماعية؟
هذه اسئلة تراود الذهن، ونضعها بين يدي السادة
المنتدين
لنناقشها ونحللها، ونخرج في النهاية برؤية تبلور
لنا
اصل القضية وتجعل الطريق امام المبدعين سهلا
ميسرا
ليمارسوا نشاطهم الراقي والمختار. هذا من دون ضير
وضرر
على مجتمعاتهم..
نبدا، اولا، بسماحة العلامة السيد محمد حسن الامين
ليحدثنا
عن رايه في هذا الموضوع، وفي هذه الاسئلة
التي طرحناها
والكلمة له الان، فليتفضل.
السيد محمد حسن الامين: يمثل موضوع هذه الندوة
محورا
مستمرا للتحدي والاشكاليات على مستوى الفكر
العربي والاسلامي. ان عناية مجلة المنهاج بهذا المحور الحي وكثير الاشواك تعطي انطباعا عن مدى جدية المنهج
الفكري الذي تعتمده هذه المجلة الموسوعية الهامة
واهميته،
آملا ان تشكل ندوتنا هذه مادة جدية في هذا المسار
العلمي والادبي والفكري.
ونظرا لتشعب هذا الموضوع وتعدد وجوهه وجوانبه
فانني لم
التزم التزاما دقيقا بالمحاور والاسئلة التي
طرحهاالموضوع،
اعتقادا مني ان كل محور منها يشكل موضوعا كاملا
لندوة او
لندوات متعددة، فحاولت ان اقدم رؤية من خلال الجو
العام
لعناوين الندوة، رؤية ذات علاقة بمفهوم الابداع
والدين في آن
معا، آملا ان تشكل مادة للحوار والنقاش الذي نحن
بحاجة اليه،
لاغنا رؤيتنا ومعلوماتنا والافاق التي نفترض اننا
نكرسها من
خلال ايماننا بضرورة الابداع وشرعيته على المستوى
الديني
الاسلامي. .
يسعى الانسان، عبر هذا الوجود، لتحقيق ذاته من طريق
السعي
الدائم لامتلاك الحرية.. حريته الكاملة.. ويوم
يقدرللانسان ان
يمتلك حريته الكاملة في هذا الوجود فان حقلا من
حقول
النشاط الانساني، لا يعود ثمة مبرر لاستئنافه،
وهوالفن بصورة
شاملة.. يتوقف الفن حين تكتمل الحرية..!
ان النشاط الفني مرتبط بحاجة الانسان الى الحرية
وسعيه
الدائم لها، وكل نشاط فني ابداعي هو، في جوهره،
اقتراح لصورة
الوجود على نحو اكثر حرية. بهذه الرؤية لغاية
النشاط الفني
الابداعي في جانب اساسي من طبيعته يغدو هذاالنشاط
كفاحا وصراعا ضد القيود والمصادرات التي تحاصر
رغبة الكائن
الانساني في التحقق، على ان التحقق، بوصفه غاية
للكائن
الانساني، لا يتجلى في الفن وحده.
ان الفن والدين، ايضا، هما ابرز الميادين التي
يتجلى فيها
السعي، بل الكدح الانساني باتجاه التحقق.
ان حرية الكائن الانساني هي الهدف الاسمى والابقى
للدين،
ولكن بوسائل اخرى تتيح لكل كائن انساني ان
يمارس بصورة
مباشرة فعل التصعيد باتجاه المطلق اي اللّه سبحانه
وتعالى:
(يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا
فملاقيه)بخلاف الفن
ابداعا وتذوقا، حيث يبقى في نزوعه الفلسفي
والجمالي الارقى
هما نخبويا، ولكن ليس من دون طموح الى تعميم هذا
الهم
على الاجتماع الانساني كله.
ان طبيعة الابداع الادبي لا تختلف، لجهة النزوع الى
تحقيق
الحرية، عن سائر انواع الابداع الفني الاخرى.
ان الرسم والنحت والموسيقى والشعر والمسرح وجميع
الفنون
الاخرى لا تختلف الا من حيث مادة تشكلها..
اماطبيعتها
فواحدة، من حيث الرؤية الى الوجود عن طريق استحضار
طاقة
الحلم والحدس، ما يحتم بالضرورة ان تكون الحرية
شرطا
لامكانية النشاط الابداعي وهدفا له في آن واحد.
ان المبدع فيما يستحضر طاقة الحلم والحدس لمواجهة
العالم،
فان هذا بالضرورة يقوده الى مواجهة مع جميع
اشكال القيود
والمصادرات.. وبنتيجة هذه المواجهة التي يخوضها
المبدع،
وبعد انجاز عمله، تغدو مساحة الحرية اوسع..ولكن ذلك
بواسطة الحرية نفسها التي اعتملت في داخل المبدع،
اي في
ذاته قبل مباشرة عمله الابداعي واثناه.
من هنا، الحرية شرط للنشاط الابداعي وهدف له في آن.
لا
يمكنني ان اتصور انجازا ابداعيا لا يتضمن اختراقا
للسائدوتجاوزا له، وكل اخترق للسائد هو، بالضرورة،
انجاز
يضيف مساحة جديدة لحرية الكائن الانساني المحاصرة
دائمابسلطة السائد.
ان الابداع الادبي لا يختلف، من حيث جوهره، كما
قلنا، عن
سائر انواع الابداع الاخرى، وان كانت مادته اللغة
فيماالخط
واللون والصوت والحج: والخشب هي المادة التي تتشكل
منها
الفنون الاخرى، من رسم ونحت وعمارة وموسيقى.. الخ.
ولان
اللغة هي مادة الابداع الادبي، فان الادب يغدو اكثر
مساسا
وتماسا مع الاجتماع الانساني. فاللغة هي اكثر
وسائل التعبير
شيوعا في الاجتماع الانساني، وهي الرمز المعتمد
لصياغة
الشرائع والقوانين والقيم والعلوم والافكار
والتاريخ وسائر
مقومات الاجتماع الانساني، ما يجعل الابداع الادبي
وواسطته
اللغة مجالا لاشكاليات اكبرواكثر اهمية وحساسية،
فهو
يستخدم محمولات اللغة السائدة والمكرسة الى آفاق
ومساحات تعود بدورها لتمنح اللغة محمولات جديدة
غير تلك
المالوفة والمتعارف عليها..
انه، اي الابداع الادبي، بصورة ما، تفجير للغة لا
بمعنى اعدامها،
ولكن بمعنى اعادة تشكيلها بما يجعلها
تتجاوزمحمولاتها.. وكل
تجاوز لمحمولات اللغة هو تجاوز للسائد وعدوان عليه
وارهاص
ببدائل جديدة، اي بعالم جديدوقيم مختلفة.. ومن هنا
خطورة
الابداع الادبي، فهو حين يبدو مجرد استخدام جديد
للغة،
ومجرد ابداع علاقات جديدة وغير مالوفة بين
مفرداتها، تكون
اللعبة قد ذهبت الى ابعد من ذلك، تكون قد اقتحمت
حدود
الممنوع والسائدالمقدس من نظام القيم وانساقها
المكرسة.
يتلخص مما تقدم اننا نرى ان ثمة ارتباطا عضويا بين
مفهومي
الحرية والابداع الادبي.. بما يعني اننا اذا اردنا
ان نتيح فرصة
الابداع فلا مفر لنا من قبول شرط الحرية.. واذا كان
ثمة من
يتحفظ على شرط الحرية الكاملة للمبدع فهو، من وجهة
نظرنا،
تحفظ على مبدا الابداع نفسه! وهذا ما يقودنا الى
السؤال
المطروح في هذه الندوة حول موقف الاسلام
من الابداع
الادبي.
يرى بعضهم ان الحرية الكاملة للمبدع لا تضمن عدم
الاساة
لمقدسات الاسلام وقيمه ومفاهيمه الثابتة كما
اشارسماحة
الاخ الشيخ خالد، اذ يرى بعضهم ان الحرية الكاملة
للمبدع لا
تضمن عدم الاساة لمقدسات الاسلام وقيمه ومفاهيمه
الثابتة،
بما يحتم ضرورة التدخل في هذه الحرية وتحديدها ووضع
الشروط الضامنة لمنع سوءاستخدامها.
نحن لا نخالف هؤلا رايهم بشان سوء استخدام الحرية
او
احتمال سوء استخدامها في مجال الابداع الادبي، بل
نؤكد
ان اطلاق الحرية في مجال الابداع الادبي لا بد من
ان يفضي،
في ما يفضي اليه، الى نصوص تتنافى قيمها ومفاهيمها
مع قيم
الاسلام ومفاهيمه.. ولكننا مع ذلك لا نميل الى وضع
شروط
على حرية المبدع الا الشروط المشتقة من
قواعدالحرية نفسها،
فالحرية لا تقيد الا بقواعدها، ومن قواعد الحرية
تكريس حق
الاختلاف من جهة واحترامه حرية الاخرمن جهة اخرى.
انني، بوصفي مسلما، وبموجب قواعد الحرية، لا
استطيع ان
اقمع عملا ادبيا يتنافى، او حتى يتناقض، مع ما
اعتقده
من مبادى اسلامية، ومن قيم ومفاهيم مرتبطة بها،
غير ان
قواعد الحرية تجاه عمل يتنافى مع المرتكزات
والمفاهيم الاسلامية، قواعد الحرية لا تحمي هذا
العمل الادبي
في مثل هذه الحالة بالمطلق. بل تتيح لي كامل الحرية
في
نقده وتفكيكه وكشف عوامل ضعفه وافتقاره الى الدقة
والبرهان
والمنطق.
ولكن لو تضمن هذا العمل الادبي شتائم، او تحقيرا
لعقيدتي
الاسلامية، كرواية سلمان رشدي: «آيات شيطانية »،
فهل يصح
التذرع بقواعد الحرية لحماية رشدي وروايته؟ ان
سلمان
رشدي لم يستحق الحكم الصارم بسبب انتقاده
لعقيدة الاسلام،
ولا حتى بسبب رفضه لهذه العقيدة، بل بسبب انتهاكه
لقواعد
الحرية نفسها، وما اكثر الذين انتقدوا
الاسلام وشككوا في صحة
عقائده ومبادئه فلم يكن ذلك مسوغا للحكم عليهم
بالعقوبة..
ان الشتم والتحقير اخرجا رواية سلمان رشدي عن
كونها عملا
ادبيا، بعد ان تخلت عن قاعدة اساسية من قواعد
الحرية
الملزمة باحترام عقيدة الاخرومقدساته رغم
الاختلاف معها.
ان الخوف من سوء استخدام الحرية لا يسوغ قمعها ولا
مصادرتها ولا حتى وضع الحدود والقيود في وجه
استخدامها،خصوصا في مجال الابداع الفكري والادبي،
كما ان
الحرص على الاسلام عقيدة ومبادى، وبوصفه مشروعا
حضاريا،فضلا عن كونه لا يتنافى مع حرية التفكير
والابداع،
فانه يلزمنا، اي هذا الحرص، باعادة النظر في موضوع
الحريات
عامة وحرية الابداع والتفكير بصورة خاصة.
ان الحضارة الاسلامية لم تتراجع بسبب فائض الحرية
التي
امتلكها المفكرون والعلما والفقها والمبدعون..
واذا شئناان
نفضح عقدة التحريم الكامنة في الذات العربية
والاسلامية
والتي ادت الى نضوب الابداع في هذه الذات،
فاننانستطيع ان
نعريها من اي شرعية دينية اسلامية.
لقد اعلن الاسلام حرية الكائن الانساني حين اسقط كل
عبودية
تحول بينه وبين المطلق الذي هو اللّه سبحانه
وتعالى.
ان مشكلة الانسان التي تقوم بينه وبين اسمى اشكال
التواصل
مع اللّه هي شبكة المصادرات الواسعة من استغلال
وقمع واستبداد وجهل وفقر ومرض. وهي في محصلتها نقص
في حرية الكائن الانساني، اي نقص في المادة
الجوهرية
لمعرفة اللّه، فالحرية وحدها هي طريقنا الى معرفة
اللّه. وكل
نقص تتعرض له حريتنا يؤول الى نقص في معرفتنا للّه..
ولو كان
الامرعكس ذلك لما قضت ارادة اللّه تعالى بخلق
الكائن
الانساني حرا مختارا. ولو كانت الاخطا والمبادى
الناجمة
عن ممارسة الحرية تجيز مصادرة هذه الحرية او
تقييدها، لكان
اللّه تعالى اولى بان يحدها او يصادرها بارادته
التكوينية..
ان اكثر ما يعرض الانسان للعقوبة الالهية هو التنكر
لشرط
الحرية فيه.
ان عقدة التحريم والخوف من الحرية، كما تراكمت في
ذات
الفرد والجماعة، عبر تاريخنا العربي والاسلامي،
ليس الدين
بريئا منها فحسب وانما هو ضحيتها ايضا.
ان مصادرة الابداع، بحجة الخوف على الدين، كانت
تنتهي الى
مصادرة الدين نفسه وتحويله الى طقوس فارغة
تارة،والى مادة
قهر واستلاب في ايدي السلاطين والمتنفذين تارة
اخرى.
لقد كان اقتران قمع الابداع، باسم حماية الدين، عبر
حقب
بائسة طويلة من تاريخنا الاسلامي، كاد يرسخ في
وعينا
ان حرية الفكر تفضي بالضرورة الى حتمية الكفر.
ان الخوف من الابداع، اي من حرية الفكر على منظومة
القيم
التي تمثل هوية الامة العربية والاسلامية، والخوف
من
هذه الحرية على الاسلام، لا يتضمن في نظري الا
التشكيك في
اهلية هذه المنظومة وفي اهلية الاسلام نفسه.. فماذا
يبقى من
الاسلام اذا كانت الحرية تشكل عامل تهديد له؟
نعم، يوجد تهديد للاسلام امام حرية التفكير
والابداع.. ولكن اي
اسلام هو هذا الذي تهدده حرية الابداع والتفكير؟
انه بالتاكيد ليس اسلام الينابيع الحية المتمثلة
بالقرآن الكريم
وسنة النبي (ص) والائمة (ع)، وانما هو، اي هذا
التهديد،في
احسن الحالات، الاسلام التاريخي، سوا ما كان منه
اسلاما اي
فهما للاسلام تاريخيا ومشروعا في عصره، او ما
كان منه دخيلا
على الاسلام ومؤولا له وفق مصالح الاستبداد
السياسي.
ان عودة الاسلام، بوصفه قوة تحرير للانسان فردا
واجتماعا،
وبالتالي فان عودته بوصفه مشروعا حضاريا، ولو
في مستوى
الامة العربية والاسلامية، لا يمكن ان تتحقق من دون
اعادة
الاعتبار لقيم الابداع والحرية المغيبة منذ
قرون عديدة
لمصلحة نظام الاستبداد، ولا فرق بين انظمة
الاستبداد سوا
منها ما كان يزور لنفسه شرعية دينية منذ
مئات السنين حتى
سقوط الدولة العثمانية في اوائل هذا القرن، او ما
يزور لنفسه
اليوم شرعية قومية او قطرية او وطنية، اوينصب نفسه
حارسا
على هذه الشرعية من اخطر اعدائها: الحرية والابداع.
ان الاستبداد السياسي يخشى الحرية ويضع شروطا
وتحفظات
على الابداع والمبدعين، اما الاسلام فانه لا
يخشى شروط
الحرية ولا تزعجه اخطاؤها ما دامت في النهاية فرصة
لاستعادة
نهضته وتحققه في مجتمع الانسان.
ان اللّه تعالى هو (بديع السماوات والارض)، كما وصف
ذاته
المقدسة، فهل تكون خلافة الانسان للّه على هذه
الارض خارج
هذه المعادلة:
هل تتحقق غايات الخلافة من دون فعل الابداع؟!
الشيخ خالد العطية: نشكر سماحة السيد الجليل على
مداخلته
القيمة هذه التي قدم فيها تحليلا عميقا للحرية
وصلتهابالفن
والدين باعتبارها هدفا واداة لهما معا. وانا اعرف،
شخصيا، ان
الحرية تمثل هما ثقافيا كبيرا عند سماحة
السيد..وحسبما
فهمت، فان المشكلة لا تتاتى من الحرية، بحد ذاتها،
بالنسبة
للابداع الادبي، وانما من سوء استخدام
هذه الحرية، ولعل هناك
بعض الاسئلة والاستيضاحات التي تراود الذهن في هذا
المجال
يمكن ان نستوضحها منه بعد انتهاالاخوة المنتدين
الباقين
من مداخلاتهم.
وننتقل الان الى الاستاذ الدكتور علي عقلة عرسان،
رئيس
اتحاد الكتاب العرب، والمفكر المرموق، ليحدثنا عن
رايه
في طبيعة هذه الاشكالية والاسئلة التي تنبثق منها
والتي
طرحناها في بداية هذه الندوة، فليتفضل مشكورا.
د. علي عقلة عرسان: اود، بداية، ان اشير، في مدخل
حديثي،
الى مفهومين شائعين لكلمة ادب او مدلولين لها.
الادب الذي هو صفات الانسان الخلقية المتصلة بعلم
الفضائل
وكيفية التحلي بها ومعرفة الرذائل وكيفية
تجنبها،ليتصلح
بذلك النفس، فتصلح بصلاحها الحياة في نظر الانسان،
ومن
ثم يقبل عليها المرء اقبال الباني لها المتمسك
بها،المستمتع
بايامه فيها، وهو علم يكاد يختصره الدين بحديثين:
«انما بعثت
لاتمم مكارم الاخلاق » و«الدين المعاملة »،حيث
لا فصل بين
الخلق والسلوك والعمل، بين الدين والدنيا، وهو ما
عبر عنه
الامام علي، وكرره من بعده تابعون،بالقول: «اعمل
لدنياك
كانك تعيش ابدا، واعمل لاخرتك كانك تموت غدا». وهو
القول
المبني على قوله تعالى في الاية الكريمة من سورة
القصص:
(وابتغ في ما آتاك اللّه الدار الاخرة ولا تنس نصيبك
من الدنيا،
واحسن كما احسن اللّه اليك ولا تبغ الفساد في
الارض، ان اللّه
لا يحب المفسدين). وقد اشار الرسول، عليه الصلاة
والسلام،
الى ذلك الادب، ادب النفس بالقول: «ادبني ربي
فاحسن
تاديبي ». وفي ذلك علم بالحياة خيرها وشرها،
وايمان باللّه
ورضى بحكمه وتسليم بحكمة تكليفه للعبد ايا كان ذلك
التكليف. وفيه ايضا خلق حسن وعمل بذلك، وحث على
احترام
تلازم القول والعمل، القيمة والسلوك، وتحمل تبعات
ذلك، لا
سيما في مجتمعات قد لا تقر هذه القواعد ولا تقيم لها
وزنا،
وتاخذبالذرائعية والبراغماتية..
ثانيا، الادب الذي هو اساس المعط ى الثقافي في
العلوم
الانسانية، وهو نوع من المعرفة، وضرب من ضروب
الابداع
بفن الكلام، الذي يحلق بجناحيه: الشعر والنثر مذ
وجد الانسان
والوعي، ووجدت الرغبة والمعاناة، ووجد الشوق في
جسدوروح
والتوق الى التعبير عن حاله ومعاناته في حياته
وتامله وتالق
روحه..
وقد يكون الادب، او الفن، اي الابداع بشكل عام،
لصيقا
بالفضيلة وعالم القيم، وقد يخرج عليهما جزئيا، او
كليا،
مدعيالنفسه تحررا من كل التزام يعده قيدا للحرية،
بما في
ذلك الالتزام بالقيم والفضائل نفسها، ففي عرف بعض
المبدعين انهم ليسوا دعاة، وان الدعاوة، او
الدعوة، تفسد
صنيعهم حتى لو كان للعقيدة او للفضيلة. وهذا لا ينفي
ان
يزهو بعض الداعين للايمان والقيم على ارضية
الايمان بدعواهم
الى درجة، ويزهو بعض الداعين ايضا للايديولوجيا
بدعواهم،وقد
يزهون الى درجة الهوس ويرون فعلهم نضالا بنا،
وتصبح
دعواهم ابداعا ودعاوى للابداع.
والادب يعتمد التخييل والابتكار والتخيل، ويقدم
واقعا فنيا
بتشويق وتكثيف وتجربة انسانية باجتزا عناصرها،
اومقوماتها،
من محيطها الطبيعي، ثم يعيد تركيب تلك الاجزا، او
العناصر
في اطار فني، ويوظفها في عمل هادف، ولوالى الاثارة،
وينشد
المتعة والفائدة او التسلية وربما الادهاش من خلال
اجناس
ادبية مختلفة.
اما القيم فعالم تتداخل فيه الفلسفة والاخلاق
والعقائد، وقد
تتاثر تاثرا مباشرا بالايديولوجيا والسياسة وببعض
مفاهيم الانتاج
في المجتمعات، وتدخل في تكوين المعايير. ولا يمكن
فصل
عالم الابداع عن عالم القيم، الذي نجد فيه
القيم الدينية
المتصلة بعلم الاخلاق وعلم الفضائل على ارضية
الايمان
والعمل به، كما نجد فيه القيم الانسانية
والقومية والوطنية
والاجتماعية والجمالية، تلك التي توجد، او يفترض
ان توجد،
في كل ابداع حتى في ذلك الذي يجعل مبداه «الفن
للفن »، لانه
يهدف الى قيم جمالية، ان اللّه جميل يحب الجمال..
ولكن هل يستطيع الابداع، ايا كان نوعه، او ايا كانت
درجته
ومستواه، ان يولد خارج عالم القيم، وان يعيش اذا
تجرد عن كل
نوع من انواع تلك القيم، وان يحقق تاثيرا ويكتب له
خلود؟
انني اشك في ذلك واشكك فيه، واقول بعدم امكانية
تحققه
بالمعنى المنشود لذلك التحقق ويضعف قدرته
على التاثير... واشكك في انعدام امكانية تمتعه بالخلود حتى ان تحقق ذلك. |
|---|