كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الحج، كتاب البيوع، كتاب الشركة، كتاب الشبهات، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الحدود، كتاب السير، كتاب الفرائض.
2- محتويات «الموطا»:
كتاب الصلاة، كتاب الجنائز، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب
الاعتكاف، كتاب الحج، كتاب الجهاد، كتاب النذوروالايمان،
كتاب الضحايا، كتاب الذبائح، كتاب الصيد، كتاب العقيقة،
كتاب الفرائض، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الرضاع،
كتاب البيوع، كتاب القراض، كتاب المساقاة، كتاب كراء الارض،
كتاب الشفعة، كتاب الاقضية، كتاب العتاقة والولاء، كتاب
المكاتب، كتاب المدبر، كتاب الحدود، كتاب الاشربة، كتاب
العقود، كتاب القسامة، كتاب الجامع.
3- محتويات «دعائم الاسلام»:
كتاب الولاية، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الجنائز،
كتاب الزكاة، كتاب الصوم والاعتكاف، كتاب الحج،
كتاب الجهاد، كتاب البيوع، كتاب الايمان والنذور، كتاب
الاطعمة، كتاب الاشربة، كتاب الطب، كتاب اللباس والطيب،
كتاب الصيد، كتاب الذبائح، كتاب الضحايا والعقائق، كتاب
النكاح، كتاب الطلاق، كتاب العتق، كتاب العطايا، كتاب
الوصايا،كتاب الفرائض، كتاب الديات، كتاب الحدود، كتاب
السراق والمحاربين، كتاب الردة والبدعة، كتاب الغصب
والتعدي،كتاب العارية والوديعة، كتاب اللقطة واللقيطة
والابق، كتاب القسمة والبنيان، كتاب الشهادات، كتاب الدعوى
والبينات،كتاب آداب القضاء.
4- محتويات «من لا يحضره الفقيه»:
الطهارة، الصلاة، الزكاة، الخمس، الصوم، الفطرة، الاعتكاف،
الحج، الزيارة، القضايا والاحكام، الشهادات، الشفعة،الوكالة،
الحكم بالقرعة، الحوالة، العتق، المعايش والمكاسب والفوائد
والصناعات، الدين والقرض، التجارة، البيوع، المضاربة، احياء
الموات والارضين، المزارعة والاجارة، الربا، الصرف، اللقطة
والضالة، الهدية، العارية، الوديعة، الرهن،الصيد والذباحة،
الايمان والنذور والكفارات، النكاح، الطلاق، الحدود والديات،
الوصايا، المواريث.
5- محتويات «المقنعة»:
الطهارة، الصلاة، الزكاة والخمس والجزية، الصوم، المناسك،
الانساب والزيارات، النكاح والطلاق واللعان والظهاروملك
اليمين، العتق والتدبير والمكاتبة، الايمان، النذور والعهود،
الكفارات، الصيد والذبائح والاطعمة، التجارة،الشفعة،الرهون،
الوديعة، العارية، الشركة والمضاربة، المزارعة والمساقاة،
الاجارة، اللقطة، الوقوف والصدقات، النحلة والهبة، الاقرار،
الوصية، الفرائض والمواريث، القضاء والشهادات والقصاص
والديات، الحدود والاداب، الامربالمعروف والنهي عن المنكر
واقامة الحدود، الضمان والحوالة والكفالة والوكالة.
ان الذي نخرج به من نظرتنا للمحتويات المذكورة في اعلاه،
هو:
1- ان التدوين الفقهي منذ البداية كان مقتصرا على الفقه
الفردي، واعني به الفقه الذي يرتبط بافعال المكلف
باعتباره فردا، لا مجتمعا ودولة، ذلك ان الاحكام المذكورة
تهتم بتنظيم علاقة الفرد باللّه تعالى كما في الصلاة والصوم
والحج،وعلاقة الفرد بنظيره الانسان الاخر كما في المعاملات،
امثال البيع والاجارة، وكما في الاحوال الشخصية، امثال
النكاح والطلاق والمواريث، وعلاقة الفرد باللّه تعالى من جانب
وعلاقته بنظيره الانسان من جانب آخر كما في
الزكاة والخمس.
2- ان هذا يدفعنا الى اثارة التساؤل حول هذا التضييق في
مساحة المبحوث فيه من المواد الفقهية، ذلك لان
الفقه الاسلامي هو نظام حياة المسلمين، والمفروض فيه ان
يتناولها من جميع جوانبها واطرافها، فلا يترك جزئية من
جزئياتهاالا ووضع لمساته عليها، سواء كانت عبادية تنظم علاقة
الانسان باللّه تعالى، او معاملية تنظم علاقة الانسان
بنظيره الانسان، او اجتماعية تنظم علاقة الانسان بمجتمعه، او
اقتصادية تنظم علاقة الفرد والمجتمع والدولة بالثروة والمال،
اوسياسية محلية تنظم علاقة المواطن بدولته، او دولية تنظم
علاقة الدولة الاسلامية بالاخريات من الدول.
3- ان الواقع التاريخي الذي الفت فيه الكتب المذكورة وامثالها
هو الذي يرد على التساؤل المذكور، ذلك انها دونت
في العصرين السياسيين الاموي والعباسي، حيث كان نظام
الحكم فيهما فرديا مستبدا، لا يسمح للفقيه بان يتناول
بالدراسة او الفتوى المواد الفقهية التي قد تكشف عن تجاوزات
الحكام ومفارقاتها، بما يؤخذ عليهم ويحاسبون عليه.
وكان للسوط الذي جلد به غير فقيه، وللاستدعاءات التي
تعرض لها غيرن فقيه، وللسجون المظلمة التي اطبقت جدرانها
على غير فقيه، العامل القوي في تهيب الفقهاء من تناول
الجوانب غير الفردية من حياة الانسان المسلم.
وسار الخلف من الفقهاء على خط السلف للسبب نفسه حتى
اصبح هذا الخط خط الفقه الفردي هو الخط
المالوف والمعروف حتى مع غيبة اسبابه.
نعم، ند عن هذا من باب لكل قاعدة شذوذ ما الف في
الجوانب غير الفردية من حياة المسلم، ولكنه لم يلق
كبيراهتمام او كثير عناية من الفقهاء الاخرين، ولا حتى قليل
اعتناء من الحكام، وهذا امثال:
كتاب (الخراج)، لقاضي القضاة ابي يوسف (ت 182ه)، صاحب
الامام ابي حنيفة.
كتاب (الاموال)، لابي عبيد القاسم بن سلام (ت 224ه).
كتاب (الاحكام السلطانية)، لابي الحسن الماوردي (ت 450ه).
كتاب (الاحكام السلطانية)، لابي يعلى الفراء (ت 458ه).
وكان هؤلاء العلماء كتبوا في هذه الموضوعات مغتنمين ما كانوا
يتمتعون به من حظوة عند الحكام بحكم مناصبهم في الدولة.
ومع هذا، لم تستطع هذه الكتب وامثالها ان تخترق الخط الذي
بدا به التاليف الفقهي وسار عليه الفقهاء والتزموه، على مد
تاريخهم الطويل، حتى صار هو الخط المالوف والنهج المعروف.
وقد خلف عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة وثائق مهمة وذات
شان كبير في الادارة الاسلامية، منها في الجوانب العسكرية،
واخرى في الجوانب الاقتصادية والمالية، وثالثة في الجوانب
الادارية المحلية، والادارية العامة، ورابعة في مهام التعليم
والتبليغ.. والخ، وهي امثال:
كتاب النبي (ص) بين المهاجرين والانصار واليهود، وهو من
دستور الدولة الاسلامية بالمدينة المنورة، ويعرف
بوثيقة المدينة.
تجد نص هذه الوثيقة في كتاب «مجموعة الوثائق السياسية
للعهد النبوي والخلافة الراشدة»، للاستاذ محمد حميداللّه
((6)) وثيقة تحريم المدينة المنورة وتحديدها، وهي تخطيط
حدود عاصمة الدولة الاسلامية، نشرت ايضا في المصدرالسابق
نفسه ((7))
عهد الامام امير المؤمنين (ع) الى مالك الاشتر لما ولاه مصر،
وهو وثيقة تنظيم الادارة المحلية، تجدها في كتاب
«نهج البلاغة».
وغير هذه كثير.
وكان المفروض ان تاخذ هذه الوثائق وامثالها مكانها ومكانتها
في الدرس الفقهي الاسلامي، ولكن شيئا من هذا لم يتحقق،
وذلك للسبب الذي ذكرته آنفا.
وعند سقوط الدولة العثمانية ودخول الغربيين بلاد المسلمين
انطلق الفقهاء المسلمون والكتاب الاسلاميون يتوسعون في
الدراسات الفقهية الاسلامية، لاسباب سياسية تمثلت في
الوقوف امام الغزو الفكري الغربي، واخرى حضارية تمثلت في
مل ء الفراغ الفكري الذي كان المسلمون يعانون منه بسبب
اقتصار الفقهاء على بحث الفقه الفردي وتدوينه،حيث راحوا
يتناولون بالبحث الفقه الاقتصادي والفقه السياسي والفقه
العسكري، وفقه المجتمع.. والخ.
ويمكننا ان نحدد العوامل بالاتي:
1- انفتاح المسلمين على الثقافة القانونية الغربية، ومحاولة ان
يكون لهم من التقنينات من حيث الموضوعات والتنظيم الفني
ما يشبه ما عند الغربيين.
2- اعتماد الكثير من الدول الاسلامية للقوانين الوضعية
المتاثرة بالقوانين الغربية كالقانون الفرنسى، فقد احدث
هذاردفعل عند الفقهاء المسلمين بما دفعهم لان يعالجوا
بالبحث شيئا من القضايا الفقهية العامة.
3- انبثاق الحركات الاسلامية الداعية الى اقامة الحكم
الاسلامي في بلاد المسلمين بديلا عن حكمهم
بالقوانين الوضعية الدخيلة، ولكي يطلعوا المسلمين والعالم
على اهداف حركاتهم بحثوا الكثير من الموضوعات
الفقهية العامة.
4- قيام الجمهورية الاسلامية في ايران وصدور دستورها
الاسلامي، فقد دفع هذا الحدث المهم غير واحد من العلماءالى
القيام بدور الدعوة الى تطوير الاجتهاد والعمل لذلك.
من هذا ما اشرت اليه من اضافة عاملي الزمان والمكان كونهما
عاملين مؤثرين في الاجتهاد من قبل الشيخ ناصر
مكارم الشيرازي في دروسه العليا لاصول الفقه.
5- انفجار الثورة الثقافية في ايران التي كان من نتائجها هذا
الكم الضخم من احياء التراث الاسلامي، واصدار
الدوريات الاسلامية من مجلات، امثال:
مجلة فقه آل البيت، مجلة رسالة الثقلين، مجلة ميقات الحج،
مجلة التوحيد، مجلة الفكر الاسلامي، مجلة الفكرالجديد، مجلة
قضايا اسلامية، مجلة المنهاج. وغيرها مما لا تحضرني
اسماؤها الان. ومن التاليف الفقهي الاسلامي الجديد الذي اخذ
يتناول الجوانب الاجتماعية المشار اليها.
ولا ننسى ان نشير الى الدور المهم في المجال الفقهي العلمي
الذي يقوم به «مجمع الفقه الاسلامي» بجدة ومجلته
القيمة «مجلة مجمع الفقه الاسلامي» ، وكذلك دور «المجمع
الفقهي الاسلامي» بمكة المكرمة، ودور «مجلة البحوث
الفقهية المعاصرة»، وهي مجلة متخصصة في الفقه الاسلامي
تصدر في الرياض.
وغيرهما من المجلات التي تصدرها كليات الشريعة، واقسام
الدراسات الاسلامية في الجامعات الاسلامية في العالم.
والمهم الذي ندعو اليه بمناسبة هذه الاثارة هو الامور الاتية:
1- ادخال الفقه الاجتماعي بانماطه المختلفة الى جانب الفقه
الفردي في برامج الدراسات الفقهية الحوزوية.
2- التطوير في اعداد الرسائل العملية بادخال جميع المسائل
المستحدثة ضمن الرسالة وفي موضعها المناسب لها.
3- انشاء مكتبة فقهية متخصصة في كل مركز من مراكز
الدراسات الفقهية الكبرى، وفتح فروع لها في المعاهد
التابعة لها.
4- انشاء مركز خاص للبحوث الفقهية، يقوم بالاعمال الاتية:
ا- فهرسة الكتب والموسوعات الفقهية فهرسة تفصيلية.
ب- تحقيق التراث الفقهي تحقيقا علميا متقنا.
ج- اعداد البحوث والرسائل الفقهية.
د- اعداد التقارير للموضوعات الجديدة، امثال: البنوك المالية،
وبنوك الدم، وبنوك المعلومات، والشركات المالية، وقضايا
الطب، و مستحضرات الادوية العلاجية، ومستحضرات مواد
التجميل والخ.. لكي تقدم الى الفقهاء المجتهدين لدراستها
والافتاء فيها وحولها.
5- الاستمرار باصدار مجلات البحوث الفقهية المتخصصة،
والاكثار منها.
6- اصدار نشرات تعنى بشؤون عالم الفقه والفقهاء واخباره.
7- اصدار موسوعة فقهية دورية، يعاد النظر في تدوينها ومن
ثم طبعها كل خمس سنوات على الاكثر.
8- انشاء دور نشر للانتاج الفقهي.
9- استمرار وجود المجامع الفقهية الراهنة وانشاء اخرى مماثلة
لها، لتقوم بالاعمال الاتية:
ا- عقد المؤتمرات الفقهية.
ب- اقامة الندوات الفقهية.
ج- القاء المحاضرات الفقهية.
د- اعداد اللقاءات الفقهية.
10- انشاء مراكز للاعلام الفقهي.
ومن المفيد ان اذكر هنا الاضافة الجديدة في عالم الاجتهاد،
وممارسة الاستنباط، وهي جعل اثر الزمان والمكان في الاجتهاد
عنصرا اساسيا من عناصر الاجتهاد.
وممن تناوله بالبحث كما المحت الشيخ ناصر مكارم
الشيرازي الذي قال:
لا ينبغي الشك في ان للزمان والمكان دخلا في الاجتهاد،
وتوضيحه: ان لكل حكم موضوعا، والمعروف في الالسنة
ان تشخيص الموضوع ليس من شؤون الفقيه، ولكن الصحيح انه
لا يمكن للفقيه تجريد الذهن وتفكيك الخاطر
عنه، فان لموضوعات الاحكام مصاديق معقدة غامضة لا يقدر
العوام على تشخيصها، بل لابد للفقيه من تفسيرها
وتبيين حدودها وخصوصى اتها، كما يشهد على ذلك ان كثيرا
من الفروعات المعنونة في الكتب الفقهية (كالمبسوط
للشيخ،والقواعد للعلامة، والعروة الوثقى للسيد اليزدي) تكون
من هذا القبيل.
وان شئت قلت: ان كان المراد من الموضوع في المقام هو
الموضوعات الجزئية، اي مصاديق الموضوعات الكلية للاحكام،
كمصاديق الدم والخمر والماء المطلق والمضاف وغيرها فانه
كذلك، اي ليس تشخيصها من شؤون الفقيه،واما ان قلنا بان
المراد منه هو الموضوعات الكلية نفسها الواردة في لسان
الاخبار، فلا اشكال في ان تشخيصها وتعيين حدودها من شؤون
الفقيه.
وبعبارة ادق: ان هذا القسم من الموضوعات في الواقع
يستنبطها الفقيه بارتكازه العرفي، ويستخرجها وياخذها من بين
العرف بما انه من اهل العرف، ثم يرجعها الى العرف ويجعلها
بايديهم بعد تفسير الخصوصيات وتبيين حدودها،وان شئت
فانظر الى فتاوى الفقهاء، مثلا، في ما يصح السجود عليه، فقد
ورد في الدليل انه يجوز السجود على الارض وما يخرج منها الا
ما اكل وما لبس، فهذا عنوان عرفي، ولكن تكلم فقهاؤنا
(رضوان اللّه عليهم) في مصاديقه وانه اي شيء يعد من الماكول والملبوس واي شيء لا يعد منهما، فقد يكون هناك مصاديق لا
يقدر العرف على تشخيص انها منهما او ليس منهما، ولذا اورد
المحقق اليزدي في هذا الباب من العروة الوثقى فروعا كثيرة
لتبيين هذه المصاديق المشتبهة، كجواز السجود وعدمه، على
الامور التالية: 1- الادوية والعقاقير كلسان الثور
2- قشر الفواكه 3- تفالة
الشاي 4- نخالة الحنطة 5- نوات الفواكه 6- ورق الكرم
بعداليبوسة وقبلها 7- ما يؤكل في بعض الاوقات دون بعض 8-
ما هو ماكول في بعض البلاد دون بعض 9- النبات الذي ينبت
على وجه الماء (فهل هو داخل في عنوان «ما انبتته الارض»
الوارد في الرواية او لا؟) 10- التنباك. الى غير ذلك من اشباهها.
ان قلت: كيف يكون رجوع العوام فيها الى الفقيه في هذا القسم
من المصادر من قبيل رجوع الجاهل الى العالم، اي كيف يعمها
ادلة التقليد؟
قلنا: ان ادلة التقليد تشملها، ويكون الرجوع فيها من قبيل
رجوع الجاهل الى العالم من باب انه ليس لها متخصص
وخبيرغير الفقيه. نعم، لو كانت هناك موضوعات يكون لها في
العرف خبراء معروفون يجب الرجوع اليهم دون الفقيه.
ومن الامثلة التي يمكن ان تذكر في هذا المجال عنوان النظر
المحرم الى الاجنبية، فانه، ايضا، من الموضوعات المشكلة من
باب ان لها مصاديق معقدة مبهمة، فهل يصدق على النظر الى
تصوير الاجنبي في المرآة مثلا، او الماء الصافي او في التليفزيون
عنوان النظر الى الاجنبية او لا؟
هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى نعلم ان الاحكام تابعة
لموضوعاتها متابعة الظل لذي الظل، وقد يتبدل الموضوع
بتبدل الزمان او المكان، فترى الماء في المفازة والصحارى ذات
مالية فيجوز بيعه فيها، بينما لا يكون له مالية على
الشاط ى، فيبطل بيعه (هذا من قبيل دخل المكان في
الموضوع)، وترى الشيخ يجوز بيعه في الصيف دون الشتاء
لكونه مالا في الاول دون الثاني (وهذا من قبيل دخل الزمان
في الموضوع).
ومن امثلتها الواضحة في يومنا هذا الدم الذي كان بيعه وشراؤه
حراما في الازمنة السابقة باعتبار عدم وجود منفعة محللة معتد
بها له. ولكن الان لا اشكال في جواز بيعه وشرائه لما يكون له
من المنافع المحللة المقصودة، فانه لا تنحصرمنافعه في الاكل
المحرم او الصبغ الذي يعد من المنافع النادرة، فان الدم، في
يومنا هذا، عنصر حياتي يمكن به انجاءنفس انسان من التهلكة،
ولذا يكون له مالية عظيمة محللة معتد بها لنجاة المصدومين
والجرحى وكثير من المرضى، لاسيما عند اجراء عملية
جراحية، فلم لا يجوز بيعها في زماننا والحال هذا؟ وكذا بيع
الكلية وشراؤها لنجاة بعض المرضى الذين فسدت كليتهم، مع
انها بعد قطعها عن صاحبها تكون بحكم الميتة، ولا سيما انها
من غير الماكول، فلم يكن بيعها في الازمنة السابقة جائزا لعدم
منفعة محللة لها، ولكن الان جاز بيعها في زماننا هذا لتغير
الموضوع وتبدله،ولذا يشترونها بالاثمان الغالية جدا (نعم، قد
يقال: انها وان جاز بيعها من هذه الناحية، اي كونها ذات منفعة
محللة مقصودة، ولكن لا يجوز بيعها من باب حرمة بيع الميتة من كل شيء وان كان لها منفعة مقصودة، للنصوص
الخاصة الواردة فيها، فالواجب حينئذ عدم جواز اخذ الثمن في
مقابل نفسها، بل في مقابل اجازة التصرف في بدن
صاحب الكلية، فتامل جيدا).
ومن امثلتها، في عصرنا، ما قد يقال في مسالة تقليل المواليد،
وانها كانت مرجوحة في الاعصار السابقة، بينما هي راجحة في
زماننا،لا اقل في بعض البلاد التي تكون كثرة النفرات فيها
موجبة للفقر الشديد والتاخر والمفاسد الاخلاقية العظيمة.
فان ما ورد في الترغيب على تكثير النسل والمواليد كالنبوي
المعروف: «تناكحوا تكثروا فاني اباهي بكم الامم يوم القيامة ولو
بالسقط» ((8)) ناظرة الى الاعصار السابقة التي كانت كثرة
النفرات فيها سببا للقدرة والسلطة، فما كان من
الجوامع الانسانية اكثر نفرا كان اشد قدرة واكثر قوة كما يشهد
عليه قوله تعالى: (ك انوا اشد منكم قوة واكثر اموالا
واولادا)[التوبة: 69]. وقوله تعالى: (وقالوا نحن اكثر اموالا
واولادا) [سبا: 35]، وقوله تعالى: (اعلموا انما الحياة الدنيا لعب
ولهووزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد) [الحديد:20] وقوله تعالى: (فقلت استغفروا ربكم... ويمددكم
باموال وبنين) [نوح: 10 12]، فهذه الايات تدل بظاهرها على
انه كما ان كثرة الاموال كانت موجبة للقدرة والشوكة كانت
كثرة الاولاد ايضا كذلك، وهذا الحديث النبوي المعروف قد ورد
في مثل هذا الظرف من المجتمع الانساني، فهذه الخصيصة
الاجتماعية الموجودة في عصر صدوره تكون بمنزلة قرينة لبية
قد توجب انصرافه الى خصوص ذلك الزمان،وهذه الدعوى وان
لم تكن ثابتة بالقطع واليقين، ولكنها قابلة للدقة والتامل.
فقد ظهر مما ذكر دخل الزمان والمكان في الاجتهاد
والاستنباط، لكن لا على نحو دخلهما في الحكم بلا واسطة، بل
من طريق دخلهما في الموضوع، فان الاحكام ثابتة الى الابد،
وحلال محمد (ص) حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم
القيامة، والمتغير على مر الدهور والازمان، والمتبدل في
الامكنة والاقطار انما هو الموضوعات، وبتبعها تتغيرالاحكام
قهرا» ((9))
ان هذا التطور في عملية الاجتهاد ادى الى ان ياخذ مفهوم
الاجتهاد حقه بما يلتقي مع وظيفته وواقعه، حيث يقوم
بدوراستنباط الاحكام الفقهية لتنظيم حياة الانسان المسلم
فرديا واجتماعيا، يقول الشيخ الجناتي: «لقد كان الامام
الخميني يؤكد كثيرا على جدوى هذه الطريقة، وكثيرا ما كان
يركز على هذه النقطة، وهي: ان الفقه الاجتهادي المتعارف
في الحوزات العلمية لم يعد اليوم قادرا على ادارة المجتمع،
وحل مشاكل الدولة والحكومة لوحده.
فالضرورات التي يمليها علينا الواقع الاسلامي، سواء على صعيد
المجتمع الاسلامي ام على صعيد الحكومة الاسلامية، تضطرنا
الى ان نتعامل مع الفقه بطريقة اخرى جديدة، لاننا لا يمكننا
الاستجابة للتطورات والمستجدات انطلاقا من الطرق
الاجتهادية السابقة.
كان، رضوان اللّه عليه، يقول: «عليكم ان تبذلوا كل ما بوسعكم
حتى لا يتهم الاسلام في مواجهته للمشاكل
الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية بعدم القدرة
والعجز عن ادارة العالم وتسييره» ((10)).
ثم يعدد الشيخ الجناتي خصائص المجتهد التي تمكنه من
الاجتهاد المطلوب بالامور الاتية:
1- ادراك الدور الخطير للفقه الاجتهادي والرسالة العظمى
التي يضطلع بها، ووعي الرؤية الكونية للشريعة،
والواقع الموضوعي.
2- معرفة طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه، وما هي احتياجاته
ومتطلباته.
3- معرفة المجتمعات الاخرى والظروف التي تحكمها.
4- معرفة موضوعات الاحكام وتحديدها بدقة، والالمام
بخصائصها التي تتحول بتحول الزمان، ولو بالاستعانة بفريق من
الخبراء والمختصين، اذ لتحولها دور في تحول احكامها.
5- عدم التاثر بالعوامل النفسية والخارجية والسنن والتقاليد
الاجتماعية المنحرفة.
6- الخروج من دائرة الجمود والتخلف، وعدم التاثر بالاوهام
والخرافات والمعتقدات الخاطئة التي يدين بها عامة الناس»
. ((11))
ثم يعقبها بقوله: «وفي الحقيقة، ان العالم خاصة وهو يعيش في
ظل النظام الاسلامي ما لم يتعامل مع الاجتهاد
بالطريقة الجديدة، ولم يع خصائص الموضوعات وكيفية تحولها
والذي يؤدي بالنتيجة الى تحول الاحكام لا يعد
مجتهداعالما بزمانه، وانا لا اراه مجتهدا» ((12)).
وهنا ينبغي ان نفرق بين المجتهد المفتي، وهو من تتوفر فيه
الشروط التي ذكرها الشيخ الجناتي وما ذكرناه في رسالتنا،في
«التقليد»، والمجتهد المدرس الذي له القدرة على البحث
الخارج، ولكن في حدود المقارنة بين الاقوال، والموازنة بين
ادلتها، وترجيح ما ينهيه اليه البحث.
وعليه، فليس كل من يباحث الخارج هو مجتهد افتاء.
ذلك ان النسبة بينهما ليست نسبة تساو، وانما هي نسبة عموم
من مطلق، العموم في جانب مجتهد الافتاء، والخصوص في
جانب مجتهد التدريس. ومن هنا، على الامة اذا ارادت ان تختار المجتهد للافتاء والمرجعية في التقليد ان تتاكد من تاهله بالشروط المطلوبة، اي انه فوق مستوى مجتهد الترجيح وبمستوى رتبة الافتاء ومركز المرجعية. تجربة الدولة الاسلامية الحديثة في التعامل مع الفنون: الموسيقى انموذجا موضوع خلافي
ظل موضوع الفن بدلالته الاصطلاحية الحديثة من
المواضيع الخلافية والمثيرة للجدل في دائرة البحث الفقهي
وفي الدائرة الاجتماعية، منذ عودة بعض تقاليد العصر الجاهلي
الى حياة المسلمين خلال حكم الامويين والعباسيين،وتاثرهم
ببعض المظاهر الثقافية والاجتماعية للشعوب التي دخلت
الاسلام او خضعت بلدانها للفتح الاسلامي. وحين انتقلت، او
عادت، هذه المظاهر الى حياة المسلمين، كانت قصور معظم
الخلفاء والولاة والحكام وكثير من الاثرياءالحضن الذي ضمها
ورعاها.
ومن هنا جاء البحث الفقهي ورد الفعل الاجتماعي على هذه
المظاهر متاثرين باجواء الردة التي خلقتها، والمفاسدالجانبية
التي ترتبت عليها، او متاثرين بالموقف السياسي. فمن جانب
كانت بعض المواقف الفقهية خاضعة لتاثيرات الفقه السلطاني،
فكانت تسعى الى تسويغ تلك المظاهر، او تغض النظر عنها ولا
تخوض في تفاصيلها، في حين كانت المعالجات الفقهية
الاخرى، التي تتصف بالاصالة، مضطرة تحت ضغوطات الواقع
الى ان تحصر نفسها في دائرة فقه النظرية، او الى ان تحكم على
الموضوعات والمصاديق من خلال الاجواء التي تغلفها.
هذه العوامل جميعها اقتضت ان يحصر الفقه نظرته الى تلك
الموضوعات في دائرة المكان والظرف الزمني اللذين يحددان
شكل الموضوع ومضمونه، وظل البحث الفقهي والموقف
الاجتماعي يتوارثان هذه النظرة، ومنها النظرة الى موضوع
الموسيقى والغناء، والتي تتضمن فهمين خاصين، ويترتب
عليهما حكمان شرعيان مختلفان، تبعا للمدرسة الفقهية التي
ينتمي اليها كل منهما.
تجربة رائدة
وبعد قيام الدولة الاسلامية الحديثة في ايران، برزت الحاجة
الى سد الفراغات في مجال الاحكام الشرعية والقوانين التي
تدخل في بناء النظام الاسلامي، فحدثت على اثر ذلك نهضة
فقهية كبرى بفضل الاساليب الاجتهادية الجديدة التي دعا اليها
الامام الخميني(رض)، وامتدت هذه النهضة افقيا لتستوعب
معظم الموضوعات، ولتواجه الواقع المعقدالذي ينطوي على
الكثير من الحقائق الضاغطة، ولا سيما في المجالين: الثقافي
والاجتماعي، وهي حقائق لم تكن محل ابتلاء كبير بالنسبة
للفقه وحركة الاجتهاد، بسبب التغييب القسري الذي عانت
منه الشريعة طوال مئات من السنين. فكان ان عملت ولا تزال
تعمل هذه النهضة الفقهية على التعامل بموضوعية وعمق مع
هذه الحقائق، والتاصيل لها، بهدف اخضاعها لاحكام الشريعة،
وخلق واقع اجتماعي يتقبل الموقف الفقهي الجديد.
هذه التجربة الرائدة والثرة التي صنعتها الجمهورية الاسلامية
في مجال التعامل مع حقائق الواقع وموضوعاته، ولا سيماعلى
المستويين: الثقافي والاجتماعي، يجدر بمشاريع تطبيق
الشريعة الاسلامية في البلدان الاخرى والمؤسسات والجماعات
الاسلامية الثقافية والعلمية والاجتماعية، دراستها وتداولها،
بهدف التعرف عليها والافادة منها، لان هذه التجربة تعتمد
معايير الاجتهاد الجديد وشروطه وسيلة لها في اخضاع الواقع
للشريعة، ولانها اول تجربة معاصرة للتطبيق تخوضها الشريعة
الاسلامية.
التعامل الواقعي مع الموضوع
الموسيقى والغناء من جملة الموضوعات التي تعاملت معها
الجمهورية الاسلامية بواقعية، اذ اخذت بنظر الاعتبار آخلال
التاصيل الفقهي لها ومعالجتها اجتماعيا وثقافيا متطلبات
الزمان والمكان وحقائقهما، فلم يكن هذا التعامل انفعاليا او
سطحيا، بل كان خاضعا للبحث الفقهي من جهة وللبحث
الاجتماعي والثقافي من جهة اخرى، اذ بدات مع الموسيقى
بداية متوازنة، فلم تمنعها ولم تشجعها او تطلق العنان لها، بل
تركت للشخص في كثير من المجالات آتحديد تكليفه
الشرعي عند التعامل مع الفتوى والحكم. اي انها استحضرت
العناوين الشرعية الموروثة ذات العلاقة بالموسيقى، سواء ما
يتعلق بموارد الحرمة ام بموارد المفاسد المترتبة، وهي في
معظمها عناوين تختص بالافراد، وفي الوقت نفسه لم تتنكر
للواقع الضاغط الذي يرتبط بالبعد الانساني والاجتماعي
للموسيقى، وتاثيراتها، ومساحات الانتشار التي تحتلها.
وبذلك تحركت الدولة الاسلامية على مستويين جديدين الى
جانب المستوى الفردي: احدهما مستوى الجماعة والثاني
مستوى الدولة، وهما مستويان لم ترث فيهما الدولة الا خطوطا
عامة، فكانت بحاجة الى بلورة فكر فقهي متكامل يحدد التكليف
الشرعي للدولة والمجتمع والفرد معا. اضافة الى ذلك، فانها،
ومن منطلق البعد الانساني،اخذت تنظر الى الموسيقى
بوصفها وسيلة ثقافية وفنية، وليست وسيلة تجارية ومصدرا
للكسب، وهذه نظرة تعبر عن مستوى الاحترام للفطرة
الانسانية وللواقع الاجتماعي. ولكنها، في الوقت نفسه، لم تضع
تشجيع الموسيقى ضمن اهدافها، بل رات ان تشجيع الموسيقى
يتقاطع مع اهداف الدولة الاسلامية، اذ يقول الامام الخامنئي
ردا على سؤال في هذا الشان: «ان ترويج الموسيقى وآلاتها
يتنافى كلية مع اهداف النظام الاسلامي».
وعندما سمحت الجمهورية الاسلامية ببعض الوان الموسيقى،
اعتمدت قواعد العسر والحرج والضرورة في الفقه،فكان في
السماح لهذه الالوان، كالتراثية والفلكلورية والكلاسيكية،
مصلحة قوية اضطرتها لاستخدام الحكم الثانوي، في اطار
القاعدة التي يشير اليها الامام علي بن ابي طالب (ع) بقوله: «...
وقد عملت الولاة قبلي اعمالا خالفوا فيها رسول اللّه(ص)... ولو
حملت الناس على تركها وحولتها عن مواضعها والى ما كانت
في عهد رسول اللّه، لتفرق عني جندي حتى ابقى وحدي». اي
ان الجمهورية الاسلامية عمدت، في بعض هذه الحالات، الى
دفع الافسد بالفاسد ان عده بعضهم فاسدا بهدف الحيلولة
دون لجوء بعض الفئات الاجتماعية الى الموسيقى المحرمة.
ولكن الاقرب الى الواقع ان ماتم هو عملية مل ء للفراغ الذي
تركته الموسيقى المحر مة والتي كانت متفشية بشكل كبير
جدا في المجتمع.
والنتيجة هي ان المسعى العملي اتجه نحو مل ء الفراغ واحتواء
الموقف الاجتماعي، من خلال اللجوء الى تحييدالموسيقى
بوصفها ظاهرة اجتماعية وايجاد بعض المتنفسات، كالفرق
الموسيقية الرسمية مثلا او الفرق التابعة لبعض المؤسسات
الثورية، ولا يزال بعضها قائما ونشيطا، كالفرقة السمفونية
الكبرى التابعة لمؤسسة الاذاعة والتلفزيون، وهي شبيهة بالفرق
العالمية المتخصصة بالموسيقى الكلاسيكية والانشاد الاوبرالي.
فضلا عن فتح الابواب امام تشكيل الفرق الموسيقية التراثية
الصغيرة، وهي السائدة والاكثر رواجا. كما خصصت مهرجانا
سنويا للموسيقى باسم «مهرجان الفجرالموسيقي» يقيمه مركز
الانشاد والموسيقى التابع لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي.
كما سمحت باستمرار تدريس الموسيقى في معاهد الدراسات
النغمية، كتلك التابعة لاكاديمية الفنون الجميلة وكلية
الاذاعة والتلفزيون. وهذه الفعاليات ليس فيها ما يدل على
تشجيع الموسيقى، بقدر ما تعبر عن مساعي الجمهورية
لتحييد الموسيقى ووضعها في خانة المباحات، فضلا عن
استثمارها بوصفها عاملا مساعدا على تحقيق بعض الاهداف
الثقافية والتعبوية، من خلال تحريك العواطف في الاتجاه
السليم، وبالتالي يمكننا ان نعد كثيرا من هذه الفعاليات وسائل
فاعلة في مواجهة الغزوالثقافي.
والواقع انه من الصعب استثمار فن الموسيقى والغناء في
الاتجاه السليم قياسا بالمجالات الفنية الاخرى،
كالسينماوالبرامج التلفزيونية والرسم، فهذه الاعمال يمكن ان
تكون من افضل الوسائل التبليغية التي تسهم في بناء
الانسان المسلم، في حين ان الموسيقى ربما عدا الموسيقى
التعبوية الثورية والعسكرية لا يمكن ان تؤدي الدورنفسه.
الملاكات الشرعية
يرى بعض فقهاء الدولة الاسلامية ان كثيرا من الوان الموسيقى
فيه «شبهة مفهومية» حسب اصطلاح علماء الاصول
آفيخضعونه لقاعدة «اصل البراءة» ((13)). ويرى آخرون ان
حرمة الموسيقى والغناء نسبية، وترتبط بتشخيص
المكلف،لان مصداق الغناء المحر م يدور حول الطرب الذي هو
ملاك الحرمة عادة . ومن هنا تكون الحرمة، او الاباحة،
لهاعلاقة بالمكلف ومقدار تاثره وطربه. في حين يرى قسم
ثالث ان التحديد لا يرتبط بالفرد، بل بالعرف العام
وتعريفه للموسيقى اللهوية والحان اهل الفسق والفجور التي
تختص الحرمة بها. ويذهب الفقهاء ايضا الى ان الحرمة
قدتختص بالموسيقى وحدها او باجتماعها مع الكلام. وعموما
فالخلاف بين الفقهاء هنا يقتصر على موضوع
الموسيقي ومصداقها واستثناءاتها. اما الغناء والموسيقى اللهوية
عموما فلا خلاف بينهم في حرمتهما. وفي مراجعة لاراء
الفقهاءالسلف والمتاخرين حول الغناء والموسيقى ((14)) نجد
انهم يتفقون على المفاهيم والمفاسد والقواعد العامة،
ويختلفون في التطبيقات، ومن الاراء الاساسية في هذا المجال،
والتي ربما توقفت عندها التجربة الاسلامية الجديدة، هي
التي تذهب الى ان ادلة حرمة الغناء والموسيقى التي يستفاد
منها في الاحاديث الصادرة عن ائمة اهل البيت (ع)، انما
ترتبط بالظرف التاريخي الذي يعود الى العصور الاموية
والعباسية، واساليب استخدام الموسيقى حينها ونوعية الحانها
ومايصاحبها من اجواء الفسق والفجور، ولا سيما ما كان يحدث
في قصور حكام بني امية وبني العباس. وهو ما يراه عدد
من الفقهاء السابقين، كالفيض الكاشاني والنراقي، ويذهب
مذهبهم ايضا بعض الفقهاء المعاصرين.
ومن الامور التي تثير الاستغراب هو الاتجاه المعاكس الذي
تنتهجه بعض الجماعات والط رق التي تنسب نفسها
للدين،والتي حاولت على مر التاريخ اضفاء بعد ديني على اكثر
الوان الموسيقى التي اخترعتها وجعلتها طقسا ورمزا
دينيين.وهناك من معتنقي هذا الاتجاه من يفلسف ذلك بان
بعض انواع الموسيقى الهادئة الحالمة تدعو الى التامل والى
صفاءالمشاعر، ومن ثم الى التوجه عاطفيا ووجدانيا وبحس
مرهف نحو مبدع هذا الكون ومصوره ومهندسه، وقد
يصاحب هذه الموسيقى بعض الكلمات التي ترافق بتراتيل
ورموز خاصة، وهي ممارسات متاثرة ببعض الفلسفات
والافكاروالجماعات الدينية غير الاسلامية. والحقيقة ان
الموسيقى لا يمكن ان تشكل اية وسيلة من وسائل التصوف
الحقيقي والتعبير العرفاني، لانها حالة وجدانية ارضية وتعبير
عاطفي خاص. في حين تكثر وسائل التامل الديني الاصيل
والتعبيرالعرفاني الحقيقي، كانواع العبادات والدعاء والمناجاة
والتفكير والتامل. وفي هذا الشان يقول الامام الخميني:
«الغناءحرام فعله وسماعه والتكسب به... ويتضاعف عقابه لو
استعمله في ما يطاع به اللّه تعالى» ((15)) اي تحويله الى
وسيلة للتعبد والاتصال باللّه تعالى، بالصورة التي عليها بعض
الدراويش.
ماهية الموسيقى والغناء
يذكر اللغويون ان الموسيقى هي الصوت الصادر عن ارتعاش اي
جسم، وحين تنتظم هذه الارتعاشات في تموجات منظمة
بترددات محددة، تتحول تلك الارتعاشات الى الموسيقى.
وبذلك يمكن اطلاق لفظ الموسيقى على الانغام الطبيعية التي
تتعامل مع فطرة الانسان وتنسجم معها، والتي يتداخل فيها
تغريد البلابل مع خرير المياه وانسياب النسيم.اما الموسيقى
بالمعنى الاخص فهي اصدار مثل هذه الاصوات وغيرها باسلوب
صناعي، بهدف تحريك العواطف والمشاعر وتهييجها واثارتها،
وتحويل مسار العواطف نحو الحزن.. الفرح.. الهدوء.. التامل..
الاضطراب.. الجنون..التعقل. اذا يمكن تحريك العواطف في
الاتجاه الطبيعي والسليم، ويمكن تحريكها في الاتجاه غير
السليم. وهكذا الامربالنسبة للغناء، الذي يتلخص في كونه كلاما
بلحن موزون.
في الاتجاه السليم
وفي الاتجاه السليم كما مر افسحت الجمهورية الاسلامية
في المجال لاربعة الوان من الموسيقى والغناء:
1- الانغام التراثية، الخاصة بالمقامات والموشحات.
2- الانغام المحلية، او الموسيقى الفلكلورية للقوميات والقبائل.
3- الانغام المؤلفة من التراث الموسيقي الايراني والموسيقى
الحديثة، وهي خاصة بالاناشيد الاسلامية والثورية والوطنية
والعاطفية العامة.
4- الانغام السمفونية، وهي على غرار الموسيقى الكلاسيكية
العالمية.
ورغم ان المسموح ببثه عبر الاذاعة والتلفزيون وطرحه في
الاسواق الايرانية هو هذه الالوان، الا ان الفقهاء، في الوقت نفسه،
تركوا للمكلف تحديد موقفه الشرعي حيال ما يستمع اليه، ولم
يجعلوا بث الموسيقى من الاذاعة والتلفزيون الرسميين ملاكا
للحلية. ففي سؤال للامام الخامنئي حول «حد جواز الموسيقى،
وهل ان تلفزيون الجمهورية الاسلامية حجة باعتبار انه تحت
نظر ولاية الفقيه؟»، اجاب «... ان كانت الموسيقى من القسم
المطرب المخصوص بمجالس اللهوفهي حرام، وتشخيص
الموضوع موكول الى راي المكلف نفسه، ومجرد بثها من
التلفزيون ليس دليلا على حليتها، فان كان ما يبث مخصوصا
بمجالس اللهو حرم بثه وحرم الاستماع اليه» ((16)). ولعل هذا
اوضح دليل على الموقف الفقهي الحقيقي غير المتساهل
للجمهورية الاسلامية حيال الموسيقى والغناء، رغم ان معظم
ما يبث من الاذاعة والتلفزيون الايرانيين لا وجود فيه للايقاع
الراقص والانفعالي والمثير للغرائز المحرمة، او ما لا ينجسم مع
النغم الطبيعي الذي تستسيغه الفطرة السليمة، ولكن الفتوى
تدور هنا حول بعض النادر والشاذ.
ويمكن القول ان الموسيقى السائدة حاليا في الشارع الايراني
هي الموسيقى التراثية الايرانية، او ما يسمونه
بالموسيقى الاصيلة، وهي موسيقى تقليدية توارثتها اجيال
الايرانيين منذ قرون طويلة. والواقع ان هذه الموسيقى كادت
تنقرض في عهد الشاه، اذ كانت الموسيقى السائدة، آنذاك،
والتي تلقى التشجيع والدعم، هي تلك القائمة على الايقاع
الغربي اوالايقاع الراقص المثير، بنوعيه: الشرقي والغربي،
والمصحوب بالكلمات والاشعار الهابطة والمبتذلة. وكان
هدف الاذاعة والتلفزيون والسينما والمؤسسات الفنية والفرق
الموسيقية العامة والخاصة حينها، اجتذاب
المستمعين والمشاهدين وتخريب اذواقهم، في اطار اهداف
انحرافية مدروسة، اطارها نشر الفساد والخلاعة والتميع، فضلا
عن اهداف الكسب التجاري . ومع تشجيع المؤسسات الرسمية
للموسيقى الغربية المستوردة، الى جانب الموسيقى الساقطة
المنتجة محليا، عاشت الموسيقى التراثية الايرانية عزلة
واضحة، الا انها عادت في عهد الجمهورية الاسلامية لتاخذ
موقعها الطبيعي، في اطار الاهداف الخاصة للجمهورية
الاسلامية والتي سبق الحديث عنها. بيد انه في السنوات الاولى
من عمر الثورة الاسلامية وسنوات الحرب المفروضة كانت
الموسيقى الملحمية والاناشيد الثورية هي سيدة الساحة الفنية،
وقد اثرت تاثيرا كبيرا في تاجيج العواطف والاسهام في تعبئة
الشعب.
وبذلك عاشت الجمهورية الاسلامية واقعها وعصرها ولم
تتخلف عنه، حيث استثمرت تطوراته استثمارا مدروسا
وفي خطة متكاملة، آخذة بنظر الاعتبار ظرفي الزمان والمكان،
والتحصن بالشريعة الاسلامية، ولم تدخل العصر دخولامرتبكا
وفوضويا، او منصاعة للشعارات والضغوط والجو الاعلامي
السلبي الموجه ضدها. الحاجة الى جهد فقهي ويبقى ان الواقع لا يزال يحتاج الى جهد فقهي متميز حيال احكام الفن عموما، والموسيقى والغناء خصوصا، لانها من مسائل الابتلاء المهمة بالنسبة للفرد والمجتمع والدولة، بحيث ينتقل هذا الجهد بالبحث الفقهي من اطاره النظري الى الواقع، اي من فقه النظرية الى فقه التطبيق، وصولا الى التاسيس لفقه ثقافي متكامل ومنفصل عن ابواب الفقه الاخرى،اسوة بالفقه السياسي او فقه الاقتصاد، وهي دعوة سبق ان طرحت في مقال سابق ((17)) وعموما، فالاحكام الفقهية في الحقول الفنية لا تخرج غالبا عن مجال التنظير الفقهي الذي لا ينطلق من الواقع، وهي كثيرا ما تبقي المكلف في حيرته، بعد ان يعجز عن تطبيق هذه الاحكام على مصاديقها، لانها تركت له مساحة فضفاضة ليحدد من خلالها موقفه الشرعي، ومنها انها تركت له على مستوى الموسيقى والغناء مثلا ان يلتمس مقدار تاثره ويفهم راي العرف، ثم يكشف عن حقيقة الالحان المحرمة ليعرف مصاديقها. الاتجاه العلمي في تفسير القرآن الكريم قراءة في المنهج
والهداية والرشاد: برنامج فكري منظم يستهدف الحق في
الاعتقاد، والخير في العمل، والفضيلة في السلوك، فلابد من ان
يحتوي تصورا عقديا يعد عبارة عن مجموعة حقائق كونية دالة
على التوحيد وضرورة النبوات والكتب وضرورة الاعتقاد بيوم
الحساب، وهذا يلزم ان تكون معرفياته عن اسرار القوانين التي
تسير المادة، والقوانين الاجتماعية التي تنظم حركة
المجتمعات والحضارات، مجموعة حقائق يقينية، ويلزم، ايضا،
ان تكون احكامه عبارة عن قواعد قانونى ة متعلقها المصلحة
في اقتضاء الوجوب والندب، والمفسدة في اقتضاء الكراهة
والحرمة، علاوة على ان تكون قيمه قيمااخلاقية مركزية تربط
بين المفصلين: العقدي والقانوني.
لذلك، فان هذا النص الالهي المعصوم من الخطا والزلل، في
كل من مناهجه ومعارفه، لابد من ان يكون قد تضمن في مبانيه
الثابتة (الفاظه) معاني متعددة، لكل جيل من اجيال البشر
حظه في استمطار التجليات من النص، وهذا هوالمسوغ لتعدد
التفاسير عند المسلمين بتعدد اجيالهم، وربما هو المسوغ لعدم
تصدي النبي (ص) والائمة (ع) لتفسيره كله، لئلا يتوقف العلماء
حينئذ عن محاولات الكشف عن اسراره، ولعل هذا هو الاساس
وراء ظهور ما يطلق عليه التفسير بالراي (العقلي) بمجرد مرور
نصف قرن على سيادة التفسير بالماثور، وان ظل هذا اي
التفسير بالماثور ركنامهما في التفسير الى يومنا هذا.
وطبقا للفرضية التي مر ذكرها، من ان لكل جيل حظه من
تجليات النص، وفقا لتطور العقل، فان تطور «المعرفة»
الانسانية غير المستقاة من الوحي متى حصلت، يحصل معها
اجراء عرضها على القرآن اما لاستجلاء مدى تعبيرها عن
الحقيقة،او لاثبات معصومية النص، او للكشف عما اجمله
النص، او لبيان اسرار الخليقة التي اتكا عليها النص القرآني
للوصول الى ربوبية اللّه للخلق، ربوبية وحدانية.
ومن تلك المحاولات: الكشف عن اسرار القرآن من خلال
المكتشف العلمي التجريبي للفلك او فيزياء المادة او
كيمياءاجزائها او الطب او الهندسة او الرياضيات او العلوم
النفسية والتربوية ومنها الباراسايكولوجي.
وازاء هذه المحاولات، نشات «اشكالية» في هيكل المرجعية
الثقافية للمعرفة الاسلامية، فقد لاقت هذه المحاولة
قبولامطلقا من بعض العلماء، ولوما شديدا من قبل علماء
آخرين، وقبولا مفصلا مشروطا من قبل فريق ثالث، ولكل
وجهته ودليله ومرتكزاته وبنيته لموضوع الرفض او القبول،
فصارت مشروعية هذه المحاولة محل اخذ ورد، لذلك لم تقع
هذه المحاولة موقع المسلمة منهجيا ومعرفيا، بل كونت احدى
الاشكاليات في الفكر الاسلامي لاختلاطها بما سوق من انها
آاي المحاولة عبارة عن اسقاط معاصر للفكر الانساني
المحدود وغير المعصوم على نص الهي مطلق معصوم،
فهل التفسير العلمي هو، فعلا، اسقاط للمعرفة البشرية على
النص القرآني، او انه اختراق لهذا النص، او انه اداة لبيان
اسراره؟فاذا حكمنا بانه اسقاط او اختراق، دخلنا في مشكلة
اعتقادية خطيرة، واذا حكمنا بانه محاولة لبيان اسراره فهل
هذه المحاولة تكفي وحدها اداة او انها تكفي بشروط محددة،
بوصفها واحدة من ادوات بيان النص، وعليه فهل
تقبل المحاولة، بناء على هذا الفرض، مطلقة بلا ضوابط منهجية
واصول اساسية او تقيد بمجموعة من الضوابط؟
وازاء ما يتوهمه جمع من الكتاب ان ذلك عبارة عن رد فعل ازاء
الهزيمة الحضارية للمسلمين في مطلع القرن العشرين للفارق
بين وضعهم الحضاري والوضع الحضاري الاوربي، فهل
التفسير العلمي للقرآن هو من تطلعات القرن العشرين اوان له
جذورا تاريخية في القرون الاسلامية الاولى التي كونت الثقافة
حول النص؟
واذا كان «العلماء» المعاصرون، قد انقسموا في الاجابة عن هذا
السؤال الى فرق، فهل بد ء المحاولة كان في القرن
الرابع؟وترتيبا على اثبات نشاتها آنذاك، فهل كانت قد واجهت
المواقف الحديثة نفسها، او المعاصرة ازاء التفسير العلمي؟ ثم ما
الموقف الراجح من هذا الاتجاه؟
المبحث الاول: المقدمات الاساسية
المقدمة الاولى:
لا يشك احد في ان نظرية المعرفة المقبولة عند المنصفين
تجعل وسائلها الوحي (النص)، والعقل (الفلسفة)،
والتجربة(العلم التطبيقي)، الا فرق من اهل العرفان الذين
ينقسمون بين اعتبار «الفلسفة» و«التجريب» وسائل بدائية
ومعها ظاهرالنص، والوسيلة العرفانية للمعرفة هي الكشف
والحدس والالهام والنور الالهي المقذوف في القلب، ومهما
يكن من امراختلاف الناس في وسائل المعرفة فهناك مجموعة
حقائق تتفق في الجوهر وتختلف في المصدر، وهي: وجهة
القراءة ونوع المقروء وطبيعة القارى. فالحقائق، من جهة المصدر، حقائق دينية مصدرها النص، وحقائق عقلية مصدرها العقل والفلسفة، وحقائق علمية تجريبية مصدرها التجربة، وحقيقة روحية صوفية عرفانية تخترق هذه الحقائق عرضا، ولا توازيها طولا. |
|---|