«اول المنهاج »

القضايا «الماضوية » وحوار التقريب

رئيس التحرير

نشرت جريدة «صوت الازهر»، في عددها السابع والاربعين، الصادر في جمادى الاولى/ اغسطس (آب) من العام الجاري، مقالة للدكتور عبد الحليم عويس بعنوان: «حوار... نحو التكامل/ في سبيل تقريب حقيقي بين اجزاء الامة »،تحدث فيه عن ظاهرة وجود عديد من المجلات الشيعية في الاسواق الثقافية العربية الان، وبخاصة السوق المصرية،«تقوم بالتركيز على نشر المنطلقات الفكرية السائدة في المذهب الشيعي بطرق علمية قد لا يستطيع التعامل معهاانصاف المتعلمين وارباع المثقفين ».

وقد افتتح الدكتور عويس مقالته بالاشادة بمستوى هذه المجلات العلمي والاعلامي، والاقرار بان من حق الشيعة «ان يبثوا افكارهم، وان يثروا الثقاافة الاسلامية وان يعالجوا قضاياهم، آملا ان تتكامل هذه القضايا مع قضايا الامة الاسلامية في نهاية الامر». ولكنه لاحظ، بعد ذلك، على هذه المجلات واصفا ملاحظاته بانها نقد علمي محايد لها لا يقلل من قيمتها «انها لم تحاول الانعتاق من الافكار «الماضوية »، او ما يسمى بنقاط التصادم التي مزقت الامة عبر اربعة عشر قرنا،وان من يتصفحها لا يجد فيها تاكيدا علميا للاتجاه الرشيد للتقريب بين السنة والشيعة، فضلا عن ان يجد فيها انفتاحا اوانصافا لكثير من اطروحات اهل السنة ومصادر فكرهم. «فالمصادر المعتمدة معظمها شيعية، تفسيرا او حديثا او فقها او ادبا او تاريخا. وهي اذا تعاملت مع مصادر اهل السنة فانما تتعامل معها كما يتعامل الانتقائيون، فهي تنتقي منها ما يؤكد القضايا الفكرية المذهبية الخاصة بها، ثم تفسر النقول التفسير الذي يخدم الاراء المطروحة، ثم توضع الهوامش بطريقة تجعل بعض ضعيفي الثقافة الاسلامية من اهل السنة،مبهورين بها، عاجزين عن استيعاب مجموع ما ورد فيها، فضلا عن الرجوع الى مظانها والرد عليها.

ومن خلال هذه المنهجية تبث الرؤية المذهبية في كل الدراسات والمقالات والتحليلات الواردة، مما يوحي بانه لا امل في غد تلتقي فيه طوائف المسلمين على كلمة سواء، ولا امل في ان يعي اخواننا الذين يكثفون الرؤية المذهبية ان لدى اهل السنة، الملتزمين بالكتاب والسنة، ما ينبغي ان يعرفوه ويوقروه ويضعوه في مكانه الصحيح من افكارهم ورؤيتهم بدلا من هذه القطيعة الفكرية التي لا لزوم لها».

وبعد هذا النقد للمجلات الشيعة المطروحة في الاسواق الثقافية العربية الان، والذي وصفه الدكتور عويس بانه علمي ومحايد، خلص الى مطالبة الازهر ووزارة الاوقاف ودور الافتاء والهيئات الاسلامية السنية بمتابعة ما ينتج عن هذه المجلات التي يحررها متخصصون لا اعلاميون من فكر يشكل، على الاقل لدى انصاف المتعلمين والمثقفين، نوعامن الانبهار قد يشككهم في ايمانهم بعقيدة اهل السنة والجماعة ويؤثر سلبيا على «فكرنا» الاسلامي الوسط ي البعيد عن التحيز والمغالاة والداعي الى عدم التركيز على الانشغال بقضايا «ماضوية » بطريقة عاطفية تبدد الطاقة وتجعلنا نتجراعلى صحابة رسول اللّه (ص).

وبما ان هذه المجلات الصادرة عن الشيعة تمتاز بالاهتمام العلمي والبعد عن الانشائية والعفوية وبالاخراج الجيدوبان معظم كتابها اكاديميون محترمون كما يقول الدكتور عويس فانه دعا، في ضوء ذلك، «الازهر الشريف، جامعاوجامعة، ومؤسسات الدعوة والفكر، المنتمية الى اهل السنة والجماعة الى ان تنشى مجلات دورية شهرية تنافس مجلات الشيعة في العمق والجمع بين الاكاديمية والابداعية واشراقة الاسلوب وعمق التفكير واستيعاب التراث ومخاطبة العصر، «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون »، فلا ضير في الافادة من آليات الاخرين ووسائلهم.

وطالب بان تعبر هذه المجلات عن «هيئات اسلامية ذات ثقل في المجتمع الاسلامي على النحو الذي تمتاز به الدوريات الشيعية الصادرة من لبنان او ايران او اوروبا» .

ونظن ظنا يكاد يكون في حكم اليقين ان هذه المجلة: «المنهاج » هي في طليعة المجلات التي تحدث عنها الدكتورعويس في مقالته واستهدفها بملاحظاته النقدية التي لم تكن مع الاسف علمية ولا محايدة كما وصفها. ولذا نجد من واجبنا ان نحاوره في ما ذكره فيها، آملين ان تتكامل وجهات نظرنا من خلال ذلك حول القضية الاساسية التي اوردملاحظاته في اطارها، وعنون بها مقالته، وهي قضية «التقريب بين اجزاء الامة الاسلامية وطوائفها المذهبية »، وان تتبددالهواجس والتحفظات التي يشعر بها بعض اخواننا من السنة المؤمنين بقضية التقريب والمدركين لاهميته والحاجة اليه،ومنهم الدكتور عويس، تجاه توجهات المجلات الشيعية الفكرية وبعض ما تنشره على صفحاتها من قضايا «ماضوية » آكما اسماها تتصل بجذور الخلاف ونقاط التصادم المذهبي بين السنة والشيعة.

بداية، ينبغي ان نوضح ان التقارب المنشود بين اجزاء الامة الاسلامية، وبخاصة بين جزئيها الاساسيين: السنة والشيعة،لابد من ان يسبقه، في المرحلة الاولى، سعي مخلص حثيث من قبل كل منهما الى ان يتفهم الاخر، ويطلع على رؤاه ومواقفه المذهبية المتصلة بمختلف مسائل الدين والعقيدة. فتلك هي البداية العملية الصحيحة التي تمهد لكسرالحواجز النفسية القائمة بينهما، وتسهم في ازالة الكثير من عوامل سوء الفهم وفي تصحيح الشبهات والتصورات الخاطئة التي يحملها كل فريق عن الفريق الاخر، وتؤدي في النهاية الى ان يدركا معا ان شقة الخلاف بينهما لا تتعدى مساحة ضيقة لا تقارن في حجمها بمساحة الوفاق التي تتحد فيها رؤاهما المذهبية، سواء في اصول العقيدة ام في فروع الشريعة ام في المفاهيم والقيم والاخلاق الدينية العامة.

وبذلك ينفتح امامهما المجال واسعا للوصول الى تقارب حقيقي يتم فيه التواصل والتكامل والتعاون بينهما على مختلف الصعد، لا سيما في هذا الزمن الصعب الذي تواجه فيه الامة الاسلامية زخم تحديات هائلة وقوى عالمية شرسة تسعى الى استئصال المسلمين جميعهم: سنة وشيعة، تماماكما ذكر الدكتور عويس في مقالته.

وفي ضوء هذا التحديد للالية التي تمهد للتقريب وتساعد على الوصول اليه من اقرب طريق، يمكن النظر الى ظاهرة قيام المجلات الشيعية بالتركيز على نشر المنطلقات الفكرية السائدة في المذهب الشيعي بطرق علمية كما ذكر الدكتورعويس ودراسة ما اسماه بالقضايا «الماضوية » التي تشكل نقاط الخلاف والتصادم المذهبي بين السنة والشيعة في قسم من بحوثها ومقالاتها، على انها ظاهرة ايجابية وخطوة اولى صائبة باتجاه هدف التقارب المنشود وليس العكس، اذ من خلال ذلك جميعه يمكن للشيعة ان يوضحوا هويتهم المذهبية الحقيقية ويزيلوا كل سبب للالتباس والاشتباه في فهمهاعند الاخرين، وبذلك تتحدد نقاط الخلاف الحقيقية معهم وتنحصر في نطاقها الواقعي الضيق، ويتبدد ما عدا ذلك من تقولات واوهام وتصورات خاطئة كونتها ظروف القطيعة معهم والتجافي عنهم.

ومما يؤكد صحة هذا التوجه والحاجة الماسة اليه ان حملات الدعاية المعادية للتشيع لم تعرف الكلل والفتور طوال العصور الماضية التي تلت بروزه وتبلور هويته في مقابل التسنن ومذاهبه الكلامية والفقهية المعروفة. وقد تكثفت هذه الحملات المضللة مع الاسف في المدة الاخيرة التي تلت قيام الجمهورية الاسلامية في ايران وبروز المذهب الشيعي على الساحة السياسية، بوصفه القاعدة الفكرية المعتمدة في دستور هذه الجمهورية ونظام حكمها الاسلامي، فرمي التشيع بكل بدعة وضلالة، ونسب اليه من الترهات والاباطيل في اصول الدين وفروعه ما لا حصر له ولا عد، بل قيل:ان اتباعه كفار يبطنون الشرك ويظهرون الاسلام عملا بالتقية، لانهم يزورون قبور ائمتهم ويتوجهون اليهم بالدعاءوالعبادة، ويعتقدون بتحريف القرآن، بل ان لهم مصحفا خاصا يتلونه آناء الليل واطراف النهار، وينسبون الجهل الى اللّهتعالى بقولهم بوقوع البداء له، في ما يفعل، ويعتقدون ان النبوة ذهبت خطا الى النبي محمد (ص)، وان المستحق لها هوعلي بن ابي طالب (ع) وانهم يكفرون صحابة رسول اللّه (ص) ويلعنونهم، باستثناء نفر يسير منهم لا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد الواحدة، الى آخر ما هنالك من مفتريات واكاذيب يضيق الوسع والمجال عن استقصائها وعدها.

فلا يلام الشيعة والحال هذه اذا ما سعوا الى تصحيح صورتهم المشوهة في اذهان المسلمين الاخرين، وحاولوا درءالشبهات والاكاذيب عنهم، من خلال التركيز على توضيح منطلقاتهم الفكرية وآرائهم الدينية في مختلف المسائل العقدية والفقهية التي يتكون منها مذهبهم، في المجلات وغيرها من مطبوعاتهم ومنشوراتهم.

وهذا بالطبع لا يتم على الوجه العلمي الصحيح الا بالرجوع الى المصادر المعتمدة والموثوقة عندهم، فاهل البيت ادرى بالذي فيه، وليس من المعقول ان يرجعوا، في التعريف بهويتهم المذهبية، الى مصادر الفريق الاخر التي تبنى اصحابهاعلى وجه العموم موقفا سلبيا منهم، بحيث لا نعدم فيهم المتعصب ضدهم والذي يسوقه هوى مذهبي او غرض سياسي الى التحامل عليهم، او الناقص المعرفة بهم والمحدود الاطلاع على احوالهم، على ان هذا هو عين ما يفعله الفريق الاخر ايضا حينما يطرح منطلقاته الفكرية، ويبحث المسائل والقضايا الدينية المكونة لمذهبه! والمشكلة ترجع في جوهرها، في الواقع، الى اختلاف مصادر الفريقين في ما يتعلق برواية سنة النبي (ص) وسيرته المطهرة، فقد تشكلت مصادر الفريق السني، وهو الفريق الحاكم والمتغلب سياسيا، على قاعدة اقصاء ائمة اهل البيت واتباعهم من طريق رواية السنة، حتى ان المتصفح لصحيح البخاري على سبيل المثال لا يجد فيه رواية واحدة يرويهاعن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) الذي كان من اكثر الائمة رواية لحديث جده النبي (ص) حتى قال فيه الحسن بن علي الوشاء: «رايت في مسجد الكوفة تسعمئة شيخ، كل يقول: حدثني جعفر بن محمد». هذا في الوقت الذي لم يتحرج فيه البخاري عن رواية الحديث عن الخوارج والناصبين العداء لاهل البيت، امثال عمران بن حطان الذي قال في مدح عبد الرحمن بن ملجم على قتله الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع): يا ضربة من تقي ما اراد بها الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا اما مصادر الشيعة، في رواية سنة النبي (ص) فقد ولت وجهها شطر عترة النبي واهل بيته الذين شهد لهم القرآن الكريم بالطهارة والعصمة، كما قال تعالى: (انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا) [الاحزاب: 23]،ودعا النبي (ص) في حديثه الذي يرويه الفريقان الى التمسك بهم واخذ معالم الدين عنهم، كما قال (ص): «اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما اعظم من الاخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء الى الارض،وعترتي اهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (رواه الترمذي ومسلم وجملة من اصحاب السنن).

فمن الانصاف اذن ان نقول: ان الشيعة هم الذين عانوا، منذ البداية، من قطيعة اخوانهم وكانوا ضحيتها، وليسوا هم اول من مارسها وسن سنتها! اما القضايا «الماضوية » التي اشار اليها الدكتور عويس، ويقصد بها، كما هو واضح، قضايا الخلاف حول الامامة والخلافة من بعد النبي (ص)، فالشيعة في حقيقة الامر انما يبحثونها في مجلاتهم وغيرها من منشوراتهم لانها ليست مجرد قضاياتاريخية غاب اشخاصها وطوى الزمن صفحتها، وانما هي قضايا حاضرة في حياة الانسان المسلم، لانها، اولا، جزء لايتجزا من عقيدته ورؤيته الدينية العامة. ولان لها، ثانيا، آثارا تشريعية لا تمس القضايا السياسية فحسب، وانما مختلف قضايا الحياة العملية، لان الامامة اذا صح كونها بالنص، وان ائمة المسلمين وولاة امورهم من بعد النبي (ص) معينون من قبل اللّه ورسوله، فان اقوالهم وافعالهم تكون حينئذ حجة على المسلمين ومصدرا تشريعيا ملزما لا يسع المسلمون تركه.

ومن اجل ذلك بقي البحث والسجال حول قضية الامامة جاريين متوارثين في اجيال المسلمين، وهما لا يزالان جاريين بينهم حتى زماننا هذا، ولا ضير في ذلك ولا خوف منه، بل هو امر طبيعي لا مندوحة منه، وحاجة مطلوبة لابد منها،لتتبلور الحقائق وتنزاح الشبهات عنها، ويتمكن كل مسلم من ان يحدد وجهته ويعين تكليفه وموقفه الشرعي من هذه القضية الدينية الشائكة. انما الواجب والمهم في بحثها هو الالتزام فيه بقواعد البحث العلمي واصوله المتعارفة، وان يتولاه اصحاب الضمائر وطليقو الفكر من اهل العلم والاختصاص، ولا يندس فيه المغرضون والمتعصبون على غير بينة وادعياء الفتنة.

وهذه شروط وصفات يسهل على الباحثين والقراء المثقفين التشبث من وجودها في ما ينشر عليهم من بحوث حول هذه القضية، ولا تجدي محاولة استغفالهم وخداعهم فيها بانتقاء النصوص وتفسيرها التفسير الذي يخدم الاراءالمطروحة ويخالف دلالتها العلمية، او بوضع الهوامش بالطريقة التي اشار اليها الدكتوى عويس، ونسب الى المجلات الشيعية اتباعها في بحوثها.

وثمة ملاحظة اخرى تثير الاستغراب ذكرها الكاتب الفاضل في جملة ملاحظاته النقدية التي سبقت الاشارة اليها، وهي تعميمه القول بان الشيعة لا يعتمدون في جميع ما يكتبون ويؤلفون على غير المصادر الشيعية حتى لو كان ذلك تفسيرااو ادبا او تاريخا. فهذا تعميم ومبالغة في القول لا يليق صدورهما من باحث متخصص منصف، فهذه كتب الشيعة ومؤلفاتهم متداولة بين الايدي وهي تشهد بالنقيض من ذلك، ومكتبات علمائهم ومعاهدهم العلمية تزخر بالمصادروالمراجع من مختلف المذاهب، وهم على اية حال مهما اختلفوا مع اخوانهم من اهل السنة ليسوا امة اخرى مستقلة في تاريخها وتراثها الفكري عن امة المسلمين.

ويبقى، في النهاية، من حق الدكتور عويس علينا، مهما اختلفنا معه في ملاحظاته النقدية على نهج المجلات الشيعية الفكرية، ان نشيد بروح الاخوة الاسلامية التي صدر عنها في ملاحظاته تلك، ونضم صوتنا اليه في الدعوة الى ان يصبح الامر بين السنة والشيعة متكاملا وحواريا.

ونحن، في النهاية، على وفاق كامل معه في شعار الحوار الذي عنون به مقالته، ولا يعترينا شك في ان النوايا اذا صدقت وخلصت في هذه الاتجاه، فاننا سنصل من خلال تطبيق هذا الشعار والالتزام بقواعده ومقتضياته الى تقارب حقيقي يعزز موقفنا سنة وشيعة، تجاه ما يتحدانا من قوى واخطار، ونحن على ابواب عصر جديد.

خالد العطية

الاجتهاد دراسة فقهية لظاهرة الاجتهاد الشرعي (القسمالثاني)  الدكتور عبد الهادي الفضلي
 

في القسم الاول، من هذه الدراسة، المنشور في العدد السابق من «المنهاج » (العدد 18)، تحدث الدكتور عبد الهادي الفضلي عن اهمية الاجتهاد وتعريفه ومشروعيته واهدافه وتاريخه ومدارسه وتقسيمه. وفي هذا القسم، الثاني والاخير،يكمل الباحث هذه الدراسة فيتحدث عن وسائل الاجتهاد ومجاله ومواده والتوسع في الدراسات الفقهية الاسلامية.

وسائل الاجتهاد ويطلق عليها، في كتب اصول الفقه، الاسماء الاتية: شروط او شرائط الاجتهاد.

مقدمات الاجتهاد.

معدات الاجتهاد.

مباني الاجتهاد.

وسنتبين هذا من النصوص المرتبطة بالموضوع مما سانقله من بعض المصادر التي تناولته بالبحث.

وبشكل عام، وسائل الاجتهاد هي كل ما يحتاجه المجتهد من معلومات وادوات في ممارسته لعملية الاجتهاد وبحثه في المصادر والادلة عن الحكم.

وساستعرض هنا ما قيل في المسالة لانتهي الى العدد المطلوب في حدود ما تتطلبه عملية الاستنباط ويقتضيه منهج البحث.

وساطيل لما لهذه المسالة من اهمية كبيرة في ممارسة الاستنباط والبحث عن الحكم: في «الذريعة » للشريف المرتضى: «فالذي يجب ان يكون عليه المفتي هو: ان يعلم الاصول كلها على سبيل التفصيل، ويهتدي الى حل كل شبهة يعترض في شيء منها.

ويكون ايضا عالما بطريقة استخراج الاحكام من الكتاب والسنة.

وعارفا من اللغة العربية بما يحتاج اليه في مثل ذلك، حتى يكون متمكنا من ان يفتي في كل مسالة او حادثة تعترض.

والوسائل التي ذكرها المرتضى في هذا النص هي: 1 علم اصول الفقه.

2 طريقة الاستنباط (منهج البحث).

3 علوم اللغة العربية.

وفي «المحصول، 6/21 للفخر الرازي: «في شرائط المجتهد: اعلم ان شرط الاجتهاد: ان يكون المكلف بحيث يمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الاحكام ».

وهذه المكنة مشروطة بامور: اولها: ان يكون عارفا بمقتضى اللفظ ومعناه... ولما كان اللفظ يفيد معناه لغة وعرفا وشرعا وجب ان يعرف اللغة والالفاظ العرفية والشرعية.

وثانيها: ان يعرف من حال المخاطب (بصيغة اسم الفاعل ويعني به المتكلم): انه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره ان تجرد، او ما يقتضيه مع قرينة ان وجدت معه قرينة، لانه لولا ذلك لما حصل الوثوق بخطابه، لجواز ان يكون عنى به غيرظاهره، مع انه لم يبينه.

قالت المعتزلة: وذلك انما يعرف بحكمة المتكلم او بعصمته، والحكم بحكمة اللّه تعالى مبني على العلم بانه تعالى عالم بقبح القبيح، وعالم بغناه عنه...

وثالثها: ان يعرف مجرد اللفظ ان كان مجردا، وقرينته ان كان مع قرينة.

ثم عند الاحاطة بانواع الادلة لابد من ان يكون عارفا بالجهات المعتبرة في التراجيح.

فان قال قائل: فصلوا العلوم التي يحتاج المجتهد اليها.

قلنا: قال الغزالي(ره): مدارك الاحكام اربعة: الكتاب والسنة والاجماع والعقل.

فلابد من العلم بهذه الاربعة.

ولابد معها من اربعة اخرى: اثنان مقدمان، واثنان مؤخران، فهذه ثمانية لابد من شرحها: اما كتاب اللّه تعالى فلابد من معرفة ما يتعلق منه بالاحكام بان يكون عالما بمواقعها.

واما السنة، فلابد من معرفة الاحاديث التي تتعلق بها الاحكام، بان يكون عنده اصل (يعني كتابا) مصحح مشتمل على الاحاديث المتعلقة بالاحكام.

واما الاجماع، فينبغي ان يكون عالما بمواقع الاجماع حتى لا يفتي بخلاف الاجماع.

واما العقل، فيعرف البراءة الاصلية، ويعرف انا مكلفون بالتمسك بها الا اذا ورد ما يصرفنا عنه، وهو نص او اجماع اوقياس على شرائط الصحة. فهذه هي العلوم الاربعة.

واما العلمان المقدمان: فاحدهما: علم شرائط الحد والبرهان على الاطلاق.

وثانيهما: معرفة النحو واللغة والتصريف، لان شرعنا عربي، فلا يمكن التوسل اليه الا بفهم كلام العرب، وما لايتم الواجب الا به فهو واجب.

ولابد في هذه العلوم من القدر الذي يتمكن المجتهد به من معرفة الكتاب والسنة.

واما العلمان المتمان: فاحدهما: يتعلق بالكتاب، وهو علم الناسخ والمنسوخ.

والاخر: (يتعلق) بالسنة، وهو علم الجرح والتعديل، ومعرفة احوال الرجال ».

ووسائل الاجتهاد المستفادة من هذا النص هي:

1
- العلم بدلالات الالفاظ اللغوية والعرفية والشرعية.

2- العلم بما يشخص مرادات المتكلمين ويعينها.

3- العلم بالقرائن التي تميز المجاز من الحقيقة، والمعنى المشترك المقصود للمتكلم من غيره، والخاص من العام،والمقيد من المطلق.

4- العلم بالمرجحات عند التعارض بين الادلة.

5- معرفة ما يرتبط بالاستنباط من علوم القرآن.

6- معرفة ما يرتبط بالاستنباط من علوم السنة.

7- معرفة مواقع الاجماع.

8- معرفة البراءة الاصلية.

9- معرفة ما يتعلق بالاستنباط من علم المنطق، وهو قواعد التعريف وقواعد الاستدلال.

10- معرفة ما يتعلق بالاستنباط من علوم اللغة العربية من النحو، والصرف، ومتن اللغة.

ونقرا صدى نص فخر الدين الرازي المذكور في اعلاه في كتاب «مبادى الوصول، ص 241 للعلامة الحلي، فقد جاء فيه ما نصه: «في شرائط المجتهد: وينظمها شيء واحد، وهو ان يكون المكلف يمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية علي  الاحكام.

وهذه المكنة انما تحصل بان يكون: عارفا: بمقتضى اللفظ ومعناه، وبحكمة اللّه تعالى وعصمة الرسول (ص)، ليحصل له الوثوق بارادة ما يقتضيه ظاهراللفظ ان تجرد، وغير ظاهره مع القرينة.

وعالما: بتجرد اللفظ او عدم تجرده، ليامن التخصيص والنسخ. وبشرائط التواتر والاحاد. وبجهات الترجيح عندتعارض الادلة.

وهذا انما يحصل: بمعرفة الكتاب، لا بجميعه، بل بما يتعلق بالاحكام منه. ومعرفة الاحاديث المتعلقة بالاحكام، لابمعنى ان يكون حافظا لذلك، بل يكون عالما بمواقع الايات حتى يطلب منها الاية المحتاج اليها، وعنده اصل (يعني كتابا) محقق يشتمل على الاحاديث المتعلقة بالاحكام.

وان يكون عالما (بمواقع) الاجماع لئلا يفتي بما يخالفه.

وان يكون عارفا بالبراءة الاصلية.

ولابد من ان يكون عالما: بشرائط الحد والبرهان والنحو واللغة والتصريف.

ويعلم: الناسخ والمنسوخ. واحوال الرجال ».

والخلاصة هنا هي الخلاصة في ما تقدمه.

وفي كتاب «معالم الدين » للشيخ حسن العاملي: «وللاجتهاد المطلق شرائط يتوقف عليها، وهي: بالاجمال: ان يعرف (المجتهد) جميع ما يتوقف عليه اقامة الادلة على المسائل الشرعية الفرعية.

وبالتفصيل: ان يعلم من اللغة ومعاني الالفاظ العرفية ما يتوقف عليه استنباط الاحكام من الكتاب والسنة، ولو بالرجوع الى الكتب المعتمدة.

ويدخل في ذلك معرفة النحو والصرف، ومن الكتاب قدر ما يتعلق بالاحكام، بان يكون عالما بمواقعها، ويتمكن عندالحاجة من الرجوع اليها ولو في كتب الاستدلال، ومن السنة الاحاديث المتعلقة بالاحكام بان يكون عنده من الاصول(يعني الكتب) المصححة ما يجمعها، ويعرف مواقع كل باب بحيث يتمكن من الرجوع اليها.

وان يعلم احوال الرواة في الجرح والتعديل ولو بالمراجعة.

وان يعرف مواقع الاجماع ليحترز عن مخالفته.

وان يكون عالما بالمطالب الاصولية من احكام الاوامر والنواهي والعموم والخصوص، الى غير ذلك من مقاصده التي يتوقف الاستنباط عليها.

وهو (يعني علم اصول الفقه) اهم العلوم للمجتهد، كما نبه عليه بعض المحققين.

ولابد من ان يكون ذلك كله بطريق الاستدلال على كل اصل منها لما فيها من الاختلاف.

وان يعرف شرايط البرهان، لامتناع الاستدلال بدونه الا من فاز بقوة قدسية تغنيه عن ذلك.

وان يكون له ملكة مستقيمة وقوة ادراك يقتدر بها على اقتناص الفروع من الاصول، ورد الجزئيات الى قواعدها،والترجيح في موضع التعارض ».

وخلاصة هذا النص هي ان وسائل الاجتهاد تتمثل بالاتي:

1- العلم بعلوم اللغة العربية في حدود ما يتدخل منها في معرفة دلالات النصوص الشرعية من الايات والروايات.

2- معرفة مواضع آيات الاحكام في القرآن الكريم، ومعرفة مصادر دراساتها، امثال كتب آيات الاحكام وكتب التفسيروكتب القراءات وكتب علوم القرآن.

3- معرفة مواضع احاديث الاحكام في مدونات الحديث الشريف ومجاميعه، ومعرفة مصادر دراستها، امثال كتب الفقه الاستدلالي وكتب دراية الحديث وكتب احوال الرواة.

4- معرفة مواقع الاجماع، وهي المسائل المجمع عليها.

5- معرفة اصول الفقه وان يكون ذلك عن اجتهاد.

6- معرفة ما يتطلبه البحث الفقهي من مواد علم المنطق، كقواعد التعريف وقواعد الاستدلال.

وفي كتاب «الوافية » للفاضل التوني: «البحث الثالث: في ما يحتاج اليه المجتهد من العلوم، وهو تسعة: ثلاثة من العلوم الادبية، وثلاثة من المعقولات، وثلاثة من المنقولات.

فالاول من الاول: علم اللغة، والاحتياج اليه ظاهر، اذ الكتاب والسنة عربيان، ومعاني مفردات اللغة انما تبين في علم اللغة (يعني به متن اللغة او المعجم).

والثاني: علم الصرف، والاحتياج اليه لان تغير المعاني بتصريف المصدر المبين معناه في علم اللغة الى الماضي والمضارع والامر والنهي ونحوها انما يعلم في الصرف.

والثالث: علم النحو، والاحتياج اليه اظهر، لان معاني المركبات من الكلام انما يعلم به.

والاحتياج الى هذه العلوم الثلاثة انما هو لمن لم يكن مطلقا على عرف النبي (ص) والائمة (ع) كالعجم مطلقا، والعرب ايضا في هذه الازمنة، لا مثل الرواة، ومن قرب زمانه منهم، على ان الاحتياج في هذه الازمنة ايضا متفاوت بالنسبة الى الاصناف كالعرب والعجم.

والاول من الثاني: علم الاصول، والاحتياج اليه ان المطالب الاصولية مما يتوقف عليه استنباط الاحكام.

والثاني: علم الكلام، ووجه الاحتياج اليه ان العلم بالاحكام يتوقف على ان اللّه تعالى لا يخاطب بما لا يفهم معناه، ولابما يريد خلاف ظاهره من غير بيان.

وهذا انما يتم اذا عرف انه تعالى حكيم، مستغن عن القبيح.

وكذا يتوقف على العلم بصدق الرسول (ص) والائمة (ع).

والحق ان الاحتياج اليه انما هو لتصحيح الاعتقاد، لا للاحكام بخصوصها.

والثالث: علم المنطق، والاحتياج اليه انما هو لتصحيح المسائل الخلافية وغيرها من العلوم المذكورة، اذ لا يكفي التقليدسيما في الخلافيات، مع امكان الترجيح، وكذا لرد الفروع الغريبة الى اصولها، لانه محتاج الى اقامة الدليل، وتصحيح الدليل لا يتم من دون المنطق الا للنفوس القدسية.

واعلم ان العلوم المذكورة ليس جميع مسائلها المدونة مما يتوقف عليه الاجتهاد، بل ولا اكثرها على الظاهر، والقدرالمحتاج اليه مما لا يمكن تعيينه الا بعد ملاحظة جميع الاحكام، ويكفي لصاحب الملكة الرجوع الى ما يحتاج اليه عندالاحتياط كما لا يخفى.

والاول من الثالث: العلم بتفسير الايات المتعلقة بالاحكام وبمواقعها من القرآن او من الكتب الاستدلالية بحيث يتمكن من الرجوع اليها عند الحاجة.

والثاني: العلم بالاحاديث المتعلقة بالاحكام، بان يكون عنده من الاصول المصححة ما يجمعها، ويعرف موقع كل باب بحيث يتمكن من الرجوع اليها.

والثالث: العلم باحوال الرواة في الجرح والتعديل، ولو بالمراجعة الى كتب الرجال.

ووجه الاحتياج اليه ان الاجتهاد بدون التمسك بالاحاديث غير متصور، وليس كل حديث مما يجوز العمل به، اذ كثيرمن الرواة نقلوا في حقهم انهم من الكذابين المشهورين، فلا شك في وجود رواية الكذب، وربما لا يمكن التمييز بغيرالاطلاع على حال الراوي ».

وفي كتاب «القوانين » للميرزا القمي: «يتوقف الاجتهاد وكماله على امور: اما ما يتوقف عليه تحققه فهو امور: الاول والثاني والثالث: العلم بلغة العرب والنحو والصرف، لان الكتاب والحديث عربيان.

الرابع: علم الكلام، لان المجتهد يبحث عن كيفية التكليف، وهو مسبوق بالبحث عن معرفة نفس التكليف والمكلف(بصيغة اسم الفاعل)، فيجب معرفة ما يتوقف عليه العلم بالشرع من حدوث العالم وافتقاره الى صانع موصوف بمايجب، منزه عما يمتنع، باعث للانبياء، مصدق اياهم بالمعجزات، كل ذلك بالدليل ولو اجمالا.

الخامس: معرفة المنطق، لان استنباط المسائل من الماخذ يحتاج الى الاستدلال، وهو لا يتم الا بالمنطق.

السادس: معرفة اصول الفقه، وهو اهم العلوم للمجتهد، ولا يكاد يمكن تحصيل الفقه الا به، ولابد من ان يكون على سبيل الاجتهاد لكثرة الخلافات فيه.

السابع: العلم بتفسير آيات الاحكام ومواقعها من القرآن، والكتب الاستدلالية.

الثامن: العلم بالاحاديث المتعلقة بالاحكام، سواء حفظها ام كان عنده من الاصول المصححة ما يرجع اليه عندالاحتياج، وعرف مواقع ابوابها.

التاسع: العلم باحوال الرواة من التعديل والجرح، ولو بالرجوع الى كتب الرجال.

العاشر: ان يكون عالما بمواقع الاجماع ليحترز عن مخالفته، وهو مما لا يمكن في امثال زماننا غالبا الا بمزاولة الكتب الفقهية الاستدلالية، بل متون الفقه ايضا.

ومن ذلك يظهر ان معرفة فقه الفقهاء، ايضا، من الشرائط لا من المكملات كما ذكره بعضهم، فان الانصاف ان فهم الاخبار، ايضا، لا يمكن الا بممارسة تلك الكتب ومزاولتها، فضلا عن معرفة الوفاق والخلاف وموافقة العامة والمخالفة،وغير ذلك.

الحادي عشر: ان يكون له ملكة قوية، وطبيعة مستقيمة، يتمكن بها من رد الفروع الى الاصول، وارجاع الجزئيات الى الكليات، والترجيح عند التعارض.

واما ما يتوقف كمال الاجتهاد عليه، فهو امور: الاول: علم المعاني والبيان والبديع.

ونقل عن الشهيد الثاني (ره) والشيخ احمد بن المتوج البحراني انهما جعلا الثلاثة من شرائط اصل الاجتهاد.

وعن السيد (ره)، ايضا، انه جعل الاولين من الشرائط.

وغيرهم جعلوا هذه العلوم من المكملات.

والحق ان بعض الاولين مما يتوقف عليه الاجتهاد، مثل مباحث القصر والانشاء والخبر من علم المعاني، وما يتعلق بمباحث الحقيقة والمجاز واقسام الدلالة من علم البيان، لكن القدر المحتاج اليه منهما مذكور في كتب الاصول غالبا،وهو لا ينافي كونهما مما يتوقف عليه اصل الاجتهاد.

الثاني: بعض مسائل الهيئة، مثل ما يتعلق بكروية الارض، لمعرفة تقارب مطالع البلاد وتباعدها، وكذلك الحال في معرفة القبلة.

الثالث: بعض مسائل الطب للاحتياج الى معرفة القرن والمرض المبيح للفطر، وامثال ذلك.

الرابع: هو بعض مسائل الهندسة لمعرفة تحديد جهة القبلة، والكر من حيث المساحة، وغيرهما.

الخامس: بعض مسائل الحساب، مثل الجبر والمقابلة، والخطائين، والاربعة المتناسبة مما يستخرج بواسطتهاالمجهولات ».

ولان المذكور في اعلاه هو الخلاصة نكتفي به.

وفي كتاب «كفاية الاصول » للاخوند الخراساني: «لا يخفى احتياج الاجتهاد الى: معرفة علوم العربية في الجملة ولو بان يقدر على معرفة ما يبتني عليه الاجتهاد في المسالة، بالرجوع الى ما دون فيه.

ومعرفة التفسير، كذلك.

وعمدة ما يحتاج اليه هو علم الاصول، ضرورة انه ما من مسالة الا ويحتاج في استنباط حكمها الى قاعدة، او قواعد،برهن عليها في الاصول ».

والذي يبدو ان صاحب الكفاية (قده) اهتم بذكر المهم من الوسائل في رايه، وهي: علم اصول الفقه، وهو العمدة.

علوم اللغة العربية بالقدر الذي يحتاج اليه في عملية الاستنباط.

تفسير القرآن، وايضا بالقدر الذي يحتاج اليه في عملية الاستنباط.

وفي كتاب «عمدة الاعتماد في كيفية الاجتهاد» للشيخ مهذب الدين احمد بن عبد الرضا من علماء المئة الحادية عشرة للهجرة: «واما الفصل الاول ففي ما يتوقف عليه الاجتهاد في الاحكام الشرعية من العلوم، وهي اثنا عشر: اللغة،والصرف، والنحو، والمنطق، والكلام، والاصول، والتفسير، والحديث، والرجال، والمعاني، والفقه، والوفاق والخلاف ».

ثم بين المقدار الذي يحتاج اليه من هذه العلوم، وسبب الاحتياج اليه.

وفي كتاب «انوار الاصول، 3/620 و621، محاضرات الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، بقلم تلميذه الشيخ احمدالقدسي: «الامر الخامس في مباني الاجتهاد: وقد ذكر بعضهم ان الاجتهاد في المسائل الشرعية يبتني على علوم كثيرة،ربما تربو على اربعة عشر علما:

1- علم اللغة 2- علم الصرف 3- علم النحو 4- علم التفسير 5- علم الرجال 6- علم الحديث 7- علم الدراية 8- علم  الكلام 9- علم اصول الفقه 10- علم الفقه نفسه 11- علم المنطق 12- علم الفلسفة 13- علم المعاني 14- علم البيان »،واضاف اليها: القواعد الفقهية.

وفي كتاب «الاجتهاد الجماعي، ص 37 للدكتور شعبان محمد اسماعيل، عرف مؤلفه «شروط الاجتهاد» بانها: «الامورالتي يجب ان تتوافر في الشخص المكلف حتى يكون اهلا للاجتهاد».

ثم قسمها الى قسمين: شروط شخصية وشروط علمية، وادرج تحت عنوان الشروط الشخصية: الايمان، التكليف،الحرية، الذكورة، العدالة، صحة الفهم، حسن التقدير.

وقسم الشروط العلمية الى: ما هو متفق عليه، وما هو مختلف فيه.

وادرج في قائمة الشروط المتفق عليها الامور الاتية:

1- ان يكون عالما باللغة العربية.

2- ان يكون عالما بالقرآن الكريم ودقائق آيات الاحكام فيه.

3- ان يكون عالما بالسنة القولية والفعلية والتقريرية.

4- ان يكون عالما بمواضع الاجماع ومواضع الخلاف.

5- ان يكون عالما باصول الفقه، فدراسة هذا العلم والتعمق في فهمه الزم ما يكون للمجتهد، وذلك لما تعطيه دراسة اصول الفقه لمن يتصدى للاجتهاد من قدرة على الاستدلال وتمكن من الاستنباط بشروطه.

6- معرفة الناس والحياة، من الشروط التي ذكرها بعض العلماء: معرفة المجتهد بالناس والحياة من حوله، وذلك انه لايجتهد في فراغ، بل في وقائع تنزل بالافراد والمجتمعات من حوله، وهؤلاء تؤثر في افكارهم تيارات وعوامل مختلفة،نفسية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فلابد للمجتهد من ان يكون على حظ من المعرفة باحوال عصره وظروف مجتمعه، ومشكلاته وتياراته الفكرية والسياسية والدينية، وعلاقاته بالمجتمعات الاخرى، ومدى تاثره بها،وتاثيره فيها ((1)).

قال الامام احمد بن حنبل: «لا ينبغي للرجل ان ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: اولها: ان يكون له نية، فان لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور.

والثانية: ان يكون له علم، وحلم، ووقار، وسكينة.

والثالثة: ان يكون قويا على ما هو فيه ومعرفته.

والرابعة: الكفاية (اي من العيش) والا مضغه الناس.

والخامسة: معرفة الناس ((2)) قال الامام «ابن القيم »، في شرح الخصلة الخامسة «معرفة الناس »: «هذا اصل عظيم يحتاج اليه المفتي والحاكم. فان لم يكن فقيها فيه، فقيها في الامر والنهي، ثم يطبق احدهما على الاخر، والا كان ما يفسد اكثر مما يصلح، وتصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال.. بل ينبغي له ان يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فان الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والعوائدوالاحوال، وذلك كله من دين اللّه» ((3)) قال الاستاذ الدكتور يوسف القرضاوي: «وهذا، في الواقع، ليس شرطا لبلوغ مرتبة الاجتهاد، بل ليكون الاجتهاد صحيحاواقعا في محله.

واكثر من ذلك ان نقول: ان على المجتهد ان يكون ملما بثقافة عصره، حتى لا يعيش منعزلا عن المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له، ويتعامل مع اهله.

ومن ثقافة عصرنا اليوم: ان يعرف قدرا من علوم النفس، والتربية، والاجتماع، والاقتصاد، والتاريخ، والسياسة، والقوانين الدولية، ونحوها من الدراسات الانسانية، التي تكشف له الواقع الذي يعايشه ويعامله.

بل لابد له كذلك من قدر من المعارف «العلمية »، مثل: «الاحياء» و«الطبيعة » و«الكيمياء» و«الرياضيات » ونحوها، فهي تشكل ارضية ثقافية لازمة لكل انسان معاصر.

وكثير من قضايا العصر وثيقة الصلة بهذه العلوم، بحيث لا يستطيع ان يفتي فيها من يجهلها، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولو بوجه ما.

وكيف يستطيع الفقيه المسلم ان يفتي في قضايا الاجهاض، او شتل الجنين، او التحكم في جنسه، وغير ذلك من القضاياالجديدة، اذا لم يكن لديه قدر من المعرفة بما كشفه العلم الحديث عن الحيوانات المنوية الذكرية، والبويضة الانثوية،وطريقة تلاقي البويضة بالحيوان المنوي، وتكون الخلية الواحدة منهما. وقضية «الجينات » وعوامل الوراثة... الى آخرهذه القضايا العلمية التي قد ينكرها بعض المشايخ الذين لم يدرسوا هذه العلوم الكونية.

ومن هنا ادخل الازهر هذه العلوم في معاهده ومناهجه من عهد بعيد، لانها ضرورية لفهم الدين والكون والحياة، وما لايتم الواجب الا به فهو واجب، وهي امتداد لما كان عليه علماء المسلمين في عصور الازدهار. واي معهد ديني يستبعدهذه العلوم الكونية من مناهجه لا يمكن ان يعد رجالا قادرين على الاجتهاد في قضايا عصرهم » ((4)) 7- صحة النية وسلامة الاعتقاد، فان النية المخلصة تجعل القلب يستنير بنور اللّه تعالى، فينفذ الى لب هذا الدين الحكيم، ويتجه الى الحقيقة الدينية لا يبغي سواها، ولا يقصد غيرها.

قال اللّه تعالى: (يا ايها الذين آمنوا ان تتقوا اللّه يجعل لكم فرقانا) [الانفال: 29].

8- ان يكون عالما بمقاصد الاحكام في الشريعة الاسلامية.

وادرج تحت عنوان: «الشروط المختلف فيها» الامور الاتية:

1- معرفة علم المنطق.

2- العلم بالقواعد الكلية (القواعد الفقهية).

3- معرفة علم الكلام.

4- معرفة الفروع الفقهية.

وبعد، فان هذه الوسائل المذكورة تمثل العينة، وهي على نوعين: بعضها استفيد من واقع الممارسة لعملية الاستنباط، ادركها الفقيه من خلال احتياجاته اليها اثناء قيامه بعملية الاستنباط.

وبعضها جاء نتيجة القاء نظرة على واقع الفقه الاستدلالي المدون.

وجميعها تلتقي عند بعد واحد هو ان على من يريد ان يرقى الى درجة الاجتهاد في دراسته، وكذلك من يريد ان يقوم بالبحث الفقهي بعد بلوغه مرتبة الاجتهاد بغية استنباط الحكم من مصدره: ان يهيى كل ما يحتاج اليه من وسائل علمية في مراحل دراسته التخصصية، ومن آليات عملية يتطلبها بحثه.

ويمكننا ان نعرضها من واقع الفقه الاستدلالي في مجالي التاليف والاستنباط، وهي:

1- دراسة منهج البحث الفقهي.

2- معرفة مصادر البحث الفقهي.

3- دراسة علوم اللغة العربية التي لها مدخلية في فهم النص، وهي: علم الصرف، علم النحو، علم الدلالة، علم المعجم، علم المعاني، علم البيان

4- دراسة علم المنطق

5- علم التجويد، علم القراءات، مناهج التفسير، الناسخ والمنسوخ

6- دراسة علوم الحديث الشريف: علم الدراية، علم الرجال

7- دراسة علم اصول الفقه

8- دراسة القواعد الفقهية

9- دراسة التاريخ الاجتماعي لعصور التشريع الاسلامي

 10- الاط لاع على الحياة الاجتماعية المعاصرة

11- دراسة مبادى علم الفقه (متن فقهي)

12- دراسة تطورالفكر الفقهي

13- دراسة تطور الفكر الاصولي

14- دراسة مبادى العلوم الانسانية: مبادى علم النفس، مبادى علم الاجتماع، مبادى علم التربية، مبادى علم القانون، مبادى علم المكتبات والمعلومات.

مجال الاجتهاد سبق لي ان ابنت في رسالتي، في «التقليد»، ان الاحكام الشرعية تنقسم حسب مستوى الاعتقاد النفسي بصدورها من المشرع الاسلامي الى قسمين:

1- الاحكام اليقينية: ويراد بها تلكم الاحكام التي ثبتت بالضرورة من الدين، اي بالبداهة من دون حاجة الى اقامة دليل لاثباتها، بمعنى ان كل مسلم يعلم يقينا بانها صادرة من المشرع الاسلامي وموافقة للواقع، وهي امثال: وجوب الصلاة،ووجوب الزكاة، وحرمة الربا، وحرمة شرب الخمر، وحرمة اكل لحم الخنزير... والخ.

ان هذه الاحكام لا مجال للاجتهاد فيها، وذلك لان الاجتهاد عملية فكرية استنباطية تقوم بوظيفة استخلاص الحكم من مصدره، وفي الوقت نفسه هي عملية فكرية استدلالية تقوم بوظيفة معرفة دليل الحكم.

وفي ضوء هذا، انه عندما يكون الحكم ثابتا بالبداهة ولا خلاف في ثبوته عند المسلمين لا يحتاج الى اقامة دليل لاثباته،ومن ثم لا يحتاج الى الاجتهاد.

وبتعبير آخر، ان المكلف عندما يصل الى مرحلة اليقين بصدور الحكم من المشرع الاسلامي وموافقته للواقع المطلوب منه لا يحتاج الى اكثر من هذا، لان اليقين حجة بذاته.

2- الاحكام الظنية: ويراد بها تلكم الاحكام التي لم يتيقن المكلف بمطابقتها للواقع المطلوب منه امتثاله، وانمايظن ذلك ظنا فقط.

والظن من ناحية شرعية لا يغني عن الحق شيئا، اي انه لا يجوز العمل بالحكم المظنون صدوره عن المشرع.

من هنا يكون المكلف بحاجة الى التماس الدليل على استثناء هذا الظن من الظنون غير المعتبرة، وذلك ليثبت انه حجة شرعا، ويصح العمل على وفقه، لانه يحمل معه لازم حجيته، وهو تنجيز الامتثال في حق المكلف، بمعنى ان الحكم،بسبب اقامة الدليل على حجيته، يكون جاهزا للامتثال، ومطلوبا من المكلف امتثاله.

وفي الوقت نفسه يكون الدليل الذي اثبت حجية الحكم شرعا معذرا للمكلف امام اللّه تعالى عند عدم مطابقة هذاالحكم الظني، الذي امتثله، للحكم الواقعي المطلوب منه امتثاله.

ان هذا يتطلب الاجتهاد لاثبات الحجية لهذه الاحكام، ذلك ان الاجتهاد هو الطريق الوحيد امام المكلف لاثبات الحجية.

وعليه، يدخل هذا في مجال الاجتهاد، اي ان الاجتهاد يبحث فيه.

وهو من مواد ممارساته ودراساته.

وسبق لي ايضا وفي المصدر نفسه ان اوضحت ان الموضوعات التي تتعلق بها الاحكام مباشرة او تتعلق بمتعلقاتهاتنقسم الى ثلاثة اقسام، هي:

1- الموضوعات الشرعية: وهي التي تحدد من قبل الشرع كالصلاة والصوم والحج وامثالها، وتسمى ايضا «الموضوعات الشرعية المستنبطة ».

ولانها تحدد من قبل الشرع تدخل في مجال الاجتهاد لان المجتهد هو الذي ينظر في النصوص الواردة في تحديدها،ويفيد منها تحديدها.

2- الموضوعات العرفية: يراد بالعرف هنا: ابناء المجتمع الذين لديهم خبرة او معرفة بتحديد الموضوع المطلوب وتعيينه.

وينقسم العرف على اساس من تعامل الفقهاء معه الى قسمين:
1
- العرف الحاضر: وهو ان يكون الموضوع من الموضوعات المستعملة في الحاضر، اي عند ارادة المكلف لامتثال حكمه.

وينقسم هذا حسب واقعه الى قسمين: ا العرف العام: وهم ابناء المجتمع الذين تمثل الموضوعات التي يراد معرفتها عن طريقهم ظواهر اجتماعية.

ب- العرف الخاص: وهم المتخصصون في المجالات العلمية والاخرى العملية، كالعلماء في سائر العلوم والفنون،وكالتجار والزراع والصناع، وامثالهم، كل في مجاله.

في هذين القسمين العرفيين يعتمد المجتهد مثله مثل المقلد على تحديدات العرف في معرفة الموضوع.

2- العرف الماضي: واريد به ان يكون الموضوع ما كان يعرف معناه في عصور التشريع او العصور السابقة على عصرالمكلف الذي ابتلى به، ويريد معرفته، وهو لم يعد في عصره موضوعا عرفيا.

وهذا مثل «الصعيد» الذي هو مادة التيمم، ومثل «القرء» الذي يطلق على حيض المراة وطهرها.

فان تحديد امثال هذه الموضوعات هو من وظيفة المجتهد يرجع فيها الى معاجم اللغة العربية وامثالها.

والخلاصة: ان مجال الاجتهاد الذي يبحث فيه المجتهد ناشدا معرفة الحكم او تحديد الموضوع هو الامور التالية: 1 الاحكام الظنية.

2- الموضوعات الشرعية المستنبطة.

3- الموضوعات العرفية اللغوية.

ولابد من ان نضيف هنا قسما رابعا للموضوعات التي على المجتهد اعمال اجتهاده فيها، وهو: 4 الموضوعات المستحدثة: ويراد بها تلك الموضوعات التي تحدث او تتغير بتاثير عامل الزمان او عامل المكان اوهما معا، وتتطلب، بسبب هذا الحدوث او ذلك التغير، التماس الحكم لها او تبدله لتبدلها.

وهو ما اشار اليه الامام الخميني (قده)، حيث دعا الى اخذ اثر عاملي الزمان والمكان في الاجتهاد بعين الاعتبار من قبل المجتهدين.

وقد عني غير واحد من علمائنا المعاصرين ببحث المسالة، ومنه الحوار الذي اجري مع اخينا العزيز الشيخ التسخيري تحت عنوان: «اثر الزمان والمكان في الاجتهاد» المنشور في العدد الرابع من مجلة «قضايا اسلامية » لسنة 1417ه 1997م،كما اضاف الشيخ ناصر مكارم الشيرازي هذا العنصر المهم من عناصر الاجتهاد في درسه الاعلى (البحث الخارج) لمادة اصول الفقه ((5)) وهي خطوة تطويرية موفقة ومقدرة.

مواد الاجتهاد بعد ان تبينا المجالات التي للمجتهد ان يعمل فيها اجتهاده ننتقل هنا الى محاولة معرفة المواد الفقهية التي اعمل المجتهدون فيها اجتهادهم، سواء اكان ذلك عن طريق استنباطها من مصادرها ام كان باقامة الدليل عليها لاثبات مشروعيتها وشرعية العمل بها، لكي نعرف من خلال هذا: هل غط ى اجتهاد المجتهدين بنتائجه جميع متطلبات الانسان المسلم من استنباط احكام، او بيان موضوعات، او متعلقات الموضوعات، بوصفه فردا، وبوصفه مجتمعا ودولة.

ولان هذا من الواقع التاريخي الذي عاشه وعايشه المسلمون، علينا ان نلقي نظرة على اقدم نتاج فقهي وصل الينالنعرف المواد الفقهية التي بحث فيها الفقهاء المسلمون من خلال معرفتنا لمحتوياتها: ان اقدم الكتب الفقهية التي وصلت الينا هي:

1
- المجموع الفقهي او مجموع الفقه الكبير، للشهيد زيد بن علي، المتوفى سنة 122ه.

2- الموطا، لامام المذهب مالك بن انس، المتوفى سنة 179ه.

3- دعائم الاسلام، للقاضي ابي حنيفة النعمان المغربي، المتوفى سنة 363ه.

4- من لا يحضره الفقيه، لابي جعفر محمد بن علي بن بابويه الصدوق، المتوفى سنة 381ه.

5- المقنعة، لابي عبداللّه محمد بن محمد بن النعمان الحارثي المفيد، المتوفى سنة 413ه.

والكتب الاربعة الاولى هي من نوع الفقه الماثور.

1- محتويات «المجموع الفقهي »: